Полный текст (6 200 стр.). Показаны 5216–5255 · переход к 5221.
стр. 5216
(٦٣٢) باب من فضائل أبي بكر الصديق ﵁
٥٣٧١ - عن أنس بن مالك ﵁ أن أبا بكر الصديق ﵁ حدثه قال: نظرت إلى أقدام المشركين على رءوسنا ونحن في الغار. فقلت: يا رسول الله! لو أن أحدهم نظر إلى قدميه أبصرنا تحت قدميه. فقال: "يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما".
٥٣٧٢ - عن أبي سعيد ﵁ أن رسول الله ﷺ جلس على المنبر فقال: "عبد خيره الله بين أن يؤتيه زهرة الدنيا وبين ما عنده. فاختار ما عنده" فبكى أبو بكر. وبكى. فقال: فديناك بآبائنا وأمهاتنا. قال: فكان رسول الله ﷺ هو المخير. وكان أبو بكر أعلمنا به. وقال رسول الله ﷺ : "إن أمن الناس علي في ماله وصحبته أبو بكر. ولو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا. ولكن أخوة الإسلام. لا تبقين في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر".
٥٣٧٣ - وفي رواية عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: خطب رسول الله ﷺ الناس يوما. بمثل حديث مالك.
٥٣٧٤ - عن عبد الله بن مسعود ﵁ يحدث عن النبي ﷺ أنه قال: "لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا. ولكنه أخي وصاحبي. وقد اتخذ الله صاحبكم خليلا".
٥٣٧٥ - عن عبد الله ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "لو كنت متخذا من أمتي أحدا خليلا لاتخذت أبا بكر".
٥٣٧٦ - عن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لو كنت متخذا خليلا لاتخذت ابن أبي قحافة خليلا".
стр. 5217
٥٣٧٧ - عن عبد الله ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت ابن أبي قحافة خليلا، ولكن صاحبكم خليل الله".
٥٣٧٨ - عن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ألا إني أبرأ إلى كل خل من خله. ولو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا. إن صاحبكم خليل الله".
٥٣٧٩ - عن عمرو بن العاص ﵁ أن رسول الله ﷺ بعثه على جيش ذات السلاسل. فأتيته فقلت: أي الناس أحب إليك؟ قال: "عائشة" قلت: من الرجال؟ قال: "أبوها" قلت: ثم من؟ قال: "عمر" فعد رجالا.
٥٣٨٠ - عن عائشة ﵂ وسئلت: من كان رسول الله ﷺ مستخلفا لو استخلفه؟ قالت: أبو بكر. فقيل لها: ثم من بعد أبي بكر؟ قالت: عمر، ثم قيل لها: من بعد عمر؟ قالت: أبو عبيدة بن الجراح. ثم انتهت إلى هذا.
٥٣٨١ - عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه ﵁، أن امرأة سألت رسول الله ﷺ شيئا فأمرها أن ترجع إليه. فقالت: يا رسول الله! أرأيت إن جئت فلم أجدك؟ قال أبي: - كأنها تعني الموت- قال: "فإن لم تجديني فأتي أبا بكر".
٥٣٨٢ - وفي رواية عن جبير بن مطعم ﵁ أن امرأة أتت رسول الله ﷺ فكلمته في شيء، فأمرها بأمر. بمثل حديث عباد بن موسى.
٥٣٨٣ - عن عائشة ﵂ قالت: قال لي رسول الله ﷺ في مرضه:
стр. 5218
"ادعي لي أبا بكر أباك، وأخاك، حتى أكتب كتابا. فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل: أنا أولى. ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر".
٥٣٨٤ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من أصبح منكم اليوم صائما؟ " قال أبو بكر: أنا. قال: "فمن تبع منكم اليوم جنازة؟ " قال أبو بكر: أنا. قال: "فمن أطعم منكم اليوم مسكينا؟ " قال أبو بكر: أنا. قال: "فمن عاد منكم اليوم مريضا؟ " قال أبو بكر: أنا. فقال رسول الله ﷺ : "ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة".
٥٣٨٥ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "بينما رجل يسوق بقرة له، قد حمل عليها، التفتت إليه البقرة فقالت: إني لم أخلق لهذا. ولكني إنما خلقت للحرث" فقال الناس: سبحان الله! تعجبا وفزعا. أبقرة تكلم؟ فقال رسول الله ﷺ : "فإني أومن به وأبو بكر وعمر" قال أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ : "بينا راع في غنمه، عدا عليه الذئب فأخذ منها شاة. فطلبه الراعي حتى استنقذها منه. فالتفت إليه الذئب فقال له: من لها يوم السبع، يوم ليس لها راع غيري؟ " فقال الناس: سبحان الله! فقال رسول الله ﷺ : "فإني أومن بذلك. أنا وأبو بكر وعمر".
٥٣٨٦ - وفي رواية عن ابن شهاب بهذا الإسناد قصة الشاة والذئب. ولم يذكر قصة البقرة.
٥٣٨٧ - وفي رواية عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ بمعنى حديث يونس عن الزهري. وفي حديثهما ذكر البقرة والشاة معا. وقالا في حديثهما: "فإني أومن به أنا وأبو بكر وعمر" وما هما ثم.
стр. 5219
-[المعنى العام]-
إنما يعرف الفضل للناس ذووه، وذكر الفضائل، والثناء على من يستحق الثناء حق لأهل الخير، وعلى من انتفع منهم، ﴿هل جزاء الإحسان إلا الإحسان﴾ [الرحمن: ٦٠] "من أسدى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تقدروا فادعوا له"
إن تسجيل الفضائل والتنويه بها نوع من أنواع شكرها والله تعالى يقول ﴿فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون﴾ [البقرة: ١٥٢] ويقول ﴿لئن شكرتم لأزيدنكم﴾ [إبراهيم: ٧].
وتسجيل الفضائل والتنويه بها رد لبعض جميل صاحبها، وحث وترغيب للاقتداء به، ومعرفة قدره، ومن هنا عقد علماء الحديث كتابا لفضائل الصحابة، ومن هنا أثنى ﷺ على أصحابه وذكر مآثر لكثير منهم، ورفع من قدر أعمالهم وجهادهم.
فأثنى بالدرجة الأولى على أبي بكر الصديق ﵁، أول من أسلم من الرجال، وكان إيمانه تصديقا لا نظير له، حتى لقب بالصديق، وأنفق على الدعوة كل ماله، أسلم وهو يملك أربعين ألف درهم أنفقها كلها في سبيل الإسلام، اشترى العبيد الذين أسلموا، وأوذوا لإسلامهم، وأعتقهم، وأنفق على هجرة الرسول ﷺ وزوج رسول الله ﷺ ابنته عائشة ﵂ فكانت بلسما لجراحه، وأنسا وسعادة لحياته في بيته، وشاركه في جميع غزواته، وجاهد في الله حق جهاده، وكان كوزيره الأول في إدارة شئون أمته، وكان الأخ الأول في أخوة الإسلام، وكان ثاني اثنين إذ هما في الغار، وكان رفيق رحلة الهجرة، بل كان خير من يرافق في السفر روي أنه كان في هذه الرحلة يتقدم رسول الله ﷺ تارة، ويتأخر عنه أخرى فلما سئل قال: أخشى الرصد من أمامنا فأتقدم لحماية الرسول ﷺ والصد عنه، وأخشى الملاحقة والمتابعة من خلفنا، فأتأخر للدفاع عنه.
لقد كان أحب الرجال إليه ﷺ وأول من يثق فيه من أصحابه والمرشح الأول من جهته للخلافة، ولقد هم ﷺ أن يعينه خليفة من بعده، لكنه - وبالوحي - علم أنه سيكون كذلك عن طريق الأمة، فقال: لقد هممت أن أكتب كتابا أوصي فيه بخلافة أبي بكر ولكني قلت: يأبى الله إلا خلافة أبي بكر، كتبت أو لم أكتب ويدفع المؤمنون الطامعين في الخلافة.
نعم أعطى رسول الله ﷺ إشارات واضحة لاستخلاف أبي بكر، فأمر بسد فتحات البيوت المحيطة بالمسجد، والتي يدخل منها الناس في المسجد إلا فتحته ﷺ وفتحة بيت أبي بكر.
ويعد ﷺ امرأة أن تأتيه بعد عام، فتقول المرأة: فإن لم أجدك بعد عام؟ فيقول لها: فائت أبا بكر، ويعينه ﷺ رئيسا وإماما للمسلمين في حجتهم سنة تسع من الهجرة، قبل أن يحج بهم ﷺ وأخيرا وفي مرضه ﷺ حين عجز عن إمامة الناس في المسجد قال: مروا أبا بكر فليصل بالناس. فصلى أبو بكر بالناس ثلاثة أيام أو نحوها بدلا عن رسول الله ﷺ ، ولهذا قال قائل الصحابة: ائتمنه رسول الله ﷺ على ديننا، أفلا نأتمنه على دنيانا؟ ﵁ وأرضاه وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
стр. 5220
-[المباحث العربية]-
(من فضائل أبي بكر) واسمه عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد ابن تيم ابن مرة بن كعب بن لؤي القرشي التيمي، أبو بكر الصديق بن أبي قحافة، ولد بعد الفيل بسنتين وستة أشهر.
صحب النبي ﷺ قبل البعثة، وسبق إلى الإيمان به، واستمر معه طول الإقامة بمكة، ورافقه في الهجرة وفي الغار، وفي المشاهد كلها إلى أن مات، وكانت الراية معه يوم غزوة تبوك، وحج بالناس سنة تسع، وأسلم على يديه كثير من الصحابة، وأعتق سبعة، كلهم كان يعذب في الله، كان يشتغل بالتجارة، كان يملك أربعين ألفا، أنفقها في سبيل الله، كانت خلافته سنتين وثلاثة أشهر واثنين وعشرين يوما، توفي لثمان بقين من جمادى الآخرة، سنة ثلاث عشرة من الهجرة، وهو ابن ثلاث وستين سنة، وما ترك دينارا ولا درهما.
والفضائل جمع فضيلة، وهي الخصلة الجميلة، التي يحصل لصاحبها بسببها شرف وعلو منزلة، إما عند الحق، وإما عند الخلق.
(نظرت إلى أقدام المشركين على رءوسنا ونحن في الغار) غار ثور، ولما كان الغار تجويفا في داخل جبل، أشعر هذا التعبير بأنه كان منخفضا، إلا أنه كان ضيقا.
(ما ظنك باثنين الله ثالثهما) المراد ناصرهما ومعينهما، وإلا فالله ثالث كل اثنين بعلمه.
(جلس على المنبر فقال عبد خيره الله بين أن يؤتيه زهرة الدنيا، وبين ما عنده، فاختر ما عنده) كانت هذه الخطبة في مرضه الذي مات فيه ﷺ وفي رواية لمسلم "قبل أن يموت بخمس ليال" وفي رواية للبخاري "إن الله خير عبدا بين الدنيا، وبين ما عنده، فاختار ما عند الله" وفي رواية له عن ابن عباس ﵄ قال: خرج رسول الله ﷺ في مرضه الذي مات فيه، عاصبا رأسه بخرقة، فقعد على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: .. " وزهرة الدنيا نعيمها وأعراضها، شبهت بزهرة الروض.
(فبكى أبو بكر وبكى) معناه: بكى كثيرا، وكان أبو بكر قد فهم أن النبي ﷺ هو المقصود بالعبد المخير، بقرينة مرضه فبكى حزنا على فراقه، وانقطاع الوحي، وغيره من الخير وإنما قال ﷺ "عبد" وأبهمه، لينظر فهم أهل المعرفة ونباهة أصحاب الحذق، كذا قال النووي. والظاهر أن الإبهام لعدم إثارة العامة، وعدم إدخال الهم والحزن عليهم مبكرا ليبقوا بين الشك في البلاء وعدمه فترة، فيهون عليهم عند وقوعه.
وفي رواية للبخاري، يقول أبو سعيد الخدري "فعجبنا لبكائه، أن يخبر رسول الله ﷺ عن عبد خير؟ فكان رسول الله ﷺ هو المخير، وكان أبو بكر أعلمنا" وفي رواية "فقلت في نفسي" وفي رواية "فقال الناس: انظروا إلى هذا الشيخ يخبر رسول الله ﷺ عن عبد، وهو يقول: فديناك"؟ زاد في رواية للبخاري: "فقال رسول الله ﷺ يا أبا بكر. لا تبك".
стр. 5221
(إن أمن الناس علي في ماله وصحبته أبو بكر) قال العلماء: معناه أكثرهم جودا وسماحة لنا بنفسه وماله، قال النووي: وليس هو من المن، الذي هو الاعتداد بالصنيعة، لأنه أذى مبطل للثواب، ولأن المنة لله ولرسوله ﷺ .
وقال القرطبي: هو من الامتنان، والمراد أن أبا بكر له من الحقوق، ما لو كان لغيره نظيرها لامتن بها، ويؤيده رواية "ليس أحد أمن علي" أي يمكن أن يمن علي لما له عندي من يد وفي رواية "إن من أمن الناس علي أبا بكر" وعند الترمذي "ما لأحد عندنا يد، إلا كافأناه عليها، ما خلا أبا بكر، فإن له عندنا يدا، يكافئه الله بها يوم القيامة" زاد في رواية للطبراني "منة أعتق بلالا، ومنة هاجر بنبيه" وفي رواية له أيضا "واساني بنفسه وماله وأنكحني ابنته".
(ولو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا) في الرواية الرابعة "لو كنت متخذا من أمتي أحدا خليلا لاتخذت أبا بكر" وفي الرواية الخامسة "لو كنت متخذا خليلا لاتخذت ابن أبي قحافة خليلا" وفي الرواية السادسة "لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت ابن أبي قحافة خليلا" قال أهل اللغة: الخلة أرفع رتبة من المودة والمحبة والصداقة، ولذلك نفى الخليل، وأثبت المحب، فهو ﷺ يحب أبا بكر وعائشة وفاطمة والحسنين وغيرهم وقال الزمخشري: الخليل هو الذي يوافقك في خلالك، ويسايرك في طريقك، أو الذي يسد خللك، وتسد خلله، أو يداخلك خلال منزلك، وقيل: أصل الخلة انقطاع الخليل إلى خليله، وقيل الخليل من يتخلله سرك، وقيل: من لا يسع قلبه غيرك، قيل: أصل الخلة الاستصفاء وقيل: المختص بالمودة قال الحافظ ابن حجر: وهذا كله بالنسبة إلى الإنسان أما خلة الله للعبد فبمعنى نصره له، ومعاونته، وفي الرواية الثالثة "وقد اتخذ الله صاحبكم خليلا" وفي الرواية السادسة "ولكن صاحبكم خليل الله" ولا ينافي هذا قول أبي هريرة وأبي ذر وغيرهما "أخبرني خليلي ﷺ " فذلك جائز لهم، لأن الصحابي يحسن في حقه الانقطاع إلى النبي ﷺ وفي الرواية السابعة "ألا إني أبرأ إلى كل خل من خله" قال النووي: هما بكسر الخاء، فأما الأول فكسره متفق عليه والخل بمعنى الخليل وأما قوله "من خله" فبكسر الخاء عند جميع الرواة في جميع النسخ والخل الصداقة وصوب القاضي فتحها والمعنى على كل: أبرأ من خلة كل خليل أي أن يكون خليلي.
(ولكن أخوة الإسلام) في الرواية الثالثة "ولكنه أخي وصاحبي" وعند البخاري "ولكن أخوة الإسلام ومودته" وعند الطبراني "ولكن أخوة الإيمان والإسلام أفضل" ولا يعكر عليه اشتراك جميع الصحابة في هذه الفضيلة، لأن زيادة أبي بكر في ذلك لا تخفى.
(لا تبقين في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر) المراد بالمسجد مسجده ﷺ بالمدينة، والخوخة باب صغير، قد يكون بمصراع، وقد لا يكون، وإنما أصلها فتح في حائط، كالطاقة تفتح لأجل الضوء، ولا يشترط علوها، وحيث تكون سفلى يمكن الانتقال منها لتقريب الوصول من البيت إلى مكان مطلوب وهو المقصود هنا، ولهذا أطلق عليها - في رواية للبخاري "باب"، وقي: لا يطلق عليها "باب" إلا إذا كانت تغلق، وكان أصحاب البيوت المحيطة بالمسجد النبوي، قد فتحوا في بيوتهم خوخات في المسجد، وكان لأبي بكر بيت ملاصق، غير بيته
стр. 5222
الذي كان في السنح من عوالي المدينة، وضواحيها، وقد جاء في بعض الروايات "وأمر بسد الأبواب إلا باب علي" وسنتعرض لها في فقه الحديث، ورواية مسلم "لا تبقين" بضم التاء مع نون التوكيد مبني للمجهول، و"خوخة" بالرفع نائب فاعل، أي لا تبقى خوخة، أي لا تبقوا خوخة.
وفي رواية للبخاري "لا يبقين" بفتح الياء الأولى، مبني للمعلومات أي لا تبقى خوخة كأنه قال: لا تبقوها حتى لا تبقى فأضيف النهي إلى الخوخة، والمراد نهيهم عن إبقائها، من إضافة الشيء إلى لازمه.
وفي رواية البخاري "لا يبقين باب إلا سد، إلا باب أبي بكر" وقد ادعى بعضهم أن الباب في الحديث كناية عن الخلافة، والأمر بالسد كناية عن طلبها كأنه قال: لا يطلبن أحد الخلافة إلا أبا بكر، فإنه لا حرج عليه في طلبها. وإلى هذا جنح ابن حبان.
(عن عمرو بن العاص ﵁ أن رسول الله ﷺ بعثه على جيش ذات السلاسل) ذكر ابن سعد أن جمعا من قضاعة تجمعوا، وأراد أن يدنوا من أطراف المدينة، فدعا النبي ﷺ عمرو بن العاص فعقد له لواء أبيض وبعثه في ثلاثمائة من سراة المهاجرين والأنصار، ثم أمده بأبي عبيدة بن الجراح في مائتين، وأمره أن يلحق بعمرو وأن لا يختلفا، فأراد أبو عبيدة أن يؤم، فمنعه عمرو، وقال: إنما قدمت على مددا، وأنا الأمير، فأطاع له أبو عبيدة، فصلى بهم عمرو، وروى الحاكم "أن عمرو بن العاص أمرهم في تلك الغزوة أن لا يوقدوا نارا، وذلك في ليلة باردة، فأنكر عمر ذلك، فقال له أبو بكر: دعه، فإن رسول الله ﷺ لم يبعثه علينا إلا لعلمه بالحرب فسكت عنه" وروى ابن حبان نحو هذا وفي رواية "فقال عمرو: لا يوقد أحد منكم نارا إلا قذفته فيها، فلقوا العدو، فهزموهم، فأرادوا أن يتبعوهم، فمنعهم، فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي ﷺ فسأله، فقال: كرهت أن آذن لهم أن يوقدوا نارا، فيرى عدوهم قلتهم، وكرهت أن يتبعوهم، فيكون لهم مدد هناك. فحمد رسول الله ﷺ أمره، فقال: يا رسول الله، من أحب الناس إليك؟ .. الحديث، وكانت الغزوة في أوائل السنة الثامنة، عقب إسلام عمرو بن العاص فعند أبي عوانة وابن حبان والحاكم "قال عمرو بن العاص: بعث إلي النبي ﷺ يأمرني أن آخذ ثيابي وسلاحي فقال: يا عمرو، إني أريد أن أبعثك على جيش، فيغنمك الله ويسلمك. قلت: إني لم أسلم رغبة في المال. قال: "نعم المال الصالح للرجل الصالح".
(فأتيته فقلت: أي الناس أحب إليك؟ قال عائشة. قلت: من الرجال؟ قال: أبوها. قلت: ثم من؟ قال: عمر. فعد رجالا) كان هذا الإتيان بعد عودته من الغزوة، وبعد سؤاله ﷺ عما حدث فيها، وتبين رواية البيهقي دوافعه إلى هذا السؤال ولفظها "قال عمرو: فحدثت نفسي أنه لم يبعثني على قوم فيهم أبو بكر وعمر، إلا لمنزلة لي عنده" وقوله "فعد رجالا" أي ذكر أسماء بعد أبي بكر وعمر، ولم يذكره في أحب الناس إليه والظاهر أن ممن عدهم أبا عبيدة المذكور في الرواية التاسعة والذي جعلته عائشة ثالث وآخر من ذكر، زاد في رواية علي بن عاصم "قال: قلت في نفسي: لا أعود لمثلها، أسأل عن هذا" وفي المغازي "فسكت، مخافة أن يجعلني في آخرهم" وقيل: إن عليا ﵁ كان ممن أبهمه عمرو بن العاص، وتقول الرافضة: إن إبهامه عليا كان لما بينه وبينه، ﵃.
стр. 5223
(أرأيت) أي أخبرني.
(إن جئت فلم أجدك؟ ) قال جبير الراوي: كأنها تعني الموت، وفي رواية "تعرض بالموت ومرادها: إن جئت فوجدتك قد مت، ماذا أعمل؟ والظاهر أن هذه القصة كانت في أثناء مرضه ﷺ وكان طلب عودتها له بعد زمن.
(ادعي لي أبا بكر أباك وأخاك حتى أكتب كتابا) في رواية للبخاري "لقد هممت - أو أردت - أن أرسل إلى أبي بكر وابنه" وفي رواية "أو آتيه" قيل: يحتمل أنه ﷺ كان يستميل بذلك قلب عائشة، وكأنه يقول لها: كما أن الخلافة ستفوض إلى أبيك، فإن ذلك يقع بحضور أخيك.
قال النووي: قال القاضي: صوب بعضهم رواية "آتيه" وليس كما صوب، بل الصواب "وابنه" وهو أخو عائشة، وتوضحه رواية لمسلم "أخاك" ولأن إتيان النبي ﷺ كان متعذرا أو متعسرا، وقد عجز عن حضور الجماعة واستخلف الصديق ليصلي بالناس واستأذن أزواجه أن يمرض في بيت عائشة.
ومعنى "حتى أكتب كتابا" أي أعهد فيه بالخلافة من بعدي.
(فإني أخاف أن يتمنى متمن) الخلافة، وهو لا يستحقها، وفي رواية للبخاري "أن يقول القائلون، أو يتمنى المتمنون" بضم النون جمع متمني بكسرها. أي كراهة أن يقول القائلون: الخلافة لفلان، من غير استحقاق، أو يتمناها المتمنون ويطالبون بها من غير استحقاق.
(ويقول قائل: أنا أولى) قال النووي: في بعض النسخ المعتمدة "أنا، ولا" بتخفيف النون واللام أي يقول: أنا أحق بالخلافة، وليس كما يقول فأنا مبتدأ، خبره محذوف و"لا" متضمنة معنى جملة حالية - وفي بعض النسخ "أنا أولى" أي أحق بالخلافة قال القاضي: هذه الرواية أجودها، ورواه بعضهم "أنا ولي" بتخفيف النون وكسر اللام أي أنا أحق والخلافة لي - فأنا مبتدأ خبره محذوف، و"لي" خبر لمبتدأ محذوف والجملة الثانية معطوفة على الأولى - وعن بعضهم "أنا ولاه" بتشديد اللام أي أنا الذي ولاه النبي ﷺ ، وعن بعضهم "أنى ولاه" بتشديد النون المفتوحة، أي كيف ولاه.
(ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر) في رواية البخاري "ثم قلت: يأبى الله ويدفع المؤمنون، أو يدفع الله ويأبى المؤمنون" أي يأبى الله إلا خلافة أبي بكر، ويدفع المؤمنون خلافة غيره، أو يدفع الله خلافة غير أبي بكر ويأبى المؤمنون إلا خلافته، أي سيكون ذلك بدون عهد، فلا داعي للعهد، علم ذلك من الوحي.
(ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة) أي بدون عذاب، أو مع السابقين، وعند البخاري "فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة. ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد. ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الصيام، باب الريان. فقال أبو بكر: ما على هذا الذي يدعى من تلك الأبواب من ضرورة، وقال: هل يدعى منها كلها أحد يا رسول الله؟ قال: نعم، وأرجو أن تكون منهم يا أبا بكر".
стр. 5224
(بينما رجل يسوق بقرة له، قد حمل عليها، التفتت إليه البقرة، فقالت: إني لم أخلق لهذا ولكني إنما خلقت للحرث) في رواية للبخاري "بينما رجل راكب على بقرة، التفتت إليه، فقالت: لم أخلق لهذا، خلقت للحراثة" فتبين أن معنى قوله "قد حمل عليها" أي حمل عليها نفسه، أو نفسه ومتاعه، وقوله في روايتنا "إنما خلقت للحرث" فيه قصر ادعائي، أو إضافي، قصر قلب، فقد اتفقوا على جواز أكلها، وفي رواية للبخاري "بينما رجل يسوق بقرة، إذ ركبها فضربها ... إلخ".
(فقال الناس: سبحان الله؟ ؟ ؟ تعجبا وفزعا، أبقرة تكلم؟ ) أي تتكلم، فحذفت إحدى التاءين تخفيفا والمراد من الناس الصحابة المستمعون لهذا الحديث من النبي ﷺ والاستفهام تعجبي، والقصة مذكورة عن بني إسرائيل.
(فإني أومن به أنا وأبو بكر وعمر) وهذا محمول على أنه ﷺ كان قد أخبرهما بذلك، فصدقاه، أو أطلق ذلك لما علم عنهما من أنهما يصدقان بذلك، إذا علما بقوله، أو سمعاه منه، ولا يترددان فيه، ففي ملحق الرواية "وما هما ثم" بفتح الثاء، أي وما هما هناك في هذه الجلسة، وهو من كلام الراوي، وفي رواية للبخاري "قال أبو سلمة: وما هما يومئذ في القوم".
(عدا عليه الذئب، فأخذ منها شاة، فطلبه الراعي حتى استنقذها منه، فالتفت إليه الذئب، فقال له من لها يوم السبع؟ يوم ليس لها راع غيري؟ فقال الناس سبحان الله! ! ) الظاهر أنهما حديثان حديث البقرة، وحديث الذئب، ذكرهما أبو بكر في جلسة وأخذهما عن الرسول ﷺ في جلستين، وفي ملحق الرواية اقتصار على أحدهما، وذكرهما البخاري مجتمعتين في رواية له، وفيها "فقال له الذئب: هذا، استنقذتها مني" أي هذا اليوم استطعت أن تغلبني وتنقذها مني" فمن لها يوم السبع"؟ الاستفهام إنكاري بمعنى النفي أي فلا أحد لها ينقذها مني يوم السبع، بضم الباء وسكونها، ولكن الرواية بالضم والمراد من السبع الحيوان المعروف، أي لا أحد منكم يستطيع أن ينقذها يوم يأخذها السبع، أي أنك تهرب، وأكون أنا قربا منه، أرعى ما يفضل لي منها، ولا راعي لها حينئذ غيري وقيل: إنما يكون ذلك عند الاشتغال بالفتن، فتصير الغنم هملا فتنهبها السباع" فيصير الذئب كالراعي لها، لانفراده بها، وقوله "يوم ليس لها راع غيري" مبالغة في تمكنه منها، زاد البخاري في رواية "فقال الناس: سبحان الله! ! ذئب يتكلم؟ ".
-[فقه الحديث]-
الصحابي، من هو؟ وما حقوقه؟
قال الحافظ ابن حجر: اسم صحبة النبي ﷺ مستحق لمن صحبه أقل ما يطلق عليه اسم صحبة لغة، وإن كان العرف يخص ذلك ببعض الملازمة.
ويطلق أيضا على من رآه رؤية، ولو على بعد. وهذا الراجح إلا أنه هل يشترط في الرائي أن يكون بحيث يميز ما رآه؟ أو يكتفي بمجرد حصول الرؤية؟ محل نظر قال: وعمل من صنف في الصحابة
стр. 5225
يدل على الثاني، فإنهم ذكروا محمد بن أبي بكر الصديق وإنما ولد قبل وفاة النبي ﷺ بثلاثة أشهر وأيام، ومع ذلك فأحاديث هذا الضرب مراسيل، والخلاف الجاري بين الجمهور وبين أبي إسحاق الأسفرايني ومن وافقه على رد المراسيل مطلقا حتى مراسيل الصحابة لا يجري في أحاديث هؤلاء، لأن أحاديثهم ليست من قبيل مراسيل كبار التابعين ولا من قبيل مراسيل الصحابة الذين سمعوا من النبي ﷺ وهذا مما يلغز به، فيقال: صحابي حديثه مرسل، لا يقبله من يقبل مراسيل الصحابة، ومنهم من بالغ، فكان لا يعد في الصحابة إلا الصحبة العرفية، فقد جاء عن عاصم الأحول قال "رأى عبد الله بن سرجس رسول الله ﷺ غير أنه لم يكن له صحبة" أخرجه أحمد، كذلك روي عن سعيد بن المسيب أنه كان لا يعد في الصحابة إلا من أقام مع النبي ﷺ سنة فصاعدا، أو غزا معه غزوة فصاعدا. قال الحافظ: والعمل على خلاف هذا القول لأنهم اتفقوا على عد جمع جم في الصحابة لم يجتمعوا بالنبي ﷺ إلا في حجة الوداع، ومن اشترط الصحبة العرفية أخرج من له رؤية أو من اجتمع به لكن فارق عن قرب كما جاء عن أنس "أنه قيل له: هل بقي من أصحاب النبي ﷺ غيرك؟ قال: لا" مع أنه كان في ذلك الوقت عدد كثير ممن لقيه من الأعراب.
ومنهم من اشترط أن يكون حين اجتماعه به بالغا، وهو مردود أيضا، لأنه يخرج مثل الحسن بن علي ونحوه من أحداث الصحابة والبخاري يقول: من صحب النبي ﷺ أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه وقيد "من المسلمين" قيد يخرج به من صحبه أو رآه من الكفار، فأما من أسلم منهم بعد موته، فإن كان قوله "من المسلمين" حالا، خرج من هذه صفته وهو المعتمد.
قال: ويرد على التعريف، من صحبه أو رآه مؤمنا به، ثم ارتد بعد ذلك ولم يعد إلى الإسلام، فإنه ليس صحابيا اتفاقا، فينبغي أن يزاد فيه "ومات على ذلك" فلو ارتد ثم عاد إلى الإسلام لكن لم يره ثانيا بعد عودته، فالصحيح أنه معدود في الصحابة لإطباق المحدثين على عد الأشعث بن قيس ونحوه، ممن وقع له ذلك، وإخراجهم أحاديثهم في المسانيد.
قال الحافظ: وهل يختص جميع ذلك ببني آدم؟ أو يعم غيرهم من العقلاء؟ .
أما الجن فالراجح دخولهم لأن النبي ﷺ بعث إليهم قطعا وهم مكلفون فيهم العصاة والطائعون فمن عرف اسمه منهم لا ينبغي التردد في ذكره في الصحابة وإن كان ابن الأثير عاب ذلك على أبي موسى فلم يستند في ذلك إلى حجة.
وأما الملائكة فيتوقف عدهم فيهم على ثبوت بعثته إليهم، فإن فيه خلافا بين الأصوليين، حتى نقل بعضهم الإجماع على ثبوته وعكس بعضهم.
وهذا كله فيمن رآه وهو في الحياة الدنيوية. أما من رآه بعد موته وقبل دفنه، فالراجح أنه ليس بصحابي وإلا لعد من اتفق أن يرى جسده المكرم وهو في قبره المعظم ولو في هذه الأعصار وكذلك من كشف له عنه من الأولياء فرآه كذلك عن طريق الكرامة إذ حجة من أثبت الصحبة لمن رآه قبل دفنه أنه مستمر الحياة، وهذه الحياة ليست دنيوية وإنما هي أخروية، لا تتعلق بها أحكام الدنيا، فإن الشهداء أحياء، ومع ذلك فإن الأحكام المتعلقة بهم بعد القتل جارية على أحكام غيرهم من الموتى.
стр. 5226
ثم قال: وكذلك المراد بهذه الرؤية من اتفقت له ممن تقدم شرحه وهو يقظان، أما من رآه في المنام وإن كان قد رآه حقا، فذلك مما يرجع إلى الأمور المعنوية، لا الأحكام الدنيوية، فلذلك لا يعد صحابيا، ولا يجب عليه أن يعمل بما أمره به في تلك الحالة.
هذا آخر ما ذكره الحافظ ابن حجر في فتح الباري، وقد أحال بسط المسألة إلى ما جمعه من علوم الحديث.
وخلاصة هذه الأقوال
أن من أسلم من بني آدم وأقام مع النبي ﷺ بالغا عاقلا سنة فصاعدا أو غزا معه غزوة فأكثر واستمر على إسلامه حتى مات فهو صحابي باتفاق. فإذا فقد وصفا من هذه الأوصاف ففي استحقاق وصف الصحبة خلاف بين المحدثين من ذلك:
١ - من اتصف بهذه الصفات من غير بني آدم كالجن ثم الملائكة.
٢ - من رآه حيا لحظة بالغا عاقلا مسلما واستمر على إسلامه حتى مات.
٣ - من رآه حيا لحظة - ولو طفلا مسلما واستمر على إسلامه حتى مات.
٤ - من رأى جسده الشريف بعد موته، مسلما واستمر على إسلامه حتى مات.
٥ - من كشف له عنه من الأولياء، فرآه بعد موته على سبيل الكرامة.
٦ - من رآه مسلما، ثم ارتد ثم أسلم ولم يره بعد عودته إلى الإسلام
٧ - من رآه مميزا غير بالغ مسلما واستمر على إسلامه حتى مات.
٨ - من رآه طفلا مسلما واستمر على إسلامه حتى مات.
٩ - من عاش معه طويلا كافرا، ثم أسلم بعد وفاته.
وهناك أقوال أخرى لا تستحق الذكر في هذا المقام.
والتحقيق أن وصف الصحبة ليس وصفا يمنح وإنما هو شرف يستحق له مؤهلات وله حقوق فمن حقوقه:
(أ) صيانة صاحبه من السب والتجريح فوق صيانة المسلم، لحرمة فيه فوق حرمة الإسلام، ففي إيذائه إيذاء لرسول الله ﷺ ، وفي ذلك يقول "لا تؤذوني في أصحابي" ولا شك أن الإنسان يتأذى بإيذاء صاحبه وحبيبه أكثر مما يتأذى بإيذاء غيره.
(ب) تقديره بتقدير ما قدم في خدمة الإسلام من جهاد ونشر للدعوة وإنفاق في وقت الحاجة والضيق فقد بذل نفسه وماله في سبيل الإسلام وفي ذلك يقول ﷺ "لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده! لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا، ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه" قال ذلك لبعض أصحابه وكأنه عنى البعض الذي قدم.
стр. 5227
(جـ) اعتماد رواياتهم عن النبي ﷺ فهم الذين سمعوا ورأوا بدون واسطة، وهم الذين خوطبوا بالشريعة وهم حملتها إلينا وهم الذين عنوا بها وحفظوها، وآراؤهم وفتاواهم وتفسيراتهم أقوى وأهم وأحق قبولا من آراء غيرهم.
(د) وجوب الإمساك عن تنقيصهم، عند ذكر ما ينقصهم من الأعمال فلعل ما قدموا من الخير يفوق بكثير ما يؤخذ عليهم من قصور وفي ذلك يقول ﷺ عن حاطب بن أبي بلتعة - وقد اتهم بتسريب أخبار المسلمين إلى كفار قريش - "لعل الله اطلع إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم".
فإذا ما أريد بوصف الصحبة هذه المعاني، وهذه الحقوق لم يستحقه إلا النوع الأول المتفق عليه، وهو من أسلم من بني آدم وأقام مع النبي ﷺ بالغا عاقلا، سنة فصاعدا، أو غزا معه غزوة فأكثر، واستمر على إسلامه حتى مات دون الأنواع التسعة الأخرى.
أما إذا أريد بوصف الصحبة مجرد الوصف، فلا مانع من إطلاقه على كل الأنواع حتى على من سيدخل النار ممن شهد النبي ﷺ مسلما ففي الحديث الصحيح أن ناسا من أصحابه ﷺ يذادون عن حوضه يوم القيامة فيقول: أصحابي أصحابي؟ أين تذهبون بهم؟ فيقال: إلى النار إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول: سحقا. سحقا.
وقد اهتم الإمام النووي بالحق الرابع (د) وهو وجوب الإمساك عن تنقيصهم، فقال: وأما الحروب التي جرت فكانت لكل طائفة شبهة، اعتقدت تصويب أنفسها بسببها، وكلهم عدول ﵃ ومتأولون في حروبهم وغيرها، ولم يخرج شيء من ذلك أحدا منهم عن العدالة، لأنهم مجتهدون، اختلفوا في محل الاجتهاد كما يختلف المجتهدون بعدهم في مسائل من الدماء وغيرها ولا يلزم من ذلك نقص أحد منهم.
قال: واعلم أن سبب تلك الحروب أن القضايا كانت مشتبهة، فلشدة اشتباهها اختلف اجتهادهم وصاروا ثلاثة أقسام:
قسم ظهر له بالاجتهاد أن الحق في هذا الطرف، وأن مخالفه باغ، فوجب عليهم نصرته، وقتال الباغي عليه - فيما اعتقدوه - ففعلوا ذلك، ولم يكن يحل لمن هذه صفته التأخر عن مساعدة إمام العدل في قتال البغاة في اعتقاده.
وقسم عكس هؤلاء، ظهر لهم بالاجتهاد أن الحق في الطرف الآخر، فوجب عليهم مساعدته، وقتال الباغي عليه.
وقسم ثالث اشتبهت عليهم القضية، وتحيروا فيها، ولم يظهر لهم ترجيح أحد الطرفين، فاعتزلوا الفريقين، وكان هذا الاعتزال هو الواجب في حقهم، لأنه لا يحل الإقدام على قتال مسلم، حتى يظهر أنه مستحق لذلك، ولو ظهر لهؤلاء رجحان أحد الطرفين، وأن الحق معه، لما جاز لهم التأخر عن نصرته في قتال البغاة عليه، فكلهم معذورون. ﵃، ولهذا اتفق أهل الحق ومن يعتد به في الإجماع على قبول شهاداتهم، ورواياتهم، وكمال عدالتهم. ﵃ أجمعين. اهـ.
стр. 5228
ونحن نقدر مشاعر الإمام النووي في تبرئة ساحتهم جميعا ﵃ لكنا لا نوافق على تعميم هذه البراءة فهم بشر وليسوا معصومين وكان في جيوش النبي ﷺ ومن أصحابه من يقاتل للمغنم، ومن يقاتل حمية، ومن يقاتل للغضب ومن يقاتل ليرى مكانه ولا شك أن هذه الدوافع كانت موجودة في جيش عائشة وعلي ﵄ في موقعة الجمل التي قتل فيها نحو عشرة آلاف من خيرة الصحابة والتابعين ثم موقعة صفين وقبلهما الفتنة الكبرى ومقتل عثمان ﵁. ومع أننا لا نبرئ ساحة الجميع - لأن تبرئتهم تقربنا من السوفسطائية شعبة العندية، التي ترى أن الحق يختلف باختلاف ما عند كل واحد - إلا أننا نمسك عن لوم وتعنيف وذم أحد منهم، فلهم من الفضل ما يحملنا على التوقف عن الإساءة إليهم، وإن اعتقدنا أن الصواب كان في هذا الجانب دون هذا الجانب ﵃ أجمعين.
التفاضل بين الصحابة
والكلام فيه في مقامين:
مقام التفاضل بين الخلفاء الأربعة، ومقام التفاضل بين أزواجه ﷺ وبناته.
أما المقام الأول فقد روى البخاري عن ابن عمر ﵄ قال: "كنا نخير بين الناس في زمن النبي ﷺ ، فنخير أبا بكر، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان، ﵃" وفي رواية له "كنا لا نعدل بأبي بكر أحدا، ثم عمر، ثم عثمان، ثم نترك أصحاب رسول الله ﷺ ، فلا نفاضل بينهم" وله عند أبي داود "كنا نقول - ورسول الله ﷺ : حي - أفضل أمة النبي ﷺ بعده أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان" زاد الطبراني "فيسمع رسول الله ﷺ ذلك، فلا ينكره" قال الحافظ ابن حجر: وتقديم "عثمان" على "علي" ﵄ هو المشهور عند جمهور أهل السنة، وذهب بعض السلف إلى تقديم "علي" على "عثمان" وممن قال به سفيان الثوري، ويقال: إنه رجع عنه، وقال به ابن خزيمة وطائفة قبله وبعده، وقال مالك في المدونة: لا يفضل أحدهما على الآخر، وتبعه جماعة.
وقال ابن معين: من قال أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وعرف لعلي سابقتيه وفضله فهو صاحب سنة، وأنكر ابن معين رأي قوم - وهم العثمانية، الذين يغالون في حب عثمان، ويستنقصون عليا، وقال فيهم قولا غليظا.
قال الحافظ ابن حجر: ولا شك في أن من اقتصر على ثلاثة ولم يعرف لعلي بن طالب فضله فهو مذموم وادعى ابن عبد البر أنهم أجمعوا على أن عليا أفضل الخلق بعد الثلاثة، قال: ودل هذا الإجماع على أن حديث ابن عمر [التوقف عند الثلاثة] غلط وإن كان السند صحيحا وتعقب بأنه لا يلزم من سكوتهم إذ ذاك عن تفضيله، عدم تفضيله على الدوام وتعقب أيضا بأن الإجماع المذكور الذي ادعاه، إنما حدث بعد الزمن الذي قيده ابن عمر، فيخرج حديثه عن أن يكون غلطا. قال الحافظ ابن حجر: وأظن أن ابن عبد البر إنما أنكر الزيادة التي وقعت في رواية ابن عمر وهي قوله "ثم نترك أصحاب رسول الله ﷺ ، فلا نفاضل بينهم" ولا يلزم من تركهم التفاضل إذ ذاك أن لا يكونوا اعتقدوا بعد ذلك تفضيل "علي" على من سواه.
стр. 5229
وذهب قوم إلى أن أفضل الصحابة من استشهد في حياة النبي ﷺ ، وذكر منهم جعفر بن أبي طالب، ومنهم من ذكر العباس، قال الحافظ: وهو قول مرغوب عنه، ليس قائله من أهل السنة، ولا من أهل الإيمان.
وذهب قوم، وهم الخطابية إلى أن أفضل الصحابة مطلقا عمر، متمسكا بالحديث الآتي في ترجمته في المنام الذي فيه في حق أبي بكر "وفي نزعه ضعف" وهو تمسك واه.
وقال بعض أهل السنة من أهل الكوفة بتقديم "علي" على "عثمان".
وقال أبو منصور البغدادي: أصحابنا مجمعون على أن أفضل الصحابة الخلفاء الأربعة على الترتيب، ثم تمام العشرة، ثم أهل بدر، ثم أهل أحد، ثم أهل بيعة الرضوان وممن له مزية أهل العقبتين من الأنصار، وكذلك السابقون الأولون، وهم من صلى إلى القبلتين.
قال النووي: واختلف العلماء في أن التفضيل المذكور قطعي؟ أم لا وهل هو في الظاهر والباطن؟ أم في الظاهر خاصة، وممن قال بالقطع أبو الحسن الأشعري، قال: وهم في الفضل على ترتيبهم في الإمامة، وممن قال: إنه اجتهادي ظني أبو بكر الباقلاني.
ثم قال النووي: وأما عثمان ﵁ فخلافته صحيحة بالإجماع، وقتل مظلوما، وقتلته فسقة لأن موجبات القتل مضبوطة، ولم يجر منه ﵁ ما يقتضيه ولم يشارك في قتله أحد من الصحابة وإنما قتله همج ورعاع من غوغاء القبائل وسفلة الأطراف والأراذل تحزبوا، وقصدوه من مصر، فعجزت الصحابة الحاضرون عن دفعهم فحصروه، حتى قتلوه ﵁ قال: وأما علي ﵁ فخلافته صحيحة بالإجماع وكان هو الخليفة في وقته، لا خلافة لغيره.
وأما معاوية ﵁ فهو من العدول الفضلاء والصحابة النجباء ﵃.
أما عن المقام الثاني، وهو التفاضل بين أمهات المؤمنين وبنات النبي ﷺ فيقول النووي: اختلف العلماء في عائشة وخديجة، أيتهما أفضل؟ وفي عائشة وفاطمة ﵄. اهـ. وسيأتي مزيد لهذه المسألة في باب فضائل خديجة وباب فضائل عائشة وباب فضائل فاطمة ﵅ جمعاء.
من فضائل أبي بكر ﵁
أما عن فضائل أبي بكر ﵁ فقد ذكر البخاري زيادة عما ذكر في بابنا حديث ابن عمر الذي ذكرناه وحديث عمار ﵁ قال "رأيت رسول الله ﷺ ، وما معه إلا خمسة أعبد وامرأتان وأبو بكر" أما الأعبد فهم: بلال، وزيد بن حارثة، وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر، فإنه أسلم قديما مع أبي بكر، وكان ممن يعذب في الله، فاشتراه أبو بكر وأعتقه، وأبو فكيهة، مولى صفوان بن أمية بن خلف، أسلم حين أسلم بلال فعذبه أمية، فاشتراه أبو بكر فأعتقه وأما الخامس فقيل: بشقران، وقيل عمار بن ياسر، وأما المرأتان فخديجة وأم أيمن.
كما ذكر البخاري حديث أبي الدرداء ﵁، قال: كنت جالسا عند النبي ﷺ إذ أقبل أبو بكر آخذا بطرف ثوبه حتى أبدى عن ركبته فقال النبي ﷺ : أما صاحبكم فقد غامر" أي حصلت له خصومة
стр. 5230
ومغامرة "فسلم، وقال: يا رسول الله، إني كان بيني وبين ابن الخطاب شيء، فأسرعت إليه" في رواية "فأغضب أبو بكر عمر، فانصرف عنه مغضبا، فاتبعه أبو بكر"
"ثم ندمت فسألته أن يغفر لي، فأبى علي، فأقبلت إليك، فقال: يغفر الله لك يا أبا بكر ثلاثا ثم إن عمر ندم فأتى منزل أبي بكر فسأل: أثم أبو بكر؟ فقالوا: لا، فأتى إلى النبي ﷺ فجعل وجه النبي ﷺ يتمعر" أي تذهب نضارته من الغضب، وفي رواية "فجلس عمر، فأعرض عنه - أي النبي ﷺ ثم تحول فجلس إلى الجانب الآخر، فأعرض عنه، ثم قام، فجلس بين يديه، فأعرض عنه، فقال: يا رسول الله، ما أرى إعراضك إلا لشيء بلغك عني فما خير حياتي وأنت معرض عني؟ فقال: أنت الذي اعتذر إليك أبو بكر فلم تقبل منه؟ يسألك أخوك أن تستغفر له فلا تفعل؟ "وأشفق أبو بكر، فجثا على ركبتين، فقال: يا رسول الله! والله أنا كنت أظلم - مرتين" "قال عمر: والذي بعثك بالحق، ما من مرة يسألني إلا وأنا أستغفر له، وما خلق الله من أحد أحب إلي منه بعدك، فقال أبو بكر: وأنا والذي بعثك بالحق كذلك" "فقال ﷺ يخاطب عمر: فهل أنتم تاركوا لي صاحبي"؟ مرتين "فما أوذي بعدهما".
كما ذكر حديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "بينا أنا نائم رأيتني على قليب، عليها دلو، فنزعت منها ما شاء الله، ثم أخذها ابن أبي قحافة، فنزع بها ذنوبا أو ذنوبين، وفي نزعه ضعف، والله يغفر له ضعفه، ثم استحالت غربا، فأخذها ابن الخطاب فلم أر عبقريا من الناس ينزع نزع عمر، حتى ضرب الناس بعطن" أي حتى رويت الإبل فأناخت.
ثم ذكر حديث وفاة النبي ﷺ ثم حديث خطبته في سقيفة بني ساعدة عند البيعة له بالخلافة ثم حديث تبشير أبي بكر بالجنة، ثم حديث "اثبت أحد، فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان".
-[ويؤخذ من الأحاديث]-
١ - من الرواية الأولى عظيم توكل النبي ﷺ حتى في هذا المقام.
٢ - وفيها مدى خوف أبي بكر ﵁ على رسول الله ﷺ .
٣ - من قوله "ما ظنك باثنين، الله ثالثهما" منقبة ظاهرة لأبي بكر ﵁.
٤ - ومن الرواية الثانية من قول أبي بكر: فديناك بآبائنا وأمهاتنا جواز التفدية.
٥ - والترغيب في اختيار الآخرة على الدنيا.
٦ - والإشارة بالعلم الخاص، دون التصريح، لإثارة أفهام السامعين.
٧ - وتفاوت العلماء في الفهم.
٨ - وشكر المحسن والتنويه بفضله، والثناء عليه.
٩ - من أحاديث الأمر بسد الخوخات واستثناء خوخة أبي بكر خصوصية عظيمة لأبي بكر ﵁.
١٠ - قال ابن بطال: فيه أن المرشح للإمامة يخص بكرامة تدل عليه، كما وقع في حق الصديق في هذه القصة.
١١ - وقال الحافظ ابن حجر: ويؤخذ منه أن للخليل صفة خاصة، تقتضي عدم المشاركة فيها.
стр. 5231
١٢ - وأن المساجد تصان عن التطرق إليها لغير ضرورة.
١٣ - جاءت بعض الأحاديث بالأمر بسد الأبواب إلا باب علي ﵁، فعند أحمد والنسائي بإسناد قوي، عن سعد بن أبي وقاص، قال: أمرنا رسول الله ﷺ بسد الأبواب الشارعة في المسجد، وترك باب علي" وعند الطبراني في الأوسط برجال ثقات زيادة "فقالوا: يا رسول الله! سددت أبوابنا؟ فقال: ما أنا سددتها ولكن الله سدها" وعن زيد بن أرقم قال: "كان لنفر من الصحابة أبواب شارعة في المسجد فقال رسول الله ﷺ : سدوا هذه الأبواب إلا باب علي، فتكلم ناس في ذلك، فقال رسول الله ﷺ : إني والله! ما سددت شيئا ولا فتحته ولكن أمرت بشيء، فاتبعته" أخرجهما أحمد والنسائي والحاكم ورجاله ثقات وعن ابن عباس قال: "أمر رسول الله ﷺ بأبواب المسجد، فسدت، إلا باب علي" وفي رواية "وأمر بسد الأبواب غير باب علي، فكان يدخل المسجد وهو جنب، ليس له طريق غيره" أخرجها أحمد والنسائي، ورجالهما ثقات وعن جابر بن سمرة قال" أمرنا رسول الله ﷺ بسد الأبواب كلها غير باب علي، فربما مر فيه وهو جنب" أخرجه الطبراني وعن ابن عمر قال: "كنا نقول في زمن رسول الله ﷺ : رسول الله ﷺ خير الناس ثم أبو بكر ثم عمر ولقد أعطي علي بن أبي طالب ثلاث خصال لأن يكون لي واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم: زوجه رسول الله ﷺ ابنته، وولدت له وسد الأبواب إلا بابه في المسجد، وأعطاه الراية يوم خيبر" أخرجه أحمد، وإسناده حسن، وعند النسائي نحوه وقال فيه: "وأما علي فلا تسأل عنه أحدا، وانظر إلى منزلته من رسول الله ﷺ قد سد أبوابنا في المسجد وأقر بابه" ورجاله رجال الصحيح إلا العلاء وقد وثقه يحيى بن معين وغيره.
قال الحافظ ابن حجر: وهذه الأحاديث يقوي بعضها بعضا، وكل طريق منها صالح للاحتجاج به فضلا عن مجموعها قال: وقد أورد ابن الجوزي هذا الحديث في الموضوعات أخرجه من حديث سعد بن أبي وقاص وزيد بن أرقم وابن عمر مقتصرا على بعض طرقه عنهم وأعله ببعض من تكلم فيه من رواته قال الحافظ: وليس ذلك بقادح لما ذكرت من كثرة الطرق، وأعله أيضا بأنه مخالف للأحاديث الصحيحة الثابتة في باب أبي بكر وزعم أنه من وضع الرافضة قابلوا به الحديث الصحيح في أبي بكر. اهـ.
قال الحافظ: وأخطأ في ذلك خطأ شنيعا، فإنه سلك في ذلك رد الأحاديث الصحيحة بتوهمه المعارضة مع أن الجمع بين القصتين ممكن، وقد أشار إلى ذلك البزار في مسنده فقال: ورد من روايات أهل الكوفة بأسانيد حسان في قصة علي وورد من روايات أهل المدينة في قصة أبي بكر، فإن ثبتت روايات أهل الكوفة فالجمع بينهما بما دل عليه حديث أبي سعيد الخدري، الذي أخرجه الترمذي "أن النبي ﷺ قال: "لا يحل لأحد أن يطرق هذا المسجد جنبا غيري وغيرك" والمعنى أن باب علي كان إلى جهة المسجد، ولم يكن لبيته باب غيره، فلذلك لم يؤمر بسده، ومحصل الجمع أن الأمر بسد الأبواب وقع مرتين، ففي الأولى استثنى باب علي، لما ذكره وفي الثانية استثنى باب أبي بكر ولكن لا يتم ذلك إلا بأن يحمل ما في قصة "علي" على الباب الحقيقي، وما في قصة أبي بكر على الباب المجازي، والمراد به الخوخة، كما صرح به في بعض طرقه، وكأنهم لما أمروا بسد الأبواب سدوها وأحدثوا خوخا، يستقربون بها الدخول إلى المسجد،
стр. 5232
فأمروا بعد ذلك بسدها فهذه طريقة لا بأس بها في الجمع بين الحديثين وبها جمع بين الحديثين المذكورين أبو جعفر الطحاوي في مشكل الآثار، وأبو بكر الكلاباذي في معاني الأخبار وصرح بأن بيت أبي بكر كان له باب من خارج المسجد، وخوخة إلى داخل المسجد وبيت علي لم يكن له باب إلا من داخل المسجد، والله أعلم. هذا ما ذكره الحافظ ابن حجر في هذه المسألة.
وأميل إلى ما ذهب إليه ابن الجوزي، ففي أحاديث باب "علي" ﵁ رائحة الوضع، والجمع الذي جمعوا به بين الحديثين بعيد جدا، من وجوه: الأول أنه يفرق بين الباب والخوخة وهما واحد من حيث الغرض الذي هو قرب الوصول من البيت إلى المسجد فكيف ينهى عن أحدهما مرة؟ وعن الثاني أخرى؟ الثاني لو صح أن الأبواب سدت وبقي باب علي، واستحدثت خوخات بدل الأبواب وسدت الخوخات إلا خوخة أبي بكر، ما مصير باب "علي" المستثنى؟ لم يقل أحد إنه ظل مفتوحا بعد سد الخوخات، وإن كان قد سد مع الخوخات سلم لأبي بكر الاختصاص ببقاء خوخته، دون الأبواب والخوخات الثالث لو كان هذا الجمع واقعا لنقل إلينا في رواية من الروايات لتبقى فضيلة أبي بكر وتثبت معها - في الخصلة نفسها فضيلة لعلي، الرابع أن الجمع في الوقائع والأحداث لا يكون بالاحتمال بل بإثبات الواقعة والله أعلم.
١٤ - ومن الرواية التاسعة من قول السائل: "من كان مستخلفا لو استخلفه" أن النبي ﷺ لم يعين الخليفة بعده، إذ لو كان هناك نص لما اختلفوا في اجتماع السقيفة، ولا تفاوضوا فيه، قال الحافظ ابن حجر: وهذا قول جمهور أهل السنة واستند من قال: إنه نص على خلافة أبي بكر بأصول كلية، وقرائن حالية تقتضي أنه أحق بالإمامة وأولى بالخلافة. اهـ. من ذلك إمامته للصلاة في مرض الرسول ﷺ وروايتنا العاشرة والحادية عشرة.
١٥ - ومن الرواية الحادية عشرة إشارة إلى أن نزاعا سيقع، ووقع.
١٦ - وفيه إخبار بما سيقع في المستقبل بعد وفاته، وأن المسلمين يأبون عقد الخلافة لغيره.
١٧ - وفيه استمالة قلب الزوجة والإفضاء إليها بما يستره عن غيرها.
١٨ - وفي الرواية الثانية عشرة، من فضائل أبي بكر، وأعماله الصالحات.
١٩ - وفضيلة أعمال الخير المذكورة.
٢٠ - ومن الرواية الثالثة عشرة خرق العادات وكرامات الأولياء قال النووي: وهو مذهب أهل الحق.
٢١ - وجواز التعجب من خوارق العادات.
٢٢ - وتفاوت الناس في المعارف.
٢٣ - وفضيلة ظاهرة لأبي بكر وعمر ﵄.
(فائدة) قال الزبير بن بكار: مات أبو بكر ﵁ بمرض السل، وقال الواقدي: إنه اغتسل في يوم بارد فحم خمسة عشر يوما، وقيل: بل بالسم في طعام دسته له اليهود ومات لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة من الهجرة ولم يختلفوا أنه استكمل سن النبي ﷺ فمات وهو ابن ثلاث وستين ﵁.
والله أعلم.
стр. 5233
(٦٣٣) باب من فضائل عمر ﵁
٥٣٨٨ - عن ابن عباس ﵄ قال: وضع عمر بن الخطاب على سريره فتكنفه الناس يدعون ويثنون ويصلون عليه. قبل أن يرفع، وأنا فيهم. قال فلم يرعني إلا برجل قد أخذ بمنكبي من ورائي فالتفت إليه فإذا هو علي. فترحم على عمر وقال: ما خلفت أحدا أحب إلي أن ألقى الله بمثل عمله منك. وايم الله! إن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك. وذاك أني كنت أكثر أسمع رسول الله ﷺ يقول: "جئت أنا وأبو بكر وعمر. ودخلت أنا وأبو بكر وعمر وخرجت أنا وأبو بكر وعمر" فإن كنت لأرجو، أو لأظن أن يجعلك الله معهما.
٥٣٨٩ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "بينا أنا نائم، رأيت الناس يعرضون وعليهم قمص. منها ما يبلغ الثدي ومنها ما يبلغ دون ذلك ومر عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره" قالوا: ماذا أولت ذلك؟ يا رسول الله! قال: "الدين".
٥٣٩٠ - عن حمزة بن عبد الله بن عمر بن الخطاب عن أبيه ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "بينا أنا نائم إذ رأيت قدحا أتيت به فيه لبن فشربت منه حتى إني لأرى الري يجري في أظفاري ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب" قالوا: فما أولت ذلك؟ يا رسول الله! قال: "العلم".
٥٣٩١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "بينا أنا نائم رأيتني على قليب عليها دلو فنزعت منها ما شاء الله ثم أخذها ابن أبي قحافة فنزع بها ذنوبا أو
стр. 5234
ذنوبين وفي نزعه والله يغفر له ضعف. ثم استحالت غربا فأخذها ابن الخطاب فلم أر عبقريا من الناس ينزع نزع عمر بن الخطاب حتى ضرب الناس بعطن".
٥٣٩٢ - وفي رواية عن أبي هريرة ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ قال: "رأيت ابن أبي قحافة ينزع" بنحو حديث الزهري.
٥٣٩٣ - عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: بينا أنا نائم أريت أني أنزع على حوضي أسقي الناس. فجاءني أبو بكر فأخذ الدلو من يدي ليروحني. فنزع دلوين. وفي نزعه ضعف والله يغفر له فجاء ابن الخطاب فأخذ منه فلم أر نزع رجل قط أقوى منه حتى تولى الناس والحوض ملآن يتفجر".
٥٣٩٤ - عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "أريت كأني أنزع بدلو بكرة على قليب فجاء أبو بكر فنزع ذنوبا أو ذنوبين. فنزع نزعا ضعيفا والله ﵎ يغفر له. ثم جاء عمر فاستقى فاستحالت غربا، فلم أر عبقريا من الناس يفري فريه. حتى روي الناس وضربوا العطن".
٥٣٩٥ - عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: "دخلت الجنة فرأيت فيها دارا أو قصرا فقلت: لمن هذا؟ فقالوا: لعمر بن الخطاب فأردت أن أدخل فذكرت غيرتك" فبكى عمر وقال: أي رسول الله! أوعليك يغار؟
٥٣٩٦ - عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "بينا أنا نائم إذ رأيتني
стр. 5235
في الجنة فإذا امرأة توضأ إلى جانب قصر فقلت: لمن هذا؟ فقالوا: لعمر بن الخطاب فذكرت غيرة عمر. فوليت مدبرا" قال أبو هريرة: فبكى عمر ونحن جميعا في ذلك المجلس مع رسول الله ﷺ ثم قال عمر. بأبي أنت: يا رسول الله! أعليك أغار؟ .
٥٣٩٧ - عن محمد بن سعد بن أبي وقاص ﵁ أن أباه سعدا قال: "استأذن عمر على رسول الله ﷺ وعنده نساء من قريش يكلمنه ويستكثرنه. عالية أصواتهن. فلما استأذن عمر قمن يبتدرن الحجاب. فأذن له رسول الله ﷺ . ورسول الله ﷺ يضحك فقال عمر: أضحك الله سنك يا رسول الله! فقال رسول الله ﷺ : "عجبت من هؤلاء اللاتي كن عندي؟ فلما سمعن صوتك ابتدرن الحجاب" قال عمر: فأنت يا رسول الله! أحق أن يهبن. ثم قال عمر: أي عدوات أنفسهن! أتهبنني ولا تهبن رسول الله ﷺ ؟ قلن: نعم. أنت أغلظ وأفظ من رسول الله ﷺ قال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده! ما لقيك الشيطان قط سالكا فجا إلا سلك فجا غير فجك".
٥٣٩٨ - وفي رواية عن أبي هريرة ﵁ أن عمر بن الخطاب جاء إلى رسول الله ﷺ وعنده نسوة قد رفعن أصواتهن على رسول الله ﷺ فلما استأذن عمر ابتدرن الحجاب. فذكر نحو حديث الزهري.
٥٣٩٩ - عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه كان يقول: "قد كان يكون في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي منهم أحد فإن عمر بن الخطاب منهم" قال ابن وهب: تفسير محدثون ملهمون.
٥٤٠٠ - عن ابن عمر ﵄ قال: قال عمر: وافقت ربي في ثلاث: في مقام إبراهيم وفي الحجاب وفي أسارى بدر.
стр. 5236
٥٤٠١ - عن ابن عمر ﵄ قال: لما توفي عبد الله ابن أبي ابن سلول جاء ابنه عبد الله ابن عبد الله إلى رسول الله ﷺ فسأله أن يعطيه قميصه أن يكفن فيه أباه. فأعطاه ثم سأله أن يصلي عليه. فقام رسول الله ﷺ ليصلي عليه. فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! أتصلي عليه وقد نهاك الله أن تصلي عليه؟ فقال رسول الله ﷺ : "إنما خيرني الله فقال ﴿استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة﴾ [التوبة/ ٨٠] وسأزيد على سبعين" قال: إنه منافق فصلى عليه رسول الله ﷺ وأنزل الله ﴿ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره﴾ [التوبة: ٨٤].
٥٤٠٢ - وفي رواية عن عبيد الله بهذا الإسناد في معنى حديث أبي أسامة وزاد: قال: فترك الصلاة عليهم.
-[المعنى العام]-
عمر بن الخطاب أمير المؤمنين، مناقبه كثيرة وفضائله جمة فهو مؤسس دولة الإسلام كدولة ذات أجهزة إدارية وفنية.
وتعداد المناقب لا يستلزم الحصر ولا يستلزم أن المذكور أفضلها فقد تثيرك الفضيلة الكبرى اعتمادا على شهرتها ولقد كان له فضل حسم موضوع الخلافة لأبي بكر ﵄ يوم أن مد يده إليه في سقيفة بني ساعدة وقال له: امدد يدك نبايعك بالخلافة فتتابع الصحابة يبايعون، وكان من أزهد زهاد الدنيا في خلافته وأعدل الخلفاء والحكام على الإطلاق.
إن ذكر بعض فضائله في كتب الحديث كشاهد على غيرها وكمصباح ينير جوانب الحياة ومن يشهد له رسول الله ﷺ لا يحتاج شهيدا آخر فكيف إذا كانت الشهادة عن قرب وعن طول صحبة لقد كان عمر من السابقين إلى الإسلام كان إسلامه مكملا الأربعين من المسلمين ولم يكن إسلامه إسلام فرد بل كان إسلام أمة كان الإسلام يتمناه على لسان رسول الله ﷺ حيث كان يدعو ربه: اللهم أعز الإسلام بعمر وأعز الله به الإسلام حقا لقد كان المسلمون قبل إسلام عمر يعبدون الله خفية ويسلم المسلم منهم سرا عن صناديد قريش فلما أسلم قال لرسول الله ﷺ : يا رسول الله! أنحن على الحق أم على الباطل؟ قال: نحن على الحق. قال: فعلام نخفي ديننا ونحن على الحق وهم على الباطل؟ والذي بعثك بالحق. لا يبقى مجلس جلست فيه بالكفر إلا جلست فيه معلنا الإيمان وخرج بالصحابة المسلمين صفين من دار أخته إلى المسجد الحرام، والكفار ينظرون لا يجرءون على الاعتراض ومن هنا لقب الفاروق لأنه بإسلامه فرق بين الإسرار بالدعوة والإيمان وبين الجهر بهما.
стр. 5237
ولقد مدحه رسول الله ﷺ كثيرا وأثنى عليه كثيرا، وكان من استمرار صحبته له يقول: ذهبت إلى كذا أنا وأبو بكر وعمر ودخلنا كذا أنا وأبو بكر وعمر ورجعنا من كذا أنا وأبو بكر وعمر وآمنت بكذا أنا وأبو بكر وعمر حتى استقر في نفوس الصحابة اتصالا فريدا بين الثلاثة يوحي بصحبتهم بعد الموت وقد كان حيث دفنوا في مقابر ثلاث في حجرة واحدة.
كما أشار ﷺ إلى علم عمر وإيمان عمر وغيرة عمر بما رآه في منامه ﷺ وموافقات عمر لأحكام شرعية قبل تشريعها كثيرة منها قول عمر لرسول الله ﷺ : لو اتخذنا مقام إبراهيم مصلى فنزل قوله تعالى ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾ [البقرة: ١٢٥] وقال للرسول ﷺ : احجب نساءك حيث يدخل عليك البر والفاجر فنزلت آية حجاب أمهات المؤمنين وحاول منع الرسول ﷺ من الصلاة على عبد الله بن أبي المنافق لكن الرسول ﷺ صلى عليه فنزل قوله تعالى ﴿ولا تصل على أحد منهم مات أبدا﴾ [التوبة: ٨٤].
وهكذا كان عمر ﵁ ينطق بالحق وهكذا جعل الله الحق على لسان عمر وقلبه ﵁ وأرضاه ورضي عن الصحابة أجمعين.
-[المباحث العربية]-
(وضع عمر بن الخطاب على سريره) أي على نعشه لما مات وعمر بن الخطاب بن نفيل بضم النون مصغرا ابن عبد العزى بن رياح - بكسر الراء وبالياء ابن عبد الله بن قرط بن رزاح - بفتح الراء، ابن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب يجتمع مع النبي ﷺ في كعب، وعدد ما بينهما من الآباء إلى كعب متفاوت بواحد بخلاف أبي بكر فبين النبي ﷺ وكعب سبعة آباء وبين عمر وبين كعب ثمانية، وأم عمر حنتمة بنت هاشم بن المغيرة ابنة عم أبي جهل والحارث ابني هشام بن المغيرة كنيته أبو حفص كناه بها رسول الله ﷺ وكانت حفصة أكبر أولاده ولقبه الفاروق، قيل: لقبه بذلك رسول الله ﷺ وقيل: أهل الكتاب، وقيل: جبريل.
(فتكنفه الناس) أي أحاطوا به، وأصله جعلوه في كنفهم، وكنف الإنسان جانبه، وكنفا الرجل حضناه وكنفا الطائر جناحاه والمراد من الناس بعض الصحابة وكبارهم.
(يدعون، ويثنون، ويصلون عليه) أي يدعون له بخير، ويثنون عليه ثناء جميلا، ويصلون عليه أي يدعون له بلفظ الصلاة والصلاة من الله الرحمة.
(قبل أن يرفع) في نعشه إلى قبره.
(وأنا فيهم) من كلام ابن عباس، أي وأنا محيط به معهم.
(فلم يرعني إلا برجل قد أخذ بمنكبي من ورائي) أي لم يفزعني إلا رجل فالباء زائدة وفي رواية البخاري "فلم يرعني إلا رجل آخذ منكبي" أي واضع يده على كتفي، والمراد أنه رآه بغتة، وهو منشغل بالمنظر، ففزع.
стр. 5238
قال النووي: "يرعني" بفتح الياء وضم الراء، ومعناه لم يفجأني إلا ذلك، قال "برجل" هكذا هو في جميع النسخ، بالباء، أي لم يفجأني الأمر في الحال إلا برجل اهـ.
وجملة "قد أخذ بمنكبي" صفة "رجل"
(فالتفت إليه فإذا هو علي فترحم على عمر) أي دعا له بالرحمة وفي رواية للبخاري "فقال: يرحمك الله".
(وقال: ما خلفت أحدا أحب إلي أن ألقى الله بمثل عمله منك) "ما خلفت" بفتح الخاء وتشديد اللام المفتوحة والتاء للخطاب والمعنى لا أحد أحب أن ألقى الله بمثل عمله إلا أنت، أي أتمنى أن ألقى الله بمثل عملك.
(وأيم الله) "أيم" اسم، خبر لمبتدأ محذوف أي يمين الله قسمي وجوز بعضهم جره بحرف القسم.
(إن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك) رسول الله ﷺ وأبي بكر، وفي آخر رواية "فإن كنت لأرجو - أو لأظن - أن يجعلك الله معهما" وإعادة الجملة السابقة للتأكيد، و"إن" مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف، أي إن الحال والشأن أنني كنت أظن وأعتقد أن الله سيجعلك في صحبة صاحبيك في الجنة وفي الفضل، بل وفي مكان الدفن، فقد استأذن - قبل أن يموت - عائشة في أن يدفن في بيتها مع صاحبيه فأذنت له.
ثم علل هذا الظن أنه فهمه من كثرة الملازمة في أحاديث رسول الله ﷺ بينه وبين أبي بكر وعمر
(بينا أنا نائم رأيت الناس يعرضون وعليهم قمص) بضم القاف والميم، جمع قميص، والرؤيا رؤيا منام "ويعرضون" بضم الياء من العرض يوم القيامة، ومقابلة الجمع بالجمع تقتضي القسمة آحادا، أي على كل واحد قميص.
(منها ما يبلغ الثدي، ومنها ما يبلغ دون ذلك) "الثدي" بضم الثاء وكسر الدال وتشديد الياء، ومن المعروف أن القميص يلبس على الصدر إلى الركبة غالبا، فكونه إلى الثدي كناية عن القصر والصغر، وكونه دون ذلك أي أعلى من الثدي أو تحت الثدي كناية عن القصر أيضا.
(ومر عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره) أي يلبسه، فيسبغ جسمه كله، حتى يجره على الأرض لطوله.
(قالوا: ماذا أولت ذلك يا رسول الله؟ ) جاء في بعض الروايات أن السائل عن ذلك أبو بكر
(قال: الدين) قال أهل تعبير المنام: القميص في المنام معناه الدين، وجره يدل على بقاء آثاره الجميلة، وسنته الحسنة في المسلمين بعد وفاته، ليقتدي به.
(بينا أنا نائم إذ رأيت قدحا، أتيت به، فيه لبن فشربت منه) أي من القدح أو من اللبن.
стр. 5239
(حتى إني لأرى الري يجري في أظفاري) "إني" يجوز فتح الهمزة وكسرها، ورؤية الري على سبيل الاستعارة، كأنه لما جعل الري جسما أضاف إليه ما هو من خواص الجسم، وهو كونه مرئيا، وكان الأصل أن يقول: حتى رأيت الري بالفعل الماضي لكنه عبر بالمضارع استحضارا للصورة والرؤية بصرية والري بكسر الراء، ويجوز فتحها.
(ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب) في رواية البخاري "ثم ناولت عمر" وفي رواية "ثم ناولت فضلي" والفضل والفضيلة ما فضل.
(قالوا: فما أولت ذلك يا رسول الله؟ قال: العلم) "العلم" بالنصب، أي أولته العلم، وبالرفع، أي المؤول به هو العلم، وفي رواية "فقالوا: هذا العلم الذي آتاكه الله، حتى إذا امتلأت فضلت منه فضلة، فأخذها عمر، قال: أصبتم" فإن صحت هذه الرواية احتمل أن يكون بعضهم أول، وبعضهم سأل، ووجه التعبير بذلك من جهة اشتراك اللبن والعلم في كثرة النفع، وكونها سببا للصلاح، فاللبن للغذاء البدني، والعلم للغذاء المعنوي.
(بينما أنا نائم رأيتني على قليب) "القليب" البئر غير المطوية، أي غير المبينة، وغير السقوفة.
(عليها دلو) "الدلو" يذكر ويؤنث، وفي الرواية الخامسة "أريت أني أنزع على حوضي، أسقي الناس" وفي الرواية السادسة "أريت كأني أنزع بدلو بكرة على قليب" "بكرة" بفتح الباء وسكون الكاف على المشهور، وحكى بعضهم تثليث أوله والمراد الخشبة المستديرة التي يعلق فيها الدلو، فتلف به، قيل: ويجوز إسكان الكاف على أن المراد بها الأنثى الشابة من الإبل نسبت الدلو إليها، لأنها التي يستقى بها.
(فنزعت منها ما شاء الله) استقيت بالدلو، وأخرجت من البئر ماء، ما شاء الله في كثرته.
(ثم أخذها ابن أبي قحافة، فنزع بها ذنوبا أو ذنوبين) "الذنوب" بفتح الذال الدلو المملوءة.
(وفي نزعه - والله يغفر له - ضعف) بسكون العين، مع فتح الضاد وضمها، لغتان مشهورتان.
وفي الرواية الخامسة "فجاءني أبو بكر، فأخذ الدلو من يدي ليروحني" بضم الياء وفتح الراء وتشديد الواو المكسورة أي ليريحني من النصب والتعب "فنزع دلوين، وفي نزعه ضعف" وفي الرواية السادسة "فجاء أبو بكر فنزع ذنوبا أو ذنوبين فنزع نزعا ضعيفا"
(ثم استحالت غربا) "الغرب" بفتح الغين وسكون الراء، الدلو الكبيرة العظيمة، أي ثم تحولت الدلو الصغيرة إلى كبيرة.
(فأخذها ابن الخطاب، فلم أر عبقريا من الناس، ينزع نزع عمر بن الخطاب) "العبقري" بكسر الراء وتشديد الياء، قيل: السيد، وقيل: الذي ليس فوقه شيء، وقيل: النافذ الماضي الذي لا شيء يفوقه، قال أبو عمر: عبقري القوم سيدهم وقيمهم وكبيرهم، والمعنى: فلم أر عظيما من
стр. 5240
عظماء الرجال يسقي بدلو ويخرج ماء من البئر، مثل عمر، وفي الرواية السادسة ورواية البخاري "فلم أر عبقريا من الناس يفري فريه" "يفري" بفتح الياء وكسر الراء بينهما فاء ساكنة، و"فريه" قال النووي: روي بوجهين، أحدهما بإسكان الراء وتخفيف الياء، والثانية كسر الراء وتشديد الياء، وهما لغتان صحيحتان، وأنكر الخليل التشديد، وقال: هو غلط، واتفقوا على أن معناه: لم أر سيدا يعمل عمله، ويقطع قطعه، وأصل الفري بالإسكان القطع يقال: فريت الشيء أفريه فريا قطعته للإصلاح فهو مفري وفري وأفريته إذا شققته على جهة الإفساد. اهـ.
وفي الرواية الخامسة "فلم أر نزع رجل قط أقوى منه".
(حتى ضرب الناس بعطن) بفتح العين والطاء، وهو الموضع الذي تساق إليه الإبل بعد السقي لتسريح، والمعنى: حتى سقى الناس إبلهم وذهبوا بها إلى مباركها وزووها، وفي الرواية الخامسة "حتى تولى الناس" أي حتى انصرفوا بإبلهم "والحوض ملآن، يتفجر" وكانوا يخرجون الماء من البئر ويصبونه في حوض على حافته، لتشرب الإبل من الحوض، والمراد من تفجر الحوض سيلان الماء من حافته بعد امتلائه.
يقال: ضرب الرجل في الأرض إذا ذهب وأبعد، وضرب الشيء عليه ألزمه إياه، وضرب الشيء بالشيء خلطه به، وفي الرواية السادسة "حتى روي الناس وضربوا العطن" قال النووي قال القاضي: ظاهره أنه عائد إلى خلافة عمر خاصة، وقيل: يعود إلى خلافة أبي بكر وعمر جميعا، لأن بنظرهما وتدبيرهما وقيامهما بمصالح المسلمين تم هذا الأمر، وضرب الناس بعطن لأن أبا بكر قمع أهل الردة، وجمع شمل المسلمين وألفهم وابتدأ الفتوح ومهد الأمور وتمت ثمرات ذلك، وتكاملت في زمن عمر بن الخطاب ﵄.
(دخلت الجنة، فرأيت فيها دارا أو قصرا، فقلت: لمن هذا؟ ) القصر وفي الرواية الثامنة "بينا أنا نائم، إذ رأيتني في الجنة فإذا امرأة توضأ إلى جانب قصر، فقلت: لمن هذا"؟ وفي رواية للبخاري "ورأيت قصرا، بفنائه جارية فقلت: لمن هذا؟ " وفي رواية "لمن هذا القصر"؟ وفي رواية للبخاري "فإذا أنا بالرميضاء امرأة أبي طلحة" وهي أم سليم، والرميضاء صفة لها، لرمض كان بعينها، وقيل: هو اسم أختها، أم حرام، وقيل: اسم أخت أم سليم من الرضاعة، وجوز ابن التين أن يكون المراد امرأة أخرى لأبي طلحة وفي رواية للبخاري "وسمعت خشفة" بفتح الخاء والشين والفاء، أي حركة أو صوتا خفيفا "فقلت: من هذا؟ فقال: هذا بلال" قال الحافظ ابن حجر: والظاهر أن المخاطب بقوله "لمن هذا؟ " جبريل أو غيره من الملائكة.
وقوله "تتوضأ" يحتمل أن يكون على ظاهره، ولا ينكر كونها تتوضأ حقيقة، لأن الرؤيا وقعت في زمن التكليف، والجنة وإن كان لا تكليف فيها، فذاك في زمن الاستقرار، بل ظاهر قوله "تتوضأ إلى جانب قصر" أنها تتوضأ خارجة منه، أو هو على غير الحقيقة، ورؤيا المنام لا تحمل دائما على الحقيقة، بل تحتمل التأويل، فيكون معنى قوله "تتوضأ" أنها تحافظ في الدنيا على العبادة أو المراد بقوله "تتوضأ" أي تستعمل الماء، لأجل الوضاءة، على مدلوله اللغوي قال الحافظ ابن حجر: وزعم ابن قتيبة والخطابي أن قوله "تتوضأ" تصحيف وتغيير من الناسخ وإنما الصواب "امرأة شوهاء"
стр. 5241
ولم يستند في هذه الدعوى إلا إلى استبعاد أن يقع في الجنة وضوء، لأنه لا عمل فيها وعدم الاطلاع على المراد من الخبر لا يقتضي تغليط الحفاظ، ثم فسر الخطابي "شوهاء" بمعنى حسناء، والكلمة تستعمل في النقيضين.
(فقالوا: لعمر بن الخطاب، فأردت أن أدخل، فذكرت غيرتك) والخطاب لعمر فقد كان حاضرا قص الرؤيا، وفي الرواية الثامنة "فذكرت غيرة عمر، فوليت مدبرا" وفي رواية للبخاري "فأردت أن أدخله فلم يمنعني إلا علمي بغيرتك"
(فبكى عمر، وقال: أي رسول الله، أوعليك أغار؟ ) "أي" حرف نداء، و"أو" بفتح الواو حرف عطف، والهمزة للاستفهام الإنكاري، والعطف على محذوف، أي أأشك فيك وأغار منك؟ لا يحصل شيء من ذلك، أي لا أشك فيك ولا أغار منك، فأنت عندي ثقة مأمون. وأصل التعبير: أعليها أغار منك فحصل قلب وفي الرواية الثامنة "قال أبو هريرة: فبكى عمر، ونحن جميعا في ذلك المجلس، مع رسول الله ﷺ ، ثم قال عمر: بأبي أنت يا رسول الله! أعليك أغار"؟ قال ابن بطال: وبكاء عمر يحتمل أن يكون سرورا ويحتمل أن يكون تشوقا أو خشوعا وزاد في رواية "قال عمر: وهل رفعني الله إلا بك؟ وهل هداني الله إلا بك"؟
(استأذن عمر على رسول الله ﷺ ، وعنده نساء من قريش، يكلمنه، ويستكثرنه، عالية أصواتهن) قال الحافظ ابن حجر: هن من أزواجه ويحتمل أن يكون معهن من غيرهن، لكن قرينة قوله "يستكثرنه" أي يطلبن منه أكثر مما يعطيهن، يؤيد أنهن من أزواجه ﷺ ، وزعم الداودي أن المراد أنهن يكثرن الكلام عنده، وهو مردود بما وقع التصريح به "أنهن يطلبن النفقة" كذا قال الحافظ ابن حجر، قلت: ومراد الداودي يكثرن الكلام في طلب زيادة النفقة، فقوله ليس مردودا، بدليل قوله "عالية أصواتهن" زاد البخاري "على صوته" و"عالية" يجوز فيه الرفع على الصفة، والنصب على الحال "وأصواتهن" بالرفع فاعل "عالية".
(فلما استأذن عمر قمن يبتدرن الحجاب) يقال: ابتدر فلانا بكذا عاجله به، وابتدر القوم الشيء تسارعوا إليه، والظاهر أن المراد من القيام البدء والإنشاء، لكن قوله "عجبت من هؤلاء اللائي كن عندي" يشعر أنهن قمن من مجلسهن، لحجب شخوصهن، لكن خطاب عمر لهن بعد، يوحي بأنهن رجعن إلى جلستهن.
(أضحك الله سنك) قال الحافظ ابن حجر: لم يرد به الدعاء بكثرة الضحك، بل لازمه، وهو السرور، أو نفي ضد لازمه، وهو الحزن.
(قال عمر: فأنت يا رسول الله، أحق أن يهبن) أي أنت أحق مني بالهيبة والاحترام والتوقير.
(ثم قال عمر: أي عدوات أنفسهن) "أي" بسكون الياء، حرف نداء، ووصفهن بهذا الوصف لأن الذي يفعل الخطأ عدو نفسه، فهو يوقعها في الضرر.
стр. 5242
(أتهبنني ولا تهبن رسول الله ﷺ ؟ ) الاستفهام إنكاري توبيخي أي ما كان ينبغي لكن أن تفعلن ذلك والإنكار ليس لابتدارهن الحجاب، وإنما لرفع الصوت والمطالبة والإلحاح.
(أنت أغلظ وأفظ من رسول الله ﷺ قال النووي: الفظ والغليظ بمعنى، وهو عبارة عن شدة الخلق وخشونة الجانب، قال العلماء: وليست لفظة "أفعل" هنا للمفاضلة، بل هي بمعنى "فظ" و"غليظ" أي فليست الصيغة هنا على أصلها، الذي هو مشاركة اثنين في صفة وزيادة أحدهما عن الآخر في هذه الصفة، لأن الرسول ﷺ ليس فيه أصل هذه الصفة، لقوله تعالى ﴿ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾ [آل عمران: ١٥٩] فهذه الصيغة هنا من قبيل قوله تعالى ﴿أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا﴾ [الفرقان: ٢٤]- قال القاضي: وقد يصح حملها على المفاضلة، وأن القدر الذي منها في الرسول ﷺ هو ما كان من إغلاظه على الكافرين والمنافقين، كما قال تعالى ﴿يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم﴾ [التوبة: ٧٣] وكان يغضب ويغلظ عند انتهاك حرمات الله. اهـ.
وقوله تعالى ﴿ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾ نفي تلك الصفة كصفة لازمة، فلا ينافي مجرد وجودها في بعض الأحوال، فكان ﷺ يغضب للحق أحيانا، ولا يواجه بالعتاب أو المؤاخذة أحيانا، أما عمر فكان يواجه بالمؤاخذة، ويبالغ في الزجر، حتى كان يضرب بالعصا.
(والذي نفسي بيده. ما لقيك الشيطان قط، سالكا فجا، إلا سلك فجا غير فجك) الفج الطريق الواسعة قال النووي: هذا محمول على ظاهره، وأن الشيطان يهرب إذا رآه، وقال عياض: يحتمل أن يكون ذاك على سبيل ضرب المثل، وأن عمر فارق سبيل الشيطان، وسلك طريق السداد، فخالف كل ما يحبه الشيطان. قال النووي: والصحيح الأول.
(قد كان يكون في الأمم قبلكم محدثون) قال العلماء: اختلف في المراد من "محدثون" بفتح الدال المشددة، اسم مفعول، أي يحدثهم الله، أو الملائكة، فقيل: ملهمون، قاله الأكثرون، قالوا: المحدث هو الرجل الصادق الظن، وهو من ألقي في روعه شيء من قبل الملأ الأعلى، فيكون كالذي حدثه غيره به وقيل: من يجري الصواب على لسانه من غير قصد، وقيل: مكلمون - بفتح اللام المشددة، تتكلم الملائكة على لسانهم وهو قريب من المعنى الأول، فهم مكلمون، لا يرون مكلما في الحقيقة فيرجع إلى الإلهام وفسره ابن التين بالتفرس وفي مسند الحميدي: المحدث الملهم بالصواب الذي يلقى على فيه، وقيل: المصيب بغير نبوة وقيل: مفهمون، بفتح الهاء المشددة فعند أحمد والترمذي "إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه".
(فإن يكن في أمتي منهم أحد، فإن عمر بن الخطاب منهم) في رواية للبخاري "لقد كان فيمن كان قبلكم من بني إسرائيل رجال يكلمون - بفتح الياء، أي يتكلمون - من غير أن يكونوا أنبياء فإن يكن في أمتي منهم أحد فعمر".
وكان الظاهر أن يقول: إن عمر منهم، بدون شك أو ترديد أو تعليق، لأن أمته ﷺ أفضل الأمم، وإذا ثبت أن ذلك وجد في غيرهم، فإمكان وجوده فيهم أولى، وإنما أورده بهذا المورد
стр. 5243
للتأكيد، كما يقول الرجل: إن يكن لي صديق فإنه فلان يريد اختصاصه بكمال الصداقة لا نفي الأصدقاء قال الحافظ ابن حجر: وهذا وإن جاز أن يقع، لكنه نادر ممن يكون أمره منهم مبينا على اتباع الكتاب والسنة قال: وتمحضت الحكمة في وجودهم وكثرتهم بعد العصر الأول، في زيادة شرف هذه الأمة بوجود أمثالهم فيه، وقد تكون الحكمة في تكثيرهم مضاهاة بني إسرائيل في كثرة الأنبياء فيهم، فلما فات هذه الأمة كثرة الأنبياء فيها، لكون نبيها خاتم الأنبياء، عوضوا بكثرة الملهمين. اهـ. وهكذا ينحو الحافظ نحو الأولياء والكرامات والإلهامات، ولسنا معه في هذا النحو، بل نحن مع الطيبي إذ يقول: المراد بالمحدث الملهم، البالغ في ذلك مبلغ النبي في الصدق والمعنى لقد كان فيمن قبلكم من الأمم أنبياء ملهمون، فإن يكن في أمتي أحد هذا شأنه فهو عمر، فكأنه حكم بانقطاع قرينه في ذلك، ويؤيده حديث "لو كان بعدي نبي لكان عمر" فلو فيه بمنزلة "إن" أي على سبيل الفرض والتقدير وقد أخرجه أحمد والترمذي وحسنه وابن حبان والحاكم والطبراني في الأوسط.
والسبب في تخصيص عمر بذلك كثرة ما وقع له زمن النبي ﷺ من الموافقات التي نزل القرآن مطابقا لها، ووقع له بعد النبي ﷺ عدة إصابات.
(وافقت ربي في ثلاث) وقائع، قال الحافظ ابن حجر: والمعنى: وافقني ربي، فأنزل القرآن على وفق ما رأيت، لكن لرعاية الأدب أسند الموافقة إلى نفسه، أو أشار بذلك إلى حدوث رأيه وقدم الحكم، قال: وليس في تخصيصه العدد بالثلاث ما ينفي الزيادة عليها، لأنه حصلت له الموافقة في أشياء غير هذه، من مشهورها قصة أسارى بدر، وقصة الصلاة على المنافقين، قال: وأكثر ما وقفنا عليه منها بالتعيين خمس عشرة. اهـ.
(في مقام إبراهيم) بدل من "ثلاث" أي في طلب الصلاة في مقام إبراهيم، ومقام إبراهيم معروف الآن في المسجد الحرام، مواجه لباب الكعبة، على مسافة سبعة وعشرين ذراعا وقد أحيط بمقصورة من الزجاج، وعن أصله قيل: إنه الحجر الذي قام عليه إبراهيم حين ارتفع به بناء الكعبة، فأثرت فيه أصابع إبراهيم وعلمت وغاصت، ولكن الناس تماسحوا فيه حتى انمحى الأثر أو كاد، قيل: وكان المقام في زمن النبي ﷺ ملتصقا بالكعبة، ثم أخره عمر إلى مكانه الآن، لما رأى أن بقاءه يضيق على الطائفين، أو على المصلى، فوضعه في مكان يرتفع به الحرج، قالوا: وتهيأ له ذلك، لأنه الذي كان قد أشار باتخاذه مصلى، وأول من عمل عليه المقصورة. و"المقام" مفعل من القيام، يراد به المكان، أي مكان قيامه، وذهب النخعي ومجاهد إلى أن المراد من "مقام إبراهيم" في الآية الحرم كله، وذهب ابن عباس وعطاء إلى أن المراد به مواقف الحج كلها، وذهب الشعبي إلى أن المراد به عرفة ومزدلفة والجمار، ومعنى اتخاذها مصلى على هذه الآراء أن يدعى فيها، ويتقرب إلى الله تعالى عندها. والصواب الذي عليه الجمهور هو القول الأول.
وموافقة عمر ﵁ في مقام إبراهيم أخرج صورتها أبو نعيم من حديث ابن عمر "أن النبي ﷺ أخذ بيد عمر، فقال: يا عمر، هذا مقام إبراهيم، فقال عمر: أفلا تتخذه مصلى؟ فقال: لم أومر بذلك، فلم تغب الشمس حتى نزلت هذه الآية ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾ والأمر فيها للاستحباب، وقيل: الأمر بصلاة ركعتي الطواف عنده، لما أخرجه مسلم عن جابر أن رسول الله ﷺ لما فرغ من
стр. 5244
طوافه عمد إلى مقام إبراهيم، فصلى خلفه ركعتين وقرأ الآية ﴿وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود﴾ [البقرة: ١٢٥] والأمر للوجوب على بعض الأقوال.
(وفي الحجاب) أي حجاب أمهات المؤمنين، وقد أخرج البخاري عن أنس ﵁ قال: "قال عمر بن الخطاب ﵁: يا رسول الله، يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب؟ فأنزل الله تعالى آية الحجاب ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم والله لا يستحيي من الحق وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما﴾ [الأحزاب: ٥٣]- وكان رضي الله تعالى عنه حريصا على حجابهن، وما ذاك إلا حبا لرسول الله ﷺ " وعن عائشة "أن أزواج النبي ﷺ كن يخرجن بالليل، إذا برزن إلى المناصع، وكان عمر ﵁ يقول للنبي ﷺ : احجب نساءك، فلم يكن رسول الله ﷺ يفعل، فخرجت سودة بنت زمعة ﵂، ليلة من الليالي عشاء، وكانت امرأة طويلة، فناداها عمر ﵁ بصوته الأعلى: قد عرفناك يا سودة، حرصا على أن ينزل الحجاب، فأنزل الله تعالى الحجاب" وذلك إحدى موافقات عمر ﵁ وأخرج نحوه مسلم وابن جرير.
وأخرج البخاري في الأدب والنسائي من حديث عائشة ﵂ أنها كانت تأكل معه ﵊، وكان يأكل معهما بعض أصحابه، فأصابت يد رجل يدها، فكره النبي ﷺ وقال عمر: وكان الذي أصابت إصبعه إصبعها: أوه، لو أطاع فيكن ما رأتكن عين، ونزل الحجاب، قال العلماء ولا يبعد أن يكون مجموع ما ذكر سببا للنزول، وعمر ﵁ في جميعها سبب للنزول.
(وفي أسارى بدر) أسر المسلمون من كفار قريش يوم بدر سبعين رجلا، وقد روى الترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم بإسناد صحيح عن علي ﵁ قال: "جاء جبريل إلى النبي ﷺ يوم بدر، فقال: خير أصحابك في الأسرى إن شاءوا القتل وإن شاءوا الفداء على أن يقتل منهم عاما مقبلا مثلهم. قالوا: الفداء، ويقتل منا" وأخرج مسلم هذه القصة مطولة من حديث عمر، ذكر فيها أنه ﷺ قال: ما ترون في هؤلاء الأسرى؟ فقال أبو بكر: أرى أن تأخذ منهم فدية تكون قوة لنا، وعسى الله أن يهديهم، فقال عمر: أرى أن تمكنا منهم، فنضرب أعناقهم، فإن هؤلاء أئمة الكفر، فهوى رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر" فنزل قوله تعالى ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم* لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم﴾ [الأنفال: ٦٧ - ٦٨] فنزل القرآن برأي عمر.
ومن موافقات عمر ﵁ أنه دخل على أمهات المؤمنين، حين تحزبن على رسول الله ﷺ فحذرهن العواقب، وقال لهن: "عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن" فنزلت الآية على وفق ما قال. ومن موافقاته أيضا تحريم الخمر.
ومن أبرز موافقاته ﵁ محاولة منع النبي ﷺ من الصلاة على المنافقين، وستأتي القصة في روايتنا الثانية عشرة.
стр. 5245
(لما توفي عبد الله بن أبي ابن سلول) "أبي" بضم الهمزة وفتح الباء وتشديد الياء، قال النووي: هكذا صوابه، ويكتب "ابن سلول" بالألف، ويعرب بإعراب "عبد الله" فإنه وصف ثان له لأنه عبد الله بن أبي وهو عبد الله ابن سلول أيضا، فأبي أبوه، "وسلول" أمه فنسب إلى أبويه جميعا، ووصف بهما، وكانت وفاته - كما ذكر الواقدي - بعد منصرفهم من تبوك، في ذي القعدة سنة تسع، وكان قد تخلف هو ومن تبعه عن غزوة تبوك وفيهم نزل قوله تعالى ﴿لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا﴾ [التوبة: ٤٧].
(جاء ابنه عبد الله إلى رسول الله ﷺ كان عبد الله بن عبد الله بن أبي من فضلاء الصحابة وشهد بدرا وما بعدها واستشهد يوم اليمامة، في خلافة أبي بكر الصديق، ومن مناقبه أنه بلغه بعض مقالات أبيه، فجاء إلى النبي ﷺ يستأذنه في قتله فقال له: "بل أحسن صحبته" ولما بلغه قول أبيه "لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل" يعني ابن أبي بالأعز نفسه، وبالأذل رسول الله ﷺ وقف عبد الله هذا على باب المدينة بسيفه، يمنع أباه من دخولها حتى يقول: إنه الأذل ورسول الله ﷺ هو الأعز فقالها.
(فسأله أن يعطيه قميصه، أن يكفن فيه أباه، فأعطاه) في رواية البخاري "أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه، فأعطاه" وعند الطبري "لما احتضر عبد الله جاء ابنه عبد الله إلى النبي ﷺ فقال: يا نبي الله! إن أبي قد احتضر، فأحب أن تشهده وتصلي عليه" وقد ورد أن عبد الله هذا فعل ذلك بعهد وطلب من أبيه، كما روي "أن النبي ﷺ ذهب إليه ليشهده، فلما دخل عليه قال له: أهلكك حب يهود، فقال: يا رسول الله! إنما أرسلت إليك لتستغفر لي، ولم أرسل إليك لتوبخني، ثم سأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه، فأجابه" وعند الطبراني "لما مرض عبد الله بن أبي جاءه النبي ﷺ فكلمه فقال: قد فهمت ما تقول فامنن علي، فكفني في قميصك، وصل علي، ففعل" ولم يكن ابن أبي مؤمنا، بل منافقا كافرا من أهل النار، لكنه - كما يقول الحافظ ابن حجر: أراد بذلك دفع العار عن ولده وعشيرته بعد موته، فأظهر الرغبة في صلاة النبي ﷺ ووقعت إجابته إلى سؤاله، بحسب ما ظهر من حاله إلى أن كشف الله الغطاء عن ذلك.
(فقام رسول الله ﷺ ليصلي عليه، فقام عمر، فأخذ بثوب رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! أتصلي عليه، وقد نهاك الله أن تصلي عليه؟ فقال رسول الله ﷺ : إنما خيرني الله تعالى، فقال ﴿استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم﴾ [التوبة: ٨٠] وسأزيد على سبعين. قال: إنه منافق) وعند البخاري عن عمر ﵁ قال "لما مات عبد الله بن أبي دعى له رسول الله ﷺ ليصلي عليه فلما قام رسول الله ﷺ وثبت إليه، فقلت: يا رسول الله! أتصلي على ابن أبي وقد قال كذا يوم كذا وكذا وكذا؟ قال: أعدد عليه، فتبسم رسول الله ﷺ وقال: أخر عني يا عمر، فلما أكثرت عليه، قال: إني خيرت فاخترت ولو أني أعلم أني إن زدت على السبعين يغفر له لزدت عليها".
والإشكال هنا قول عمر "وقد نهاك الله أن تصلي عليه" ولم تكن آية ﴿ولا تصل على أحد منهم مات أبدا﴾ لم تكن نزلت، فمن أين لعمر هذا القول؟ وعلام استند؟ لقد أقدم بعض المحدثين فرد هذه
стр. 5246
الرواية وقال إنها وهم من بعض الرواة لكن القرطبي قال: لعل ذلك وقع في خاطر عمر، فيكون من قبيل الإلهام ويحتمل أن يكون فهم ذلك من قوله تعالى ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين﴾ [التوبة: ١١٣] ويؤيده رواية أخرى للبخاري، وفيها "تصلي عليه وقد نهاك الله أن تستغفر لهم" وعند ابن مردويه "فقال عمر: أتصلي عليه وقد نهاك الله أن تصلي عليه؟ قال: أين؟ قال: قال: ﴿استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم﴾ فكأن عمر ﵁ فهم من الآية المذكورة أن "أو" ليست للتخيير، بل للتسوية، أي إن الاستغفار لهم وعدم الاستغفار لهم سواء وفهم عمر أيضا من قوله ﴿سبعين مرة﴾ أنها للمبالغة وأن العدد المذكور لا مفهوم له، بل المراد نفي المغفرة لهم، ولو كثر الاستغفار فيحصل من ذلك أن الاستغفار لهم عبث نهي عنه، وفهم أيضا أن المقصود الأعظم من الصلاة على الميت الاستغفار له، والشفاعه له، فالنهي عن الاستغفار له يستلزم النهي عن الصلاة.
(فصلى عليه رسول الله ﷺ ، وأنزل الله ﴿ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره﴾ فترك الصلاة عليهم) وعند الواقدي "ما رأيت رسول الله ﷺ أطال على جنازة قط ما أطال على جنازة عبد الله بن أبي من الوقوف" وفي رواية أن عمر ﵁ ترك رأيه وصلى مع رسول الله ﷺ .
-[فقه الحديث]-
وفاة عمر
قصة وفاة عمر ﵁ أخرجها البخاري تحت باب: قصة البيعة والاتفاق على عثمان ﵁، قال البخاري: وفيه مقتل عمر بن الخطاب ﵁، أخرجها عن عمرو بن ميمون قال: "إني لقائم ما بيني وبينه - يقصد عمر - إلا عبد الله بن عباس، غداة أصيب" - كان ذلك بعد عودته من الحج، سنة ثلاث وعشرين - "وكان إذا مر بين الصفين قال: استووا، حتى إذا لم ير فيهم خللا تقدم فكبر، وربما قرأ سورة يوسف أو نحو ذلك في الركعة الأولى، حتى يجتمع الناس، فما هو إلا أن كبر فسمعته يقول: قتلني - أو أكلني - الكلب، حين طعنه، فطار العلج - بكسر العين وسكون اللام، الحمار "بسكين ذات طرفين، لا يمر على أحد، يمينا ولا شمالا، إلا طعنه، حتى طعن ثلاثة عشر رجلا، مات منهم سبعة، فلما رأى ذلك رجل من المسلمين طرح عليه برنسا، فلما ظن العلج أنه مأخوذ نحر نفسه" وعند ابن سعد بإسناد صحيح إلى الزهري قال: كان عمر لا يأذن لسبي قد احتلم، في دخول المدينة، حتى كتب المغيرة بن شعبة - وهو على الكوفة - يذكر غلاما عنده صانعا ويستأذنه أن يدخله المدينة ويقول: إن عنده أعمالا تنفع الناس إنه حداد نقاش نجار، فأذن له، فضرب عليه المغيرة كل شهر مائة فشكى إلى عمر شدة الخراج، فقال له: ما خراجك بكثير في جنب ما تعمل فانصرف ساخطا، فلبث عمر ليالي فمر به العبد فقال: ألم أحدث أنك تقول: لو أشاء لصنعت رحى تطحن بالريح؟ فالتفت إليه عابسا فقال: لأصنعن لك رحى يتحدث الناس بها، فأقبل عمر على من معه، فقال: توعدني العبد فلبث ليالي ثم اشتمل على خنجر ذي رأسين نصابه وسطه فكمن في زاوية من زوايا المسجد في الغلس" في الفجر وقبله "حتى خرج عمر يوقظ الناس: الصلاة. الصلاة.
وكان عمر يفعل ذلك فلما
стр. 5247
دنا منه عمر وثب إليه، فطعنه ثلاث طعنات [رواية البخاري "أن الطعن كان بعد أن كبر" أصح من رواية ابن سعد التي فيها "أن القتل كان وهو يسوي الصفوف"] إحداهن تحت السرة، وهي التي قتلته، وفي رواية "كان أبو لؤلؤة عبدا للمغيرة، وكان يستغله أربعة دراهم - أي كل يوم - فلقي عمر، فقال: إن المغيرة أثقل علي، فقال: اتق الله، وأحسن إليه، ومن نية عمر أن يلقى المغيرة فيكلمه، فيخفف عنه، فقال العبد: وسع الناس عدله غيري؟ وأضمر على قتله، فاصطنع له خنجرا، له رأسان، وسمه، فتحرى صلاة الغداة، حتى قام عمر، فقال: أقيموا صفوفكم، فلما كبر طعنه، فسقط" وعند مسلم "أن عمر خطب فقال: رأيت ديكا نقرني ثلاث نقرات، ولا أراه إلا حضور أجلي" زاد في رواية "فما مر إلا تلك الجمعة، حتى طعن" وفي رواية "طعن أبو لؤلؤة نفرا، فأخذ أبا لؤلؤة رهط من قريش، منهم عبد الله بن عوف فطرح عليه خميصة كانت عليه" وعند ابن سعد "أن عبد الله بن عوف أحتز رأس أبي لؤلؤة، بعد أن نحر نفسه".
ونعود إلى عمر في حديث البخاري "وتناول عمر يد عبد الرحمن بن عوف، فقدمه، قال عمرو بن ميمونة فمن كان يلي عمر فقد رأى الذي أرى، وأما من في نواحي المسجد فإنهم لا يدرون غير أنهم فقدوا صوت عمر، وهم يقولون: سبحان الله. فصلى بهم عبد الرحمن بن عوف صلاة خفيفة" في رواية "بأقصر سورتين في القرآن: إنا أعطيناك الكوثر، وإذا جاء نصر الله والفتح" وزاد في رواية "ثم غلب عمر النزف حتى غشي عليه، فاحتملته في رهط حتى أدخلته بيته، فلم يزل في غشيته حتى أسفر" أي بدأ ضوء الصبح، فنظر في وجوهنا، فقال: أصلى الناس؟ فقلت: نعم. قال: لا إسلام لمن ترك الصلاة، ثم توضأ وصلى" وفي رواية ابن سعد "فتوضأ وصلى الصبح فقرأ في الأولى: والعصر وفي الثانية قل يا أيها الكافرون قال: وتساند إلي وجرحه يثغب دما، إني لأضع إصبعي الوسطى فما تسد الفتق".
في رواية البخاري: لما انتهى عبد الرحمن بن عوف من الصلاة، وقبل أن يغمى على عمر "قال يا ابن عباس انظر من قتلني؟ فجال ساعة - أي وقتا قصيرا - ثم جاء، فقال: غلام المغيرة قال: الصنع؟ - أي الصنايعي؟ - قال: نعم. قال: قاتله الله، لقد أمرت به معروفا، الحمد لله الذي لم يجعل ميتتي بيد رجل يدعي الإسلام" وفي رواية "الحمد لله الذي لم يجعل قاتلي يحاجني عند الله بسجدة سجدها له قط" وفي رواية "يحاجني بلا إله إلا الله" وفي رواية "لا تعجلوا على الذي قتلني. فقيل: إنه قتل نفسه، فاسترجع عمر، فقيل له: إنه أبو لؤلؤة، فقال: الله أكبر" ثم قال لابن عباس: "قد كنت أنت وأبوك تحبان أن تكثر العلوج بالمدينة". وفي رواية "فقال عمر: هذا من عمل أصحابك كنت أريد أن لا يدخلها علج من السبي، فغلبتموني" وفي رواية "قال عمر: من أصابني؟ قالوا: أبو لؤلؤة، واسمه فيروز، قال: قد نهيتكم أن تجلبوا عليها من علوجهم أحدا، فعصيتموني" قيل: وكان العباس قد قال لعمر: إن عمل المدينة شديد لا يستقيم إلا بالعلوج، وكان العباس من أكثر الصحابة استخداما لهم، فقال عبد الله بن عباس: إن شئت فعلت؟ أي قتلت علوجنا - قال: كذبت. بعد ما تكلموا بلسانكم؟ وصلوا قبلتكم؟ وحجوا حجكم؟ "وكان عمر ﵁ يخشى أن يكون وراء القاتل محرضون، وأن يكون قد ظلم في حكمه جماعة دون قصد فخططوا لهذا العمل، فقال لابن عباس - وكان يحبه ويدنيه - يا عبد الله بن عباس. اخرج فناد في الناس: أعن ملأ منكم كان هذا؟ فقالوا: معاذ الله. ما
стр. 5248
علمنا ولا اطلعنا، وفي رواية "فقال عمر لابن عباس. أحب أن تعلم. عن ملأ من الناس كان هذا؟ فخرج، لا يمر بملأ من الناس إلا وهم يبكون فكأنما فقدوا بكار أولادهم فأخبر عمر بذلك قال: فرأيت البشر في وجه.
-[(وقفة عند هذا الحديث)]-
من الصعب أن نقنع أنفسنا بأن دافع قتل عمر هو عدم إنصافه لهذا العبد من وجهة نظره، إذ كان الأولى بأن يقتل سيده، الظالم له حسب فهمه وكانت هناك وسائل أخرى يسلكها العبد لرفع هذا الظلم غير القتل، وأقلها رفض هذا التكسب والاكتفاء بالخدمة والعبودية كشأن الآلاف ولكننا نعتقد أن هناك ثأرا سابقا، من غزو المسلمين لبلاده، وقتلهم أباه أو عمه أو أخاه، أو أحب الناس إليه، وهو وأمثاله لم يسلموا ولم يدخل الإيمان في قلوبهم حتى يغسل أضغانهم فكان الحذر منهم واجبا، كما أشار عمر، ولكن لا يغني حذر من قدر ففي رواية ابن سعد "فلما طعن قال: وكان أمر الله قدرا مقدورا". ونعود إلى رواية البخاري وعمر الجريح في بيته "وكأن الناس لم تصبهم مصيبة قبل يومئذ" يتوافدون عليه، ويحيطون به، ويدعون له، ويثنون عليه، وجاءوا له بالطبيب، فأتي بنبيذ، فشربه، فخرج من جوفه، ثم أتي له بلبن، فشربه، فخرج من جرحه فعلموا أنه ميت، "وقال الطبيب: اعهد يا أمير المؤمنين. فقال عمر: صدقني ولو قال غير ذلك لكذبته".
وكثر الثناء والدعاء والمواساة فمن قائل: لا بأس ومن قائل: نخاف عليك وعلى الإسلام ومن قائل يقول له: أبشر - يا أمير المؤمنين - ببشرى الله لك، من صحبة رسول الله ﷺ وقدم في الإسلام ما قد علمت، ثم وليت فعدلت، ثم شهادة. قال عمر: وددت أن ذلك كفاف، لا علي، ولا لي، وعلي بن أبي طالب ﵁ يقول: يرحمك الله يا عمر، ما تركت أحدا أحب إلي أن ألقى الله بمثله منك، أي ليتني ألقى الله بمثل ما ستلقاه به، لقد كان رسول الله ﷺ يجمع بينك وبينه وبين أبي بكر في غالب المناسبات فيقول: خرجت أنا وأبو بكر وعمر، وفعلت كذا أنا وأبو بكر وعمر، وجئت أنا وأبو بكر وعمر، وها هي عائشة قد أذنت لك بأن تدفن مع صاحبيك وستكون معهما في الجنة إن شاء الله فهنيئا لك. وهنيئا لك.
قال عمر: "يا عبد الله بن عمر، انظر ما علي من الدين، فحسبوه، فوجدوه ستة وثمانين ألفا، أو نحوه قال: إن وفى له مال آل عمر، فأده من أموالهم، وإلا فسل في بني عدي بن كعب فإن لم تف أموالهم فسل في قريش، ولا تعدهم إلى غيرهم، فأد عني هذا المال" وفي رواية "قال: يا عبد الله، أقسمت عليك بحق عمر إذا مت، فدفنتني أن لا تغسل رأسك، حتى تبيع من رباع آل عمر بثمانين ألفا، فتضعها في بيت مال المسلمين، فسأله عبد الرحمن بن عوف أي عن أسباب هذا الدين - فقال: أنفقتها في حجج حججتها، وفي نوائب كانت تنوبني" قال ابن التين: قد علم عمر أنه لا يلزمه غرامة ذلك، إلا أنه أراد أن لا يتعجل من عمله شيئا في الدنيا.
ثم قال عمر "يا عبد الله، انطلق إلى عائشة أم المؤمنين، فقل لها: يقرأ عليك عمر السلام- ولا تقل: أمير المؤمنين، فإني لست اليوم للمؤمنين أميرا - وقل: يستأذن عمر بن الخطاب أن يدفن مع صاحبيه، فسلم واستأذن ثم دخل عليها، فوجدها قاعدة تبكي، فقال: يقرأ عليك عمر بن الخطاب
стр. 5249
السلام، ويستأذن أن يدفن مع صاحبيه. فقالت كنت أريده لنفسي، ولأوثرنه به اليوم على نفسي، فلما أقبل قيل: هذا عبد الله بن عمر قد جاء. قال: ارفعوني. فأسنده رجل إليه، فقال: ما لديك؟ قال: الذي تحب يا أمير المؤمنين. أذنت. قال: الحمد لله. ما كان من شيء أهم إلي من ذلك "وخشي عمر أن تكون أذنت في حياته، حياء منه، وأن ترجع عن ذلك بعد موته، فأراد أن لا يكرهها على ذلك، فقال "فإذا أنا قضيت فاحملوني، ثم سلم، فقل: يستأذن عمر ابن الخطاب فإن أذنت لي فأدخلوني، وإن ردتني فردوني إلى مقابر المسلمين".
قال عبد الله بن عمر: وجاءت أم المؤمنين حفصة، والنساء تسير معها، قال: فلما رأيناها قمنا، فدخلت عليه، فبكت عنده ساعة، ثم دخلت داخلا، ودخل الرجال، فقالوا: أوص يا أمير المؤمنين. استخلف. قال: ما أجد أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض، فسمى عليا وعثمان والزبير وطلحة وسعدا وعبد الرحمن، وقال: يشهدكم عبد الله بن عمر - وليس له من الأمر شيء، فإن أصابت الإمرة سعدا فهو ذاك، وإلا فليستعن به أيكم ما أمر، فإني لم أعزله عن عجز ولا خيانة.
وقال: "أوصى الخليفة من بعدي بالمهاجرين الأولين، أن يعرف لهم حقهم، ويحفظ لهم حرمتهم، وأوصيه بالأنصار خيرا، الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم، أن يقبل من محسنهم، وأن يعفى عن مسيئهم، وأوصيه بأهل الأمصار خيرا، فإنهم ردء الإسلام، وجباة المال، وغيظ العدو، وأن لا يؤخذ منهم إلا فضلهم عن رضاهم، وأوصيه بالأعراب خيرا، فإنهم أصل العرب، ومادة الإسلام، أن يؤخذ من حواشي أموالهم، ويرد على فقرائهم، وأوصيه بذمة الله وذمة رسول الله ﷺ ، أن يوفى لهم بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم، ولا يكلفوا إلا طاقتهم".
قال عبد الله بن عمر: "فلما قبض خرجنا به، فانطلقنا نمشي، فسلم عبد الله بن عمر، قال: يستأذن عمر بن الخطاب قالت: أدخلوه، فأدخل، فوضع هناك مع صاحبيه".
قال الحافظ بن حجر: اختلف في صفة القبور المكرمة الثلاثة فالأكثر على أن قبر أبي بكر وراء قبر الرسول ﷺ ، وقبر عمر وراء قبر أبي بكر، وقيل: إن قبره ﷺ مقدم إلى القبلة، وقبر أبي بكر حذاء منكبيه، وقبر عمر حذاء أبي بكر، وقيل قبر أبي بكر عند رأس النبي ﷺ ، وقبر عمر عند رجليه، وقيل: قبر أبي بكر عند رجلي النبي ﷺ ، وقبر عمر عند رجلي أبي بكر، وقيل غير ذلك.
-[إسلام عمر ﵁]-
أخرج البخاري عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "مازلنا أعزة منذ أسلم عمر" وذلك لما كان فيه من الجلد والقوة في أمر الله، وروى ابن أبي شيبة والطبراني، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: كان إسلام عمر عزا، وهجرته نصرا، وإمارته رحمة، والله ما استطعنا أن نصلي حول البيت ظاهرين حتى، أسلم عمر.
وفي ملابسات إسلامه ﵁ أخرج الدارقطني، عن أنس ﵁ قال: خرج عمر متقلدا السيف، فلقيه رجل من بني زهرة - فذكر قصة دخول عمر على أخته، وإنكاره إسلامها، وإسلام زوجها سعيد بن زيد،
стр. 5250
وقراءته سورة طه، ورغبته في الإسلام - فخرج خباب فقال: أبشر يا عمر، فإني أرجو أن تكون دعوة رسول الله ﷺ لك. قال: اللهم أعز الإسلام بعمر، أو بعمرو بن هشام.
زاد ابن شيبة في تاريخه "فقلت: يا رسول الله! ففيم الاختفاء؟ فخرجنا في صفين، أنا في أحدهما، وحمزة في الآخر، فنظرت قريش إلينا، فأصابتهم كآبة، لم يصبهم مثلها" وأخرجه البزار مطولا، وأخرج أبو خيثمة من حديث عمر نفسه ﵁ قال: "لقد رأيتني وما أسلم مع رسول الله ﷺ إلا تسعة وثلاثون رجلا، فكملتهم أربعين، فأظهر الله دينه، وأعز الإسلام" وروى البزار نحوه من حديث ابن عباس ﵄ وقال فيه "فنزل جبريل، فقال: ﴿يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين﴾ [الأنفال: ٦٤].
وأخرج الترمذي حديث ابن عمر، أن النبي ﷺ قال: "اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين إليك. بأبي جهل أو عمر، قال: فكان أحبهما إليه عمر" وروى ابن سعد من حديث صهيب قال: "لما أسلم عمر قال المشركون: انتصف القوم منا" وروى البزار والطبراني نحوه.
-[من فضائل عمر ﵁]-
وزاد البخاري عن أحاديث بابنا
١ - حديث الذئب والشاة السابق في فضائل أبي بكر ﵁.
٢ - وحديث عبد الله بن عباس ﵄، يواسي به عمر ﵁ عند موته، ويخفف من جزعه، فيقول: "يا أمير المؤمنين ولئن كان ذاك" أي الموت "لقد صحبت رسول الله ﷺ فأحسنت صحبته، ثم فارقته وهو عنك راض، ثم صحبت أبا بكر، فأحسنت صحبته، ثم فارقته وهو عنك راض ثم صحبت صحابتهما فأحسنت صحبتهم ولئن فارقتهم لتفارقنهم وهم عنك راضون، قال: أما ما ذكرت من صحبة رسول الله ﷺ ورضاه، فإنما ذاك من من الله تعالى، من به علي، وأما ما ذكرت من صحبة أبي بكر ورضاه فإنما ذاك من من الله تعالى، جل ذكره، من به علي، وأما ما ترى من جزعي، فهو من أجلك وأجل أصحابك أي فيمن أستخلف عليهم، والله لو أن لي طلاع الأرض ذهبا، لافتديت به من عذاب الله ، قبل أن أراه".
٣ - وحديث أبي موسى ﵁ قال: "كنت مع النبي ﷺ في حائط من حيطان المدينة، فجاء رجل فاستفتح، فقال النبي ﷺ : افتح له وبشره بالجنة، ففتحت له فإذا هو أبو بكر، فبشرته بما قال رسول الله ﷺ فحمد الله ثم جاء رجل فاستفتح، فقال النبي ﷺ : افتح له وبشره بالجنة، ففتحت له، فإذا هو عمر، فأخبرته بما قال النبي ﷺ فحمد الله، ثم استفتح رجل، فقال لي: افتح له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه فإذا عثمان فأخبرته بما قال رسول الله ﷺ فحمد الله، ثم قال: الله المستعان".
٤ - وحديث أنس بن مالك ﵁ قال "صعد النبي ﷺ أحدا، ومعه أبو بكر وعمر وعثمان، فرجف بهم، فضربه برجله، وقال: اثبت أحد، فما عليك إلا نبي، وصديق وشهيدان".
٥ - وحديث زيد بن أسلم عن أبيه أسلم، مولى عمر قال: سألني ابن عمر عن بعض شأنه - أي عن
стр. 5251
بعض أخبار أبيه عمر - قال: فأخبرته، فقال - أي ابن عمر - ما رأيت أحدا قط - بعد رسول الله ﷺ من حين قبض - كان أجد وأجود - حتى انتهى - من عمر بن الخطاب".
-[ويؤخذ من أحاديث الباب، بعد ما تقدم]-
١ - من الرواية الأولى تقدير علي ﵁ لعمر ورضاؤه عنه، ودعاؤه له، خلافا لما يزعمه الرافضة من الطعن فيه.
٢ - ومن الرواية الثانية فضيلة لعمر، وشدة أمره في الدين.
٣ - من طول قميصه أخذ بعضهم أن عمر أفضل من أبي بكر ﵄ وتعقب باحتمال تخصيص أبي بكر من عموم قوله "رأيت الناس يعرضون" فلعل الذين عرضوا إذ ذاك لم يكن فيهم أبو بكر، وكون عمر عليه قميص يجره لا يستلزم أن لا يكون على أبي بكر قميص أطول منه وأسبغ، والاقتصار في ذاك الوقت كان لإرادة بيان فضيلة عمر، على أن الخصوصية لا تقتضي الأفضلية.
٤ - ومن الرواية الثالثة أن رؤيا اللبن في المنام خير، ويئول شربه بالعلم.
٥ - ومن الرواية الرابعة صدق منامه ﷺ قال النووي: قال العلماء: هذا المنام مثال واضح لما جرى لأبي بكر وعمر ﵄ في خلافتهما، وحسن سيرتها، وظهور آثارهما، وانتفاع الناس بهما، وكل ذلك مأخوذ من النبي ﷺ ومن بركته وآثار صحبته، فكان النبي ﷺ هو صاحب الأمر فقام به أكمل قيام، وقرر قواعد الإسلام، ومهد أموره وأوضح أصوله وفروعه، ودخل الناس في دين الله أفواجا وأنزل الله تعالى ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ [المائدة: ٣] ثم توفي رسول الله ﷺ فخلفه أبو بكر ﵁ سنتين وشهرا، وهو المراد بقوله ﷺ "ذنوبا أو ذنوبين" وهذا شك من الراوي، والمراد ذنوبان، كما صرح به في الرواية الأخرى، وحصل في خلافته قتال أهل الردة، وقطع دابرهم، واتساع الإسلام، ثم توفي فخلفه عمر ﵁ فاتسع الإسلام في زمنه، وتقرر لهم من أحكامه ما لم يقع مثله، فعبر بالقليب عن أمر المسلمين لما فيها من الماء الذي به حياتهم وصلاحهم وشبه أميرهم بالمستقي لهم، وسقيه هو قيامه بمصالحهم وتدبير أمورهم، قال النووي: وأما قوله ﷺ في أبي بكر "وفي نزعه ضعف" فليس فيه حط من فضيلة أبي بكر، ولا إثبات فضيلة لعمر عليه، وإنما هو إخبار عن مدة ولايتهما، وكثرة انتفاع الناس في ولاية عمر لطولها، ولاتساع الإسلام وبلاده، والأموال وغيرها، من الغنائم والفتوحات وتمصير الأمصار، وتدوين الدواوين.
قال: وأما قوله ﷺ "والله يغفر له" فليس فيه تنقيص له، ولا إشارة إلى ذنب، وإنما هي كلمة المسلمون يدعمون بها كلامهم، ونعمت الدعامة.
٦ - قال العلماء: وفي كل هذا إعلام بخلافة أبي بكر وعمر، وصحة ولايتهما، وبيان صفتهما.
٧ - وفي قوله "فأخذ الدلو من يدي ليروحني" فيه إشارة إلى نيابة أبي بكر عنه، وخلافته بعده، وراحته ﷺ بوفاته، كما قال ﷺ "مستريح ومستراح منه" و"الدنيا سجن المؤمن" و"لا كرب على أبيك بعد اليوم".
стр. 5252
٨ - ومن الرواية السابعة، واعتماد غيرة عمر الحكم لكل رجل بما يعلم من خلقه.
٩ - ومن علو أصوات الزوجات في الرواية التاسعة أن مثل هذا يغتفر بين الأزواج، ولا يدخل في قوله تعالى ﴿لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض﴾ [الحجرات: ٢] وقال القاضي عياض: يحتمل أن هذا قبل النهي عن رفع الصوت فوق صوته ﷺ ، ويحتمل أن علو أصواتهن إنما كان باجتماعها، لا أن كلام كل واحدة بانفرادها أعلى من صوته ﷺ .
١٠ - وفي هذا الحديث فضل لين الجانب والحلم والرفق، ما لم يفوت مقصودا شرعيا، قال تعالى ﴿واخفض جناحك للمؤمنين﴾ [الحجر: ٨٨] وقال ﴿ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾ [آل عمران: ١٥٩] وقال ﴿بالمؤمنين رءوف رحيم﴾ [التوبة: ١٢٨].
١١ - وفيه تغلب عمر ﵁ على شيطانه، قال النووي: هذا الحديث محمول على ظاهره، وأن الشيطان متى رأى عمر سالكا فجا، هرب هيبة من عمر، وفارق ذلك الفج، وذهب في فج آخر، لشدة خوفه من بأس عمر، أن يفعل فيه شيئا، قال القاضي: ويحتمل أنه ضرب مثلا لبعد الشيطان وإغوائه منه، والصحيح الأول اهـ. ولا يلزم من ذلك ثبوت العصمة له، إذ الأمر محمول على الغالب.
١٢ - وفي الرواية العاشرة إثبات كرامات الأولياء قاله النووي.
١٣ - وفي الرواية الحادية عشرة بعض موافقات عمر ﵁.
١٤ - ومن الرواية الثانية عشرة كمال شفقته ﷺ على من تعلق بطرف من الدين.
١٥ - تطييب قلب المسلم، فقد فعل ﷺ ما فعل مع ابن أبي تطييبا لخاطر ابنه عبد الله، فإنه كان صحابيا جليلا، وقد سأل ذلك، فأجابه إليه، وقيل: مكافأة لعبد الله المنافق الميت، لأنه كان ألبس العباس حين أسر يوم بدر قميصا.
١٦ - وفيه عظيم مكارم أخلاق النبي ﷺ فقد علم ما كان من هذا المنافق من الإيذاء، وقابله بالحسنى. فألبسه قميصه كفنا وصلى عليه، واستغفر له. قال تعالى ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ [القلم: ٥].
١٧ - وفي الحديث والآية تحريم الصلاة على المنافقين والدعاء لهم بالمغفرة، والقيام على قبرهم بالدعاء.
١٨ - وقد مال بعض أهل الحديث إلى تصحيح إسلام عبد الله بن أبي، لكون النبي ﷺ صلى عليه وذهل عن الوارد من الآيات والأحاديث المصرحة في حقه بما ينافي ذلك، فأقدم على الدعوى المذكورة، وهو محجوج بإجماع من قبله على نقيض ما قال، وإطباقهم على ترك ذكره في كتب الصحابة مع شهرته، وذكر من هو دونه في الشرف والشهرة بأضعاف مضاعفة.
١٩ - استدل بعضهم بالحديث على التأليف بالوسائل الممكنة، فقد أخرج الطبري "وما يغني عنه قميص عن الله؟ وإني لأرجو أن يسلم بذلك ألف من قومه".
٢٠ - وفيه جواز الشهادة على المرء بما كان عليه حيا وميتا، لقوله عمر: إن عبد الله منافق، ولم ينكر النبي ﷺ قوله.
стр. 5253
٢١ - وأن المنهي عنه من سب الأموات ما قصد به الشتم، لا التعريف.
٢٢ - وأن المنافق تجري عليه أحكام الإسلام الظاهرة.
٢٣ - وأن الإعلام بوفاة الميت مجردا لا يدخل في النعي المنهي عنه.
٢٤ - وفيه جواز سؤال الموسر من المال من ترجي بركته شيئا من ماله، لضرورة دينه.
٢٥ - وفيه رعاية الحي المطيع بالإحسان إلى الميت العاصي.
٢٦ - وفيه التكفين بالمخيط.
٢٧ - وجواز تأخير البيان عن وقت النزول، إلى وقت الحاجة.
٢٨ - وفيه العمل بالظاهر إذا كان النص محتملا.
٢٩ - وفيه جواز تنبيه المفضول للفاضل على ما يظن أنه سها عنه
٣٠ - وتنبيه الفاضل المفضول على ما يشكل عليه.
والله أعلم
стр. 5254
(٦٣٤) باب من فضائل عثمان ﵁
٥٤٠٣ - عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ مضطجعا في بيتي، كاشفا عن فخذيه. أو ساقيه. فاستأذن أبو بكر. فأذن له. وهو على تلك الحال. فتحدث. ثم استأذن عمر. فأذن له. وهو كذلك فتحدث. ثم استأذن عثمان. فجلس رسول الله ﷺ وسوى ثيابه - قال محمد: ولا أقول ذلك في يوم واحد - فدخل فتحدث. فلما خرج قالت عائشة: دخل أبو بكر فلم تهتش له ولم تباله. ثم دخل عمر فلم تهتش له ولم تباله. ثم دخل عثمان فجلست وسويت ثيابك. فقال: ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة".
٥٤٠٤ - عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ وعثمان ﵁، أن أبا بكر استأذن على رسول الله ﷺ وهو مضطجع على فراشه، لابس مرط عائشة، فأذن لأبي بكر وهو كذلك فقضى إليه حاجته ثم انصرف ثم استأذن عمر، فأذن له وهو على تلك الحال، فقضى إليه حاجته ثم انصرف قال عثمان: ثم استأذنت عليه فجلس وقال لعائشة: "اجمعي عليك ثيابك" فقضيت إليه حاجتي ثم انصرفت. فقالت عائشة: يا رسول الله! ما لي لم أرك فزعت لأبي بكر وعمر رضي اللهم عنهما كما فزعت لعثمان؟ قال رسول الله ﷺ : "إن عثمان رجل حيي. وإني خشيت إن أذنت له على تلك الحال، أن لا يبلغ إلي في حاجته".
٥٤٠٥ - وفي رواية عن أبي موسى، أن عثمان وعائشة حدثاه، أن أبا بكر الصديق استأذن على رسول الله ﷺ فذكر بمثل حديث عقيل عن الزهري.
٥٤٠٦ - عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: بينما رسول الله ﷺ في حائط من حائط المدينة، وهو متكئ يرتكز بعود معه بين الماء والطين، إذا استفتح رجل. فقال: "افتح. وبشره بالجنة" قال: فإذا أبو بكر. ففتحت له وبشرته بالجنة. قال: ثم استفتح رجل
стр. 5255
آخر. فقال: "افتح. وبشره بالجنة" قال: فذهبت فإذا هو عمر. ففتحت له وبشرته بالجنة. ثم استفتح رجل آخر. قال: فجلس النبي ﷺ فقال: "افتح. وبشره بالجنة على بلوى تكون" قال: فذهبت فإذا هو عثمان بن عفان. قال: ففتحت وبشرته بالجنة. قال: وقلت الذي قال. فقال اللهم صبرا. أو الله المستعان.
٥٤٠٧ - وفي رواية عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ دخل حائطا وأمرني أن أحفظ الباب. بمعنى حديث عثمان بن غياث.
٥٤٠٨ - عن أبي موسى الأشعري ﵁ أنه توضأ في بيته ثم خرج. فقال: لألزمن رسول الله ﷺ ولأكونن معه يومي هذا. قال: فجاء المسجد. فسأل عن النبي ﷺ فقالوا: خرج. وجه ها هنا. قال: فخرجت على أثره أسأل عنه. حتى دخل بئر أريس. قال: فجلست عند الباب. وبابها من جريد. حتى قضى رسول الله ﷺ حاجته وتوضأ. فقمت إليه. فإذا هو قد جلس على بئر أريس، وتوسط قفها، وكشف عن ساقيه، ودلاهما في البئر. قال: فسلمت عليه. ثم انصرفت فجلست عند الباب. فقلت: لأكونن بواب رسول الله ﷺ اليوم. فجاء أبو بكر فدفع الباب. فقلت: من هذا؟ فقال: أبو بكر. فقلت: على رسلك. قال: ثم ذهبت فقلت: يا رسول الله! هذا أبو بكر يستأذن. فقال: "ائذن له وبشره بالجنة" قال: فأقبلت حتى قلت لأبي بكر. ادخل ورسول الله ﷺ يبشرك بالجنة. قال: فدخل أبو بكر فجلس عن يمين رسول الله ﷺ معه في القف، ودلى رجليه في البئر كما صنع النبي ﷺ ، وكشف عن ساقيه. ثم رجعت فجلست. وقد تركت أخي يتوضأ ويلحقني. فقلت: إن يرد الله بفلان - يريد أخاه - خيرا يأت به. فإذا إنسان يحرك الباب. فقلت: من هذا؟ فقال: عمر بن الخطاب. فقلت: على رسلك. ثم جئت إلى رسول الله ﷺ فسلمت عليه وقلت: هذا عمر يستأذن. فقال: "ائذن له وبشره بالجنة" فجئت عمر فقلت: أذن ويبشرك رسول الله ﷺ بالجنة. قال: فدخل فجلس مع رسول الله ﷺ في القف عن يساره ودلى رجليه في البئر. ثم رجعت فجلست فقلت: إن يرد الله بفلان خيرا - يعني أخاه - يأت به. فجاء إنسان فحرك الباب. فقلت: من هذا؟ فقال: عثمان بن عفان. فقلت: على رسلك. قال: وجئت النبي ﷺ فأخبرته فقال: "ائذن له وبشره بالجنة مع بلوى تصيبه" قال: فجئت فقلت ادخل.
следующие страницы →