Полный текст (6 200 стр.). Показаны 5146–5185 · переход к 5151.
стр. 5146
(وأنا الماحي الذي يمحى بي الكفر) في الرواية الثانية "وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر" قيل: المراد إزالة الكفر من جزيرة العرب، فـ "ال" في "الكفر" عهدية، أي كفر أهل الجزيرة، والتقييد بذلك لأن الكفر لم ينمح به من جميع البلاد، وقيل: إنه محمول على الأغلب، أي ينمحي به أغلب الكفر، وفي رواية "يمحو الله به الكفرة" والمراد كفر الكفرة، ففي الكلام مضاف محذوف، وقيل المراد من المحو المحو العام، بمعنى الظهور بالحجة والغلبة، كما قال الله تعالى ﴿ليظهره على الدين كله﴾ [الصف: ٩] وجاء في حديث آخر تفسير الماحي بأنه الذي محيت به سيئات من اتبعه، ففي الكلام مضاف محذوف أيضا، أي محيت به سيئات الكفر السابقة على الإيمان، فهو كقوله تعالى ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ [الأنفال: ٣٨] والحديث الصحيح "الإسلام يهدم ما قبله".
(وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على عقبي) وفي الرواية الثانية "على قدمي" قال النووي: اتفقت النسخ على أنها "على قدمي" لكن ضبطوه بتخفيف الياء على الإفراد، وتشديدها على التثنية، وأما الرواية الأولى فهي في معظم النسخ، وفي بعضها "قدمي" كالثانية، قال العلماء: معناهما يحشرون على أثري، وزمان نبوتي ورسالتي، ولبس بعدي نبي، وقيل: يتبعوني، وقيل: معناه إنه أول من يحشر، كما جاء في الحديث الآخر "أنا أول من تنشق عنه الأرض"، وفي رواية "وأنا حاشر، بعثت مع الساعة" وهي تؤيد الرأي الأول.
(وأنا العاقب الذي ليس بعده أحد) من الأنبياء، ففي الرواية الأولى يفسرها الراوي بقوله "والعاقب الذي ليس بعده نبي" وفي ملحق الرواية الثانية "قال عقيل: قلت للزهري: وما العاقب؟ قال: الذي ليس بعده نبي" فهذا التفسير ظاهره الإدراج. بخلاف ما في الرواية الأولى، ويؤيدها رواية الترمذي، ولفظها "الذي ليس بعدي نبي".
(وقد سماه الله رءوفا رحيما) قال البيهقي في الدلائل: هذه العبارة مدرجة من قول الزهري.
(والمقفي) بكسر الفاء المشددة، قال شمر: هو بمعنى العاقب، وقال ابن الأعرابي: هو المتبع للأنبياء، يقال: قفوته، أقفوه، وقفيته بتشديد الفاء المفتوحة، أقفيه، إذا اتبعته، وقافية كل شيء آخره.
(ونبي التوبة، ونبي الرحمة) أي النبي الذي جاء بالتوبة لأمته، وبالتراحم أكثر من أي نبي آخر، قال تعالى ﴿رحماء بينهم﴾ [الفتح: ٢٩] وقال ﴿وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة﴾ [البلد: ١٧].
-[فقه الحديث]-
ذكر أبو بكر بن العربي في كتابه: الأحوذي في شرح الترمذي عن بعضهم أن لله تعالى ألف اسم، وللنبي ﷺ ألف اسم، ثم ذكر منها على التفصيل بضعة وستين، وفي رواية للبخاري "لي خمسة أسماء" وذكر الخمسة التي في الرواية الأولى، وزاد عند ابن سعد "الخاتم" لكن فسر عند البيهقي
стр. 5147
"العاقب" بالخاتم، وزعم بعضهم أن حصر العدد ليس من قوله ﷺ ، وإنما ذكره الراوي بالمعنى، قال الحافظ ابن حجر: وفيه نظر، لتصريحه في الحديث بقوله "إن لي خمسة أسماء" والذي يظهر أنه أراد أن لي خمسة أسماء أختص بها، لم يسم بها أحد قبلي، أو خمسة أسماء معظمة أو مشهورة في الأمم الماضية، لا أنه أراد الحصر فيها.
قال: ومما وقع من أسمائه في القرآن بالاتفاق: الشاهد، والمبشر والنذير، والمبين، والداعي إلى الله، والسراج المنير، وفيه أيضا: المذكر والرحمة، والنعمة، والهادي، والشهيد، والأمين، والمزمل، والمدثر، وله في الأحاديث: المتوكل، قال: ومن أسمائه المشهورة: المختار، والمصطفى، والشفيع، والمشفع، والصادق، والمصدوق.
قال: وغالب الأسماء التي ذكرها المصنفون وصف بها ﷺ ، ولم يرد الكثير منها على سبيل التسمية، مثل "اللبنة" لحديث "فكنت أنا اللبنة"
وفي بعض الأحاديث "نبي الملحمة" و"نبي الجهاد".
والله أعلم
стр. 5148
(٦٢٥) باب علمه ﷺ بالله، وشدة خشيته له
٥٣٢١ - عن عائشة ﵂ قالت: صنع رسول الله ﷺ أمرا فترخص فيه. فبلغ ذلك ناسا من أصحابه، فكأنهم كرهوه وتنزهوا عنه. فبلغه ذلك. فقام خطيبا فقال: "ما بال رجال بلغهم عني أمر ترخصت فيه. فكرهوه وتنزهوا عنه. فوالله! لأنا أعلمهم بالله وأشدهم له خشية".
٥٣٢٢ - عن عائشة ﵂ قالت: رخص رسول الله ﷺ في أمر، فتنزه عنه ناس من الناس. فبلغ ذلك النبي ﷺ فغضب حتى بان الغضب في وجهه، ثم قال: "ما بال أقوام يرغبون عما رخص لي فيه. فوالله! لأنا أعلمهم بالله وأشدهم له خشية".
-[المعنى العام]-
يقول الله تعالى ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ [الذاريات: ٥٦] أي إلا ليعبدوه لمصلحتهم هم، فيثابون، وينعمون، فالله لا تنفعه طاعة المطيعين، ولا تضره معصية العاصين، ولو أن أهل السموات والأرض كانوا على أتقى قلب رجل واحد، ما زاد ذلك في ملكه شيئا، ولو أن أهل السموات والأرض كانوا على أفجر قلب رجل واحد، ما نقص ذلك من ملكه شيئا، ﴿إن الله لغني عن العالمين﴾ [العنكبوت: ٦] ﴿ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وءامنتم وكان الله شاكرا عليما﴾ [النساء: ١٤٧] ﴿ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون﴾ [المائدة: ٦].
فعبادة العابدين علامة على السمع والطاعة والاعتراف بالعبودية والخضوع، وظاهرة من ظواهر شكر المنعم على ما أنعم، وهي من هذه الحيثية لا تتأثر بالزيادة والمبالغة والغلو، بل ترتبط ارتباطا وثيقا بالعلم القلبي، والتصديق القلبي، فقد سبق درهم ألف درهم عند الله، كما قال رسول الله ﷺ .
ومهما بالغ الإنسان في العبادة فلن يبلغ عشر معشار من عبادة الملائكة الذين منهم الراكع أبدا، ومنهم الساجد أبدا، ومنهم الذاكر أبدا، ﴿لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون﴾ [التحريم: ٦].
وللإنسان طاقة، إذا استنفدها - ولو في العبادة - وفي وقت قصير، خلت بقية الأوقات، وإن خير الأعمال ما داوم عليها فاعلها، وإن قلت، فالمداومة وحدها ارتباط متصل بين
стр. 5149
العبد وربه، وقد قيل: قليل دائم، خير من كثير ينقطع، والمبالغة، والغلو يعقبهما - غالبا - الملل، والملل من العبادة معصية، قد تأتي على ثواب ما قبلها، وفي الحديث "أوغل في الدين برفق، فإن المنبت لا أرضا قطع، ولا ظهرا أبقى" ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ [الحج: ٧٨] ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ [البقرة: ١٨٥].
من هنا كان ﷺ حريصا على عدم مغالاة أصحابه في دين الله، بل كان يريد عبادة ربه بشيء، فيتركه، مخافة أن يقتدي به أصحابه، فيشق عليهم، كما فعل ﷺ في قيام رمضان، وكان إذا رأى تعمقا أو رغبة في التعمق من أصحابه غضب، ولجأ إلى المنبر ينبه الجميع إلى الترفق بأنفسهم، ويدعو إلى الترخص برخص الله، اقتداء به ﷺ ، فهو أعلم الناس بالله، وهو أتقاهم، وأخشاهم لله، ولكنه ﷺ ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما، كان يصوم ويفطر مع أنه قادر على الصوم أبدا، إذ يطعمه ربه ويسقيه، ويقوم وينام، ويتمتع بالنساء كما يتمتع بالصلاة، فهو رسول الله وسط لدين وسط، لأمة وسط. ﷺ ورضي عن آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
-[المباحث العربية]-
(صنع رسول الله ﷺ أمرا، فترخص فيه) أي فاختار الرخصة واليسر، وقد أومأ ابن بطال إلى أن الذي صنعه ﷺ وتنزهوا عنه هو القبلة للصائم، وقال غيره: لعله الفطر في السفر.
(فبلغ ذلك ناسا من أصحابه، فكأنهم كرهوه، وتنزهوا عنه) في الرواية الثانية بدون تشبيه، بل بالجزم، ولفظها "فتنزه عنه ناس من الناس" أي جماعة من الصحابة، بحجة أنه ﷺ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فإذا ترخص في شيء لم يكن غيره مثله، ممن لم يغفر له ذلك، إذ يحتاج الذي لم يغفر له إلى الأخذ بالعزيمة، والشدة لينجو.
(ما بال رجال بلغهم عني أمر، ترخصت فيه، فكرهوه وتنزهوا عنه؟ ) البال هو الحال، والاستفهام إنكاري توبيخي، أي ما كان ينبغي أي يكون حالهم كذلك، وفي الرواية الثانية "فغضب، حتى بان الغضب في وجهه، ثم قال: ما بال أقوام يرغبون عما رخص لي فيه"؟
(فوالله لأنا أعلمهم بالله، وأشدهم له خشية) معناه: أنهم يتوهمون أن تنزههم عما فعلت أقرب لهم عند الله، وإن فعلت خلاف ذلك، وليس كما توهموا، بل أنا أعلمهم بالله، وأشدهم له خشية وإنما يكون القرب إليه ، والخشية له على حسب ما أمر، لا بمخيلات النفوس، وتكلف أعمال لم يأمر بها، قاله النووي.
وجمع بين العلم بالله، وشدة الخشية له، ليجمع بين القوة العلمية، والقوة العملية.
стр. 5150
-[فقه الحديث]-
كان رسول الله ﷺ رحيما بأمته، يعز عليه عنتهم ومشقتهم، فكان يباعد بينهم وبين المغالاة في الدين، كما كان يخفف عنهم العقاب، إذا فعلوا ما يجوز لهم من الأخذ بالشدة، فلا يواجه المتعمق، ولا يحرجه، حياء منه ﷺ ، وسترا عليه، فلا يعين الشخص عند العتاب، كأن يقول له: ما بالك يا فلان فعلت كذا؟ أو ما بال فلان يفعل كذا؟ فهو في هذه الحالة التي يستخدمها ﷺ كأنه لم يواجه المخطئ وإن كان موجودا في جملة المخاطبين.
وقد أخرج مسلم في كتاب الصيام عن عائشة ﵂ "أن رجلا قال: يا رسول الله، إني أصبح جنبا، وأنا أريد الصيام، فأغتسل وأصوم؟ فقال رسول الله ﷺ : وأنا تدركني الصلاة، وأنا جنب، فأصوم، فقال يا رسول الله، إنك لست مثلنا؟ قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فغضب رسول الله ﷺ ، وقال: إني أرجو أن أكون أخشاكم لله، وأعلمكم بما أتقي" ونحو هذا في حديث أنس المذكور في كتاب النكاح. "أن ثلاثة رهط سألوا عن عمل رسول الله ﷺ في السر" الحديث. وفيه قولهم "وأين نحن من رسول الله ﷺ ؟ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر" وفيه قوله لهم "والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء".
-[ويؤخذ من الحديث]-
١ - الحث على الاقتداء بالنبي ﷺ في أفعاله وأقواله. والأصل فيه قوله تعالى ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ [الأحزاب: ٢١] وقد ذهب جمع إلى وجوبه، لدخوله في عموم الأمر، بقوله تعالى ﴿وما ءاتاكم الرسول فخذوه﴾ [الحشر: ٧] وبقوله ﴿فاتبعوني يحببكم الله﴾ [آل عمران: ٣١] وبقوله تعالى ﴿فاتبعوه﴾ [الأنعام: ١٥٣، ١٥٥] فيجب اتباعه في فعله، كما يجب اتباعه في قوله، حتى يقوم دليل على الندب أو الخصوصية، وقال آخرون: يحتمل الوجوب والندب والإباحة، فيحتاج إلى القرينة، والجمهور للندب، إذا ظهر وجه القربة، وقيل: ولو لم يظهر، ومنهم من فصل بين التكرار وعدمه، وقال آخرون: ما يفعله ﷺ ، إن كان بيانا لمجمل، فحكمه حكم ذلك المجمل، وجوبا أو ندبا أو إباحة، فإن ظهر وجه القربة فللندب، وما لم يظهر فيه وجه التقرب فللإباحة.
وأما تقريره ﷺ على ما يفعل بحضرته فيدل على الجواز، وإذا تعارض فعله وقوله. قيل: يقدم القول، لأن له صيغة، تتضمن المعاني، بخلاف الفعل، وقيل: يقدم الفعل، لأنه لا يطرقه من الاحتمال ما يطرق القول، ثالث الأقوال: يلجأ إلى الترجيح، وكل ذلك ما لم تقم قرينة تدل على الخصوصية.
وذهب الجمهور إلى القول الأول والحجة له أن القول يعبر عنه عن المحسوس والمعقول، بخلاف الفعل، فيختص بالمحسوس، فكان القول أتم، وبأن القول متفق على أنه دليل، بخلاف الفعل، ولأن القول يدل بنفسه، بخلاف الفعل، فيحتاج إلى واسطة، وبأن تقديم
стр. 5151
الفعل يقضي إلى ترك العمل بالقول، والعمل بالقول يمكن معه العمل بما دل عليه الفعل، فكان القول أرجح بهذه الاعتبارات.
قال ابن بطال - بعد أن حكى الاختلاف في أفعاله ﷺ محتجا لمن قال بالوجوب بحديث الخاتم، فقد خلع خاتمه، فخلعوا خواتيمهم، ونزع نعله في الصلاة، فنزعوا، ولما أمرهم في الحديبية بالتحلل، وتأخروا عن المبادرة، رجاء أن يؤذن لهم في القتال، وأن ينصرفوا فيكملوا عمرتهم، قالت له أم سلمة: اخرج إليهم، واحلق واذبح، ففعل، فتابعوه مسرعين فدل ذلك على أن الفعل أبلغ من القول، ولما نهاهم عن الوصال، قالوا: إنك تواصل، فقال: إني أطعم وأسقى، فلولا أن لهم الاقتداء به لقال: وما في مواصلتي ما يبيح لكم الوصال، لكنه عدل عن ذلك، وبين لهم وجه اختصاصه بالمواصلة. اهـ.
قال الحافظ ابن حجر: وليس في جميع ما ذكره ابن بطال ما يدل على المدعي، من الوجوب بل على مطلق التأسي به ﷺ .
٢ - وذم التعمق، والمغالاة في الدين، لقوله تعالى ﴿يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم﴾ [النساء: ١٧١] والغلو هو المبالغة في الشيء، والتشديد فيه، بتجاوز الحد، وعند النسائي وابن ماجه وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم، عن ابن عباس، ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ "إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من قبلكم الغلو في الدين"
٣ - وأن الخير في الاتباع، سواء كان ذلك في العزيمة، أو الرخصة.
٤ - وأن استعمال الرخصة، بقصد الاتباع، في المحل الذي وردت فيه، أولى من استعمال العزيمة، بل ربما كان استعمال العزيمة حينئذ مرجوحا، كما في إتمام الصلاة في السفر، وربما كان مذموما، إذا كان رغبة عن السنة.
ونقل ابن التين عن الداودي أن التنزه عما ترخص فيه ﷺ من أعظم الذنوب، لأنه يرى نفسه أتقى لله من رسوله، وهذا إلحاد.
قال الحافظ ابن حجر: لا شك في إلحاد من اعتقد ذلك، ولكن الذي اعتل به من أشير إليهم في الحديث أنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فلا يكون إلحادا.
٥ - وفي الحديث الغضب عند انتهاك حرمات الشرع، وإن كان المنتهك متأولا تأويلا باطلا.
٦ - وفيه حسن المعاشرة، بإرسال التعزير، والإنكار في الجمع، من غير تعيين الفاعل.
٧ - وأن القرب إلى الله تعالى سبب لزيادة العلم به، وشدة خشيته.
ولهذا الباب علاقة بالباب بعده
والله أعلم
стр. 5152
(٦٢٦) باب وجوب اتباعه ﷺ ، وتوقيره، وترك إكثار سؤاله عما لا ضرورة إليه
٥٣٢٣ - عن عبد الله بن الزبير ﵁ حدثه؛ أن رجلا من الأنصار خاصم الزبير عند رسول الله ﷺ ، في شراج الحرة التي يسقون بها النخل. فقال الأنصاري: سرح الماء يمر فأبى عليهم. فاختصموا عند رسول الله ﷺ . فقال رسول الله ﷺ للزبير "اسق يا زبير، ثم أرسل الماء إلى جارك" فغضب الأنصاري. فقال: يا رسول الله! أن كان ابن عمتك! فتلون وجه نبي الله ﷺ . ثم قال: "يا زبير، اسق، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر" فقال الزبير: والله! إني لأحسب هذه الآية نزلت في ذلك ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا﴾
٥٣٢٤ - عن أبي هريرة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "ما نهيتكم عنه فاجتنبوه. وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم. فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم، واختلافهم على أنبيائهم".
٥٣٢٥ - عن أبي هريرة ﵁. كلهم قال: عن النبي ﷺ : " ذروني ما تركتكم" وفي حديث همام "ما تركتم. فإنما هلك من كان قبلكم".
٥٣٢٦ - عن عامر بن سعد عن أبيه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أعظم
стр. 5153
المسلمين في المسلمين جرما، من سأل عن شيء لم يحرم على المسلمين، فحرم عليهم من أجل مسألته".
٥٣٢٧ - عن عامر بن سعد عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "أعظم المسلمين في المسلمين جرما، من سأل عن أمر لم يحرم، فحرم على الناس من أجل مسألته".
- وزاد في حديث معمر: "رجل سأل عن شيء ونقر عنه" وقال: في حديث يونس عامر بن سعد، أنه سمع سعدا.
٥٣٢٨ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: بلغ رسول الله ﷺ عن أصحابه شيء فخطب فقال: "عرضت علي الجنة والنار. فلم أر كاليوم في الخير والشر، ولو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا" قال: فما أتى على أصحاب رسول الله ﷺ يوم أشد منه. قال: غطوا رءوسهم ولهم خنين. قال: فقام عمر فقال: رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا. قال: فقام ذاك الرجل فقال: من أبي؟ قال: أبوك فلان" فنزلت ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾
٥٣٢٩ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رجل: يا رسول الله! من أبي؟ قال: "أبوك فلان" ونزلت ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾ تمام الآية.
٥٣٣٠ - عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ خرج حين زاغت الشمس. فصلى لهم صلاة الظهر. فلما سلم قام على المنبر. فذكر الساعة. وذكر أن قبلها أمورا
стр. 5154
عظاما. ثم قال: "من أحب أن يسألني عن شيء فليسألني عنه. فوالله! لا تسألونني عن شيء إلا أخبرتكم به، ما دمت في مقامي هذا" قال أنس بن مالك: فأكثر الناس البكاء حين سمعوا ذلك من رسول الله ﷺ . وأكثر رسول الله ﷺ أن يقول "سلوني" فقام عبد الله بن حذافة فقال: من أبي؟ يا رسول الله! قال: "أبوك حذافة" فلما أكثر رسول الله ﷺ من أن يقول "سلوني" برك عمر فقال: رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا. قال: فسكت رسول الله ﷺ حين قال عمر ذلك. ثم قال رسول الله ﷺ : "أولى. والذي نفس محمد بيده! لقد عرضت علي الجنة والنار آنفا في عرض هذا الحائط. فلم أر كاليوم في الخير والشر" قال ابن شهاب: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: قالت أم عبد الله بن حذافة لعبد الله بن حذافة: ما سمعت بابن قط أعق منك؟ أأمنت أن تكون أمك قد قارفت بعض ما تقارف نساء أهل الجاهلية، فتفضحها على أعين الناس؟ قال عبد الله بن حذافة: والله! لو ألحقني بعبد أسود، للحقته.
بمثل حديث يونس.
٥٣٣١ - عن أنس بن مالك ﵁ أن الناس سألوا نبي الله ﷺ حتى أحفوه بالمسألة. فخرج ذات يوم فصعد المنبر، فقال: "سلوني، لا تسألوني عن شيء إلا بينته لكم" فلما سمع ذلك القوم أرموا ورهبوا أن يكون بين يدي أمر قد حضر. قال أنس: فجعلت ألتفت يمينا وشمالا فإذا كل رجل لاف رأسه في ثوبه يبكي. فأنشأ رجل من المسجد، كان يلاحى فيدعى لغير أبيه. فقال: يا نبي الله! من أبي؟ قال: "أبوك حذافة" ثم أنشأ عمر بن الخطاب رضي اللهم عنهم فقال: رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا، عائذا بالله من سوء الفتن. فقال رسول الله ﷺ : "لم أر كاليوم قط في الخير والشر. إني صورت لي الجنة والنار، فرأيتهما دون هذا الحائط".
стр. 5155
عن أنس بهذه القصة.
٥٣٣٢ - عن أبي موسى قال: سئل النبي ﷺ عن أشياء كرهها. فلما أكثر عليه. غضب. ثم قال للناس: "سلوني عم شئتم" فقال رجل: من أبي؟ قال: "أبوك حذافة" فقام آخر فقال: من أبي؟ يا رسول الله! قال: "أبوك سالم مولى شيبة" فلما رأى عمر ما في وجه رسول الله ﷺ من الغضب قال: يا رسول الله! إنا نتوب إلى الله. وفي رواية أبي كريب: قال: من أبي؟ يا رسول الله! قال: "أبوك سالم، مولى شيبة".
-[المعنى العام]-
إن الإيمان بمحمد ﷺ نبيا ورسولا، يستلزم الإجابة لما جاء به، وقبول أوامره ونواهيه، وامتثال قراراته وأحكامه، وفي ذلك يقول جل شأنه ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما﴾ [النساء: ٦٥].
لقد طبع العرب على العصبية القبلية، ونصر القريب والدفاع عنه، والحكم له، وإن كان ظالما، ومن الصعب انتزاع العادات والطبائع في زمن يسير، وقد لاقى رسول الله ﷺ من هذه الطبيعة ما لاقى، وتحمل في سبيل تقويمها ما تحمل.
فهذا رجل من الأنصار، تجاور أرضه ونخيله أرض ونخيل الزبير بن العوام، ابنة عمة رسول الله ﷺ ومياه سقيه لا بد لها أن تمر في أرض الزبير، والمياه، كما يقول العامة: لا تمر على العطشان، فلا يشرب، لكن قانون القوة، وقانون العصبية لا يلتزم الحقوق، لقد حاول الأنصاري أن تمر المياه في أرض الزبير، دون أن يسقى نخيله، فمنعه من فتح القناة في أرضه، وطلب منه أن يترك القناة مغلقة الجوانب حتى يصل الماء أرضه فيروي أولا، ورفعا الأمر إلى رسول الله ﷺ ، فكان حكم الله أن يسقى الأعلى الأقرب إلى مصدر المياه أولا حتى يكتفي، لكن رسول الله ﷺ رغب في أن يتنازل الزبير عن بعض حقه، وأن يسقى الضروري فقط، وأن يسمح للماء بالمرور إلى أرض الأنصاري قبل أن يشبع الزبير أرضه، فقال: اسق يا زبير قدر الضرورة وأرسل الماء لجارك، وكان الأنصاري مشبعا بالعادة، فقال لرسول الله ﷺ : ألأنه ابن عمتك حكمت لمصلحته؟ وغضب ﷺ ، وبان الغضب في وجهه، فأعطى الزبير حقه، وقال: اسق يا زبير حتى يشبع بالماء نخلك، ثم اترك الماء، ونزلت الآية الكريمة، تدعو الأمة إلى قبول حكمه ﷺ ، والتسليم به.
وكان لا بد من توقيره ﷺ ، وتهيب الأمة لمقامه، وإن تواضع، لكن الطبيعة العربية
стр. 5156
الخشنة جعلتهم يعاملونه بما لا يليق بمقامه، ينادونه باسمه، ويطلبون منه ما يطلبون من سوقة الناس، فيقولون: يا محمد، اخرج إلينا، فينزل الله تعالى ﴿لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا﴾ [النور: ٦٣].
يكثرون أسئلته بما لا ينفع، وبما لا يعنى، وبتوافه الأمور، حتى من ضاعت ناقته يسأل: أين ناقتي؟ وحتى يسأل من يشك في نسب نفسه: من أبي؟ فيتأذى رسول الله ﷺ من ذلك، وينزل قوله تعالى ﴿لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾ [المائدة: ١٠١].
إن الرسالة تكريم وتشريف وتفضيل للرسل، وطاعتهم طاعة الله، من يطع الرسول فقد أطاع الله، وتكريمهم والتسلم لهم تكريم لأوامر الله، وتسليم لأحكام الله.
-[المباحث العربية]-
(أن رجلا من الأنصار خاصم الزبير عند رسول الله ﷺ في رواية "خاصم الزبير رجلا" والمخاصمة مفاعلة من الجانبين، فكل منهما مخاصم للآخر، كذا قال الحافظ ابن حجر: قلت: لكن جعل أحدهما فاعلا، والآخر مفعولا يشير إلى أن الفاعل هو الشاكي والمدعي، وهو هنا كذلك وأن الأنصاري هو الشاكي.
وفي رواية "أن رجلا من الأنصار قد شهد بدرا" وفي رواية "أنه كان من بني أمية بن زيد، وهم بطن من الأوس، وحكى ابن بشكوال عن شيخه أبي الحسن بن مغيث أنه ثابت بن قيس بن شماس، ولم يأت على ذلك بشاهد، قال الحافظ ابن حجر: وليس ثابت بدريا، وحكى الواحدي أنه ثعلبة بن حاطب الأنصاري، الذي نزل فيه قوله تعالى ﴿ومنهم من عاهد الله﴾ [التوبة: ٧٥] ولم يذكر مستنده، ولم يكن بدريا أيضا، وحكى الواحدي أيضا أنه حاطب بن أبي بلتعة، وتعقب بأن حاطبا وإن كان بدريا لكنه من المهاجرين، ومال الحافظ ابن حجر إلى ترجيح هذا الرأي، فقال: لكن يؤيد هذا ما أخرجه ابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب، في قوله تعالى ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم﴾ [النساء: ٦٥] قال: نزلت في الزبير بن العوام وحاطب بن أبي بلتعة، اختصما في ماء" الحديث. وإسناده قوي مع إرساله. وعلى هذا فيئول قوله "من الأنصار" على إرادة المعنى الأعم، كما وقع ذلك في حق غير واحد، كعبد الله بن حذافة، وأما قول الكرماني بأن حاطبا كان حليفا للأنصار ففيه نظر، وأما قوله من "بني أمية بن زيد، فلعله كان مسكنه هناك، كعمر، قال: وذكر الثعلبي بغير سند أن الزبير وحاطبا لما خرجا، مرا بالمقداد، قال: لمن القضاء؟ فقال: حاطب: قضى لابن عمته، ولوى شدقه، ففطن له يهودي، فقال: قاتل الله هؤلاء، يشهدون أنه رسول الله ويتهمونه. قال الحافظ: وفي صحة هذا نظر، قال: ويترشح بأن حاطبا كان حليفا لآل الزبير بن العوام، من بني أسد، وكأنه كان مجاورا للزبير، أي في الحائط والزراعة.
وأما قول الداودي وغيره: إن خصم الزبير كان منافقا - للكلمة التي قالها - فقد وجهه القرطبي بأن قول من قال إنه كان من الأنصار، يعني نسبا، لا دينا، قال: وهذا هو الظاهر من حاله، ويحتمل أنه لم يكن منافقا، ولكن صدر منه ذلك ببادرة النفس، كما وقع لغيره ممن صحت توبته، وقوى هذا
стр. 5157
شارح المصابيح التوربشتي، ووهى ما عداه، وقال: لم تجر عادة السلف بوصف المنافقين بصفة النصر - قولهم: من الأنصار - التي هي المدح، ولو شاركهم في النسب، قال: بل هي زلة من الشيطان، تمكن به منها عند الغضب، وليس ذلك بمستنكر من غير المعصوم في تلك الحالة. اهـ.
وقال الداودي - بعد جزمه بأنه كان منافقا - وقيل: كان بدريا، فإن صح فقد وقع ذلك منه قبل شهودها، لانتفاء النفاق عمن شهدها.
وقال ابن التين: إن كان بدريا فمعنى قوله ﴿فلا وربك لا يؤمنون﴾ لا يستكملون الإيمان.
(في شراج الحرة التي يسقون بها النخل) "شراج" بكسر الشين وفتح الراء مع المد، بعدها جيم، جمع شرج، بسكون الراء، مثل بحر وبحار، ويجمع أيضا على شروج، وحكى ابن دريد "شرج" بفتح الراء، وحكى القرطبي "شرجة" والمراد بها هنا مسيل الماء، أي مجراه، والحرة بفتح الحاء وتشديد الراء موضع معروف في المدينة، وهو في الأصل الأرض الملساء، فيها حجارة سود، قال أبو عبيد: كان بالمدينة واديان يسيلان بماء المطر فيتنافس الناس فيه.
وأضيف "شراج" إلى الحرة لأنه فيها، والمعنى اختصما بشأن الماء الجاري في مسيل الحرة.
وقوله "التي يسقون بها النخل" أي توصل الماء إلى نخيلهم، وفي رواية "كانا يسقيان بها كلاهما" أي كان هذا المجرى يسقي لهما، لكن أرض الزبير أعلى من أرض الرجل، أي أقرب إلى مصدر الماء، ولا يصل الماء للرجل إلا بعد أن يمر في أرض الزبير.
(فقال الأنصاري: سرح الماء يمر) "سرح" فعل أمر من التسريح، أي قال الرجل للزبير: أطلق الماء يمر، وفي الكلام طي، أي فحبس الزبير الماء في أرضه، حتى يسقي، فقال الأنصاري لا تحبس الماء عني، وأطلقه يمر من أرضك إلى أرضي، لنسقي سويا، وفي رواية في آخرها "وكان النبي ﷺ قد أشار على الزبير برأي فيه سعة له وللأنصاري" والحقيقة أن الرأي كان فيه سعة للرجل.
(فأبى عليهم) أي امتنع الزبير من إجابة مطلب الرجل، والجمع باعتبار أهله معه.
(فاختصموا عند رسول الله ﷺ أعاد الجملة لطول الفصل عن الأولى، والجمع في "اختصموا" باعتبار أفراد وأهل كل منهما، كقوله تعالى ﴿هذان خصمان اختصموا في ربهم﴾ [الحج: ١٩].
(اسق يا زبير، ثم أرسل الماء إلى جارك) أي اسق شيئا يسيرا، دون قدر حقك، ثم أرسله إلى جارك.
(أن كان ابن عمتك؟ ) الزبير بن العوام، أمه صفية بنت عبد المطلب، عمة النبي ﷺ ، وأصل الكلام: ألأنه كان ابن عمتك حكمت له؟ فحذف الاستفهام وحرف الجر لام التعليل قبل "أن" وهو كثير، وحذف الضمير، اسم "أن" و"ابن" بالنصب، خبر "كان" كما في قوله تعالى ﴿أن كان ذا مال وبنين﴾ [القلم: ١٤] أي ألأنه كان ذا مال وبنين كذب؟ وحكى القرطبي تبعا لعياض أن همزة "أن" ممدودة، قال: لأنه استفهام على جهة الإنكار، قال الحافظ ابن حجر: ولم يقع لنا في الرواية مد، لكن يجوز حذف همزة الاستفهام، وحكى الكرماني "إن كان" بكسر الهمزة على أنها شرطية، والجواب
стр. 5158
محذوف، أي وإن كان ابن عمتك فاعدل، وقريب من هذا رواية "فقال: يا رسول الله، اعدل وإن كان ابن عمتك" وفي رواية للبخاري "إنه ابن عمتك" قال ابن مالك: يجوز في "إنه" فتح الهمزة وكسرها، لأنها وقعت بعد كلام تام، معلل بمضمون ما صدر بها، فإذا كسرت قدر ما قبلها بالفاء، وإذا فتحت قدر قبلها اللام.
(فتلون وجه نبي الله ﷺ أي تغير، وهو كناية عن الغضب، وفي رواية "حتى عرفنا أن قد ساءه ما قال".
(ثم قال: يا زبير، اسق، ثم احبس الماء، حتى يرجع إلى الجدر) أي حتى يصير إلى الجدر، و"الجدر" ضبط في أكثر الروايات بفتح الدال، وفي بعضها بالسكون، وهو الذي في اللغة، وهو أصل الحائط، اهـ.
وهو بفتح الجيم فيهما، ويروى بضم الدال والجيم، جمع جدار، ويروى بكسر الجيم، وهو الجدار، والمراد حتى يرتفع الماء في أصول النخيل، إلى أن يصير إلى حافة الجدار الترابي، الذي يحيطون به النخلة، ليحجز الماء لها، حتى تشرب كثيرا، فتصير به النخلة في مثل حفرة، وفي رواية للبخاري "اسق يا زبير، حتى يبلغ الماء الجدر، ثم أمسك" أي أمسك نفسك عن السقي، وأرسل الماء لجارك.
وحكى الخطابي "الجذر" بسكون الذال، والمراد حتى يبلغ الجذر تمام الشرب، وفي رواية للبخاري "اسق، ثم احبس، حتى يرجع الماء إلى الجدر - واستوعى له حقه" بفتح العين، أي استوعى الرسول ﷺ للزبير حقه، واستوفاه له.
(قال الزبير: والله إني لأحسب هذه الآية نزلت في ذلك ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما﴾ (وفي رواية "والله إن هذه الآية أنزلت في ذلك" بالجزم بدل الظن، وفي رواية "ونزلت ﴿فلا وربك﴾ الآية" قال الحافظ ابن حجر: والراجح رواية الأكثر، وأن الزبير كان لا يجزم بذلك.
وجزم مجاهد والشعبي بأن الآية إنما نزلت فيمن نزلت فيه الآية التي قبلها، وهي قوله تعالى ﴿ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم ءامنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت﴾ الآية، فروى إسحق بن راهويه في تفسيره بإسناد صحيح عن الشعبي قال: كان بين رجل من اليهود ورجل من المنافقين خصومة، فدعا اليهودي المنافق إلى النبي ﷺ ، لأنه علم أنه لا يقبل الرشوة، ودعا المنافق اليهودي إلى حكامهم، لأنه علم أنهم يأخذونها، فأنزل الله هذه الآيات، إلى قوله ﴿ويسلموا تسليما﴾ وروى الكلبي في تفسيره عن ابن عباس، قال: نزلت هذه الآية في رجل من المنافقين، كان بينه وبين يهودي خصومة، فقال اليهودي: انطلق بنا إلى محمد، وقال المنافق: بل نأتي كعب بن الأشرف، فذكر القصة وفيها أن عمر قتل المنافق، وأن ذلك سبب نزول هذه الآيات. قال الطبري: ولا مانع أن تكون قصة الزبير وخصمه، وقعت في أثناء ذلك، فيتناولها عموم الآية.
زاد البخاري "قال ابن جريج: فقال له ابن شهاب "فقدرت الأنصار والناس قول النبي ﷺ " اسق، ثم احبس، حتى يرجع إلى الجدار "وكان ذلك إلى الكعبين" يعني أنهم لما رأوا أن الجدار
стр. 5159
يختلف بالطول والقصر، قاسوا ما وقعت فيه القصة، فوجدوه يبلغ الكعبين، فجعلوا ذلك معيارا لاستحقاق الأول فالأول، وسيأتي توضيح هذا الحكم في فقه الحديث.
(ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم) وفي الرواية الثالثة "ذروني ما تركتكم" وفي ملحقها "ما تركتم" بالبناء للمجهول، وفي رواية للبخاري "دعوني" والكلمتان أمات العرب ماضيهما، واسم الفاعل منهما، واسم مفعولهما، وأثبتوا الفعل المضارع والأمر، فقالوا: يدع، دع، ويذر، ذر. و"ما" في "ما تركتكم" مصدرة ظرفية زمانية، أي مدة تركي إياكم بغير أمر بشيء، ولا نهي عن شيء، قال: ولم يقل: اتركوني ما تركتكم، على سبيل التفنن في العبارة، وأطلق في النهي، ولم يقيده بالاستطاعة، كما قيد الأمر، لأن المقصود النهي العام عن جميع المناهي، قال الفاكهي: لا يتصور امتثال اجتناب المنهي حتى يترك جميعه، فلو اجتنب بعض شرب الخمر أو بعض الزنا لم يعد متمثلا، بخلاف الأمر المطلق، فإن من أتى بأقل ما يصدق عليه الاسم كان متمثلا.
وقد أخرج مسلم سبب هذا الحديث، عن أبي هريرة ﵁ قال: خطبنا رسول الله ﷺ ، فقال: يا أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج، فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت، حتى قالها ثلاثا، فقال رسول الله ﷺ : لو قلت: نعم، لوجبت، ولما استطعتم، ثم قال: ذروني ما تركتكم ... " الحديث.
(فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم، واختلافهم على أنبيائهم) يريد بالذين من قبلهم بني إسرائيل، ويريد أن كثرة التنقيب قد تفضي إلى المشقة، فقد أمروا أن يذبحوا بقرة، فلو ذبحوا أي بقرة كانت، لامتثلوا، ولكنهم شددوا فشدد عليهم.
وسيأتي في فقه الحديث أقوال العلماء في المراد من المسائل المشار إليها.
(إن أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن أمر لم يحرم، فحرم على الناس)، قال القاضي عياض: والمراد بالجرم هنا الحرج على المسلمين، لا أنه الجرم الذي هو الإثم المعاقب عليه، لأن السؤال كان مباحا. اهـ.
ورده النووي، فقال: وهذا الذي قاله القاضي ضعيف، بل باطل، والصواب ما قاله الخطابي وجماهير العلماء في شرح هذا الحديث، وأن المراد بالجرم الإثم والذنب، قال: ويقال منه جرم بالفتح واجترم وتجرم إذا أثم. اهـ.
وسيأتي في فقه الحديث تفصيل القول في نوعية السؤال.
(ورجل سأل عن شيء، ونقر عنه) أي بالغ في البحث والاستقصاء عنه.
(بلغ رسول الله ﷺ عن أصحابه شيء فخطب، فقال) يحتمل أن يكون الشيء هو الرغبة في أسئلة لا حاجة إليها.
(عرضت علي الجنة والنار) أي وما فيهما من نعيم وعذاب، وفي الرواية الثامنة "إني صورت لي الجنة والنار، فرأيتهما دون هذا الحائط"
стр. 5160
(فلم أر كاليوم في الخير والشر) أي لم أر خيرا أكثر مما رأيته اليوم في الجنة، ولا شرا أكثر مما رأيته اليوم في النار.
(ولو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا، ولبكيتم كثيرا) أي ولو رأيتم ما رأيت، وعلمتم ما علمت لأشفقتم على أنفسكم إشفاقا بليغا، ولقل ضحككم، وكثر بكاؤكم.
(فما أتى على أصحاب رسول الله ﷺ يوم أشد منه) أي من هذا اليوم الذي أنذرهم فيه بهذا الإنذار، والمراد ما حصل لهم ساعتها من الخوف.
(غطوا رءوسهم، ولهم خنين) قال النووي "خنين" بالخاء في معظم النسخ ولمعظم الرواة، ولبعضهم بالحاء، قالوا: ومعناه بالخاء صوت البكاء، وهو نوع من البكاء، دون الانتحاب. قالوا: وأصل الخنين خروج الصوت من الأنف، والحنين خروجه من الفم، وقال الخليل: الخنين بالخاء صوت فيه غنة، وقال الأصمعي: إذا تردد البكاء فصار فيه غنة فهو خنين، وقال أبو زيد: الخنين مثل الحنين، شدة البكاء.
(فقام عمر، فقال: رضينا بالله ربا) هذا معطوف على محذوف، مطوي، أبرزته الرواية السابعة وفيها "خرج حين زاغت الشمس، فصلى لهم صلاة الظهر، فلما سلم قام على المنبر، فذكر الساعة، وذكر أن قبلها أمورا عظاما، ثم قال: من أحب أن يسألني عن شيء فليسألني عنه، فوالله لا تسألوني عن شيء، إلا أخبرتكم به، ما دمت في مقامي هذا، فأكثر الناس البكاء، حين سمعوا ذلك من رسول الله ﷺ ، وأكثر رسول الله ﷺ أن يقول: سلوني" فلما أكثر رسول الله ﷺ من أن يقول: سلوني، برك عمر، فقال: "رضينا بالله ربا" وفي الرواية الثامنة "أن الناس سألوا نبي الله ﷺ ، حتى أحفوه بالمسألة" أي أكثروا في الإلحاح والمبالغة فيه، يقال: أحفى وألحف، وألح بمعنى "فخرج ذات يوم، فصعد المنبر، فقال: سلوني، لا تسألوني عن شيء إلا بينته لكم" قال القاضي: وظاهر الحديث أن قوله "سلوني" إنما كان غضبا، كما قال في الرواية التاسعة "سئل النبي ﷺ عن أشياء كرهها، فلما أكثر عليه غضب، ثم قال للناس: سلوني عم شئتم" قال: وكان اختياره ﷺ ترك تلك المسائل، لكن وافقهم في جوابها لأنه لا يمكن رد السؤال، ولما رآه من حرصهم عليها، قال: وأما بروك عمر ﵁، وقوله "رضينا ... إلخ" فإنما فعله أدبا وإكراما لرسول الله ﷺ ، وشفقة على المسلمين، لئلا يؤذوا النبي ﷺ ، فيهلكوا.
وفي الرواية الثامنة "فلما سمع ذلك القوم أرموا" بفتح الهمزة والراء وتشديد الميم المضمومة، أي سكتوا، وأصله من المرمة، وهي الشفة، أي ضموا شفاههم، بعضها على بعض، فلم يتكلموا، "ورهبوا" أي خافوا "أن يكون بين يدي أمر قد حضر" أي أن يكون الرسول ﷺ عنده أمر خطير، كالساعة وبوادرها، قد آن أوانه، "قال أنس: فجعلت ألتفت يمينا وشمالا، فإذا كل رجل لاف رأسه" أي قد لف رأسه "في ثوبه يبكي".
(رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا) أي رضينا بما عندنا من كتاب الله تعالى، وسنة نبينا ﷺ ، واكتفينا به عن السؤال، ففيه أبلغ كفاية.
стр. 5161
(قال: فسكت رسول الله ﷺ ، حين قال عمر ذلك) أي سكت عن قول "اسألوني".
(أولى) بفتح الهمزة وسكون الواو، وفتح اللام، وهي لفظة تهديد ووعيد، وقيل: كلمة تلهف، فعلى هذا يستعملها من نجا من أمر خطير، والصحيح المشهور أنها للتهديد، ومعناها قرب منكم ما تكرهونه، ومنه قول تعالى ﴿أولى لك فأولى﴾ [القيامة: ٣٤] أي قاربك ما تكره، فاحذره، مأخوذ من الولي، وهو القرب.
(آنفا) أي قريبا، أي هذه المسألة، والمشهور فيها المد، ويقال بالقصر، وقرئ بهما في السبع، والأكثرون بالمد.
(في عرض هذا الحائط) عرض الحائط بضم العين جانبه.
(فقام ذاك الرجل، فقال: من أبي؟ قال: أبوك فلان) في الرواية السابعة "فقام عبد الله بن حذافة، فقال: من أبي؟ يا رسول الله، قال: أبوك حذافة" وفي الرواية الثامنة "فأنشأ رجل من المسجد" أي بدأ رجل الكلام من المسجد "كان يلاحى" بضم الياء، وفتح الحاء، أي كان يخاصم ويجادل "فيدعى لغير أبيه" بضم الياء وسكون الدال وفتح العين، أي ينسب لغير أبيه، زاد في الرواية التاسعة "فقام آخر، فقال: من أبي؟ يا رسول الله. قال: أبوك سالم، مولي شيبة" هذا الرجل هو سعد بن سالم مولى شيبة بن ربيعة، وزاد الطبري في رواية عن أبي هريرة ﵁، قال: خرج رسول الله ﷺ غضبان محمارا وجهه، حتى جلس على المنبر، فقام إليه رجل، فقال أين أنا؟ قال: في النار" وعند أحمد "فقال رجل: يا رسول الله، في الجنة أنا أو في النار؟ قال: في النار".
(ما سمعت بابن قط أعق منك) أي أنت أكثر الأبناء عقوقا لأمك.
(أأمنت أن تكون أمك قد قارفت بعض ما تقارف نساء أهل الجاهلية الزنا فتفضحها على أعين الناس؟ ) "قارفت" أي ارتكبت، والمراد بما تقارف نساء أهل الجاهلية الزنا، والجاهلية من كانوا قبل النبوة، ومعنى "فتفضحها" أي لو كنت من زنا، فنفاك عن أبيك حذافة فضحتني.
(والله لو ألحقني بعبد أسود للحقته) وآمنت بصدق كلامه، فإنه لا ينطق عن الهوى.
-[فقه الحديث]-
-[يؤخذ من أحاديث الباب]-
١ - من الرواية الأولى حق الأعلى في الشرب قبل الأسفل، قال العلماء: الشرب من نهر أو مسيل غير مملوك، يقدم الأعلى فالأعلى، ولا حق للأسفل حتى يستغني الأعلى، وحده أن يغطي الماء الأرض، حتى يظهر على سطحها، ويرجع إلى الجدار، ثم يطلق، وقد أمر ﷺ الزبير أولا أن يسامح ببعض حقه، إيثارا لحسن الجوار، فلما جهل الخصم واعترض استوفى لصاحب الحق حقه.
стр. 5162
والمراد بالأول هنا عند الجمهور من يكون مبدأ الماء من ناحيته، وقال بعض المتأخرين من الشافعية: المراد به من لم يتقدمه أحد في الغراس، بطريق الإحياء، والذي يليه من أحيا بعده، وهلم جرا. اهـ. ويمكن قبول هذا الترتيب إذا كانوا متساوين في القرب من مصدر الماء، أو كان مصدره في وسط أراضيهم، وقضيتنا في ماء يخترق أرضا، ليصل إلى أخرى.
قال ابن التين: الجمهور على أن الحكم أن يمسك الأول الماء حتى يصل في الأرض إلى الكعبين، الحد الواجب في الوضوء، وخصه ابن كنانة بالنخل والشجر، قال: وأما الزروع فإلى الشراك - أي السير الذي فوق القدم من النعل - وقال الطبري: الأراضي مختلف، فيمسك لكل أرض ما يكفيها، لأن الذي في قصة الزبير واقعة عين.
واختلف أصحاب مالك: هل يرسل الأول جميع الماء بعد أن يبلغ الكعبين - فتصفى الأرض؟ أو يرسل ما زاد على الكعبين؟ والأول أظهر، إذا لم يبق له به حاجة.
٢ - وفي الحديث إشارة الإمام بالصلح بين المتخاصمين، قبل أن يحكم، فما أشار به ﷺ أولا كان على سبيل الصلح، ولا يلزم الخصم به إلا إذا رضي.
٣ - وأن الحاكم يستوفي لصاحب الحق حقه، ولو لم يسأله صاحب الحق.
٤ - وحكى الخطابي أن فيه دليلا على جواز فسخ الحاكم حكمه، لأنه ﷺ حكم أولا بالإحسان إلى الجار، فلما اعترض الخصم، رجع عن حكمه الأول إلى الحقوق، ليكون ذلك أبلغ في زجر الخصم، وتعقب بأن الحكم الأول لم يثبت، حتى يرجع عنه، فقد كان إشارة إلى المصالحة.
٥ - قيل: إن الحكم والحق هو الحكم الأول، أما الثاني فكان عقوبة على ما بدر منه، وكان ذلك لما كانت العقوبة بالأموال جائزة، حكاه ابن الصباغ من الشافعية، ووافق عليه، وهو بعيد، وسياق طرق الحديث يأباه، لا سيما قوله "واستوفى للزبير حقه" في صريح الحكم، فمجموع الطرق دال على أنه أمر الزبير أولا أن يترك بعض حقه، وثانيا أن يستوفي جميع حقه.
٦ - وفيه أن من سبق إلى شيء من مياه الأودية والسيول التي لا تملك، فهو أحق به، لكن ليس له إذا استغنى أن يحبسه عن الذي يليه.
٧ - وفيه توبيخ من جفا على الحاكم ومعاقبته.
٨ - ويمكن أن يستدل به على أن للإمام أن يعفو عن التعزير المتعلق به، لكن محل ذلك ما لم يؤد إلى هتك حرمة الشرع، وإنما لم يعاقب النبي ﷺ صاحب القصة، لما كان عليه من تأليف الناس، قال القرطبي: فلو صدر مثل هذا من أحد في حق النبي ﷺ ، أو في حق شريعته قتل قتلة زنديق، ونقل النووي نحوه عن العلماء.
٩ - وفيه صحة حكم الحاكم وهو غضبان، إذا أمن الخطأ والغلط، والنبي ﷺ مأمون، لعصمته من ذلك حال السخط.
١٠ - وفيه ما تحمله رسول الله ﷺ من إيذاء، والحث على الصبر على الأذى.
стр. 5163
١١ - وفيه وجوب اتباعه ﷺ ، والرضا بحكمه، والتسليم لأمره.
١٢ - وفيه إدلال الرسول ﷺ على بعض أصحابه، فإن ما أشار به ﷺ على الزبير كان إدلالا عليه، لعلمه بأنه يرضى بذلك، ويؤثر الإحسان.
١٣ - ومن الرواية الثانية والثالثة النهي عن كثرة الاستفصال، وعن كثرة التنقيب الذي قد يفضي إلى مثل ما وقع لبني إسرائيل.
١٤ - استدل قوم بإطلاق النهي، وتقييد الأمر بالاستطاعة على عموم النهي، وقالوا: الإكراه على ارتكاب المعصية لا يبيحها، قال الحافظ ابن حجر: والصحيح عدم المؤاخذة، إذا وجدت صورة الإكراه المعتبرة، واستثنى بعض الشافعية من ذلك الزنا، فقال: لا يتصور الإكراه عليه، وكأنه أراد التمادي فيه، وإلا فلا مانع أن ينتشر الرجل بغير سبب، فيكره على الإيلاج حينئذ، فيولج في الأجنبية، فإن مثل ذلك ليس بمحال، ولو فعله مختارا كان زانيا، فتصور الإكراه على الزنا في الرجل، أما في المرأة فإكراهها على الزنا ممكن.
١٥ - واستدل به من قال: لا يجوز التداوي بشيء محرم كالخمر، ولا دفع العطش بالخمر ولا إساغة الغصة بالخمر، قال الحافظ ابن حجر: والصحيح عند الشافعية جواز الثالث، حفظا للنفس، فصار كأكل الميتة لمن اضطر، بخلاف التداوي، فإنه ثبت النهي عنه نصا، ففي مسلم "إنه ليس بدواء، ولكنه داء" وعند أبي داود "ولا تداووا بحرام" و"إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها" وأما العطش، فإنه لا ينقطع بشربها، ولأنه في معنى التداوي، والتحقيق أن الأمر باجتناب المنهي على عمومه، ما لم يعارضه إذن في ارتكاب منهي، كأكل الميتة للمضطر، وقال الفكهاني: لا يتصور امتثال اجتناب المنهي، حتى يترك جميعه، فلو اجتنب بعضه لا يعد متمثلا، بخلاف الأمور.
وقال هنا ابن فرج إن النهي يقتضي الأمر، فلا يكون متمثلا لمقتضى النهي حتى لا يفعل واحدا من آحاد ما يتناوله النهي، بخلاف الأمر، فإنه على عكسه، ومن ثم نشأ الخلاف، هل الأمر بالشيء نهي عن ضده؟ وهل النهي عن الشيء أمر بضده؟ والتفاصيل في كتب الأصول.
١٦ - وعن قوله "وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم" قال النووي: هذا من جوامع الكلم، وقواعد الإسلام، ويدخل فيه كثير من الأحكام، كالصلاة لمن عجز عن ركن منها أو شرط، فيأتي بالمقدور، وكذا الوضوء، وستر العورة، وحفظ بعض الفاتحة، وإخراج بعض الزكاة لمن لم يقدر على الكل، والإمساك في رمضان لمن أفطر بالعذر، ثم قدر في أثناء النهار، إلى غير ذلك من المسائل التي يطول شرحها، وقال غيره: إن من عجز عن بعض الأمور لا يسقط عنه المقدور، وعبر عنه بعض الفقهاء بأن الميسور لا يسقط بالمعسور.
١٧ - قال الحافظ ابن حجر: واستدل به على أن من أمر بشيء، فعجز عن بعضه، ففعل المقدور، أنه يسقط عنه ما عجز عنه، وبذلك استدل المزني على أن "ما وجب أداؤه لا يجب قضاؤه" ومن ثم كان الصحيح أن القضاء بأمر جديد.
стр. 5164
١٨ - واستدل بالحديث على أن اعتناء الشرع بالمنهيات فوق اعتنائه بالمأمورات، لأنه أطلق الاجتناب في المنهيات، ولو مع المشقة في الترك، وقيد في المأمورات بقدر الطاقة.
فإن قيل: إن الاستطاعة معتبرة في النهي أيضا، إذ يقول الله تعالى ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ [البقرة: ٢٨٦] فجوابه أن الاستطاعة تطلق باعتبارين. قال الحافظ ابن حجر: كذا قيل، والذي يظهر أن التقييد في الأمر بالاستطاعة لا يدل على اعتناء الشرع بالنهي، بل هو من جهة أن النهي كف، وكل واحد قادر على الكف، لولا داعية الشهوة مثلا، فلا يتصور عدم الاستطاعة عن الكف، بل كل مكلف قادر على الترك، بخلاف الفعل، فإن العجز عن تعاطيه محسوس، فمن هنا قيد في الأمر بحسب الاستطاعة، دون النهي، قال: وعبر الطوفي في هذا الموضع بأن ترك المنهي عنه عبارة عن استصحاب حال عدمه، أو الاستمرار على عدمه، وفعل المأمور به عبارة عن إخراجه من العدم إلى الوجود. وقد نوزع بأن القدرة على استصحاب عدم النهي عنه قد تتخلف، وقال الماوردي: أن الكف عن المعاصي ترك والترك سهل، وعمل الطاعة فعل، وهو يشق.
فالحكمة في تقييد الحديث بالاستطاعة في جانب الأمر، دون النهي، أن العجز يكثر تصوره في الأمر، بخلاف النهي، فإن تصور العجز فيه محصور في الاضطرار.
١٩ - واستدل به على أن المكروه يجب اجتنابه، لعموم الأمر باجتناب المنهي عنه، فشمل الواجب والمندوب، وأجيب بأن قوله "فاجتنبوه" يعمل به في الإيجاب والندب بالاعتبارين ويجيء مثل هذا الجواب في الجانب الآخر، وهو الأمر.
٢٠ - واستدل به على أن المباح ليس مأمورا به، وأجيب بأن من قال: المباح مأمور به لم يرد الأمر بمعنى الطلب، وإنما أراد المعنى العام، هو الإذن.
٢١ - واستدل بقوله "فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم" النهي عن إكثار السؤال، والسؤال أنواع، ولكل نوع منه حكمة.
أ- فالسؤال عما لم يحدث تكلفا أو تعنتا، فيما لا حاجة إليه منهي عنه، فقد يؤدي إلى المشقة بالمسلمين، ويكون سببا لتحريم شيء عليهم، لم يكن ليحرم، لولا السؤال، كما أشير إليه في الرواية الرابعة والخامسة، وهذا النوع قد يكون مأمونا اليوم، بعد أن ثبت التحليل والتحريم، واستقرت الشريعة، وأكمل الله الدين، لكنه قد يتصور في المنقبين المشددين المتنطعين، الذين يسألون أمثالهم، فيجيبونهم بما يشق عليهم، وقد أخرج البزار "ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن ينسى شيئا، ثم تلا هذه الآية ﴿وما كان ربك نسيا﴾ [مريم: ٦٤] وأخرج الدارقطني "إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحدد حدودا فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء، رحمة بكم، غير نسيان، فلا تبحثوا عنها" ومن أمثلة ما وقع من الصحابة ﵃ من هذا النوع قبل نزول الآية، سؤالهم عن وجوب طاعة الأمراء، إذا أمروا بغير طاعة، والسؤال عن أحوال يوم القيامة، وما قبلها من الملاحم والفتن، وسؤالهم عن الكلالة والخمر والميسر، والقتال في الشهر الحرام، واليتامى، والمحيض، والنساء، والصيد، فكثير من هذه الأسئلة كانت سببا للتكليف بما يشق.
стр. 5165
ب- وقد يؤدي إلى الإساءة إلى السائل، كالذي سأل: أين أنا؟ فقيل له: في النار.
ج- وقد يؤدي السؤال إلى فتح باب الإلحاح والإلحاف والكثرة التي تعني ولا تعني، وتضر أكثر مما تنفع، فتحرج المسئول وتؤذيه، كما تشير إلى ذلك الرواية السادسة وما بعدها، وكسؤال الرجل تضل ناقته: أين ناقتي؟ .
د- وقد يكون السؤال من منطلق التقعر والتشدق والتظاهر بالعلم والتعمق فيه، مما يسيء إلى العلم والعلماء، وعليه ينطبق حديث ابن مسعود عند مسلم، رفعه "هلك المتنطعون".
هـ- وقد يكون السؤال جريا وراء أمور غيبية، ورد الشرع بالإيمان بها مع ترك كيفيتها، كالسؤال عن وقت الساعة، وعن الروح، وعن مدة هذه الأمة، على أمثال ذلك مما لا يعرف إلا بالنقل الصرف، والكثير منه لم يثبت فيه شيء، فيجب الإيمان به من غير بحث في تفصيله، وصرف الزمان في غيره مما ينفع أولى.
و- وقد يؤدي السؤال إلى الإضرار بالسائل، أو وقوعه في الشك والحيرة، ومثلوا له بسائل يسأل عن السلع المجهول مصدرها في الأسواق، فيجاب بجواز شرائها ممن هي في يده، من غيره بحث عن طريق مصيرها إليه، فيعود ويسأل: أخشى أن تكون هذه السلعة من نهب حصل قريبا، فيجاب بكراهة أو تحريم الشراء، من ذلك ما يحكى أن ماء سقط على عالم من نافذة بيت، فنادى العالم صاحبة النافذة، أهذا الماء طاهرا أم نجس؟ فقالت له: نجسته بسؤالك أيها الفقيه.
أما الممدوح من الأسئلة فهو ما كان في العلم للعلم، وبقدر الحاجة، وبدون إضرار أو إيذاء، أو مضايقة أو رياء، وبالجملة أن يجر نفعا، ولا يشوبه ضرر.
٢٢ - ومن الرواية السادسة من عرض الجنة والنار، أن الجنة والنار مخلوقتان. قاله النووي.
٢٣ - ومن قوله "لو تعلمون ما أعلم" عدم كراهة استعمال لفظة "لو" في مثل هذا.
٢٤ - وقد يؤخذ من قول عبد الله بن حذافة "لو ألحقني بعبد للحقته" أن الزنا يثبت به نسب، مع أنه ليس كذلك، وأجيب بأنه يحتمل وجهين: أحدهما: أن ابن حذافة ما كان بلغه هذا الحكم، وكان يظن أن ولد الزنا يلحق بالزاني، قال النووي: وقد خفي هذا على أكبر منه، وهو سعد بن أبي وقاص، حين خاصم في ابن وليدة زمعة، فظن أنه يلحق أخاه بالزنا، والثاني أنه يتصور الإلحاق بعد الوطء بشبهة فيثبت النسب منه.
٢٥ - ومن بروك عمر ﵁ جواز بروك الطالب، كمظهر من مظاهر الانزعاج والاهتمام، فقد فهم عمر أن تلك الأسئلة قد تكون على سبيل التعنت أو الشك، فخشي أن تنزل العقوبة بسبب ذلك، فقال: رضينا بالله ربا: إلخ.
٢٦ - وفيه فضيلة لعمر وذكائه وإدلاله على رسول الله ﷺ ، إذ رضي النبي ﷺ بقول عمر، فسكت.
٢٧ - وفيه جواز الغضب عند الموعظة والتعليم.
стр. 5166
٢٨ - وفيه دقة ملاحظة الصحابة لأحوال النبي ﷺ في الرضا والغضب.
٢٩ - وحرصهم على رضاه، وخوفهم من غضبه.
٣٠ - وقد يتمسك القدرية بالرواية الرابعة والخامسة في أن الله تعالى يفعل شيئا من أجل شيء، قال المهلب: وليس كذلك، بل هو على كل شيء قدير، وهو فاعل السبب والمسبب، كل ذلك بتقديره، ولكن الحديث محمول على التحذير مما ذكر، فعظم جرم من فعل ذلك، لكثرة الكارهين لفعله، وقال غيره: أهل السنة لا ينكرون إمكان التعليل، وإنما ينكرون وجوبه، فلا يمتنع أن يكون المقدر: الشيء الفلاني تتعلق به الحرمة إن سئل عنه، فقد سبق القضاء بذلك، لا أن السؤال علة التحريم.
٣١ - ويؤخذ منه أن من عمل شيئا أضر به غيره كان آثما، وإن كان العمل في أصله مباحا، فالسؤال عن تكرير الحج في أصله مباح، لكن لما كان سببا لمشقة الآخرين حرم ومنع.
والله أعلم
стр. 5167
(٦٢٧) باب وجوب امتثال ما قاله شرعا، دون ما ذكره ﷺ من معايش الدنيا على سبيل الرأي
٥٣٣٣ - عن موسى بن طلحة عن أبيه ﵁ قال: مررت مع رسول الله ﷺ بقوم على رءوس النخل. فقال: ما يصنع هؤلاء؟ " فقالوا: يلقحونه. يجعلون الذكر في الأنثى فيلقح. فقال رسول الله ﷺ : "ما أظن يغني ذلك شيئا" قال: فأخبروا بذلك فتركوه. فأخبر رسول الله ﷺ بذلك فقال: "إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه. فإني إنما ظننت ظنا. فلا تؤاخذوني بالظن. ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئا، فخذوا به. فإني لن أكذب على الله ".
٥٣٣٤ - عن رافع بن خديج ﵁ قال: قدم نبي الله ﷺ المدينة وهم يأبرون النخل. يقولون: يلقحون النخل. فقال: "ما تصنعون؟ قالوا: كنا نصنعه. قال: "لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرا" فتركوه. فنفضت أو فنقصت. قال: فذكروا ذلك له. فقال: إنما أنا بشر. إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به. وإذا أمرتكم بشيء من رأي، فإنما أنا بشر" قال عكرمة: أو نحو هذا. قال: المعقري: فنفضت. ولم يشك.
٥٣٣٥ - عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ مر بقوم يلقحون فقال: "لو لم تفعلوا لصلح" قال: فخرج شيصا. فمر بهم فقال: "ما لنخلكم" قالوا: قلت: كذا وكذا. قال: "أنتم أعلم بأمر دنياكم".
-[المعنى العام]-
جاءت الرسالة المحمدية رسالة وسطا، تحرص على خيري الدنيا والآخرة، بدرجة لا تطغى إحداهما على الأخرى، جاءت تأخذ بالأسباب بالدرجة التي تعتمد فيها على القضاء والقدر "اعقلها
стр. 5168
وتوكل" يستعد ﷺ للهجرة، ويخفي أمرها، ويخرج بليل، ويختبئ في الغار، في الوقت الذي يقول فيه "ما ظنك باثنين الله ثالثهما".
لقد جاء الإسلام والناس على عنصر واحد، هو عنصر الأسباب المادية، والمتطرف إذا أريد له الوسطية شد إلى الطرف الآخر، ليعود برغبة منه إلى الوسط، وهذا هو ما وقع في قصتنا.
كان ﷺ بمكة ثلاثا وخمسين سنة، حوله جبال وصحراء، وهاجر إلى المدينة، بلاد نخل وزروع، وبينما هو يمشي في طرقاتها بين النخيل، ومعه بعض أصحابه، رأى رجالا تسلقوا النخل، حتى وصلوا إلى سعفها، ورأى شيئا في أيديهم، يتحركون به، ولم يتبين ماذا يعملون، فسأل من معه: ماذا يصنع هؤلاء؟ قالوا: يلقحون النخل. لأن النخل في موسم معين يخرج طلعا، قوالب بداخلها فروع بيضاء على جانبيها بروز الثمر، ومليئة بما يشبه الدقيق، يخرج هذا في النخل الذكر ولا يثمر، ويخرج في الأنثى وهو أصل التمر، لكن بشرط أن يوضع شيء من طلع الذكر في طلع الأنثى، فأراد ﷺ أن يربطهم بالقضاء والقدر، فقال: لا أظن أن ذلك ينفعهم إلا بإرادة الله وقدرته، وأظن أنهم لو لم يفعلوا ذلك واعتمدوا على الله وسألوه لصلح، وكان من الممكن أن تحمل الريح طلع الذكر إلى الأنثى، وتقوم مقامهم، كما يحصل في كثير من الفواكه، مصداقا لقوله تعالى ﴿وأرسلنا الرياح لواقح﴾ [الحجر: ٢٢] لكن الله تعالى أراد أن يربط المسببات بالأسباب في هذه القصة، فلما سمعوا كلام الرسول ﷺ ، ولم يلقحوا، خرج البلح شيصا، فلما رآه كذلك ﷺ قال لهم: ما لتمركم هذا العام خرج شيصا؟ قالوا: لأننا لم نلقحه، استجابة لقولك كذا وكذا، قال: إنما قلت لكم ذلك من عند نفسي ظنا، ولست في ذلك مبلغا عن الله، فإذا أمرتكم بأمر مبلغا فالتزموه، وإذا أمرتكم بأمر من نفسي فأنتم وشأنكم، فأنتم أعلم بأمور دنياكم، وما دام في ذلك خير لكم فافعلوه.
فعادوا إلى تلقيح نخلهم، وعادت المدينة خير بلد، وتمرها خير تمر.
-[المباحث العربية]-
(مررت مع رسول الله ﷺ بقوم على رؤس النخل) مقابلة الجمع بالجمع تقتضي القسمة آحادا، أي على كل نخلة رجل، والمراد من رأس النخلة أعلاها.
(فقال: ما يصنع هؤلاء)؟ أي سأل طلحة ومن معه عما يفعلون؟ وقد رآهم لا يقطعون سعفا كما يعهد، وكان ذلك أول قدومه المدينة، التي هي ذات نخل، ولم تكن مكة ذات نخل، ففي الرواية الثانية "قدم نبي الله ﷺ المدينة، وهم يأبرون النخل" فسر ذلك بقوله "يقولون: يلقحون النخل" وليس المراد أنه رأى ذلك في طريق قدومه، بل المراد أنه رأى ذلك في أوائل وصوله، حين خرج إلى المزارع، و"يأبرون" بسكون الهمزة، وكسر الباء وضمها، يقال: أبر يأبر، ويأبر، كبذر يبذر ويبذر، ويقال: أبر بتشديد الباء يؤبر تأبيرا، والمراد به التلقيح، ومعناه إدخال شيء من طلع الذكر، فرع أو دقيق، في طلع الأنثى، فتعلق الأنثى، ويصلح ثمرها، بإذن الله تعالى، "فقالوا: يلقحونه، يجعلون الذكر في الأنثى، فيلقح".
стр. 5169
(فقال: ما أظن يغني ذلك شيئا) أي ما أظن أن ذلك العمل يغني عن قدر الله شيئا إذا أراد عدم صلاحه "لو لم تفعلوا" التأبير وأراد الله صلاحه "لصلح" ولعله أراد ﷺ أن يوجههم إلى الاعتماد على الله بدلا من الاعتماد الكلي على الأسباب.
(فأخبروا بذلك) أي أخبر الذين على رءوس النخل بما قاله ﷺ ، وكانوا مسلمين.
(فتركوه) أي تركوا التأبير، اعتمادا على إشارته ﷺ .
(فأخبر رسول الله ﷺ معطوف على محذوف، أبرزته الرواية الثانية والثالثة، والأصل: "فتركوه، فنفضت - أو فنقصت - فذكروا ذلك له" "فنفضت" بالفاء والضاد، أي أسقطت النخل ثمرها، ويقال لذلك المتساقط: النفض، بفتح النون والفاء، بمعنى المنفوض، كالخبط، بمعنى المخبوط، وانفض القوم فنى زادهم، وأما "نقصت" بالقاف والصاد فمعناه نقص صلاحها وهو المعبر عنه في الرواية الثالثة بقوله "فخرج شيصا، فمر بهم، فقال ما لنخلكم؟ قالوا: قلت كذا وكذا" والشيص بكسر الشين هو البسر الرديء، الذي إذا يبس صار حشفا.
(فقال: إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإني إنما ظننت ظنا، فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئا، فخذوا به، فإني لن أكذب على الله في الرواية الثانية "قال: إنما أنا بشر، إذا أمرتكم بشيء من دينكم، فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي، فإنما أنا بشر" وفي الرواية الثالثة "قال: أنتم أعلم بأمر دنياكم".
قال النووي: قال العلماء: قوله "من رأيي" أي في أمر الدنيا ومعايشها، لا على التشريع، فأما ما قاله باجتهاده ﷺ ، ورآه شرعا، يجب العمل به، وليس إبار النخل من هذا النوع، بل من النوع المذكور قبله، قال: مع أن لفظة "الرأي" إنما أتى بها عكرمة على المعنى، لقوله في آخر الحديث: قال عكرمة أو نحو هذا، فلم يخبر بلفظ النبي ﷺ محققا، قال العلماء: ولم يكن هذا القول خبرا، وإنما كان ظنا، كما بينه في هذه الروايات، قالوا: ورأيه ﷺ في أمور المعايش، وظنه كغيره، فلا يمتنع وقوع مثل هذا، ولا نقص في ذلك، وسببه تعلق هممهم بالآخرة ومعارفها. اهـ.
-[فقه الحديث]-
هذا الحديث يتعلق به كل من يحاول التحلل من كثير من أحكام الشرع، مما يتعلق بالحياة، والمعاملات ويتمسك بقوله ﷺ "أنتم أعلم بشئون دنياكم" فبعضهم يدخل تحته كل ما يتعلق بالأكل والشرب والنوم واللبس والجلوس والمشي، وغير ذلك من الأمور الخاصة بالحاجة والطبيعة البشرية.
فالشيخ شلتوت يقول: ما ورد عن النبي ﷺ ، ودون في كتب الحديث من أقواله وأفعاله وتقريراته على أقسام: أحدها ما سبيله سبيل الحاجة البشرية كالأكل والشرب والنوم والمشي والتزاور والمصالحة بين شخصين بالطرق العرفية، والشفاعة والمساومة في البيع والشراء.
стр. 5170
ثانيها: ما سبيله سبيل التجارب والعادة الشخصية أو الاجتماعية، كالذي ورد في شئون الزراعة والطب وطول اللباس وقصره.
ثالثها: ما سبيله التدبير الإنساني، أخذا من الظروف الخاصة، كتوزيع الجيش على المواقع الحربية، والكمون والفر، وما إلى ذلك مما يعتمد على وحي الظروف الخاصة.
وكل ما نقل من هذه الأنواع الثلاثة ليس شرعا، يتعلق به طلب الفعل والترك، وإنما هو من الشئون البشرية التي ليس مسلك الرسول فيها تشريعا، ولا مصدر تشريع.
والتحقيق أنه من الخطأ أن نطلق هذا الإطلاق، فكل من هذه الأمور منها الواجب شرعا، ومنها المحرم شرعا، ومنها المكروه والمندوب والمباح.
والدكتور عبد المنعم النمر يدخل مع ذلك كل المعاملات، على أنها تدخل تحت قوله "أنتم أعلم بشئون دنياكم" ويؤكد أن الرسول ﷺ لم يصدر عنه ذلك بوحي، ولم يكن في ذلك محروسا بوحي مباشر أو وحي سكوتي أو إقراري.
وقد رددت عليهما في بحثين منشورين: بعنوان السنة والتشريع، والسنة كلها تشريع.
والذي يعنينا في هذا المقام: الحديث، تحليله، وفهمه الفهم الصحيح.
فمن غير المعقول فهمه على إطلاقه، بمعنى أنتم معشر مؤبري النخل أعلم من محمد ﷺ بشئون دنياكم كلها، فالإسلام نصف تشريعاته للدنيا، ونصفه للدين، بل المصالح الدنيوية هي من الدين، ومرتبطة بالدين، يثاب عليها، كما يثاب على الصلاة، فالرجل الذي سقى الكلب، والرجل الذي أنظر معسرا، والرجل الذي أزال غصن شوك، غفر لهم، والمرأة التي حبست قطة دخلت النار.
والرجل يزرع زرعا أو يغرسا غرسا فيأكل منه إنسان أو طير أو بهيمة له بكل ذلك صدقة، والرجل يأتي شهوته حلاله، له أجر، والبائع الغاش، والمشتري الغاش، والحاكم الغاش، كل هؤلاء عليهم وزر، ومحمد ﷺ أعلم بالصالح فيها، عن غيره من البشر، فلا بد من تقييد "أمور دنياكم" ببعض أمور دنياكم، وهذا البعض هو ما وقعت القصة فيه "تلقيح النخل" وكأنه قال: أنتم أعلم بكيفية وفائدة تلقيح النخل مني، وهذه حقيقة لا تضر بالرسالة، ومع أن العلماء يقولون: إن واقعة العين كهذه الواقعة، يقتصر الحكم عليها، ولا ينقل إلى غيرها، أو لا يكون حجة لغيرها، مع هذا لو نقلناها نقلناها إلى ما يشبهها، من الأعمال التي تكتسب عن طريق العلم والتدريب والممارسة والتجارب والخبرة، كالزراعة والنجارة والحدادة والغزل والنسيج والحياكة، والصناعات الأخرى. فهذه ليست من مهمة الرسالة، وليس من مهمة الرسول ﷺ ، ولا من مؤهلاته أن يكون ماهرا فيها، ولا خبيرا بدقائقها.
فإذا تكلم مع الخبراء فيها فكلامه مبني على الظن الذي قد يخطئ كأي إنسان غير متخصص، وحديث تأبير النخل من هذا القبيل، ومحاولة تطبيقه - حتى على جميع شئون الزراعة - خطأ، فقد
стр. 5171
تدخل ﷺ في كيفية سقي الأشجار، وتقديم الأعلى فالأعلى، في قصة الزبير والأنصاري، التي شرحناها في الباب السابق، بل بمناسبتها نزل قوله تعالى ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما﴾
وقد يتساءل المرء: هل من حكمة نلتمسها من الإشارة بغير الصواب، وبقبولها وتنفيذها من الصحابة دون مناقشة مع أنهم ناقشوا في كثير غيرها، كالإذخر، وشهود الزنا، والسلم، وغير ذلك كثير، وما الحكمة في عدم تعديل هذه المشورة من قبل الوحي، وتدارك الثمرة حتى لا تصير شيصا، وقد تلمسنا لذلك حكما وضحناها في بحثنا، نذكر منها:
أولا: هناك من الأمور ما نحسبه شرا لنا. وهو في الحقيقة خير لنا، كحديث الإفك الذي استمر أياما وأياما دون حسم، وقال الله فيه ﴿لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم﴾ [النور: ١١] وكخرق السفينة، يحسب لأول وهلة أنه شر لأصحابها، فلما اتضحت الحقيقة إذا هو خير لهم، وبالقياس على هذا، فإن المشورة وقعت في أوائل الهجرة، وكان من الجائز جدا أن يطمع الكافرون في تمر المدينة، فيهاجموها حربا لمحمد وطمعا في تمرها، فخروج التمر شيصا يجعلهم لا يطمعون في غير مطمع، وكأن الله يصرف بذلك هجوم الكافرين، حتى يستعد المؤمنون للدفاع.
ثانيا: من المعروف أن الدرس العملي أشد أثرا من الوعظ النظري، ولا شك أن هذا الدرس كان قاسيا عليهم، ومنه حرصوا وتنافسوا بعده في الرقي بأسباب الحياة.
ثالثا: إن الابتلاء بمثل هذا امتحان واختبار ﴿ونبلوكم بالشر والخير فتنة﴾ [الأنبياء: ٣٥] ﴿ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين﴾ [البقرة: ١٥٥] فقوي الإيمان يظل متمسكا بالإيمان مهما أصابه، وضعيف الإيمان يظهر ضعفه. فلا ينخدع به غيره ﴿ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين﴾ [الحج: ١١] فكانت هذه الحادثة ابتلاء واختبارا لهم، وهي حتى اليوم في هذا الشرح ابتلاء واختبار، وقد نجح الصحابة رضوان الله عليهم في هذا الاختبار القاسي - وهم في أول الإيمان - نجاحا باهرا، فقد استمروا على طاعة أوامره والبعد عن كل ما نهى عنه، بالدرجة نفسها، التي كانت قبل مشورته، ولم يصل إلينا أن أحدا ارتد بسببها، بل لم يرد عتاب أحد منهم لرسول الله ﷺ عليها، على الرغم من خسارتها الكبرى، ﵃ أجمعين.
والله أعلم
стр. 5172
(٦٢٨) باب فضل النظر إليه ﷺ
٥٣٣٦ - عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ . فذكر أحاديث منها: وقال رسول الله ﷺ : "والذي نفس محمد بيده! ليأتين على أحدكم يوم ولا يراني. ثم لأن يراني أحب إليه من أهله وماله معهم". قال أبو إسحاق: المعنى فيه عندي، لأن يراني معهم أحب إليه من أهله وماله وهو عندي مقدم ومؤخر.
-[المعنى العام]-
للإنسان حواسه الخمسة، وله شعوره ووجدانه، وعن طريق الحواس الظاهرة والباطنة يتمتع الإنسان بالنعيم، ويشقى بالآلام والكروب، وحب الإنسان لشيء لا يكون لذاته، بل لصفة فيه، ولا شك أن العقل والوجدان والروح والشعور الداخلي للمؤمن الحق سعيد بالإسلام وبرسول الإسلام ﷺ ، أما الحواس الظاهرة فهي طريق أيضا لسعادة المؤمن، وقد مر بنا من صفات خلقته ﷺ طيب ريحه، وجوامع كلمه، والتبرك بفضلات طعامه وشرابه، ولين ملمسه، وهذا الحديث في متعة النظر إليه ﷺ ، فرؤيته ﷺ خير من الأهل والمال والولد، لأنه أساس في إثبات الصحبة، والصحبة من أفضل خصال الإسلام، وخير القرون قرنه ﷺ ، ولقد أتى زماننا متأخرا، فلم يكتب لنا أن نسعد برؤيته، فهل شوقنا لرؤيته، وحنيننا إلى رؤيته ﷺ يقوم مقام رؤيته؟ أو يسد - ولو جزئيا - مسد رؤيته؟ نسأل الله تعالى أن يمنحنا وصال الروح، حيث حرمنا وصال الأجساد، وأن يجمعنا به ﷺ في الآخرة وأن يجعلنا من أهل شفاعته.
-[المباحث العربية]-
(ليأتين على أحدكم يوم ولا يراني) الخطاب للصحابة السامعين له، أي ستشغلكم الدنيا وأمور الحياة عن ملازمتي في مسجدي وفي حلي وترحالي، وسيأتي على بعضكم يوم، بل أيام لا يراني فيها، وقد وقع ذلك من أقرب الناس إليه، عمر بن الخطاب، فقد كان يزرع في أرض الأنصار في أطراف المدينة، وينزل يوما لرسول الله ﷺ ، وينزل جاره يوما، بل كانت التجارة والأسواق تشغله أياما عن النزول أحيانا، حتى قال: ألهاني عنه الصفق بالأسواق.
(ثم لأن يراني أحب إليه من أهله وماله معهم) يقول أبو إسحاق الراوي: هو عندي، مقدم ومؤخر، مراده أن كلمة "ثم" أخرت، وأصلها مقدم على "لا يراني" و"ثم لا يراني" مقدم من
стр. 5173
تأخير، وأصل الجملة ليأتين على أحدكم يوم، لأن يراني فيه أحب إليه من أن يكون له مثل أهله وماله (ثم لا يراني) أي رؤيته إياي أفضل عنده، وأحظى من أهله وماله، ولفظة "معهم" في موضعها. أي يأتي على أحدكم يوم، لأن يراني فيه لحظة، ثم لا يراني بعدها، أحب إليه من أهله وماله جميعا.
-[فقه الحديث]-
مقصود الحديث الحث على ملازمة الصحابة مجلس الرسول ﷺ ، حضرا وسفرا، ففي ذلك مشاهدة آداب الشرع في حركاته وسكناته، وتعلم الشرائع وحفظها عنه مباشرة دون وساطة، والتبرك بمجلسه، والانتفاع بالرحمة التي تغمر هذا المشهد العظيم.
والله أعلم
стр. 5174
(٦٢٩) باب فضائل عيسى ﵇
٥٣٣٧ - عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أنا أولى الناس بابن مريم. الأنبياء أولاد علات. وليس بيني وبينه نبي".
٥٣٣٨ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أنا أولى الناس بعيسى. الأنبياء أبناء علات. وليس بيني وبين عيسى نبي".
٥٣٣٩ - عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ . فذكر أحاديث منها: وقال رسول الله ﷺ : "أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم، في الأولى والآخرة" قالوا: كيف؟ يا رسول الله! قال: "الأنبياء إخوة من علات. وأمهاتهم شتى. ودينهم واحد. فليس بيننا نبي".
٥٣٤٠ - عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "ما من مولود يولد إلا نخسه الشيطان. فيستهل صارخا من نخسة الشيطان. إلا ابن مريم وأمه" ثم قال أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم ﴿وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم﴾
٥٣٤١ - وفي رواية عن الزهري، بهذا الإسناد. وقالا: "يمسه حين يولد، فيستهل صارخا من مسة الشيطان إياه" وفي حديث شعيب "من مس الشيطان".
٥٣٤٢ - عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "كل بني آدم يمسه الشيطان يوم ولدته أمه، إلا مريم وابنها".
٥٣٤٣ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "صياح المولود حين يقع، نزغة من الشيطان".
стр. 5175
٥٣٤٤ - عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ فذكر أحاديث منها: وقال رسول الله ﷺ : "رأى عيسى ابن مريم رجلا يسرق. فقال له عيسى: سرقت؟ قال: كلا. والذي لا إله إلا هو! فقال عيسى: آمنت بالله. وكذبت نفسي".
-[المعنى العام]-
تحكي سورة مريم قصة حمل مريم لعيسى من غير أب، وتعجبها من هذا الحمل وهي غير بغي، وانتباذها بحملها مكانا قصيا، وكيف رزقها الله بطعامها وشرابها مدة حملها، وكيف جاءها المخاض إلى جذع النخلة، وقولها: يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا، وكيف بشرها ربها بغلام ذكي، يكون آية للناس ورحمة من الله، وكيف أمرت أن تقابل قومها ولا تتكلم معهم، وأن تطلب من طفلها أن يرد عليهم ﴿فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا * قال إني عبد الله ءاتاني الكتاب وجعلني نبيا * وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا﴾ [مريم: ٢٩ - ٣١] كان عيسى ﵇ معجزة في ميلاده، معجزة في كلامه في المهد، على يديه في حياته ظهرت معجزات إحياء الموتى بإذن الله، وإبراء الأكمه والأبرص بإذن الله، في رسالته اختلف الأحزاب فيما بينهم - كما هو الشأن مع الأنبياء، طلب حواريوه مائدة من السماء، فدعا بها عيسى فنزلت، وعاداه آخرون، واتهموه بأنه ابن زنا. نعم كانت حياته معجزة، مغالاة وتطرف في الحب والتقديس، ومغالاة وتطرف في البغضاء والشحناء، عبده بعضهم وقالوا: إنه ابن الله، ﴿وقالت النصارى المسيح ابن الله﴾ [التوبة: ٣٠] وحاربه آخرون، حتى وضعوا ونصبوا له الصليب ليقتلوه، وكان موته معجزة ﴿وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا * بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما﴾ [النساء: ١٥٧ - ١٥٨] وما بعد موته معجزة، ينزل حاكما عادلا في آخر الزمان، كمسلم من أمة محمد ﷺ ، يقيم العدل، ويحارب الشرك والظلم، ويكسر الصليب، ويقتل الدجال، فأي علاقة هذه بينه وبين أخيه محمد بن عبد الله عليهما الصلاة والسلام، ومن أولى به من رسول الله رسول الإسلام؟
لقد عاش مثالا للزهد والإعراض عن الدنيا، مثالا للرحمة والتسامح والتواضع، مثالا للعفو والرفق، رأى سارقا يسرق مال غيره، رآه بعيني رأسه، طلبه فجاء، قال له: أنت سرقت ساعة كذا من مكان كذا. قال الرجل: لا. لم أسرق. والذي لا إله إلا هو.
فغلب التسامح العقوبة، وارتفع حسن الظن على السوء، وعلا الرفق والإحسان على المحاسبة والانتقام، فقال للرجل: آمنت بالله، وعظمته وقدسته، واستسلمت لحلفك به،
стр. 5176
وكذبت نفسي وبصري وعيني، وكانت دعوته دائما ﴿وجئتكم بآية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون * إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم﴾ [آل عمران: ٥٠ - ٥١].
-[المباحث العربية]-
(أنا أولى الناس بابن مريم) في الرواية الثانية "أنا أولى الناس بعيسى" وفي الرواية الثالثة "أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الأولى والآخرة" أي أخص الناس به، وأقربهم إليه، لأنه بشر ﵇ برسول يأتي من بعده اسمه أحمد، فالاختصاص على هذا سببه معرفة الفضل لأهل الفضل، لكن الرواية الثالثة جعلت سبب هذا الاختصاص قرب العهد مع جامع الرسالة، فلفظها "أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الأولى والأخرة، قالوا: كيف يا رسول الله؟ قال: الأنبياء إخوة من علات، وأمهاتهم شتى، ودينهم واحد، فليس بيننا نبي" ولا مانع من تعدد أسباب الاختصاص.
وقد استشكل على هذه الولاية بما جاء في القرآن الكريم، من قوله تعالى ﴿إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي﴾ [آل عمران: ٦٨] قال الكرماني: التوفيق أن الحديث وارد في كونه ﷺ متبوعا، والآية واردة في كونه تابعا. اهـ.
ولم يرتض الحافظ ابن حجر هذا التوفيق، فقال: إن مساق الحديث كمساق الآية، فلا دليل على هذه التفرقة، والحق أنه لا منافاة، ليحتاج إلى الجمع، فكما أنه أولى الناس بإبراهيم، كذلك هو أولى الناس بعيسى، ذاك من جهة قوة الاقتداء به، وهذا من جهة قوة قرب العهد به.
(الأنبياء أولاد علات) قال العلماء: أولاد العلات، بفتح العين وتشديد اللام هم الإخوة لأب من أمهات شتى، أما الإخوة من الأبوين فيقال لهم: أولاد الأعيان، فالعلات الضرائر، وأصله أن من تزوج امرأة، ثم تزوج أخرى، كأنه عل منها، والعلل الشرب بعد الشرب، وفي الرواية الثالثة "الأنبياء إخوة من علات، أي إخوة من أب، أي إخوة من ضرائر، وقد فسرته الرواية بقولها "وأمهاتهم شتى، ودينهم واحد" فهو من باب التفسير، كقوله تعالى ﴿إن الإنسان خلق هلوعا * إذا مسه الشر جزوعا * وإذا مسه الخير منوعا﴾ [المعارج: ١٩ - ٢١] ومعنى الحديث: إن أصل دينهم واحد، وهو التوحيد، وإن اختلفت الفروع، وقيل المراد أزمنتهم مختلفة، فالمراد من وحدة الدين وحدة أصول التوحيد، وأصل طاعة الله تعالى.
(وليس بيني وبينه نبي) هذا ما أورده كالشاهد لقوله: إنه أقرب الناس إليه.
(ما من مولود يولد إلا نخسه الشيطان، فيستهل صارخا من نخسة الشيطان) وفي ملحق الرواية الرابعة "ما من مولود يولد إلا يمسه الشيطان حين يولد، فيستهل صارخا من مسة الشيطان إياه" وفي الرواية الخامسة "كل بني آدم يمسه الشيطان يوم ولدته أمه" وفي الرواية السادسة "صياح المولود حين يقع نزغة من الشيطان" والنخس والنزغ الطعن، ومعنى حين يقع "أي حين يسقط من بطن أمه، والاستهلال الصياح، أي يصيح صارخا من الألم الناتج من مسة الشيطان،
стр. 5177
وقد فسرت رواية البخاري هذا المس، ولفظها "كل بني آدم يطعن الشيطان في جنبيه بإصبعه، حين يولد" قال القرطبي: هذا الطعن من الشيطان هو ابتداء التسليط.
(إلا ابن مريم وأمه) وفي الرواية الخامسة "إلا مريم وابنها" وفي رواية للبخاري "غير عيسى ابن مريم، ذهب يطعن، فطعن في الحجاب" والمراد من الحجاب الجلدة التي فيها الجنين أي المشيمة، أو الثوب الملفوف على الطفل، والاقتصار على عيسى في هذه الرواية دفع بعضهم أن يقول عن روايات مريم وابنها: إنه من عطف التفسير، والمقصود الابن، كقولك: أعجبني زيد وكرمه، وحمل الحافظ ابن حجر على هذا القول: وقال: إنه تعسف شديد، وقال: يحتمل أن يكون هذا بالنسبة إلى المس، وذاك بالنسبة إلى الطعن في الجنب. اهـ. وهذا الاحتمال مستبعد، لأن الرواية التي اقتصرت على عيسى نفت الطعن، والتي ذكرتهما نفت المس عنهما، ونفي المس نفي للطعن، وكون مريم طعنت ولم تمس مستبعد.
قال: ويحتمل أن يكون ذاك قبل الإعلام بما زاد - يعني أعلم أولا بنفي الطعن والمس لعيسى، ثم أعلم آخرا بنفيهما عنه وعن أمه - قال: وفيه بعد، لأنه حديث واحد، وقد روي بلفظ "كل بني آدم قد طعن الشيطان فيه حين ولد، غير عيسى وأمه، جعل الله دون الطعنة حجابا، فأصاب الحجاب، ولم يصبهما" قال: والذي يظهر أن بعض الرواة حفظ ما لم يحفظ الآخر، والزيادة من الحافظ مقبولة.
(اقرءوا إن شئتم ﴿وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم﴾ [آل عمران: ٣٦]) هذه الجملة موقوفة على أبي هريرة، يستدل بها على حفظ الله مريم وابنها من الشيطان، ببركة دعوة أمها، ولم يكن لمريم ذرية غير عيسى.
(فقال له: سرقت)؟ بحذف همزة الاستفهام، ليقر فيحاسبه، وقيل: خبر وإثبات.
(قال: كلا. والذي لا إله إلا هو) وفي رواية للبخاري "قال: كلا. والذي لا إله إلا الله" وفي رواية "قال: لا. والذي لا إله إلا هو".
(فقال عيسى: آمنت بالله، وكذبت نفسي) وفي رواية للبخاري "وكذبت عيني" بالتثنية، وبالإفراد، وفي رواية "وكذبت بصري"، و"كذبت" بتشديد الذال و"نفسي" و"عيني" مفعول، وفي رواية بتخفيف الذال وفتح الباء، و"نفسي" فاعل.
قال ابن التين: قال عيسى ذلك على المبالغة في تصديق الحالف، ولم يرد حقيقة تكذيب النفس أو العين في هذا، أي والعين قد تكذب.
وقيل: إنه أراد بالتصديق والتكذيب ظاهر الحكم، لا باطن الأمر، وإلا فالمشاهدة أعلى اليقين، فكيف يكذب عينه؟ ويصدق قول المدعي؟ أي وإن كنت موقنا باطنا بأنك سرقت، لكني أصدقك ظاهرا من أجل يمينك.
ويحتمل أنه رآه مد يده إلى الشيء، ولم يسرقه، فظن عيسى أنه سرقه، فلما حلف له أنه ما سرقه رجع عن ظنه، وصدقه.
стр. 5178
وقال القرطبي: ظاهر قول عيسى للرجل: "سرقت" أنه خبر جازم عما فعل الرجل من السرقة، لكونه رآه أخذ مالا من حرز في خفية، وقول الرجل: كلا. نفي لذلك، وأكده باليمين، وقول عيسى: آمنت بالله، وكذبت عيني. أي صدقت من حلف بالله، وكذبت ما ظهر لي من كون الأخذ المذكور سرقة، فإنه يحتمل أن يكون الرجل قد أخذ شيئا له فيه حق، أو شيئا أذن له صاحبه في أخذه، أو أخذه ليقلبه، وينظر فيه، ولم يقصد الغصب والاستيلاء، قال: ويحتمل أن يكون عيسى كان غير جازم بذلك، وإنما أراد استفهامه، بقوله: سرقت؟ وتكون أداة الاستفهام محذوفة، وهو سائغ كثيرا. اهـ. قال الحافظ ابن حجر: واحتمال الاستفهام بعيد، مع جزمه ﷺ بأن عيسى رأى رجلا يسرق، قال: واحتمال كونه يحل له الأخذ بعيد أيضا، بهذا الجزم بعينه.
قال ابن القيم: والحق أن الله كان في قلب عيسى أجل من أن يحلف أحد كاذبا، فدار الأمر بين تهمة الحالف، وتهمة بصره، فرد التهمة إلى بصره، كما ظن آدم صدق إبليس لما حلف له أنه له ناصح، قال الحافظ ابن حجر: وهذا متكلف أيضا. اهـ.
واستبعاد الحافظ ابن حجر للاستفهام مستبعد، لأن الاستفهام المجازي في استعمال العربية أكثر من الحقيقي، فقد يكون للتقرير، وقد يكون للتعجب، ولا يتعارض ذلك مع جزمه ﷺ بأنه سرق، ولا مع إنكار الرجل، فكثيرا ما ينكر المتهم الواقع ويحلف، ولا مع تصديق عيسى له ظاهرا، وتسليمه له، فالقاضي لا يحكم بعلمه، ولم يظهر لي ما رجح عند الحافظ ابن حجر من الاحتمالات، وقد ردها جميعا، وعندي أن ما قاله ابن التين، وما قاله القرطبي محتمل، والله أعلم.
-[فقه الحديث]-
-[يؤخذ من أحاديث الباب]-
١ - تواضع الرسول ﷺ ، وإعلان ارتباطه بإخوانه ﵈.
٢ - فضيلة عيسى ابن مريم وأمه، وظاهر الأحاديث اختصاص هذه الميزة بهما، واختار القاضي عياض أن جميع الأنبياء يتشاركون فيها.
٣ - تسليط الله تعالى إبليس على ابن آدم من اللحظة الأولى في حياته.
٤ - أن صراخ الطفل عند ولادته من نخسة الشيطان.
٥ - أن السرقة محرمة في الديانات الأخرى.
٦ - أن بعض النصارى كانوا موحدين، لا يقولون بالتثليث.
٧ - استدل بموقف عيسى من السارق على درء الحدود بالشبهات.
٨ - واستدل به على منع القضاء بالعلم، قال الحافظ ابن حجر: والراجح عند المالكية والحنابلة منعه مطلقا، وعند الشافعية جوازه إلا في الحدود، وهذه الصورة من ذلك.
стр. 5179
٩ - استدل بقوله "ليس بيني وبين عيسى نبي" على أنه لم يبعث بعد عيسى أحد إلا نبينا ﷺ . قال الحافظ ابن حجر: وفيه نظر، لأنه ورد أن الرسل الثلاثة الذين أرسلوا إلى أصحاب القرية المذكورة قصتهم في سورة يس كانوا من أتباع عيسى، وأن جرجيس وخالد بن سنان كانا نبيين، وكانا بعد عيسى؟ قال: والجواب أن هذا الحديث يضعف ما ورد في ذلك، فإنه صحيح بلا تردد، وفي غيره مقال، أو المراد أنه لم يبعث بعد عيسى نبي بشريعة مستقلة، وإنما بعث بعده من بعث بتقرير شريعة عيسى.
والله أعلم
стр. 5180
(٦٣٠) باب من فضائل إبراهيم الخليل، ولوط، ﵉
٥٣٤٥ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا خير البرية! فقال رسول الله ﷺ : "ذاك إبراهيم ﵇" وحدثناه أبو كريب.
٥٣٤٦ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "اختتن إبراهيم النبي ﵇ وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم".
٥٣٤٧ - عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال ﴿رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي﴾ ويرحم الله لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد. ولو لبثت في السجن طول لبث يوسف لأجبت الداعي".
٥٣٤٨ - عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "يغفر الله للوط إنه أوى إلى ركن شديد".
٥٣٤٩ - عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ : "قال لم يكذب إبراهيم النبي ﵇ قط، إلا ثلاث كذبات. ثنتين في ذات الله. قوله ﴿إني سقيم﴾ وقوله ﴿بل فعله كبيرهم هذا﴾ وواحدة في شأن سارة. فإنه قدم أرض جبار ومعه سارة. وكانت أحسن الناس. فقال لها: إن هذا الجبار إن يعلم أنك امرأتي، يغلبني عليك. فإن سألك فأخبريه أنك أختي. فإنك أختي في الإسلام. فإني لا أعلم في الأرض مسلما غيري وغيرك. فلما دخل
стр. 5181
أرضه رآها بعض أهل الجبار أتاه فقال له: لقد قدم أرضك امرأة لا ينبغي لها أن تكون إلا لك. فأرسل إليها فأتي بها. فقام إبراهيم ﵇ إلى الصلاة. فلما دخلت عليه لم يتمالك أن بسط يده إليها. فقبضت يده قبضة شديدة. فقال لها: ادعي الله أن يطلق يدي ولا أضرك. ففعلت. فعاد. فقبضت أشد من القبضة الأولى. فقال لها: مثل ذلك. ففعلت. فعاد. فقبضت أشد من القبضتين الأوليين. فقال: ادعي الله أن يطلق يدي. فلك الله أن لا أضرك. ففعلت. وأطلقت يده. ودعا الذي جاء بها فقال له: إنك إنما أتيتني بشيطان ولم تأتني بإنسان، فأخرجها من أرضي، وأعطها هاجر. قال: فأقبلت تمشي. فلما رآها إبراهيم ﵇ انصرف. فقال لها: مهيم؟ قالت: خيرا. كف الله يد الفاجر وأخدم خادما" قال أبو هريرة: فتلك أمكم يا بني ماء السماء.
-[المعنى العام]-
إبراهيم ﵊ خليل الرحمن ﴿واتخذ الله إبراهيم خليلا﴾ [النساء: ١٢٥]، ﴿واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا﴾ [مريم: ٤١] أبو الأنبياء كنيته ﵊، وهب الله له إسماعيل وإسحق ومن ذرية إسماعيل محمد عليهما الصلاة والسلام، ومن ذرية إسحق يعقوب، والد أنبياء بني إسرائيل، كان إبراهيم ﵇ حنيفا مسلما، جاهد في الله حق جهاده، وتعرض لصنوف الأذى والاضطهاد، حطم الأصنام بيده، وأتي به على أعين الناس يشهدون ﴿قالوا ءأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم * قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون * فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون * ثم نكسوا على رءوسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون * قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم * أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون * قالوا حرقوه وانصروا ءالهتكم إن كنتم فاعلين * قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم * وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين * ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين﴾ [الأنبياء: ٦٢ - ٧١] ﴿ولوطا ءاتيناه حكما وعلما ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث إنهم كانوا قوم سوء فاسقين * وأدخلناه في رحمتنا إنه من الصالحين﴾ [الأنبياء: ٧٤ - ٧٥].
إن الإسلام يعرف للأنبياء قدرهم، ويؤمن بهم جميعا، لا يفرق بين أحد منهم، ومع أن القرآن الكريم يقول ﴿تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض﴾ [البقرة: ٢٥٣] فإن محمدا ﷺ يقول لأصحابه: "لا تخيروا بين الأنبياء" ويقول تواضعا "لا تخيروني على موسى". "لا ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى" وحين قال له أحد أصحابه "يا خير البرية، قال: ذاك إبراهيم ﵇" وحين سئل ﷺ "من أكرم الناس؟ قال: أتقاهم. قالوا: ليس عن هذا نسألك. قال: فيوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله".
وحين نزل قوله تعالى ﴿وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى
стр. 5182
ولكن ليطمئن قلبي﴾ [البقرة: ٢٦٠] قال الصحابة: شك إبراهيم ﵇، ولم يشك نبينا، فقال ﷺ : "نحن أحق بالشك من إبراهيم" وحين علم الصحابة أن إبراهيم ﵇ قال لعبدة الأصنام: إني سقيم، ولم يكن سقيما، وحين قال لهم: بل فعله كبيرهم هذا، ولم يكن فعل، وحين قال للجبار عن امرأته: إنها أختي. قال الصحابة: كذب إبراهيم ولم يكذب نبينا، قال ﷺ "لم يكذب إبراهيم النبي ﷺ ﵇ قط إلا ثلاث كذبات، كلها في ذات الله، ودفاعا عن شرع الله، وحين نزل قوله تعالى على لسان لوط ﴿قال لو أن لي بكم قوة أو ءاوي إلى ركن شديد﴾ [هود: ٨٠] قال الصحابة: إن نبينا يعتمد على الله وإن لوطا لم يعتمد على الله. قال ﷺ "رحم الله لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد"، هو الله.
وحين نزل قوله تعالى على لسان يوسف لخادم الملك ﴿اذكرني عند ربك﴾ [يوسف: ٤٢] أي عند مليكك، قال الصحابة: نبينا لا يسأل إلا ربه، ويوسف سأل الملك وأرسل وساطة إليه، قال لهم ﷺ : لو لبثت في السجن - بدون ذنب - طول المدة التي لبثها يوسف في السجن لأجبت الداعي، حين جاءه في السجن وقال: اخرج من السجن لتقابل الملك، لكن يوسف لم يسارع بالخروج، ولم يكن معتمدا على الملك، بل على الله وعلى البراءة.
وهكذا نجد رسول الله ﷺ محبا لإخوانه الأنبياء، مدافعا عنهم، منزها لأفعالهم عن الخطأ، مبرئا لهم مما قد يثار حول بعض تصرفاتهم، بل كان يرفعهم على نفسه، ويدعو لتوقيرهم فوق توقيره، مؤمنا بما أنزل عليهم، داعيا أمته إلى الإيمان بكل ما جاء عنهم، عملا بقوله تعالى ﴿قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون﴾ [البقرة: ١٣٦].
فاللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.
-[المباحث العربية]-
(يا خير البرية) "خير" أفعل تفضيل، استعمل المصدر فيها لكثرة الاستعمال، والبرية الخلق، والبارئ الخالق.
(ذاك إبراهيم ﵇ أي خير البرية إبراهيم ﵇.
قال الحافظ ابن حجر: وإبراهيم بالسريانية معناه أب راحم، وهو ابن آزر، واسمه تارح بالتاء، ابن ناحور ابن شاروخ بن راغوء بن فالخ بن عبير - ويقال: عابر - بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح، فبينه وبين نوح عشرة آباء، قال الحافظ ابن حجر: لا يختلف جمهور أهل النسب ولا أهل الكتاب في ذلك، إلا في النطق ببعض هذه الأسماء.
(اختتن إبراهيم النبي ﷺ ﵇ وهو ابن ثمانين سنة) الختان معروف، وهو قطع غلفة الذكر، وفي مسند مسعود "اختتن إبراهيم بعد ما مرت به ثمانون" ووقع في الموطأ موقوفا
стр. 5183
على أبي هريرة وعند ابن حبان مرفوعا "أن إبراهيم اختتن وهو ابن مائة وعشرين سنة" قال الحافظ ابن حجر: والظاهر أنه سقط من المتن شيء، فإن هذا القدر هو مقدار عمره، ووقع مثل ذلك عند أبي الشيخ، وزاد "وعاش بعد ذلك ثمانين سنة" فعلى هذا يكون عاش مائتي سنة، وجمع بعضهم بأن الأول حسب من مبدأ نبوته، والثاني من مبدأ مولده. والله أعلم.
(بالقدوم) روي بتشديد الدال، وروي بتخفيفها، قال النووي: لم يختلف الرواة عند مسلم في التخفيف، وأنكر يعقوب بن شيبة التشديد أصلا، واختلف في المراد به، فقيل: هو اسم مكان، أي اختتن في مكان يدعى القدوم، وقيل: هي قرية بالشام، وقيل: اسم آلة النجار، فعلى الثاني هو بالتخفيف لا غير، وعلى الأول ففيه اللغتان. هذا قول الأكثر، وعكسه الداودي، وقد أنكر ابن السكيت التشديد في الآلة، والراجح أن المراد في الحديث الآلة، فقد روى أبو يعلى "أمر إبراهيم بالختان، فاختتن بقدوم، فاشتد عليه، فأوحي إليه: أن عجلت قبل أن نأمرك بآلتك، فقال: يا رب. كرهت أن أؤخر أمرك".
(نحن أحق بالشك من إبراهيم، إذ قال: ﴿رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي﴾) اختلف السلف في المراد بالشك هنا.
فحمله بعضهم على ظاهره - أي مساواة الوقوع واللاوقوع - ثم اختلفوا فقال بعضهم: كان قبل النبوة وقال بعضهم: كان ذلك بعد النبوة، وسببه حصول وسوسة الشيطان، لكنها لم تستقر، ولم تزلزل الإيمان الثابت، واستندوا في ذلك إلى ما أخرجه الطبري وعبد بن حميد وابن أبي حاتم والحاكم عن ابن عباس ﵄ قال: "هذا لما يعرض في الصدور، ويوسوس به الشيطان، فرضي الله من إبراهيم ﵇ بأن قال: بلى" وإلى ذلك جنح عطاء، حيث سأله ابن جريج عن هذه الآية، فقال: دخل قلب إبراهيم بعض ما يدخل قلوب الناس، فقال ذلك.
وروى الطبري عن قتادة قال: ذكر لنا أن إبراهيم أتى على دابة توزعتها الدواب والسباع.
وفي رواية عن ابن جريج قال: بلغني أن إبراهيم أتى على جيفة حمار، مزقتها السباع والطير، فعجب وقال: رب لقد علمت لتجمعنها، ولكن رب أرني كيف تحيي الموتى؟
وذهب آخرون إلى تأويل ذلك، واختلفوا:
فقال بعضهم: إن المراد من الشك المنفي الخواطر التي لا تثبت، وأما الشك المصطلح، وهو التوقف بين الأمرين من غير مزية لأحدهما على الآخر، فهو منفي عن الخليل قطعا، لأنه يبعد وقوعه ممن رسخ الإيمان في قلبه، فكيف بمن بلغ رتبة النبوة؟
وقال بعضهم: إن الآية تدل على أن إبراهيم مؤمن يقينا بالبعث، لأن السؤال بكيف سؤال عن حال شيء موجود مقرر عند السائل والمسئول، كما تقول: كيف علم فلان؟ فكيف في الآية سؤال عن هيئة الإحياء، لا عن نفس الإحياء، فإنه ثابت مقرر.
وقال بعضهم: إن السؤال عن كيفية إحياء الموتى ليس لشك فيه، ولكن إبراهيم طلب من ربه كعلامة على رضاه جل شأنه عليه، كما طلب زكريا آية على تحقق البشرى، فروى الطبري وابن أبي
стр. 5184
حاتم من طريق السدي قال: "لما اتخذ الله إبراهيم خليلا، استأذنه ملك الموت أن يبشره، فأذن له" ... فذكر قصة معه في كيفية قبض روح الكافر والمؤمن. قال: فقام إبراهيم يدعو ربه "رب أرني كيف تحيي الموتى؟ حتى أعلم أني خليلك" وروى ابن أبي حاتم عن أبي سعيد قال: "ليطمئن قلبي بالخلة" ومن طريق سعيد بن جبير، قال "ليطمئن قلبي أني خليلك" ومن طريق الضحاك عن ابن عباس "لأعلم أنك أجبت دعائي" ومن طريق علي بن أبي طلحة عنه "لأعلم أنك تجيبني إذا دعوتك" وإلى هذا جنح القاضي أبو بكر الباقلاني.
وقال بعضهم: إنما طلب إبراهيم هذا المطلب حبا للرؤية، واشتياقا إليها، وإعجابا بها وتمتعا، وليس شكا في وقوعها، فأراد أن يسر قلبه ويطمئن برؤية آثار القدرة التي لا يشك فيها.
وقال بعضهم: إنما طلب إبراهيم أن يريه ربه، ويرى قومه المكذبين للبعث، وذلك أن النمرود لما قال لإبراهيم: من ربك؟ فقال إبراهيم: ربي الذي يحيي ويميت. قال النمرود: أنا أحيي وأميت، فجاء بمحكوم عليه بالإعدام فأطلقه، وببريء فقتله، فأراد إبراهيم أن يريه الله إحياء الموتى الحقيقي ليعلم الفرق بين القدرة الإلهية وعبث النمرود، فقد أخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة، قال: "المراد ليطمئن قلبي أنهم يعلمون أنك تحيي الموتى" أي ليطمئن قلبي بإيمانهم بالبعث.
وقال بعضهم: إنما طلب لزيادة اليقين البالغ حد الجزم، كزيادة الإيمان بكثرة نزول الآيات، فاليقين العلمي الخالي من الشك يزداد بالمعاينة والمشاهدة. وهذا من أحسن التوجيهات وهناك توجيهات بعيدة. منها:
أن مراده أقدرني على إحياء الموتى، فتأدب في السؤال، قال ابن الحصار: إنما أراد أن يحيي الله الموتى على يديه، فلهذا قيل له في الجواب ﴿فصرهن إليك﴾ [البقرة: ٢٦٠].
وحكى ابن التين عن بعض من لا تحصيل عنده أنه أراد بقوله "قلبي" رجلا صالحا كان يصحبه سأله عن ذلك.
وأبعد مما سبق ما حكاه القرطبي عن بعض الصوفية أنه سأل ربه أن يريه كيف يحيي القلوب؟ وأبعد منه أنه طلب هذا المطلب لمجرد حب المراجعة في السؤال.
وبناء على ما سبق من توجيهات اختلف العلماء في معنى قوله "نحن أحق بالشك من إبراهيم" فقيل: معناه: نحن أشد اشتياقا إلى رؤية ذلك من إبراهيم.
وقيل: معناه: إذا كنا لا نشك نحن، فإبراهيم لم يشك، فنحن أولى بالشك منه، أي لو كان الشك في ذلك يتطرق إلى الأنبياء لكنت أنا أحق به منهم. وقال ذلك تواضعا منه، أو قبل أن يعلمه الله بأنه أفضل من إبراهيم، فهو من قبيل ما قيل في روايتنا الأولى، حيث قيل: أن سبب هذا الحديث أن الآية لما نزلت قال بعض الناس: شك إبراهيم ولم يشك نبينا فبلغه ذلك، فقال: نحن أحق بالشك من إبراهيم. أي إبراهيم لم يشك.
стр. 5185
وقيل: أراد من "نحن" أمته الذين يجوز عليهم الشك، وأخرج نفسه من ضمير المتكلمين، بدليل العصمة.
وقيل: معناه: أن هذا الذي ترون أنه شك، أنا أولى به، لما عانيت من تكذيب قومي، وردهم علي، وتعجبهم، من أمر البعث، فكأنه قال: أنا أحق من أن أسأل ما سأل إبراهيم، لعظيم ما جرى لي مع قومي المنكرين لإحياء الموتى، ولمعرفتي بتفضيل الله لي ولكن لا أسأل في ذلك.
وحكى بعض علماء العربية أن "أفعل" ربما جاءت لنفي المعنى عن الشيئين، نحو قوله تعالى ﴿أهم خير أم قوم تبع﴾ [الدخان: ٣٧]؟ أي لا خير فيهما، وعلى هذا فمعنى قوله "نحن أحق بالشك من إبراهيم" لا شك عندنا جميعا.
والاستفهام في قوله ﴿أولم تؤمن﴾ للتقرير، لأنه طلب الكيفية، وهو مشعر بالتصديق بالإحياء.
(ويرحم الله لوطا، لقد كان يأوي إلى ركن شديد) وفي ملحق الرواية "يغفر الله للوط، إنه أوى إلى ركن شديد" أي إلى الله تعالى، يشير ﷺ إلى قوله تعالى ﴿قال لو أن لي بكم قوة أو ءاوي إلى ركن شديد﴾ [هود: ٨٠] يدافع عن لوط ﵇، فقد قيل: لما نزلت الآية قال بعضهم: اعتمد لوط على العشيرة، ولم يكن له عشيرة، فتحسر، ولم يعتمد على الله تعالى، فأشار ﷺ إلى أن المراد بالركن الشديد في الآية الله تعالى، قال الحافظ ابن حجر: ويقال إن قوم لوط لم يكن فيهم أحد يجتمع معه في نسبه، فقال: لو أن لي منعة وأقارب وعشيرة، لكنت أستنصر بهم عليكم، ليدفعوا عن ضيفاني أي ولكني آوي إلى الله. ولهذا جاء في بعض طرق هذا الحديث عند أحمد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "وقال لوط: لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد. قال: فإنه كان يأوي إلى ركن شديد، ولكنه عنى - بالقوة - عشيرته، فما بعث الله نبيا إلا في ذروة من قومه" زاد ابن مردويه ألم تر إلى قول قوم شعيب ﴿ولولا رهطك لرجمناك﴾ [هود: ٩١] فالمراد من الركن الشديد الله، و"أو" هنا بمعنى "بل" التي للإضراب الإبطالي، وقيل: المراد بالركن الشديد في الآية عشيرته، لكنه لم يأو إليهم وأوى إلى الله، وقال النووي: يجوز أنه لما اندهش بحال الأضياف قال ذلك - مريدا عشيرته ونسي الالتجاء إلى الله تعالى - أو التجأ إلى الله في باطنه، وأظهر هذا القول للأضياف اعتذارا، وسمى العشيرة ركنا، لأن الركن يستند إليه، ويمتنع به، فشبههم بالركن من الجبل، لشدتهم ومنعتهم.
(ولو لبثت في السجن طول لبث يوسف لأجبت الداعي) في رواية البخاري "ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف ثم أتاني الداعي لأجبته" يدافع ﷺ عن يوسف ﵇، في قوله لصاحب السجن ﴿اذكرني عند ربك﴾ فقد قيل: إنه تبرم بالقضاء، ولجأ إلى وساطة الخلق عند الخلق، فأشار إلى أنه ﵇ كان مثالا للصبر والرضا بالقضاء، فقد سجن مظلوما، ورضي، وطال سجنه، ورضي، بل بعد أن طال سجنه وعز مقداره، وأتاه رسول الملك ليخرجه من السجن، لم يبادر بالخروج، بل قال له: ﴿ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن﴾ [يوسف: ٥٠]، ولم يخرج حتى ثبتت براءته، ولو كان غيره قد طال به السجن ظلما لأسرع إلى إجابة الداعي بالخروج، فوصفه ﷺ بشدة الصبر، وقال عن نفسه ما قال تواضعا.
следующие страницы →