Полный текст (6 200 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
وقال ابن التين: الأمانة كل ما يخفى ولا يعلمه إلا الله من المكلف، وعن ابن عباس: هي الفرائض التي أمروا بها ونهوا عنها، وقيل: هي الطاعة، وقيل: هي التكاليف، وقال ابن العربي: المراد بالأمانة في حديث حذيفة الإيمان، وتحقيق ذلك فيما ذكر من رفعها: أن الأعمال السيئة لا تزال تضعف الإيمان، حتى إذا ما تناهى الضعف لم يبق إلا أثر الإيمان وهو التلفظ باللسان والاعتقاد الضعيف في ظاهر القلب، وقال حذيفة هذا القول لما تغيرت الأحوال التي كان يعرفها على عهد النبوة والخليفتين فأشار إلى ذلك بالمبايعة، وكني عن الإيمان بالأمانة، وعما يخالف أحكامه بالخيانة. اهـ.
فالأمانة في قول جميعهم: الطاعة والفرائض التي يتعلق بأدائها الثواب وبتضييعها العقاب.
وما الأمانة في الأموال إلا جزئية من جزئيات الأمانة في معناها الشرعي العام.
أما المبايعة المذكورة في الحديث فالمراد منها المبادلة بالبيع والشراء. قال النووي: حمل بعض العلماء المبايعة هنا على بيعة الخلافة وغيرها من المعاقدة والتحالف في أمور الدين. قال صاحب التحرير، والخطابي: وهذا خطأ من قائله، وفي الحديث مواضع تبطل قوله، منها قوله: "ولئن كان نصرانيًا أو يهوديًا" ومعلوم أن النصراني واليهودي لا يعاقد على شيء من أمور الدين. اهـ.
وقد يشكل على حديث حذيفة أن ظاهر قوله: "وأنا أنتظر الآخر" يفيد أن الأمانة لم ترفع، وأنه ينتظر رفعها، وقوله: "أما اليوم فما كنت لأبايع إلا فلانا وفلانا" يفيد أنها قد رفعت، وفي هذا تعارض.
وقد أجاب عن هذا الحافظ ابن حجر، فقال: إن آخر الحديث يدل على قلة من ينسب للأمانة بالنسبة إلى حال الأولين، فالذين أشار إليهم بقوله: "ما كنت لأبايع إلا فلانا وفلانا" هم من أهل العصر الأخير الذي أدركه، والأمانة فيهم بالنسبة إلى العصر الأول أقل، وأما الذي ينتظره، فإنه حيث تفقد الأمانة من الجميع إلا النادر.
والله أعلم.
стр. 457
(٨٤) باب الفتن التي تموج موج البحر
٢٤٥ - عن حذيفة ﵁ قال: كنا عند عمر، فقال: أيكم سمع رسول الله ﷺ يذكر الفتن؟ فقال قوم: نحن سمعناه. فقال: لعلكم تعنون فتنة الرجل في أهله وجاره؟ قالوا: أجل، قال: تلك تكفرها الصلاة والصيام والصدقة. ولكن أيكم سمع النبي ﷺ يذكر الفتن التي تموج موج البحر؟ قال حذيفة: فأسكت القوم. فقلت: أنا. قال: أنت لله أبوك! قال حذيفة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا. فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء. وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء. حتى تصير على قلبين، على أبيض مثل الصفا. فلا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض. والآخر أسود مربادا، كالكوز مجخيا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا. إلا ما أشرب من هواه". قال حذيفة: وحدثته، أن بينك وبينها بابا مغلقا يوشك أن يكسر. قال عمر: أكسرا، لا أبا لك! فلو أنه فتح لعله كان يعاد. قلت: لا بل يكسر. وحدثته، أن ذلك الباب رجل يقتل أو يموت. حديثا ليس بالأغاليط. قال أبو خالد: فقلت لسعد: يا أبا مالك! ما أسود مربادا؟ قال: شدة البياض في سواد، قال قلت: فما الكوز مجخيا؟ قال: منكوسا.
٢٤٦ - عن ربعي، قال: لما قدم حذيفة من عند عمر، جلس فحدثنا. فقال: إن أمير المؤمنين أمس لما جلست إليه سأل أصحابه: أيكم يحفظ قول رسول الله ﷺ في الفتن؟ وساق الحديث بمثل حديث أبي خالد. ولم يذكر تفسير أبي مالك لقوله "مربادا مجخيا".
٢٤٧ - عن حذيفة ﵁ أن عمر قال: من يحدثنا، أو قال: أيكم يحدثنا (وفيهم حذيفة) ما قال رسول الله ﷺ في الفتنة؟ قال حذيفة: أنا. وساق الحديث كنحو حديث أبي مالك عن ربعي. وقال في الحديث: قال حذيفة: حدثته حديثا ليس بالأغاليط. وقال: يعني أنه عن رسول الله ﷺ .
стр. 458
-[المعنى العام]-
صورة رائعة لمجالس الحكام والأمراء، صورة خالية من الغيبة والنميمة والوشاية والإيقاع بالناس، صورة يجتمع فيها الملك والدين والوعظ وملائكة الرحمة، صورة يفتتحها الخليفة عمر بن الخطاب ﵁ بسؤال رعيته عما يحفظون من حديث رسول الله ﷺ في الفتن، وصورة يجيب الصحابة فيها بما يعلمون، يجيبون بفتنة الرجل وامتحانه في زوجه وولده وماله وجاره، فيقول عمر: لست عن هذه أسأل، ليس هذا أريد، لم أسأل عن فتنة الخاصة، ولكن عن التي تموج كموج البحر، فسكت الحاضرون، حيث لم يكونوا يحفظون. قال حذيفة: أنا يا أمير المؤمنين، أحفظها كما قالها رسول الله ﷺ قال له عمر: أنت تحفظها يا حذيفة؟ حسنا. لله أبوك، هات إنك على ذكرها لجريء.
قال حذيفة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: تعرض الفتن على القلوب فتنة فتنة، كما يعرض ناسج الحصير على الخيط عودا عودا، فكل قلب يقبلها ينقط فيه نقطة سوداء، حتى يتحول نوره إلى ظلام، وحتى يطبع عليه الران، وحتى يغلق عن سماع الخير والمعروف، وحتى ينصرف إلى الشر والهوى، وحتى يندفع في تيار الإيذاء وسفك الدماء.
وكل قلب ينكرها يزداد نورا على نور، وإيمانا فوق إيمان، حتى يصبح الناس أمام الفتنة أحد رجلين، رجل قلبه بياض ناصع، لا يقبل الدخن، كالحجر الأملس الذي لا يقبل الشر، ورجل قلبه أسود لا يبصر ولا يعقل، فرفع عمر يديه، وقال: اللهم لا تدركني، فقال حذيفة: لا تخف لا بأس عليك منها يا أمير المؤمنين، إن بينك وبينها بابا مغلقا، يوشك أن يكسر، قال عمر: لا أب لك يا حذيفة، يكسر أو يفتح؟ قال: لا يفتح، بل يكسر. قال: أكسرا؟ قال: نعم. قال: إذا كسر لم يغلق، لو أنه فتح لعله كان يعاد. قال: يكسر ولا يغلق إلى يوم القيامة.
ثم قال حذيفة: يا أمير المؤمنين، إن هذا الباب الذي بينك وبينها رجل يقتل أو يموت وكان عمر ﵁ يعلم أنه هو الباب علما مؤكدا، كما يعلم أن بعد النهار ليلا فاستعاذ من الفتنة. نعوذ بالله منها، ونسأله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة رب العالمين.
-[المباحث العربية]-
(يذكر الفتن) قال أهل اللغة: أصل الفتنة في كلام العرب الابتلاء والامتحان والاختبار، قال الراغب: أصل الفتن إدخال الذهب في النار لتظهر جودته من رداءته ويستعمل في إدخال الإنسان النار، ويطلق على العذاب، كقوله: ﴿ذوقوا فتنتكم﴾ [الذاريات: ١٤]، وعلى الاختبار كقوله: ﴿وفتناك فتونا﴾ [طه: ٤٠] وفيما يدفع إليه الإنسان من شدة ورخاء، وفي الشدة أظهر معنى، وأكثر استعمالا، قال تعالى: ﴿ونبلوكم بالشر والخير فتنة﴾ [الأنبياء: ٣٥] ومنه قوله: ﴿وإن كادوا ليفتنونك﴾ [الإسراء: ٧٣] أي يوقعونك
стр. 459
في بلية وشدة في صرفك عن العمل بما أوحي إليك، وقال غيره: أصل الفتنة الاختبار، ثم استعملت فيما أخرجته المحنة والاختبار إلى المكروه، ثم أطلقت على كل مكروه، أو آيل إليه، كالكفر والإثم والتحريق والفضيحة والفجور وغير ذلك.
(لعلكم تعنون) بفتح التاء، أي تريدون وتقصدون.
(فتنة الرجل في أهله وجاره) فتنة الرجل في أهله وماله وولده ضروب من فرط محبته لهم، وشحه عليهم، وانشغاله بهم عن كثير من الخير، كما قال تعالى: ﴿إنما أموالكم وأولادكم فتنة﴾ [الأنفال: ٢٨] أو لتفريطه في ما يلزم من القيام بحقوقهم وتأديبهم وتعليمهم، فإنه راع لهم ومسئول عن رعيته، وكذلك فتنة الرجل في جاره من هذا القبيل.
وذكر "الرجل" لأنه الغالب، وصاحب الحكم في داره وأهله وإلا فالنساء شقائق الرجال في الحكم.
(قالوا: أجل) حرف جواب مثل نعم، وعن الأخفش: هي بعد الخبر أحسن من نعم.
(التي تموج موج البحر) أي تضطرب، ويرفع بعضها بعضا، وشبهها بموج البحر لشدة عظمها، وكثرة شيوعها، قال الحافظ ابن حجر: كني بذلك عن شدة المخاصمة وكثرة المنازعة، وما ينشأ عن ذلك من المشاتمة والمقاتلة.
(فأسكت القوم) "أسكت" بهمزة قطع، كذا هو في الأصول قال جمهور أهل اللغة: سكت وأسكت لغتان بمعنى صمت، وقال الأصمعي: سكت صمت وأسكت أطرق.
وإنما سكت القوم لأنهم لم يكونوا يحفظون هذا النوع من الفتنة، بل حفظوا النوع الأول.
(فقلت: أنا) في رواية البخاري: قلت: "أنا كما قاله" أي أحفظه كما قاله، وفي رواية أخرى للبخاري "أنا أحفظه كما قال".
(قال: أنت؟ لله أبوك) كلمة مدح تعتاد العرب الثناء بها، فإن الإضافة إلى العظيم تشريف كبيت الله وناقة الله. قال صاحب التحرير: إذا وجد من الولد ما يحمد قيل: لله أبوك حيث أتى بمثلك، وفي رواية البخاري "هات إنك لجريء" وفي رواية أخرى "إنك عليه [أي على الرسول ﷺ ] أو عليها [على المقالة] لجريء، فكيف قال؟ ".
(تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا) اختلف في ضبط "عودا عودا" على ثلاثة أوجه: بضم العين وبالدال، وهو أظهرها وأشهرها، وبفتح العين وسكون الواو مع دال في آخره، أي تعاد وتكرر شيئا بعد شيء، وبفتح العين وسكون الواو مع ذال معجمة بدل الدال، ومعناه سؤال الاستعاذة منها، كما يقال غفرانا غفرانا، أي نسألك أن تعيذنا من ذلك، ومعنى تعرض تلصق بعرض القلوب، أي جانبها كما يلصق الحصير بجنب النائم، ويؤثر شدة التصاقها به، وقال بعضهم: معناه:
стр. 460
تظهر على القلوب، أي تظهر على القلوب فتنة بعد أخرى، كما ينسج الحصير عودا عودا، وشظية بعد أخرى، وذلك أن ناسج الحصير عند العرب كلما صنع عودا أخذ آخر ونسجه.
(فأي قلب أشربها) أي دخلت فيه دخولا تاما وألزمها، وحلت منه محل الشراب، ومنه قوله تعالى: ﴿وأشربوا في قلوبهم العجل﴾ [البقرة: ٩٣] أي حب العجل، ومنه قولهم ثوب مشرب بحمرة، أي خالطته الحمرة مخالطة لا انفكاك لها.
(نكت فيه نكتة سوداء) أي نقط فيه نقطة، قال ابن دريد وغيره: كل نقطة في شيء بخلاف لونه فهو نكت.
(وأي قلب أنكرها) أي ردها ولم يقبلها.
(حتى تصير على قلبين) أي حتى تكون الفتنة أمام نوعين من القلوب.
(على أبيض مثل الصفا) "الصفا" الحجر الأملس الذي لا يعلق به شيء و (أبيض) صفة لموصوف محذوف و"مثل الصفا" صفة أخرى للموصوف المحذوف، وليس صفة لأبيض، والتقدير: على قلب أبيض على قلب مثل الصفا، فشبه شدة القلب على عقد الإيمان وسلامته من الخلل وأن الفتن لا تلصق به ولا تؤثر فيه بالحجر الأملس الذي لا يعلق به شيء.
(والآخر أسود مربادا) منصوب على الحال من الضمير في "أسود" وهو بتشديد الدال، وروي "مربئد" بتشديد الدال أيضا، مع الرفع على الوصف، والمربد الذي يجمع بين شبه البياض مع السواد، أي هو ما فيه شيء من بياض يسير يخالط السواد، وقيل: مربد لون بين السواد والغبرة، وقيل: أن يختلط السواد بكدرة.
(كالكوز مجخيا) "الكوز" إناء له يد يغرف به الماء "مجخيا" بضم الميم وفتح الجيم وتشديد الخاء المكسورة، أي مائلا منكوسا مقلوبا. فوصف القلب الآخر بوصفين، بالسواد مع الغبرة، وشبهه بالكوز المنكوس، فكما أن الكوز المنكوس لا يعلق به ماء كذلك هذا القلب لا يعلق به خير ولا حكمة، كما قال:
(لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا) صفة ثالثة للقلب، أي لا ينصاع إلى معروف ولا يرفض منكرا.
(إلا ما أشرب من هواه) استثناء منقطع، أي لكن يتبع هواه الذي تمكن منه.
(قال حذيفة: وحدثته) أي وحدثت عمر ﵁.
(أن بينك وبينها بابا مغلقا) أي بينك وبين الفتن المذكورة بابا مغلقا، وأنه لا يخرج منها شيء في حياتك، وفي رواية البخاري "ليس عليك منها بأس يا أمير المؤمنين، إن بينك وبينها بابا
стр. 461
مغلقا" وكأنه مثل الفتن بدار ومثل حياة عمر بباب مغلق لها، ومثل موته بفتح ذلك الباب، فما دامت حياة عمر موجودة فالباب مغلق، لا يخرج شيء مما هو داخل تلك الدار، فإذا مات انفتح ذلك فخرج ما في الدار.
(يوشك أن يكسر) "يوشك" بضم الياء وكسر الشين، ومعناه يقرب.
(أكسرا؟ لا أبا لك) "كسرا" مفعول مطلق لفعل محذوف، أي أيكسر كسرا؟ و"لا أبا لك" كلمة تذكرها العرب للحث على الشيء ومعناها أن الإنسان إذا كان له أب وحزبه أمر، ووقع في شدة عاونه أبوه، ودفع عنه بعض الشدة، فلا يحتاج من الجد والاهتمام إلى ما يحتاج إليه حالة الانفراد وعدم الأب المعاون، فإذا قيل: لا أب لك. فمعناه جد في هذا الأمر وشمر وتأهب تأهب من ليس له معاون.
(فلو أنه فتح لعله كان يعاد) فإن المكسور لا يمكن إعادته، بخلاف المفتوح، ولأن الكسر لا يكون غالبا إلا عن إكراه وغلبة وخلاف عادة، وفي رواية البخاري "إذن لا يغلق أبدا" وفي رواية أخرى له "ذلك أحرى ألا يغلق" وفي أخرى "ذاك أجدر ألا يغلق إلى يوم القيامة".
(قلت: لا، بل يكسر) أي قلت: لا يفتح، بل يكسر.
(وحدثته أن ذلك الباب رجل) جاء هذا الرجل مبينا في رواية البخاري وأنه عمر ﵁، فإن قيل: كيف يفسر الباب بعمر مع أنه قال قبل: "إن بينك وبينها بابا"؟ قلنا إن المراد أن بين الفتنة وبين حياة عمر بابا هو موته، فالباب موت عمر، وهو بين حياة عمر وبين الفتنة، ففي الكلام مضاف محذوف، أي ذلك الباب قتل أو موت رجل.
(يقتل أو يموت) على الشك من حذيفة، أو أن حذيفة سمعه كذلك من النبي ﷺ وسيأتي مزيد بحث له في فقه الحديث.
(حديثا ليس بالأغاليط) "حديثا" مفعول مطلق لحدثته، والأغاليط جمع أغلوطة، وهي التي يغالط بها، والمعنى: حدثته حديثا صدقا محققا، ليس هو من صحف الكتابيين، ولا عن اجتهاد ذي رأي، بل من حديث النبي ﷺ .
(لما قدم حذيفة من عند عمر) أي لما قدم حذيفة من المدينة إلى الكوفة.
(إن أمير المؤمنين أمس) المراد بأمس - هنا - الزمان الماضي، لا أمس يومه، أي ليس اليوم الذي يليه يوم تحديثه، وأكثر العرب يبني (أمس) على الكسر معرفة، ومنهم من يعربه معرفة، وكلهم يعربه إذا دخلت عليه الألف واللام، أو صيره نكرة، أو أضافه.
(أيكم يحدثنا ما قال رسول الله ﷺ "ما" موصولة مفعول (يحدثنا) والعائد محذوف أي يحدثنا الذي قاله، ويصح أن تكون مصدرية، والتقدير يحدثنا قول رسول الله ﷺ .
стр. 462
-[فقه الحديث]-
قال الزين بن المنير: والفتنة بالأهل تقع بالميل إليهن، أو عليهن، في القسمة والإيثار حتى في أولادهن، ومن جهة التفريط في الحقوق الواجبة لهن، وبالمال يقع الاشتغال به عن العبادة، أو بحبسه عن إخراج حق الله تعالى، والفتنة بالأولاد: تقع بالميل الطبيعي إلى الولد وإيثاره على كل أحد، والفتنة بالجار: تقع بالحسد والمغامرة، والمزاحمة في الحقوق، وإهمال التعاهد، ثم قال: وأسباب الفتنة بمن ذكر غير منحصرة فيما ذكرت من الأمثلة.
وقال الحافظ ابن حجر: فتنة الرجل في أهله وماله وجاره تكون بالالتهاء بهم أو أن يأتي لأجلهم بما لا يحل له، أو يخل بما يجب عليه.
ثم حكى إشكال ابن أبي جمرة على هذا، وحاصله، أن تكفير المحرمات والإخلال بالواجبات بالصلاة والصدقة مشكل، لأن الطاعات لا تسقط ذلك، وإن أريد تكفير الوقوع في المكروه والإخلال بالمستحب فلا يتناسب مع إطلاق التكفير.
ثم أجاب عن هذا الإشكال بالتزام الشق الأول، وأن الممتنع من تكفير الحرام والواجب ما كان كبيرة فهي التي فيها النزاع والخلاف، وأما الصغائر فلا نزاع أنها تكفر لقوله تعالى: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم﴾ [النساء: ٣١] الآية. اهـ.
وقال: واحتج المرجئة بظاهر الحديث على أن أفعال الخير مكفرة للكبائر والصغائر، وحمله جمهور أهل السنة على الصغائر، عملا بحمل المطلق على المقيد. اهـ.
ونحن نميل إلى هذا الرأي، وإن كان الكلام في تحديد الصغائر من المحرمات والكبائر منها غير منضبط.
وقال بعض الشراح: يحتمل أن تكون كل واحدة من الصلاة والصيام والصدقة مكفرة للمذكورات كلها، لا لكل واحدة منها، ويحتمل أن يكون من باب اللف والنشر، بأن تكون الصلاة مثلا مكفرة للفتنة في الأهل والصوم في الولد .... إلخ.
والاحتمال الثاني ضعيف لا يعتد به، نعم قد تستقل الصلاة بتكفير ما ذكر، ويكون الصوم والصدقة ونحوها لرفع الدرجات وزيادة الحسنات إذا لم تجد من الصغائر ما تكفرها.
ثم إن المكفرات لا تختص بما ذكر، بل تعم العبادات، وإنما خصها بالذكر إشارة إلى عظم قدرها، وتنبيها بها على غيرها، فذكر من عبادة الأعمال الصلاة والصيام، ومن عبادة المال الصدقة، ومن عبادة الأقوال [في رواية البخاري] الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ثم إن التكفير لا يختص بفتنة الرجل في أهله وجاره وماله [الوارد في رواية البخاري] بل نبه بها أيضا على ما عداها، والضابط أن كل ما يشغل صاحبه عن الله فهو فتنة له.
стр. 463
ثم إن التكفير المذكور يحتمل أن يقع بنفس فعل الحسنات، ويحتمل أن يقع بالموازنة. والله أعلم.
والظاهر أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يعلم ما يعلمه حذيفة عن الفتنة، وإنما أراد أن يسمعه، وأن يسمعه الصحابة ليحذروه، يدل على ذلك ما رواه البخاري من أن حذيفة سئل: أكان عمر يعلم الباب؟ قال: نعم، كما يعلم أن دون غد الليلة. أي أن ليلة غد أقرب إلى اليوم من غد.
وقد روى الطبراني: "أن أبا ذر لقي عمر، فأخذ عمر بيده فغمزها، فقال له أبو ذر: أرسل يدي يا قفل الفتنة" وفيه "أن أبا ذر قال: لا تصيبكم فتنة ما دام فيكم" وأشار إلى عمر.
وروى البزار عن عثمان بن مظعون أنه قال لعمر: "يا غلق الفتنة" فسأله عن ذلك، فقال: مررت ونحن جلوس عند النبي ﷺ فقال: "هذا غلق الفتنة، لا يزال بينكم وبين الفتنة باب شديد الغلق ما عاش".
وقال ابن بطال: إنما علم عمر أنه الباب لأنه كان مع النبي ﷺ على حراء، وأبو بكر وعثمان، فرجف، فقال: "اثبت فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان" أو فهم ذلك من قول حذيفة إنه يكسر. اهـ. والظاهر أن ابن بطال إنما أراد الاستدلال على أن عمر كان يعلم أنه سيموت شهيدا مقتولا، لأن ما ذكره ينتج ذلك ولا ينتج أنه الباب.
ولهذا قال الحافظ ابن حجر: والذي يظهر أن عمر علم الباب بالنص كما تقدم عن أبي ذر وعن عثمان بن مظعون.
فإن قيل: هل كان حذيفة يعلم أن عمر سيقتل؟ قلنا: الظاهر نعم فقد قال ابن المنير: آثر حذيفة الحرص على حفظ السر، ولم يصرح لعمر وإنما كنى كناية، وكأنه كان مأذونًا له في ذلك.
وقال النووي: يحتمل أن يكون حذيفة علم أن عمر يقتل، ولكنه كره أن يخاطبه بالقتل، لأن عمر كان يعلم أنه الباب، فأتى بعبارة يحصل بها المقصود بغير تصريح بالقتل. اهـ.
فإن قيل: إذا كان عمر قد علم ذلك، فهل شك فيه حتى سأل عنه؟ قلنا: يحتمل أنه شك فيه من شدة الخوف، أو خشي أن يكون نسي، فطلب التذكير أو لم يشك، وسأل ليعلم الحاضرين، وهذا هو الظاهر.
فإن قيل: ألم يكن أحد من الصحابة يحفظ حديث الفتنة غير حذيفة؟ قلنا: لعل من سمعه من الرسول ﷺ من الصحابة ماتوا قبله.
-[ويؤخذ من الحديث]-
١ - جواز إطلاق اللفظ العام وإرادة الخاص، إذ تبين أن عمر لم يسأل إلا عن فتنة مخصوصة.
٢ - أن الأهل والأولاد والأموال والجار فتنة موقعة في الذنوب.
стр. 464
٣ - أن هذه الفتنة ونحوها تكفرها الصلاة والصوم والصدقة والعبادات.
٤ - فيه علم من أعلام النبوة، فقد أخبر ﷺ بالفتنة الكبرى، ووقع ما أخبر به.
٥ - أن هذه الفتنة الكبرى إذا وقعت ظل باب الشر مفتوحا بين المسلمين، ووقع بأسهم بينهم، ففي بعض الروايات (قال حذيفة: كسر ثم لا يغلق إلى يوم القيامة).
٦ - تذاكر الولاة مع العلماء أمور دينهم للتبصير بالعواقب وأخذ الحذر والحيطة.
والله أعلم
стр. 465
(٨٥) باب بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا
٢٤٨ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ غريبا فطوبى للغرباء"
٢٤٩ - عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ قال: "إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ. وهو يأرز بين المسجدين كما تأرز الحية في جحرها".
٢٥٠ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها".
-[المعنى العام]-
كم أوذي الصحابة بسبب إسلامهم، وكم كان المتمسك بدينه كالقابض على الجمر، وكم كان الذين كفروا من الذين آمنوا يضحكون، وإذا مروا بهم يتغامزون، وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين. بدأ الإسلام هكذا غريبا بين المشركين، وهو اليوم يعود غريبا بين أهله المسلمين، أصبح المحافظ على إسلامه في نظر المجتمع متأخرا جامدا، وأصبحت شعائر الإسلام غريبة في مجتمع المسلمين، وأصبح المنكر معروفا، والمعروف منكرا، ولم يعد بينهم أمر بالمعروف أو نهي عن المنكر، بل أمر بالمنكر ونهي عن المعروف في بلاد دينهم الرسمي الإسلام، وأشخاص يسمون بأحمد ومحمد، فأي غربة للإسلام أشد من هذه الغربة؟ وأي عزلة لتعاليمه فوق هذه العزلة؟ فطوبى لمن تمسك بدينه في هذا الوسط المنحرف، وحسن مآب لمن عدوا بسبب إسلامهم من الغرباء، وهنيئا لهم تشوفهم إلى الحرمين الشريفين اللذين تهفو إليهما نفوس المؤمنين، وتهوى إليهما أفئدة العابدين، نعم ففيهما ترتوي النفوس الظامئة، وترتاح الأفئدة القلقة المضطربة، وتسر القلوب الحزينة، وترتع في رياضها - رياض الجنة - الأرواح المقيدة المكبوتة، فاللهم يسرها لنا، ويسرنا لها، واجعلنا من الغرباء.
стр. 466
-[المباحث العربية]-
(بدأ الإسلام غريبا) قال القرطبي: "بدأ" بدون همز لازم، وبالهمز متعد، ومنه "يبدأ الله الخلق" والرواية في الحديث بالهمز لا غير، مع أنه لم يذكر له مفعول، إذ "غريبا" حال فيضمن معنى "طرأ" وأنكر بعضهم همزه، وقال إنما هو "بدا" بمعنى ظهر و"الغريب" هو النازح من وطنه إلى مكان جديد ليس وطنا له، وسيأتي شرحه في هذا الحديث.
(فطوبى للغرباء) فعلى من الطيب. قاله الفراء، وقال: إنما جاءت الواو لضمة الطاء. قال: وفيها لغتان، تقول العرب: طوباك وطوبى لك، والأخيرة جاء بها القرآن قال تعالى: ﴿طوبى لهم وحسن مآب﴾ [الرعد: ٢٩] وفي معناها قيل: طيب العيش، وقيل: فرح وقرة عين، وقيل: نعم ما لهم، وقيل: غبطة لهم، وقيل: حسنى لهم، وقيل: أصابوا خيرا، وقيل: خير لهم وكرامة، وقيل: دوام الخير، وقيل: الجنة. وكل هذه الأقوال قريبة، ومحتملة في الحديث.
(كما بدأ) الكاف صفة لمصدر محذوف، و"ما" موصولة أو مصدرية والتقدير: وسيعود عودا شبيها بالبدء الذي بدأه.
(وهو يأرز بين المسجدين) "يأرز" بياء ثم همزة ثم راء مثلثة والأفصح كسرها ثم زاي، ومعناه ينضم ويجتمع، والمراد من المسجدين مسجد مكة ومسجد المدينة.
(كما تأرز الحية إلى جحرها) أي كما تنتشر الحية من جحرها في طلب ما تعيش به، فإذا راعها شيء رجعت إلى جحرها، وانكمشت فيه.
-[فقه الحديث]-
نقل القاضي عياض عن مالك أن الحديث خاص بالمدينة المنورة، فقال: إن معناه في المدينة، وأن الإسلام بدأ بها غريبا، وسيعود إليها، قال القاضي: وظاهر الحديث العموم وأن الإسلام بدأ في آحاد من الناس وقلة، ثم انتشر وظهر، ثم يلحقه النقص والإخلال حتى لا يبقى إلا في آحاد وقلة أيضا كما بدأ. ثم قال القاضي عياض: ومعنى أنه يأرز إلى المدينة أن الإيمان أولا وآخرا بهذه الصفة، لأنه في أول الإسلام كان كل من خلص إيمانه وصح إسلامه أتى المدينة، إما مهاجرا مستوطنا وإما متشوقا إلى رؤية الرسول ﷺ ومتعلما منه ومتقربا، ثم بعده هكذا في زمن الخلفاء كذلك، ولأخذ سيرة العدل منهم، والاقتداء بجمهور الصحابة رضوان الله عليهم فيها، ثم من بعدهم من العلماء الذين كانوا سرج الوقت وأئمة الهدى لأخذ المنن المنتشرة بها عنهم، فكان كل ثابت الإيمان، منشرح الصدر به يرحل إليها، ثم بعد ذلك في كل وقت إلى زماننا لزيارة قبر النبي ﷺ والتبرك بمشاهدة آثاره وآثار أصحابه الكرام، فلا يأتيها إلا مؤمن. هذا كلام القاضي.
стр. 467
ونحن مع القاضي في تفسير أرز الإسلام إلى المدينة، ولكن تفسيره عود الإسلام غريبا بما فسره - كما فسره بذلك غيره - لا يتفق وما نرى من انتشار الإسلام، وزيادة عدد المسلمين ودخول الناس في الإسلام بين الحين والحين، ونحن في آخر الزمان.
فالأولى تفسيره بأن الإسلام بدأ غريبا في نفوس الناس وسيعود غريبا في نفوسهم وإن كثر عدد من ينتسبون إليه. والله أعلم.
وقد أخذ القرطبي من قوله: "إن الإيمان ليأرز إلى المدينة" دليلا على مذهب أهل المدينة، وسلامتهم من البدع، وأن عملهم حجة كما رواه مالك. ورد عليه الحافظ ابن حجر بأن هذا إن سلم اختص بعصر النبي ﷺ والخلفاء الراشدين، وأما بعد ظهور الفتن وانتشار الصحابة في البلاد، ولا سيما في أواخر المائة الثانية وهلم جرا فهو بالمشاهدة بخلاف ذلك.
والله أعلم
стр. 468
(٨٦) باب ذهاب الإيمان آخر الزمان
٢٥١ - عن أنس ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله، الله".
٢٥٢ - عن أنس ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقوم الساعة على أحد يقول: الله، الله".
-[المعنى العام]-
علم من أعلام النبوة، وإخبار بالغيب أوحى الله به إلى نبيه ﷺ ليحذرنا من الشر ويبصرنا بعواقب الأمور، إن الإسلام سيضعف نوره في البشرية شيئا فشيئا، ويضمحل أثره في النفوس زمانا بعد زمان، حتى لا يبقى منه إلا اسمه، وحتى يقبض الله المؤمنين إيمانا صادقا، إلا حثالة معدودة في المسلمين، وليس لها من حقيقة الإسلام شيء، تتمسك بالاسم وهي بعيدة عن المسمى، وتقرأ القرآن لا يجاوز حناجرهم، وتدعي الإيمان ولا أثر له في قلوبهم، لا يؤمنون بحق، ولا يقولون: ربنا الله، بصدق، أولئك شرار الخلق، وعليهم تقوم الساعة.
فاللهم اقبضنا غير مفرطين ولا مضيعين، ونعوذ بك اللهم من هذا الزمان، ونسألك العفو والإحسان، إنك على كل شيء قدير.
-[المباحث العربية]-
(على أحد يقول: الله، الله) هو برفع اسم الله تعالى، فلفظ الجلالة الأول مبتدأ والثاني خبر، والتقدير: الله الإله المعبود بحق، وضبطه بعضهم بالنصب على التحذير بفعل لا يظهر لنيابة التكرار عنه، والروايات كلها متفقة على تكرير اسم الله تعالى في الروايتين، وجاء في رواية "يقول: لا إله إلا الله".
-[فقه الحديث]-
في معنى هذا الحديث جاء في الصحيح: "لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس" وفي مسلم "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يكون بعدهم قوم يشهدون ولا
стр. 469
يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن) وفيه (يبعث الله ريحا طيبة، فتوفي كل من في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، فيبقى من لا خير فيه) وفيه أيضا (فبينما هم كذلك إذ بعث الله ريحا طيبة، فتأخذهم تحت آباطهم، فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم ويبقى شرار الناس، يتهرجون فيها تهارج الحمر (أي يفحش الرجال بالنساء بحضرة الناس، كما يفعل الحمير) فعليهم تقوم الساعة" وفي البخاري: "لا يأتي عليكم زمان إلا الذي بعده شر منه حتى تلقون ربكم" وفيه "يذهب الصالحون الأول فالأول، ويبقى حفالة كحفالة الشعير أو التمر (أي ما يتساقط من قشور الشعير والتمر) لا يبالهم الله باله" وفي بعض الروايات: "تذهبون الخير فالخير، حتى لا يبقى منكم إلا حثالة كحثالة التمر ينزو بعضهم على بعض نزو المعز، على أولئك تقوم الساعة" وفي البخاري: "من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء". وقد تقدم قبل ثمانية عشر حديثا أن شرحنا ما رواه مسلم: "إن الله يبعث ريحا من اليمن ألين من الحرير فلا تدع أحدا في قلبه مثقال حبة من إيمان إلا قبضته".
وقلنا: إنه وأمثاله لا يتعارض مع ما جاء في الصحيح من قوله ﷺ : "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق إلى يوم القيامة" لأن معناه أنهم لا يزالون على الحق حتى تقبضهم الريح اللينة قبل يوم القيامة، فقوله في الحديث: "إلى يوم القيامة" معناه إلى أوائل ومقدمات يوم القيامة.
قال الحافظ ابن حجر: ووجدت في هذا مناظرة: أخرج الحاكم أن عبد الله بن عمرو قال: لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق، هم شر من أهل الجاهلية، فقال عقبة بن عامر: عبد الله أعلم بما يقول، وأما أنا فسمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله، ظاهرين لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك" فقال عبد الله: أجل "ويبعث الله ريحا، ريحها المسك، ومسها مس الحرير، فلا تترك أحدا في قلبه مثقال حبة من إيمان إلا قبضته، ثم يبقى شرار الناس فعليهم تقوم الساعة".
قال الحافظ ابن حجر: فعلى هذا فالمراد من قوله في حديث عقبة "حتى تأتيهم الساعة" ساعتهم هم، وهي وقت موتهم بهبوب الريح.
والله أعلم
стр. 470
(٨٧) باب الاستسرار بالإيمان للخائف
٢٥٣ - عن حذيفة ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ فقال: "أحصوا لي كم يلفظ الإسلام" قال، فقلنا: يا رسول الله ﷺ أتخاف علينا ونحن ما بين الستمائة إلى السبعمائة؟ قال: "إنكم لا تدرون لعلكم أن تبتلوا" قال: فابتلينا. حتى جعل الرجل منا لا يصلي إلا سرا.
-[المعنى العام]-
عند الاستعداد لإحدى الغزوات قال رسول الله ﷺ لأصحابه: اكتبوا لي وأحصوا عدد المسلمين، فأحصوا له فكان المسلمون بين ستمائة وسبعمائة رجل، وشعر رسول الله ﷺ بالزهو والإعجاب من الصحابة لكثرة عددهم، فأظهر لهم الخوف عليهم، والشفقة عليهم. فقالوا: أتخاف علينا يا رسول الله وقد كثر عددنا؟ وقويت شوكتنا؟ وقد نصرنا الله ونحن في قلة وضعف؟ فبين لهم رسول الله ﷺ أن الكثرة قد لا تغني عند البلاء، وأنهم سيمتحنون امتحانًا تنهار أمامه قوتهم، وتصير عنده هباء كثرتهم.
فوقع لهم ما أخبرهم به ﷺ ، وابتلوا بالفتن التي تموج موج البحر، وامتحنوا في دينهم حتى كان الرجل يخفي صلاته عن الآخرين ويصلي سرا خوفا وفرقا.
لقد نبههم ﷺ ليأخذوا حذرهم، وأخبرهم بما خافه شفقة عليهم، وصدق الله العظيم حيث قال فيه: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم﴾ [التوبة: ١٢٨] صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.
-[المباحث العربية]-
(أحصوا لي) معناه عدوا، وقد جاء في رواية البخاري "اكتبوا لي".
(كم يلفظ الإسلام) معناه كم عدد من يتلفظ بكلمة الإسلام؟ و"كم" استفهامية ومفسرها محذوف، وتقديره: كم شخصا، و"يلفظ" فعل لازم، ونصب "الإسلام" على نزع الخافض، والأصل يلفظ بالإسلام، والجملة في محل النصب مفعول "أحصوا". وفي بعض الأصول "تلفظ" بالتاء بدل
стр. 471
الياء، وبالفعل الماضي بدل المضارع، وفي رواية للبخاري: "اكتبوا من يلفظ بالإسلام" (من) مفعول (اكتبوا) وفي رواية النسائي: "أحصوا لي من كان يلفظ بالإسلام" وفي رواية: "أحصوا كل من تلفظ بالإسلام"
(أتخاف علينا) استفهام تعجب. وفي رواية بحذف الهمزة مع إرادة الاستفهام أيضا.
(ونحن ما بين الستمائة والسبعمائة) الجملة في محل النصب على الحال من ضمير "علينا" ولفظا "الستمائة والسبعمائة" وقعا بالألف واللام فيهما في رواية مسلم، مع أن الألف واللام تحذف من المضاف في الإضافة المحضة، كما هنا، وفي توجيهه قيل. إن لفظ "مائة" في الموضعين منصوب على التمييز على قول بعض النحاة، وقيل: إن "مائة" مجرورة بالإضافة والألف واللام زائدتان فلا اعتداد بدخولهما. ووقع في غير مسلم "ستمائة إلى سبعمائة" بدون أل، ولا إشكال فيه.
(لعلكم أن تبتلوا) "لعل" للاستفهام على رأي الكوفيين، وعلق بها الفعل "تدرون" فجملتها في محل النصب مفعول "تدرون" ويفهم من معناها هنا الإشفاق.
(قال: فابتلينا) أي قال حذيفة الراوي: فوقع لنا الابتلاء.
-[فقه الحديث]-
تضاربت روايات هذا الحديث في عدد الصحابة تضاربا بينا مع اتحاد المخرج، ففي البخاري: "فقلنا: تخاف ونحن ألف وخمسمائة؟ " وفي رواية له "فوجدناهم خمسمائة". قال النووي: قد يقال: وجه الجمع بين هذه الألفاظ أن يكون قولهم "ألف وخمسمائة" المراد به النساء والصبيان والرجال، ويكون المراد من قولهم "ما بين ستمائة إلى سبعمائة" الرجال خاصة، ويكون المراد برواية "خمسمائة" المقاتلين. ثم قال النووي: وهذا الجواب باطل برواية البخاري في آخر كتاب السير في "باب كتابة الإمام الناس" قال فيها: "فكتبنا له ألفا وخمسمائة رجل" والجواب الصحيح - إن شاء الله تعالى - أن يقال: لعلهم أرادوا بقولهم "ما بين الستمائة إلى السبعمائة" رجال المدينة خاصة، وبقولهم: "فكتبنا له ألفا وخمسمائة" هم من المسلمين حولهم. اهـ.
وقد سلك الداودي الشارح طريقا آخر للجمع فقال: لعلهم كتبوا مرات في مواطن. اهـ.
وكان الحافظ ابن حجر قد توقف عن الجمع، ولم يرتض ما ذكر، إذ قال: ويخدش في وجوه هذه الاحتمالات كلها اتحاد مخرج الحديث. اهـ.
والمحقق يرى أن اتحاد المخرج لا يمنع التعدد، فقد يكون حذيفة من الذين حضروا الكتابة مرات، فحدث بما حدث في كل مرة، وقد يكون قد سمع البعض يقول: ألف وخمسمائة، قاصدا ما قصده، والبعض يقول: خمسمائة قاصدا ما قصد، والبعض يقول: ما بين الستمائة والسبعمائة، قاصدا ما قصد، فحدث بما سمع. والله أعلم.
стр. 472
أما متى وقع ذلك؟ فقد قال الحافظ ابن حجر: كأن ذلك وقع عند ترقب ما يخاف منه، ولعله كان عند خروجهم إلى أحد أو غيرها، ثم رأيت في شرح ابن التين الجزم بأن ذلك كان عند حفر الخندق، وحكى الداودي احتمال أن ذلك وقع لما كانوا بالحديبية لأنه قد اختلف في عددهم هل كانوا ألفا وخمسمائة؟ أو ألفا وأربعمائة؟ أو غير ذلك؟
وأما متى كان هذا الابتلاء؟ وما سببه؟ فقد قيل: لعله كان حين أتم عثمان الصلاة في السفر، وكان بعضهم يقصر سرا وحده خشية الإنكار عليه، وقيل: كان أيام قتل عثمان ورده الحافظ ابن حجر: بأن حذيفة لم يحضر ذلك، وقيل: يشبه أن يكون أشار بذلك إلى ما وقع في أواخر خلافة عثمان، من ولاية بعض أمراء الكوفة، كالوليد بن عقبة، حيث كان يؤخر الصلاة، أو لا يقيمها على وجهها، وكان بعض الورعين يصلي وحده سرا، ثم يصلي معه، خشية من وقوع الفتنة.
وقال النووي: لعله كان في بعض الفتن التي جرت بعد النبي ﷺ فكان بعضهم يخفي نفسه ويصلي سرا، مخافة من الظهور والمشاركة في الدخول في الفتنة والحروب. والله أعلم.
-[ويؤخذ من الحديث]-
١ - جواز الاستسرار بالإيمان والأعمال الصالحة للخائف.
٢ - مشروعية كتابة دواوين الجيوش، وقد يتعين ذلك عند الاحتياج إلى تمييز من يصلح للمقاتلة ممن لا يصلح.
٣ - وفيه وقوع العقوبة على الإعجاب بالكثرة. وهو نحو قوله تعالى: ﴿ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا﴾ [التوبة: ٢٥] قاله الحافظ ابن حجر.
وقال ابن المنير: موضع الترجمة من الفقه ألا يتخيل أن كتابة الجيش وإحصاء عدده يكون ذريعة لارتفاع البركة، بل الكتابة المأمور بها لمصلحة دينية، والمؤاخذة التي وقعت في حنين كانت من جهة الإعجاب.
٤ - وفيه علم من أعلام النبوة، إذ أخبر ﷺ بما سيقع فوقع كما أخبر به، قال الحافظ ابن حجر: بل وقع أشد من ذلك بعد حذيفة في زمن الحجاج وغيره.
والله أعلم
стр. 473
(٨٨) باب تأليف ضعيف الإيمان
٢٥٤ - عن عامر بن سعد عن أبيه ﵁ قال: قسم رسول الله ﷺ قسما. فقلت: يا رسول الله، أعط فلانا فإنه مؤمن. فقال النبي ﷺ : "أو مسلم" أقولها ثلاثا. ويرددها علي ثلاثا "أو مسلم" ثم قال: "إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه، مخافة أن يكبه الله في النار".
٢٥٥ - عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه سعد ﵁، أن رسول الله ﷺ أعطى رهطا، وسعد جالس فيهم، قال سعد: فترك رسول الله ﷺ منهم من لم يعطه. وهو أعجبهم إلي. فقلت: يا رسول الله، ما لك عن فلان؟ فوالله إني لأراه مؤمنا. فقال رسول الله ﷺ : "أو مسلما" قال: فسكت قليلا، ثم غلبني ما أعلم منه، فقلت: يا رسول الله، ما لك عن فلان، فوالله إني لأراه مؤمنا، فقال رسول الله ﷺ : "أو مسلما" قال: فسكت قليلا، ثم غلبني ما علمت منه. فقلت: يا رسول الله، ما لك عن فلان، فوالله إني لأراه مؤمنا. فقال رسول الله ﷺ : "أو مسلما". إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه. خشية أن يكب في النار على وجهه".
٢٥٦ - عن عامر بن سعد عن أبيه سعد، أنه قال: أعطى رسول الله ﷺ رهطا وأنا جالس فيهم. بمثل حديث ابن أخي ابن شهاب، عن عمه. وزاد: فقمت إلى رسول الله فساررته. فقلت: ما لك عن فلان.
٢٥٧ - عن محمد بن سعد يحدث هذا فقال في حديثه: فضرب رسول الله ﷺ بيده بين عنقي وكتفي، ثم قال: "أقتالا؟ أي سعد! إني لأعطي الرجل".
стр. 474
-[المعنى العام]-
مر رجل من سادات قريش على رسول الله ﷺ وحوله أصحابه وفيهم سعد بن أبي وقاص، فقال لهم ما تقولون في هذا الرجل؟ قالوا: عظيم، حري إن شفع أن يشفع، وإن خطب أن ينكح، وإن تكلم أن يسمع. فسكت ﷺ حتى مر جعيل بن سراقة - وهو من فقراء المهاجرين - فقال لهم: "ما تقولون في هذا الرجل؟ " قالوا: حري إن شفع ألا يشفع، وإن خطب بنت أحدنا ألا ينكح، وإن تكلم ألا يستمع. قال ﷺ : "هذا الفقير خير من ملء الأرض مثل هذا الغني".
فلما كان مجلس آخر بعد زمن، وجلس سعد بن أبي وقاص في مجلس الرسول ﷺ جاء جماعة من فقراء المهاجرين، وفيهم جعيل بن سراقة، يتعرضون لعطاء الرسول ﷺ فأعطاهم رسول الله ولم يعط جعيلا، فعظم الأمر في نفس سعد، كيف لا يعطي جعيلا وهو عند سعد أحبهم إليه منذ سمع من الرسول ﷺ عنه ما سمع؟ قام سعد، وأسر في أذن الرسول ﷺ : يا رسول الله، قلت في جعيل كذا وكذا، وأنت تصنع به الآن ما تصنع؟ أعط جعيلا كما أعطيت زملاءه، فوالله إني لأراه مؤمنا، فأراد ﷺ أن يرشد سعدا إلى التوقف عن الثناء بالأمر الباطن دون الثناء بالأمر الظاهر، وإلى أنه ينبغي أن تكون التزكية بالإسلام لا بالإيمان، فقال له: أو مسلما. فسكت سعد قليلا، ولم يعط الرسول ﷺ جعيلا، فلم يستطع الاستمرار على السكوت فقال مرة ثانية: يا رسول الله أعط جعيلا، فوالله إني لأراه مؤمنا، قال ﷺ : "أو مسلما". فسكت قليلا، ولم يعد رسول الله ﷺ جعيلا، ثم لم يستطع الصبر، فقال: يا رسول الله، أعط جعيلا، فوالله إني لأراه مؤمنا، قال رسول الله ﷺ : "أو مسلما" ثم قال: أقتالا ومدافعة يا سعد، إن الإعطاء ليس علامة الرضى والمحبة، وإن هؤلاء ضعاف الإيمان، فأنا أتألفهم، أما جعيل فهو قوي الإيمان، فأنا أتركه لإيمانه وأعطي من أخشى عليه الكفر، أحميه بالمال من الوقوع في نار جهنم، وإني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه.
فرضي سعد، وآمن بحكمة الرسول ﷺ ورضي جعيل بالحرمان ﵁ وعن الصحابة أجمعين.
-[المباحث العربية]-
(عن عامر بن سعد عن أبيه) سعد بن أبي وقاص -كما هو مصرح به في الرواية الثانية- أحد العشرة المبشرين بالجنة، أسلم بعد أبي بكر، وله في الإسلام فضل كبير، ومات بالعقيق سنة خمس وخمسين، وعاش نحوا من ثمانين سنة.
(قسم رسول الله ﷺ قسما) "قسما" مفعول به، أي قسم مالا مقسوما وكان ما أفاء الله على رسوله خمس خمس الغنيمة يحبسه رسول الله ﷺ فينفق منه على أهله، وفي السلاح، وعدة الحروب، وما فضل يقسمه في فقراء المهاجرين، ولعل القسم في الحديث من هذا الأخير.
стр. 475
(أعط فلانا) لفظ "فلانا" كناية عن اسم أبهم بعد أن ذكره سعد صريحا لرسول الله ﷺ .
(وغيره أحب إلي منه) جملة حالية من فاعل أعطي أي أعطي الرجل حالة حبي لغيره أكثر منه.
(مخافة أن يكبه الله في النار) مخافة مفعول لأجله، والمصدر المنسبك من أن والفعل مضاف إليه، يقال: كبه الله في النار يكبه، أي قلبه وصرعه، ويقال: أكب الرجل بالهمز، أي انقلب وانصرع فهو لازم، قال النووي: وهذا بناء غريب، فإن العادة أن يكون الفعل اللازم بغير همزة، فيعدى، وهنا عكسه. اهـ. وقال ابن حجر: ويجوز أن يكون ألف "أكب" للصيرورة.
(أعطى رهطا) الرهط عدد من الرجال ليس فيهم امرأة، من ثلاثة إلى عشرة، وقيل: ربما جاوزوا ذلك قليلا، وليس له واحد من لفظه.
(وسعد جالس فيهم) المراد: وسعد جالس معهم، لأن سعدا ليس من الرهط المعطى أو الآتي للعطاء، وإنما عبر بـ"في" للإشارة إلى تمكنه من القصة.
ولما كان سعد هو المتحدث كان قوله: "وسعد جالس فيهم" من باب التجريد، وكان في قوله: "وهو أعجبهم إلي" التفات، وفي رواية للبخاري "أعطى رهطا وأنا جالس" فساق الحديث بلا تجريد ولا التفات.
(وهو أعجبهم إلي) أي أفضلهم، وأصلحهم في اعتقادي، وأحبهم إلي لدينه.
(ما لك عن فلان؟ ) ما استفهام مبتدأ ولك متعلق بمحذوف خبر، وعن فلان متعلق بمحذوف حال، والتقدير: أي شيء حصل لك حالة كونك معرضا عن فلان. وفلان كناية عن جعيل بن سراقة الضمري - سماه الواقدي في المغازي.
(فوالله إني لأراه مؤمنا) قال النووي: "لأراه" بفتح الهمزة أي لأعلمه، ولا يجوز ضمها، فإنه قال: "غلبني ما أعلم منه" ولأنه راجع النبي ﷺ ثلاث مرات، ولو لم يكن جازما باعتقاده لما كرر المراجعة اهـ.
وتعقبه الحافظ ابن حجر فقال: وقع في رواية البخاري في باب "إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة" عن طريق أبي ذر وغيره، وفي كتاب "الزكاة" بضم الهمزة، وكذا هو في رواية الإسماعيلي وغيره، ثم قال: ولا دلالة للشيخ محيي الدين النووي فيما ذكر على تعيين الفتح، لجواز إطلاق العلم على الظن الغالب، ومنه قوله تعالى: ﴿فإن علمتموهن مؤمنات﴾ [الممتحنة: ١٠] سلمنا، لكن لا يلزم من إطلاق العلم ألا تكون مقدماته ظنية، فيكون نظريا لا يقينيا، وهو الممكن هنا، وبهذا جزم صاحب المفهم في شرح مسلم، فقال: الرواية بضم الهمزة واستنبط منه جواز الحلف على غلبة الظن. اهـ.
(أو مسلما) بإسكان الواو، لا بفتحها، فقيل: هي للتنويع، وقال بعضهم: هي للتشريك، وإنه
стр. 476
أمره أن يقولهما معا، لأنه أحوط. ويرد هذا رواية ابن الأعرابي في هذا الحديث فقال: "لا تقل مؤمن بل مسلم" فوضح أنها للإضراب، ليس معناه الإنكار ونفي الإيمان، بل المعنى أن إطلاق المسلم على من لم يختبر حاله الخبرة الباطنة أولى من إطلاق المؤمن، لأن الإسلام معلوم بحكم الظاهر.
(قال: فسكت قليلا) بتشديد التاء، ففيها ضمير المتكلم سعد، وقليلا صفة لظرف محذوف، أي زمنا قليلا.
(أقتالا أي سعد) "أي" حرف نداء، وقتالا هكذا هو فيما تحت يدي من نسخ مسلم، وفسره الأبي بقوله: أي مدافعة، ونقل عن القاضي عياض قوله: لما لم يقبل ﷺ تنبيهه، وأخذ سعد يكرر شبه تكريره بالمدافعة، والمدافعة مقاتلة كقوله في حديث المرور: "فإن أبى فليقاتله" أي فليدافعه، ورواية البخاري "أقبل أي سعد" قال الحافظ ابن حجر في شرحها: أمر بالإقبال والقبول وقال: ووقع عند مسلم "إقبالا أي سعد" على أنه مصدر، أي أتقابلني إقبالا بهذه المعارضة؟ .
-[فقه الحديث]-
-[يؤخذ من الحديث]-
١ - التفرقة بين حقيقتي الإيمان والإسلام، وفي هذه المسألة خلاف وكلام طويل فصلته في شرح حديث سؤال جبريل في أول كتاب الإيمان.
٢ - وفيه دلالة لمذهب أهل الحق في قولهم: إن الإقرار باللسان لا ينفع إلا إذا اقترن به الاعتقاد بالقلب، خلافا للكرامية وغلاة المرجئة في قولهم: يكفي الإقرار باللسان، قال النووي: وهذا خطأ ظاهر يرده إجماع المسلمين، والنصوص في إكفار المنافقين، وهذه صفتهم.
٣ - وفيه جواز تصرف الإمام في مال المصالح.
٤ - وتقديم الأهم وإن خفي وجه ذلك على بعض الرعية.
٥ - وجواز الشفاعة عند الإمام.
٦ - وتنبيه الصغير للكبير على ما يظن أنه ذهل عنه.
٧ - ومراجعة المشفوع إليه في الأمر إذا لم يؤد إلى مفسدة.
٨ - وأن الإسرار بالنصيحة أولى من الإعلان، وقد يتعين إذا جر الإعلان إلى مفسدة.
٩ - وأن من أشير عليه بما يعتقد المشير مصلحة لا ينكر عليه بل يبين له وجه الصواب.
١٠ - والاعتذار إلى الشافع إذا كانت المصلحة في ترك إجابته.
١١ - وأن لا عيب على الشافع إذا ردت شفاعته لذلك.
стр. 477
١٢ - واستحباب ترك الإلحاح في السؤال أخذا من قوله ﷺ : "أقتالا أي سعد".
١٣ - وفيه الأمر بالتثبت، وترك القطع بما لا يعلم القطع فيه.
١٤ - وأنه لا يقطع لأحد بالجنة على التعيين، إلا من ثبت فيه نص كالعشرة وأشباههم، وهذا مجمع عليه عند أهل السنة، قال الحافظ ابن حجر: منع القطع بالجنة لا يؤخذ من هذا صريحا.
١٥ - زعم صاحب التحرير أن في هذا الحديث إشارة إلى أن الرجل لم يكن مؤمنا وليس كما زعم، إذ ليس فيه إنكار كونه مؤمنا، بل معناه النهي عن القطع بالإيمان وأن لفظة الإسلام أولى به، فإن الإسلام معلوم بحكم الظاهر، وأما الإيمان فباطن لا يعلمه إلا الله تعالى، قال النووي: بل فيه إشارة إلى إيمانه، فإن النبي ﷺ قال في جواب سعد: "إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه" ومعناه أعطي من أخاف عليه لضعف إيمانه أن يكفر، وأدع غيره ممن هو أحب إلي منه لما أعلمه من طمأنينة قلبه وصلابة إيمانه. اهـ.
١٦ - وفيه تألف من يخاف على إيمانه لضعفه.
١٧ - القسم في الأخبار على سبيل التأكيد.
والله أعلم
стр. 478
(٨٩) باب زيادة طمأنينة القلب بتظاهر الأدلة
٢٥٨ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "نحن أحق بالشك من إبراهيم ﷺ إذ قال: ﴿رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي﴾ قال: "ويرحم الله لوطا، لقد كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لبثت في السجن طول لبث يوسف لأجبت الداعي".
٢٥٩ - عن الزهري، وفي حديث مالك ﴿ولكن ليطمئن قلبي﴾ قال: ثم قرأ هذه الآية حتى جازها.
٢٦٠ - عن الزهري، كرواية مالك بإسناده وقال: ثم قرأ هذه الآية حتى أنجزها.
-[المعنى العام]-
مثل رائع في التواضع، والدفاع عن الغير، ونفي الشبهة عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يضربه النبي ﷺ في هذا الحديث.
لقد قرأ الصحابة قوله تعالى: ﴿وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا واعلم أن الله عزيز حكيم﴾ [البقرة: ٢٦٠] قرأ الصحابة هذه الآية فقالوا: شك إبراهيم ولم يشك نبينا ﷺ .
وقرءوا قوله تعالى حكاية عن لوط: ﴿لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد﴾ [هود: ٨٠] فتوهم بعضهم أن لوطا ﵇ نسي الله عند الشدة.
وقرءوا قوله تعالى حكاية عن يوسف ﵇ حين قال لصاحبه في السجن: ﴿اذكرني عند ربك﴾ [يوسف: ٤٢] فتوهم بعضهم أن يوسف ضعف وتشوف للخروج من السجن، وطلب الخلاص منه.
سمع رسول الله ﷺ تلك الشبه والأوهام التي حامت حول إخوانه الأنبياء ﵈، فبادر
стр. 479
بالدفاع عنهم وإزالتها فقال: إن الأنبياء لا يقع منهم شك في إحياء الموتى، وإذا كنتم تعلمون أنني لم أشك فإبراهيم ﵇ لم يشك لأنه أبو الأنبياء، ورأس أولي العزم، ولكنه طلب رؤية كيفية إحياء الموتى، شوقا لرؤية هذا الأمر الغريب، ونحن أولى بهذا الشوق منه، ونتمنى أن نراه، ولكننا لا نطلبه.
وأما لوط ﵀ فقد كان يأوي ويلجأ في محنته إلى الله تعالى، على عكس ما فهمتم، فإن قوله: ﴿لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد﴾ [هود: ٨٠]، قصد به الاعتذار لضيفه في أنه يجب حمايتهم بكل ما يملك، لكنه في قرارة نفسه كان معتمدا على الركن المتين، الذي لا ركن بعده وهو الله تعالى.
وأما يوسف فلم يكن يتشوف للخروج من السجن بأي ثمن، بدليل أنه فعل ما لم يفعله أحد، فإنه حين جاءه الرسول يطلب خروجه لم يبادر بالخروج وإنما قال له: ارجع إلى ربك فأثبت براءتي أولا، ولو أني مكانه لأسرعت بالخروج، ولأجبت الداعي، ثم طلبت بعد ذلك إثبات براءتي، فرضي الله عن الأنبياء أجمعين، ورضوا عنه، وصلى الله وسلم عليهم ومن اتبع هداهم إلى يوم الدين.
-[المباحث العربية]-
(نحن أحق بالشك من إبراهيم) ضمير نحن للرسول محمد ﷺ وأمته، أو له ﷺ وللأنبياء من قبله، أي نحن معشر الأنبياء، ويبعد أن يكون له ﷺ على جهة تعظيم نفسه، والشك في الأصل: هو التوقف بين الأمرين من غير ترجيح النفي أو الإثبات، أي من غير مزية لأحد الأمرين على الآخر، وسيأتي توضيح المراد في فقه الحديث.
(كيف تحيي الموتى؟ ) "كيف" اسم استفهام حال، والجملة في محل النصب، مفعول ثاني لأرني.
(أولم تؤمن) معمول "تؤمن" محذوف، أي أولم تؤمن بالإحياء؟ أو أولم تؤمن بكيفية الإحياء؟ والأول هو الظاهر، والاستفهام للتقرير، وهو حمل المخاطب على الإقرار بمضمون الجملة إثباتا أو نفيا، والمعنى هنا: أقر بأنك مؤمن.
(قال: بلى) "بلى" حرف جواب، وتختص بالنفي، وتفيد إبطاله، أي أنا مؤمن، أجرى النحويون النفي مع التقرير مجرى النفي المجرد في رده ببلى، ولذلك قال ابن عباس وغيره في تفسير قوله تعالى: ﴿ألست بربكم﴾ [الأعراف: ١٧٢] لو قالوا: نعم لكفروا، ووجهه أن (نعم) تصديق للخبر بنفي أو إيجاب.
﴿ولكن ليطمئن قلبي﴾ علة لمحذوف، تقديره: ولكن أطلب الرؤية ليطمئن قلبي.
(ويرحم الله لوطا) جملة خبرية لفظا، دعائية معنى.
стр. 480
(لقد كان يأوي إلى ركن شديد) أصل الركن ما يستند إليه الشيء ويمتنع به، فشبه به الله أو العشيرة - كما سيأتي - على سبيل الاستعارة التصريحية، و"يأوي" مضارع "أوى" بمعنى يعتمد ويحتمي ويركن.
(لأجبت الداعي) "أل" في "الداعي" للعهد، والمعهود رسول الملك الذي جاء يطلب خروجه من السجن لمقابلته.
(حتى جازها) أي حتى جاوزها، وليس المراد الدخول فيما بعدها بل المراد الانتهاء منها، فهو في معنى الرواية الأخرى "حتى أنجزها" أي حتى أتمها.
-[فقه الحديث]-
يمكن حصر الموضوع في أربع نقاط:
١ - توضيح موقف إبراهيم ﵇.
٢ - توضيح قول النبي ﷺ : "نحن أحق بالشك من إبراهيم"
٣ - توضيح موقف لوط ﵇.
٤ - توضيح موقف يوسف ﵇، وتوجيه كلام الرسول ﷺ عنه.
١ - أما موقف إبراهيم ﵇ ففيه قال الله تعالى: ﴿وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك﴾ (أي اضممهن إليك، ثم جزئهن) ﴿يأتينك سعيا﴾ (ساعيات مسرعات) ﴿واعلم أن الله عزيز حكيم﴾ وإنما أمر بضمها إلى نفسه بعد أخذها ليتأملها، ويعرف أشكالها وهيئاتها لئلا تلتبس عليه بعد إحيائها، ولا يتوهم أنها غير تلك، بل روي أنه أمر بأن يذبحها ويقطعها ويخلط ريشها ودماءها ولحومها، وأن يمسك في يده رءوسها ثم يوزع أجزاءها على كل جبل ربعا من كل طائر، ثم يصيح بها: تعالين بإذن الله، فجعل كل جزء يطير إلى آخر حتى صارت جثثا، ثم أقبلن، فانضممن إلى رءوسهن كل جثة إلى رأسها.
أما عن سبب سؤال إبراهيم هذا السؤال فقد قيل: إنه رأى جيفة بساحل البحر يتناولها السباع والطير ودواب البحر، فتفكر كيف يجتمع ما تفرق من تلك الجيفة.
وفي مراده من السؤال قيل:
أ - إن الشك على ظاهره، وكان ذلك قبل النبوة.
ب - إن الشك على ظاهره، وسببه وسوسة الشيطان، لكنها لم تستقر، ولم تزلزل الإيمان الثابت،
стр. 481
ذكره الطبري واستدل عليه بما رواه عن ابن عباس قال: هذا لما يعرض في الصدور، ويوسوس به الشيطان.
وهذان القولان المثبتان للشك بعيدان عن القبول، لأن الشك في مثل هذا يبعد وقوعه ممن رسخ الإيمان في قلبه، فكيف بمن بلغ رتبة النبوة؟ وأيضا فإن السؤال لما وقع بكيف دل على حال شيء موجود مقرر عند السائل والمسئول، فليس فيه شك.
والحق أن الشك لم يقع أصلا، وفي توجيه السؤال قيل:
جـ- إنه أراد الطمأنينة بعلم كيفية الإحياء مشاهدة بعد العلم بها استدلالا، وهذا مذهب الإمام أبي منصور الأزهري.
د- وقريب منه ما قيل من أنه سأل الترقي من علم اليقين إلى عين اليقين فإن بين العلمين تفاوتا، أي سأل زيادة اليقين.
هـ - وقيل: إنه أحب رؤية هذه الحالة، وتطلعت نفسه إلى مشاهدتها كما يحب المؤمنون أن يروا الجنة مع الإيمان بها وبما يقع فيها، ومع زوال الشكوك تماما.
و- وقيل: إنه أراد إظهار منزلته عند ربه في إجابة دعائه، قال: أرني ذلك لأعلم أنك تجيب دعائي، وكأن الجواب: أولم تؤمن بأنك مجاب الدعاء؟
ز- وقريب منه ما قيل: إنه أراد إظهار عظم منزلته عند ربه واصطفائه وخلته، فكأنه قال: أرني ذلك لأعلم أني صفيك وخليلك، وكأن الجواب: أولم تؤمن بأنك صفيي وخليلي؟
ح- وقيل: إن نمروذ لما قال له: ما ربك؟ قال: "ربي الذي يحيي ويميت" سأل إبراهيم ربه ذلك ليرى النمروذ وقومه، فكأن المراد: أرني وقومي، ليطمئن قلبي بأنهم يعلمون أنك تحيي الموتى.
ط- وقيل: إن معناه أقدرني على إحياء الموتى، فتأدب في السؤال.
وقيل غير ذلك، لكن الأقوال الأربعة الأخيرة بعيدة. والله أعلم
٢ - وأما قول النبي ﷺ : "نحن أحق بالشك من إبراهيم" فعلى القولين الأولين المثبتين للشك يمكن حمل "نحن" على الأمة الذين يجوز عليهم الشك، وإخراجه هو منه بدلالة العصمة.
كما يمكن أن يراد به مجرد الدفاع عن إبراهيم ﵇، من غير قصد إثبات أحقية الشك، وذلك أنه لما نزلت الآية قال بعض الصحابة: "شك إبراهيم ولم يشك نبينا"، فقال ﷺ : "نحن أحق بالشك من إبراهيم" وأراد ما جرت به العادة في المخاطبة لمن أراد أن يدفع عن آخر شيئا قال: كل ما تريد أن تقوله لفلان من الإساءة قله لي، ومقصوده لا تقل عليه شيئا.
وعلى القول الثالث والرابع والثامن المعنى: نحن أحق بطلب الطمأنينة وزيادة العلم واليقين من إبراهيم لكثرة المكذبين لنا والمنكرين للبعث.
стр. 482
وعلى القول الخامس المعنى: نحن أشد اشتياقا إلى رؤية ذلك من إبراهيم.
وعلى القول السادس والسابع: نحن أحق بطلب إظهار المنزلة ومدى إجابة الدعاء من إبراهيم، ولكننا لا نطلب ذلك.
وعلى القول التاسع المعنى: نحن أحق بطلب أن يحيي الله الموتى على يدي، ولكني لا أسأل ذلك اكتفاء بمعجزة القرآن.
وقيل المعنى: إذا لم نشك نحن فاعلموا أن إبراهيم لم يشك، أي لو كان الشك متطرقا إلى الأنبياء لكنت أنا أحق بالشك منه، وقد علمتم أني لم أشك فاعلموا أن إبراهيم لم يشك، وإنما قال ذلك تواضعا، أو من قبل أن يعلمه الله بأنه أفضل من إبراهيم، ويؤيد هذا الأخير ما رواه مسلم عن أنس أن رجلا قال لرسول الله ﷺ : "يا خير البرية، فقال: "ذاك إبراهيم".
فيكون المراد نفي الشك عنه وعن إبراهيم عليهما الصلاة والسلام، وقد حكى بعض علماء العربية أن أفعل ربما جاءت لنفي المعنى عن الشيئين نحو قوله تعالى: ﴿أهم خير أم قوم تبع﴾ [الدخان: ٣٧] أي لا خير في الفريقين، والله أعلم
٣ - وأما عن لوط ﵇ فقد قال النووي: إن لوطا ﷺ لما خاف على أضيافه، ولم يكن له عشيرة تمنعهم من الظالمين ضاق ذرعه، واشتد حزنه عليهم، فغلب ذلك عليه، فقال في ذلك الحال: ﴿لو أن لي بكم قوة﴾ في الدفع بنفسي ﴿أو آوي إلى ركن شديد﴾ أي عشيرة تمنع لمنعتكم، وقصد لوط ﵇ إظهار العذر عند أضيافه، وأنه لو استطاع دفع المكروه عنهم بطريق ما لفعله، وأنه بذل وسعه في إكرامهم والمدافعة عنهم، ولم يكن ذلك إعراضا منه ﷺ عن الاعتماد على الله تعالى، وإنما كان لما ذكرنا من تطييب قلوب الأضياف، ويجوز أن يكون نسي الالتجاء إلى الله تعالى في حمايتهم، ويجوز أن يكون التجأ فيما بينه وبين الله تعالى، وأظهر للأضياف التألم وضيق الصدر. اهـ.
قال الحافظ ابن حجر: يقال: إن قوم لوط لم يكن فيهم أحد يجتمع معه في نسبه، لأنهم من سدوم وهي من بلاد الشام، وكان أصل إبراهيم ولوط من العراق، فلما هاجر إبراهيم إلى الشام هاجر معه لوط فبعث الله لوطا إلى أهل سدوم، فقال لقومه لما جاءته الأضياف: لو أن لي منعة وأقارب وعشيرة لكنت أستنصر بهم عليكم ليدفعوا عن ضيفاني، ولهذا جاء في بعض طرق الحديث عن النبي ﷺ قال: قال لوط: لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد قال: فإنه كان يأوي إلى ركن شديد ولكنه عنى عشيرته، فما بعث الله نبيا إلا في ذروة من قومه، ألم تر إلى قول قوم شعيب: ولولا رهطك لرجمناك. اهـ.
فالمراد من الركن الشديد في الآية عشيرته، فكأنه قال لقومه: لو أن لي عشيرة لدفعتكم بها وحميت بها ضيفي. والمراد من الركن الشديد في الحديث هو الله تعالى، والمعنى: يرحم الله لوطا لقد كان - حين قال هذا القول - يأوي في نفسه إلى الله تعالى، لكنه قال ما قال اعتذارا لضيفه.
стр. 483
وقيل معنى قوله: "لقد كان يأوي إلى ركن شديد" أي إلى عشيرته، لكنه لم يأو إليهم وأوى إلى الله تعالى، على معنى أنه كانت له عشيرة يمكن أن يأوي إليها لكنه أوى إلى الله تعالى، قال الحافظ ابن حجر: والأول أظهر، لما بيناه من أنه لم تكن له عشيرة. اهـ.
٤ - وأما عن يوسف ﵇ فقد أشار رسول الله ﷺ إلى شدة صبره وتأنيه، وتقديمه إثبات البراءة على الخروج من السجن، حين جاءه رسول الملك يطلب خروجه، فقال له: ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن، فلم يخرج يوسف مبادرا إلى الراحة ومفارقة السجن الطويل، بل تثبت وتوقر وراسل الملك في كشف أمره الذي سجن بسببه لتظهر براءته عند الملك وغيره، فبين النبي ﷺ فضيلة يوسف في هذا، وقوة نفسه في الخير، وكمال صبره وحسن نظره، وقال ﷺ عن نفسه ما قال تواضعا وإيثارا للمبالغة في كمال فضيلة يوسف ﵇، وهو من جنس قوله: "لا تفضلوني على يونس" والتواضع لا يحط مرتبة الكبير، بل يزيده رفعة وإجلالا.
والله أعلم
стр. 484
(٩٠) باب القرآن المعجزة الكبرى والرسول ﷺ أكثر الأنبياء تابعا
٢٦١ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ما من الأنبياء من نبي إلا قد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر. وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحى الله إلي. فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة".
-[المعنى العام]-
كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة، ويجري الله على يديه أمرا خارقا للعادة، من جنس ما نبغ فيه قومه، يتحداهم به، فيظهر عجزهم عن الإتيان بمثله، فيدفع إلى الإيمان من أراد الله هدايته.
لقد كانت النار بردا وسلاما على إبراهيم، وكانت ناقة صالح لها شرب ولهم شرب يوم معلوم، وكانت عصا موسى حية تلقف ما صنعوا، وكان عيسى يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله.
آيات آمن بسببها من آمن، لكن معجزة رسول الله محمد ﷺ التي تحداهم بها هي القرآن، عجزوا عن الإتيان بمثله، ثم تحداهم بعشر سور مثله فعجزوا، ثم تحداهم بسورة مثله فعجزوا، فيه خبر من قبلهم وحكم ما بينهم، صالح لكل زمان ومكان، لا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن تمسك به هدي إلى صراط مستقيم.
إنه قائم محفوظ من قبل الله على مر السنين، يعتبر به المعتبرون، ويتعظ به المتعظون، وينتفع به المؤمنون إلى يوم القيامة.
بهذه المعجزة الكبرى الباقية الدائمة النفع، السهلة، الميسرة للذكر كان رسول الله ﷺ أكثر الأنبياء تابعا.
فاللهم اجعلنا من أتباعه الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب.
-[المباحث العربية]-
(ما من الأنبياء من نبي) "من" الثانية مزيدة لتأكيد النفي، والأصل: ما نبي من الأنبياء، وفي رواية البخاري، "ما من الأنبياء نبي" والمراد من النبي الرسول، لأنه الذي يدعو للإيمان.
стр. 485
(إلا قد أعطي من الآيات) أي المعجزات الخوارق.
(ما مثله آمن عليه البشر) "ما" موصولة، وقعت مفعولا ثانيا لأعطي و"مثله" مبتدأ، و"آمن" خبره، والجملة صلة الموصول، والمثل يطلق ويراد به عين الشيء، وما يساويه، والمعنى: أن كل نبي أعطي آية أو أكثر، من شأنها أن يؤمن بالنبي لأجلها من يشاهدها.
فلفظ "على" في قوله "عليه" بمعنى اللام أو الباء، والنكتة في التعبير هنا بـ "على" تضمنها معنى الغلبة، أي يؤمن بذلك مغلوبا مدفوعا بتأثيرها.
ورواية مسلم "آمن" بمد الهمزة وفتح الميم من الإيمان، وجاء في رواية البخاري "ما مثله أومن - أو آمن - عليه البشر" بالشك من الراوي، فالأولى بضم الهمزة وسكون الواو وكسر الميم من الأمن، وحكي بعضهم أمن بفتح الهمزة من غير مد، وكسر الميم من الأمان.
(وإنما كان الذي أوتيت وحيا) "أوتيت" بحذف الهاء وهي المفعول الثاني، وفي رواية أوتيته بذكرها، والجملة صلة الموصول و"وحيا" خبر كان والمراد به القرآن، ومعنى الحصر أن القرآن أعظم المعجزات وأفيدها وأدومها، لاشتماله على الدعوة والحجة ودوام الانتفاع إلى آخر الدهر، فلما كان لا شيء يقاربه، فضلا عن أن يساويه، كان ما عداه بالنسبة إليه كأن لم يقع، فالقصر ادعائي، أو المراد إنما معجزتي التي تحديت بها على مر الزمان هي الوحي والقرآن، فالقصر حقيقي.
(أوحى الله إلي) الجملة صفة "وحيا" والرابط مفعول أوحى محذوف ذكر في رواية البخاري ولفظها "أوحاها الله إلي".
(فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة) في رواية للبخاري "فأرجو أني أكثرهم تابعا يوم القيامة" والفاء في فأرجو لترتيب رجائه هذا على أن معجزته القرآن الذي يعم نفعه من حضر ومن غاب ومن وجد ومن سيوجد.
-[فقه الحديث]-
قال الحافظ ابن حجر: ليس المراد حصر معجزاته ﷺ في القرآن، ولا أنه لم يؤت من المعجزات ما أوتي من تقدمه، بل المراد أنه المعجزة التي اختص بها دون غيره، لأن كل نبي أعطي معجزة خاصة به، لم يعطها بعينها غيره، تحدى بها قومه، وكانت معجزة كل نبي تقع مناسبة لحال قومه، كما كان السحر فاشيا عند فرعون، فجاءه موسى بالعصا على صورة ما يصنع السحرة، لكنها تلقفت ما صنعوا، ولم يقع ذلك بعينه لغيره، وكذلك إحياء عيسى الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، لكون الأطباء والحكماء كانوا في غاية الظهور فأتاهم من جنس عملهم بما لم تصل قدرتهم إليه.
стр. 486
ولهذا لما كان العرب الذين بعث فيهم النبي ﷺ في الغاية من البلاغة جاءهم بالقرآن الذي تحداهم أن يأتوا بسورة مثله، فلم يقدروا على ذلك.
وقيل: المراد أن القرآن ليس له مثل، لا صورة ولا حقيقة، بخلاف غيره من المعجزات، فإنها لا تخلو عن مثل، وقيل: المراد أن النبي ﷺ أعطي من المعجزات ما كان مثله لمن كان قبله صورة أو حقيقة، والقرآن لم يؤت أحد قبله مثله، فلهذا أردفه بقوله: "فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا".
وقيل: المراد أن الذي أوتيته لا يتطرق إليه تخييل، وإنما هو كلام معجز لا يقدر أحد أن يأتي بما يتخيل منه التشبيه به، بخلاف غيره فإنه قد يقع في معجزاتهم ما يقدر الساحر أن يخيل شبهه، فيحتاج من يميز بينهما إلى نظر، والنظر عرضة للخطأ، فقد يخطئ الناظر فيظن تساويهما.
وقيل: المراد أن معجزات الأنبياء انقرضت بانقراض أعصارهم فلم يشاهدها إلا من حضرها، ومعجزة القرآن مستمرة إلى يوم القيامة وخرقه العادة في أسلوبه، وبلاغته، وإخباره بالمغيبات، فلا يمر عصر من الأعصار إلا ويظهر فيه شيء مما أخبر به أنه سيكون يدل على صحة دعواه، قال: وهذا أقوى المحتملات، وتكميله أن المعجزات الماضية كانت حسية تشاهد بالأبصار، كناقة صالح، وعصا موسى، ومعجزة القرآن تشاهد بالبصيرة، فيكون من يتبعه لأجلها أكثر، لأن الذي يشاهد بعين الرأس ينقرض بانقراض مشاهده، والذي يشاهد بعين العقل باق يشاهده كل من جاء بعد الأول مستمرا.
ثم قال: ويمكن نظم هذه الأقوال كلها في كلام واحد، فإن محصلها لا ينافي بعضه بعضا. اهـ. وهو كلام نفيس لا مزيد عليه.
وقد جمع بعضهم إعجاز القرآن في أربعة أشياء:
أحدها: حسن تأليفه، والتئام كلمه مع الإيجاز والبلاغة.
ثانيها: صورة سياقه وأسلوبه المخالف لأساليب كلام أهل البلاغة من العرب نظما ونثرا، حتى حارت فيه عقولهم، ولم يهتدوا إلى الإتيان بشيء مثله، مع توفر دواعيهم على تحصيل ذلك، وتقريعه لهم على العجز عنه.
ثالثها: ما اشتمل عليه من الإخبار عما مضى من أحوال الأمم السابقة والشرائع الداثرة، مما كان لا يعلم منه بعضه إلا النادر من أهل الكتاب.
رابعها: الإخبار بما سيأتي من الكوائن التي وقع بعضها في العصر النبوي وبعضها بعده.
ومن غير هذه الأربعة الروعة التي تحصل لسامعه، وأن قارئه لا يمل من ترداده، وسامعه لا يمجه، ولا يزداد بكثرة التكرار إلا طراوة، ومنها جمعه لعلوم ومعارف لا تنقضي عجائبها، ولا تنتهي فوائدها. انتهى ملخصا من كلام القاضي عياض وغيره.
-[ويؤخذ من الحديث]-
١ - أن النبي لا بد له من معجزة تقتضي إيمان من شاهدها بصدقه، ولا يضره من أصر على المعاندة.
стр. 487
٢ - يؤخذ من صنيع البخاري استدلاله بالحديث على أن النبي ﷺ بعث بجوامع الكلم، قال الحافظ ابن حجر: إن دخول القرآن في قوله ﷺ "بعثت بجوامع الكلم" لا شك فيه، وإنما النزاع: هل يدخل غيره من كلامه من غير القرآن؟
٣ - استدل به على أن القرآن إنما نزل بالوحي الذي يأتي به الملك، لا بالمنام ولا بالإلهام.
٤ - وفيه علم من أعلام النبوة، فإنه أخبر ﵇ بهذا في زمن قلة المسلمين ثم من الله تعالى وفتح على المسلمين البلاد، وقد تأكد ﷺ من تحقق رجائه فقد روى البخاري أنه ﷺ قال لأصحابه: "أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ " قالوا: نعم. قال: "أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟ " قالوا: نعم، قال: "أترضون أن تكونوا شطر أهل الجنة؟ " قالوا: نعم، قال: "إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة، وذلك أن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة، وما أنتم في أهل الشرك إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود، أو الشعرة السوداء في جلد الثور الأحمر".
وفي رواية "بل أرجو أن تكونوا ثلثي أهل الجنة" وفي رواية "بل أنتم نصف أهل الجنة وتقاسمونهم في النصف الثاني".
والله أعلم
стр. 488
(٩١) عموم رسالته ﷺ
٢٦٢ - عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "والذي نفس محمد بيده! لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار".
-[المعنى العام]-
بعث محمد ﷺ إلى الناس كافة، بشيرا ونذيرا، وهاديا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، بعض خاتم الأنبياء والمرسلين، ناسخا لملل السابقين، داعيا أهل الكتاب إلى الإيمان برسالته، محذرا من كفرانها والصد عنها، كما حذر المشركين ودعاهم إلى الإسلام، فكل من بلغته الدعوة [صاحب كتاب] يجب عليه الإيمان به، ويحرم عليه البقاء على ما هو عليه، سواء كان على ملة بدلت، أو على ملة لم تبدل، ومن سمع برسالة محمد ﷺ وبمعجزاته ثم أصر على كفره، ومات على ذلك فهو من الكافرين المخلدين في النار.
-[المباحث العربية]-
(والذي نفس محمد بيده) فيه تجريد، والأصل: والذي نفسي بيده، وهو حلف بالله تعالى، فإنه الذي بيده كل نفس.
(لا يسمع بي أحد) فيه التفات من الغيبة إلى التكلم.
(من هذه الأمة) أصل الأمة الجماعة، وتضاف للنبي ﷺ فيراد بها -أحيانا- أمة الإجابة، أي من أسلم كحديث "شفاعتي لأمتي" وأحيانا أمة الدعوة، أي كل من أرسل إليه، وهو المراد منها هنا، فالإشارة إلى أمة الدعوة، الموجود منها في زمنه ومن سيوجد إلى يوم القيامة.
(يهودي ولا نصراني) "يهودي" بدل بعض من كل، من "أحد" وعطف "نصراني" على "يهودي" بإعادة "لا" النافية، وهو الفصيح في العطف على منفي، ومنه قوله تعالى: ﴿فلا صدق ولا صلى﴾ [القيامة: ٣٠].
(ثم يموت ولم يؤمن) جملة "ولم يؤمن" في محل النصب على الحال من فاعل "يموت" أي
стр. 489
ثم يموت غير مؤمن، والعطف بثم يفيد أن الإيمان ينفع ولو مع التراخي، ولو بعد مدة من البلاغ، ويصح أن يكون لاستبعاد أن يقع الموت بدون إيمان بعد السماع به كقوله تعالى: ﴿ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها﴾ [السجدة: ٢٢].
(إلا كان من أصحاب النار) أي ملازميها.
-[فقه الحديث]-
-[يؤخذ من الحديث]-
١ - نسخ الملل كلها برسالة نبينا محمد ﷺ لأن ذكر اليهودي والنصراني للتنبيه على من سواهما، إذ اليهود والنصارى لهم كتاب، فإذا كان هذا شأنهم مع أن لهم كتابا فغيرهم ممن لا كتاب لهم من باب أولى.
٢ - أن رسالة النبي ﷺ عامة لكل البشر في جميع الأزمنة اللاحقة لبعثته، وفي جميع الأمكنة، وقد جاء في الصحيحين: "أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي" وفيه: "وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة" وفي رواية لمسلم "وبعثت إلى كل أحمر وأسود" وفي رواية "وأرسلت إلى الخلق كافة".
٣ - أنه لا حكم قبل ورود الشرع على الصحيح.
٤ - أن من لم تبلغه دعوة الإسلام فهو معذور، وهو أصل مجمع عليه لقوله تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾ [الإسراء: ١٥].
وفي حكم من لم تبلغه الدعوة، من بلغته من الأعاجم ولم يفهمها، وبعضهم يعتبر شرط وجوب الإيمان هو بلوغ المعجزة، رؤية وسماعا لمن حضرها، ونقلا عن موثوق لمن لم يحضرها، وكون الشرط بلوغ الدعوة هو ظاهر الحديث، أما من يشترط بلوغ المعجزة فإنه يفسر الحديث بقوله: لا يسمع بي أحد وتتبين له معجزتي.
والله أعلم
стр. 490
(٩٢) باب أجر الكتابي إذا أسلم: ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين
٢٦٣ - عن الشعبي، قال: رأيت رجلا من أهل خراسان سأل الشعبي فقال: يا أبا عمرو، إن من قبلنا من أهل خراسان يقولون، في الرجل، إذا أعتق أمته ثم تزوجها: فهو كالراكب بدنته. فقال الشعبي: حدثني أبو بردة بن أبي موسى، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ قال: "ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وأدرك النبي ﷺ فآمن به واتبعه وصدقه، فله أجران. وعبد مملوك أدى حق الله تعالى وحق سيده، فله أجران. ورجل كانت له أمة فغذاها فأحسن غذاءها، ثم أدبها فأحسن أدبها. ثم أعتقها وتزوجها، فله أجران". ثم قال الشعبي للخراساني: خذ هذا الحديث بغير شيء. فقد كان الرجل يرحل فيما دون هذا إلى المدينة.
-[المعنى العام]-
تفضل وإحسان من الله تعالى على عباده، إن هم فعلوا خيرا على خير، أن يمنحهم أجرا فوق أجر، مصداقا لقوله تعالى: ﴿من جاء بالحسنة فله خير منها﴾ [النمل: ٨٩] ومن الذين يؤتون أجرهم مرتين ثلاثة خصهم بالذكر، مراعاة لظروف وبيئة معينة.
لقد كان أهل الكتاب يعرفون محمدا ﷺ كما يعرفون أبناءهم، يجدونه ويجدون أوصافه عندهم مكتوبة في التوراة والإنجيل، فكان إيمانهم به وإسلامهم خيرا كبيرا لهم وللإسلام، لهم لأنهم يسلمون على ما أسلفوا من إيمان وخير، وللإسلام لاقتداء العامة بهم، ونشر الإسلام عن طريقهم، فكان لمن يسلم منهم أجران.
وكان الرق في ظروف هذا الحديث منتشرا وكثيرا، وكان الأرقاء يضيقون به ذرعا، ويشعرون بسببه ذلة وهوانا، وكان السادة يسيئون معاملة الرقيق خصوصا الإماء منهم، فحارب الحديث هاتين السوأتين، ورغب في نقيضهما، لقد منح الله العبد المملوك المطيع لربه ولسيده أجرين على ما يفعل من حسنات فألقى بذلك الرضا في قلوب العبيد بالقضاء، بل وصل ببعضهم أن قيل لسيده حين أعتقه معجبا من دينه: لم حرمتني من أحد أجري؟ ووصل التطلع ببعض الأحرار إلى أجر العبيد، حتى قال أبو هريرة: والذي نفسي بيده لولا الجهاد في سبيل الله والحج وبر أمي لأحببت أن أموت وأنا مملوك.
стр. 491
كما منح أجرين للسيد الذي يحسن معاملة أمته، يغذيها فيحسن غذاءها، ويعلمها فيحسن تعليمها، ويؤدبها فيحسن تأديبها، ثم يعتقها ويمن عليها بالحرية، ثم يتزوجها فيجعلها سيدة بيته، ولا شك أن العبد إذا أحسن معاملة سيده، وأن السيد إذا أحسن معاملة عبده أحسن كل منهما معاملة الآخرين في المجتمع من باب أولى، فيعم الأمة التواد والتعاطف والتراحم، وتصبح كالجسد الواحد إذا اشتكى عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.
-[المباحث العربية]-
(إن من قبلنا) أي إن الذين عندنا وفي جهتنا، يقال: لي قبله كذا، بكسر القاف وفتح الباء، أي عنده.
(كالراكب بدنته) البدنة بفتح الباء والدال، من الإبل والبقر كالأضحية من الغنم، تهدى إلى مكة، فكما أن من أهدى بدنته إلى مكة لا يجوز له الرجوع فيها، فكذا من أعتق أمته لله لا يليق به أن يتزوجها، فإن زواجها شبيه بالعود فيها، كذا فهموا.
(ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين) "ثلاثة" مبتدأ، والتقدير ثلاثة رجال والجملة بعده خبر "ويؤتون" أي كل واحد منهم.
(رجل) هو بدل بعض من كل، أو بدل كل من كل إذا قصد المجموع، وكذا المرأة فذكر الرجل للتغليب.
(من أهل الكتاب) لفظ الكتاب عام، لكن المراد منه نوع خاص، وهو المنزل من عند الله، بل فرد خاص من المنزل من عند الله، وهو الإنجيل وحده، وقيل: المراد به الإنجيل والتوراة، وسيأتي له مزيد إيضاح في فقه الحديث.
(فآمن به واتبعه وصدقه) يحتمل أن يكون ثلاثتها مترادفات في المعنى المراد للتأكيد، ويحتمل أن المراد من الإيمان به التصديق برسالته، ومن اتباعه لزوم العمل بشريعته، ومن تصديقه تصديقه في كل ما جاء به من أحكام.
(فله أجران) هو تكرير لطول الكلام، وللاهتمام به.
(وعبد مملوك) وكذا الأمة المملوكة، وفائدة ذكر "مملوك" بعد "عبد" لرفع إبهام العبودية العامة لله، بإثبات أن المراد الرقاق.
(كانت له أمة) وفي رواية البخاري "كانت عنده وليد" وهي ما ولد من الإيماء في ملك الرجل، ثم أطلق ذلك على كل أمة.
стр. 492
(فغذاها فأحسن غذاءها) أي أطعمها.
(خذ هذا الحديث بغير شيء) من الأمور الدنيوية، وإلا فالأجر الأخروي حاصل له.
(فقد كان الرجل يرحل فيما دون هذا إلى المدينة) أي يرحل لأجل ما هو أهون أهمية من هذا الحديث من الكوفة إلى المدينة المنورة.
-[فقه الحديث]-
في المراد من أهل الكتاب هنا قال الحافظ ابن حجر: تظاهرت نصوص الكتاب والسنة على أن المراد بالكتاب التوراة والإنجيل، وقيل: المراد به هنا الإنجيل خاصة إن قلنا إن النصرانية ناسخة لليهودية، كذا قرره جماعة ولا يحتاج إلى اشتراط النسخ لأن عيسى ﵇ كان قد أرسل إلى بني إسرائيل بلا خلاف، فمن أجابه منهم نسب إليه، ومن كذبه منهم واستمر على يهوديته لم يكن مؤمنا، فلا يتناوله الخبر، لأن شرطه أن يكون مؤمنا بنبيه، نعم من دخل في اليهودية من غير بني إسرائيل، أو لم يكن بحضرة عيسى ﵇، فلم تبلغه دعوته يصدق عليه أنه يهودي مؤمن، إذ هو مؤمن بنبيه موسى ﵇، ولم يكذب نبيا آخر بعده، فمن أدرك بعثة محمد ﷺ ، ممن كان بهذه المثابة، وآمن به لا يشكل أنه يدخل في المذكور، ومن هذا القبيل العرب الذين كانوا باليمن وغيرها ممن دخل منهم في اليهودية، ولم تبلغهم دعوة عيسى ﵇ لكونه أرسل إلى بني إسرائيل خاصة، نعم الإشكال في اليهود الذين كانوا بحضرة النبي ﷺ ، وقد ثبت أن الآية الموافقة لهذا الحديث وهي قوله تعالى: ﴿الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرءون بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون﴾ [القصص: ٥٢ - ٥٤] نزلت في طائفة آمنوا منهم كعبد الله بن سلام وغيره، ففي الطبراني من حديث رفاعة القرظي قال: نزلت هذه الآية في، وفيمن آمن معي، وروى الطبري بإسناد صحيح عن علي بن رفاعة القرظي قال: خرج عشرة من أهل الكتاب، منهم أبو رفاعة إلى النبي ﷺ فآمنوا به، فأوذوا، فنزلت ﴿الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون﴾ الآيات.
فهؤلاء من بني إسرائيل ولم يؤمنوا بعيسى، بل استمروا على اليهودية إلى أن آمنوا بمحمد ﷺ ، وقد ثبت أنهم يؤتون أجرهم مرتين.
قال الطيبي: فيحتمل إجراء الحديث على عمومه، إذ لا يبعد أن يكون طريان الإيمان بمحمد ﷺ سببا لقبول تلك الأديان وإن كانت منسوخة. اهـ.
ثم قال الحافظ ابن حجر: ويمكن أن يقال في حق هؤلاء الذين كانوا بالمدينة: إنه لم تبلغهم دعوة عيسى ﵇، لأنها لم تنتشر في أكثر البلاد، فاستمروا على يهوديتهم، مؤمنين بنبيهم موسى ﵇، إلى أن جاء الإسلام، فآمنوا بمحمد ﷺ فبهذا يرتفع الإشكال. اهـ.
стр. 493
وقال القرطبي: الكتابي الذي يضاعف أجره مرتين، هو الذي كان على الحق في شرعه، عقدا وفعلا، إلى أن آمن بنبينا محمد ﷺ ، قال الحافظ ابن حجر: ويشكل عليه أن النبي ﷺ كتب إلى هرقل "أسلم يؤتك الله أجرك مرتين" وهرقل كان ممن دخل في النصرانية بعد التبديل.
وقال الداودي ومن تبعه: إنه يحتمل أن يتناول جميع الأمم فيما فعلوه من خير، كما في حديث حكيم بن حزام "أسلمت على ما أسلفت من خير" اهـ.
ويعترض عليه بأن الحديث مقيد بأهل الكتاب، فلا يتناول غيرهم إلا بقياس الخير على الإيمان، وكأن النكتة في قوله: "آمن بنبيه" الإشعار بعلية الأجر، أي إن سبب الأجرين الإيمان بالنبيين، والكفار ليسوا كذلك.
ويمكن أن يقال: الفرق بين أهل الكتاب وغيرهم من الكفار أن أهل الكتاب يعرفون محمدا ﷺ كما قال الله تعالى: ﴿يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل﴾ [الأعراف: ١٥٧] فمن آمن به واتبعه منهم كان له فضل على غيره، وكذا من كذبه منهم كان وزره أشد من وزر غيره.
وذهب الكرماني إلى اختصاص هذا الأجر بمن آمن بالنبي ﷺ في عهد البعثة، أما من آمن من أهل الكتاب بعد وفاة محمد ﷺ [مثل كعب الأحبار الذي أسلم في عهد عمر بن الخطاب] فلا يدخل في هذا الأجر، وعلل ذلك بأن نبيهم بعد البعثة إنما هو محمد ﷺ ، باعتبار عموم بعثته، وتعقبه الحافظ ابن حجر بأن هذه العلة ثابتة لمن آمن منهم في عهده ﷺ ، فإن خص بمن لم تبلغه الدعوة فلا فرق في ذلك بين عهده ﷺ وبين الزمن الذي بعده.
فالأظهر أن يقال: إن هذا الأجر باق إلى يوم القيامة لمؤمني أهل الكتاب، لكن هل يختص ممن كان منهم على الحق قبل الإسلام؟ أو يعم من هم على الحق وغيرهم؟ إن قلنا: إن الأجر الأول في اتباعه الحق الأول والأجر الثاني في اتباعه الحق الآخر كان مختصا بمن كان منهم على الحق قبل الإسلام، وهو الظاهر، وإن قلنا: إن الأجرين والمضاعفة في اتباع الحق الثاني بسبب التمسك بالأول [وبه قيل] كان مناسبا للعموم، والله أعلم.
أما العبد المملوك فقد قال ابن عبد البر: إنه لما اجتمع عليه أمران واجبان: طاعة ربه في العبادات، وطاعة سيده في المعروف، فقام بهما جميعا كان له ضعف أجر الحر المطيع لطاعته، لأنه قد ساواه في طاعة الله، وفضل عليه بطاعة من أمره الله بطاعته، ثم قال: ومن هنا أقول: إن من اجتمع عليه فرضان، فأداهما، أفضل ممن ليس عليه إلا فرض واحد فأداه، كما وجب عليه صلاة وزكاة، فقام بهما، فهو أفضل ممن وجبت عليه صلاة فقط، ومقتضاه: أن من اجتمعت عليه فروض فلم يؤد منها شيئا كان عصيانه أكثر من عصيان من لم يجب عليه إلا بعضها. اهـ.
ومقتضى هذا: أن التضعيف من جهة تعدد الواجبات، فالعمل الذي يجمع بين حق الله وحق السيد يضاعف باعتبارين، أما العمل الخاص بحق الله فلا يضاعف، وكذا الخاص بحق السيد.
وقال الحافظ ابن حجر: الذي يظهر أن مزيد الفضل للعبد الموصوف بهذه الصفة، هو لما يدخل
стр. 494
عليه من مشقة الرق، وإلا فلو كان التضعيف بسبب اختلاف جهة العمل لم يختص العبد بذلك. اهـ. ومعنى ذلك أن كل عمل يعمله العبد يضاعف له، ومعنى ذلك أن الفرض الواحد إذا أداه العبد والسيد كان أجر العبد ضعف أجر السيد، ولا محذور في ذلك ولا يلزم منه تفضيل العبودية على الحرية، فإن للسيد جهات أخرى يستحق بها أجورا مضاعفة، لا يتمكن العبد من أدائها.
وأما عتق الأمة ثم تزوجها فقد بالغ قوم فكرهوه على أنه من قبيل الرجوع في الصدقة، وقد أسند هذا إلى سعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي، كما أخرج الطبراني عن ابن مسعود أنه يقول ذلك، وعن ابن عمر مثله، وعند ابن أبي شيبة عن أنس أنه سئل عنه، فقال: إذا أعتق أمته لله فلا يعود فيها.
ونحن لا نميل إلى صحة إسناد هذا القول لهؤلاء الأفاضل، فإن صح فلعلهم - كما يقول الحافظ ابن حجر - لم يبلغهم هذا الحديث.
نعم، الخلاف كثير بين العلماء في جواز جعل عتق الأمة صداقا لها، وإلى أن يأتي تفصيل هذا البحث في كتاب النكاح نكتفي بإيجازه فيما يأتي:
ذهب الثوري وأبو يوسف وأحمد وإسحق إلى أنه إذا أعتق أمته على أن يجعل عتقها صداقها صح العقد والعتق والمهر، أخذا بظاهر ما رواه البخاري عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ أعتق صفية وجعل عتقها صداقها.
وذهب الشافعي إلى أن من أعتق أمته على أن يتزوجها، فقبلت عتقت، ولم يلزمها أن تتزوج به، ولكن يلزمها له قيمتها، لأنه لم يرض بعتقها مجانا، وردوا على دليل الفريق الأول بأنه قول لأنس قاله ظنا من قبل نفسه، ولم يرفعه، أو أن هذا خاص بالنبي ﷺ دون غيره.
والذي يعنينا في هذا المقام هو أن الأجرين لمن أعتق أمته، ثم تزوجها بمهر خاص، بلا خلاف.
أما من جعل عتقها صداقها فظاهر الحديث الذي معنا يشمله أيضا، لكن رواية البخاري وفيها: "ثم أعتقها ثم أصدقها" تفيد أن المراد بالتزويج في روايتنا أن يقع بمهر جديد سوى العتق، يقوي هذا ما جاء في مسند أبي داود الطيالسي بلفظ "إذا أعتق الرجل أمته ثم أمهرها مهرا جديدا كان له أجران" وما أخرجه الإسماعيلي بلفظ "ثم تزوجها بمهر جديد"
والذي تستريح إليه النفس أن العتق في حد ذاته تكريم وإحسان، وأن زواج السيد من الأمة المملوكة وتمكينها من حقوق الزوجية بعد أن كانت لا تملك منها حقا نحوه، تكريم آخر وإحسان، من أجلهما استحق فاعل ذلك الأجرين، ولا يتوقف الأجران على المهر الجديد إذا ما قلنا بصحة العتق والعقد والمهر، والله أعلم.
بقي أن نقول: إن حصر الذين يؤتون أجرهم مرتين في الثلاثة المذكورين لا يستقيم، فقد ثبت مثل ذلك في حق نساء النبي ﷺ فيما رواه الطبراني، ولقوله تعالى: ﴿يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين﴾ [الأحزاب: ٣٠] ﴿ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين﴾ [الأحزاب: ٣١] ومضاعفة العذاب تقتضي مضاعفة الثواب، كما ثبت أن
стр. 495
الذي يقرأ القرآن وهو عليه شاق له أجران، وأن التي تتصدق على قريبها لها أجران: أجر الصدقة وأجر الصلة، وأن الحاكم إذا أصاب له أجران، ومن سن سنة حسنة له أجران، له أجرها وأجر من عمل بها، وبالتتبع نجد غير ذلك ممن له أجران، ولهذا قال الحافظ ابن حجر: إن العدد لا مفهوم له.
﴿ويؤخذ من الحديث﴾
١ - فضل إيمان أهل الكتاب على التفصيل السابق.
٢ - ترغيب العبد المملوك في طاعة ربه وطاعة سيده.
٣ - أن ضعف المقدار في الدنيا قد يكون سببا في رفع المقدار في الآخرة.
٤ - حرص الشارع على العتق والترغيب فيه.
٥ - فيه دليل على مزيد فضل من أعتق أمته، ثم تزوجها، سواء أعتقها ابتداء، لله أو لسبب، لعموم الحديث.
٦ - فيه حث على الإحسان للملوك في غذائه وتأديبه.
٧ - وفيه تحريض العالم للمتعلم على المحافظة والحرص على الفتوى لقول الشعبي للخرساني: خذ هذا الحديث بغير شيء، فقد كان الرجل يرحل فيما دون هذا إلى المدينة.
٨ - وقد أخذ منه ابن بطال وغيره من المالكية دليلا على تخصيص العلم بالمدينة المنورة، قال الحافظ ابن حجر: وفيه نظر لأن ذلك كان في زمن النبي ﷺ والخلفاء الراشدين، ثم تفرق الصحابة في البلاد بعد فتح الأمصار وسكنوها، فاكتفى أهل كل بلد بعلمائه، إلا من طلب التوسع في العلم فرحل.
٩ - فيه مدى حرص الصحابة والتابعين على العلم، وسفرهم طويلا في طلبه، وقد روى الداودي بسند صحيح عن بشر بن عبيد الله قال: إن كنت لأركب إلى المصر من الأمصار في الحديث الواحد: وعن أبي العالية قال: كنا نسمع الحديث عن الصحابة، فلا نرضى حتى نركب إليهم، فنسمعه منهم.
والله أعلم.
следующие страницы →