← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13960

فتح المنعم شرح صحيح مسلم

موسى شاهين لاشين

Полный текст (6 200 стр.). Показаны 5251–5290 · переход к 5256.

стр. 5251

بعض أخبار أبيه عمر - قال: فأخبرته، فقال - أي ابن عمر - ما رأيت أحدا قط - بعد رسول الله ﷺ من حين قبض - كان أجد وأجود - حتى انتهى - من عمر بن الخطاب". -[ويؤخذ من أحاديث الباب، بعد ما تقدم]- ١ - من الرواية الأولى تقدير علي ﵁ لعمر ورضاؤه عنه، ودعاؤه له، خلافا لما يزعمه الرافضة من الطعن فيه. ٢ - ومن الرواية الثانية فضيلة لعمر، وشدة أمره في الدين. ٣ - من طول قميصه أخذ بعضهم أن عمر أفضل من أبي بكر ﵄ وتعقب باحتمال تخصيص أبي بكر من عموم قوله "رأيت الناس يعرضون" فلعل الذين عرضوا إذ ذاك لم يكن فيهم أبو بكر، وكون عمر عليه قميص يجره لا يستلزم أن لا يكون على أبي بكر قميص أطول منه وأسبغ، والاقتصار في ذاك الوقت كان لإرادة بيان فضيلة عمر، على أن الخصوصية لا تقتضي الأفضلية. ٤ - ومن الرواية الثالثة أن رؤيا اللبن في المنام خير، ويئول شربه بالعلم. ٥ - ومن الرواية الرابعة صدق منامه ﷺ قال النووي: قال العلماء: هذا المنام مثال واضح لما جرى لأبي بكر وعمر ﵄ في خلافتهما، وحسن سيرتها، وظهور آثارهما، وانتفاع الناس بهما، وكل ذلك مأخوذ من النبي ﷺ ومن بركته وآثار صحبته، فكان النبي ﷺ هو صاحب الأمر فقام به أكمل قيام، وقرر قواعد الإسلام، ومهد أموره وأوضح أصوله وفروعه، ودخل الناس في دين الله أفواجا وأنزل الله تعالى ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ [المائدة: ٣] ثم توفي رسول الله ﷺ فخلفه أبو بكر ﵁ سنتين وشهرا، وهو المراد بقوله ﷺ "ذنوبا أو ذنوبين" وهذا شك من الراوي، والمراد ذنوبان، كما صرح به في الرواية الأخرى، وحصل في خلافته قتال أهل الردة، وقطع دابرهم، واتساع الإسلام، ثم توفي فخلفه عمر ﵁ فاتسع الإسلام في زمنه، وتقرر لهم من أحكامه ما لم يقع مثله، فعبر بالقليب عن أمر المسلمين لما فيها من الماء الذي به حياتهم وصلاحهم وشبه أميرهم بالمستقي لهم، وسقيه هو قيامه بمصالحهم وتدبير أمورهم، قال النووي: وأما قوله ﷺ في أبي بكر "وفي نزعه ضعف" فليس فيه حط من فضيلة أبي بكر، ولا إثبات فضيلة لعمر عليه، وإنما هو إخبار عن مدة ولايتهما، وكثرة انتفاع الناس في ولاية عمر لطولها، ولاتساع الإسلام وبلاده، والأموال وغيرها، من الغنائم والفتوحات وتمصير الأمصار، وتدوين الدواوين. قال: وأما قوله ﷺ "والله يغفر له" فليس فيه تنقيص له، ولا إشارة إلى ذنب، وإنما هي كلمة المسلمون يدعمون بها كلامهم، ونعمت الدعامة. ٦ - قال العلماء: وفي كل هذا إعلام بخلافة أبي بكر وعمر، وصحة ولايتهما، وبيان صفتهما. ٧ - وفي قوله "فأخذ الدلو من يدي ليروحني" فيه إشارة إلى نيابة أبي بكر عنه، وخلافته بعده، وراحته ﷺ بوفاته، كما قال ﷺ "مستريح ومستراح منه" و"الدنيا سجن المؤمن" و"لا كرب على أبيك بعد اليوم".

стр. 5252

٨ - ومن الرواية السابعة، واعتماد غيرة عمر الحكم لكل رجل بما يعلم من خلقه. ٩ - ومن علو أصوات الزوجات في الرواية التاسعة أن مثل هذا يغتفر بين الأزواج، ولا يدخل في قوله تعالى ﴿لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض﴾ [الحجرات: ٢] وقال القاضي عياض: يحتمل أن هذا قبل النهي عن رفع الصوت فوق صوته ﷺ ، ويحتمل أن علو أصواتهن إنما كان باجتماعها، لا أن كلام كل واحدة بانفرادها أعلى من صوته ﷺ . ١٠ - وفي هذا الحديث فضل لين الجانب والحلم والرفق، ما لم يفوت مقصودا شرعيا، قال تعالى ﴿واخفض جناحك للمؤمنين﴾ [الحجر: ٨٨] وقال ﴿ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾ [آل عمران: ١٥٩] وقال ﴿بالمؤمنين رءوف رحيم﴾ [التوبة: ١٢٨]. ١١ - وفيه تغلب عمر ﵁ على شيطانه، قال النووي: هذا الحديث محمول على ظاهره، وأن الشيطان متى رأى عمر سالكا فجا، هرب هيبة من عمر، وفارق ذلك الفج، وذهب في فج آخر، لشدة خوفه من بأس عمر، أن يفعل فيه شيئا، قال القاضي: ويحتمل أنه ضرب مثلا لبعد الشيطان وإغوائه منه، والصحيح الأول اهـ. ولا يلزم من ذلك ثبوت العصمة له، إذ الأمر محمول على الغالب. ١٢ - وفي الرواية العاشرة إثبات كرامات الأولياء قاله النووي. ١٣ - وفي الرواية الحادية عشرة بعض موافقات عمر ﵁. ١٤ - ومن الرواية الثانية عشرة كمال شفقته ﷺ على من تعلق بطرف من الدين. ١٥ - تطييب قلب المسلم، فقد فعل ﷺ ما فعل مع ابن أبي تطييبا لخاطر ابنه عبد الله، فإنه كان صحابيا جليلا، وقد سأل ذلك، فأجابه إليه، وقيل: مكافأة لعبد الله المنافق الميت، لأنه كان ألبس العباس حين أسر يوم بدر قميصا. ١٦ - وفيه عظيم مكارم أخلاق النبي ﷺ فقد علم ما كان من هذا المنافق من الإيذاء، وقابله بالحسنى. فألبسه قميصه كفنا وصلى عليه، واستغفر له. قال تعالى ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ [القلم: ٥]. ١٧ - وفي الحديث والآية تحريم الصلاة على المنافقين والدعاء لهم بالمغفرة، والقيام على قبرهم بالدعاء. ١٨ - وقد مال بعض أهل الحديث إلى تصحيح إسلام عبد الله بن أبي، لكون النبي ﷺ صلى عليه وذهل عن الوارد من الآيات والأحاديث المصرحة في حقه بما ينافي ذلك، فأقدم على الدعوى المذكورة، وهو محجوج بإجماع من قبله على نقيض ما قال، وإطباقهم على ترك ذكره في كتب الصحابة مع شهرته، وذكر من هو دونه في الشرف والشهرة بأضعاف مضاعفة. ١٩ - استدل بعضهم بالحديث على التأليف بالوسائل الممكنة، فقد أخرج الطبري "وما يغني عنه قميص عن الله؟ وإني لأرجو أن يسلم بذلك ألف من قومه". ٢٠ - وفيه جواز الشهادة على المرء بما كان عليه حيا وميتا، لقوله عمر: إن عبد الله منافق، ولم ينكر النبي ﷺ قوله.

стр. 5253

٢١ - وأن المنهي عنه من سب الأموات ما قصد به الشتم، لا التعريف. ٢٢ - وأن المنافق تجري عليه أحكام الإسلام الظاهرة. ٢٣ - وأن الإعلام بوفاة الميت مجردا لا يدخل في النعي المنهي عنه. ٢٤ - وفيه جواز سؤال الموسر من المال من ترجي بركته شيئا من ماله، لضرورة دينه. ٢٥ - وفيه رعاية الحي المطيع بالإحسان إلى الميت العاصي. ٢٦ - وفيه التكفين بالمخيط. ٢٧ - وجواز تأخير البيان عن وقت النزول، إلى وقت الحاجة. ٢٨ - وفيه العمل بالظاهر إذا كان النص محتملا. ٢٩ - وفيه جواز تنبيه المفضول للفاضل على ما يظن أنه سها عنه ٣٠ - وتنبيه الفاضل المفضول على ما يشكل عليه. والله أعلم

стр. 5254

(٦٣٤) باب من فضائل عثمان ﵁ ٥٤٠٣ - عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ مضطجعا في بيتي، كاشفا عن فخذيه. أو ساقيه. فاستأذن أبو بكر. فأذن له. وهو على تلك الحال. فتحدث. ثم استأذن عمر. فأذن له. وهو كذلك فتحدث. ثم استأذن عثمان. فجلس رسول الله ﷺ وسوى ثيابه - قال محمد: ولا أقول ذلك في يوم واحد - فدخل فتحدث. فلما خرج قالت عائشة: دخل أبو بكر فلم تهتش له ولم تباله. ثم دخل عمر فلم تهتش له ولم تباله. ثم دخل عثمان فجلست وسويت ثيابك. فقال: ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة". ٥٤٠٤ - عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ وعثمان ﵁، أن أبا بكر استأذن على رسول الله ﷺ وهو مضطجع على فراشه، لابس مرط عائشة، فأذن لأبي بكر وهو كذلك فقضى إليه حاجته ثم انصرف ثم استأذن عمر، فأذن له وهو على تلك الحال، فقضى إليه حاجته ثم انصرف قال عثمان: ثم استأذنت عليه فجلس وقال لعائشة: "اجمعي عليك ثيابك" فقضيت إليه حاجتي ثم انصرفت. فقالت عائشة: يا رسول الله! ما لي لم أرك فزعت لأبي بكر وعمر رضي اللهم عنهما كما فزعت لعثمان؟ قال رسول الله ﷺ : "إن عثمان رجل حيي. وإني خشيت إن أذنت له على تلك الحال، أن لا يبلغ إلي في حاجته". ٥٤٠٥ - وفي رواية عن أبي موسى، أن عثمان وعائشة حدثاه، أن أبا بكر الصديق استأذن على رسول الله ﷺ فذكر بمثل حديث عقيل عن الزهري. ٥٤٠٦ - عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: بينما رسول الله ﷺ في حائط من حائط المدينة، وهو متكئ يرتكز بعود معه بين الماء والطين، إذا استفتح رجل. فقال: "افتح. وبشره بالجنة" قال: فإذا أبو بكر. ففتحت له وبشرته بالجنة. قال: ثم استفتح رجل

стр. 5255

آخر. فقال: "افتح. وبشره بالجنة" قال: فذهبت فإذا هو عمر. ففتحت له وبشرته بالجنة. ثم استفتح رجل آخر. قال: فجلس النبي ﷺ فقال: "افتح. وبشره بالجنة على بلوى تكون" قال: فذهبت فإذا هو عثمان بن عفان. قال: ففتحت وبشرته بالجنة. قال: وقلت الذي قال. فقال اللهم صبرا. أو الله المستعان. ٥٤٠٧ - وفي رواية عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ دخل حائطا وأمرني أن أحفظ الباب. بمعنى حديث عثمان بن غياث. ٥٤٠٨ - عن أبي موسى الأشعري ﵁ أنه توضأ في بيته ثم خرج. فقال: لألزمن رسول الله ﷺ ولأكونن معه يومي هذا. قال: فجاء المسجد. فسأل عن النبي ﷺ فقالوا: خرج. وجه ها هنا. قال: فخرجت على أثره أسأل عنه. حتى دخل بئر أريس. قال: فجلست عند الباب. وبابها من جريد. حتى قضى رسول الله ﷺ حاجته وتوضأ. فقمت إليه. فإذا هو قد جلس على بئر أريس، وتوسط قفها، وكشف عن ساقيه، ودلاهما في البئر. قال: فسلمت عليه. ثم انصرفت فجلست عند الباب. فقلت: لأكونن بواب رسول الله ﷺ اليوم. فجاء أبو بكر فدفع الباب. فقلت: من هذا؟ فقال: أبو بكر. فقلت: على رسلك. قال: ثم ذهبت فقلت: يا رسول الله! هذا أبو بكر يستأذن. فقال: "ائذن له وبشره بالجنة" قال: فأقبلت حتى قلت لأبي بكر. ادخل ورسول الله ﷺ يبشرك بالجنة. قال: فدخل أبو بكر فجلس عن يمين رسول الله ﷺ معه في القف، ودلى رجليه في البئر كما صنع النبي ﷺ ، وكشف عن ساقيه. ثم رجعت فجلست. وقد تركت أخي يتوضأ ويلحقني. فقلت: إن يرد الله بفلان - يريد أخاه - خيرا يأت به. فإذا إنسان يحرك الباب. فقلت: من هذا؟ فقال: عمر بن الخطاب. فقلت: على رسلك. ثم جئت إلى رسول الله ﷺ فسلمت عليه وقلت: هذا عمر يستأذن. فقال: "ائذن له وبشره بالجنة" فجئت عمر فقلت: أذن ويبشرك رسول الله ﷺ بالجنة. قال: فدخل فجلس مع رسول الله ﷺ في القف عن يساره ودلى رجليه في البئر. ثم رجعت فجلست فقلت: إن يرد الله بفلان خيرا - يعني أخاه - يأت به. فجاء إنسان فحرك الباب. فقلت: من هذا؟ فقال: عثمان بن عفان. فقلت: على رسلك. قال: وجئت النبي ﷺ فأخبرته فقال: "ائذن له وبشره بالجنة مع بلوى تصيبه" قال: فجئت فقلت ادخل.

стр. 5256

ويبشرك رسول الله ﷺ بالجنة مع بلوى تصيبك. قال: فدخل. فوجد القف قد ملئ. فجلس وجاههم من الشق الآخر. قال شريك: فقال سعيد بن المسيب: فأولتها قبورهم. ٥٤٠٩ - عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: خرجت أريد رسول الله ﷺ فوجدته قد سلك في الأموال. فتبعته، فوجدته قد دخل مالا، فجلس في القف، وكشف عن ساقيه ودلاهما في البئر وساق الحديث بمعنى حديث يحيى بن حسان. ولم يذكر قول سعيد: فأولتها قبورهم. ٥٤١٠ - وفي رواية عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ يوما إلى حائط بالمدينة لحاجته. فخرجت في إثره. واقتص الحديث بمعنى حديث سليمان بن بلال. وذكر في الحديث قال ابن المسيب: فتأولت ذلك قبورهم اجتمعت ها هنا، وانفرد عثمان. -[المعنى العام]- عثمان بن عفان ﵁ أبو عمرو القرشي، هو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، يجتمع مع النبي ﷺ في عبد مناف، قيل: إنه كان يكنى أبا عبد الله بابنه عبد الله، الذي رزق به من رقية بنت رسول الله ﷺ ، ومات عبد الله المذكور صغيرا، وله ست سنين، وحكى ابن سعد أن موته كان سنة أربع من الهجرة وماتت أمه رقية قبل ذلك سنة اثنين. وكان غنيا، لكنه أنفق كثيرا جدا من ماله في سبيل الله وكان ثالث الخلفاء الراشدين، وكان مثلا في صلة الرحم، وإكرام الأهل، مما أخذ عليه في مدة حكمه، وكان لين الجانب يثق في القريبين منه حتى سلم خاتم الدولة لقريبه، فكان يختم به على أشياء لا يقرها. قال الحافظ ابن حجر في الإصابة: وكان سبب قتله أن أمراء الأمصار كانوا من أقاربه، كان بالشام كلها معاوية وبالبصرة سعيد بن العاص، وبمصر عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وبخراسان عبد الله بن عامر، وكان من حج من هذه الأمصار يشكو من أميره وكان عثمان لين العريكة كثير الإحسان والحلم وكان يستبدل ببعض أمرائه فيرضي الشاكين ثم يعيده، إلى أن رحل أهل مصر يشكون من ابن أبي سرح فعزله وكتب لهم كتابا بتولية محمد بن أبي بكر الصديق فرضوا بذلك فلما كانوا في أثناء الطريق رأوا راكبا على راحلة فاستخبروه فأخبرهم أنه من عند عثمان ومعه أمر باستقرار ابن أبي سرح، ومعاقبة جماعة من أعيانهم فأخذوا الكتاب ورجعوا وواجهوه به فحلف

стр. 5257

أنه ما كتب ولا أذن، فقالوا: سلمنا كاتبك، فخشي عليه منهم القتل، وكان كاتبه مروان بن الحكم، وهو ابن عمه فغضبوا، فحصروه في داره واجتمع جماعة من الصحابة يحمونه منهم، فكان ينهاهم عن القتال، إلى أن تسوروا عليه من دار إلى دار، فدخلوا عليه، فقتلوه، فعظم ذلك على أهل الخير من الصحابة وغيرهم، وانفتح باب الفتنة، وكان ما كان، والله المستعان. -[المباحث العربية]- (كان رسول الله ﷺ مضطجعا في بيتي) في الرواية الثانية "أن أبا بكر ﵁ استأذن على رسول الله ﷺ وهو مضطجع على فراشه، لابس مرط عائشة" والمرط بكسر الميم وسكون الراء كساء من صوف، وقيل: من صوف أو كتان أو غيره وقيل: هو الإزار ففي هاتين الروايتين أن قصة كشف الساق ودخول أبي بكر وعمر وعثمان وقعت في بيت عائشة، أما الرواية الثالثة وما بعدها ففيها أن ذلك كان في حائط من حيطان المدينة، وعلى بئر أريس، ومن هنا قال الحافظ ابن حجر: أنكر الداودي أن يكون كشف الساق وتغطيته قد وقع في رواية البئر، وزعم أن ذكرها في رواية البئر من إدخال الرواة حديثا في حديث، وقرر أن كشف الركبة وتغطيتها عند دخول الثلاثة إنما وقع في بيت عائشة فحسب قال الحافظ: ولا مانع أن يتفق للنبي ﷺ أن يغطي ذلك مرتين، حين دخل عثمان وأن يقع ذلك في موطنين ولا سيما مع اختلاف مخرج الحديثين وإنما يقال ما قاله الداودي حيث تتفق المخارج، فيمكن أن يدخل حديث في حديث، لا مع افتراق المخارج كما في هذا فلا يلزم منه تغليط الرواية. (كاشفا عن فخذيه أو ساقيه) بالشك، وفي قصة البئر "عن ساقيه" بدون شك، وعند البخاري في قصة البئر "قد كشف عن ركبتيه، أو ركبته" والفخذ ما فوق الركبة والساق ما تحتها. (فأذن له وهو على تلك الحال) أي أذن الرسول ﷺ له في الدخول عليه، وهو كاشف عن ساقيه. (فتحدث، ثم استأذن عمر، فأذن له، وهو كذلك، فتحدث) في الرواية الثانية انصرف كل منهما قبل مجيء الآخر، ولفظها "فقضى إليه حاجته، ثم انصرف" وفي روايتنا يقول الراوي "ولا أقول: ذلك في يوم واحد" وكأن دخول كل واحد كان في يوم غير يوم دخول الآخر، ومعنى قولها "وهو على تلك الحال" أي على حالة مشبهة تلك الحال، وهذا بخلاف قصة البئر، فكانت جلسة واحدة، وهيئة واحدة اجتمعوا عليها، مما يدل على تعدد الواقعة. (ثم استأذن عثمان فجلس رسول الله ﷺ وسوى ثيابه) أي غطى ساقيه، زاد في الرواية "وقال لعائشة: اجمعي عليك ثيابك" ويحتمل أن يكون هذا قبل الحجاب، فقد دخل عمر، ولم تؤمر عائشة بجمع ثيابها عليها. (فلما خرج) أي عثمان. (قالت عائشة: دخل أبو بكر فلم تهتش له، ولم تباله) قال النووي: هكذا هو في جميع نسخ بلادنا "تهتش" بالتاء بعد الهاء، وفي بعض النسخ الطارئة بحذفها، وفتح الهاء وكذا ذكره

стр. 5258

القاضي يقال: هش يهش - بفتح الهاء، هشاشة، والهشاشة والبشاشة بمعنى طلاقة الوجه، وحسن اللقاء، أما الهش الذي هو خبط الورق من الشجر، فيقال منه: هش يهش بضم الهاء، قال تعالى ﴿وأهش بها على غنمي﴾ [طه: ١٨] ومعنى "لم تباله" لم تكترث به، ولم تحتفل لدخوله، يقال: بالاه يباليه مبالاة، أي اهتم به، واللامبالاة عدم الاهتمام وأمر ذو بال، أي ذو أهمية، والبال الحال والشأن والخاطر، قال تعالى ﴿سيهديهم ويصلح بالهم﴾ [محمد: ٥] وفي الرواية الثانية "ما لي لم أرك فزعت لأبي بكر وعمر ﵄ كما فزعت لعثمان"؟ أي ما لي لم أرك اهتممت بهما، واحتفلت بدخولهما، قال النووي: هكذا هو في جميع نسخ بلادنا "فزعت" بالزاي والعين، وكذا حكاه القاضي عن رواية الأكثرين، قال: وضبطه بعضهم "فرغت" بالراء والغين، وهو قريب من معنى الأول. (فقال: ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة؟ ) "ألا" للعرض والتحضيض، أي أحث نفسي وأحضها على الحياء من رجل تستحي منه الملائكة، قال النووي: هكذا هو في الرواية "أستحي" بياء واحدة في كل واحدة منها، قال أهل اللغة: يقال: استحيا يستحيي بياءين، واستحى يستحي بياء واحدة لغتان الأول أفصح وأشهر، وفي الرواية الثانية "إن عثمان رجل حيي" بكسر الياء الأولى وتشديد الثانية، أي كثير الحياء "وإني خشيت إن أذنت له على تلك الحال أن لا يبلغ إلي في حاجة" أي خشيت أن يمنعه حياؤه - إذا رآني مكشوف الساقين - من الدخول والوصول إلي، فلا يقضي مني حاجته التي جاء من أجلها. (في حائط من حائط المدينة) "حائط" جنس، يصدق على كثيرين فكأنه قال من حوائط المدينة، أو من حيطان المدينة، وهو كذلك في بعض النسخ، والحائط البستان وفي ملحق الرواية الرابعة "فوجدته قد سلك في الأموال" أي قد دخل في البساتين "فتبعته فوجدته قد دخل مالا" أي بستانا. (وهو متكئ) في كتب اللغة: المتكئ من استوى قاعدا على وطاء متمكنا. (يركز بعود معه، بين الماء والطين) "يركز" بفتح الياء وسكون الراء وضم الكاف، أي يضرب طرفه وأسفله في الطين، ليثبته فيه، وقد بينت الرواية الرابعة بداية القصة، وأن أبا موسى توضأ في بيته، ثم خرج، قاصدا أن يلزم رسول الله ﷺ طول هذا اليوم، سأل عنه في المسجد فقالوا: "خرج وجه ها هنا" قال النووي: المشهور في الرواية "وجه" بتشديد الجيم - أي وفتح الواو، أي وجه نفسه هذه الجهة، قال: وضبطه بعضهم بإسكانه، لوجود "خرج" أي خرج قاصدا هذا الوجه وهذه الجهة "قال: فخرجت على أثره" بفتح الهمزة والثاء، أي أتتبع آثار قدميه، أو أتبع طريقه "أسأل عنه، حتى" علمت أنه "دخل بئر أريس" والأريس بفتح الهمزة وكسر الراء مخففة، والإريس بكسر الهمزة وكسر الراء مشددة الحراث، أي بئر حراث، وهو في الرواية مصروف، ولآبار المدينة أسماء، وبئر أريس معروف بالمدينة، قريب من قباء، وهو الذي سقط فيه خاتم النبي ﷺ من يد عثمان ﵁، وكان بجوار كل بئر حوض يملأ، فيستقي أو يتوضأ منه، ويحاط البئر وحوضه غالبا بحائط له باب، وقد يكتفى بباب البستان، "قال: فجلست عند الباب، وبابها من جريد، حتى قضى رسول الله ﷺ حاجته وتوضأ، فقمت إليه" أي توجهت نحوه "فإذا هو قد جلس على بئر أريس وتوسط قفها" بضم القاف،

стр. 5259

وتشديد الفاء، أي حافتها، وأصل القف الغليظ المرتفع من الأرض "وكشف عن ساقيه، ودلاهما في البئر، قال: فسلمت عليه، ثم انصرفت، فجلست عند الباب فقلت: لأكونن بواب رسول الله ﷺ اليوم" وفي ملحق الرواية الثالثة "دخل حائطا، وأمرني أن أحفظ الباب" والظاهر التعارض بين الرواية الرابعة، وفيها أن أبا موسى أراد أن يحفظ الباب من تلقاء نفسه، بل في بعض الروايات، قال: "ولم يأمرني" وبين ملحق الرواية الثالثة، وفيه أنه ﷺ أمره أن يحفظ الباب، وفي رواية أبي عوانة قال "يا أبا موسى، أملك علي الباب، فانطلق، فقضى حاجته وتوضأ، ثم جاء، فقعد على قف البئر" وفي رواية الترمذي "يا أبا موسى، أملك علي الباب، فلا يدخلن علي أحد" ويرفع هذا التعارض باختلاف الزمان، إذ يحتمل أنه أمر بحفظ الباب أثناء قضاء الحاجة وتطوع بحفظ الباب بعد الوضوء، وبعد جلوسه ﷺ على حافة البئر. (إذ استفتح رجل، فقال: افتح وبشره بالجنة، قال: فإذا أبو بكر) في الرواية الرابعة "فجاء أبو بكر فدفع الباب، فقلت: من هذا؟ فقال أبو بكر. فقلت: على رسلك" بكسر الراء وفتحها، لغتان، أي تمهل وتأن، يقال: ترسل في كلامه وقراءته ومشيه، والرسل بكسر الراء الرفق والتؤدة "قال: ثم ذهبت فقلت: يا رسول الله! هذا أبو بكر يستأذن؟ فقال: ائذن له، وبشره بالجنة" وظاهر الرواية الثالثة أن الرسول ﷺ أمر بالفتح والتبشير بالجنة قبل أن يعلم من المستفتح؟ وظاهر الرواية الرابعة أنه أمر بالفتح والتبشير بالجنة بعد أن علمه، ولا تعارض، فمن المحتمل أنه أمر بذلك قبل العلم، وأمر به بعد العلم. (ففتحت له، وبشرته بالجنة) في الرواية الرابعة "فأقبلت، حتى قلت لأبي بكر: ادخل، ورسول الله ﷺ يبشرك بالجنة، فدخل أبو بكر فجلس عن يمين رسول الله ﷺ ، معه في القف ودلى رجليه في البئر كما صنع النبي ﷺ وكشف عن ساقيه" زاد في رواية أن أبا بكر حين بشر بالجنة حمد الله. (ثم استفتح رجل آخر) كان أبو موسى يترقب مجيء أخيه، فقد تركه في البيت يتوضأ، ليلحق به فلما سمع التبشير بالجنة تمنى أن يكون المستفتح الثاني أخاه، فتقول الرواية الرابعة "ثم رجعت" أي إلى الباب "فجلست - وقد تركت أخي يتوضأ، ويلحقني، فقلت: إن يرد الله بفلان - ذكر اسم أخيه - خيرا، يأت به" الآن "فإذا إنسان يحرك الباب، فقلت من هذا؟ فقال عمر بن الخطاب، فقلت: على رسلك ثم جئت إلى رسول الله ﷺ فسلمت عليه، وقلت: هذا عمر يستأذن؟ فقال: ائذن له وبشره بالجنة فجئت عمر فقلت: أذن ويبشرك رسول الله ﷺ بالجنة قال: فدخل فجلس مع رسول الله ﷺ في القف، عن يساره، ودلى رجليه في البئر" قال النووي: وقوله "دلى رجليه في البئر" دليل للغة الصحيحة أنه يجوز أن يقول: دليت الدلو في البئر كما يقال: أدليت، ومنهم من منع الأول. "قال: ثم رجعت فجلست، فقلت" في نفسي: "إن يرد الله بفلان خيرا - يعني أخاه - يأت به، فجاء إنسان، فحرك الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: عثمان بن عفان، فقلت: على رسلك، قال: وجئت النبي ﷺ فأخبرته، فقال: ائذن له، وبشره بالجنة، مع بلوى تصيبه، قال: فجئت فقلت: ادخل ويبشرك رسول الله ﷺ بالجنة مع بلوى تصيبك" في رواية

стр. 5260

"قال: فحمد الله، ثم قال: الله المستعان" وفي رواية عند أحمد "فجعل يقول: اللهم صبرا. حتى جلس". "قال: فدخل، فوجد القف قد ملئ، فجلس وجاههم من الشق الآخر" "وجاههم" بكسر الواو، وضمها، أي قبالتهم، وفي مواجهتهم. (قال سعيد بن المسيب) راوي الحديث عن أبي موسى (فأولتها قبورهم) في الملحق الثاني "فتأولت ذلك قبورهم، اجتمعوا ها هنا، وانفرد عثمان" يعني أن الثلاثة دفنوا في مكان واحد، وعثمان دفن في مكان بائن عنهم، حيث دفن بالبقيع. -[فقه الحديث]- ذكر البخاري بالإضافة إلى حديث الباب، من فضائل عثمان ﵁: ١ - حديث توليه الخلافة، وقد ذكرنا صدره عند الكلام على فضل عمر ﵁، ونذكر بقيته: قال عمرو بن ميمون: "فلما فرغ من دفنه اجتمع هؤلاء الرهط [أي الذين رشحهم عمر للخلافة، علي وعثمان والزبير وطلحة وسعد وعبد الرحمن] فقال عبد الرحمن: اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم" ليقل الاختلاف في الاختيار "فقال الزبير: قد جعلت أمري إلى علي، وقال طلحة: قد جعلت أمري إلى عثمان، وقال سعد: قد جعلت أمري إلى عبد الرحمن بن عوف، فقال عبد الرحمن: أيكما تبرأ من هذا الأمر، فنجعله إليه، والله عليه والإسلام" أي والله رقيب عليه، والإسلام رقيب عليه "لينظرن أفضلهم في نفسه؟ فأسكت الشيخان، فقال عبد الرحمن: أفتجعلونه إلي، والله علي أن لا آلو عن أفضلكم؟ قالا: نعم، فأخذ بيد أحدهما [هو علي] فقال: لك قرابة من رسول الله ﷺ ، والقدم في الإسلام" - بكسر القاف وفتحها مع فتح الدال "ما قد علمت، فالله عليك لئن أمرتك لتعدلن، ولئن أمرت عثمان لتسمعن ولتطيعن. ثم خلا بالآخر، فقال مثل ذلك، فلما أخذ الميثاق قال: ارفع يدك يا عثمان، فبايعه، فبايع له علي، وولج أهل الدار، فبايعوه". ٢ - قال البخاري: وقال النبي ﷺ "من يحفر بئر رومة فله الجنة فحفرها عثمان" وقال "من جهز جيش العسرة فله الجنة، فجهزه عثمان" وروى البغوي في الصحابة "لما قدم المهاجرون المدينة استنكروا الماء، وكانت لرجل من بني غفار عين، يقال لها: رومة، وكان يبيع منها القربة بمد، فقال له النبي ﷺ : تبيعنيها بعين في الجنة؟ فقال: يا رسول الله! ليس لي ولا لعيالي غيرها، فبلغ ذلك عثمان ﵁ فاشتراها بخمسة وثلاثين ألف درهم، ثم أتى النبي ﷺ فقال: أتجعل لي فيها ما جعلت له؟ قال: نعم. قال: قد جعلتها للمسلمين" فلعل عثمان حفر بئرا على هذه العين، أو بناها ووسعها، فنسب إليه حفرها. وأما تجهيز جيش العسرة، فعند الترمذي أنه جهزهم بثلاثمائة بعير، وعند أحمد أنه جاء بألف دينار في ثوبه، فصبها في حجر النبي ﷺ حين جهز جيش العسرة فقال ﷺ "ما على عثمان ما عمل بعد اليوم" وعند أسد بن موسى في فضائل الصحابة "حمل عثمان على ألف بعير وسبعين فرسا في العسرة". ٣ - وحديث "اثبت أحد، فليس عليك إلا نبي وصديق وشهيدان" كما ذكره في فضائل أبي بكر.

стр. 5261

٤ - وحديث عبيد الله بن عدي بن الخيار قال: إن المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، قالا: ما يمنعك أن تكلم عثمان، لأخيه" أي لأجل أخيه، أو عن أخيه "الوليد" بن عقبة بن أبي معيط، وكان أخا عثمان لأمه، وكان عثمان ولاه الكوفة، بعد أن عزل سعد بن أبي وقاص الذي ولاه عثمان على الكوفة بوصية من عمر، ثم عزله بالوليد، سنة خمس وعشرين "فقد أكثر الناس فيه" أي في شأن الوليد، ومنها أنه شرب الخمر، ولم يقم عليه عثمان الحد، فقد أخرج مسلم "أن عثمان أتى بالوليد، وقد صلى الصبح بالناس ركعتين وهو مخمور، وقال للناس عقب السلام إن شئتم أزيدكم، أي أزيد الصبح ركعات على أصلها وشهد عليه رجلان، وأكثر الناس الكلام عن عزل سعد وتولية الوليد، وسعد أحد العشرة، ومن أهل الشورى واجتمع له من الفضل والسنن والعلم والدين والسبق إلى الإسلام ما لم يتفق شيء منه للوليد بن عقبة. ونعود لحديث عبيد الله بن عقبة، قال: "فقصدت لعثمان، حتى خرج إلى الصلاة، قلت: إن لي إليك حاجة، وهي نصيحة لك. قال: أعوذ بالله منك، قال: فانصرفت، فرجعت إليهما، إذ جاء رسول عثمان، فأتيته، فقال: ما نصيحتك؟ فقلت: إن الله سبحانه بعث محمدا ﷺ بالحق، وأنزل عليه الكتاب، وكنت ممن استجاب لله ولرسوله ﷺ فهاجرت الهجرتين" يقصد هجرة الحبشة الأولى، والهجرة إلى المدينة وكان عثمان ﵁ واحدا من أحد عشر رجلا وأربع نسوة وكانت معه زوجته رقية بنت رسول الله ﷺ "وصحبت رسول الله ﷺ ورأيت هديه وقد أكثر الناس في شأن الوليد؟ قال - عثمان مخاطبا عبيد الله: أدركت رسول الله ﷺ ؟ قلت: لا، ولكن خلص إلى من علم ما يخلص إلى العذراء في سترها - أراد أن علم النبي ﷺ لم يكن مكتوما ولا خاصا بل كان شائعا ذائعا، واصلا للعذراء في سترها فوصوله إليه مع حرصه عليه أولى - قال: أما بعد: فإن الله بعث محمدا ﷺ بالحق فكنت ممن استجاب لله ولرسوله، وآمنت بما بعث به، وهاجرت الهجرتين - كما قلت - وصحبت رسول الله ﷺ وبايعته، فوالله ما عصيته، ولا غششته حتى توفاه الله، ثم أبو بكر مثله، ثم عمر مثله، ثم استخلفت. أفليس لي من الحق مثل الذي لهم؟ " في رواية "أفليس لي عليكم من الحق مثل الذي كان لهم علي"؟ من السمع والطاعة "قلت: بلى قال: فما هذه الأحاديث التي تبلغني عنكم؟ أما ما ذكرت من شأن الوليد فسنأخذ فيه بالحق إن شاء الله. ثم دعا عليا، فأمره أن يجلده" وأخرج مسلم أن عثمان قال لعلي: قم فاجلده - بعد أن شهد عليه الشهود، وبعد أن قال لهم عثمان وما يدريكم أنه شرب الخمر؟ قالوا: هي التي كنا نشربها في الجاهلية أي نعرفها جيدا ونعرف ريحها وأعراضها على شاربها - فقال علي: قم يا حسن فاجلده فقال الحسن: ول حارها من تولى قارها، أي من انتفع بالولاية يحمل أثقالها ومساوئها ويقيم الحد على قريبه فكأن عليا وجد على ابنه لرفضه، فقال: قم يا عبد الله بن جعفر فاجلده. فجلده وعزله عثمان عن الكوفة بعد أن تولاها خمس سنين وولى بعده سعيد بن العاص. ٥ - وحديث عثمان بن موهب قال: "جاء رجل من أهل مصر - وكانوا أبرز الخارجين على عثمان - وحج البيت، فرأى قوما جلوسا، فقال: من هؤلاء القوم؟ فقالوا: هؤلاء قريش. قال: فمن الشيخ فيهم؟ قالوا: عبد الله بن عمر. قال: يا بن عمر، إني سائلك عن شيء، فحدثني عنه. هل تعلم أن عثمان

стр. 5262

فر يوم أحد؟ قال: نعم. فقال: تعلم أنه تغيب عن بدر؟ ولم يشهدها؟ قال: نعم. قال الرجل: هل تعلم أنه تغيب عن بيعة الرضوان؟ فلم يشهدها؟ قال: نعم. قال: الله أكبر. قال ابن عمر: تعال أبين لك. أما فراره يوم أحد فأشهد أن الله عفا عنه، وغفر له، وأما تغيبه عن بدر، فإنه كانت تحته بنت رسول الله ﷺ وكانت مريضة، فقال له رسول الله ﷺ : إن لك أجر رجل ممن شهد بدرا وسهمه، وأما تغيبه عن بيعة الرضوان، فلو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان لبعثه مكانه، فبعث رسول الله ﷺ عثمان، وكانت بيعة الرضوان بعد ما ذهب عثمان إلى مكة فقال رسول الله ﷺ بيده اليمنى: هذه يد عثمان فضرب بها على يده، فقال: هذه لعثمان. ثم قال له ابن عمر: "اذهب بها الآن معك" أي توجه بما تمسكت به فإنه لا ينفعك بعد ما بينت لك. وعند النسائي: أرسل عثمان وهو محصور إلى علي وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وغيرهم، فحضروا، فأشرف عليهم، زاد الترمذي "يقال: هل تعلمون أن حراء حين انتفض، قال رسول الله ﷺ : اثبت حراء، فليس عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد؟ قالوا: نعم". وفي رواية قال لهم: هل تعلمون أن رومة لم يكن يشرب منها إلا بثمن، فابتعتها فجعلتها للفقير والغني وابن السبيل؟ قالوا: نعم. وفي رواية قال لهم: هل تعلمون أن المسجد ضاق بأهله فقال رسول الله ﷺ : من يشتري بقعة آل فلان، فيزيدها في المسجد، بخير منها في الجنة؟ فاشتريتها من صلب مالي؟ فأنتم اليوم تمنعوني أن أصلي فيها؟ وفي رواية قال لهم: "وجيش العسرة، جهزتهم حتى لم يفقدوا عقالا ولا خطاما". وفي رواية قال لهم: "أنشد الله رجلا شهد رسول الله ﷺ يوم بيعة الرضوان يقول: هذه يد الله وهذه يد عثمان .. ". وفي رواية قال لهم: هل تعلمون أن رسول الله ﷺ زوجني ابنتيه؟ واحدة بعد أخرى؟ رضي بي؟ ورضي عني؟ قالوا: نعم. وفي رواية "قال يا طلحة، أنشدك الله، أما سمعت رسول الله ﷺ يقول: ليأخذ كل رجل منكم بيد جليسه فأخذ بيدي فقال: هذا جليسي في الدنيا والآخرة؟ قال: نعم. (فائدة) ولد عثمان بن عفان ﵁ بعد الفيل بست سنين على الصحيح كان يلقب ذا النورين، كان يقوم الليل ويصوم الدهر ويصل الرحم، وفي الإصابة: بويع في ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين وقتل في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين وهو ابن اثنتين وثمانين سنة، على الصحيح المشهور ودفن في حش كوكب وهو أرض كان عثمان اشتراها، فوسع بها البقيع ﵁ وأرضاه. -[ويؤخذ من الحديث]- ١ - من الرواية الأولى والثانية من قوله "كاشفا عن فخذيه" قال النووي: هذا الحديث مما يحتج به

стр. 5263

المالكية وغيرهم ممن يقول: ليست الفخذ عورة، ولا حجة فيه، لأنه مشكوك في المكشوف هل هو الساقان أو الفخذان فلا يلزم منه الجزم بجواز كشف الفخذ. ٢ - وفي هذا الحديث وفي استمرار كشف النبي ﷺ ساقه مع حضور أبي بكر وعمر جواز تدلل العالم والفاضل بحضرة من يدل عليه من فضلاء أصحابه واستحباب ترك ذلك إذا حضر غريب أو صاحب يستحى منه. ٣ - وفيه فضيلة عثمان ﵁ وجلالته عند الملائكة. ٤ - وفضيلة الحياء وأنه صفة جميلة من صفات الملائكة. ٥ - ومن تبشيرهم بالجنة في الرواية الثالثة فضيلة هؤلاء الثلاثة. ٦ - وأنهم من أهل الجنة. ٧ - وفيه فضيلة لأبي موسى ﵁. ٨ - وجواز الثناء على الإنسان في وجهه إذا أمنت عليه فتنة الإعجاب. ٩ - وفيه معجزة ظاهرة للنبي ﷺ لإخباره بقصة عثمان والبلوى وأن الثلاثة يستمرون على الإيمان والهدى. ١٠ - ومن قوله عند توقع البلاء "والله المستعان" استحباب قول ذلك عند مثل تلك الحال. ١١ - ومن قول سعيد بن المسيب "فأولتها قبورهم" وقوع التأويل في اليقظة أي تأويل الإشارات إلى أحداث وهو الذي يسمى الفراسة وقد أخذ سعيد بن المسيب من اجتماع الصاحبين مع النبي ﷺ على قف البئر وانفراد عثمان تجاههم اجتماعهم في الدفن وانفراد عثمان عنهم في البقيع وفي رواية "وقال سعيد: فأولت ذلك انتباذ قبره من قبورهم" وفي رواية زيادة "اجتمعوا هنا وانفرد عثمان" والظاهر أن هذا التأويل إنما وقع في نفس سعيد بعد دفنهم جميعا، فهو ربط بين أخبار ماضية وأحداث حدثت تصدقها. ١٢ - وفي وقوف أبي موسى على باب البئر أن النبي ﷺ لم يكن له بواب، وليس معنى ذلك أنه لم يكن له بواب لحظة من حياته، بل المعنى أنه لم يكن له بواب مرتب خاص بذلك على الدوام. ١٣ - ومن تدلية الصاحبين لساقيهما في البئر مدى حرص أبي بكر وعمر على موافقة رسول الله ﷺ في حركاته وسكناته. ١٤ - وفي هذا الفعل أيضا الحرص على راحة الرسول ﷺ ، إذ ربما لو لم يفعلا ذلك استحيا منهما فرفع ساقيه. والله أعلم.

стр. 5264

(٦٣٥) باب فضائل علي ﵁ ٥٤١١ - عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لعلي: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى. إلا أنه لا نبي بعدي" قال سعيد: فأحببت أن أشافه بها سعدا. فلقيت سعدا. فحدثته بما حدثني عامر. فقال: أنا سمعته. فقلت آنت سمعته؟ فوضع إصبعيه على أذنيه فقال: نعم. وإلا فاستكتا. ٥٤١٢ - عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: خلف رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب في غزوة تبوك. فقال: يا رسول الله! تخلفني في النساء والصبيان؟ فقال: "أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ غير أنه لا نبي بعدي". ٥٤١٣ - عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه ﵁ قال: أمر معاوية بن أبي سفيان سعدا فقال: ما منعك أن تسب أبا التراب؟ فقال: أما ما ذكرت ثلاثا قالهن له رسول الله ﷺ فلن أسبه. لأن تكون لي واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم. سمعت رسول الله ﷺ يقول له، خلفه في بعض مغازيه، فقال له علي: يا رسول الله! خلفتني مع النساء والصبيان؟ فقال له رسول الله ﷺ : "أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ إلا أنه لا نبوة بعدي" وسمعته يقول يوم خيبر: "لعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله" قال: فتطاولنا لها. فقال: "ادعوا لي عليا" فأتي به أرمد. فبصق في عينه ودفع الراية إليه. ففتح الله عليه. ولما نزلت هذه الآية ﴿فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم﴾ [آل عمران: ٦١] دعا رسول الله ﷺ عليا وفاطمة وحسنا وحسينا فقال: اللهم! هؤلاء أهلي".

стр. 5265

٥٤١٤ - عن سعد ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال لعلي: "أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى". ٥٤١٥ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال يوم خيبر: "لأعطين هذه الراية رجلا يحب الله ورسوله يفتح الله على يديه" قال عمر بن الخطاب: ما أحببت الإمارة إلا يومئذ. قال: فتساورت لها، رجاء أن أدعى لها قال: فدعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب فأعطاه إياها. وقال امش. ولا تلتفت. حتى يفتح الله عليك" قال: فسار علي شيئا ثم وقف ولم يلتفت. فصرخ: يا رسول الله! على ماذا أقاتل الناس؟ قال: "قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم. إلا بحقها. وحسابهم على الله". ٥٤١٦ - عن سهل بن سعد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال يوم خيبر: "لأعطين هذه الراية رجلا يفتح الله على يديه يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله" قال: فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها. قال: فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله ﷺ . كلهم يرجون أن يعطاها. فقال: "أين علي بن أبي طالب؟ " فقالوا: هو يا رسول الله! يشتكي عينيه. قال: "فأرسلوا إليه. فأتي به. فبصق رسول الله ﷺ في عينيه. ودعا له فبرأ. حتى كأن لم يكن به وجع فأعطاه الراية. فقال علي: يا رسول الله! أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا. فقال: انفذ على رسلك. حتى تنزل بساحتهم. ثم ادعهم إلى الإسلام. وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه. فوالله! لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لك حمر النعم". ٥٤١٧ - عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: كان علي قد تخلف عن النبي ﷺ في

стр. 5266

خيبر، وكان رمدا. فقال: أنا أتخلف عن رسول الله ﷺ ! فخرج علي فلحق بالنبي ﷺ . فلما كان مساء الليلة التي فتحها الله في صباحها قال رسول الله ﷺ : "لأعطين الراية، أو ليأخذن بالراية، غدا رجل يحبه الله ورسوله، أو قال يحب الله ورسوله، يفتح الله عليه" فإذا نحن بعلي وما نرجوه فقالوا: هذا علي: فأعطاه رسول الله ﷺ الراية. ففتح الله عليه. ٥٤١٨ - عن يزيد بن حيان قال: انطلقت أنا وحصين بن سبرة وعمر بن مسلم إلى زيد بن أرقم فلما جلسنا إليه قال له حصين: لقد لقيت يا زيد خيرا كثيرا. رأيت رسول الله ﷺ وسمعت حديثه وغزوت معه وصليت خلفه، لقد لقيت يا زيد خيرا كثيرا. حدثنا يا زيد! ما سمعت من رسول الله ﷺ قال: يا ابن أخي! والله! لقد كبرت سني، وقدم عهدي ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول الله ﷺ . فما حدثتكم فاقبلوا. وما لا، فلا تكلفونيه. ثم قال: قام رسول الله ﷺ يوما فينا خطيبا. بماء يدعى خما. بين مكة والمدينة. فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ وذكر. ثم قال: "أما بعد: ألا أيها الناس! فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور. فخذوا بكتاب الله. واستمسكوا به" فحث على كتاب الله ورغب فيه. ثم قال: "وأهل بيتي. أذكركم الله في أهل بيتي. أذكركم الله في أهل بيتي. أذكركم الله في أهل بيتي" فقال له حصين: ومن أهل بيته؟ يا زيد! أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته. ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده. قال: ومن هم؟ قال: هم آل علي، وآل عقيل وآل جعفر، وآل عباس، قال: كل هؤلاء حرم الصدقة؟ قال: نعم. ٥٤١٩ - عن أبي حيان بهذا الإسناد، نحو حديث إسماعيل وزاد في حديث جرير "كتاب الله فيه الهدى والنور. من استمسك به وأخذ به، كان على الهدى ومن أخطأه، ضل".

стр. 5267

٥٤٢٠ - عن زيد بن أرقم ﵁ قال: دخلنا عليه فقلنا له: لقد رأيت خيرا. لقد صاحبت رسول الله ﷺ وصليت خلفه. وساق الحديث، بنحو حديث أبي حيان، غير أنه قال: "ألا وإني تارك فيكم ثقلين: أحدهما كتاب الله . هو حبل الله. من اتبعه كان على الهدى. ومن تركه كان على ضلالة" وفيه: فقلنا: من أهل بيته؟ نساؤه؟ قال: لا. وايم الله! إن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر. ثم يطلقها فترجع إلى أبيها وقومها. أهل بيته أصله، وعصبته الذين حرموا الصدقة بعده. ٥٤٢١ - عن سهل بن سعد قال: استعمل على المدينة رجل من آل مروان. قال فدعا سهل بن سعد. فأمره أن يشتم عليا. قال: فأبى سهل. فقال له: أما إذ أبيت فقل: لعن الله أبا التراب. فقال سهل: ما كان لعلي اسم أحب إليه من أبي التراب. وإن كان ليفرح إذا دعي بها. فقال له: أخبرنا عن قصته. لم سمي أبا تراب؟ قال: جاء رسول الله ﷺ بيت فاطمة. فلم يجد عليا في البيت. فقال: "أين ابن عمك؟ " فقالت: كان بيني وبينه شيء. فغاضبني فخرج. فلم يقل عندي. فقال رسول الله ﷺ لإنسان: "انظر. أين هو؟ " فجاء فقال: يا رسول الله! هو في المسجد راقد. فجاءه رسول الله ﷺ وهو مضطجع. قد سقط رداؤه عن شقه. فأصابه تراب. فجعل رسول الله ﷺ يمسحه عنه ويقول: "قم أبا التراب! قم أبا التراب! ". -[المعنى العام]- علي بن أبي طالب بن عبد المطلب ابن عم رسول الله ﷺ كان أصغر من رسول الله ﷺ بنحو ثلاثين سنة، وقد تربى مع رسول الله ﷺ من صغره، إذ كان أبوه الحامي والمدافع عن رسول الله ﷺ ، زوجه رسول الله ﷺ ابنته فاطمة بعد الهجرة، وكان من أشجع الصحابة، وله مواقف الجرأة والمنازلة، والمبارزة يوم بدر ولما حاصر المسلمون يهود خيبر أياما وكانوا قد تحصنوا في حصون منيعة أعدوها لهذا اليوم وجمعوا فيها قوت أشهر، وكانوا يخرجون من الحصون يناوشون جيش المسلمين، ثم يعودون فيتحصنون، استمر حصار المسلمين لهم أياما، دون فتح، وأوحي إلى رسول الله ﷺ في ليلة أن المسلمين سيفتحون خيبر بقيادة علي ﵁ فقال ﷺ لأصحابه الذين أجهدهم طول الحصار حتى أكلوا البصل والثوم الأخضر وذبحوا الحمير، قال لهم: سأعطي الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله

стр. 5268

ويحبه الله ورسوله، وسيفتح الله خيبر على يديه، وتمنى كل واحد منهم أن ينال هذا الشرف العظيم، حتى قال عمر بن الخطاب ﵁: ما تمنيت الإمارة في يوم من الأيام، إلا في تلك الساعة وانتظر المسلمون الصباح بفارغ الصبر، وسارعوا إلى رسول الله ﷺ وكل من زعمائهم وقادتهم يتطاول بعنقه نحو الرسول ﷺ يرجو هذا الشرف، وكأنه يقول: أنا هو؟ فقال رسول الله ﷺ : أين علي بن أبي طالب؟ لم يكن أحد منهم ينتظر ذلك، فعلي مريض يشكو عينيه، ولم يحضر حصار الأيام الماضية ولقد تركوه بالمدينة، لكنهم قاموا يبحثون عنه - وإذا بسلمة بن الأكوع يراه من بعيد قادما من المدينة، لقد لام نفسه على أن يتخلف عن رسول الله ﷺ ، مهما كان عذره، فتحامل، وصبر وصابر، ولحق بالجيش، وصحبه سلمة إلى رسول الله ﷺ فبصق في كفه الشريف ومسح بكفه على عينيه، فبرأ كأن لم يكن به وجع، وسلمه راية القيادة، فبارز قائد اليهود فقضى عليه وفتح الله به خيبر. ومرت الأيام وتعددت الغزوات. غزوة مؤتة والحرقات والفتح وحنين، وأوطاس، والطائف، وفي كل غزوة منها نجد عليا ﵁ جنديا عاملا مجاهدا، إن وضع في المقدمة كان في المقدمة، وإن وضع في الساقة كان في الساقة ليس حريصا على قيادة، وإن كان أهلا لها، ولا آسفا عليها إن أبعد عنها، وهكذا كانت تربية الإسلام للقادة، بل في أصعب الغزوات وأشدها وأخطرها، غزوة تبوك، نجد الرسول ﷺ يحجبه عنها، ويعينه على المدينة، غائبا عن المحاربين، ويتألم البطل الشجاع من هذا القرار، ويتظلم لرسول الله ﷺ ويقول له: أتخلفني هنا مع النساء والصبيان؟ والرسول الحكيم ﷺ ، حريص على أن يدرب القادة على قيادة الشعب، كما يدربها على قيادة الجيش والرسول ﷺ هو قائد المسلمين في الحرب وفي السلم. فليخلف عليا على المدينة في هذه الغزوة، فقال له: ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ لقد خلف موسى أخاه هارون في قومه، حين ذهب لمناجاة ربه، وأنا أخلفك على أهل المدينة في غزوتي هذه. فقال علي ﵁: رضيت يا رسول الله. -[المباحث العربية]- (أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي) في الرواية الثانية "خلف رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب في غزوة تبوك" أي خلفه مكانه على المدينة "فقال: يا رسول الله! تخلفني في النساء والصبيان؟ فقال: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ غير أنه لا نبي بعدي" وفي الرواية الثالثة "خلفه في بعض مغازيه" أي تبوك "فقال له علي: يا رسول الله! خلفتني مع النساء والصبيان؟ فقال له رسول الله ﷺ : أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ إلا أن لا نبوة بعدي" وعند أحمد وابن سعد، أنه ﵊ قال لعلي: "لا بد أن أقيم أو تقيم، فأقام علي، فسمع ناسا يقولون: إنما خلفه لشيء كرهه منه، فاتبعه فذكر له ذلك، فقال له: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ فقال علي: رضيت. رضيت. بلى يا رسول الله. قال: فإنه كذلك" وفي الكلام تشبيه من حيث المعنى. أي أنت في صلتك بي تشبه هارون في صلته بموسى، ووجه

стр. 5269

الشبه ليس أخوة النسب قطعا وليس النبوة المشتركة بين موسى وهارون، فهي منفية بلفظ الحديث فدل ذلك على أنه الخليفة في غيابه، كما قال موسى لأخيه هارون: اخلفني في قومي، فعلي كان المستحق للخلافة من بعده هكذا يفهم بعض الشيعة، ويجيب أهل السنة بأن هارون المشبه به إنما كان خليفة في حياة موسى، حين ذهب لميقات ربه، للمناجاة لا بعد موته، لأنه مات قبل موسى بالاتفاق وقبل وفاة موسى بنحو أربعين سنة على المشهور، فالتشبيه إنما هو في قيام علي على المدينة في فترة غياب الرسول ﷺ عنها في هذه الغزوة فقط، فقد أقام ﷺ غيره على المدينة في غير هذه الغزوة. (قال سعيد: فأحببت أن أشافه بها سعدا، فلقيت سعدا، فحدثته بما حدثني عامر، فقال: أنا سمعته. فقلت: آنت سمعته؟ فوضع إصبعيه على أذنيه، فقال: نعم، وإلا فاستكتا) أصل الإسناد: عن سعيد بن المسيب عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال ... إلخ، فسعيد استوثق من سعد نفسه ما سمعه من ابنه، وقول سعد "وإلا فاستكتا" بتشديد الكاف، دعاء على أذنيه بالصمم إن لم تكونا سمعتا ما أخبر به أنه سمعه يقال: استك أي انسد، واستكت مسامعه أي صمت. (أمر معاوية بن أبي سفيان سعدا) المأمور به محذوف، لصيانة اللسان عنه، والتقدير: أمره بسب علي ﵁، وكان سعد قد اعتزل الفتنة، [حرب علي مع خصومه] ولعله اشتهر عنه الدفاع عن علي. (فقال: ما منعك أن تسب أبا التراب)؟ معطوف على محذوف، والتقدير: أمر معاوية سعدا أن يسب عليا، فامتنع، فقال له: ما منعك؟ ويحاول النووي تبرئة معاوية من هذا السوء، فيقول: قال العلماء: الأحاديث الواردة التي في ظاهرها دخل على صحابي يجب تأويلها، قالوا: ولا يقع في روايات الثقات إلا ما يمكن تأويله، فقول معاوية هذا ليس فيه تصريح بأنه أمر سعدا بسبه وإنما سأله عن السبب المانع له من السب، كأنه يقول هل امتنعت تورعا؟ أو خوفا؟ أو غير ذلك؟ فإن كان تورعا وإجلالا له عن السب، فأنت مصيب محسن، وإن كان غير ذلك فله جواب آخر، ولعل سعدا كان في طائفة يسبون، فلم يسب معهم وعجز عن الإنكار عليهم، فسأله هذا السؤال قالوا: ويحتمل تأويلا آخر أن معناه: ما منعك أن تخطئه في رأيه واجتهاده؟ وتظهر للناس حسن رأينا واجتهادنا، وأنه أخطأ اهـ. وهذا تأويل واضح التعسف والبعد والثابت أن معاوية كان يأمر بسب علي، وهو غير معصوم، فهو يخطئ، ولكننا يجب أن نمسك عن انتقاص أي من أصحاب رسول الله ﷺ وسب علي في عهد معاوية صريح في روايتنا التاسعة. (أما ما ذكرت ثلاثا - قالهن له رسول الله ﷺ فلن أسبه) "ما ذكرت" بضم التاء للمتكلم، و"ما" ظرفية دوامية والمعنى لا أسبه مدة ذكري لثلاث، طالما أنا أذكر ثلاثا. (لأن تكون لي واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم) اللام في جواب قسم محذوف،

стр. 5270

و"حمر النعم" الإبل الحمر، وهي أنفس أموال العرب، يضربون بها المثل في نفاسة الشيء، وأنه ليس هناك أعظم منه، وتشبيه أمور الآخرة بأعراض الدنيا إنما هو للتقريب إلى الأفهام، وإلا فذرة من الآخرة الباقية خير من الأرض بأسرها وأمثالها معها. (يقول له: خلفه في بعض مغازيه) الجملة ليست مقول القول، وإنما هي تعبير من الراوي عن مقول القول، ومقول القول الأصلي: أخلفك في المدينة في هذه الغزوة. (خلفتني مع النساء والصبيان)؟ الكلام على سبيل الاستفهام الإنكاري أي لا ينبغي أن تخلفني. (فتطاولنا لها) وفي الرواية الرابعة "ما أحببت الإمارة إلا يومئذ، قال: فتساورت لها، رجاء أن أدعى إليها" ومعنى الروايتين واحد، أي رفعنا وجوهنا ورءوسنا، كناية عن التصدي لها. وفي الرواية الخامسة "فبات الناس يدوكون ليلتهم، أيهم يعطاها"؟ قال النووي: هكذا هو في معظم النسخ والروايات "يدوكون" بضم الدال وبالواو، أي يخوضون ويتحدثون في ذلك وفي بعض النسخ "يذكرون" بإسكان الذال وبالراء اهـ أي يذكر كل منهم هذا القول، فيتوقع كل منهم ما يتوقع. (فقال: ادعوا لي عليا) معطوف على محذوف أي فأصبح فقال إلخ. (فأتي به أرمد، فبصق في عينه ودفع الراية إليه) في الرواية الرابعة "فدعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب فأعطاه إياها" وفي الرواية الخامسة "فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله ﷺ كلهم يرجون أن يعطاها فقال: أين علي بن أبي طالب؟ فقالوا: هو يا رسول الله - يشتكي عينيه، قال: فأرسلوا إليه" بفتح السين "فأتي به فبصق رسول الله ﷺ في عينيه، ودعا له، فبرأ، حتى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية" وفي الرواية السادسة "كان علي قد تخلف عن النبي ﷺ في خيبر وكان رمدا فقال: أنا أتخلف عن رسول الله ﷺ ؟ فخرج علي فلحق بالنبي ﷺ فلما كان مساء الليلة التي فتحها الله في صباحها قال رسول الله ﷺ لأعطين الراية - أو ليأخذن بالراية غدا رجل يحب الله ورسوله - أو قال: يحبه الله ورسوله، يفتح الله عليه، فإذا نحن بعلي، وما نرجوه، فقالوا: هذا علي، فأعطاه رسول الله ﷺ الراية" ولا تعارض بين الروايات، والجمع سهل وبعض الرواة ذكر ما لم يذكر الآخر. (ففتح الله عليه) وقد ذكرنا سير المعركة ونتيجتها عند الكلام عن غزوة خيبر. (ولما نزلت هذه الآية ﴿فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم﴾) دعا رسول الله ﷺ عليا وفاطمة وحسنا وحسينا فقال: "اللهم هؤلاء أهلي" هذه هي الفضيلة الثالثة لعلي ﵁ في نظر سعد بن أبي وقاص وهي أن عليا من أهل رسول الله ﷺ بل اعتبره من أبنائه. وسيأتي الكلام على آل بيته ﷺ . (فأعطاه إياها، وقال: امش ولا تلتفت، حتى يفتح الله عليك، قال، فسار علي شيئا ثم وقف ولم يلتفت فصرخ: يا رسول الله! على ماذا أقاتل الناس)؟ قال النووي: هذا الالتفات المنهي عنه يحتمل وجهين. أحدهما أنه على ظاهره، أي لا تلتفت بوجهك يمينا ولا شمالا

стр. 5271

ولا خلفا، بل اجعل وجهك إلى الأمام دائما، ويلزمه الإقدام وعدم التراجع والثبات، فالكلام على الحقيقة، الثاني أن المراد الحث على الإقدام والمبادرة، وعدم التشاغل بغير ما توجه له، فالكلام على سبيل الكناية، التي هي لفظ أطلق وأريد لازم معناه مع صحة إرادة المعنى الأصلي وحمله بعضهم على الكناية البعيدة على معنى: لا تنصرف عن القتال بعد لقاء عدوك براحة أو توقف أو هدنة حتى يفتح الله عليك فقد كانت الأيام الأولى من القتال قبل تسلم علي الراية مناوشات يرجع المسلمون بعدها إلى عسكرهم ويرجع أهل خيبر إلى حصونهم. وقد حمله علي ﵁ على الحقيقة، ولم يتلفت بوجهه إلى الخلف نحو الرسول ﷺ حين احتاج لسؤاله، بل سأل سؤاله بدون مواجهة. (قام رسول الله ﷺ يوما فينا خطيبا، بماء يدعى "خما" بين مكة والمدينة) "خما" بضم الخاء وتشديد الميم، وهو اسم لغيضة أي لمكان يكثر فيه الشجر، على ثلاثة أميال من المكان الذي يسمى الحسنة، وعنده غدير غير مشهور، يضاف إلى الغيضة، فيقال: غدير خم. (وأنا تارك فيكم ثقلين) بفتح الثاء والقاف، أي أمرين ثقيلين عظيمين، شأنهما كبير، والعمل بهما ثقيل. (كتاب الله ... وأهل بيتي) في الرواية السابعة "أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده، قال: ومن هم؟ قال: هم آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر وآل عباس" وفي الرواية الثامنة "فقلنا: من أهل بيته؟ نساؤه؟ قال: لا. وايم الله! إن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر" أي الزمن القصير من الزمن الطويل، ثم يطلقها، فترجع إلى أبيها وقومها، أهل بيته أصله وعصبته، الذين حرموا الصدقة بعده". قال النووي: هاتان الروايتان ظاهرهما التناقض، والمعروف في معظم الروايات في غير مسلم أنه قال: "نساؤه لسن من أهل بيته فتتأول الرواية الأولى على أن المراد أنهن من أهل بيته الذين يساكنونه ويعولهم، وأمر باحترامهم وإكرامهم، وسماهم ثقلا ووعظ في حقوقهم وذكر، فنساؤه داخلات في هذا كله، ولا يدخلن فيمن حرم الصدقة قال: وقد أشار إلى هذا في الرواية الأولى بقوله "نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة" فاتفقت الروايتان اهـ. وحاصل التوفيق والجمع، أن نساءه ﵅ من أهل بيته من جهة الاحترام والتقدير، وليس من أهل بيته من جهة تحريم الصدقة عليهم، ففي الإثبات تراد جهة وفي النفي تراد أخرى. وسيأتي خلاف الفقهاء في تحديد أهل بيته ﷺ . (فأمره أن يشتم عليا) أي يسب عليا ﵁ باسمه. (فقال له: أما إذا أبيت فقل: لعن الله أبا التراب) أي حيث أبيت سبه باسمه، فسبه بكنيته "أبى التراب" ويلمحون بذلك إلى تنقيصه بهذه الكنية، فكان الرد عليهم: (ما كان لعلي اسم أحب إليه من أبي التراب، وإن كان ليفرح إذا دعي بها) وفي رواية "وما سماه أبا تراب إلا النبي ﷺ "وأطلق كلمة "اسم" وأراد بها الكنية "وإن" في قوله "وإن كان ليفرح" مخففة من الثقيلة.

стр. 5272

(أين ابن عمك) هو ابن عم أبيها، ففي هذا الإطلاق تجوز للاستعطاف. (كان بيني وبينه شيء) أي من الخلاف والنقاش. (فغاضبني فخرج) كان حقها أن تقول: فغاضبته، فخرج، لأنه هو الغضبان، ولكنها المرأة. (فلم يقل عندي) "يقل" بفتح الياء وكسر القاف، من قال يقيل قيلولة، وهي النوم نصف النهار. (فقال رسول الله ﷺ لإنسان: انظر أين هو؟ ) قال الحافظ ابن حجر: يظهر لي أنه سهل، راوي الحديث، لأنه لم يذكر أنه كان مع النبي ﷺ أحد، وللبخاري في الأدب "فقال النبي ﷺ لفاطمة: أين ابن عمك؟ قالت: في المسجد" فيحمل طلبه ﷺ من سهل أن ينظر أين هو؟ أي في أي مكان هو من المسجد؟ . (هو في المسجد راقد) عند الطبراني "فوجده مضطجعا في فيء الجدار" أي في ظل جدار المسجد داخله. (فجاءه رسول الله ﷺ وهو مضطجع، قد سقط رداؤه عن شقه فأصابه تراب، فجعل رسول الله ﷺ يمسح عنه، ويقول: قم أبا تراب) أي كان ينام على جنبه الذي سقط عنه الرداء، ولاصق الأرض، فلصق به التراب، وخلص التراب إلى ظهره، فلما قعد رؤي التراب على هذا الجنب فأخذ رسول الله ﷺ يمسح عنه هذا التراب ويقول له مداعبا مضاحكا: يا أبا التراب. يا أبا التراب. مرتين. قال الحافظ ابن حجر: والظاهر أن ذلك هو أول قول هذه الكلمة لكن ثبت في غزوة العسرة أن النبي ﷺ خاطبه بذلك هناك قال: وهذا إن ثبت حمل على أنه خاطبه بذلك في حالة أخرى. والله أعلم. -[فقه الحديث]- علي بن أبي طالب القرشي الهاشمي أبو الحسن، ابن عم رسول الله ﷺ . ولد قبل البعثة بعشر سنين على الراجح، وكان قد رباه النبي ﷺ من صغره. أول الناس إسلاما في قول كثير من أهل العلم، وشهد مع الرسول ﷺ المشاهد كلها، إلا غزوة تبوك، ولما آخى النبي ﷺ بين الصحابة قال له: أنت أخي. واشتهر بالفروسية والشجاعة وكان أحد الستة الذين رشحهم عمر للخلافة فعرضها عليه عبد الرحمن بن عوف، وشرط عليه شروطا امتنع من بعضها، فعدل عنه إلى عثمان، فقبلها، فولاه، وسلم علي وبايع عثمان فلما قتل عثمان بايعه الناس، ثم كان ما كان من وقعة الجمل وصفين، ثم استشهاده ﵁ ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان سنة أربعين بعد الهجرة وكانت مدة خلافته خمس سنين، تنقص ثلاثة أشهر ونصف شهر، على الصحيح.

стр. 5273

ومناقبه كثيرة. قال الإمام أحمد: لم ينقل لأحد من الصحابة ما نقل لعلي: وقال غيره: كان سبب ذلك بغض بني أمية له، فكان كل من كان عنده علم من شيء من مناقبه من الصحابة يثبته، وكلما أراد الأمويون إخماده ازداد انتشارا، وقد ولدت له الرافضة مناقب موضوعة، هو غني عنها. ولقد صار الناس في حق علي ﵁ بعد الفتنة على ثلاثة: أهل السنة، والمبتدعة من الخوارج، والمحاربين له من بني أمية وأتباعهم، فاحتاج أهل السنة إلى بث فضائله، لكنهم أكثروا في ذلك، وقام الطرفان: الثاني الرافضة بصنع أحاديث كثيرة لا أصل لها، وذهب الخوارج - وكانوا من أنصاره - إلى بغضه، وزادوا حتى كفروه، لقبوله التحكيم، وضموه إلى عثمان في التكفير، أما الأمويون فتنقصوه، واتخذوا لعنه على المنابر سنة. وقال النووي: قال القاضي عياض: عن الرواية الأولى: هذا الحديث مما تعلقت به الروافض والإمامية وسائر فرق الشيعة في أن الخلافة كانت حقا لعلي، وأنه وصى له بها، قال: ثم اختلف هؤلاء، فكفرت الروافض سائر الصحابة في تقديمهم غيره وزاد بعضهم فكفر عليا، لأنه لم يقم في طلب حقه بزعمهم، وهؤلاء أسخف مذهبا وأفسد عقلا من أن يرد عليهم أحد، أو يناظرهم، قال: ولا شك في كفر من قال هذا، لأن من كفر الأمة كلها والصدر الأول فقد أبطل نقل الشريعة، وهدم الإسلام، وأما من عدا هؤلاء الغلاة فإنهم لا يسلكون هذا المسلك، فأما الإمامية وبعض المعتزلة فيقولون: هم مخطئون في تقديم غيره، لا كفار، وبعض المعتزلة لا يقول بالتخطئة، لجواز تقديم المفضول عندهم. وهذا الحديث لا حجة فيه لأحد منهم، بل فيه إثبات فضيلة لعلي، ولا تعرض فيه لكونه أفضل من غيره أو مثله، وليس فيه دلالة لاستخلافه بعده، لأنه كان خاصا بغزوة تبوك، كما قدمنا في المباحث العربية. -[ويؤخذ من أحاديث الباب فوق ما تقدم]- ١ - من الرواية الأولى قال العلماء: في قوله ﷺ "لا نبي بعدي" دليل على أن عيسى ابن مريم ﵇ إذا نزل في آخر الزمان حكما من حكام هذه الأمة، يحكم بشريعة نبينا محمد ﷺ ، ولا ينزل نبيا، كما سبق توضيحه في كتاب الإيمان. ٢ - من مشافهة سعيد بن المسيب لسعد بن أبي وقاص عن الحديث مدى حرص التابعين على الاستيثاق من الحديث. ٣ - وحرصهم على علو الإسناد. ٤ - ومن رد سعد بن أبي وقاص ثقة الصحابة في أحاديثهم، والتأكد منها، وتأكيدهم لسامعيهم صحتها. ٥ - ومن الرواية الثالثة، من رفض سعد سب علي ﵄ قوة سعد وصلابته في دين الله، وجرأته في قوله الحق، غير خائف من أذى أو لومة لائم. ٦ - ومن قوله "يحبه الله ورسوله" فضيلة لعلي ﵁. ٧ - ومن تطاول الصحابة للراية، وقول عمر "ما أحببت الإمارة إلا يومئذ" فضيلة أخرى لعلي، وإنما كانت محبته لها لما دلت عليه الإمارة من محبته لله ورسوله ﷺ ومحبتهما له، والفتح على يديه.

стр. 5274

٨ - ومن فتح الله خيبر على يد علي ﵁ معجزة لرسول الله ﷺ ، لإخباره بما سيقع. ٩ - وفي بصق الرسول ﷺ في عيني علي ﵁، وشفائهما معجزة أخرى. ١٠ - وفي الحديث الدعاء إلى الإسلام قبل القتال، قال النووي: وقد قال بإيجابه على الإطلاق طائفة، ومذهبنا ومذهب آخرين أنهم إن كانوا ممن لم تبلغهم دعوة الإسلام وجب إنذارهم قبل القتال، وإلا فلا يجب، لكن يستحب. ١١ - وفيه قبول الإسلام ممن نصبوا القتال، سواء كان في حال القتال أم في غيره، وحسابهم على الله، أي نكف عنهم في الظاهر، وأما ما بينهم وبين الله تعالى فإن كان صادقا مؤمنا بقلبه نفعه ذلك في الآخرة، ونجا من النار، كما نفعه في الدنيا، وإلا فلا ينفعه، بل يكون منافقا من أهل النار. ١٢ - وفيه أنه يشترط في صحة الإسلام النطق بالشهادتين فإن كان أخرس، أو في معناه كفته الإشارة إليهما. ١٣ - وفيه بيان فضيلة العلم، لقوله "لأن يهدي الله بك رجلا ... إلخ". ١٤ - والدعاء إلى الهدى، وسن السنن الحسنة. ١٥ - في الرواية السابعة والثامنة الوصاية بأهل البيت، واختلف في المراد بهم، والراجح أنهم من حرمت عليهم الصدقة، وهم بنو هاشم وبنو المطلب على الأرجح، وعن أبي حنيفة ومالك: بنو هاشم فقط. وفي حديث أبي حميد "أزواجه وذريته" وقد أطلق على أزواجه ﷺ آل محمد، في حديث عائشة "ما شبع آل محمد من خبز مأدوم ثلاثا" وحديث أبي هريرة "اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا" وقيل: المراد بآله ذرية فاطمة خاصة، وقيل: هم جميع قريش، وقيل: جميع أمة الإجابة وهو يتعارض مع نصوص الأحاديث. ١٦ - وفي الرواية التاسعة جواز القائلة في المسجد. ١٧ - وإطلاق ابن العم على أقارب الأب، لأنه ابن عم أبيها، وقال عنه "ابن عمك؟ ". ١٨ - وفيه إرشادها إلى أن تخاطبه بذلك، لما فيه من الاستعطاف بذكر القرابة. ١٩ - وفيه ممازحة المغضب بما لا يغضب منه وبما يحصل به تأنيسه. ٢٠ - وفيه التكنية بغير الولد. ٢١ - وتكنية من له كنية. ٢٢ - والتلقيب بالكنية لمن لا يغضب. ٢٣ - ومداراة الصهر، وتسكين غضبه. ٢٤ - ودخول الوالد بيت ابنته، بغير إذن زوجها، حيث يعلم رضاه. والله أعلم

стр. 5275

(٦٣٦) باب من فضائل سعد بن أبي وقاص ﵁ ٥٤٢٢ - عن عائشة ﵂ قالت: أرق رسول الله ﷺ ذات ليلة، فقال: "ليت رجلا صالحا من أصحابي يحرسني الليلة" قالت: وسمعنا صوت السلاح. فقال رسول الله ﷺ : "من هذا؟ " قال سعد بن أبي وقاص: يا رسول الله! جئت أحرسك. قالت عائشة: فنام رسول الله ﷺ حتى سمعت غطيطه. ٥٤٢٣ - أن عائشة ﵂ قالت: سهر رسول الله ﷺ مقدمه المدينة ليلة. فقال: "ليت رجلا صالحا من أصحابي يحرسني الليلة" قالت: فبينا نحن كذلك سمعنا خشخشة سلاح. فقال: "من هذا؟ " قال: سعد بن أبي وقاص. فقال له رسول الله ﷺ : "ما جاء بك؟ " قال: وقع في نفسي خوف على رسول الله ﷺ فجئت أحرسه. فدعا له رسول الله ﷺ ثم نام وفي رواية ابن رمح: فقلنا من هذا؟ . ٥٤٢٤ - وفي رواية عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: قالت عائشة: أرق رسول الله ﷺ ذات ليلة. بمثل حديث سليمان بن بلال. ٥٤٢٥ - عن علي ﵁ قال: ما جمع رسول الله ﷺ أبويه لأحد، غير سعد بن مالك. فإنه جعل يقول له يوم أحد: "ارم فداك أبي وأمي". ٥٤٢٦ - عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: لقد جمع لي رسول الله ﷺ أبويه يوم أحد.

стр. 5276

٥٤٢٧ - عن عامر بن سعد، عن أبيه ﵁ أن النبي ﷺ جمع له أبويه يوم أحد. قال: كان رجل من المشركين قد أحرق المسلمين فقال له النبي ﷺ : "ارم فداك أبي وأمي" قال: فنزعت له بسهم، ليس فيه نصل فأصبت جنبه، فسقط، فانكشفت عورته فضحك رسول الله ﷺ حتى نظرت إلى نواجذه. ٥٤٢٨ - عن مصعب بن سعد عن أبيه ﵁ أنه نزلت فيه آيات من القرآن قال: حلفت أم سعد أن لا تكلمه أبدا حتى يكفر بدينه. ولا تأكل ولا تشرب. قالت: زعمت أن الله وصاك بوالديك. وأنا أمك. وأنا آمرك بهذا. قال: مكثت ثلاثا حتى غشي عليها من الجهد فقام ابن لها يقال له عمارة فسقاها. فجعلت تدعو على سعد. فأنزل الله في القرآن هذه الآية ﴿ووصينا الإنسان بوالديه حسنا﴾ ﴿وإن جاهداك على أن تشرك بي﴾ وفيها ﴿وصاحبهما في الدنيا معروفا﴾ قال: وأصاب رسول الله ﷺ غنيمة عظيمة. فإذا فيها سيف فأخذته. فأتيت به الرسول ﷺ . فقلت: نفلني هذا السيف. فأنا من قد علمت حاله. فقال: "رده من حيث أخذته" فانطلقت حتى إذا أردت أن ألقيه في القبض لامتني نفسي، فرجعت إليه. فقلت: أعطنيه. قال فشد لي صوته "رده من حيث أخذته" قال فأنزل الله ﴿يسألونك عن الأنفال﴾ قال ومرضت فأرسلت إلى النبي ﷺ فأتاني. فقلت: دعني أقسم مالي حيث شئت. قال: فأبى قلت: فالنصف قال: فأبى قلت: فالثلث قال: فسكت. فكان بعد الثلث جائزا قال: وأتيت على نفر من الأنصار والمهاجرين فقالوا: تعال نطعمك ونسقك خمرا وذلك قبل أن تحرم الخمر. قال: فأتيتهم في حش والحش البستان فإذا رأس جزور مشوي عندهم وزق من خمر. قال: فأكلت وشربت معهم. قال: فذكرت الأنصار والمهاجرين عندهم. فقلت: المهاجرون خير من الأنصار قال: فأخذ رجل أحد لحيي الرأس فضربني به فجرح بأنفي. فأتيت رسول الله ﷺ فأخبرته. فأنزل الله في - يعني نفسه - شأن الخمر: ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان﴾ ٥٤٢٩ - عن مصعب بن سعد عن أبيه ﵁ أنه قال: أنزلت في أربع آيات. وساق

стр. 5277

الحديث، بمعنى حديث زهير، عن سماك، وزاد في حديث شعبة: قال: فكانوا إذا أرادوا أن يطعموها شجروا فاها بعصا. ثم أوجروها. وفي حديثه أيضا: فضرب به أنف سعد ففزره. وكان أنف سعد مفزورا. ٥٤٣٠ - عن سعد ﵁: في نزلت: ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي﴾ قال: نزلت في ستة أنا وابن مسعود منهم. وكان المشركون قالوا له: تدني هؤلاء؟ ! . ٥٤٣١ - عن سعد ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ ستة نفر. فقال المشركون للنبي ﷺ : اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا. قال: وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال ورجلان لست أسميهما. فوقع في نفس رسول الله ﷺ ما شاء الله أن يقع فحدث نفسه. فأنزل الله ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه﴾ -[المعنى العام]- سعد بن أبي وقاص ﵁ من أوائل السابقين إلى الإسلام، ومن كبار المجاهدين من الصحابة، كان مشهورا بالفروسية والشجاعة والذكاء والفراسة وبعد النظر شارك الرسول ﷺ في غزواته وضرب المثل الأعلى في حبه للرسول ﷺ والحرص عليه وحمايته من كل سوء وكان يحرسه مما يخاف عليه منه، يقف على بابه ساهرا مستعدا بسلاحه في السلم ويفديه بصدره في الحرب وعند الشدائد يعرف الحب والإخلاص وفي الأزمات تتبين المعادن الأصيلة لقد هزم المسلمون في أحد وفاجأت الصدمة الشجعان فأذهلتهم وممن غشي عليه سعد بن أبي وقاص، انتبه فوجد نفسه على الأرض، أفاق فوجد أمامه رسول الله ﷺ وقد أحاط به المشركون وليس معه إلا أقل من عشرة من المسلمين يحيطون به، ويقدمون نحورهم فداء لنحره، وسعد من كبار الرماة، تحسس جعبة سهامه فوجدها مليئة، وتحسس نبله فوجده جاهزا، فأخذ يرمي المشركين حتى نفدت سهام جعبته، وإذا برسول الله ﷺ ينثر له جعبته، ويقول له: ارم يا سعد! فداك أبي وأمي، ويرمي سعد فتنفد السهام فيرى رسول الله ﷺ بعض الصحابة العائدين بعد فرار فيقول لهم: انثروا جعبكم أمام سعد ويظل سعد يرمي في نحور المشركين حتى بعدوا عن رسول الله ﷺ وانصرفوا عن المسلمين. وكانت دعوة النبي ﷺ له: اللهم! سدد رميته، وأجب دعوته، فكان مجاب الدعوة، كما كان سديد الرمي، وبعد رسول الله ﷺ عاون أبا بكر في حروبه، وعينه عمر ﵁ قائدا لجيوش المسلمين في حربهم لكسرى ففتح بلاد كسرى وفتح العراق وبنى مدينة الكوفة وعينه عمر ﵁ واليا على الكوفة ولما عزله عمر استجابة لشكاية من بعض أهلها وكانت تهما باطلة قال في وصيته: لم أعزله عن قصور ورشحه أحد الستة الذين حصر الخلافة فيهم من بعده، وأوصى بالاستعانة به.

стр. 5278

رضي الله عنه وأرضاه ورضي عن الصحابة أجمعين. -[المباحث العربية]- (أرق رسول الله ﷺ ذات ليلة، فقال: ليت رجلا صالحا من أصحابي يحرسني الليلة) "أرق" بفتح الهمزة وكسر الراء وفتح القاف أي سهر ولم يأته نوم في الرواية الثانية "سهر رسول الله ﷺ ، مقدمه المدينة ليلة" أي في أوائل إقامته بالمدينة وعند البخاري "كان النبي ﷺ سهر فلما قدم المدينة "وفي ليلة من الليالي بعد أن تزوج عائشة، وكان يخاف غدر اليهود "قال: ليت رجلا صالحا من أصحابي يحرسني الليلة" ولم يبين زمان السهر، وظاهر أن السهر كان قبل القدوم والقول بعده، وظاهر روايتنا أن السهر والقول معا كانا بعد القدوم وعند النسائي "كان رسول الله ﷺ أول ما قدم المدينة يسهر من الليل" وعند أحمد "أن رسول الله ﷺ سهر ذات ليلة وهي إلى جنبه قالت: فقلت: ما شأنك يا رسول الله؟ ... " الحديث، وعند الترمذي عن عائشة ﵂ قالت: "كان النبي ﷺ يحرس حتى نزلت هذه الآية ﴿والله يعصمك من الناس﴾ (قالت: وسمعنا صوت السلاح) في الرواية الثانية "فبينا نحن كذلك سمعنا خشخشة سلاح" أي صوت سلاح، صدم بعضه بعضا. (فقال رسول الله ﷺ من هذا؟ قال: سعد بن أبي وقاص: يا رسول الله جئت أحرسك) في الرواية الثانية "فقال: من هذا؟ قال: سعد بن أبي وقاص، فقال له رسول الله ﷺ : ما جاء بك؟ قال: وقع في نفسي خوف على رسول الله ﷺ فجئت أحرسه فدعا له رسول الله ﷺ ". (فنام رسول الله ﷺ حتى سمعت غطيطه) الغطيط صوت النائم المرتفع. (ما جمع رسول الله ﷺ أبويه لأحد، غير سعد بن مالك، فإنه جعل يقول له يوم أحد: ارم فداك أبي وأمي) المعنى: ما جمع في التفدية بين أبويه، ولكنه كان كثيرا ما يقول: فداك أبي - فقط وفي الرواية الرابعة يقول سعد: لقد جمع لي رسول الله ﷺ أبويه يوم أحد" وفي نفي جمع أبويه عن غير سعد نظر فقد ثبت - وسيأتي - أن النبي ﷺ جمع أبويه للزبير بن العوام يوم الخندق، ويجمع بينهما بأن عليا ﵁ لم يطلع على ذلك أو مراده تقييد ذلك بيوم أحد ويؤيد الجمع الأول رواية البخاري "عن علي ﵁ قال: ما سمعت النبي ﷺ جمع أبويه لأحد إلا لسعد بن مالك فإني سمعته يقول يوم أحد: يا سعد ارم فداك أبي وأمي". وتوضح الروايات سبب هذه التفدية، ففي البخاري عن سعد ﵁ "نثل لي رسول الله ﷺ كنانته يوم أحد فقال: ارم فداك أبي وأمي" "نثل" أي نفض، والكنانة جعبة السهام وتكون غالبا من جلود، وعند الحاكم عن سعد ﵁ قال: "جال الناس يوم أحد تلك الجولة" أي انهزموا وفروا "فتنحيت، فقلت: أذود عن نفسي، فإما أن أنجو وإما أن أستشهد فإذا رجل محمر الوجه - وقد كاد المشركون أن يركبوه، فملأ يده من الحصى، فرماهم وإذا بيني وبينه المقداد فأردت أن أسأله عن الرجل، فقال لي: يا سعد هذا رسول الله ﷺ يدعوك،

стр. 5279

فقمت، وكأنه لم يصبني شيء من الأذى وأجلسني أمامه فجعلت أرمي ... " وقد روى مسلم عن ظروف هذه التفدية، عن أنس ﵁ قال "أفرد رسول الله ﷺ يوم أحد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش" وكأن المراد بالرجلين طلحة وسعد. (كان رجل من المشركين قد أحرق المسلمين) أي أثخن فيهم، وأكثر وبالغ في جرحهم وقتلهم، وعمل فيهم نحو عمل النار. (قال: فنزعت له بسهم ليس فيه نصل) أي رميته بسهم ليس فيه زج، أي رماه بعود من الخشب ليس في طرفه الحديدة النفاذة الجارحة. (فأصبت جنبه) قال النووي: بالجيم والنون، هكذا هو في معظم النسخ، وفي بعضها "حبته" بحاء مفتوحة وباء مشددة مفتوحة بعدها تاء، أي حبة قلبه. (فسقط، فانكشفت عورته) أي وقع على جنبه، فرفع الإزار عن عورته. (فضحك رسول الله ﷺ فرحا بإصابته وسقوطه وليس لانكشاف عورته. (حتى نظرت إلى نواجذه) بالذال أي أنيابه أو أضراسه. (أنه نزلت فيه آيات من القرآن) أي كان سببا في نزولها. (حلفت أم سعد أن لا تكلمه أبدا، حتى يكفر بدينه، ولا تأكل ولا تشرب) أي حتى يكفر بالإسلام. وأمه خمرة بنت سفيان بن أمية بنت عم أبي سفيان بن حرب بن أمية وهذه العلاقة وحدها كافية في تبرير موقفها، أو فهمه، رغم أن السيدة أم حبيبة من السابقات وهي ابنة أبي سفيان. (مكثت ثلاثا حتى غشي عليها من الجهد) أي ثلاث ليال لا تأكل ولا تشرب حتى غشي عليها من التعب. (فقام ابن لها يقال له: عمارة، فسقاها) في الرواية السابعة "فكانوا إذا أرادوا أن يطعموها" أي أو يسقوها "شجروا فاها بعصا" أي فتحوا فاها، ووضعوا فيه عصا لئلا تطبق، ثم صبوا الطعام فيصل جوفها رغم أنفها. قال النووي: هكذا صوابه "شجروا" بالشين والجيم والراء، وهكذا هو في جميع النسخ قال القاضي: ويروى "شحوا فاها" بالحاء وحذف الراء، ومعناه قريب من الأول، أي أوسعوه وفتحوه، والشحو التوسعة، ودابة شحو، واسعة الخطو، ويقال: أوجره ووجره، لغتان، الأولى أفصح وأشهر. اهـ. وفي كتب اللغة: الوجور، بفتح الواو وضمها الدواء يصب في الحلق، وأوجر الناس العليل، صبوا الوجور في حلقه. (فجعلت تدعو على سعد، فأنزل الله في القرآن هذه الآية ﴿ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي﴾ ... وفيها ﴿وصاحبهما في الدنيا معروفا﴾)

стр. 5280

وأخرج أبو يعلى وابن مردويه والطبراني وابن عساكر، عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: "كنت برا بأمي، لما أسلمت قالت: يا سعد، وما هذا الذي أراك قد أحدثت؟ لتدعن دينك هذا، أو لا آكل ولا أشرب، حتى أموت فتعير بي فيقال: يا قاتل أمه. قلت لا تفعلي يا أمه فإني لا أدع ديني هذا لشيء فمكثت يوما وليلة لا تأكل فأصبحت قد جهدت فمكثت يوما وليلة لا تأكل فأصبحت قد اشتد جهدها فلما رأيت ذلك قلت: يا أمه تعلمين. والله! لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفسا نفسا ما تركت ديني هذا لشيء فإن شئت فكلي وإن شئت لا تأكلي، فلما رأت ذلك أكلت، فنزلت هذه الآية". (وأصاب رسول الله ﷺ غنيمة عظيمة، فإذا فيها سيف فأخذته، فأتيت به الرسول ﷺ فقلت: نفلني هذا السيف) أي أعطنيه نافلة زائدة على حقي "فأنا من قد علمت حاله" جهادا وشجاعة وكفاءة "فقال: رده من حيث أخذته قال: فانطلقت حتى إذا أردت أن ألقيه في القبض" بفتح القاف والباء الموضع الذي يجمع الغنائم "لامتني نفسي فرجعت إليه فقلت: أعطنيه. فقال: فشد لي صوته: رده من حيث أخذته قال: فأنزل الله ﴿يسألونك عن الأنفال﴾ أي الأنفال لرسول الله ﷺ يمنحها لمن يشاء، وقد جاء أن النبي ﷺ بعد نزول الآية أرسل إلى سعد أن يأخذ السيف فقد أخرج أحمد وأبو داود والترمذي وصححه والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في السنن عن سعد ﵁ قال: "قلت: يا رسول الله قد شفاني الله تعالى اليوم من المشركين، فهب لي هذا السيف. قال: إن هذا السيف لا لك ولا لي ضعه فوضعته، ثم رجعت فقلت: عسى يعطى هذا السيف اليوم من لا يبلي بلائي، وإذا رجل يدعوني من ورائي، فقلت: قد أنزل في شيء، قال ﵊: كنت سألتني هذا السيف، وليس هو لي، وإني قد وهب لي، فهو لك، وأنزل الله هذه الآية ﴿يسألونك عن الأنفال﴾ (ومرضت فأرسلت إلى النبي ﷺ كان هذا المرض بمكة في حجة الوداع، وعاش سعد بعدها أزيد من أربعين سنة. (فكان بعد الثلث جائزا) أي لم ينزل في هذا قرآن، بل السنة قيدت القرآن، في قوله ﴿من بعد وصية يوصى بها أو دين﴾ [النساء: ١٢] فالوصية في القرآن مطلقة، والسنة قيدتها بالثلث. والموضوع مبسوط في كتاب الوصية. (فأتيتهم في حش. والحش البستان) بفتح الحاء وتشديد الشين. (فإذا رأس جذور مشوي عندهم) "مشوي" بالرفع، صفة لرأس، والجذور ما يصلح لأن يذبح من الإبل، ذكرا أو أنثى، ولفظه أنثى يقال للبعير: هذه جذور سمينة، والجمع جزائر وجزر، والجزر بفتح الجيم وسكون الزاي النحر، يقال: جزر الجزور نحرها فهو جازر وجزار وجزير. (وزق من خمر) أي عندهم فزق معطوف على "رأس" أو مبتدأ خبره محذوف والجملة معطوفة على الجملة، والزق بكسر الزاي وعاء من جلد، يجز شعره ولا ينتف، يستخدم إناء للشراب وغيره وجمعه أزقاق، وزقاق.

стр. 5281

(فذكرت الأنصار والمهاجرون عندهم) بضم الذال وكسر الكاف وفتح الراء بالبناء للمجهول، وفي بعض النسخ بفتح الذال والكاف وسكون الراء وضمير المتكلم "فذكرت الأنصار والمهاجرين عندهم" وفي رواية "فتفاخرنا" فقلت: المهاجرون خير من الأنصار. (فقلت: المهاجرون خير من الأنصار) في بعض النسخ "المهاجرين خير من الأنصار" والصحيح الأول. (فأخذ رجل أحد لحيي الرأس، فضربني به) أي فأخذ رجل من الأنصار - يدافع عن الأنصار - واللحاء بكسر اللام، ويقصر - من كل شيء قشره، ولحاء التمرة ما كسا النواة وليس ما هنا منه، بل تثنية لحي، بفتح اللام وسكون الحاء وتحريك الياء، وهو منبت اللحية من الإنسان وغيره، وهما لحيان، واللحيان بفتح اللام حائطا الفم، وهما العظمان اللذان فيهما الأسنان من داخل الفم، من كل جانب لحي، ويكون للإنسان والدابة وهو المراد هنا. (فجرح بأنفي) "جرح" تتعدى بنفسها، فالمفعول محذوف، والباء بمعنى "في" أي جرحني في أنفي، في الرواية السابعة "فضرب به أنف سعد ففزه وكان أنف سعد مفزورا" أي فشقه قال الراوي: وكان أنف سعد مفزورا أي بقي أثر الضربة في أنف سعد بقية حياته. (فأنزل الله تعالى في - يعني نفسه - شأن الخمر) ذكر العلماء هذا سببا لنزول الآية ﴿إنما الخمر والميسر﴾ وذكر بعضهم سببا أو أسبابا أخرى، وتعدد الأسباب لنازل واحد كثير. (في نزلت ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي﴾ [الأنعام: ٥٢] قال: نزلت في ستة أنا وابن مسعود منهم، وكان المشركون قالوا له: تدني هؤلاء)؟ وفي الرواية التاسعة عن سعد ﵁ قال "كنا مع النبي ﷺ ستة نفر فقال المشركون للنبي ﷺ : اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا" أي لئلا يجترءوا علينا، ويطمعوا فينا، ويلغوا الفوارق بيننا وبينهم إن نحن أسلمنا، فكانوا معنا، أي اطردهم لنسلم "قال: وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال ورجلان لست أسميهما" وقد أخرج أحمد والطبراني وغيرهما عن ابن مسعود ﵁ قال "مر الملأ من قريش على النبي ﷺ ، وعنده صهيب وعمار وبلال وخباب ونحوهم من ضعفاء المسلمين فقالوا: يا محمد رضيت بهؤلاء من قومك؟ أهؤلاء من الله عليهم من بيننا؟ أنحن نكون تبعا لهؤلاء؟ اطردهم عنك، فلعلك إن طردتهم أن نتبعك، فأنزل الله تعالى فيهم القرآن". (فوقع في نفس رسول الله ﷺ ما شاء الله أن يقع، فحدث نفسه، فأنزل الله ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم﴾) وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ والبيهقي في الدلائل وغيرهم، عن خباب ﵁ قال "جاء الأقرع بن حابس التميمي وعيينة بن حصن الفزاري، فوجدا النبي ﷺ قاعدا مع بلال وصهيب وعمار وخباب في أناس ضعفاء من المؤمنين فلما رأوهم حوله حقروهم فأتوه فخلوا به فقالوا: نحب أن تجعل لنا منك مجلسا تعرف العرب له فضلنا فإن وفود العرب تأتيك، فنستحي أن ترانا قعودا مع هؤلاء الأعبد فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت.

стр. 5282

قال: نعم. قالوا: فاكتب لنا عليك بذلك كتابا، فدعا بالصحيفة، ودعا عليا ﵁ ليكتب، ونحن قعود في ناحية إذ نزل جبريل بهذه الآية ﴿ولا تطرد الذين﴾ إلخ، ثم دعانا، فأتيناه وهو يقول: "سلام عليكم. كتب ربكم على نفسه الرحمة" فكنا نقعد معه، فإذا أراد أن يقوم، قام وتركنا فأنزل الله تعالى ﴿واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم﴾ [الكهف: ٢٨] إلخ، فكان رسول الله ﷺ يقعد معنا بعد، فإذا بلغ الساعة التي يقوم فيها قمنا وتركناه حتى يقوم" وأخرج ابن المنذر وغيره عن عكرمة قال: مشى عتبة وشيبة ابنا ربيعة وقرظة ابن عبد عمرو بن نوفل والحارث بن عامر ومطعم بن عدي في أشراف الكفار من عبد مناف، إلى أبي طالب، فقالوا: لو أن ابن أخيك طرد عنا هؤلاء الأعبد والحلفاء كان أعظم له في صدورنا وأطوع له عندنا، وأدنى لاتباعنا إياه وتصديقه، فذكر ذلك أبو طالب للنبي ﷺ فقال عمر بن الخطاب ﵁: لو فعلت يا رسول الله؟ حتى ننظر ما يريدون بقولهم، وما يصيرون إليه من أمرهم؟ فأنزل الله تعالى ﴿وأنذر به الذين يخافون﴾ إلى قوله ﴿أليس الله بأعلم بالشاكرين﴾ وكانوا بلالا وعمار بن ياسر وسالما مولى أبي حذيفة، وصبيحا مولى أسيد، والحلفاء بن مسعود والمقداد بن عمرو، وواقد بن عبد الله الحنظلي، وعمرو بن عبد عمرو، ومرثد بن أبي مرثد وأشباههم". -[فقه الحديث]- سعد بن مالك بن أهيب - ويقال له: وهيب - بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب القرشي، أبو إسحاق، ابن أبي وقاص، أحد العشرة، وآخرهم موتا، أحد فرسان الصحابة وأول من رمى بسهم في سبيل الله وأحد الستة أهل الشورى، وقال عمر في وصيته الماضية: إن أصابته الإمرة فذاك، وإلا فليستعن به الوالي، وكان رأس من فتح العراق، وولى الكوفة لعمر سنة إحدى وعشرين، وهو الذي بناها، وعزله عمر عنها، وأعاده عثمان إليها، ثم عزله، ولما قتل عثمان اعتزل الفتنة، ولزم بيته، مات بقصره بالعقيق على بعد عشرة أميال من المدينة، وحمل إليها على الأعناق، ودفن بالبقيع، وصلى عليه مروان بن الحكم مات سنة خمس وخمسين على الأشهر، ولما حضره الموت دعا بجبة له، خلقة، من صوف، فقال: كفنوني فيها، فإني لقيت المشركين فيها يوم بدر، وهي علي، وإنما كنت أخبؤها لهذا، وهو الذي فتح مدائن كسرى وأكثر مدن فارس، وله كان فتح القادسية وغيرها. وكان سابع سبعة أسلموا، أسلم وهو ابن تسع عشرة سنة، وشهد بدرا والحديبية، وسائر المشاهد، دعا له رسول الله ﷺ : اللهم سدد سهمه وأجب دعوته فكان مجاب الدعوة أخرج البخاري عن جابر بن سمرة قال: "شكا أهل الكوفة سعدا إلى عمر ﵁، شكوا حتى ذكروا أنه لا يحسن يصلي فأرسل إليه فقال: يا أبا إسحاق إن هؤلاء يزعمون أنك لا تحسن تصلي، قال أبو إسحاق أما أنا والله! فإني كنت أصلي بهم صلاة رسول الله ﷺ قال: ذاك الظن بك يا أبا إسحاق" وقال أحد الشاكين: "إن سعدا لا يسير بالسرية" أي لا يخرج للجهاد مع السرايا "ولا يقسم السوية ولا يعدل في القضية" فدعا عليه سعد ثلاث دعوات قال: "اللهم! إن كان عبدك هذا كاذبا قام رياء وسمعة فأطل عمره، وأطل فقره، وعرضه بالفتن" فطال عمره، حتى سقط حاجباه على عينيه من الكبر، وإنه ليتعرض للجواري في الطريق يغمزهن، وكان يقول: شيخ كبير مفتون. أصابته دعوة سعد.

стр. 5283

-[ويؤخذ من أحاديث الباب]- ١ - من الرواية الأولى والثانية جواز الاحتراس من العدو والأخذ بالحزم وترك الإهمال في موضع الحاجة إلى الاحتياط قال النووي: قال العلماء: وكان هذا الحديث قبل نزول قوله تعالى ﴿والله يعصمك من الناس﴾ [المائدة: ٦٧] لأنه ﷺ ترك الاحتراس حين نزلت الآية - أي ترك الحراسة وأمر أصحابه بالانصراف عن حراسته، وقد صرح في الرواية الثانية بأن هذا الحديث الأول كان في أول قدومه المدينة ومعلوم أن الآية نزلت بعد ذلك بأزمان اهـ. وقال الحافظ ابن حجر: وإنما عانى ﷺ ذلك مع قوة توكله للاستنان به في ذلك، وأيضا فالتوكل لا ينافي تعاطي الأسباب لأن التوكل عمل القلب، وتعاطي الأسباب عمل البدن وقد قال إبراهيم ﵇ ﴿ولكن ليطمئن قلبي﴾ وقال ﵊ "اعقلها وتوكل" قال ابن بطال: نسخ ذلك، كما دل عليه حديث عائشة، وقال القرطبي: ليس في الآية ﴿والله يعصمك من الناس﴾ ما ينافي الحراسة، كما أن إعلان الله نصر دينه وإظهاره لم يمنع الأمر بالقتال وإعداد العدة وعلى هذا فالمراد من العصمة العصمة من الفتنة والإضلال. ٢ - وأن على الناس أن يحرسوا سلطانهم، خشية القتل. ٣ - والثناء على من تبرع بالخير، وتسميته صالحا. ٤ - وفيه جواز التفدية بالأبوين، قال النووي: وبه قال جماهير العلماء، وكرهه عمر بن الخطاب والحسن البصري، ﵄ وكرهه بعضهم بالمسلم من أبويه، والصحيح الجواز مطلقا، لأنه ليس فيه حقيقة فداء، وإنما هو كلام، وإلطاف وإعلام بمحبته له، ومنزلته وقد وردت الأحاديث الصحيحة بالتفدية مطلقا، وقد جمع رسول الله ﷺ أبويه للزبير ولغيره أيضا. ٥ - وفيه فضيلة الرمي، والحث عليه. ٦ - ومن قوله "ليت رجلا صالحا من أصحابي يحرسني" جواز التمني، وقول لو. والله أعلم

стр. 5284

(٦٣٧) باب من فضائل طلحة والزبير ﵄ ٥٤٣٢ - عن أبي عثمان ﵁ قال: لم يبق مع رسول الله ﷺ في بعض تلك الأيام التي قاتل فيهن رسول الله ﷺ غير طلحة وسعد. عن حديثهما. ٥٤٣٣ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: ندب رسول الله ﷺ الناس يوم الخندق فانتدب الزبير ثم ندبهم. فانتدب الزبير. ثم ندبهم. فانتدب الزبير فقال النبي ﷺ : "لكل نبي حواري وحواري الزبير". ٥٤٣٤ - عن عبد الله بن الزبير ﵁ قال: كنت أنا وعمر بن أبي سلمة يوم الخندق مع النسوة في أطم حسان. فكان يطأطئ لي مرة فأنظر. وأطأطئ له مرة فينظر. فكنت أعرف أبي إذا مر على فرسه في السلاح إلى بني قريظة. قال: وأخبرني عبد الله بن عروة، عن عبد الله بن الزبير قال: فذكرت ذلك لأبي فقال: ورأيتني يا بني؟ قلت: نعم. قال: أما والله! لقد جمع لي رسول الله ﷺ ، يومئذ أبويه فقال: "فدك أبي وأمي". ٥٤٣٥ - وفي رواية عن عبد الله بن الزبير ﵁ قال: لما كان يوم الخندق كنت أنا وعمر بن أبي سلمة في الأطم الذي فيه النسوة. يعني نسوة النبي ﷺ وساق الحديث، بمعنى حديث ابن مسهر، في هذا الإسناد. ولم يذكر عبد الله بن عروة في الحديث ولكن أدرج القصة في حديث هشام عن أبيه عن ابن الزبير. ٥٤٣٦ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان على حراء، هو وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير. فتحركت الصخرة، فقال رسول الله ﷺ : "اهدأ. فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد".

стр. 5285

٥٤٣٧ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان على جبل حراء فتحرك فقال رسول الله ﷺ : "اسكن حراء فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد وعليه النبي ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص رضي اللهم عنهم. ٥٤٣٨ - وعن هشام عن أبيه قال: قالت لي عائشة: أبواك والله من ﴿الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح﴾ ٥٤٣٩ - وفي رواية عن هشام بهذا الإسناد، وزاد تعني: أبا بكر والزبير. ٥٤٤٠ - عن عروة قال: قالت لي عائشة: كان أبواك من ﴿الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح﴾ -[المعنى العام]- بطلان من أبطال الإسلام، عظيمان في السلم، أسد عند اللقاء طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام، وهو من المهاجرين الأولين ومن العشرة المبشرين بالجنة، ومن الستة الذين رشحهم عمر بن الخطاب للخلافة من بعده، له مواقف مشهودة في المعارك، وله قصب السبق إلى الجهاد في سبيل الله. أما طلحة: فيكفيه فخرا ما كان منه يوم أحد لقد أوجب واستحق الجنة وقي رسول الله ﷺ من المشركين الذين أحاطوا به بعد هزيمة أصحابه، وكان يقول له: لا تبرز يا رسول الله، فتصيبك سهامهم، صدري دون صدرك، ونحري دون نحرك كان يصد السهام عن رسول الله ﷺ بيده حتى قطعت إصبعه، ولم يتوقف عن رمي الكافرين حتى نفدت سهام جعبته فنثر له رسول الله ﷺ جعبته ولما نفذت سهامهما كان رسول الله ﷺ يقول لأصحابه: انثروا سهامكم لطلحة حتى أجلي الكافرين عن الموقع وعن رسول الله ﷺ ولما أراد ﷺ أن يصعد إلى صخرة يجلس عليها بعد أن كسرت رباعيته وسال الدم من جبهته، ولم يستطع صعودها من الإجهاد حمله طلحة على ظهره، فرفعه إلى الصخرة، فأجلسه عليها، وظل حاميا حارسا له مع بعض قادة المسلمين. وأما الزبير بن العوام: فقد شارك طلحة في حراسة النبي ﷺ وحمايته من الكافرين يوم أحد، كان معهما أبو بكر وعمر وعلي، نحو العشرة من الرجال أحيانا، وأحيانا لا ترى حوله إلا طلحة

стр. 5286

والزبير، لانشغال الآخرين بالحركة ومتابعة الكافرين، وأحيانا ترى العدد الكبير الذي عاد حول قيادته بعد الفرار. لكن الزبير بن العوام امتاز بميزة أخرى يوم الأحزاب، وكان يهود بني قريظة قد نقضوا العهد وتعاونوا مع الأحزاب وطلب الرسول ﷺ من صحابته أن يتطوع أحدهم بالدخول في بني قريظة يتحسس أخبارهم وتحركاتهم، قال: من يأتيني بخبر القوم وله الجنة؟ فسكتوا خوفا من غدر اليهود والوقت وقت حرب فقال الفارس الشجاع الزبير بن العوام: أنا يا رسول الله وأعاد الرسول ﷺ الطلب: من يأتيني بخبر القوم وله الجنة؟ فسكتوا إلا الزبير فقال: أنا يا رسول الله. وأعاد الرسول ﷺ الطلب ثالثا فلم يجب إلا الزبير قال: أنا يا رسول الله. قال له ﷺ : توكل على الله، فداك أبي وأمي، وأخذ الفارس الشجاع يتجول بين المسلمين وبين بني قريظة يتظاهر بالحراسة وهو يتجسس للمسلمين ويتحسس تحركات اليهود ويأتي رسول الله ﷺ بأخبارهم، حينئذ قال ﷺ "لكل نبي حواري" أي ناصر ومخلص "وحواري الزبير". -[المباحث العربية]- (لم يبق مع رسول الله ﷺ في بعض تلك الأيام، التي قاتل فيهن رسول الله ﷺ غير طلحة وسعد) أي طلحة بن عبيد الله وستأتي قصته وسعد بن أبي وقاص وقد سقت قصته في الباب السابق والمراد ببعض تلك الأيام هنا يوم أحد وهو يوم من أيام القتال مع الكفار، أي غزوة من الغزوات. (عن حديثهما) هذا قول أبي عثمان يعني به أن طلحة وسعدا هما اللذان حدثاه بذلك وهو تابعي لم يشهد الواقعة فمن أين له علم ذلك؟ يوضح ذلك ما عند أبي نعيم في المستخرج في هذا الحديث "قال سليمان (الراوي عن أبي عثمان) فقلت لأبي عثمان: وما علمك بذلك؟ قال: عن حديثهما". (ندب رسول الله ﷺ الناس يوم الخندق) أي دعاهم للجهاد، وحرضهم عليه. (فانتدب الزبير) أي أجاب الزبير، فالزبير فاعل، يقال: ندبته فانتدب، أي دعوته فأجاب. (ثم ندبهم فانتدب الزبير) أي طلب منهم، فأجاب الزبير، وتشرح رواية البخاري الواقعة فتقول: عن جابر ﵁ قال: "قال رسول الله ﷺ يوم الأحزاب: من يأتينا بخبر القوم؟ فقال الزبير: أنا. ثم قال من يأتينا بخبر القوم؟ فقال الزبير: أنا. ثم قال: من يأتينا بخبر القوم؟ فقال الزبير: أنا. ثم قال إن لكل نبي حواريا وإن حواريي الزبير" وكان بنو قريظة قد نقضوا العهد، وأيدوا الأحزاب فأراد ﷺ أن يعلم أخبارهم وتحركاتهم فطلب من الصحابة من يقوم بهذه المهمة فخاف الصحابة من غدر اليهود، فسكتوا وأجاب الزبير وقام بفرسه يجوب المنطقة ويدرس التحركات فيها، وتحكي الرواية الثالثة هذه الطليعة. (لكل نبي حواري، وحواري الزبير) "لكل نبي حواري" بفتح الحاء والواو وكسر

стр. 5287

الراء وضم الياء مشددة. و"حواري الزبير" قال القاضي: اختلف في ضبطه، فضبطه جماعة من المحققين بفتح الياء مشددة كمصرخي وضبطه أكثرهم بكسرها أي مشددة وعن الضحاك: الحواري هو الغسال، وعن قتادة: الذي يصلح للخلافة وقيل: هو الوزير وقيل: هو الناصر وقيل: هو الخالص، وقيل: هو الخليل. (كنت أنا وعمر بن أبي سلمة يوم الخندق مع النسوة) في ملحق الرواية "يعني نسوة النبي ﷺ ". (في أطم حسان) الأطم بضم الهمزة والطاء الحصن وجمعه آطام كعنق وأعناق قال القاضي: ويقال في الجمع أيضا إطما بكسر الهمزة "وكان عبد الله بن الزبير وعمر بن أبي سلمة صبيين صغيرين حول الرابعة. (فكان يطئ لي مرة، فأنظر، وأطأطئ له مرة فينظر) أي فكان باب الحصن ضيقا، لئلا يرى من بداخله وفتحته للطريق منخفضة وكان الصبيان على بابه، بحيث لا يرى أحدهما المار بالطريق إلا إذا طأطأ الآخر ظهره وخفض رأسه. (فكنت أعرف أبي إذا مر على فرسه في السلاح إلى بني قريظة) يعرفه بفرسه ولباسه وسلاحه، حيث يكون ملثما في هذه الحالة وفي رواية للبخاري "فنظرت فإذا أنا بالزبير على فرسه، يختلف إلى بني قريظة مرتين أو ثلاثا". (قال: فذكرت ذلك لأبي، فقال: ورأيتني يا بني؟ ) في رواية البخاري "فلما رجعت قلت: يا أبت. رأيتك تختلف. قال: أو هل رأيتني يا بني؟ " (كان على حراء، هو وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير فتحركت الصخرة) هذا التواجد غير تواجده عليه ﷺ مع أبي بكر وعمر وعثمان. قال النووي: وقع في معظم النسخ بتقديم علي على عثمان وفي بعضها تقديم عثمان على علي، كما في الرواية الخامسة، وترتيبها باتفاق النسخ. (اهدأ، فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد) "اهدأ" بهمز آخره أي اسكن وفي الرواية الخامسة "اسكن حراء" وفيها ذكر سعد بن أبي وقاص ﵁ وهو ليس صديقا ولا شهيدا، وأجاب القاضي بقوله: إنما سمي شهيدا لأنه مشهود له بالجنة. (أبواك - والله - من الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح) في ملحق الرواية "تعني أبا بكر والزبير" لأن أم عروة أسماء بنت أبي بكر فأطلقت على الجد أبا، ويحتمل أنه من قبيل التغليب، كقولهم القمران للشمس والقمر والآية (١٧٢) من سورة آل عمران وقبلها ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون * فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون* يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين * الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم﴾ [آل عمران: ١٦٩ - ١٧٢].

стр. 5288

-[فقه الحديث]- طلحة بن عبيد الله بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي التيمي، يكنى أبا محمد ويعرف بطلحة الخير، وطلحة الفياض، من المهاجرين الأولين بعثه رسول الله ﷺ وسعيد بن زيد إلى طريق الشام يتجسسان الأخبار، قبيل بدر، فلم يشهدا بدرا، وجاءا عقبها فضرب له رسول الله ﷺ بسهمه، قال: وأجري يا رسول الله؟ قال: وأجرك، وشهد أحدا والمشاهد بعدها وأبلى يوم أحد بلاء حسنا، وقى رسول الله ﷺ بنفسه واتقى النبل عنه بيده حتى قطعت إصبعه، وكان يقول له لا تظهر يا رسول الله، تصبك سهامهم، صدري دون صدرك، ونحري دون نحرك ولما نهض رسول الله ﷺ ليستقل صخرة ولم يستطع حمله طلحة على ظهره حتى استقلها وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة وأحد الستة الذين جعل عمر الخلافة فيهم قيل: إنه بايع عليا بعد عثمان، ثم خرج عليه ليحاربه مع عائشة في موقعة الجمل، لكنه اعتزل المعركة هو والزبير عند الصفوف فرماه مروان بن الحكم بسهم وكان في حزبه فقتله وفيما زعموا أنه كان ممن حاصر عثمان. وقتل طلحة ﵀ وهو ابن ستين سنة، سنة ست وثلاثين ويقال: إن طلحة تزوج أربع نسوة عند النبي ﷺ أخت كل منهن، أم كلثوم بنت أبي بكر، أخت عائشة وحمنة بنت جحش أخت زينب، والفارعة بنت أبي سفيان أخت أم حبيبة ورقية بنت أبي أمية أخت أم سلمة وكان بكفاحه غنيا، قال عنه سفيان بن عيينة: كانت غلة طلحة بن عبيد الله ألف دينار كل يوم ﵁ وأرضاه. أما الزبير بن العوام بن خولد بن أسد بن عبد العزى بني قصي بن كلاب القرشي أبو عبد الله فهو حواري رسول الله ﷺ وابن عمته، أمه صفية بنت عبد المطلب وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى. أسلم وله اثنتا عشرة سنة وهاجر الهجرتين وشهد المشاهد وكان في جيش عائشة يوم الجمل، فالتقى به علي فذكره فانصرف فلقيه ابن حرموز فقتله غدرا، سنة ست وثلاثين وله سبع وستون سنة، بمكان يقال له: وادي السباع. وقد أوضح البخاري ثروة الزبير في حديث طويل، تحت باب بركة الغازي في ماله، حيا وميتا، مع النبي ﷺ حيا وميتا قال عبد الله بن الزبير "فقتل الزبير ﵁ ولم يدع دينارا ولا درهما إلا أرضين منها الغابة وإحدى عشرة دارا بالمدينة ودارين بالبصرة ودارا بالكوفة ودارا بمصر وما ولي إمارة قط ولا جباية خراج ولا شيئا إلا أن يكون في غزوة مع النبي ﷺ أو مع أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ قال عبد الله بن الزبير: فحسبت ما عليه من الدين فوجدته ألفي ألف ومائتي ألف، وإنما كان دينه الذي عليه أن الرجل كان يأتيه بالمال فيستودعه إياه على أنه سلف مأذون له في التصرف فيه، فلما فرغ ابن الزبير من قضاء دينه قسم باقي التركة على الورثة وأنفذ وصيته، وكان للزبير أربع نسوة فأصاب كل امرأة ألف ألف ومائتا ألف.

стр. 5289

ولوضوح الرؤية، وأن هذه الثروة الهائلة كانت نتيجة سعي وكفاح لبناء الحياة الدنيا متوازنة مع السعي والكفاح الأخروي نسوق حديث البخاري عن زوجته أسماء بنت أبي بكر ﵄ وكانت قد تزوجها بمكة وهاجرت إلى المدنية وهي حامل بابنها عبد الله قالت: "تزوجني الزبير وما له في الأرض من مال ولا مملوك، ولا شيء، غير ناضح" أي جمل لسقي الماء "وغير فرسه فكنت أعلف فرسه وأستقي الماء وأخرز غربه" أي دلوه "وأعجن وكنت أنقل النوى من أرض الزبير التي أقطعه رسول الله ﷺ على رأسي وهي مني على ثلثي فرسخ قال: حتى أرسل لي أبو بكر بعد ذلك بخادم يكفيني سياسة الفرس فكأنما أعتقني". (فائدة) جمع النووي في تبويب شرحه لصحيح مسلم بين طلحة والزبير ﵄ تحت باب واحد، وتبعناه في ذلك ولعله لاحظ ما جاء من أن النبي ﷺ لما آخى بين أصحابه بمكة قبل الهجرة آخى بين طلحة والزبير ولعله لاحظ اشتراكهما في كثير من الفضائل فكل منهما أحد العشرة وأحد الستة، وأحد السابقين وأحد أصحاب الدور البارز في الجهاد، وفي الدفاع عن رسول الله ﷺ ، بل وفي دورهما مع عثمان ومع علي، وفي طريقة وأسباب مقتلهما ﵄ وكان من المقبول ضم طلحة إلى سعد بن أبي وقاص، لجمعهما في الرواية الأولى، كما كان من المقبول تخصيص باب لكل منهما. -[ويؤخذ من أحاديث الباب فوق ما تقدم]- ١ - فضيلة طلحة لدوره في غزوة أحد. ٢ - فضيلة الزبير لدوره في غزوة الخندق. ٣ - من الرواية الثالثة قال النووي: وفي هذا الحديث دليل لحصول ضبط الصبي وتمييزه، وهو ابن أربع سنين فإن ابن الزبير ولد عام الهجرة في المدينة وكان الخندق سنة أربع من الهجرة على الصحيح فيكون له وقت ضبطه لهذه القضية دون أربع سنين وفي هذا رد على ما قاله جمهور المحدثين أنه لا يصح سماع الصبي حتى يبلغ خمس سنين، والصواب صحته، متى حصل التمييز، وإن كان ابن أربع أو دونها. اهـ. قال الحافظ ابن حجر: المقصود أن البلوغ ليس شرطا في التحمل وقال يحيى بن معين: أقل سن التحمل خمس عشرة سنة فبلغ ذلك أحمد فقال: بل إذ عقل ما يسمع وهذا هو المعتمد فالتحمل لا يشترط فيه كمال الأهلية، وإنما يشترط عند الأداء ويلحق بالصبي في ذلك العبد والفاسق والكفار. ٤ - وفي ضبط ابن الزبير وجودته لهذه القضية مفصلة، في هذا السن منقبة لابن الزبير. ٥ - وفي الرواية الرابعة إثبات التمييز في الجماد. ٦ - وجواز التزكية والثناء على الإنسان في وجهه، إذا لم يخف عليه فتنة، بإعجاب ونحوه. ٧ - وفي الرواية السادسة جواز التعبير عن الجد بالأب. والله أعلم

стр. 5290

(٦٣٨) باب من فضائل أبي عبيدة بن الجراح ﵁ ٥٤٤١ - عن أنس ﵁ قال رسول الله ﷺ : "إن لكل أمة أمينا. وإن أميننا أيتها الأمة أبو عبيدة بن الجراح". ٥٤٤٢ - عن أنس ﵁ أن أهل اليمن قدموا على رسول الله ﷺ . فقالوا: ابعث معنا رجلا يعلمنا السنة والإسلام قال: فأخذ بيد أبي عبيدة فقال: "هذا أمين هذه الأمة". ٥٤٤٣ - عن حذيفة ﵁ قال: جاء أهل نجران إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله! ابعث إلينا رجلا أمينا. فقال: "لأبعثن إليكم رجلا أمينا حق أمين. حق أمين" قال فاستشرف لها الناس. قال: فبعث أبا عبيدة بن الجراح. -[المعنى العام]- أبو عبيدة بن الجراح أحد السابقين الأولين الذين حظوا بحب الرسول ﷺ ولهم دور بارز في قيادات الحروب والفتوح. له مساجلة في القضاء والقدر مع عمر بن الخطاب ﵄ ذكرناها في باب الطاعون. ﵁ وأرضاه. -[المباحث العربية]- (إن لكل أمة أمينا، وإن أميننا - أيتها الأمة - أبو عبيدة بن الجراح) "أيتها الأمة" صورته صورة النداء، لكن المراد فيه الاختصاص، أي أمتنا مخصوصون من بين الأمم، وعلى هذا فهو بالنصب على الاختصاص، ويجوز الرفع، والأمين هو الثقة الرضي وهذه الصفة، وإن كانت مشتركة بينه وبين غيره لكن السياق يشعر بأن له مزيدا في ذلك وقد خص النبي ﷺ كل واحد من الكبار بفضيلة ووصفه بها، فأشعر بقدر زائد فيها على غيره، كالحياء لعثمان والقضاء لعلي ونحو ذلك وقد
следующие страницы →