← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13960

فتح المنعم شرح صحيح مسلم

موسى شاهين لاشين

Полный текст (6 200 стр.). Показаны 5111–5150 · переход к 5116.

стр. 5111

(٦١٩) باب مباعدته ﷺ للآثام، واختياره من المباح أسهله، وانتقامه لله تعالى عند انتهاك حرماته . ٥٢٦٦ - عن عائشة ﵂، زوج النبي ﷺ ، أنها قالت: ما خير رسول الله ﷺ بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثما. فإن كان إثما كان أبعد الناس منه. وما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه، إلا أن تنتهك حرمة الله . ٥٢٦٧ - عن عائشة ﵂ قالت: ما خير رسول الله ﷺ بين أمرين، أحدهما أيسر من الآخر إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما. فإن كان إثما كان أبعد الناس منه. ٥٢٦٨ - عن هشام بهذا الإسناد، إلى قوله: أيسرهما. ولم يذكرا ما بعده. ٥٢٦٩ - عن عائشة ﵂ قالت: ما ضرب رسول الله ﷺ شيئا قط بيده. ولا امرأة ولا خادما. إلا أن يجاهد في سبيل الله. وما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه، إلا أن ينتهك شيء من محارم الله، فينتقم لله . -[المعنى العام]- نعم، دين الإسلام يسر، قال تعالى ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ [الحج: ٧٨] ويقول ﷺ "يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا" وقال لمعاذ ﵁ لما أطال القراءة في الصلاة، وهو إمام: قال له: أفتان أنت يا معاذ؟ من أم الناس فليخفف، فإن فيهم المريض والضعيف وذا الحاجة،

стр. 5112

ولما أراد جماعة التشديد على أنفسهم في العبادة وقال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدا، وقال الآخر: وأما أنا فأصوم الدهر أبدا، وقال الثالث: وأما أنا فسأتبتل، وأعتزل النساء غضب ﷺ ، وخطب في الناس، وقال: ما بال أقوام يقولون كذا وكذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني. ومن هذا المنطلق كان ﷺ في عباداته ومعاملاته يميل إلى اليسر، ويتباعد عن العسر، ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما، ما لم يكن هذا الأيسر إثما، أو يؤدي إلى الإثم، فإن كان إثما أو يؤدي إلى الإثم بعد عنه، بل كان أبعد الناس عنه، وعمل بغير اليسر مهما كان صعبا وشاقا. وكان ﷺ من باب التخفيف على الأمة، والتسامح معها- يعفو عمن ظلمه، ولا ينتقم ممن أذاه حين القدرة عليه، ولقد قال لأهل مكة بعد أن فتحها ونصره الله عليهم: ما تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم. قال لهم: اذهبوا فأنتم الطلقاء. فما انتقم لنفسه ﷺ ممن آذاه، وما ضرب بيده الكريمة امرأة ولا خادما قط، وما آذى إلا لله، وإلا ما انتهكت حرمات الله، ﷺ . -[المباحث العربية]- (ما خير رسول الله ﷺ بين أمرين) "خير" بضم الخاء وكسر الياء المشددة، مبني للمجهول، وأبهم الفاعل، ليعم ما كان من قبل الله، وما كان من قبل المخلوقين، والأمران إما أن يكونا من أمور الدنيا، وإما أن يكونا من أمور الآخرة، وإما أن يكون أحدهما من أمور الدنيا، والثاني من أمور الآخرة. (إلا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثما) أي ما لم يكن الأيسر إثما. (فإن كان إثما كان أبعد الناس منه) أي فإن كان الأيسر إثما تركه وبعد عنه، وأخذ الأصعب الذي لا إثم فيه، وعند الطبراني في الأوسط "إلا اختار أيسرهما ما لم يكن لله فيه سخط". قال العلماء: وقوع التمييز بين ما فيه إثم، وبين ما لا إثم فيه من العباد واضح وواقع كثيرا، وخصوصا إذا وقع من الكفار، كما وقع في الحديبية، بين أن يرجع من عام، ثم يعود العام القابل معتمرا، وبين القتال، فاختار الأول، وبين أن يمحو من الوثيقة كلمة "رسول الله" وبين أن يرفض الصلح، فاختار الأول. أما وقوع التمييز من الله فلا يكون بين ما فيه إثم، وما لا إثم فيه، وإنما يكون التمييز منه تعالى بين جائزين، ويصير المعنى ما خيره الله بين أمرين جائزين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما، فالمستثنى ليس من جنس المستثنى منه، فالاستثناء منقطع، ومثل له بعضهم بالفطر للصائم المسافر، وصلاة الفرض قاعدا للعاجز الذي يشق عليه القيام، وبول الأعرابي في المسجد، صب ذنوب

стр. 5113

من ماء، أو إزالة التراب المتنجس، لكن إذا حملناه على ما يفضي إلى الإثم، أمكن أن يخير الشارع بين ما لا يفضي إلى الإثم وبين ما يفضي إلى الإثم غالبا، ومثلوا له بأن يخير بين أن يفتح عليه من كنوز الأرض، وما يخشى من الاشتغال به عن العبادة مثلا، وبين أن لا يؤتيه من الدنيا إلا الكفاف، فيختار الكفاف، وإن كانت السعة أسهل منه، والإثم على هذا أمر نسبي، لا يراد منه معنى الخطيئة، لثبوت العصمة له ﷺ ، بل هو من قبيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين، ويكون المراد ما لم يكن إثما أو يخشى منه أن يفضي إلى خلاف الأولى، فيختار الأشق حينئذ، ويترك الأيسر، والاستثناء على هذا متصل، فالمستثنى من جنس المستثنى منه. وقال ابن التين: المراد التمييز بين أمرين من أمور الدنيا، وأما أمر الآخرة، فكلما صعب كان أكثر ثوابا، كذا قال، وفيه نظر، فإنه ﷺ كان يصوم ويفطر ويصلي ويرقد، ويتزوج النساء. (ما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه) في بعض الروايات "ما نيل منه شيء قط، فينتقم من صاحبه" و"نيل" بكسر النون، مبني للمجهول، أي ما أصيب بأذى من قول أو فعل، وقد استشكل عليه أمره بقتل عقبة بن أبي معيط وعبد الله بن خطل، وغيرهما ممن كان يؤذيه، ولتفادي هذا الإشكال وضع بعضهم قيدا، فقال: وما انتقم لنفسه خاصة، أما هؤلاء فقد كانوا ينتهكون محارم الله مع إيذائه، أو أن إيذاءه كان من حيث هو رسول الله، فهو انتهاك لمحارم الله، لذا لم ينتقم لنفسه من الأعرابي الذي جفا في رفع صوته عليه، ولا من الذي جذبه بردائه، حتى أثر في كتفه. وحمل الداودي عدم الانتقام على ما يختص بالمال، قال: وأما العرض فقد اقتص ممن نال منه، قال: واقتص ممن لده في مرضه، بعد نهيه عن ذلك، حيث أمر بلدهم، مع أنهم كانوا في ذلك متأولين، بأنه إنما نهاهم بسبب كراهة النفس للدواء، بحكم العادة البشرية. كذا قال: وفيه نظر. -[فقه الحديث]- -[ويؤخذ من الحديث]- ١ - الحث على ترك الأخذ بالعسير من الأمور. ٢ - والاقتناع باليسير. ٣ - وترك الإلحاح فيما لا يضطر إليه. ٤ - والندب إلى الأخذ بالرخص، ما لم يظهر الخطأ. ٥ - والحث على العفو، إلا في حقوق الله تعالى. ٦ - والندب إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال الحافظ ابن حجر: ومحل ذلك ما لم يفض إلى ما هو أشد منه.

стр. 5114

٧ - وفيه ترك الحكم للنفس، وإن كان الحاكم متمكنا من ذلك، بحيث يؤمن منه الحيف على المحكوم عليه، لكن لحسم المادة. ٨ - وفيه الحث على الحلم واحتمال الأذى. ٩ - والانتصار لدين الله تعالى ممن فعل محرما أو نحوه. ١٠ - ومن الرواية الثالثة أن ضرب الزوجة والخادم والدابة وإن كان مباحا للأدب، فتركه أفضل. والله أعلم

стр. 5115

(٦٢٠) باب طيب رائحته ﷺ ، ولين مسه وطيب عرقه، والتبرك به ٥٢٧٠ - عن جابر بن سمرة ﵁ قال: صليت مع رسول الله ﷺ صلاة الأولى. ثم خرج إلى أهله وخرجت معه. فاستقبله ولدان. فجعل يمسح خدي أحدهم واحدا واحدا. قال: وأما أنا فمسح خدي. قال: فوجدت ليده بردا أو ريحا كأنما أخرجها من جؤنة عطار. ٥٢٧١ - عن أنس ﵁ قال: ما شممت عنبرا قط ولا مسكا ولا شيئا أطيب من ريح رسول الله ﷺ . ولا مسست شيئا قط ديباجا ولا حريرا ألين مسا من رسول الله ﷺ . ٥٢٧٢ - عن أنس ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ أزهر اللون. كأن عرقه اللؤلؤ. إذا مشى، تكفأ. ولا مسست ديباجة ولا حريرة ألين من كف رسول الله ﷺ . ولا شممت مسكة ولا عنبرة أطيب من رائحة رسول الله ﷺ . ٥٢٧٣ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: دخل علينا النبي ﷺ فقال عندنا. فعرق وجاءت أمي بقارورة، فجعلت تسلت العرق فيها. فاستيقظ النبي ﷺ فقال: "يا أم سليم! ما هذا الذي تصنعين؟ " قالت: هذا عرقك نجعله في طيبنا وهو من أطيب الطيب. ٥٢٧٤ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان النبي ﷺ يدخل بيت أم سليم، فينام على فراشها، وليست فيه. قال: فجاء ذات يوم، فنام على فراشها، فأتيت فقيل لها: هذا النبي ﷺ نام في بيتك، على فراشك. قال: فجاءت وقد عرق، واستنقع عرقه على قطعة أديم، على الفراش. ففتحت عتيدتها فجعلت تنشف ذلك العرق فتعصره في قواريرها. ففزع النبي ﷺ : "فقال ما تصنعين يا أم سليم؟ " فقالت: يا رسول الله! نرجو بركته لصبياننا. قال: "أصبت".

стр. 5116

٥٢٧٥ - عن أم سليم ﵂؛ أن النبي ﷺ كان يأتيها، فيقيل عندها، فتبسط له نطعا، فيقيل عليه. وكان كثير العرق. فكانت تجمع عرقه، فتجعله في الطيب والقوارير. فقال النبي ﷺ : "يا أم سليم! ما هذا؟ " قالت: عرقك أدوف به طيبي. ٥٢٧٦ - عن عائشة ﵂ قالت: إن كان لينزل على رسول الله ﷺ في الغداة الباردة، ثم تفيض جبهته عرقا. ٥٢٧٧ - عن عائشة ﵂، أن الحارث بن هشام سأل النبي ﷺ : كيف يأتيك الوحي؟ فقال: "أحيانا يأتيني في مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي. ثم يفصم عني وقد وعيته. وأحيانا ملك في مثل صورة الرجل. فأعي ما يقول". ٥٢٧٨ - عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: كان نبي الله ﷺ إذا أنزل عليه الوحي، كرب لذلك، وتربد وجهه. ٥٢٧٩ - عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا أنزل عليه الوحي نكس رأسه، ونكس أصحابه رءوسهم. فلما أتلي عنه، رفع رأسه. -[المعنى العام]- مجموعة من صفاته الخلقية والخلقية ﷺ ، فقد كان لون بشرته أبيض بياضا مشوبا بحمرة أو سمرة، وخاصة الوجه واليدين والقدمين، بسبب المهنة والتعرض للشمس والهواء، وكان جلده ناعم الملمس كالحرير، وكان طيب الرائحة من غير طيب، وكان عرقه أبيض صافيا كاللؤلؤ، وأطيب ريحا من المسك، حتى كانت أم سليم تجمعه وتتطيب به، وكانت مشيته موجهة إلى الجهة التي يقصدها، لا يتوجه ولا يتلفت يمينا ولا شمالا، وكان ينام على فراش غيره، من غير أنفة أو غضاضة، وكان رحيما بالصبيان، يمسح خدودهم بيده الكريمة، إذا تعرضوا له في الطريق، يطلبون بركة يده وملامسته.

стр. 5117

وكان جميل الوجه، منفرج الأسارير، لكن إذا أتاه الوحي ثقل عليه، فتغير وجهه، وتصبب العرق من جبينه، وأخذه غطيط كغطيط النائم، فإذا ذهب الوحي عاد كما كان. ﷺ . -[المباحث العربية]- (صليت مع رسول الله ﷺ صلاة الأولى) قال النووي: يعني صلاة الظهر. اهـ. وهو من إضافة الموصوف إلى صفته وقد أجازه النحويون الكوفيون وتأوله البصريون، على أن فيه محذوفا، تقديره: صلاة الساعات الأولى. (ثم خرج إلى أهله) أي خرج من المسجد نحو بيوت أزواجه. (فاستقبله ولدان) بكسر الواو، وسكون اللام، وتنوين النون، جمع وليد، بفتح الواو، وكسر اللام، وهو المولود حين يولد، والمراد هنا وصف الصبية بالصغر، والتعبير باستقبله يشعر بأنهم تعمدوا استقباله، ليمسح عليهم تبركا، وصاهم بذلك آباؤهم. (فجعل يمسح خدي أحدهم واحدا واحدا) "خدي" بفتح الخاء والدال المشددة، مثنى خد، وكأنه ﷺ كان يمسح الخدين بكفيه، أو كان يمسح الخدين باليمنى، وواحدا واحدا يشعر بأنه كان يستوعبهم جميعا. (وأما أنا فمسح خدي) بالإفراد، وكان جابر إذ ذاك صبيا، ومات سنة ست وستين. (فوجدت ليده بردا أو ريحا) "بردا" بفتح الباء وسكون الراء، ضد الحر، والظاهر أن هذا المسح كان في الصيف، وفي شدة الحر، وقد يراد من البرد الراحة والسكون، والمراد من الريح هنا الطيب و"أو" بمعنى الواو. (كأنما أخرجها من جؤنة عطار) قال النووي: هي بضم الجيم والهمزة بعدها، ويجوز ترك الهمزة، بقلبها واوا، كما في نظائرها، وقد ذكرها كثيرون أو الأكثرون في الواو، قال القاضي: هي مهموزة، وقد يترك همزها، وقال الجوهري: هي بالواو، وقد تهمز، وهي السفط الذي فيه متاع العطار، هكذا فسره الجمهور، وقال صاحب العين: هي سليلة مستديرة، مغشاة أدما. أي جلدا، والمراد هنا إناء الطيب. (ما شممت عنبرا قط، ولا مسكا، ولا شيئا أطيب من ريح رسول الله ﷺ "شممت" بكسر الميم الأولى، وفتحها لغة، حكاها الفراء، ويقال في مضارعه أشمه بالفتح على الأفصح، وبالضم على اللغة المذكورة. والعنبر طيب معروف، وكذا المسك "وشيئا" أي من الطيب، من ذكر العام بعد الخاص، وفي رواية للبخاري "ولا شممت ريحا قط - أو عرفا قط - أطيب من ريح - أو عرف النبي ﷺ " وفي رواية له "مسكة ولا عنبرة أطيب رائحة من ريح رسول الله ﷺ " قال الحافظ ابن حجر: وقوله "عنبرة" ضبط بوجهين، أحدهما بسكون النون، بعدها باء، والآخر "عبيرا" بكسر الباء بعدها ياء، والأول معروف،

стр. 5118

والثاني طيب معمول من أخلاط، يجمعها الزعفران، وقيل: هو الزعفران نفسه، وعند البيهقي "ولا شممت مسكا، ولا عنبرا، ولا عبيرا" ذكرهما جميعا، والعرف بفتح العين وسكون الراء، الريح الطيب، ووقع في بعض الروايات "عرقا" بفتح العين والراء والقاف، و"أو" في روايات "أو" للتنويع. (ولا مسست شيئا قط، ديباجا، ولا حريرا، ألين مسا من رسول الله ﷺ في الرواية الثالثة "ولا مسست ديباجة، ولا حريرة ألين من كف رسول الله ﷺ " "مسست" السين الأولى مكسورة، ويجوز فتحها، والثانية ساكنة، وقد استشكل هذا بما جاء في البخاري "إنه كان ضخم اليدين" وفي رواية "والقدمين" وفي رواية "شئن القدمين والكفين" فسره الأصمعي بغليظهما في خشونة، قال الحافظ ابن حجر: والجمع بينهما أن المراد اللين في الجلد، والغلظ في العظام، فيجتمع له نعومة البدن، وقوته، أو حيث وصف باللين واللطافة، أريد حيث لا يعمل بهما شيئا، أو بالنسبة إلى أصل الخلقة، وحيث وصف بالغلظ والخشونة فهو بالنسبة إلى امتهانهما بالعمل، فإنه كان يتعاطى كثيرا من أموره بنفسه ﷺ . اهـ. ولم يوافق كثير من اللغويين الأصمعي على تفسير "شئن" بالخشونة، وفسروه بالغلظ فقط، وقال ابن بطال: كانت كفه ﷺ ممتلئة لحما، غير أنها مع خضامتها كانت لينة، اهـ. وقد نقل ابن خالويه أن الأصمعي لما فسر الشئن بما مضى، قيل له: إنه ورد في صفة النبي ﷺ ؟ فآلى على نفسه أنه لا يفسر شيئا في الحديث. اهـ. وعندي أن حديث أنس يصف كفه ﷺ باللين والنعومة، وهذا الوصف أمر نسبي، يرتبط بكف من يمس كفه ﷺ ، فإن كان خشنا أحس في المقابل بنعومة ولين، كما يرتبط بالأكف التي يمسها أنس، فإن كانت خشنة - كما هي العادة في العرب الأوائل - أحس بنعومة كفه ﷺ والظاهر أن كفه ﷺ كانت بين النعومة والخشونة، فالنعومة واللين بإطلاق وصف حسن في النساء، والخشونة بإطلاق وصف امتهان، والممدوح في الرجال الوسطية بين النعومة والخشونة. والله أعلم. والديباج نوع من الحرير، فعطف الحرير عليه هنا من عطف العام على الخاص. وفي رواية للبخاري "حريرا ولا ديباجا". (كان رسول الله ﷺ أزهر اللون) أي أبيض مشربا بحمرة، فعند الترمذي والحاكم "كان أبيض، مشربا بياضه بحمرة" وعند البيهقي في الدلائل "كان رسول الله ﷺ أبيض، بياضه إلى السمرة" وعند أحمد والبزار بإسناد صحيح "إن النبي ﷺ كان أسمر" وفي الروايات الصحيحة إطلاق كونه أبيض، فعند البزار بإسناد قوي "كان شديد البياض" وعند الطبراني "ما أنسى شدة بياض وجهه، مع شدة سواد شعره" وفي شعر أبي طالب: وأبيض يستسقي الغمام بوجهه. وعند أحمد "فنظرت إلى ظهره، كأنه سبيكة فضة" قال الحافظ ابن حجر: وتبين من مجموع الروايات أن المراد بالسمرة الحمرة التي تخالط البياض، وأن المراد بالبياض المثبت ما يخالطه الحمرة. وجمع البيهقي بأن المشرب بحمرة وسمرة من جلده ﷺ ما تعرض للشمس، وأما تحت الثياب فهو أبيض أزهر. اهـ. يريد أبيض خالصا، غير مشرب بسمرة، فمن معاني الأزهر الأبيض الصافي المشرق.

стр. 5119

(كأن عرقه اللؤلؤ) في الصفاء والبياض، و"اللؤلؤ" بهمزتين، وقد يترك همزه. (إذا مشى تكفأ) أي مال يمينا وشمالا، كما تكفأ السفينة، قال الأزهري: هذا خطأ، لأن هذا صفة المختال: وإنما معناه أن يميل إلى سمته وقصد مشيه، وقال القاضي محبذا التفسير الأول: ولا يعد اختيالا إذا كان خلقة وجبلة، والمذموم منه ما كان مستعملا مقصودا، قلت: وإن صح ما يقوله القاضي، لكن خلقة رسول الله ﷺ خالية من السوء، ومما يوهم السوء، فقول الأزهري أسلم. (دخل علينا النبي ﷺ ، فقال عندنا) أي فنام نومة القيلولة، ففي الرواية الخامسة "كان النبي ﷺ يدخل بيت أم سليم، فينام على فراشها، وليست فيه، فجاء ذات يوم، فنام على فراشها" فجاءت، وقبل أن تدخل عليه "فأتيت" بضم الهمزة وكسر التاء وفتح الياء، مبني للمجهول، أي أتاها آت من داخل البيت "فقيل لها: هذا النبي ﷺ نام في بيتك، على فراشك" والظاهر أن هذه القيلولة لم تكن الأولى ففي الرواية السادسة "عن أم سليم ﵂ أن النبي ﷺ كان يأتيها، فيقيل عندها" بفتح الياء وكسر القاف "فتبسط له نطعا" بكسر النون وسكون الطاء، وكسرها وفتحها، بساط من جلد مدبوغ، والمراد هنا الفروة "فيقيل عليه" أي فجاء ذات يوم، فنام على فراشها الذي كانت تفرشه له، فجاءت فقيل لها، فدخلت عليه، وقد عرق "وكان كثير العرق" واستنقع عرقه على قطعة أديم، على الفراش، ففتحت عتيدتها" بفتح العين، وكسر التاء بعدها ياء فدال، وهي كالصندوق الصغير، تجعل المرأة فيها ما يعز من متاعها، وكان فيه قوارير طيبها، فأخرجت منه قارورة "فجعلت تنشف ذلك العرق" بخرقة أو نحوها "فتعصره في قواريرها" "فتجعله في الطيب والقوارير". وفي رواية البخاري "أخذت من عرقه وشعره، فجعلته في قارورة" وفي ذكر الشعر في هذه الرواية غرابة، وقد حمله بعضهم على ما ينتشر من شعره ﷺ عند الترجل، وحمله بعضهم على أنها كانت قد أخذت من شعره سابقا، فوضعته في القارورة، فعند ابن سعد بسند صحيح عن أنس ﵁ "أن النبي ﷺ لما حلق شعره بمنى، أخذ أبو طلحة، زوج أم سليم، أم أنس، أخذ شعره، فأتى به أم سليم، فجعلته في سكها" والسك بضم السين وتشديد الكاف طيب مركب، فيستفاد من هذه الرواية أنها لما أخذت العرق وقت قيلولته أضافته إلى الشعر الذي عندها، لا أنها أخذت من شعره لما نام، ويستفاد منها أيضا أن القصة المذكورة كانت بعد حجة الوداع، لأنه ﷺ إنما حلق رأسه بمنى فيها. (ففزع النبي ﷺ حين أحس بحركة يدها تحته وهو نائم، فاستيقظ، فرأى ما تصنع. (فقال: ما تصنعين يا أم سليم)؟ في الرواية السادسة "يا أم سليم، ما هذا؟ " (فقالت: يا رسول الله. نرجو بركته لصبياننا. قال: أصبت) في الرواية السادسة "قالت: عرقك، أدوف به طيبي" قال النووي "أدوف" بالدال وبالذال، ومعناه: أخلط به طيبي. ولا معارضة بين قولها للبركة، وبين أنها كانت تجمعه لطيبها، فإنها تفعل ذلك للأمرين معا. (عن عائشة ﵂ قالت: إن كان لينزل على رسول الله ﷺ في الغداة الباردة، ثم تفيض جبهته عرقا) هذا الحديث وصله البخاري بالرواية الثامنة، وقد أخرجه

стр. 5120

الدارقطني مفصولا، كمسلم، والغداة الصباح و"إن" مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، و"ينزل" بضم الياء وسكون النون وفتح الزاي، مبني للمجهول. وفي رواية البخاري "ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا". (كيف يأتيك الوحي)؟ يحتمل أن يكون المسئول عنه، صفة الوحي نفسه، أي صفة الإيحاء ويحتمل أن يكون صفة حاملة، ويحتمل أن يكون المسئول عنه الأمرين معا. (فقال: أحيانا يأتيني في مثل صلصلة الجرس) "أحيانا" جمع "حين" ويطلق على كثير الوقت وقليله، والمراد به هنا مجرد الوقت، فكأنه قال: أوقاتا يأتيني، وهو منصوب على الظرفية، وعامله "يأتيني" مؤخر عنه، و"صلصلة الجرس" في الأصل صوت وقوع الحديد بعضه على بعض، ثم أطلق على كل صوت له طنين، والمراد من الجرس هنا الجلجل الذي يعلق في رءوس الدواب. (وهو أشده علي) أي أشد حالاته. (ثم يفصم عني وقد وعيته) "يفصم" بفتح الياء وسكون الفاء وكسر الصاد، أي يقلع، وينجلي ما يغشاني، ويروى بضم الياء وكسر الصاد، من الرباعي، ويروى بضم الياء وفتح الصاد، مبني للمجهول، وأصل الفصم القطع. (وأحيانا ملك في مثل صورة الرجل) في رواية للبخاري "وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا" والمراد من الملك جبريل، وقد صرح به في رواية ابن سعد، والحق أن تمثل الملك رجلا ليس معناه أن ذاته انقلبت رجلا، بل معناه أنه ظهر بتلك الصورة تأنيسا لمن يخاطبه. (فأعي ما يقول) زاد في رواية "وهو أهونه علي" (كان النبي ﷺ إذا أنزل عليه الوحي نكس رأسه، ونكس أصحابه رءوسهم) أي خفض رأسه من شدة الوحي، وخفضوا رءوسهم خشوعا ورهبة، وفي الرواية التاسعة "كرب لذلك، وتربد وجهه" "كرب" بضم الكاف وكسر الراء، أي أصابه الكرب والشدة و"تربد" بفتح التاء والراء وتشديد الباء المفتوحة، أي تغير، وصار كلون الرماد، ولا يتعارض هذا مع ما روي من "أن يعلى بن أمية نظر إليه حال نزول الوحي، وهو محمر الوجه" لأن المراد منه أنه حمرة كدرة، وهذا معنى التربد، ويحتمل أنه يتربد في أول الوحي، ثم يحمر، أو بالعكس. (فلما أتلي عنه رفع رأسه) قال النووي: هكذا هو في معظم نسخ بلادنا "أتلي" بضم الهمزة وسكون التاء وكسر اللام، بعدها ياء، ومعناه ارتفع عنه الوحي، هكذا فسره صاحب التحرير وغيره. ووقع في بعض النسخ "أجلي" بالجيم، وفي رواية البخاري "انجلى" ومعناهما أزيل عنه، وزال عنه. -[فقه الحديث]- -[يؤخذ من أحاديث الباب]- ١ - من الرواية الأولى عطفه ﷺ على الصبيان ولطفه بهم، وصبره عليهم، ورحمته بهم.

стр. 5121

٢ - تبرك الصبية بمصافحته ﷺ ، بتوجيه من آبائهم، ومسحه ﷺ خدودهم. ٣ - تبريكه ﷺ جابر بن سمرة ﵁ ومسحه خده. ٤ - طيب ريحه ﷺ ومع أنه ﷺ كان يستعمل الطيب، لكن ريحه ﷺ من غير تطيب كان طيبا، كما سيأتي عن عرقه، وقد روى أبو يعلى والبزار بإسناد صحيح عن أنس ﵁ "كان رسول الله ﷺ إذا مر في طريق من طرق المدينة، وجد منه رائحة المسك، فيقال: مر رسول الله ﷺ "وعند أحمد " أتي رسول الله ﷺ بدلو من ماء، فشرب منه، ثم مج في الدار ثم في البئر، ففاح منه مثل ريح المسك". ٥ - ومن الرواية الثالثة لين كفه، ونعومة ملمسه ﷺ . ٦ - وبياض وصفاء عرقه ﷺ . ٧ - ومن الرواية الرابعة والخامسة والسادسة طيب عرقه ﷺ ، وأنه أطيب الطيب وأخرج أبو يعلى الطبراني من حديث أبي هريرة، في قصة الذي استعان به ﷺ على تجهيز ابنته "فلم يكن عنده شيء، فاستدعى بقارورة، فسلت له فيها من عرقه، وقال له: مرها فلتطيب به، فكانت إذا تطيبت به شم أهل المدينة رائحة ذلك الطيب، فسموا بيت المطيبين. ٨ - قال المهلب: وفيها طهارة شعر الآدمي وعرقه، وقال بعضهم: لا دلالة فيه، لأنه من خصائصه ﷺ ، ودليل ذلك متمكن في القوة، ولا سيما إن ثبت الدليل على طهارة كل منهما. ٩ - وفيها جواز نوم الرجل الأجنبي على فراش المرأة الأجنبية، وفيه نظر، لما سيأتي في علاقته ﷺ بأم سليم. ١٠ - قال المهلب: وفيه مشروعية القائلة للكبير في بيوت معارفه، لما في ذلك من ثبوت المودة، وتأكد المحبة. اهـ. وقال بعضهم: بشرط الإذن، وأمن الفتنة. ١١ - وفيها خدمة المرأة الأجنبية للضيف، وتمهيدها لفراشه. ١٢ - وفيها إباحة ما قدمته المرأة للضيف من مال زوجها، لأن الأغلب أن الذي في بيت المرأة هو من مال الرجل كذا قال ابن بطال. ١٣ - وفيها أن الوكيل والمؤتمن، إذا علم أنه يسر صاحبه ما يفعله من ذلك جاز له فعله، ولا شك أن زوج أم سليم كان يسره ذلك. وقد أثار هذا التصرف من رسول الله ﷺ مع أم سليم، ومع أختها أم حرام بنت ملحان، فقد ثبت أنه كان ينام في حجرها، وأنها كانت تفلي شعر رأسه، أثار هذا للعلماء توجيهات: - فقال ابن عبد البر: أظن أن أم حرام أرضعت رسول الله ﷺ ، أو أختها أم سليم، فصارت كل منهما أمه أو خالته من الرضاعة، فلذلك كان ينام عندها، وتنال منه ما يجوز للمحرم أن يناله من محارمه.

стр. 5122

- ونقل ابن عبد البر عن بعضهم أن أم حرام كانت منه ذات محرم، من قبل خالاته، لأن أم عبد المطلب جده كانت من بني النجار، قال ابن وهب: قال بعضهم: إنما كانت خالة لأبيه أو جده عبد المطلب. - وقال ابن الجوزي: سمعت بعض الحفاظ يقول: كانت أم سليم أخت آمنة بنت وهب، أم رسول الله ﷺ من الرضاعة. اهـ. وبالغ الدمياطي في الرد على من ادعى المحرمية. - وقال بعضهم: بل كان النبي ﷺ معصوما، يملك أربه عن زوجته، فكيف عن غيرها، مما هو المنزه عنه، وهو المبرأ عن كل فعل قبيح، فيكون ذلك من خصائصه، ورده القاضي عياض بأن الخصائص لا تثبت بالاحتمال، وثبوت العصمة مسلم، لكن الأصل عدم الخصوصية، وجواز الاقتداء به في أفعاله، حتى يقوم على الخصوصية دليل. - وقال بعضهم: ثبت في الصحيح "أنه ﷺ كان لا يدخل على أحد من النساء، إلا على أزواجه، وإلا على أم سليم، فقيل له ... ، فقال: أرحمها، قتل أخوها معي يعني حرام بن ملحان، وكان قتل يوم بئر معونة" وأم حرام وأم سليم أختان، كانتا في دار واحدة، كل واحدة منهما في بيت من تلك الدار، وحرام بن ملحان أخوهما معا، فالعلة مشتركة فيهما، وتعقب بأن الشهداء كثيرون، ولم يثبت أنه فعل مع أخت أحدهم ما فعله مع أم سليم وأختها، وقد أضاف بعضهم إلى العلة المذكورة أن أنسا ابن أم سليم كان خادم النبي ﷺ ، وقد جرت العادة بمخالطة المخدوم خادمه وأهل خادمه، ورفع الحشمة التي تقع بين الأجانب عنهم. قلت: جريان العادة لا يغير حكم الشرع، ولا يرخص فيه. - وقال بعضهم: يحتمل أن يكون ذلك قبل الحجاب، ورد بأن ذلك كان بعد الحجاب قطعا، فقد مضى أنه كان بعد حجة الوداع. - وقال بعضهم: ليس في الحديث ما يدل على الخلوة بأم أنس أو أم حرام، ولعل ذلك كان مع وجود ولد أو خادم أو زوج أو تابع، قال الحافظ ابن حجر: وهو احتمال قوي، لكنه لا يدفع الإشكال من أصله، لبقاء الملامسة في تفلية الرأس، وكذا النوم في الحجر. قال: وأحسن الأجوبة دعوى الخصوصية، ولا يردها كونها لا تثبت إلا بدليل، لأن الدليل على ذلك واضح، اهـ. قلت: ليس بأحسن الأجوبة، لأنها لو كانت خصوصية له ﷺ لاستخدمها مع غيرهما، أما الاقتصار عليهما فالأشبه أنها خصوصية لهما، ولأمر خاص بهما، فأحسن الأجوبة القول بالمحرمية. ١٤ - يؤخذ من الرواية الثامنة أن مثل صلصلة الجرس كانت علامة على قدوم الوحي، إشعارا للرسول ﷺ ، ليتفرغ له، ويستعد للقائه ويتهيأ لاستقباله، وقد استشكل هذا بأن الجرس مذموم، لصحة النهي عنه، والتنفير من مرافقة ما هو معلق فيه، والإعلام بأنه لا تصحبهم الملائكة، كما سبق في الأحاديث، فكيف يشبه ما فعله الملك بأمر تنفر منه الملائكة؟ والجواب أن الصوت الذي يصاحب الملك ليس صوت جرس، حتى ينفر منه، إنما هو شبيه به، في وجه ما، فذكر ما ألفه السامعون سماعه تقريبا للأفهام، ولا يشترط في التشبيه تساوي المشبه والمشبه به في الصفات كلها، بل ولا في أخص وصف له، بل يكفي اشتراكهما في صفة ما.

стр. 5123

وأما مصدر هذا الصوت فقيل: هو صوت الملك بالوحي، أي صوت متدارك بسمعه، ولا يتبين حروفه، حتى يصل، وقيل: بل هو صوت حفيف أجنحة الملك. والله أعلم. ١٥ - وفيها أن الوحي كله شديد، لقوله "وهو أشده علي" قالوا: لأن الفهم من كلام مثل الصلصلة أصعب من الفهم من كلام الرجل للرجل بالتخاطب المعهود، قالوا: والحكمة فيه أن العادة جرت بوجود مناسبة بين القائل والسامع، وهي هنا إما باتصاف السامع بوصف القائل، بغلبة الروحانية، وهو النوع الأشد، وإما باتصاف القائل بوصف السامع، وهو البشرية، وهو النوع الثاني، وليس بالأشد. ١٦ - ومن الرواية السابعة والتاسعة والعاشرة صفات النبي ﷺ الجسمية في غير حالة نزول الوحي، وفي حالة نزول الوحي. والله أعلم

стр. 5124

(٦٢١) باب في صفاته الخلقية، وصفة شعره وشيبته ٥٢٨٠ - عن ابن عباس ﵄ قال: كان أهل الكتاب يسدلون أشعارهم. وكان المشركون يفرقون رءوسهم. وكان رسول الله ﷺ يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر به، فسدل رسول الله ﷺ ناصيته. ثم فرق بعد. ٥٢٨١ - عن البراء ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ رجلا مربوعا. بعيد ما بين المنكبين. عظيم الجمة إلى شحمة أذنيه. عليه حلة حمراء. ما رأيت شيئا قط أحسن منه ﷺ . ٥٢٨٢ - عن البراء ﵁ قال: ما رأيت من ذي لمة أحسن في حلة حمراء من رسول الله ﷺ شعره يضرب منكبيه. بعيد ما بين المنكبين. ليس بالطويل ولا بالقصير. قال أبو كريب: له شعر. ٥٢٨٣ - عن البراء ﵁ يقول: كان رسول الله ﷺ أحسن الناس وجها. وأحسنه خلقا. ليس بالطويل الذاهب ولا بالقصير. ٥٢٨٤ - عن قتادة ﵁ قال: قلت لأنس بن مالك: كيف كان شعر رسول الله ﷺ ؟ قال: كان شعرا رجلا. ليس بالجعد ولا السبط، بين أذنيه وعاتقه. ٥٢٨٥ - عن أنس ﵁؛ أن رسول الله ﷺ كان يضرب شعره منكبيه. ٥٢٨٦ - عن أنس ﵁ قال: كان شعر رسول الله ﷺ إلى أنصاف أذنيه.

стр. 5125

٥٢٨٧ - عن جابر بن سمرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ ضليع الفم. أشكل العين. منهوس العقبين. قال: قلت لسماك: ما ضليع الفم؟ قال: عظيم الفم. قال: قلت: ما أشكل العين؟ قال: طويل شق العين. قال: قلت: ما منهوس العقب؟ قال قليل لحم العقب. ٥٢٨٨ - عن أبي الطفيل ﵁ قال: قلت له: أرأيت رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم. كان أبيض. مليح الوجه. رضي اللهم تعالى عنها. مات أبو الطفيل سنة مائة. وكان آخر من مات من أصحاب رسول الله ﷺ . ٥٢٨٩ - عن أبي الطفيل ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ . وما على وجه الأرض رجل رآه غيري. قال: فقلت له: فكيف رأيته؟ قال: كان أبيض مليحا مقصدا. ٥٢٩٠ - عن ابن سيرين قال: سئل أنس بن مالك: هل خضب رسول الله ﷺ ؟ قال: إنه لم يكن رأى من الشيب إلا. قال ابن إدريس: كأنه يقلله. وقد خضب أبو بكر وعمر بالحناء والكتم. ٥٢٩١ - عن ابن سيرين قال: سألت أنس بن مالك: هل كان رسول الله ﷺ خضب؟ فقال: لم يبلغ الخضاب. كان في لحيته شعرات بيض. قال: قلت له: أكان أبو بكر يخضب؟ قال: فقال: نعم. بالحناء والكتم. ٥٢٩٢ - عن محمد بن سيرين قال: سألت أنس بن مالك: أخضب رسول الله ﷺ ؟ قال إنه لم ير من الشيب إلا قليلا. ٥٢٩٣ - عن ثابت قال: سئل أنس بن مالك: عن خضاب النبي ﷺ ؟ فقال: لو

стр. 5126

شئت أن أعد شمطات كن في رأسه فعلت. وقال: لم يختضب. وقد اختضب أبو بكر بالحناء والكتم. واختضب عمر بالحناء بحتا. ٥٢٩٤ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: يكره أن ينتف الرجل الشعرة البيضاء من رأسه ولحيته. قال: ولم يختضب رسول الله ﷺ . إنما كان البياض في عنفقته، وفي الصدغين، وفي الرأس نبذ. ٥٢٩٥ - ١٠٥ عن أنس ﵁، أنه سئل عن شيب النبي ﷺ ؟ فقال: ما شانه الله ببيضاء. ٥٢٩٦ - عن أبي جحيفة قال: رأيت رسول الله ﷺ ، هذه منه بيضاء. ووضع زهير بعض أصابعه على عنفقته. قيل له: مثل من أنت يومئذ؟ فقال: أبري النبل وأريشها. ٥٢٩٧ - عن أبي جحيفة قال: رأيت رسول الله ﷺ أبيض قد شاب. كان الحسن بن علي يشبهه. ٥٢٩٨ - وفي رواية عن أبي جحيفة بهذا. ولم يقولوا: أبيض قد شاب. ٥٢٩٩ - عن جابر بن سمرة ﵁ سئل عن شيب النبي ﷺ ؟ فقال: كان إذا دهن رأسه لم ير منه شيء. وإذا لم يدهن رئي منه. -[المعنى العام]- صان الله تعالى رسله من الصفات الذميمة والمنفرة في الخلقة، لأن رسالتهم تستدعي رغبة الناس فيهم، وعدم نفورهم منهم، وليس في صفات أجسامهم تشريع يمكن أن يعمل به ويقتدى، وإنما التشريع في ذلك هو الحكم بحسن ما كانوا عليه من صفات، وعدم ذم مثيلاتها عند البشر.

стр. 5127

فالطول البائن والقصر البائن ليسا هو الوضع الأحسن في الخلقة، بل الأحسن الوسطية المائلة قليلا نحو الطول. والنحافة وغلظ الجسم ليسا من الوضع الأحسن، اللهم إلا نحافة العقبين، لما في ذلك من يسر المشي والجري. والشيب علامة على ظهور الضعف بعد القوة، وعدمه هو الأحسن. والشعر للإنسان من سمات الجمال، وقد كان ﷺ يحافظ على نظافته ودهنه وتطييبه، وتسريحه، وفرقه، بعد أن كان يسدله. وللعرف والعادة والبيئة دخل كثير في الصورة التي تنبغي للمسلم بالنسبة إلى شعره، فقد تحبذ بيئة طول شعر الرجل، وتستنكر حلقه، وقد تحبذ بيئة أخرى حلق شعر الرجل وتستنكر طوله. كذلك خضاب الشعر بالسواد أو بالصفرة، أو بالحمرة، للبيئة أثر كبير في قبوله أو رفضه. وقد تتأثر البيئة بتقليد الكافرين، فتحب ما هم عليه، وفي هذه الحالة لا تجيز الشريعة التشبه بهم، واستصحاب قصد ذلك يسيء إلى إسلام المسلم. فلله العزة ولرسوله وللمؤمنين، ومن العزة استقلال الشخصية حتى في المظهر واللباس. والله الهادي سواء السبيل. (ملحوظة) سبق في كتاب اللباس ما له صلة بهذا الباب فمن شاء فليراجعه. -[المباحث العربية]- (كان أهل الكتاب يسدلون أشعارهم) أي يرسلون شعر رءوسهم على جباههم، قال النووي: قال العلماء: المراد هنا إرساله على الجبين، واتخاذه كالقصة، بضم القاف وتشديد الصاد المفتوحة، و"يسدلون" بفتح الياء، يقال: سدل بفتح الدال يسدل بضمها وكسرها، أي أرسل، وسدل شعره وثوبه إذا أرسله ولم يضم جوانبه، قال القاضي: والمراد به هنا إرساله على الجبين. "وأشعار" بفتح الهمزة جمع شعر بفتح الشين مع سكون العين وفتحها، مذكران، وهو ما ينبت على الجسم مما ليس بصوف ولا وبر، للإنسان وغيره، ويجمع أيضا على شعور، والواحدة من الشعر شعرة، بفتح الشين وسكون العين. (وكان المشركون يفرقون رءوسهم) "يفرقون" بفتح الياء وضم الراء وكسرها، وفرق رأسه وشعره بفتح الفاء والراء، أي ألقى شعره إلى جانبي رأسه، فلم يترك منه شيئا على جبهته، وفي الكلام مضاف محذوف، أي يفرقون شعر رءوسهم. (وكان رسول الله ﷺ يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر به) لصلتهم بالشرائع والكتب، وهل الحب كان بوحي أو من نفسه؟ وهل كان ذلك على الوجوب أو الندب؟ سيأتي تفصيله في فقه الحديث.

стр. 5128

(فسدل رسول الله ﷺ ناصيته) أي شعر ناصيته. (ثم فرق بعد) أي فرق شعر رأسه بعد أن كان يسدل. (كان رسول الله ﷺ رجلا مربوعا) وعند البخاري "كان ربعة" بفتح الراء وسكون الباء، أي مربوعا، والتأنيث باعتبار النفس، يقال: رجل ربعة، وامرأة ربعة، وقد فسر في الحديث بأنه ليس بالطويل البائن، ولا بالقصير والمراد بالطويل البائن المفرط في الطول، مع اضطراب القامة، وفي رواية "كان ربعة، وهو إلى الطول أقرب" وفي رواية "رجل بين رجلين" وعند ابن أبي خيثمة "لم يكن أحد يماشيه من الناس ينسب إلى الطول إلا طاله رسول الله ﷺ ، ولربما اكتنفه الرجلان الطويلان، فيطولهما، فإذا فارقاه نسبا إلى الطول، ونسب رسول الله ﷺ إلى الربعة" وفي الرواية الرابعة "ليس بالطويل الذاهب، ولا بالقصير". (بعيد ما بين المنكبين) أي عريض الظهر. (عظيم الجمة، إلى شحمة أذنيه) "الجمة" بضم الجيم وتشديد الميم المفتوحة الشعر الذي نزل إلى المنكبين، وفي رواية "كان شعر رسول الله ﷺ فوق الوفرة، ودون الجمة" "الوفرة" أقل من الجمة وهي الشعر النازل إلى شحمة الأذنين، و"اللحمة" التي ألمت بالمنكبين، و"شحمة الأذن" الجزء اللين في أسفلها، وهو معلق القرط منها، وفي الرواية الثالثة "شعره يضرب منكبيه" وفي الرواية الخامسة "كان شعرا رجلا" بفتح الراء وكسر الجيم وقد تسكن، "أي سلسا متسرحا بين الجعودة والسبوطة "ليس بالجعد ولا السبط" والجعودة في الشعر أن لا يتكسر ولا يسترسل، والسبوطة ضده، في رواية للبخاري "ليس بجعد قطط ولا بسط". "بين أذنيه وعاتقه" وفي الرواية السابعة "كان شعر رسول الله ﷺ إلى أنصاف أذنيه" قال القاضي والجمع بين هذه الروايات أن ما يلي الأذن هو الذي يبلغ شحمة أذنيه وهو الذي بين أذنيه وعاتقه، وما خلفه هو الذي يضرب منكبيه، قال: وقيل: ذلك لاختلاف الأوقات، فإذا غفل عن تقصيرها بلغت المنكب، وإذا قصرها كانت إلى أنصاف الأذنين، فكان الشعر يقصر ويطول بحسب ذلك، والعاتق ما بين المنكبين والعنق. (كان رسول الله ﷺ أحسن الناس وجها، وأحسنه خلقا) بفتح الخاء، قال النووي: قال أبو حاتم وغيره: هكذا تقول العرب "وأحسنه" - أي كان الظاهر أن يقول: وأحسنهم - يريدون: وأحسنهم، ولكن لا يتكلمون به، وإنما يقولون: أجمل الناس وأحسنه، ومنه الحديث "خير نساء ركبن الإبل نساء قريش، وأشفقه على ولد، وأعطفه على زوج" وحديث أبي سفيان "عندي أحسن نساء العرب وأجمله" أي وأجمل هذا الجنس. (كان رسول الله ﷺ ضليع الفم) فسره الراوي في الحديث بعظيم الفم، قال النووي: كذا قاله الأكثرون، وهو الأظهر، قالوا: والعرب تمدح ذلك الرجل، وتذم فيه صغر الفم، وهو معنى قول ثعلب: واسع الفم، وقال شمر: عظيم الأسنان.

стр. 5129

(أشكل العين) بسكون الشين وفتح الكاف، وفسره الراوي في الحديث بطول شق العين، قال القاضي: وهذا من الراوي باتفاق العلماء، غلط ظاهر، وصوابه، ما اتفق عليه العلماء أن الشكلة حمرة في بياض العينين، وهو محمود، والشهلة بالهاء حمرة في سواد العين. (منهوس العقبين) فسره الراوي بقليل لحم العقبين، و"منهوس" بالسين عند الجمهور، وروي بالشين، وهما متقاربان. (كان أبيض مليح الوجه) في الرواية العاشرة "كان أبيض مليحا مقصدا" بفتح القاف والصاد المشددة، وهو الذي ليس بجسيم ولا نحيف، ولا طويل ولا قصير. (هل خضب رسول الله ﷺ ؟ ) "خضب" بفتحات يخضب بكسر الضاد خضبا وخضبة، يقال: خضب الشيء غير لونه بحمرة أو صفرة أو غيرهما، ويقال: اختضب الرجل واختضبت المرأة، من غير ذكر الشعر، والمراد هنا تغيير لون شعر الرأس واللحية بالحناء والأصابغ الأخرى. (إنه لم يكن رأى من الشيب إلا ... ) وكأنه أشار بأصابعه إلى قلة الشيب، ليستغني بالإشارة عن العبارة، وفي الرواية الثانية عشرة "لم يبلغ الخضاب" أي لم يبلغ شيبه ما يحتاج إلى الخضاب. (كان في لحيته شعرات بيض) وفي الرواية الثالثة عشرة "إنه لم ير من الشيب إلا قليلا" وفي الرواية الرابعة عشرة "لو شئت أن أعد شمطات كن في رأسه فعلت. لم يختضب" يقال: شمط بفتح الشين وكسر الميم وأشمط، أي صار سواد شعره، مخالطا لبياضه، والمراد هنا الشعرات البيضاء، والمراد من الرأس هنا جزؤها، وحددته الرواية الثانية عشرة باللحية، وحددته الرواية الخامسة عشرة بالعنفقة وبالصدغين، وقالت: "وفي الرأس نبذ" أي شعرات منبوذة نادرة شاذة، وحددته الرواية السابعة عشرة بالعنفقة إشارة، وفي الرواية التاسعة عشرة "كان إذا دهن رأسه لم ير منه شيء" أي شيب "وإذا لم يدهن رئي منه" قال النووي: اختلاف الروايات في قدر شيبه ﷺ ويجمع بينها بأنه كان شيئا يسيرا، فمن أثبت شيبه، أخبر عن ذلك اليسير، ومن نفاه أراد أنه لم يكثر فيه. (وقد خضب أبو بكر وعمر بالحناء والكتم) بفتح الكاف والتاء المخففة، قال النووي: هذا هو المشهور، وقال أبو عبيده: هو بتشديد التاء وهو نبات يصبغ به الشعر، يحول بياضه أو حمرته إلى الدهمة، وقوله "بالحناء والكتم" أي مخلوطين، وقوله "واختضب عمر بالحناء بحتا" أي منفردا، غير مخلوط بالكتم أو غيره. (ما شانه الله ببيضاء) "ما شانه" بدون همز، أي ما شانه الله بشعرات بيضاء كثيرة. (كنت أبري النبل وأريشها) "أبري" بفتح الهمزة وسكون الباء، كبري القلم ليدخل النبل في جسم المرمي، و"أريشها" بفتح الهمزة وكسر الراء وإسكان الياء، أي أجعل للنبل ريشا. والريش السن والنصل المدبب الذي يركب في طرف النبل والسهم.

стр. 5130

-[فقه الحديث]- -[يؤخذ من أحاديث الباب]- ١ - من الرواية الأولى مشروعية فرق الشعر، قال النووي: قال العلماء: والفرق سنة، لأنه الذي رجع إليه النبي ﷺ ، قالوا: فالظاهر أنه رجع إليه بوحي، لقوله "إنه كان يوافق أهل الكتاب فيما لم يؤمر به" أي إنه لم يعدل عن موافقتهم إلا بأمر، قال القاضي: حتى قال بعضهم: نسخ السدل، فلا يجوز فعله، ولا اتخاذ الناصية والجمة. قال: ويحتمل أن المراد جواز الفرق، لا وجوبه، أي ولا استحبابه، قال: ويحتمل أن الفرق كان باجتهاد في مخالفة أهل الكتاب، لا بوحي، ويكون الفرق مستحبا، ولهذا اختلف السلف فيه، ففرق شعره جماعة منهم، واتخذ الجمة آخرون، قال: وقد جاء في الحديث "أنه كان للنبي ﷺ لمة، فإن انفرقت فرقها، وإلا تركها" قال مالك: فرق الرجل أحب إلي. هذا كلام القاضي عياض: قال النووي: والحاصل أن الصحيح المختار جواز السدل والفرق، وأن الفرق أفضل. ٢ - استحباب مخالفة أهل الكتاب فيما لم يرد عنه شيء في شرعنا، قال القاضي: واختلف العلماء في تأويل موافقة أهل الكتاب فيما لم ينزل عليه شيء، فقيل: فعله استئلافا لهم في أول الإسلام، وموافقة لهم على مخالفة عبدة الأوثان، فلما أغنى الله تعالى عن استئلافهم، وأظهر الإسلام على الدين كله، صرح بمخالفتهم في غير شيء، منها صبغ الشيب، وقال آخرون: يحتمل أنه أمر باتباع شرائعهم فيما لم يوح إليه شيء، وإنما كان هذا فيما علم أنهم لم يبدلوه، إذ كانوا في زمانه متمسكين ببقايا من شرائع الرسل، فكانت موافقتهم أحب إليه من موافقة عبدة الأوثان، فلما أسلم غالب عباد الأوثان أحب ﷺ حينئذ مخالفة أهل الكتاب. ٣ - استدل بعضهم بالحديث على أن شرع من قبلنا شرع لنا، ما لم يرد شرعنا بخلافه، وقال آخرون: بل هذا دليل على أنه ليس بشرع لنا، لأنه قال: يحب موافقتهم، فأشار إلى خيريته، ولو كان شرعا لنا لتحتم اتباعه، وعلى التسليم ففي نفس الحديث أنه رجع عن ذلك آخرا. ٤ - ومن الرواية الثانية والثالثة والرابعة أن جسمه ﷺ لم يكن بالطويل المفرط، ولا بالقصير الظاهر، بل كان وسطا، يميل إلى الطول. ٥ - ومن الرواية الثانية والثالثة أنه ﷺ كان عريض الظهر، بعيد ما بين المنكبين. ٦ - ومن الرواية الثانية والثالثة والخامسة والسادسة والسابعة أنه ﷺ كان طويل الشعر، يصل شعره أحيانا منكبيه. ٧ - ومن الرواية الخامسة أن شعره ﷺ كان سلسا، ليس جعدا ولا بسطة. ٨ - ومن الرواية الحادية عشرة والثانية عشرة والثالثة عشرة والرابعة عشرة أن الشيب في شعره كان قليلا، وفي رواية لأنس "توفي رسول الله ﷺ وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء". ٩ - وأن رسول الله ﷺ لم يخضب الشيب.

стр. 5131

١٠ - وأن أبا بكر وعمر ﵄ خضبا بالحناء والكتم. ١١ - ومن الرواية الثامنة أنه كان أشكل العين، أي في بياضها حمرة. ١٢ - وأنه كان عظيم الفم والأسنان. ١٣ - وأنه كان قليل لحم العقب. ١٤ - ومن الرواية التاسعة والعاشرة أنه كان أبيض مليح الوجه، وفي الباب السابق تفصيل للون بشرته ﷺ . ١٥ - ومن الرواية الخامسة عشرة كراهة أن ينتف الرجل الشعرة البيضاء من رأسه ولحيته، قال النووي: وهذا متفق عليه، قال أصحابنا وأصحاب مالك: يكره ولا يحرم. ١٦ - ومن الرواية السادسة عشرة أن الشيب ليس ممدوحا، وليس من الجمال. ١٧ - ومن الرواية السابعة عشرة أن الشعرات البيضاء كانت على عنفقته ﷺ . ١٨ - ومن الرواية الثامنة عشرة أن الحسن بن علي ﵄ كان يشبهه ﷺ في الخلقة. ١٩ - ومن الرواية التاسعة عشرة أن رسول الله ﷺ كان يدهن شعره. والله أعلم

стр. 5132

(٦٢٢) باب إثبات خاتم النبوة، وصفته، ومحله من جسده ﷺ ٥٣٠٠ - عن جابر بن سمرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ قد شمط مقدم رأسه ولحيته. وكان إذا ادهن لم يتبين. وإذا شعث رأسه تبين. وكان كثير شعر اللحية. فقال رجل: وجهه مثل السيف؟ قال: لا. بل كان مثل الشمس والقمر. وكان مستديرا. ورأيت الخاتم عند كتفه مثل بيضة الحمامة يشبه جسده. ٥٣٠١ - عن جابر بن سمرة ﵁ قال: رأيت خاتما في ظهر رسول الله ﷺ ، كأنه بيضة حمام. ٥٣٠٢ - عن السائب بن يزيد ﵁ قال: ذهبت بي خالتي إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله! إن ابن أختي وجع. فمسح رأسي ودعا لي بالبركة. ثم توضأ. فشربت من وضوئه. ثم قمت خلف ظهره، فنظرت إلى خاتمه بين كتفيه مثل زر الحجلة. ٥٣٠٣ - عن عبد الله بن سرجس ﵁ قال: رأيت النبي ﷺ . وأكلت معه خبزا ولحما. أو قال: ثريدا. قال: فقلت له: أستغفر لك النبي ﷺ ؟ قال: نعم. ولك. ثم تلا هذه الآية ﴿واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات﴾ قال: ثم درت خلفه، فنظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه، عند ناغض كتفه اليسرى. جمعا. عليه خيلان كأمثال الثآليل. -[المعنى العام]- كثير من العلماء يرون أن خاتم النبوة من صنع الملكين، وهو قطعة لحم مستديرة بارزة في ظهره ﷺ ، بين كتفيه، أقرب ما تكون إلى الكتف الأيسر في حجم بيضة الحمامة، وأنه علامة من علامات نبوته.

стр. 5133

ونحن نؤمن ببروز هذه المضغة من اللحم بين كتفيه في صدره ﷺ لثبوت رؤية الصحابة لها في الأحاديث الصحيحة، ولكن لم يثبت في حديث صحيح أنها علامة النبوة، نعم في بعض الأحاديث أن بعض اليهود كشفوا عن كتفيه ﷺ ، فلما رأوها عرفوا رسالته لكن في هذه الروايات مقال. وعلى الرغم من أن البخاري وغيره ذكر أحاديث الخاتم في علامات النبوة، وفي مناقب الرسول ﷺ ، وعلى الرغم من روايات ضعيفة ذكرها علماء السير في وصف الخاتم، فقد قال الحافظ ابن حجر: ما ورد في أنها كأثر محجم، أو كالشامة السوداء، أو الخضراء، أو مكتوب عليها "محمد رسول الله" أو "سر، فأنت المنصور" أو نحو ذلك، فلم يثبت منها شيء، وقد أطنب الحافظ قطب الدين استيعابها، في شرح السيرة، وتبعه مغلطاي في الزهر الباسم، ولم يبين شيئا من حالها، والحق ما ذكرته ولا تغتر بما وقع منها في صحيح ابن حبان، فإنه غفل، حيث صحح ذلك. والله أعلم -[المباحث العربية]- (فقال رجل: وجهه مثل السيف. قال جابر: لا. بل كان مثل الشمس والقمر، وكان مستديرا) في رواية للبخاري "سئل البراء: أكان وجه النبي ﷺ مثل السيف؟ قال: لا بل مثل القمر" كأن السائل أراد أنه مثل السيف في الطول، فرد عليه البراء، فقال: بل مثل القمر في التدوير، ويحتمل أن يكون أراد مثل السيف في اللمعان والصقال؟ فقال: بل فوق ذلك، وعدل إلى القمر لجمعه الصفتين، من التدوير واللمعان، وفي رواية "أكان وجه النبي ﷺ حديدا مثل السيف؟ والسؤال في رواية البخاري وجه إلى البراء بن عازب ﵁، وهو الذي أجاب، وفي روايتنا وجه السؤال إلى جابر بن سمرة ﵁، وهو الذي أجاب، ولا مانع من تعدد القصة، ولا من أن يكون السائل واحدا، وتعدد المسئولون، وقد زاد جابر في التشبيه عن البراء "مثل الشمس" وقد جرى التعارف في أن التشبيه بالشمس إنما يراد به غالبا الإشراق، والتشبيه بالقمر إنما يراد به الملاحة، دون غيرها، ولهذا جاء في الجواب "وكان مستديرا، للتنبيه على أنه جمع الصفتين معا، الحسن والاستدارة، وعند أحمد وابن سعد وابن حبان عن أبي هريرة "ما رأيت شيئا أحسن من رسول الله ﷺ ، كأن الشمس تجري في جبهته" قال الطيبي: شبه جريان الشمس في فلكها بجريان الحسن في وجهه ﷺ وهو من التشبيه المقلوب، وعند الطبراني والدارمي عن الربيع بنت معوذ "لو رأيته لرأيت الشمس طالعة". (ورأيت الخاتم عند كتفه مثل بيضة الحمامة، يشبه جسده) في الرواية الثانية "كأنه بيضة حمام" لكن وقع عند ابن حبان "كبيضة نعامة" ونبه على أنها غلط، وعند ابن حبان من حديث ابن عمر "مثل البندقة من اللحم" وعند الترمذي "كبضعة ناشزة من اللحم" وفي رواية للبخاري "كانت بضعة ناشزة" أي مرتفعة على جسده، ومعنى "يشبه جسده" في روايتنا أي في اللون، قال الحافظ ابن حجر: وأما ما ورد من أنها كانت كأثر محجم، وكالشامة السوداء أو الخضراء، أو مكتوب عليها "محمد رسول الله" أو "سر، فأنت المنصور" أو نحو ذلك، فلم يثبت منها شيء. اهـ.

стр. 5134

ولا تنافي بين قوله "عند كتفه" وقوله في الرواية الثانية "في ظهر رسول الله ﷺ وقوله في الرواية الثالثة والرابعة "بين كتفيه" فقد كان في ظهره وبين كتفيه، عند كتفه الأيسر، قال القرطبي: اتفقت الأحاديث الثابتة على أن خاتم النبوة كان شيئا بارزا أحمر، عند كتفه الأيسر قدره إذا قل بيضة الحمامة، وإذا كبر جمع اليد. (عن السائب بن يزيد) في البخاري عن الجعيد بن عبد الرحمن. قال: رأيت السائب بن يزيد ابن أربع وتسعين، جلدا معتدلا، فقال: قد علمت ما متعت به، سمعي وبصري، إلا بدعاء رسول الله ﷺ إن خالتي ذهبت بي إليه .... ولد سنة أربع من الهجرة. (ذهبت بي خالتي إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، إن ابن أختي وجع) بفتح الواو، وكسر الجيم وتنوين العين، وفي رواية للبخاري "وقع" بوزن "وجع" وبمعناها، وجاء بلفظ الفعل الماضي المبني للمعلوم، والمراد أنه كان يشتكي رجله، كما ثبت في بعض الطرق. (فمسح رأسي، ودعا لي بالبركة) أي فهذا سر طول عمري، وتمتعي بسمعي وبصري. (ثم توضأ فشربت من وضوئه) بفتح الواو، أي من الماء الذي تجمع بعد أن تساقط من وضوئه. (ثم قمت خلف ظهره) أي وقفت خلف ظهره حين قام إلى الصلاة بعد الوضوء. (فنظرت إلى خاتمه، بين كتفيه، مثل زر الحجلة) "زر" بكسر الزاي وتشديد الراء، و"الحجلة" بفتح الحاء والجيم، واحدة الحجال، وهي بيوت تزين بالثياب، فيكون لها عرى وأزرار كبار، وتستعمل كذلك في دوائر الأسرة وتعرف بالكلة، وفي الستائر، وزرها في حجم بيضة الحمامة غالبا، هذا هو الصواب المشهور الذي قاله الجمهور، وقال بعضهم: المراد بالحجلة الطائر المعروف، وزرها بيضتها، وقيل: من حجل الفرس، وهو البياض بين عينيه، ورد بأن التحجيل إنما يكون في القوائم، وأما الذي في الوجه فهو الغرة، وأجيب بأنه قد يطلق على ذلك مجازا، واعترض بأن الغرة لا زر لها، وكون هذه الكلمة مقحمة تكلف دون موجب، وجزم الترمذي بأن المراد بالحجلة الطير المعروف، وأن المراد بزرها بيضها، ويقال لهذا الطير اليعقوب، ويقال للأنثى منه حجلة. وجاء في رواية "رز" بتقديم الراء على الزاي، وهو مأخوذ من ارتز الشيء إذا دخل في الأرض، والمراد بها هنا البيضة، يقال: ارتزت الجرادة، إذا أدخلت ذنبها في الأرض لتبيض، وعلى هذا فالمراد بالحجلة الطير المعروف أيضا. (أستغفر لك النبي ﷺ ؟ قال: نعم. ولك) يا عاصم، وهو الراوي عن عبد الله بن سرجس، ويقصد بالاستغفار لهما دخولهما في عموم المؤمنين والمؤمنات في الآية. (فنظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه، عند ناغض كتفه اليسرى جمعا) "ناغض"

стр. 5135

بكسر الغين، بعدها ضاد، قال الجمهور: النغض بسكون الغين وفتحها والناغض أعلى الكتف، وقيل: هو العظم الرقيق الذي على طرفه، وقيل: ما يظهر منه عند التحرك. وأما قوله "جمعا" فبضم الجيم، وسكون الميم، ومعناه أنه كجمع الكف، وهو صورته بعد أن تجمع الأصابع وتضمها. (عليه خيلان، كأمثال الثآليل) "خيلان" بكسر الخاء جمع "خال" وهو الشامة في الجسد، أي على الخاتم، أو حوله خيلان، كأمثال الثآليل، والثآليل، بفتح الثاء ممدودة جمع ثؤلول بضم الثاء، وهو خراج أو الحبة تظهر في الجلد كالحمصة فما دونها، ويطلق على حلمة الثدي، وهو المناسب هنا. -[فقه الحديث]- قال الحافظ ابن حجر: كان الخاتم الذي بين كتفي النبي ﷺ علامة من علامات النبوة، التي كان أهل الكتاب يعرفونه بها، قال: وادعى عياض هنا أن الخاتم هو أثر شق الملكين لما بين كتفيه، وتعقبه النووي: فقال: هذا باطل، لأن الشق إنما كان في صدره وبطنه، وأثره إنما كان خطا واضحا من صدره إلى مراق بطنه، كما في الصحيحين، قال: ولم يثبت قط أنه بلغ بالشق، حتى نفذ من وراء ظهره، ولو ثبت للزم عليه أن يكون مستطيلا من بين كتفيه إلى قطنته، لأنه الذي يحاذي الصدر، من سرته إلى مراق بطنه، قال: فهذه غفلة من هذا الإمام، ولعل هذا وقع من بعض نساخ كتابه، فإنه لم يسمع عليه، فيما علمت. ودافع الحافظ ابن حجر عن القاضي عياض، وقال: وقد وقفت على مستند القاضي، وهو حديث عتبة بن عبد السلمي، أخرجه أحمد والطبراني، وغيرهما عنه، أنه سأل رسول الله ﷺ : كيف كان بدء أمرك؟ فذكر القصة في ارتضاعه في بني سعد، وفيه أن الملكين لما شقا صدره قال أحدهما للآخر: خطه، فخاطه، وختم عليه بخاتم النبوة، اهـ. قال: فلما ثبت أن خاتم النبوة كان بين كتفيه حمل ذلك عياض على أن الشق لما وقع في صدره، ثم خيط، حتى التأم كما كان، ووقع الختم بين كتفيه كان ذلك أثر الشق، وفهم النووي وغيره منه، أن قوله "بين كتفيه" متعلق بالشق، وليس كذلك، بل هو متعلق بأثر الختم، ثم ساق الحافظ ابن حجر أحاديث ضعيفة لا يحتج بها، دفاعا عن القاضي عياض، ولسنا معه، والقول هنا قول النووي. وقد ذكر البخاري حديث السائب بن يزيد، وروايتنا الثالثة في باب استعمال فضل وضوء الناس من كتاب الطهارة، مستدلا بشرب السائب من ماء وضوئه ﷺ . قال الحافظ ابن حجر: أراد البخاري الاستدلال بهذا الحديث على رد قول من قال بنجاسة الماء المستعمل وهو قول أبي يوسف، وعن أبي حنيفة ثلاث روايات: الأولى طاهر، لا طهور، وهو قول الشافعي في الجديد، وهو المفتى به عند الحنفية، الثاني نجس نجاسة خفيفة، الثالثة نجس نجاسة غليظة، وهذه الأحاديث ترد عليه، لأن النجس لا يتبرك به.

стр. 5136

قال ابن المنذر: وفي إجماع أهل العلم على أن البلل الباقي على أعضاء المتوضئ، وما قطر منه على ثيابه طاهر، دليل قوي على طهارة الماء المستعمل. كما ذكر البخاري هذا الحديث تحت باب المسح على رأس المريض، والدعاء له بالبركة في كتاب الدعوات. وذكره أيضا تحت باب من ذهب بالصبي المريض ليدعي له، في كتاب المرضى. كما ذكره تحت باب خاتم النبوة، من كتاب المناقب. والله أعلم

стр. 5137

(٦٢٣) باب قدر عمره ﷺ ، وإقامته بمكة والمدينة ٥٣٠٤ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ ليس بالطويل البائن ولا بالقصير. وليس بالأبيض الأمهق ولا بالآدم. ولا بالجعد القطط ولا بالسبط. بعثه الله على رأس أربعين سنة. فأقام بمكة عشر سنين، وبالمدينة عشر سنين، وتوفاه الله على رأس ستين سنة. وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء. ٥٣٠٥ - وفي رواية عن أنس بن مالك ﵁، بمثل حديث مالك بن أنس، وزاد في حديثهما: كان أزهر. ٥٣٠٦ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: قبض رسول الله ﷺ وهو ابن ثلاث وستين. وأبو بكر وهو ابن ثلاث وستين. وعمر وهو ابن ثلاث وستين. ٥٣٠٧ - عن عائشة ﵂؛ أن رسول الله ﷺ توفي وهو ابن ثلاث وستين سنة. وقال ابن شهاب: أخبرني سعيد بن المسيب. بمثل ذلك. ٥٣٠٨ - عن عمرو قال قلت لعروة كم كان النبي ﷺ بمكة؟ قال: عشرا. قال: قلت: فإن ابن عباس يقول: ثلاث عشرة. ٥٣٠٩ - عن عمرو قال: قلت لعروة: كم لبث النبي ﷺ بمكة؟ قال: عشرا. قلت: فإن ابن عباس يقول: بضع عشرة. قال: فغفره، وقال: إنما أخذه من قول الشاعر.

стр. 5138

٥٣١٠ - عن ابن عباس ﵄، أن رسول الله ﷺ مكث بمكة ثلاث عشرة. وتوفي وهو ابن ثلاث وستين. ٥٣١١ - عن ابن عباس ﵄ قال: أقام رسول الله ﷺ بمكة ثلاث عشرة سنة يوحى إليه. وبالمدينة عشرا. ومات وهو ابن ثلاث وستين سنة. ٥٣١٢ - عن أبي إسحق قال: كنت جالسا مع عبد الله بن عتبة. فذكروا سني رسول الله ﷺ . فقال بعض القوم: كان أبو بكر أكبر من رسول الله ﷺ ، قال عبد الله: قبض رسول الله ﷺ وهو ابن ثلاث وستين. ومات أبو بكر وهو ابن ثلاث وستين. وقتل عمر وهو ابن ثلاث وستين. قال: فقال رجل من القوم، يقال له عامر بن سعد: حدثنا جرير قال: كنا قعودا عند معاوية. فذكروا سني رسول الله ﷺ . فقال معاوية: قبض رسول الله ﷺ وهو ابن ثلاث وستين سنة. ومات أبو بكر وهو ابن ثلاث وستين. وقتل عمر وهو ابن ثلاث وستين. ٥٣١٣ - عن جرير أنه سمع معاوية يخطب فقال: مات رسول الله ﷺ وهو ابن ثلاث وستين. وأبو بكر وعمر. وأنا ابن ثلاث وستين. ٥٣١٤ - عن عمار مولى بني هاشم قال: سألت ابن عباس: كم أتى لرسول الله ﷺ يوم مات؟ فقال ما كنت أحسب مثلك من قومه يخفى عليه ذاك. قال: قلت: إني قد سألت الناس فاختلفوا علي. فأحببت أن أعلم قولك فيه. قال: أتحسب؟ قال: قلت: نعم. قال: أمسك أربعين بعث لها. خمس عشرة بمكة. يأمن ويخاف. وعشر من مهاجره إلى المدينة.

стр. 5139

٥٣١٥ - عن ابن عباس ﵄؛ أن رسول الله ﷺ توفي وهو ابن خمس وستين. ٥٣١٦ - عن ابن عباس ﵄ قال: أقام رسول الله ﷺ بمكة خمس عشرة سنة. يسمع الصوت، ويرى الضوء، سبع سنين، ولا يرى شيئا. وثمان سنين يوحى إليه. وأقام بالمدينة عشرا. -[المعنى العام]- يشتهر العرب بالمعمرين الذين يبلغون ما فوق السبعين، ربما لبيئة الصحراء، قليلة الأمراض، نقية الهواء، وربما لقلة مشاغلهم ومشاكلهم. والأعمار الحقيقية لا تقاس بالسنين، فالأزمنة ظروف لما يحدث فيها، وقيمتها بقيمة ما يشغلها. فلو أن عملا ما تم في شهر مع إنسان، وتم هو نفسه مع إنسان آخر في عام كانت قيمة العام عند هذا مساوية لقيمة الشهر عند ذاك. ومن هنا نعجب كل العجب لما أحدثه رسول الله ﷺ في الإنسانية من نهضة وتطور في زمن يقل عن ثلاثة وعشرين عاما، فقد أوحي إليه ﷺ وهو ابن أربعين، وتوفي وهو ابن ثلاث وستين. كانت ساعاته بأيام عند غيره، وما رجع من غزوة إلا وري بأخرى، وما جلس في المسجد إلا دعا ونصح وبلغ، يلقى جبريل، ويلقى أصحابه، ويلقى أعداءه، ويدير مملكة يحاربها خصوم ألداء من جهات متعددة، ويطبق شريعة الله، ويقضي بين الناس، وهو القائد في الحرب، الوالد في السلم، ولقد عظمت المسئولية لعظمة المسئول. حقا. إن المرء ليعجب، ولا يعجب من سؤال الصحابة بعضهم بعضا عن عمره ﷺ ، ما قضاه منه في مكة بعد البعثة وقبل الهجرة، وما قضاه ﷺ بالمدينة بعد الهجرة. صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.

стр. 5140

-[المباحث العربية]- (بعثه الله على رأس أربعين سنة) أي أوحى إليه عند تمامه أربعين سنة. (فأقام بمكة عشر سنين) أي بعد بدء الوحي. (وبالمدينة عشر سنين) ابتداء من الهجرة، حتى الوفاة. (وتوفاه الله على رأس ستين سنة) من تاريخ ولادته. (كم كان النبي ﷺ بمكة؟ ) أي كم سنة أقام بمكة بعد أن بعث؟ وفي ملحق الرواية الرابعة "كم لبث النبي ﷺ بمكة"؟ (فإن ابن عباس يقول: بضع عشرة) فسر البضع في الرواية السادسة بثلاث ولفظها "مكث بمكة ثلاث عشرة" أي بعد أن بعث. (قال: فغفره) بفتح الغين، وتشديد الفاء المفتوحة، أي دعا عروة لابن عباس بالمغفرة، قال النووي: هكذا هو في جميع نسخ بلادنا "فغفره" أي قال: غفر الله له، وهذه اللفظة يقولونها غالبا لمن غلط في شيء. فكأنه قال: أخطأ غفر الله له. قال القاضي: وفي رواية ابن ماهان "فصغره" بصاد ثم غين، أي استصغره عن معرفة هذا، وعن إدراكه وضبطه. (وقال: إنما أخذه من قول الشاعر) أي استمد ابن عباس هذا القول من قول الشاعر، وليس له علم بذلك، والشاعر المقصود هنا هو أبو قيس، صرمة بن أبي أنس، حيث يقول: ثوى في قريش بضع عشرة حجة يذكر، لو يلقى خليلا مواتيا أي يتمنى أن يلقى صاحبا يسلم ويتبعه، قال القاضي: وقد وقع هذا البيت في بضع نسخ صحيح مسلم، وليس هو في عامتها. قال النووي: وأبو قيس هذا أنصاري من بني النجار، كما قال ابن إسحق، قال: كان قد ترهب في الجاهلية، ولبس المسوح، وفارق الأوثان، واغتسل من الجنابة، واتخذ بيتا له مسجدا، لا يدخل عليه حائض ولا جنب، وقال: أعبد رب إبراهيم، فلما قدم النبي ﷺ المدينة أسلم، فحسن إسلامه، وهو شيخ كبير، وكان قوالا بالحق، وكان معظما لله تعالى في الجاهلية يقول الشعر في تعظيمه . اهـ. (فذكروا سني رسول الله ﷺ بكسر السين وكسر النون مخففة، وأصلها "سنين" حذفت النون للإضافة، لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، أي تذاكروا عمر النبي ﷺ ، وعدد السنين التي عاشها. (كان أبو بكر أكبر من رسول الله ﷺ وهذا خطأ باتفاق الجمهور. (مات رسول الله ﷺ وهو ابن ثلاث وستين، وأبو بكر وعمر) الخبر محذوف للعلم به من المقام، أي وأبو بكر وعمر ماتا وكل منهما ابن ثلاث وستين.

стр. 5141

(وأنا ابن ثلاث وستين) يقول معاوية: وأنا الآن ابن ثلاث وستين. والجملة مستأنفة، يقصد وأنا أتوقع موافقتهم، فأموت في سنتي هذه، قيل: عاش سبعا وسبعين سنة. (عن عمار، مولى بني هاشم، قال: سألت ابن عباس: كم أتى لرسول الله ﷺ يوم مات؟ ) أي كم من الدهر والسنين أتى على حياته ﷺ يوم مات؟ (ما كنت أحسب مثلك من قومه يخفى عليه ذاك) ظن ابن عباس أن عمارا يسأل لخفاء الأمر عليه، ليعلم، والحقيقة أن عمارا كان يسأل للتقرير، وليتأكد من الخبر الشائع عن شذوذ ابن عباس بقوله. ولذلك كان جوابه: إني قد سألت الناس - أي الصحابة - فاختلفوا علي، فأحببت أن أعلم قولك في هذا الأمر. (قال: أتحسب) بضم السين، من الحساب، أي أتعرف الجمع؟ (أربعين بعث لها) أي بعث عندها. أضف إليها. (خمس عشرة بمكة، يأمن ويخاف) أي بعد أن أوحي إليه أقام بمكة خمس عشرة سنة، يسر بالدعوة ويجهر بها. (وعشر من مهاجرة إلى المدينة) "عشر" غير منون، على نية الإضافة، أي وعشر سنين، مبتدئة من تاريخ هجرته إلى وفاته. (أقام النبي ﷺ بمكة خمس عشرة سنة، يسمع الصوت، ويرى الضوء سبع سنين، ولا يرى شيئا، وثمان سنين يوحى إليه) قال القاضي: أي يسمع صوت الهاتف به من الملائكة، ويرى نور الملائكة، أو نور آيات الله، حتى رأى الملك بعينيه، وشافهه بوحي الله تعالى. -[فقه الحديث]- يحسن بنا أن نسرد الأقوال منضبطة، ثم نرجح أو نجمع بينها، أو نختار. فعن تاريخ ميلاده ﷺ يقول النووي: ولد عام الفيل على الصحيح المشهور، وقيل: بعد الفيل بثلاث سنين، وقيل: بأربع سنين، وادعى القاضي عياض الإجماع على عام الفيل، وليس كما ادعى. واتفقوا على أنه ولد يوم الإثنين في شهر ربيع الأول، واختلفوا: هل هو ثاني الشهر؟ أم ثامنه؟ أم عاشره؟ اهـ. وهذه الأقوال غير منسجمة، فإذا كان هناك اتفاق على يوم الإثنين أمكن تحديد وضعه من الشهر هكذا. ثانيه أو تاسعه؟ أو سادس عشره؟ . أما أن يكون الإثنين ثانيا أو ثامنا أو عاشرا أو ثاني عشره فغير معقول. وسبب هذا الاختلاف أن العرب لم يكونوا يكتبون، ولا يقيدون المواليد، والإنسان يحتاج تاريخ الميلاد غالبا عندما يصبح مهما، أي بعد ميلاده بفترة، تنسى تاريخ الميلاد غالبا.

стр. 5142

أما تاريخ وفاته ﷺ فقد اتفقوا على أنه توفي يوم الإثنين، الثاني عشر من شهر ربيع الأول، ضحى. وأما متى بعث؟ وعند أي سنة من عمره أوحي إليه، فالصواب المشهور أنه ﷺ بعث على رأس أربعين من عمره، وحكى القاضي عياض عن ابن عباس وسعيد بن المسيب رواية شاذة "أنه ﷺ بعث على رأس ثلاث وأربعين سنة. ولعل هذه الرواية حسبت البعثة من تاريخ عودة الوحي بعد أن فتر. واتفقوا على أنه ﷺ أقام بالمدينة بعد الهجرة عشر سنين. والخلاف الواضح في الروايات إنما هو في المدة التي أقامها بمكة بعد البعثة، مما ترتب على هذا الخلاف خلاف في عمره ﷺ ككل. فالرواية الأولى تصرح بأنه ﷺ أقام بمكة بعد البعثة عشر سنين، وبعث على رأس الأربعين، وأقام بالمدينة عشر سنين، فتوفي على رأس الستين، وهي مروية عن أنس ﵁. وفي البخاري عن عائشة وابن عباس. والرواية الرابعة وملحقها تنسب لعروة أنه ﷺ أقام بمكة بعد البعثة عشر سنين وأن عروة أنكر على ابن عباس قوله "ثلاث عشرة" وعليه فعروة يعتبر عمره ﷺ حين وفاته ستين سنة، على خلاف ما عليه الجمهور، وما نسب إلى ابن عباس في الرواية الرابعة والخامسة والسادسة يتفق مع قول الجمهور، وقد روي أيضا في البخاري عن عائشة ﵂. أما الرواية التاسعة فتنسب لابن عباس أن الإقامة بمكة بعد البعثة خمس عشرة سنة، والبعثة على رأس الأربعين، فيكون عمره ﷺ حين الوفاة خمسا وستين، وقد صرحت بذلك الرواية العاشرة، فيكون هذا رأيا لابن عباس مخالفا للجمهور. فتحصل من هذا: قول بأنه ﷺ توفي وهو ابن ستين سنة. وقول بأنه ﷺ توفي وهو ابن خمس وستين سنة. وقول بأنه ﷺ توفي وهو ابن ثلاث وستين سنة. قال النووي: وهو أصح الأقوال وأشهرها، رواه مسلم هنا من رواية عائشة وأنس وابن عباس، ﵃. وتأول الجمهور الروايات الأخرى، تأول رواية الستين بأنه اقتصر فيها على العقود، وترك الكسر، وتأول روايات الخمس والستين بالجبر إلى نصف العقد، أو أن هذه الروايات حصل فيها اشتباه، فلصاحبها روايات بخلافها.

стр. 5143

قال الحافظ ابن حجر: والحاصل أن كل من روى عنه من الصحابة ما يخالف المشهور - وهو ثلاث وستون - جاء عنه المشهور، وهم ابن عباس وعائشة وأنس. ثم قال: ومن الشذوذ ما رواه عمر بن شبة أنه عاش إحدى أو اثنتين وستين، ولم يبلغ ثلاثا وستين وكذا رواه ابن عساكر من وجه آخر أنه عاش اثنتين وستين ونصفا، وهذا يصح على قول من قال: ولد في رمضان، وهو قول شاذ. والله أعلم

стр. 5144

(٦٢٤) باب في أسمائه ﷺ ٥٣١٧ - عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه ﵁، أن النبي ﷺ قال: "أنا محمد. وأنا أحمد. وأنا الماحي الذي يمحى بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على عقبي. وأنا العاقب". والعاقب الذي ليس بعده نبي. ٥٣١٨ - عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه ﵁؛ أن رسول الله ﷺ قال: "إن لي أسماء. أنا محمد. وأنا أحمد. وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر. وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي. وأنا العاقب الذي ليس بعده أحد". وقد سماه الله رءوفا رحيما. ٥٣١٩ - وفي حديث شعيب ومعمر: سمعت رسول الله ﷺ . وفي حديث عقيل: قال: قلت: للزهري: وما العاقب؟ قال: الذي ليس بعده نبي. وفي حديث معمر وعقيل: الكفرة. وفي حديث شعيب: الكفر. ٥٣٢٠ - عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يسمي لنا نفسه أسماء. فقال: "أنا محمد، وأحمد، والمقفي، والحاشر، ونبي التوبة، ونبي الرحمة". -[المعنى العام]- كثير من الأسماء يلحظ واضعوها مشتقها ومعناها، تيمنا وتفاؤلا ورغبة في أن يكون المسمى له نصيب من اسمه، ولهذا كان النبي ﷺ يغير الأسماء القبيحة أو التي تبعث الشؤم في نفس السامع إلى أسماء حسنة مبشرة. لقد توفي عبد الله والد محمد ﷺ ومحمد في بطن أمه، فلما ولد سماه جده عبد المطلب محمدا، رجاء أن يحمد في السموات وفي الأرض، وكان الرهبان يبشرون الناس بأن نبيا في ذاك الزمان

стр. 5145

سيبعث، واسمه محمد، فبدأ الآباء يسمون أبناءهم محمدا، أملا في أن يكون هو النبي ﷺ المنتظر، حتى بلغ اسم محمد في تلك الآونة خمسة عشر، بعد أن لم يكن معروفا عند العرب، وكانت توراة عيسى بشرت بهذا النبي ﷺ وسمته "أحمد" قال عيسى ﵇ ﴿ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد﴾ [الصف: ٦]. وقد جرت العادة بأن يسمى العظماء أسماء مشتقة من مجال عظمتهم، تسجيلا لهذه الأعمال مرتبطة بأصحابها في سجل التاريخ، فسمي عمر ﵁ بالفاروق، وسمي أبو بكر ﵁ بالصديق، وهكذا كان من أسمائه ﷺ "الماحي" لأنه يمحو ظلام الكفر عن رقعة كبرى من الأرض، و"الحاشر" الذي سيقود العالم في الحشر يوم القيامة، و"العاقب" الذي كان بعد الأنبياء ولا نبي بعده و"المقفي" أي التابع للرسل السابقين، والمتبوع من أمته، و"نبي التوبة" و"نبي الرحمة" لما تفضل الله به على أمته من قبول توبتهم إذا عصوا فتابوا رحمة بهم. وهو المبشر المنذر الداعي إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة. ولو ذهبنا نسمي رسول الله ﷺ بما وصفه الله به من صفات المجد والشرف لبلغنا بأسمائه ألفا أو يزيد، صلى الله وسلم وبارك عليه. -[المباحث العربية]- (أنا محمد) قال أهل اللغة: يقال: رجل محمد، ومحمود، إذا كثرت خصاله المحمودة، فهذا منقول من صفة الحمد، من باب التفعيل، يقال: حمد بتشديد الميم المكسورة وضم الحاء، وهو بمعنى محمود، وفيه معنى المبالغة، أي الذي حمد مرة بعد مرة، أو الذي تكاملت فيه الخصال المحمودة. قال القاضي عياض: لم يكن العرب يسمون محمدا، إلا قرب ميلاده ﷺ ، لما سمعوا من الكهان والأحبار، أن نبيا سيبعث في ذلك الزمان، يسمى محمدا، فرجوا أن يكون في أبنائهم، فسموا أبناءهم بذلك، قال: وهم ستة لا سابع لهم، ورد الحافظ ابن حجر هذا الحصر، وأوصلهم خمسة عشر نفسا، وسردهم في فتح الباري، وقد تكرر اسم محمد في القرآن الكريم. (وأنا أحمد) وذكر هذا الاسم في القرآن، حكاية عن قول عيسى ﵇ ﴿ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد﴾ وهو أفعل تفضيل في الأصل، ثم صار علما منقولا من صفة، ومعناه أحمد الحامدين، قالوا: وسبب ذلك ما ثبت في الصحيح أنه يفتح عليه في المقام بمحامد لم يفتح بها على أحد قبله، وقيل: الأنبياء حمادون، وهو أحمدهم، أي أكثرهم حمدا، أو أعظمهم في صفة الحمد. قال القاضي عياض: كان رسول الله ﷺ "أحمد" قبل أن يكون "محمدا" كما وقع في الوجود، لأن تسميته "أحمد" وقعت في الكتب السالفة، وتسميته "محمدا" وقعت في القرآن العظيم، وذلك أنه حمد ربه قبل أن يحمده الناس، وكذلك في الآخرة، يحمد ربه، فيشفعه، فيحمده الناس، وقد خص بسورة الحمد، وبلواء الحمد، وبالمقام المحمود، وشرع له الحمد بعد الأكل والشرب، وبعد الدعاء، وبعد القدوم من السفر، وسميت أمته الحمادين، فجمعت له معاني الحمد وأنواعه، ﷺ .

стр. 5146

(وأنا الماحي الذي يمحى بي الكفر) في الرواية الثانية "وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر" قيل: المراد إزالة الكفر من جزيرة العرب، فـ "ال" في "الكفر" عهدية، أي كفر أهل الجزيرة، والتقييد بذلك لأن الكفر لم ينمح به من جميع البلاد، وقيل: إنه محمول على الأغلب، أي ينمحي به أغلب الكفر، وفي رواية "يمحو الله به الكفرة" والمراد كفر الكفرة، ففي الكلام مضاف محذوف، وقيل المراد من المحو المحو العام، بمعنى الظهور بالحجة والغلبة، كما قال الله تعالى ﴿ليظهره على الدين كله﴾ [الصف: ٩] وجاء في حديث آخر تفسير الماحي بأنه الذي محيت به سيئات من اتبعه، ففي الكلام مضاف محذوف أيضا، أي محيت به سيئات الكفر السابقة على الإيمان، فهو كقوله تعالى ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ [الأنفال: ٣٨] والحديث الصحيح "الإسلام يهدم ما قبله". (وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على عقبي) وفي الرواية الثانية "على قدمي" قال النووي: اتفقت النسخ على أنها "على قدمي" لكن ضبطوه بتخفيف الياء على الإفراد، وتشديدها على التثنية، وأما الرواية الأولى فهي في معظم النسخ، وفي بعضها "قدمي" كالثانية، قال العلماء: معناهما يحشرون على أثري، وزمان نبوتي ورسالتي، ولبس بعدي نبي، وقيل: يتبعوني، وقيل: معناه إنه أول من يحشر، كما جاء في الحديث الآخر "أنا أول من تنشق عنه الأرض"، وفي رواية "وأنا حاشر، بعثت مع الساعة" وهي تؤيد الرأي الأول. (وأنا العاقب الذي ليس بعده أحد) من الأنبياء، ففي الرواية الأولى يفسرها الراوي بقوله "والعاقب الذي ليس بعده نبي" وفي ملحق الرواية الثانية "قال عقيل: قلت للزهري: وما العاقب؟ قال: الذي ليس بعده نبي" فهذا التفسير ظاهره الإدراج. بخلاف ما في الرواية الأولى، ويؤيدها رواية الترمذي، ولفظها "الذي ليس بعدي نبي". (وقد سماه الله رءوفا رحيما) قال البيهقي في الدلائل: هذه العبارة مدرجة من قول الزهري. (والمقفي) بكسر الفاء المشددة، قال شمر: هو بمعنى العاقب، وقال ابن الأعرابي: هو المتبع للأنبياء، يقال: قفوته، أقفوه، وقفيته بتشديد الفاء المفتوحة، أقفيه، إذا اتبعته، وقافية كل شيء آخره. (ونبي التوبة، ونبي الرحمة) أي النبي الذي جاء بالتوبة لأمته، وبالتراحم أكثر من أي نبي آخر، قال تعالى ﴿رحماء بينهم﴾ [الفتح: ٢٩] وقال ﴿وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة﴾ [البلد: ١٧]. -[فقه الحديث]- ذكر أبو بكر بن العربي في كتابه: الأحوذي في شرح الترمذي عن بعضهم أن لله تعالى ألف اسم، وللنبي ﷺ ألف اسم، ثم ذكر منها على التفصيل بضعة وستين، وفي رواية للبخاري "لي خمسة أسماء" وذكر الخمسة التي في الرواية الأولى، وزاد عند ابن سعد "الخاتم" لكن فسر عند البيهقي

стр. 5147

"العاقب" بالخاتم، وزعم بعضهم أن حصر العدد ليس من قوله ﷺ ، وإنما ذكره الراوي بالمعنى، قال الحافظ ابن حجر: وفيه نظر، لتصريحه في الحديث بقوله "إن لي خمسة أسماء" والذي يظهر أنه أراد أن لي خمسة أسماء أختص بها، لم يسم بها أحد قبلي، أو خمسة أسماء معظمة أو مشهورة في الأمم الماضية، لا أنه أراد الحصر فيها. قال: ومما وقع من أسمائه في القرآن بالاتفاق: الشاهد، والمبشر والنذير، والمبين، والداعي إلى الله، والسراج المنير، وفيه أيضا: المذكر والرحمة، والنعمة، والهادي، والشهيد، والأمين، والمزمل، والمدثر، وله في الأحاديث: المتوكل، قال: ومن أسمائه المشهورة: المختار، والمصطفى، والشفيع، والمشفع، والصادق، والمصدوق. قال: وغالب الأسماء التي ذكرها المصنفون وصف بها ﷺ ، ولم يرد الكثير منها على سبيل التسمية، مثل "اللبنة" لحديث "فكنت أنا اللبنة" وفي بعض الأحاديث "نبي الملحمة" و"نبي الجهاد". والله أعلم

стр. 5148

(٦٢٥) باب علمه ﷺ بالله، وشدة خشيته له ٥٣٢١ - عن عائشة ﵂ قالت: صنع رسول الله ﷺ أمرا فترخص فيه. فبلغ ذلك ناسا من أصحابه، فكأنهم كرهوه وتنزهوا عنه. فبلغه ذلك. فقام خطيبا فقال: "ما بال رجال بلغهم عني أمر ترخصت فيه. فكرهوه وتنزهوا عنه. فوالله! لأنا أعلمهم بالله وأشدهم له خشية". ٥٣٢٢ - عن عائشة ﵂ قالت: رخص رسول الله ﷺ في أمر، فتنزه عنه ناس من الناس. فبلغ ذلك النبي ﷺ فغضب حتى بان الغضب في وجهه، ثم قال: "ما بال أقوام يرغبون عما رخص لي فيه. فوالله! لأنا أعلمهم بالله وأشدهم له خشية". -[المعنى العام]- يقول الله تعالى ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ [الذاريات: ٥٦] أي إلا ليعبدوه لمصلحتهم هم، فيثابون، وينعمون، فالله لا تنفعه طاعة المطيعين، ولا تضره معصية العاصين، ولو أن أهل السموات والأرض كانوا على أتقى قلب رجل واحد، ما زاد ذلك في ملكه شيئا، ولو أن أهل السموات والأرض كانوا على أفجر قلب رجل واحد، ما نقص ذلك من ملكه شيئا، ﴿إن الله لغني عن العالمين﴾ [العنكبوت: ٦] ﴿ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وءامنتم وكان الله شاكرا عليما﴾ [النساء: ١٤٧] ﴿ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون﴾ [المائدة: ٦]. فعبادة العابدين علامة على السمع والطاعة والاعتراف بالعبودية والخضوع، وظاهرة من ظواهر شكر المنعم على ما أنعم، وهي من هذه الحيثية لا تتأثر بالزيادة والمبالغة والغلو، بل ترتبط ارتباطا وثيقا بالعلم القلبي، والتصديق القلبي، فقد سبق درهم ألف درهم عند الله، كما قال رسول الله ﷺ . ومهما بالغ الإنسان في العبادة فلن يبلغ عشر معشار من عبادة الملائكة الذين منهم الراكع أبدا، ومنهم الساجد أبدا، ومنهم الذاكر أبدا، ﴿لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون﴾ [التحريم: ٦]. وللإنسان طاقة، إذا استنفدها - ولو في العبادة - وفي وقت قصير، خلت بقية الأوقات، وإن خير الأعمال ما داوم عليها فاعلها، وإن قلت، فالمداومة وحدها ارتباط متصل بين

стр. 5149

العبد وربه، وقد قيل: قليل دائم، خير من كثير ينقطع، والمبالغة، والغلو يعقبهما - غالبا - الملل، والملل من العبادة معصية، قد تأتي على ثواب ما قبلها، وفي الحديث "أوغل في الدين برفق، فإن المنبت لا أرضا قطع، ولا ظهرا أبقى" ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ [الحج: ٧٨] ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ [البقرة: ١٨٥]. من هنا كان ﷺ حريصا على عدم مغالاة أصحابه في دين الله، بل كان يريد عبادة ربه بشيء، فيتركه، مخافة أن يقتدي به أصحابه، فيشق عليهم، كما فعل ﷺ في قيام رمضان، وكان إذا رأى تعمقا أو رغبة في التعمق من أصحابه غضب، ولجأ إلى المنبر ينبه الجميع إلى الترفق بأنفسهم، ويدعو إلى الترخص برخص الله، اقتداء به ﷺ ، فهو أعلم الناس بالله، وهو أتقاهم، وأخشاهم لله، ولكنه ﷺ ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما، كان يصوم ويفطر مع أنه قادر على الصوم أبدا، إذ يطعمه ربه ويسقيه، ويقوم وينام، ويتمتع بالنساء كما يتمتع بالصلاة، فهو رسول الله وسط لدين وسط، لأمة وسط. ﷺ ورضي عن آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. -[المباحث العربية]- (صنع رسول الله ﷺ أمرا، فترخص فيه) أي فاختار الرخصة واليسر، وقد أومأ ابن بطال إلى أن الذي صنعه ﷺ وتنزهوا عنه هو القبلة للصائم، وقال غيره: لعله الفطر في السفر. (فبلغ ذلك ناسا من أصحابه، فكأنهم كرهوه، وتنزهوا عنه) في الرواية الثانية بدون تشبيه، بل بالجزم، ولفظها "فتنزه عنه ناس من الناس" أي جماعة من الصحابة، بحجة أنه ﷺ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فإذا ترخص في شيء لم يكن غيره مثله، ممن لم يغفر له ذلك، إذ يحتاج الذي لم يغفر له إلى الأخذ بالعزيمة، والشدة لينجو. (ما بال رجال بلغهم عني أمر، ترخصت فيه، فكرهوه وتنزهوا عنه؟ ) البال هو الحال، والاستفهام إنكاري توبيخي، أي ما كان ينبغي أي يكون حالهم كذلك، وفي الرواية الثانية "فغضب، حتى بان الغضب في وجهه، ثم قال: ما بال أقوام يرغبون عما رخص لي فيه"؟ (فوالله لأنا أعلمهم بالله، وأشدهم له خشية) معناه: أنهم يتوهمون أن تنزههم عما فعلت أقرب لهم عند الله، وإن فعلت خلاف ذلك، وليس كما توهموا، بل أنا أعلمهم بالله، وأشدهم له خشية وإنما يكون القرب إليه ، والخشية له على حسب ما أمر، لا بمخيلات النفوس، وتكلف أعمال لم يأمر بها، قاله النووي. وجمع بين العلم بالله، وشدة الخشية له، ليجمع بين القوة العلمية، والقوة العملية.

стр. 5150

-[فقه الحديث]- كان رسول الله ﷺ رحيما بأمته، يعز عليه عنتهم ومشقتهم، فكان يباعد بينهم وبين المغالاة في الدين، كما كان يخفف عنهم العقاب، إذا فعلوا ما يجوز لهم من الأخذ بالشدة، فلا يواجه المتعمق، ولا يحرجه، حياء منه ﷺ ، وسترا عليه، فلا يعين الشخص عند العتاب، كأن يقول له: ما بالك يا فلان فعلت كذا؟ أو ما بال فلان يفعل كذا؟ فهو في هذه الحالة التي يستخدمها ﷺ كأنه لم يواجه المخطئ وإن كان موجودا في جملة المخاطبين. وقد أخرج مسلم في كتاب الصيام عن عائشة ﵂ "أن رجلا قال: يا رسول الله، إني أصبح جنبا، وأنا أريد الصيام، فأغتسل وأصوم؟ فقال رسول الله ﷺ : وأنا تدركني الصلاة، وأنا جنب، فأصوم، فقال يا رسول الله، إنك لست مثلنا؟ قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فغضب رسول الله ﷺ ، وقال: إني أرجو أن أكون أخشاكم لله، وأعلمكم بما أتقي" ونحو هذا في حديث أنس المذكور في كتاب النكاح. "أن ثلاثة رهط سألوا عن عمل رسول الله ﷺ في السر" الحديث. وفيه قولهم "وأين نحن من رسول الله ﷺ ؟ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر" وفيه قوله لهم "والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء". -[ويؤخذ من الحديث]- ١ - الحث على الاقتداء بالنبي ﷺ في أفعاله وأقواله. والأصل فيه قوله تعالى ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ [الأحزاب: ٢١] وقد ذهب جمع إلى وجوبه، لدخوله في عموم الأمر، بقوله تعالى ﴿وما ءاتاكم الرسول فخذوه﴾ [الحشر: ٧] وبقوله ﴿فاتبعوني يحببكم الله﴾ [آل عمران: ٣١] وبقوله تعالى ﴿فاتبعوه﴾ [الأنعام: ١٥٣، ١٥٥] فيجب اتباعه في فعله، كما يجب اتباعه في قوله، حتى يقوم دليل على الندب أو الخصوصية، وقال آخرون: يحتمل الوجوب والندب والإباحة، فيحتاج إلى القرينة، والجمهور للندب، إذا ظهر وجه القربة، وقيل: ولو لم يظهر، ومنهم من فصل بين التكرار وعدمه، وقال آخرون: ما يفعله ﷺ ، إن كان بيانا لمجمل، فحكمه حكم ذلك المجمل، وجوبا أو ندبا أو إباحة، فإن ظهر وجه القربة فللندب، وما لم يظهر فيه وجه التقرب فللإباحة. وأما تقريره ﷺ على ما يفعل بحضرته فيدل على الجواز، وإذا تعارض فعله وقوله. قيل: يقدم القول، لأن له صيغة، تتضمن المعاني، بخلاف الفعل، وقيل: يقدم الفعل، لأنه لا يطرقه من الاحتمال ما يطرق القول، ثالث الأقوال: يلجأ إلى الترجيح، وكل ذلك ما لم تقم قرينة تدل على الخصوصية. وذهب الجمهور إلى القول الأول والحجة له أن القول يعبر عنه عن المحسوس والمعقول، بخلاف الفعل، فيختص بالمحسوس، فكان القول أتم، وبأن القول متفق على أنه دليل، بخلاف الفعل، ولأن القول يدل بنفسه، بخلاف الفعل، فيحتاج إلى واسطة، وبأن تقديم
следующие страницы →