← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13960

فتح المنعم شرح صحيح مسلم

موسى شاهين لاشين

Полный текст (6 200 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

فأقول: أنا لها. فأنطلق فأستأذن على ربي. فيؤذن لي. فأقوم بين يديه. فأحمده بمحامد لا أقدر عليه الآن. يلهمنيه الله. ثم أخر له ساجدا. فيقال لي: يا محمد! ارفع رأسك. وقل يسمع لك. وسل تعطه. واشفع تشفع. فأقول: رب! أمتي. أمتي. فيقال: انطلق. فمن كان في قلبه مثقال حبة من برة أو شعيرة من إيمان فأخرجه منها. فأنطلق فأفعل. ثم أرجع إلى ربي فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجدا. فيقال لي: يا محمد! ارفع رأسك. وقل يسمع لك. وسل تعطه. واشفع تشفع. فأقول: أمتي. أمتي. فيقال لي: انطلق. فمن كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه منها. فأنطلق فأفعل. ثم أعود إلى ربي فأحمده بتلك المحامد. ثم أخر له ساجدا. فيقال لي: يا محمد! ارفع رأسك. وقل يسمع لك. وسل تعطه. واشفع تشفع. فأقول: يا رب! أمتي. أمتي. فيقال لي: انطلق. فمن كان في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه من النار. فأنطلق فأفعل". هذا حديث أنس الذي أنبأنا به. فخرجنا من عنده. فلما كنا بظهر الجبان قلنا: لو ملنا إلى الحسن فسلمنا عليه، وهو مستخف في دار أبي خليفة. قال فدخلنا عليه فسلمنا عليه. فقلنا: يا أبا سعيد! جئنا من عند أخيك أبي حمزة. فلم نسمع مثل حديث حدثناه في الشفاعة. قال: هيه! فحدثناه الحديث. فقال: هيه! قلنا: ما زادنا. قال قد حدثنا به منذ عشرين سنة وهو يومئذ جميع ولقد ترك شيئا ما أدري أنسي الشيخ أو كره أن يحدثكم فتتكلوا. قلنا له: حدثنا. فضحك وقال: خلق الإنسان من عجل. ما ذكرت لكم هذا إلا وأنا أريد أن أحدثكموه. "ثم أرجع إلى ربي في الرابعة فأحمده بتلك المحامد. ثم أخر له ساجدا. فيقال لي: يا محمد! ارفع رأسك. وقل يسمع لك. وسل تعط. واشفع تشفع. فأقول: يا رب! ائذن لي فيمن قال: لا إله إلا الله. قال: ليس ذاك لك (أو قال ليس ذاك إليك) ولكن، وعزتي! وكبريائي! وعظمتي! وجبريائي! لأخرجن من قال: لا إله إلا الله". قال فأشهد على الحسن أنه حدثنا به أنه سمع أنس بن مالك، أراه قال قبل عشرين سنة، وهو يومئذ جميع. ٣٥١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: أتي رسول الله ﷺ يوما بلحم. فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه. فنهس منها نهسة فقال "أنا سيد الناس يوم القيامة. وهل تدرون بم ذاك؟ يجمع الله يوم القيامة الأولين والآخرين في صعيد واحد. فيسمعهم الداعي وينفذهم البصر. وتدنو الشمس فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون. وما لا يحتملون. فيقول

стр. 632

بعض الناس لبعض: ألا ترون ما أنتم فيه؟ ألا ترون ما قد بلغكم؟ ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول بعض الناس لبعض: ائتوا آدم. فيأتون آدم. فيقولون: يا آدم! أنت أبو البشر. خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأمر الملائكة فسجدوا لك. اشفع لنا إلى ربك. ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى إلى ما قد بلغنا؟ فيقول آدم: إن ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله. ولن يغضب بعده مثله. وإنه نهاني عن الشجرة فعصيته. نفسي. نفسي. اذهبوا إلى غيري. اذهبوا إلى نوح. فيأتون نوحا فيقولون: يا نوح! أنت أول الرسل إلى الأرض. وسماك الله عبدا شكورا. اشفع لنا إلى ربك. ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله. وإنه قد كانت لي دعوة دعوت بها على قومي. نفسي. نفسي. اذهبوا إلى إبراهيم ﷺ فيأتون إبراهيم فيقولون: أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض. اشفع لنا إلى ربك. ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى إلى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم إبراهيم إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولا يغضب بعده مثله. وذكر كذباته. نفسي. نفسي. اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى موسى. فيأتون موسى ﷺ فيقولون: يا موسى! أنت رسول الله. فضلك الله، برسالاته وبتكليمه، على الناس. اشفع لنا إلى ربك. ألا ترى إلا ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم موسى ﷺ : إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله. وإني قتلت نفسا لم أومر بقتلها. نفسي. نفسي. اذهبوا إلى عيسى ﷺ . فيأتون عيسى فيقولون: يا عيسى! أنت رسول الله، وكلمت الناس في المهد، وكلمة منه ألقاها إلى مريم، وروح منه. فاشفع لنا إلى ربك. ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم عيسى ﷺ : إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله. ولم يذكر له ذنبا. نفسي. نفسي. اذهبوا إلى غيري. اذهبوا إلى محمد ﷺ . فيأتوني فيقولون: يا محمد! أنت رسول الله وخاتم الأنبياء. وغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر. اشفع لنا إلى ربك. ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فأنطلق فآتي تحت العرش فأقع ساجدا لربي. ثم يفتح الله علي ويلهمني من محامده وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه لأحد قبلي. ثم يقال: يا محمد! ارفع رأسك. سل تعطه. اشفع تشفع. فأرفع رأسي فأقول: يا رب! أمتي. أمتي. فيقال: يا محمد! أدخل الجنة من أمتك، من لا حساب عليه، من الباب الأيمن من أبواب الجنة. وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب. والذي نفس محمد بيده! إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة لكما بين مكة وهجر. أو كما بين مكة وبصرى".

стр. 633

٣٥٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: وضعت بين يدي رسول الله ﷺ قصعة من ثريد ولحم. فتناول الذراع. وكانت أحب الشاة إليه فنهس نهسة فقال: "أنا سيد الناس يوم القيامة" ثم نهس أخرى فقال: "أنا سيد الناس يوم القيامة" فلما رأى أصحابه لا يسألونه قال: "ألا تقولون كيفه؟ " قالوا: كيفه يا رسول الله؟ قال: "يقوم الناس لرب العالمين" وساق الحديث بمثل السابق. وزاد في قصة إبراهيم فقال: وذكر قوله في الكوكب: ﴿هذا ربي﴾ وقوله لآلهتهم: ﴿بل فعله كبيرهم هذا﴾ وقوله ﴿إني سقيم﴾ قال: "والذي نفس محمد بيده! إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة إلى عضادتي الباب لكما بين مكة وهجر أو هجر ومكة". قال: لا أدري أي ذلك قال. ٣٥٣ - عن أبي هريرة ﵁ وعن حذيفة ﵁؛ قالا: قال رسول الله ﷺ "يجمع الله ﵎ الناس. فيقوم المؤمنون حتى تزلف لهم الجنة. فيأتون آدم فيقولون: يا أبانا استفتح لنا الجنة. فيقول: وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم آدم! لست بصاحب ذلك. اذهبوا إلى ابني إبراهيم خليل الله. قال فيقول إبراهيم: لست بصاحب ذلك. إنما كنت خليلا من وراء وراء. اعمدوا إلى موسى ﷺ الذي كلمه الله تكليما. فيأتون موسى ﷺ فيقول: لست بصاحب ذلك. اذهبوا إلى عيسى كلمة الله وروحه. فيقول عيسى ﷺ : لست بصاحب ذلك. فيأتون محمدا ﷺ . فيقوم فيؤذن له. وترسل الأمانة والرحم. فتقومان جنبتي الصراط يمينا وشمالا. فيمر أولكم كالبرق" قال قلت: بأبي أنت وأمي! أي شيء كمر البرق؟ قال: "ألم تروا إلى البرق كيف يمر ويرجع في طرفة عين؟ ثم كمر الريح. ثم كمر الطير وشد الرجال. تجري بهم أعمالهم. ونبيكم قائم على الصراط يقول: رب! سلم سلم. حتى تعجز أعمال العباد. حتى يجيء الرجل فلا يستطيع السير إلا زحفا. قال وفي حافتي الصراط كلاليب معلقة. مأمورة بأخذ من أمرت به. فمخدوش ناج ومكدوس في النار". والذي نفس أبي هريرة بيده! إن قعر جهنم لسبعون خريفا. ٣٥٤ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "أنا أول الناس يشفع في الجنة. وأنا أكثر الأنبياء تبعا".

стр. 634

٣٥٥ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "أنا أكثر الأنبياء تبعا يوم القيامة. وأنا أول من يقرع باب الجنة". ٣٥٦ - قال أنس بن مالك ﵁ قال النبي ﷺ "أنا أول شفيع في الجنة. لم يصدق نبي من الأنبياء ما صدقت. وإن من الأنبياء نبيا ما يصدقه من أمته إلا رجل واحد". ٣٥٧ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "آتي باب الجنة يوم القيامة. فأستفتح. فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد. فيقول: بك أمرت لا أفتح لأحد قبلك". ٣٥٨ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لكل نبي دعوة يدعوها. فأريد أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة". ٣٥٩ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "لكل نبي دعوة. وأردت، إن شاء الله، أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة". ٣٣٦ - مثل ذلك. ٣٦٠ - عن أبي هريرة ﵁ أنه قال لكعب الأحبار: إن نبي الله ﷺ قال "لكل نبي دعوة يدعوها. فأنا أريد، إن شاء الله، أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة". فقال كعب لأبي هريرة: أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ قال أبو هريرة: نعم. ٣٦١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "لكل نبي دعوة مستجابة.

стр. 635

فتعجل كل نبي دعوته. وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة. فهي نائلة، إن شاء الله، من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا". ٣٦٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "لكل نبي دعوة مستجابة يدعو بها. فيستجاب له فيؤتاها. وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة". ٣٦٣ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "لكل نبي دعوة دعا بها في أمته فاستجيب له. وإني أريد، إن شاء الله، أن أؤخر دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة". ٣٦٤ - عن أنس بن مالك ﵁ أن نبي الله ﷺ قال: "لكل نبي دعوة دعاها لأمته. وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة". ٣٤٢ - بهذا الإسناد ٣٦٥ - عن قتادة بهذا الإسناد غير أن في حديث وكيع قال: قال أعطي وفي حديث أبي أسامة عن النبي ﷺ . ٣٤٤ - عن أنس ﵁ ٣٦٦ - عن جابر بن عبد الله ﵄ عن النبي ﷺ "لكل نبي دعوة قد دعا بها في أمته. وخبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة". -[المعنى العام]- تحدثا بنعمة الله تعالى، واعترافا بفضله، وتبليغا لشريعته وتحذيرا من هول الموقف العظيم،

стр. 636

ليأخذ المؤمن أهبته، ويتزود من دنياه لآخرته، يحدث رسول الله ﷺ أصحابه عن أمور الآخرة، مبرزا شفاعته للناس عامة، وللمذنبين من أمته بصفة خاصة، موضحا فضل الله على عباده، ورحمته من آمن منهم، وإكرامه لهم، وإحسانه إليهم، مبينا عظيم اهتمامه ﷺ بأمته، وشديد حرصه بأمنهم، وبالغ شفقته حتى على المذنبين منهم. يقول: يحشر الله الناس يوم القيامة، يجمع الأولين والآخرين منذ آدم إلى النفخ في الصور، على أرض بيضاء نقية، ملساء مستوية لا ترى فيها عوجا ولا أمتا، ولا شجرا ولا حجرا ولا مدرا، لو أن ناظرا نظر إليهم لرآهم جميعا، ولو أن متكلما ناداهم لأسمعهم جميعا، حفاة عراة، الرجال والنساء جميعا، لكن لا ينظر بعضهم إلى بعض، ولا يفكر أحدهم في غير نفسه، لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه؛ الخوف من المصير يتملكهم، والشعور بالصغار وحقيقة أنفسهم يملأ قلوبهم، يقفون كما يقف الجاني في قفص الاتهام، ينتظر فصل القضاء، وتدنو الشمس من رءوسهم، وتشتد حرارتها عليهم، ويطول وقوفهم، ويسيل عرقهم، أهوال وأهوال، فوق التصور والخيال، في وقت واحد، وفي مكان واحد، وفي أرض مستوية، لكن منهم من يبلغ عرقه عقبه، ومنهم من يبلغ ساقه، ومنهم من يبلغ ركبته، ومنهم من يبلغ فخده، ومنهم من يبلغ خاصرته، ومنهم من يبلغ منكبيه، ومنهم من يبلغ فاه، ومنهم من يغطيه عرقه، لا تقل: كيف والماء على الأرض المعتدلة يغطي من عليها على السواء؟ إنها خوارق الواقعة ﴿ليس لوقعتها كاذبة* خافضة رافعة﴾ [الواقعة: ٢ - ٣] ﴿يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد﴾ [الحج: ٢] إنه ليوم عظيم ﴿يوم يقوم الناس لرب العالمين﴾ [المطففين: ٦] ﴿وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون﴾ [الحج: ٤٧] فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون، وما لا يحتملون، يفزع بعضهم إلى بعض: ألا ترون إلى ما قد وصلنا إليه ووصل إلينا من الكرب؟ أما من نهاية لما نحن فيه من الغم؟ ألا نستشفع إلى ربنا ليريحنا من مكاننا؟ فينطلقون من الضجر والجزع إلى أبيهم آدم، ومن للإنسان عند الشدة مثل أبيه؟ فيجدونه رافعا رأسه إلى السماء يقول: يا رب سلم. سلم. يقولون: يا أبانا. يا أبا الخلق. يا أبا البشر. ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى إلى ما قد بلغنا؟ ألا تشفع لنا عند ربنا؟ فيقول: لست لها. لست لها. لقد عصيت ربي وأنا في الفردوس، وأكلت من الشجرة التي نهاني عنها، فإن يغفر لي اليوم حسبي. نفسي نفسي. فيقولون: يا أبانا، لقد خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، ونحن ذريتك، ألا تشفع لنا اليوم عند ربك؟ فيقول: إن ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني أستحيي لقاء ربي من ذنبي. نفسي. نفسي، اذهبوا إلى نوح، أبيكم بعد أبيكم، أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض، وسماه ربه عبدا شكورا، فيأتون نوحا. فيقولون: يا نوح. أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، وإن الله اصطفاك واستجاب دعاءك، فاشفع لنا عند ربك. فيقول: لقد سألت ربي ما ليس لي به علم، وأهلكت أهل الأرض بدعوتي، وإن ربي غضب اليوم غضبا أستحيي من لقائه بمعصيتي، وإن يغفر لي اليوم حسبي. نفسي. نفسي. اذهبوا إلى إبراهيم، فهو خليل الله لعله يشفع لكم، فيأتون إبراهيم فيستشفعون به، فيقول: إني كذبت ثلاث كذبات، وأشفق على نفسي منها، وإن يغفر لي اليوم حسبي. نفسي نفسي. اذهبوا إلى موسى، كلمه

стр. 637

الله وأعطاه التوراة، فيأتون موسى. فيقولون: يا موسى، اصطفاك الله على الناس برسالاته وبكلامه، فاشفع لنا عند ربك ليقضي بيننا، ويريحنا من مكاننا. فيقول: إن ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإني قتلت نفسا بغير نفس، ولم أومر بقتلها، فإن يغفر لي اليوم حسبي. نفسي. نفسي. اذهبوا إلى عيسى عبد الله ورسوله وكلمته وروحه، فإنه كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله، فيأتون عيسى فيقولون: يا عيسى، أنت رسول الله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وكلمت الناس في المهد صبيا. اشفع لنا عند ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ فيقول: إني عبدت من دون الله، واتهمت بأنني قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله. نفسي. نفسي. اذهبوا إلى محمد ﷺ ، فقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. انطلقوا إلى سيد ولد آدم. فإنه أول من تنشق عنه الأرض. فيأتون محمدا ﷺ فيقول: أنا لها. أنا لها. فينطلق حتى يأتي تحت العرش. فيقف حامدا شاكرا مثنيا على ربه بثناء وتحميد يلهمه إياه، حتى إذا تجلى الله له خر ساجدا لربه، يحمده ويثني عليه بمحامد لم يحمده بها أحد من قبله، ولا يحمده بها أحد بعده، ويمكث ساجدا ما شاء الله له أن يمكث. ثم يقول له: يا محمد. فيقول: لبيك وسعديك والخير في يديك، والمهدي من هديت، وعبدك بين يديك وبك وإليك، تباركت وتعاليت، سبحانك لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك. فيقول له: ارفع رأسك، وسل تعطه. اشفع تشفع، فيقول: يا رب. فرق جمع الأمم إلى حيث تشاء، والطف بعبادك أهل الموقف، ويسر الحكم والقضاء. هنالك تتطاير الصحف، وتنتشر الكتب، ويعض الظالم على يديه يقول: ﴿يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا﴾ [الفرقان: ٢٧] هنالك تفتح أبواب جهنم وتفسح الطرق المؤدية إليها، وينادي المنادي: من كان يعبد شيئا فليتبعه، فيتبع من كان يعبد الصليب الصليب، ومن كان يعبد الشمس الشمس، ومن كان يعبد القمر القمر، ومن كان يعبد العجل العجل، ويساقون مع معبوداتهم إلى النار، يدعون إلى نار جهنم دعا. يساقون إليها زمرا، كلما ألقي فيها فوج قالت: هل من مزيد. حتى إذا ما خلا الموقف من عبدة غير الله، ولم يبق إلا عبدة الله أقيم العرض، فيمر أمام العرش كل نبي وأمته، يمر النبي ومعه الأمة، والنبي ومعه النفر، والنبي ومعه العشر، والنبي ومعه الخمسة، والنبي ومعه رجل واحد، ونبينا ﷺ يومئذ أكثر الأنبياء تابعا، ثم تفتح ساحة القضاء، ويوضع الميزان، ويقوم الحساب فيقول محمد ﷺ : يا رب أمتي أمتي. فيقول له: أدخل من أمتك الجنة سبعين ألفا لا حساب عليهم ولا عذاب. فيقول: يا رب زدني. فيقول: ومع كل ألف سبعون ألفا، فتمر هذه الزمرة على الصراط كالبرق، تضيء وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر، وتكون أمة محمد ﷺ أول الأمم حسابا، وأولها مرورا على الصراط، ويقف رسول الله ﷺ على الصراط، وأمته تعبر تجري بهم أعمالهم ولسانه لا يفتأ يقول: يا رب سلم سلم. حتى إذا سقط من أمته في النار من سقط، ونجا من نجا، تشفع الناجون إليه أن يستفتح لهم الجنة، فيأتيها، فيأخذ حلقة بابها، فيقعقعها. فيقول الخازن: من هذا؟ فيقول: محمد. فيقول: مرحبا بمحمد. بك أمرت ألا أفتح لأحد قبلك، فيدخل الجنة هو والسابقون وأصحاب اليمين، وينزلون منازلهم حسب أعمالهم.

стр. 638

ثم يخر ساجدا لربه، يحمده ويثني عليه، فيقول له: ارفع رأسك يا محمد، وسل تعط، واشفع تشفع، فيقول: يا رب. أمتي. أمتي. فيقول له: أخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان؛ فيخرجه ويدخله الجنة، ثم يخر ساجدا لربه، ويحمده، ويثني عليه فيقول له ربه: ارفع رأسك يا محمد، وسل تعط، واشفع تشفع. فيقول: يا رب أمتي أمتي. فيقول له: أخرج من النار من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال ذرة من إيمان، فيخرجه ويدخله الجنة، ثم يخر ساجدا لربه. ويحمده، ويثني عليه. فيقول له ربه: ما تريد يا محمد؟ فيقول: يا رب. أناس من عبادك، لم يشركوا بك، ولم يعملوا خيرا قط، فشفعني فيهم. فيقول له ربه: ليس ذلك لك. فوعزتي وجلالي وعظمتي وكبريائي لأخرجنهم من النار، فيخرجهم ربهم، ثم يدخلهم الجنة. ذلك المقام المحمود الذي خص به نبيه محمدا ﷺ وذلك لواء الحمد الذي منحه الله إياه يوم القيامة، وتلك شفقته ﷺ بأمته في الدنيا والآخرة. وصدق الله العظيم. حيث يقول فيه: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم﴾ [التوبة: ١٢٨]. -[المباحث العربية]- (يجمع الله الناس يوم القيامة) جمع الحشر والموقف العظيم، وفي الرواية الرابعة "يجمع الله يوم القيامة الأولين والآخرين". وفي الرواية الخامسة ﴿يوم يقوم الناس لرب العالمين﴾ (فيهتمون لذلك -أو- فيلهمون لذلك) قال النووي: معنى اللفظتين متقارب، فمعنى الأولى أنهم يعتنون بسؤال الشفاعة وزوال الكرب الذي هم فيه، ومعنى الثانية أن الله تعالى يلهمهم سؤال ذلك، والإلهام أن يلقي الله تعالى في النفس أمرا يحمل على فعل شيء أو تركه. اهـ وأصل الكلام: فيهتمون بطلب الشفاعة لزوال كرب الجمع، أو فيلهمون طلب الشفاعة للتحول من كرب الجمع، فالإشارة للجمع وشدائده والمهتم به والملهم سؤال الشفاعة. والأولى أن يكون معنى "فيهتمون لذلك" أي فيحزنون لذلك الجمع الشديد وأهواله، ففي القاموس: همه الأمر حزنه، فاهتم. (لو استشفعنا على ربنا) السين والتاء للطلب، أي لو طلبنا من الأنبياء الشفاعة إلى ربنا -والشفاعة انضمام الأدنى إلى الأعلى- ليستعين به على ما يرومه، وفي رواية "إلى ربنا" بتضمين "شفعنا" معنى سعينا. و"لو" للتمني، أو شرطية والجواب محذوف. (حتى يريحنا من مكاننا هذا) أي من أرض الموقف العظيم، وفي رواية "فيريحنا". (فيأتون آدم) من إسناد ما للبعض للكل. (أنت آدم أبو الخلق) وفي الرواية السابعة "يا آدم. أنت أبو البشر" وفي الرواية السادسة "يا أبانا".

стр. 639

(خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه) الإضافة في "بيده" وفي "من روحه" للتشريف. (اشفع لنا عند ربك) وفي الرواية الرابعة "اشفع لنا إلى ربك" وفي الرواية السادسة "أستفتح لنا الجنة" أي اطلب لنا فتح الجنة. (لست هناكم) "هناك" ظرف مكان، استعمل في ظرف الزمان، ومعناه هنا: لست في هذا المقام، أي لست أهلا في هذا الوقت. قاله بعضهم، وقال آخرون: هو مستعمل في ظرف المكان على بابه، لكنه المكان المعنوي، لا الحسي، بل يمكن حمله على الحسي، لما روي أنه ﷺ يباشر السؤال تحت العرش، وبعد أن يستأذن في دخول الجنة. (فيذكر خطيئته التي أصاب فيستحيي ربه منها) يقال: استحيا منه واستحياه، لازم ومتعد، ومفعول "أصاب" عائد الموصول محذوف، والتقدير: التي أصابها، وفي الرواية الرابعة "إن ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه نهاني عن الشجرة، فعصيته" وفي الرواية السادسة "فيقول: وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئه أبيكم آدم"، وفي رواية "إني قد أخرجت بخطيئتي من الجنة" وفي رواية "وإني أذنبت ذنبا فأهبطت به إلى الأرض" وفي رواية "إني أخطأت وأنا في الفردوس، فإن يغفر لي اليوم حسبي". (ولكن ائتوا نوحا أول رسول بعثه الله) سيأتي الكلام في أولية بعثته في فقه الحديث، وفي رواية "أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض" وفي رواية "انطلقوا إلى أبيكم بعد أبيكم، إلى نوح. ائتوا عبدا شاكرا". (لست هناكم، ويذكر خطيئته) وفي رواية "ويذكر سؤال ربه ما ليس له به علم" وفي الرواية الرابعة "وإنه قد كانت لي دعوة دعوت بها على قومي" وفي رواية "إني دعوت بدعوة أغرقت أهل الأرض" وقد سقط من الرواية الثالثة والسادسة ذكر نوح ﵇. (ولكن ائتوا إبراهيم) وفي الرواية الرابعة "اذهبوا إلى إبراهيم" وفي رواية "ولكن عليكم بإبراهيم". (الذي اتخذه الله خليلا) قال القاضي عياض: أصل الخلة الاختصاص والاصطفاء، وقيل: أصلها الانقطاع إلى من خاللت، مأخوذة من الخلة، وهي الحاجة، فسمي إبراهيم ﷺ بذلك، لأنه قصر حاجته على ربه وقيل: الخلة صفاء المودة التي توجب تخلل الأسرار، وقيل: معناها المحبة والألطاف. اهـ وقال ابن الأنباري: الخليل معناه المحب الكامل المحبة، والمحبوب الموفي بحقيقة المحبة أي اللذان ليس في حبهما نقص ولا خلل. اهـ

стр. 640

قال الواحدي: وهذا القول هو الاختيار، لأن الله خليل إبراهيم، وإبراهيم خليل الله، ولا يجوز أن يقال: الله تعالى خليل إبراهيم، من الخلة التي هي الحاجة. والله أعلم (لست هناكم، ويذكر خطيئته) وفي رواية "إني كنت كذبت ثلاث كذبات" قوله: ﴿إني سقيم﴾ [الصافات: ٨٩] وقوله: ﴿بل فعله كبيرهم هذا﴾ [الأنبياء: ٦٣] وقوله لامرأته: "أخبريه أني أخوك". وذكر في الرواية الخامسة قوله في الكواكب: ﴿هذا ربي﴾ [الأنعام: ٧٧] بدل الكذبة الثالثة. (فيأتون موسى فيقول) لست هناكم ويذكر خطيئته، وفي الرواية الرابعة "وإني قتلت نفسا لم أومر بقتلها" وفي رواية "إني قتلت نفسا بغير نفس". (ولكن ائتوا عيسى روح الله وكلمته)، ومعنى "روح الله" أي روح مخلوقة من الله، فالإضافة إضافة تشريف. مثل: ناقة الله وبيت الله، وقيل معناه: ليس من أب، وإنما نفخ في أمه الروح، وقيل معناه رحمة الله، ومعنى "وكلمته" أنه كان بكلمة "كن" فسمي بها، كما يقال للمطر: رحمة. والله أعلم. (لست هناكم) وفي الرواية الرابعة "ولم يذكر له ذنبا" وعند الترمذي "إني عبدت من دون الله" وعند أحمد والنسائي "إني اتخذت إلها من دون الله". (ولكن ائتوا محمدا عبدا قد غفر له) "عبدا" حال، و"قد غفر له" حال مترادفة، أو متداخلة من الضمير في "عبدا" بعد تأويله بمشتق. (فيأتوني) بحذف إحدى النونين، وهو جائز. (فإذا أنا رأيته وقعت ساجدا) وفي الرواية الرابعة "فآتي تحت العرش فأقع ساجدا لربي" وفي رواية "فيتجلى له الرب، ولا يتجلى لشيء قبله" وفي رواية "يعرفني الله نفسه، فأسجد له سجدة يرضى بها عني" وفي رواية "فإذا رأيت ربي خررت له ساجدا شاكرا له". (فيدعني ما شاء الله) أي فيتركني ساجدا مدة يشاؤها الله، فلفظ "ما" حرف مصدري زماني، ومفعول المشيئة محذوف، وقد أبرز في بعض الروايات بلفظ "فيدعني ما شاء الله أن يدعني". (فيقال: يا محمد) حذف الفاعل القائل، ودلت عليه إحدى الروايات وفيها "فأوحى الله إلى جبريل، أن اذهب إلى محمد فقل له: ارفع رأسك" فالقائل الحقيقي هو الله تعالى على لسان جبريل. (قل تسمع. سل تعطه ... إلخ) في الرواية الثالثة بواو العطف وفيها "وقل يسمع لك" والهاء في "تعطه" للسكت. (ثم أشفع فيحد لي حدا، فأخرجهم من النار) "فيحد" بفتح الياء، وضم الحاء، أي يبين

стр. 641

لي في كل مرة من مرات الشفاعة حدا أقف عنده، ولا أتعداه، وقد بينت الرواية الثالثة هذه الحدود. الحد الأول: من كان في قلبه مثقال برة أو شعيرة من إيمان، الحد الثاني: من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، الحد الثالث: من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال حبة من خردل من إيمان. (فلا أدري في الثالثة أو في الرابعة. قال: فأقول يا رب، ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن) أي فلا أدري أقال في الرفعة الثالثة أو في الرفعة الرابعة، وهذا الشك من الراوي جاء بطريق الجزم أنه في الرابعة في بعض الروايات. (إلا من حبسه القرآن. أي وجب عليه الخلود) أبهم في هذه الرواية قائل "أي وجب عليه الخلود" وتبين من بعض الروايات أنه قتادة أحد رواة الحديث، والمعنى: إلا من أخبر القرآن أنه مخلد في النار، وهم الكفار. الرواية الثانية (وكان في قلبه من الخير ما يزن ذرة) والمعنى: ما يعدل ذرة ويساويها، والذرة بفتح الذال وتشديد الراء، واحدة الذر، وهو الحيوان المعروف الصغير من النمل، قال النووي، ثم قال: ورواه بعضهم بضم الذال وتخفيف الراء، واتفقوا على أنه تصحيف. اهـ الرواية الثالثة (وتشفعنا بثابت) البناني، وكان من خاصة أنس بن مالك، وفي رواية البخاري "فذهبنا معنا بثابت البناني إليه يسأله لنا عن حديث الشفاعة، وفيه "فقلنا لثابت: لا تسأله عن شيء أول من حديث الشفاعة". (إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم إلى بعض) "ماج الناس" أي اختلطوا، يقال: ماج البحر إذا اضطربت أمواجه. (فأحمده بمحامد لا أقدر عليه) قال النووي: هكذا هو في الأصول "لا أقدر عليه" وهو صحيح، ويعود الضمير في "عليه" إلى الحمد. (فأخرجه من النار) قال النووي: اتفقت الأصول على أنه "فأخرجه" بضميره ﷺ وحده، في الانطلاق الثاني والثالث، أما الانطلاق الأول ففي بعض الأصول "فأخرجوه" على لفظ الجمع، وفي بعضها "فأخرجه" وفي أكثرها "فأخرجوا" بغير هاء، وكله صحيح، فمن رواه "فأخرجوه" يكون الخطاب للنبي ﷺ ومن تبعه من الملائكة ومن حذف الهاء فلأنها ضمير المفعول، وهو فضلة، يكثر حذفه. والله أعلم.

стр. 642

(فلما كنا بظهر الجبان) قال أهل اللغة: الجبان والجبانة بفتح الجيم وتشديد الباء هما الصحراء، ويسمى بهما المقابر، لأنها تكون في الصحراء، وهو من تسمية الشيء باسم موضعه، وقوله: "بظهر الجبان" أي بظاهرها وأعلاها المرتفع منها. (لو ملنا إلى الحسن) يعني لو عدلنا واتجهنا إلى الحسن البصري، وجواب "لو" محذوف، أي لكان خيرا، أو هي للعرض. (وهو مستخف) أي طالب الاختفاء من الحجاج بن يوسف، وفي رواية البخاري "قلت لبعض أصحابنا: لو مررنا بالحسن وهو متوار في منزل أبي خليفة، فحدثنا بما حدثنا به أنس بن مالك. (قال: هيه) بكسر الهاء الأولى والثانية، وبينهما ياء ساكنة، قال أهل اللغة: يقال في الاستزادة من الحديث: إيه، ويقال: هيه؛ بالهاء بدل الهمزة، اسم فعل أمر، تقول للرجل إذا استزدته من حديث أو عمل: إيه بكسر الهمزة فإن وصلت نونت، فقلت: إيه حديثا. (وهو يومئذ جميع) بفتح الجيم وكسر الميم، أي مجتمع القوة والحفظ. (وما ذكرت لكم هذا إلا وأنا أريد أن أحدثكموه ثم أرجع إلى ربي) تم الكلام عند قوله: "أحدثكموه" ثم ابتدأ تمام الحديث، فقال: "ثم أرجع" ومعناه: قال رسول الله ﷺ : ثم أرجع إلى ربي ... ". إلخ. (وعظمتي وجبريائي) بكسر الجيم، أي سلطاني، أو قهري. الرواية الرابعة (رفع إليه الذراع، وكانت تعجبه) لنضجها، وسرعة استمرائها مع زيادة لذتها، وحلاوة مذاقها، وبعدها عن مواضع الأذى، وفائدة وصف حالة المحدث وقت التحديث التوثيق بالرواية. (فنهس منها نهسة) أكثر الرواة رووه بالسين، ووقع في بعض الروايات بالشين وكلاهما بمعنى واحد، أي أخذ بأطراف أسنانه، وقيل: النهس الأخذ بأطراف الأسنان، والنهش بالأضراس. (أنا سيد الناس يوم القيامة) قال القاضي عياض: السيد الذي يفوق قومه، والذي يفزع إليه في الشدائد، والنبي ﷺ سيدهم في الدنيا والآخرة، وإنما خص يوم القيامة لارتفاع السؤدد فيها، وتسليم جميعهم له. اهـ. (يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد) الصعيد الأرض الواسعة المستوية.

стр. 643

(فيسمعهم الداعي) بضم الياء وكسر الميم، و"الداعي" فاعل، أي يصل صوت الداعي إليهم جميعا بقوة ودرجة واحدة. (وينفذهم البصر) بفتح الياء وضم الفاء والذال، وروي بضم الياء يقال: نفذ البصر القوم إذا بلغهم وجاوزهم، وأنفذ البصر القوم إذا خرقهم وسرى فيهم، و "أل" في البصر للعهد. قيل: بصر الرحمن، ورد بأن بصر الرحمن ينفذ في عباده، وهو مطلع عليهم في كل وقت وفي الأرض المستوية وغير المستوية، فالأصح أن المراد بصر المخلوق، والمعنى: أنه يحيط بهم الناظر، لا يخفى عليه منهم شيء، لاستواء الأرض وعدم وجود شيء عليها يستر الناظرين، ورواه بعضهم بالدال المهملة "ينفدهم" أي يبلغ أولهم وآخرهم، حتى يراهم كلهم، ويستوعبهم. (وتدنو الشمس) من رءوس الناس، كما سيوضح في فقه الحديث. (ألا ترى إلى ما قد بلغنا؟ ) بفتح الغين، أي ما صل وانتهى إلينا من الكرب والشدة. قال النووي: بفتح الغين هذا هو الصحيح المعروف، وضبطه بعض الأئمة المتأخرين بفتح الباء واللام وإسكان الغين، وله وجه ولكن المختار فتح الغين، ويدل عليه قوله في أول الحديث: "ألا ترون ما قد بلغكم"؟ ولو كان بإسكان الغين لقال: بلغتم. اهـ. (إن ربي غضب اليوم) المراد من الغضب لازمه، وهو ما يظهر من انتقامه وإيصال السوء لبعض عصاته، مما يشاهده أهل الموقف من الأهوال التي لم تكن، ولا يكون مثلها، كما أن الرضى في حقه تعالى ظهور رحمته ولطفه بمن أراد به الخير والكرامة، لأن الله تعالى يستحيل في حقه التغير في الغضب والرضى. (نفسي نفسي) مبتدأ وخبر، أي نفسي هي روحي وكل ما أملك وأحرص عليه في هذا الوقت. قاله بعضهم: والأولى جعل الأولى مبتدأ محذوف الخبر، أو خبرا لمبتدأ محذوف، والثانية تأكيدا، يؤيد ذلك تكرير "نفسي" في بعض الروايات ثلاث مرات، والتقدير: نفسي هي المستحقة للشفاعة، أو المستحق للشفاعة نفسي. (ثم قال: يا محمد. ارفع رأسك) فيه التعبير بالماضي بدل المضارع لتحقق الوقوع، والأصل فيقول على لسان جبريل كما سبق بيانه. (إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة) المصراعان بكسر الميم جانبا الباب، والجار والمجرور متعلق بمحذوف حال. (كما بين مكة وهجر -أو كما بين مكة وبصرى) شك من الراوي في أي اللفظتين جاء، و"هجر" اسم مدينة ببلاد البحرين. قال الجوهري في صحاحه: "هجر" اسم بلد مذكر مصروف. وقال الزجاجي في الجمل "هجر" يذكر ويؤنث. قال النووي: و"هجر"

стр. 644

هذه غير "هجر" المذكورة في حديث "إذا بلغ الماء قلتين بقلال هجر" تلك قرية من قرى المدينة، كانت القلال تصنع بها، وهي غير مصروفة. اهـ. وأما "بصرى" بضم الباء فهي مدينة معروفة، وهي مدينة حوران قريبة من دمشق بالشام، وهي غير البصرة بالعراق. والهدف من التعبير المبالغة في سعة باب الجنة، لا تحديد مسافة ما بين المصراعين. الرواية الخامسة (ألا تقولون: كيفه؟ قالوا: كيفه يا رسول الله؟ ) الهاء للسكت تلحق الكلمة في الوقف، أما قول الصحابة "كيفه يا رسول الله" فقد ألحقوها مع الوصل إجراء له مجرى الوقوف، أو قصدا إلى اتباع لفظ النبي ﷺ ، الذي حثهم عليه، فلو قالوا: كيف؟ لما كانوا سائلين عن اللفظ الذي حثهم عليه. قاله النووي. (إلى عضادتي الباب) بكسر العين. قاله الجوهري: عضادتا الباب هما خشبتاه من جانبيه. اهـ و"إلى" بمعنى نهاية الحد، أي ما بين المصراعين منتهيين إلى عضادتي الباب كما بين مكة وهجر. الرواية السادسة (فيقوم المؤمنون حتى تزلف لهم الجنة) "تزلف" بضم التاء وإسكان الزاي مبني للمجهول، أي تقرب لهم، كقوله تعالى: ﴿وأزلفت الجنة للمتقين﴾ [الشعراء: ٩٠]. (إنما كنت خليلا من وراء وراء) قال صاحب التحرير: هذه الكلمة "وراء وراء" تذكر على سبيل التواضع، أي لست بتلك الدرجة الرفيعة، ولعل المقصود منها: أن المكارم التي أعطيتها كانت بواسطة جبريل ﵇، ولكن ائتوا موسى، فإنه حصل له سماع الكلام من غير واسطة، فكأن إبراهيم ﵇ قال: أنا وراء موسى الذي هو وراء محمد ﷺ عليهم أجمعين. اهـ. والمشهور في ضبط "وراء وراء" الفتح فيها بلا تنوين، فالكلمة الثانية مؤكدة، كشذر مذر، وسقطوا بين بين، فركبتا وبنيتا على الفتح، وقال أبو البقاء: الصواب الضم، لأن تفسيره من وراء ذلك، أو من وراء شيء آخر. اهـ فهما مبنيان على الضم، كقبل وبعد، وقد نقل عن الأخفش أنه يقال: لقيته من وراء؛ بالضم على الغاية، كقوله: من قبل ومن بعد، وأنشد الأخفش في ذلك قول الشاعر: إذا أنا لم أومن عليك ولم يكن لقاؤك إلا من وراء وراء (اعمدوا إلى موسى) بكسر الميم، ماضيه عمد بفتحها، أي اقصدوا واتجهوا.

стр. 645

(وترسل الأمانة والرحم، فتقومان جنبتي الصراط) "فتقومان" بالتاء، لأن المؤنثتين الغائبتين تكونان بالتاء، وخطأ مجيئها بالياء. و"جنبتا الصراط" بفتح الجيم والنون ومعناهما جانباه؛ وإرسال الرحم والأمانة لعظم حقهما، فتصوران مشخصتين على الصفة التي يريدها الله تعالى. وفي الكلام اختصار؛ اعتمادا على فهم السامع، وأصله: فتقومان جنبتي الصراط، لتطالبا كل من يريد المرور بحقهما. (وشد الرجال) بالجيم، جمع رجل. قال النووي: هذا هو الصحيح المعروف المشهور، ونقل عن بعضهم أنه بالحاء، قال القاضي عياض: وهما متقاربان في المعنى، وشدها جريها وعدوها البالغ. اهـ. (تجري بهم أعمالهم) هو كالتفسير لقوله: فيمر أولكم كالبرق .. إلخ ومعناه: أنهم يكونون في سرعة المرور على حسب مراتبهم وأعمالهم. (وفي حافتي الصراط) هو بتخفيف الفاء، وهما جانباه، ففي القاموس: وحافتا الوادي [بفتح الفاء مخففة] وغيره جانباه؛ والجمع حافات [بتخفيف الفاء أيضا]. (فمخدوش ناج ومكدوس في النار) ووقع في أكثر الأصول هنا "مكردس" وهو قريب من معنى المكدوس، أي المتراكم بعضه على بعض من تكدست الدواب في سيرها إذا ركب بعضها بعضا. (إن قعر جهنم لسبعون خريفا) قال النووي: هكذا هو في بعض الأصول "لسبعون" بالواو، وهذا ظاهر وفيه حذف، تقديره: إن مسافة قعر جهنم سير سبعين سنة، ووقع في معظم الأصول والروايات "لسبعين" بالياء، وهو صحيح أيضا، إما على مذهب من يحذف المضاف ويبقى المضاف إليه على جره، فيكون التقدير: سير سبعين، وإما على أن قعر جهنم مصدر، يقال: قعرت بالشيء إذا بلغت قعره، ويكون "سبعين" ظرف زمان، والتقدير: إن بلوغ قعر جهنم لكائن في سبعين خريفا، والخريف السنة. اهـ. والله أعلم. -[فقه الحديث]- يمكن حصر فقه الحديث في النقاط التالية: ١ - أرض المحشر، وأحوال الناس في الحشر. ٢ - استشفاعهم بالأنبياء. ٣ - أقوال العلماء في معاصي الأنبياء وذنوبهم.

стр. 646

٤ - أنواع الشفاعة وكيفيتها، ومذاهب العلماء فيها. ٥ - دعوات الأنبياء واستجابتها، وكون محمد ﷺ أكثرهم تبعا. ٦ - ما يؤخذ من الحديث من الأحكام. وهذا هو التفصيل: ١ - أرض المحشر، وأحوال الناس في المحشر. روى البخاري عن النبي ﷺ قوله: "يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقي (أي الدقيق النقي من الغش والنخال) قال الخطابي: يريد أنها مستوية، قال سهل: ليس فيها معلم لأحد. قال عياض: ليس فيها علامة سكنى، ولا بناء، ولا أثر، ولا شيء من العلامات التي يهتدي بها في الطرقات، كالجبل والصخرة البارزة، وروايتنا الرابعة تشير إلى هذا في قولها: "يجمع الله يوم القيامة الأولين والآخرين في صعيد واحد، فيسمعهم الداعي، وينفذهم البصر". وقد اختلف السلف في المراد بقوله تعالى ﴿يوم تبدل الأرض غير الأرض﴾ [إبراهيم: ٤٨] هل معنى تبديلها تغيير ذاتها وصفاتها؟ أو تغيير صفاتها فقط؟ فعن ابن مسعود: تبدل الأرض أرضا كأنها فضة، لم يسفك فيها دم حرام ولم يعمل عليها خطيئة. وعن عكرمة قال: بلغنا أن هذه الأرض -يعني أرض الدنيا- تطوى، وإلى جنبها أخرى، يحشر الناس منها إليها. وذهب آخرون إلى أن التغيير إنما يقع في صفات الأرض دون ذاتها، ويستندون إلى ما أخرجه الحاكم عن عبد الله بن عمرو قال: إذا كان يوم القيامة مدت الأرض مد الأديم، وحشر الخلائق. وإلى ما جاء عن ابن عباس من قوله: يزاد فيها، وينقص منها، ويذهب آكامها وجبالها وأوديتها وشجرها، وتمد مد الأديم العكاظي. وجمع الحافظ ابن حجر بين الروايتين الأخيرتين وبين القول الأول بأن ذلك كله يقع لأرض الدنيا لكن أرض الموقف غيرها. والله أعلم. ولا يعنينا في هذا المقام أن يكون التغيير في ذات الأرض، أو في صفاتها؛ وإنما الذي يعنينا أن الأولين والآخرين من الخلائق سيجمعون في صعيد واحد يوم يقوم الناس لرب العالمين، وتدنو الشمس من الرءوس كما جاء في روايتنا الرابعة، وكما جاء عند الحاكم من حديث عقبة بن عامر رفعه "تدنو الشمس من الأرض يوم القيامة، فيعرق الناس" وعند مسلم "تدني الشمس يوم القيامة من الخلق، حتى تكون منهم كمقدار ميل، فيكون الناس على مقدار أعمالهم في العرق" ويطول الموقف، ويشتد الكرب، حتى يقول الرجل: يا رب أرحني ولو إلى النار. ٢ - الاستشفاع بالأنبياء وعندئذ يقول بعضهم لبعض: ألا تنظرون من يشفع لكم عند ربكم؟ ويتوجهون إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

стр. 647

وتكاد تجمع الروايات على أنهم يفزعون إلى آدم ثم إلى نوح ثم إلى إبراهيم ثم إلى موسى ثم إلى عيسى ثم إلى محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. نعم أسقط بعض الرواة نوحا ﵇، كما في الرواية الثالثة والسادسة، ولكن العبرة بمن ذكره ﷺ . ولعل اختيار الناس هؤلاء دون غيرهم لتأهلهم لذلك المقام العظيم، قاله بعضهم، والذي يبدو من الحديث أن اختيارهم مقصور على آدم ﵇، أما من بعده فإن اختياره راجع إلى الأنبياء أنفسهم، كل منهم وجه إلى نبي بعده، وإنما توجه الناس إلى آدم باعتباره أبا البشر، وتوجه الإنسان في الشدائد إلى أبيه أمر طبيعي، وخصوصا إذا كان له شيء من الصفات التي تؤهله لتفريج الشدة، نلمس ذلك في قولهم: يا أبانا، أنت أبو البشر، أنت آدم أبو الخلق، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه وأمر الملائكة فسجدوا لك، وأسكنك جنته، وعلمك أسماء كل شيء، اشفع لذريتك، اشفع لنا عند ربك. أما وجه اختيار آدم لنوح فقد جاءت به بعض الروايات، وفيها "انطلقوا إلى أبيكم بعد أبيكم، إلى نوح، ائتوا عبدا شاكرا"، وفي روايتنا الأولى "ولكن ائتوا نوحا، أول رسول بعثه الله" وفي رواية "بعثه الله إلى أهل الأرض". وقد استشكلت هذه الأولية بأن آدم نبي مرسل، وكذا شيث وإدريس، وهم قبل نوح، وقد نقل النووي عن بعض العلماء أجوبة عن هذا الإشكال، فقال: قال الإمام أبو عبد الله المازري: قد ذكر المؤرخون أن إدريس جد نوح ﵉، فإن قام دليل على أن إدريس مرسل لم يصح قول المؤرخين إنه قبل نوح، لإخبار النبي ﷺ نقلا عن آدم أن نوحا أول رسول بعث، وإن لم يقم دليل جاز ما قالوه، وصح أن يحمل أن إدريس كان نبيا غير مرسل، قال القاضي عياض: وقد قيل إن إدريس هو إلياس، وأنه كان نبيا في بني إسرائيل، كما جاء في بعض الأخبار مع يوشع بن نون، فإن كان هكذا سقط الاعتراض. قال القاضي: وبمثل هذا يسقط الاعتراض بآدم وشيث ورسالتهما إلى من معهما إن كانا رسولين فإن آدم إنما أرسل لبنيه، ولم يكونوا كفارا بل أمر بتعليمهم الإيمان وطاعة الله تعالى، وكذلك خلفه شيث بعده فيهم بخلاف رسالة نوح إلى كفار أهل الأرض. قال القاضي: وقد رأيت ابن بطال ذهب إلى أن آدم ليس برسول ليسلم من هذا الاعتراض، لكن حديث أبي ذر ينص على أن آدم وإدريس رسولان. اهـ. وأما وجه اختيار نوح لإبراهيم فهو اتخاذ الله إبراهيم خليلا كما جاء في الروايات. وأما وجه اختيار إبراهيم لموسى فلأنه كليم الله، وأعطاه التوراة وفضله على الناس برسالاته وبكلامه، كما جاء في الروايات. وأما وجه اختيار موسى لعيسى فلأنه روح الله وكلمته التي ألقاها إلى مريم، وكلم الناس وهو في المهد صبيا كما جاء في الروايات.

стр. 648

وأما وجه اختيار عيسى لمحمد فلأنه خاتم النبيين، وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ولأنه سيد ولد آدم، وأول من تنشق عنه الأرض، كما جاء في الروايات الأخرى. وقال الحافظ ابن حجر: وقد قيل: إنما اختص المذكورون بذلك لمزايا أخرى، لا تتعلق بالتفضيل، فآدم لكونه والد الجميع، ونوح لكونه الأب الثاني، وإبراهيم للأمر باتباع ملته، وموسى لأنه أكثر الأنبياء تبعا، وعيسى لأنه أولى الناس بنبينا محمد ﷺ ، قال: ويحتمل أن يكونوا اختصوا بذلك لأنهم أصحاب شرائع، عمل بها أتباعهم فيما بين كل واحد منهم والذي بعده. اهـ. قال النووي: والحكمة في أن الله تعالى ألهم الناس سؤال آدم ومن بعده صلوات الله وسلامه عليهم، ولم يلهمهم سؤال نبينا محمد ﷺ ابتداء هي -والله أعلم- إظهار فضيلة نبينا محمد ﷺ ، فإنهم لو سألوه ابتداء لكان يحتمل أن غيره يقدر على هذا ويحصله، وأما إذا سألوا غيره من رسل الله تعالى وأصفيائه، فامتنعوا، ثم سألوه فأجاب، وحصل غرضهم، فهو النهاية في ارتفاع المنزلة وكمال القرب وعظيم الإدلال والأنس. اهـ. وهل كان الأنبياء يعلمون صاحب الشفاعة الحقيقي حين أحال كل منهم على الآخر؟ أو لم يكونوا يعلمون؟ أجاب عن ذلك القاضي عياض فقال: قال كل منهم: لست هناكم، أو لست لها، تواضعا، وإكبارا لما يسألونه، وقد تكون إشارة من كل واحد منهم إلى أن هذه الشفاعة وهذا المقام ليس له بل لغيره، وكل واحد منهم يدل على الآخر، حتى انتهى الأمر إلى صاحبه، قال: ويحتمل أنهم علموا أن صاحبها محمد ﷺ على التعيين وتكون إحالة كل منهم على الآخر لغرض تدريج الشفاعة في ذلك إلى نبينا محمد ﷺ ، قال: وأما مبادرة النبي ﷺ لذلك وإجابته لدعوتهم فلتحققه ﷺ أن هذه الكرامة وهذا المقام له ﷺ خاصة. اهـ. وقد تعرض الحافظ ابن حجر للذين يطلبون الشفاعة من محمد ﷺ ، فساق رواية للنضر بن أنس عن أبيه قال: حدثني نبي الله ﷺ قال: "إني لقائم أنتظر أمتي تعبر الصراط إذ جاء عيسى فقال: يا محمد، هذه الأنبياء قد جاءتك يسألونك لتدعو الله أن يفرق جمع الأمم إلى حيث يشاء، لغم ما هم فيه" قال: فأفادت هذه الرواية تعيين موقف النبي ﷺ حينئذ، وأن هذا الذي وصف من كلام أهل الموقف يقع عند نصب الصراط، وأن عيسى ﵇ هو الذي يخاطب النبي ﷺ ، وأن الأنبياء جميعا يسألونه في ذلك. اهـ. وليس في هذا ما يمنع من أن وفود الأمم تتوجه مع الأنبياء إلى النبي ﷺ أخذا بظاهر قوله في أكثر الروايات: "فيأتوني" بعد قوله: "فيأتون عيسى". والله أعلم. ٣ - أقوال العلماء في معاصي الأنبياء وذنوبهم وقد اعتذر كل نبي قبل محمد [صلى الله وسلم عليهم جميعا] بانشغاله بنفسه ذاكرا معصيته. فآدم يذكر أنه أكل من الشجرة، وقد نهي عنها، ففي بعض الروايات "إني قد أخرجت بخطيئتي من الجنة" وفي بعضها "وإني أذنبت ذنبا فأهبطت به إلى الأرض" وفي بعضها "هل أخرجكم من

стр. 649

الجنة إلا خطيئة أبيكم آدم"، وفي بعضها "إني أخطأت وأنا في الفردوس، فإن يغفر لي اليوم حسبي" وفي بعضها "إن ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإنه نهاني من الشجرة فعصيت. نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري". ونوح يذكر أنه دعا على قومه بالهلاك، ففي بعض الروايات "إني دعوت بدعوة أغرقت أهل الأرض" وفي رواية "ويذكر سؤال ربه ما ليس له به علم". وإبراهيم يذكر كذباته الثلاث، ففي بعض الروايات "إني كنت كذبت ثلاث كذبات" زاد في بعضها قوله: "إني سقيم" وقوله: "بل فعله كبيرهم هذا" وقوله لامرأته: "أخبريه أني أخوك"، وذكرت بعض الروايات بدل الأخيرة قوله في الكوكب: "هذا ربي". قال ﷺ : "ما منها كذبة إلا ما حل بها عن دين الله" أي إلا جادل بها عن دين الله. وقال البيضاوي: الحق أن الكلمات الثلاث إنما كانت من معاريض الكلام، لكن لما كانت صورتها صورة الكذب أشفق منها استصغارا لنفسه عن الشفاعة. وموسى يذكر أنه قتل نفسا بغير نفس ومن غير أن يؤمر بقتلها. وعيسى يذكر أنه عبد من دون الله، ففي بعض الروايات "إني اتخذت إلها من دون الله، وإن يغفر لي اليوم حسبي". أما محمد ﷺ فقد وصف بأنه قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر مما يوحي بأنه أذنب كإخوانه الأنبياء. ومن هنا نشأ إشكال حاصله: إذا كانت مغفرة الذنب تؤهل صاحبها للشفاعة، فلم لا يؤهل موسى لذلك، مع أنه قد غفر له بنص القرآن؟ قال تعالى: ﴿فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين* قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم﴾ [القصص: ١٥ - ١٦] ولم أشفق موسى من المؤاخذة؟ . أجاب الحافظ ابن حجر، واختار أن محمدا ﷺ لم يقع منه ذنب، وقال: يؤخذ من هذا التفرقة بين من وقع منه شيء، ومن لم يقع منه شيء أصلا، فإن موسى ﵇ مع وقوع المغفرة له لم يرتفع إشفاقه من المؤاخذة بذلك، ورأى في نفسه تقصيرا عن مقام الشفاعة، مع وجود ما صدر منه، بخلاف نبينا ﷺ في ذلك كله، ومن ثم احتج عيسى بأنه صاحب الشفاعة، لأنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، بمعنى أن الله أخبر أنه لا يؤاخذ بذنب لو وقع منه. اهـ. وقد أطال المفسرون في المراد من قوله تعالى: ﴿ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ [الفتح: ٢]. فقال بعضهم: المتقدم ما قبل النبوة، والمتأخر العصمة، وقيل: ما وقع من سهو أو تأويل. وقيل: المتقدم ذنب آدم، والمتأخر ذنب أمته. وقيل: المعنى أنه مغفور له غير مؤاخذ لو وقع، وقيل: المراد به

стр. 650

ذنوب أمته. قال النووي: فعلى هذا يكون المراد الغفران لبعضهم، أو سلامتهم من الخلود في النار، وقيل: هو تنزيه له من الذنوب، وقيل: غير ذلك. والله أعلم. وقد استدل بهذا الحديث من جواز الخطايا على الأنبياء، وأجاب القاضي عياض عن أصل المسألة فقال: لا خلاف في عصمتهم من الكفر بعد النبوة وكذا ما قبلها على الصحيح. وكذا القول في الكبيرة، ويلتحق بها ما يزري بفاعله من الصغائر. وكذا القول في كل ما يقدح في الإبلاغ من جهة القول. واختلفوا في الفعل، فمنعه بعضهم حتى في النسيان، وأجاز الجمهور السهو لكن لا يحصل التمادي. واختلفوا فيما عدا ذلك كله من الصغائر، فذهب جماعة من أهل النظر إلى عصمتهم منها مطلقا، وأولوا الحديث والآيات الواردة في ذلك بضروب من التأويل؛ ومن جملة ذلك أن الصادر عنهم إما أن يكون بتأويل من بعضهم، أو بسهو، أو بإذن، لكن خشوا ألا يكون ذلك موافقا لمقامهم فأشفقوا من المؤاخذة أو المعاتبة، قال: وهذا أرجح المقالات، ليس هو مذهب المعتزلة -وإن قالوا بعصمتهم مطلقا- لأن منزعهم في ذلك هو التكفير بالذنوب مطلقا، ولا يجوز على النبي الكفر، ومنزعنا أن أمة النبي مأمورة بالاقتداء به في أفعاله، فلو جاز منه وقوع المعصية للزم الأمر بالشيء الواحد والنهي عنه في حالة واحدة، وهو باطل، ثم قال: وجميع ما ذكر في حديث الباب لا يخرج عما قلناه، لأن أكل آدم من الشجرة كان عن سهو، وطلب نوح نجاة ولده كان عن تأويل، ومقالات إبراهيم كانت معاريض، وأراد بها الخير، وقتيل موسى كان كافرا. اهـ. والله أعلم. ٤ - أنواع الشفاعة وكيفيتها ومذاهب العلماء فيها. أما أنواع الشفاعة فقد قال النووي تبعا للقاضي عياض: الشفاعة خمس: أ- في الإراحة من هول الموقف. ب- وفي إدخال قوم الجنة بغير حساب. جـ- وفي إدخال قوم حوسبوا، فاستحقوا العذاب ألا يعذبوا. د- وفي إخراج من أدخل النار من العصاة. هـ- وفي رفع الدرجات، وزاد القاضي عياض: شفاعته ﷺ للتخفيف عن أبي طالب في العذاب. وزاد القرطبي: إنه أول شافع في دخول أمته الجنة قبل الناس. وسنتناول كل واحدة بشيء من التفصيل، وبالله التوفيق. الشفاعة العظمى للإراحة من هول الموقف: ودليلها ما جاء في الرواية الأولى، والثالثة،

стр. 651

والرابعة، والخامسة، والسادسة، من توجه الناس إلى آدم ثم إلى نوح، ثم إلى إبراهيم، ثم إلى موسى ثم إلى عيسى، ثم إلى محمد (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) وصاحب هذه الشفاعة محمد ﷺ لا يشاركه فيها أحد من الملائكة ولا من الأنبياء، وكيفيتها طبقا لما جاء في الروايات الصحيحة: أن ينطلق ﷺ ، فيأتي تحت العرش، فيقع ساجدا، يثني ويحمد حتى يقال له: ارفع رأسك. ففي الرواية الأولى "فيأتوني، فأستأذن على ربي، فيؤذن لي فإذا أنا رأيته وقعت ساجدا، فيدعني ما شاء الله. فيقال: يا محمد ارفع رأسك ... " وقريب من هذا في الرواية الثالثة، وفيها من الزيادة "فأقوم بين يديه، فأحمده بمحامد لا أقدر عليه الآن يلهمنيه الله" وفي الرواية الرابعة "فأنطلق، فآتي تحت العرش فأقع ساجدا لربي. ثم يفتح الله علي ويلهمني من محامده وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه لأحد قبلي". وكأنه ﷺ يلهم التحميد والثناء قبل السجود وفي أثنائه وبعده عندما يرفع رأسه. وقد روى النسائي بعض هذه المحامد من حديث حذيفة رفعه "فيقال: يا محمد. فأقول: لبيك وسعديك، والخير في يديك، والمهدي من هديت، وعبدك بين يديك، وبك وإليك، تباركت وتعاليت، سبحانك لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك. سبحانك رب البيت". فيقال: ارفع رأسك يا محمد وسل تعط واشفع تشفع. فيطلب من ربه أن يفرق جمع الأمم إلى حيث يشاء. فينادي المنادي: ألا فلتتبع كل أمة ما كانت تعبد في الدنيا، فيساق المشركون إلى النار، ويبقى في الموقف من كان يعبد الله فيوضع الميزان وتتطاير الصحف، ويقوم العرض والحساب وينصب الصراط. وهذا النوع من الشفاعة ثابت بإجماع الأمة: أهل السنة منها والمعتزلة والخوارج. وغيرهم. أما النوع الثاني وهو إدخال قوم الجنة بغير حساب: فدليله ما رواه أبو هريرة في الصحيح عن رسول الله ﷺ قال: "سألت ربي فوعدني أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفا بغير حساب. فاستزدت ربي فزادني مع كل ألف سبعين ألفا" وأخرج الترمذي وحسنه، والطبراني وابن حبان في صحيحه. من حديث أبي أمامة رفعه "وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفا مع كل ألف سبعون ألفا. لا حساب عليهم ولا عذاب. وثلاث حثيات من حثيات ربي" وقوله في الرواية الرابعة "فأقول: يا رب أمتي. أمتي. فيقال: يا محمد. ادخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة. وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب". وهذا النوع وإن سلم به المعتزلة والخوارج لكنهم اشترطوا ألا يكون فيهم مرتكب كبيرة لم يتب منها؛ لأن أصحاب الكبائر عندهم لا يدخلون الجنة إن لم يتوبوا.

стр. 652

أما النوع الثالث وهو الشفاعة في قوم حوسبوا، فاستحقوا العذاب ألا يعذبوا: فإن دليله قوله ﷺ "ونبيكم على الصراط يقول: رب سلم سلم". وهذه الشفاعة ليست خاصة به ﷺ فقد سبق في شرح الحديث الماضي أن الأنبياء كذلك يقفون على الصراط يقولون "يا رب سلم سلم". وهذا النوع ينكره المعتزلة والخوارج، لأن مستحق العذاب عندهم لا بد أن يعذب. وأما النوع الرابع وهو الشفاعة فيمن دخل النار أن يخرج منها: فإن دليله ما جاء في الرواية الأولى، والثانية، والثالثة من شفاعته ﷺ في المذنبين، وإخراجه من النار من كان في قلبه مثقال حبة من برة أو شعيرة من إيمان، ثم من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، ثم من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال حبة من خردل من إيمان. وما جاء في الحديث الذي سبق شرحه من شفاعة المؤمنين لإخوانهم الذين دخلوا النار، فيخرجون خلقا كثيرا قد عادوا حمما فيلقيهم الله في نهر الحياة .. إلخ. وهذا النوع من الشفاعة ليس خاصا بالنبي ﷺ وتنكره الخوارج والمعتزلة أشد الإنكار، وتمسكوا بقوله تعالى: ﴿فما تنفعهم شفاعة الشافعين﴾ [المدثر: ٤٨] وأجاب أهل السنة بأنها في الكفار، وخصوصا أن الأحاديث في إثبات الشفاعة المحمدية متواترة، قاله في الفتح. وأما النوع الخامس فهو الشفاعة في رفع الدرجات: بأن يشفع لمن لم يبلغ عمله درجة عالية أن يبلغها بشفاعته، وقد أشار النووي في الروضة إلى أن هذه الشفاعة من خصائصه ﷺ ، لكن الظاهر أنه يشاركه فيها صالحو المؤمنين، وإلى ذلك يشير قوله تعالى: ﴿والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء﴾ [الطور: ٢١] قاله كثير من المفسرين. قال القاضي عياض: أثبتت المعتزلة الشفاعة العامة في الإراحة من كرب الموقف، والشفاعة في رفع الدرجات، وأنكرت ما عداهما. اهـ. أما شفاعته ﷺ في دخول أمته الجنة قبل الناس: فلها شواهد كثيرة، ففي الرواية السابعة "أنا أول الناس يشفع في الجنة" وفي الثامنة "أنا أول من يقرع باب الجنة" وفي العاشرة "آتي باب الجنة يوم القيامة، فأستفتح، فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد. فيقول: بك أمرت. لا أفتح لأحد قبلك" وعن الترمذي "فآخذ حلقة باب الجنة، فأقعقعها، فيقال: من هذا؟ فأقول: محمد، فيفتحون لي، ويرحبون، فأخر ساجدا". نعم أخرج أحمد والنسائي والحاكم، قال: "يشفع نبيكم رابع أربعة جبريل، ثم إبراهيم ثم موسى أو عيسى، ثم نبيكم" لكنه مردود إذ لم يصرح برفعه، وقد ضعفه البخاري، وقال: المشهور قوله ﷺ "أنا أول شافع" والله أعلم.

стр. 653

من هذا العرض لأنواع الشفاعة يتضح أن رواياتنا الأولى والثالثة والرابعة، كل منها فيها سقط وحذف كبير، كأن الراوي في كل منها ركب شيئا على غير أصله. وذلك أن أول الحديث ذكر الشفاعة في الإراحة من كرب الموقف، وفي آخره ذكر الشفاعة في الإخراج من النار، ولعل الرواية السادسة توضح هذا السقط، إذ فيها "فيأتون محمدا ﷺ ، فيقوم فيؤذن له (أي ويشفع للخلائق من هول الموقف، فينصرف إلى النار من ينصرف ويتم العرض والحساب، وينصب الصراط) وترسل الأمانة والرحم، فتقومان جنبي الصراط، يمينا وشمالا، فيمر أولكم كالبرق" الحديث، فبهذا يتصل الكلام، وتجتمع متون الأحاديث، لأن الشفاعة التي لجأ الناس إليها فيها هي الإراحة من كرب الموقف، وبعدها يجري من أمور القضاء بين العباد ما يجرى، ثم يمر المؤمنون على الصراط، ويسقط في النار من يسقط، ثم تحل الشفاعة في إخراج العصاة من النار. فكأن بعض الرواة حفظ ما لم يحفظ الآخر، وفي هذا الإشكال يقول الداودي عن رواياتنا: لا أراه محفوظا، لأن الخلائق اجتمعوا واستشفعوا، ولو كان المراد هذه الأمة خاصة لم تذهب إلى غير نبيها، فدل على أن المراد الجميع، وإذا كانت الشفاعة لهم في فصل القضاء، فكيف يخصها بقوله: أمتي أمتي" ثم قال: وأول هذا الحديث ليس متصلا بآخره، بل بقي بين طلبهم الشفاعة وبين قوله: "أمتي، أمتي" أمور كثيرة من أمور القيامة. اهـ. ومن هذا العرض لأنواع الشفاعة نستطيع فهم المراد من المقام المحمود الذي ورد في الرواية السادسة عشرة من الحديث الذي سبق أن شرحناه، والذي يقول الله تعالى فيه: ﴿ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا﴾ [الإسراء: ٧٩]. قال ابن بطال: الجمهور على أن المراد به الشفاعة، وبالغ الواحدي فنقل فيه الإجماع. وقال الطبري: قال أكثر أهل التأويل: المقام المحمود هو الذي يقومه النبي ﷺ ليريحهم من كرب الموقف، ثم ساق عدة أحاديث في ذلك منها ما روي عن أبي هريرة في قوله تعالى: ﴿عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا﴾. قال: سئل عنها ﷺ . فقال: "هي الشفاعة" ومن حديث كعب بن مالك رفعه "أكون أنا وأمتي على تل، فيكسوني ربي حلة خضراء ثم يؤذن لي، فأقول ما شاء الله أن أقول، فذلك المقام المحمود" ومن حديث ابن مسعود رفعه "إني لأقوم يوم القيامة المقام المحمود إذا جيء بكم حفاة عراة"، وفيه "ثم يكسوني ربي حلة، فألبسها فأقوم عن يمين العرش مقاما لا يقومه أحد؛ يغبطني به الأولون والآخرون". قال الحافظ ابن حجر: والراجح أن المراد بالمقام المحمود الشفاعة لكن الشفاعة التي وردت في المقام المحمود نوعان: الأول: العامة في فصل القضاء، والثاني: الشفاعة في إخراج المذنبين من النار. اهـ. وظاهر كثير من الأحاديث تؤيد النوع الأول، والرواية السادسة عشرة من الحديث السابق تؤيد النوع الثاني إذ فيها "فإنه مقام محمد ﷺ المحمود الذي يخرج الله به من يخرج". وقيل: المقام المحمود أن يجلسه الله معه على عرشه يوم القيامة، وقيل: إعطاؤه لواء الحمد يوم القيامة، وقيل: وقوفه بين الله وبين جبريل يوم القيامة مما يغبطه بمقامه ذلك أهل الجمع، وقيل: هو ثناؤه على ربه.

стр. 654

قال الحافظ ابن حجر بعد أن ذكر هذه الأقوال: ويمكن رد الأقوال كلها إلى الشفاعة، فإن إعطاءه لواء الحمد، وثناءه على ربه وكلامه بين يديه، وجلوسه على كرسيه، وقيامه أقرب من جبريل، كل ذلك صفات للمقام المحمود، والذي يشفع فيه ليقضي بين الخلق، أما شفاعته في إخراج المذنبين من النار فمن توابع ذلك. والله أعلم. ٥ - دعوات الأنبياء واستجابتها، وكون محمد أكثرهم تابعا. وقد تعرضت الرواية الحادية عشرة والثانية عشرة والثالثة عشرة والرابعة عشرة إلى دعوات الأنبياء، وأن لكل نبي دعوة مستجابة وقد استشكل هذا بما وقع لكثير من الأنبياء حيث استجيبت لهم دعوات كثيرة، ولاسيما نبينا ﷺ ، وظاهره: أن لكل نبي دعوة واحدة مستجابة فقط، وأجيب عن هذا الإشكال: بأن المراد بالإجابة في الدعوة المذكورة القطع بها وما عدا ذلك من دعواتهم فهو محل رجاء الإجابة، وقيل: معنى قوله "لكل نبي دعوة" أي أفضل دعواته. ولهم دعوات أخرى، وقيل: لكل منهم دعوة عامة مستجابة في أمته، إما بإهلاكهم، وإما بنجاتهم، أما الدعوات الخاصة فمنها ما يستجاب، ومنها ما لا يستجاب، وقيل: لكل منهم دعوة تخصه، لدنياه أو لنفسه، كقول نوح: ﴿لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا﴾ [نوح: ٢٦] وقول زكريا: ﴿فهب لي من لدنك وليا﴾ [مريم: ٥] وقول سليمان ﴿وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي﴾ [ص: ٣٥]. وقال بعضهم: اعلم أن جميع دعوات الأنبياء مستجابة، والمراد بهذا الحديث أن كل نبي دعا على أمته بالإهلاك، إلا أنا فلم أدع، فأعطيت الشفاعة عوضا عن ذلك الصبر على أذاهم، والمراد أمة الدعوة، لا أمة الإجابة، وتعقبه الطيبي بأنه ﷺ دعا على أحياء من العرب، ودعا على أناس من قريش بأسمائهم، ودعا على رعل وذكوان، ودعا على مضر، قال: والأولى أن يقال: إن الله جعل لكل نبي دعوة تستجاب في حق أمته، فنالها كل منهم في الدنيا. أما نبينا فإنه لما دعا على بعض أمته نزل عليه: ﴿ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم﴾ [آل عمران: ١٢٨] فبقيت تلك الدعوة المستجابة مدخرة للآخرة. وغالب من دعا عليهم لم يرد إهلاكهم، وإنما أراد ردعهم ليتوبوا قال: وأما جزمه أولا بأن جميع أدعيتهم مستجابة ففيه غفلة عن الحديث الصحيح "سألت ربي ثلاثا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة" الحديث. كما تعرضت الروايات السابعة والثامنة والتاسعة إلى أن محمدا ﷺ أكثر الأنبياء تابعا، ولا خلاف في ذلك، ففي البخاري عن ابن عباس قال: قال النبي ﷺ : "عرضت علي الأمم، فأجد النبي يمر معه الأمة، والنبي يمر معه النفر، والنبي يمر معه العشرة، والنبي يمر معه الخمسة، والنبي يمر وحده، فنظرت فإذا سواد كثير، قلت: يا جبريل، هؤلاء أمتي؟ قال: لا. ولكن انظر إلى الأفق، فنظرت، فإذا سواد كثير، قال: هؤلاء أمتك، وهؤلاء سبعون ألفا قدامهم لا حساب عليهم ولا عذاب" وفيه عن عبد الله بن مسعود قال "كنا مع النبي ﷺ في قبة، فقال: أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ قلنا: نعم. قال: أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة. قلنا: نعم. قال: أترضون أن تكونوا شطر أهل الجنة"

стр. 655

وفي رواية "بل أرجو أن تكونوا ثلثي أهل الجنة" ثم قال: "إن مثلكم في الأمم كمثل الشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود". وسيأتي مثله بعد عدة أحاديث إن شاء الله. -[ويؤخذ من الحديث]- ١ - من قوله: "فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون وما لا يحتملون" شدة هول الموقف. ٢ - وأخذ الناس بمبدأ الاستشارة فيما بينهم عند حدوث الخطب. ٣ - وأن الناس يوم القيامة يستصحبون حالهم في الدنيا من التوسل إلى الله تعالى في حوائجهم بأنبيائهم، والباعث على ذلك الإلهام. ٤ - ويؤخذ من قولهم "أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك. ونحو ذلك للأنبياء" أن من طلب من كبير أمرا مهما، ينبغي أن يقدم بين يدي سؤاله وصف المسئول بأحسن صفاته وأشرف مزاياه، ليكون ذلك أدعى للإجابة. ٥ - وتقديم ذوي الأسنان، والآباء على الأبناء في الأمور التي لها بال. ٦ - وتواضع الأنبياء وإكبارهم الشفاعة وإشفاقهم على أنفسهم في الموقف العظيم. ٧ - وأن المسئول إذا لم يقدر على تحصيل ما سئل ينبغي أن يعتذر بما يقبل منه. ٨ - وأن يدل على من يظن أنه يقوم بالمهمة، فالدال على الخير كفاعله. ٩ - وأن يثنى على المدلول عليه بأوصافه المقتضية لأهليته، ليكون أدعى في قبول عذره في الامتناع. ١٠ - قال القاضي عياض: استدل بالحديث من جوز الخطايا على الأنبياء وقد بحث هذا الاستدلال بالتفصيل في النقطة الثالثة من الشرح. ١١ - جواز إطلاق الغضب على الله مرادا به اللازم. ١٢ - وفضيلة من ذكر من الأنبياء (آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام). ١٣ - تفضيل محمد ﷺ على جميع المخلوقين من الرسل والملائكة، فإن هذا الأمر العظيم، وهو الشفاعة العظمى لا يقدر على الإقدام عليه غيره. ١٤ - وكمال شفقته ﷺ على أمته, ورأفته بهم، وعنايته بالنظر في مصالحهم المهمة، فأخر دعوته لأمته إلى أهم أوقات حاجاتهم. ١٥ - ويؤخذ من قوله: "أنا سيد الناس يوم القيامة" مشروعية التحدث بنعمة الله. ١٦ - وأنه يغطي على الناس يوم القيامة بعض ما عملوه في الدنيا، لأن في السائلين من سمع هذا الحديث، ومع ذلك لم يستحضر أحد منهم أن ذلك المقام يختص به نبينا ﷺ ، إذ لو استحضروا ذلك لسألوه من أول وهلة، ولما احتاجوا إلي التردد من نبي إلى نبي، ولعل الله أنساهم ذلك للحكمة التي تترتب عليه من إظهار فضل نبينا ﷺ .

стр. 656

١٧ - ومزيد اهتمام الشرع بالأمانة والرحم. ١٨ - وإثبات الشفاعة العظمى. ١٩ - والشفاعة لإخراج عصاة المؤمنين من النار. ٢٠ - ويؤخذ من قوله: "فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا" التبرك بالمشيئة والامتثال لقوله تعالى: ﴿ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤]. ٢١ - وفيه دلالة لمذهب أهل الحق أن كل من مات غير مشرك بالله تعالى لا يخلد في النار، وإن كان مصرا على الكبائر. ٢٢ - واستدل الغزالي بقوله: "من كان في قلبه" على نجاة من أيقن بذلك وحال بينه وبين النطق به الموت، وظاهر الحديث يؤيده، والمخالفون يؤولون، ويقدرون محذوفا، أي من كان في قلبه منضما إلى النطق به مع القدرة، جمعا بين الأدلة. ٢٣ - ويؤخذ من قوله: "مثقال برة، ومثقال حبة خردل وأدنى من ذلك" الدلالة لمذهب السلف وأهل السنة ومن وافقهم من المتكلمين في أن الإيمان ينقص ويزيد. ٢٤ - ويؤخذ من وصف مصراعي باب الجنة سعة أبواب الجنة. ٢٥ - ومن وصف قعر جهنم عمق النار وهولها. ٢٦ - ويؤخذ من قوله "فأنطلق، فآتي تحت العرش، فأقع ساجدا" استحباب أن يتحرى العبد للدعاء المكان الشريف، لأن الدعاء فيه أقرب للإجابة. ٢٧ - وأن ناسا من الأمة الإسلامية يدخلون الجنة بغير حساب. ٢٨ - وأن محمدا ﷺ أكثر الأنبياء تابعا. ٢٩ - وأن محمدا ﷺ أول من يفتح له باب الجنة. ٣٠ - ويؤخذ من الرواية الثالثة تقديم الرجل الذي هو من خاصة العالم ليسأله، فقد قدموا ثابت البناني لأنه من خواص أنس. ٣١ - وأنه ينبغي للعالم وكبير المجلس أن يكرم فضلاء الداخلين عليه، ويميزهم بمزيد إكرام في المجلس وغيره. ٣٢ - ويؤخذ من ضحك الحسن أنه لا بأس بضحك العالم بحضرة أصحابه، إذا كان بينه وبينهم أنس، ولم يخرج بضحكه إلى حد يعد تركا للمروءة. ٣٣ - ومن قوله: ﴿خلق الإنسان من عجل﴾ [الأنبياء: ٣٧] جواز الاستشهاد بالقرآن في مثل هذا الموطن، من غير أن يسند إلى الله تعالى. والله تعالى أعلم

стр. 657

(١٠٢) باب شفقة الرسول ﷺ على أمته ٣٦٧ - عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄؛ أن النبي ﷺ تلا قول الله في إبراهيم ﴿رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني﴾ [إبراهيم: ٣٦] الآية. وقال عيسى ﵇: ﴿إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم﴾ [المائدة: ١١٨] فرفع يديه وقال "اللهم! أمتي أمتي" وبكى. فقال الله : يا جبريل! اذهب إلى محمد، وربك أعلم، فسله ما يبكيك؟ فأتاه جبريل ﵇ فسأله. فأخبره رسول الله ﷺ بما قال. وهو أعلم. فقال الله: يا جبريل! اذهب إلى محمد فقل: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك. -[المعنى العام]- اصطفى الله أنبياءه من بين أممهم، وغرس في قلوبهم الرأفة والرحمة وحب الخير لمن بعثوا فيهم، وأعلاهم درجة في هذا الشأن نبينا محمد ﷺ ، لقد أوذي من أهل الطائف، وأغروا به سفهاءهم يتبعونه ويقذفونه بالحجارة حتى أدموا قدميه، ونزل عليه جبريل يقول: لو شئت أطبقت عليهم الأخشبين. فقال: إني لأرجو أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله. اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون. قال له جبريل: صدق من سماك الرءوف الرحيم؛ وفي هذا الحديث مثل رائع من شفقته ﷺ على أمته، وحرصه على أن تكون خير الأمم، لقد قرأ قول إبراهيم ﵇: ﴿فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم﴾ [إبراهيم: ٣٦] وقول عيسى ﵇: ﴿إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم﴾ [المائدة: ١١٨] كل منهما يطلب المغفرة لأمته، فماذا عساه يفعل، وهو أكثر منهما شفقة، وأكبر منهما حرصا؟ لقد قرأ الآيتين في ليلة، وهو يبكي، ويتضرع إلى الله، ويرفع يديه إلى السماء ويقول: يا رب. أمتي. أمتي، ويسمع الله نداءه -وهو أعلم به وبما يرجوه- فيقول: يا جبريل، اذهب إلى محمد فقل له: ما يبكيك؟ وماذا تطلب من ربك؟ فسأله جبريل، فقال: أسأل الله أن يشفعني في أمتي، وأن يغفر لهم. فعاد جبريل بما سمع من محمد ﷺ . فقال الله له: ارجع إلى محمد فقل له: إننا سنرضيك في أمتك، ولن نسوؤك فيها أبدا ﷺ ، وآتاه الوسيلة والفضيلة والمقام المحمود.

стр. 658

-[المباحث العربية]- (تلا قول الله في إبراهيم) في القاموس: تلوت القرآن قرأته. اهـ. فالقارئ يتبع الكلام بعضه بعضا، و"في إبراهيم" فيها مضاف محذوف أي في سورة إبراهيم أو في مقالة إبراهيم. ﴿رب إنهن أضللن كثيرا من الناس﴾ الضمير يرجع إلى الأصنام في قوله: ﴿واجنبني وبني أن نعبد الأصنام﴾ ولما أسند إليها ما يسند إلى العقلاء ذكرها بضمير العاقلات فقال: إنهن، ونسبة الإضلال إليها مجازية، أي تسببن في الضلال. ﴿فمن تبعني فإنه مني﴾ الكلام على حذف مضاف، أي فمن تبع دعوتي فإنه من أمتي الناجين، وقيل: المعنى فإنه كبعضي في عدم الانفكاك. ﴿ومن عصاني﴾ فيما جئت به عن ربي، أي لم يتبعني. ﴿فإنك غفور رحيم﴾ دليل جواب الشرط المحذوف، والمذكور تعليل له، أي ومن عصاني فلا أدعو عليه، لأنك غفور رحيم. (وقال عيسى ﵇ قال النووي: هكذا هو في الأصول "وقال عيسى" قال القاضي عياض: قال بعضهم. قوله: "قال" هو اسم للقول لا فعل، يقال: قال قولا وقالا وقيلا، كأنه قال: وتلا قول عيسى. هذا كلام القاضي عياض. اهـ. ﴿إن تعذبهم فإنهم عبادك﴾ قيل: جواب الشرط محذوف، والتقدير: إن تعذبهم فإنهم يستحقون ذلك، لأنهم عبادك وقد عبدوا غيرك. (اذهب إلى محمد -وربك أعلم- فسله) جملة "وربك أعلم"، جملة معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه، والمفضل عليه محمد وغيره، أي أعلم بما يبكيه من نفسه ومن غيره. (فأخبره رسول الله بما قال -وهو أعلم- فقال الله) في الكلام حذف، وأصله. فأخبره رسول الله ﷺ بما قال، فأخبر جبريل ربه -وهو أعلم- فقال الله .. إلخ. فضمير "هو أعلم" لله تعالى. (إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك) قال صاحب التحرير: "ولا نسوؤك" تأكيد للمعنى: أي لا نحزنك، لأن الإرضاء قد يحصل في حق البعض بالعفو عنهم، ويدخل الباقي النار، فقال تعالى: نرضيك، ولا ندخل عليك حزنا، بل ننجي الجميع. اهـ.

стр. 659

-[فقه الحديث]- في ربط الآيتين ببكائه ﷺ ودعائه قال بعضهم إن إبراهيم طلب المغفرة لمن عصى من أمته بقوله: ﴿ومن عصاني فإنك غفور رحيم﴾ وأن عيسى عرض بطلب المغفرة لقومه بقوله: ﴿وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم﴾ فخشي ﷺ على أمته، وأشفق على العصاة منها، فسأل فيها ربه وبكى. واستدل هذا القائل بالآيتين على أنهما (إبراهيم وعيسى) سألا المغفرة للكافر، وأن الشرك يجوز أن يغفر، وهذا القول مبني على ما قاله النووي من أن مغفرة الشرك كانت في الشرائع القديمة جائزة في أممهم، وإنما امتنعت في شرعنا. وذهب بعضهم إلى أنه لا دليل في الآية على التعريض بطلب المغفرة للكافر، وسؤاله ﷺ لا يدل على أن في الآية تعريضا لسؤال المغفرة للكافر، وكل ما هنالك أنه ﷺ رأى أخويه قد سألا أو عرضا بسؤال المغفرة فطلبها لأمته، وقد روى النسائي والبيهقي عن أبي ذر قال: "صلى رسول الله ﷺ ليلة فقرأ بآية، حتى أصبح يركع ويسجد بها ﴿إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم﴾ فلما أصبح قلت: يا رسول الله، مازلت تقرأ هذه الآية حتى أصبحت؟ قال: إني سألت ربي الشفاعة، فأعطانيها، وهي نائلة -إن شاء الله- من مات لا يشرك به شيئا" وعند ابن مردويه عن أبي ذر قال: قلت: يا رسول الله، قمت الليلة بآية من القرآن؟ قال: "دعوت الله سبحانه لأمتي". قال: فبماذا أجبت؟ قال: "أجبت بالذي لو اطلع كثير منهم عليه تركوا الصلاة". والحكمة في إرسال جبريل لسؤاله إظهار شرف النبي ﷺ . -[ويؤخذ من هذا الحديث]- ١ - كمال شفقته ﷺ على أمته، واعتنائه بمصالحهم واهتمامه بأمرهم. ٢ - استحباب رفع اليدين في الدعاء. ٣ - البشارة العظيمة لهذه الأمة -زادها الله شرفا- بما وعدها الله تعالى. ٤ - بيان عظم منزلة النبي ﷺ عند الله تعالى، وعظم لطفه به، وأنه بالمحل الأعلى، فيسترضى، ويكرم بما يرضيه، وهذا الحديث موافق لقوله تعالى: ﴿ولسوف يعطيك ربك فترضى﴾ [الضحى: ٥]. والله أعلم

стр. 660

(١٠٣) باب من مات على الكفر فهو في النار ٣٦٨ - عن أنس ﵁ أن رجلا قال: يا رسول الله! أين أبي؟ قال: "في النار" فلما قفى دعاه فقال: "إن أبي وأباك في النار". -[المعنى العام]- كثر سؤال الصحابة بأسئلة التعنت، وأسئلة الإلحاف، وأسئلة ما لا نفع فيه، حتى شق ذلك على النبي ﷺ ، ومن هذه المثل ما رواه أنس من أن رجلا جاء يسأل رسول الله ﷺ عن مصير أبيه الذي مات قبل البعثة، أهو في الجنة أو في النار؟ فقال له ﷺ بوحي من ربه: هو في النار، فقام الرجل حزينا، وأحس الرسول ﷺ أنه آلمه وأحزنه، فأراد أن يخفف عنه بما هو معلوم من أن المصيبة إذا عمت هانت، فدعاه، فقال له: إن أبي وأباك وأبا الكثيرين من الصحابة الذين ماتوا كأبيك في النار، ونزل قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾ [المائدة: ١٠١]. -[المباحث العريبة]- (أين أبي) أي الذي مات، أفي الجنة هو؟ أو في النار؟ (فلما قفي) أي ولى قفاه منصرفا. -[فقه الحديث]- قال النووي: في الحديث أن من مات على الكفر فهو في النار، ولا تنفعه قرابة المقربين، وفيه أن من مات في الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان فهو من أهل النار، وليس هذا مؤاخذة قبل بلوغ الدعوة، فإن هؤلاء كانت قد بلغتهم دعوة إبراهيم وغيره من الأنبياء صلوات الله تعالى وسلامه عليهم أجمعين. اهـ. وقال الحليمي: إن العاقل المميز إذا سمع أية دعوة كانت إلى الله تعالى فترك الاستدلال بعقله على صحتها كان بذلك معرضا عن الدعوة فكفر. اهـ. وبالغ بعضهم في اعتماد ذلك، حتى قال: فمن بلغته دعوة أحد من الرسل ﵈ بوجه من

стр. 661

الوجوه، فقصر في البحث عنها، فهو كافر من أهل النار، فلا يغتر بقول كثير من الناس بنجاة أهل الفترة مع إخبار النبي ﷺ بأن آباءهم الذين مضوا في الجاهلية في النار. اهـ. وقريب من هذا الرأي ما ذهب إليه أبو منصور الماتريدي ومتبعوه من تعذيب أهل الفترة بترك الإيمان والتوحيد. أما الأشاعرة، وأهل الأصول والشافعية من الفقهاء، فقد ذهبوا إلى أن أهل الفترة لا يعذبون، وأطلقوا القول في ذلك، وأجابوا عن هذا الحديث وغيره من الأحاديث الصحيحة الواردة في تعذيب بعض أهل الفترة بعدة أجوبة. منها: أنها أخبار آحاد، فلا تعارض قوله تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾ [الإسراء: ١٥] ومنها: أنه يجوز أن يكون تعذيب من صح تعذيبه منهم لأمر مختص به، يقتضي ذلك، علمه الله تعالى ورسوله ﷺ . ومنها: قصر التعذيب على من بدل وغير من أهل الفترة بما لا يعذر به من الضلال، كعبادة الأوثان. وخير الأجوبة الثاني. فإن قيل: إن الحديث يتعارض مع قوله ﷺ "لا تؤذوا الأحياء بسبب الأموات" أجيب بأن جواب الرسول للرجل كان ردعا له ولغيره من السؤال عن أشياء إن تبد لهم تسؤهم. والله أعلم

стр. 662

(١٠٤) باب ما جاء في قوله تعالى: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ وأن الرسول ﷺ لا يغني عن الكافرين شيئا ٣٦٩ - عن أبي هريرة ﵁ قال: لما أنزلت هذه الآية: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ [الشعراء: ٢١٤] دعا رسول الله ﷺ قريشا فاجتمعوا. فعم وخص. فقال "يا بني كعب بن لؤي! أنقذوا أنفسكم من النار. يا بني مرة بن كعب! أنقذوا أنفسكم من النار. يا بني عبد شمس! أنقذوا أنفسكم من النار. يا بني عبد مناف! أنقذوا أنفسكم من النار. يا بني هاشم! أنقذوا أنفسكم من النار. يا بني عبد المطلب! أنقذوا أنفسكم من النار. يا فاطمة! أنقذي نفسك من النار. فإني لا أملك لكم من الله شيئا. غير أن لكم رحما سأبلها ببلالها". بهذا الإسناد وحديث جرير أتم وأشبع. ٣٧٠ - عن عائشة ﵂؛ قالت: لما نزلت: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ [الشعراء: ٢١٤] قام رسول الله ﷺ على الصفا فقال: "يا فاطمة بنت محمد! يا صفية بنت عبد المطلب! يا بني عبد المطلب! لا أملك لكم من الله شيئا. سلوني من مالي ما شئتم". ٣٧١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ حين أنزل عليه: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ [الشعراء: ٢١٤] "يا معشر قريش! اشتروا أنفسكم من الله. لا أغني عنكم من الله شيئا. يا بني عبد المطلب! لا أغني عنكم من الله شيئا. يا عباس بن عبد المطلب! لا أغني عنك من الله شيئا. يا صفية عمة رسول الله! لا أغني عنك من الله شيئا. يا فاطمة بنت رسول الله! سليني بما شئت. لا أغني عنك من الله شيئا". نحو هذا.

стр. 663

٣٧٢ - عن قبيصة بن المخارق وزهير بن عمرو ﵄؛ قالا: لما نزلت: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ [الشعراء: ٢١٤] قال انطلق نبي الله ﷺ إلى رضمة من جبل. فعلا أعلاها حجرا. ثم نادى "يا بني عبد منافاه! إني نذير. إنما مثلي ومثلكم كمثل رجل رأى العدو فانطلق يربأ أهله. فخشي أن يسبقوه فجعل يهتف: يا صباحاه". بنحوه. ٣٧٣ - عن ابن عباس ﵄؛ قال: لما نزلت هذه الآية ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ [الشعراء: ٢١٤] ورهطك منهم المخلصين. خرج رسول الله ﷺ حتى صعد الصفا. فهتف "يا صباحاه! " فقالوا: من هذا الذي يهتف؟ قالوا: محمد. فاجتمعوا إليه، فقال "يا بني فلان! يا بني فلان! يا بني فلان! يا بني عبد مناف! يا بني عبد المطلب! " فاجتمعوا إليه فقال "أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا تخرج بسفح هذا الجبل أكنتم مصدقي؟ " قالوا: ما جربنا عليك كذبا. قال "فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد". قال فقال: أبو لهب تبا لك؛ أما جمعتنا إلا لهذا؟ ثم قام. فنزلت هذه السورة: ﴿تبت يدا أبي لهب وقد تب﴾ [المسد: ١]. كذا قرأ الأعمش إلى آخر السورة. ٣٧٤ - عن الأعمش، بهذا الإسناد. قال: صعد رسول الله ﷺ ذات يوم الصفا فقال "يا صباحاه! " بنحو الحديث السابق. ولم يذكر نزول الآية: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾. -[المعنى العام]- لرفع المحاباة، وللترغيب في دعوة الإسلام، للإشعار بأنها الخير كل الخير، أمر ﷺ أن يبدأ بدعوة قومه وعشيرته وأقربائه، بل أن يبدأ بأقرب الناس إليه داعيا له، ومنذرا إياه من عذاب شديد، فقال جل شأنه: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ [الشعراء: ٢١٤] وبادر ﷺ فصدع بما أمر، فصعد الصفا، الذي قدسه العرب كشعيرة من شعائر الحج، ثم وضع إصبعيه في أذنيه،

стр. 664

وهتف بأعلى صوته: يا صباحاه. يا صباحاه. يا صباحاه، يا معشر قريش يا بني فهر، فاجتمعوا، يا بني لؤي، فأجاب بنو الأروم بن غالب، يا آل كعب، يا آل كلاب، يا آل قصي، يا آل عبد مناف، يا بني هاشم، يا بني المطلب، فاجتمعوا، وجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا لينظر ما هو، قال له أبو لهب: هؤلاء عبد مناف عندك. ماذا تريد منهم؟ فقال: أخبروني. لو أنبأتكم أن عدوا لكم جاء بخيله خلف هذا الوادي، يريد أن يغير عليكم، أكنتم مصدقي؟ قالوا: نعم. فوالله ماجربنا عليك كذبا، وإنك عندنا لصدوق. قال: فإني رسول الله إليكم بين يدي عذاب شديد، يا معشر قريش أنقذوا أنفسكم من النار بالإيمان. يا بني مرة: اشتروا أنفسكم من الله بالإسلام، يا بني عبد شمس؛ أنقذوا أنفسكم من النار بالإسلام، يا بني عبد مناف، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني هاشم، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب، أنقذوا أنفسكم من النار، فإني لا أغني عنكم من الله شيئا، يا عباس بن عبد المطلب، أنقذ نفسك، فإني لا أغني عنك من الله شيئا، يا صفية عمة رسول الله، أنقذي نفسك، فإني لا أغني عنك من الله شيئا، يا فاطمة بنت محمد، أنقذي نفسك، فإني لا أغني عنك من الله شيئا، سليني من مالي ما شئت، فقد أنفعك، لكن لا تتكلي علي فإني لا أملك لك من الله شيئا إن لم تؤمني. فقال أبو لهب: تبا وخسرانا وهلاكا لك يامحمد. ألهذا جمعتنا؟ ألهذا القول الساحر دعوتنا؟ وأخذ حجرا يريد أن يرمي به محمدا ﷺ ، وهاج الناس وماجوا، وأخذ يناقش بعضهم بعضا، ونزل ﷺ ، فدافع الله عنه، وأجاب عنه أبا لهب بقوله جل شأنه: ﴿تبت يدا أبي لهب وتب* ما أغنى عنه ماله وما كسب* سيصلى نارا ذات لهب﴾ [المسد: ١ - ٣] وحقق الله وعده فهلك أبو لهب حسرة وكمدا حين هزمت قريش في غزوة بدر، وأتم الله نوره رغم أنف الكافرين. -[المباحث العربية]- ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ أي ذوي القرابة القريبة، والعشيرة رهط الرجل الأدنون، أو هم أهل الرجل الذي يتكثر بهم، أي يصيرون له بمنزلة العدد الكامل، وهو العشرة. (دعا قريشا فاجتمعوا فعم وخص) يقال عمهم بكذا، أي شملهم، فالمعنى عم قريشا بالدعوة وشملها، فقال: يا معشر قريش، وخص بعض بطونها، فقال: يا بني كعب إلخ، فالفاء في قوله: "فعم" للتفصيل، مثلها في قولنا: توضأ فغسل وجهه إلخ، وقوله: "فاجتمعوا" مقدمة من تأخير، والتقدير: دعا قريشا بطريق التعميم والتخصيص فاجتمعوا. (أنقذوا أنفسكم من النار) بالإيمان، وفي الرواية الثالثة "اشتروا أنفسكم من الله" أي باعتبار تخليصها من النار، كأنه قال: أسلموا تسلموا من العذاب، فكان ذلك كالشراء، كأنهم جعلوا الطاعة ثمن النجاة.

стр. 665

(غير أن لكم رحما سأبلها ببلالها) يقال: بل رحمه إذا وصلها، من باب كتب، والبلال بكسر الباء الماء، وروي بفتح الباء، والمعنى: غير أن لكم رحما سأصلها بوصلها الحق، شبهت قطيعة الرحم بالحرارة، ووصلها بإطفاء الحرارة بالبرودة. (قام رسول الله على الصفا) الصفا الحجر الصلد الضخم لا ينبت، والصفا من مشاعر الحج، طرف جبل أبي قبيس، وفي الرواية الرابعة "انطلق نبي الله إلى رضمة من جبل، فعلا أعلاها حجرا، و"الرضمة" بفتح الراء وإسكان الضاد وفتحها، جمعها رضم ورضام، وهي صخور عظام بعضها فوق بعض. وقيل هي دون الهضاب: وقيل: الرضمة الحجارة المجتمعة ليست ثابتة في الأرض، كأنها منثورة، وقوله: "فعلا أعلاها حجرا" "حجرا" مفعول "علا" و"أعلاها" حال من "حجرا" وأصله صفة، فلما قدمت أعربت حالا، والتقدير: فعلا حجرا كائنا أعلاها. (يا فاطمة بنت محمد) "بنت" و "ابن" فيها، وفي أمثالها منصوب لا غير، لأنه مضاف تابع للمنادى، و"فاطمة" و"صفية" و"عباس" يجوز ضمها ونصبها، والنصب أفصح وأشهر، وفي بعض الأصول "يا فاطم" بحذف الهاء على الترخيم، فيصح ضم الميم وفتحها. (سلوني من مالي ما شئتم) أي فإني أعطيكم ما تسألون، ولكن لا تسألوني دفاعا عنكم عند الله إن لم تسلموا وتعملوا خيرا، وفي الرواية الثالثة "سليني بما شئت" و"سأل" تتعدى بنفسها وبعن وبالباء، ففي القاموس: سأله كذا وعن كذا وبكذا. (قال: انطلق نبي الله) "قال" معناه: قالا، لأن المراد أن قبيصة وزهير قالا، ولكن لما كانا متفقين، وهما كالرجل الواحد أفرد فعليهما، ولو حذف لفظة "قال" كان الكلام واضحا منتظما، ولكن لما حصل في الكلام بعض الطول حسن إعادة "قال" للتأكيد، ومثله في القرآن العزيز ﴿أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون﴾ [المؤمنون: ٣٥] فأعاد لفظ "أنكم". ذكره النووي. (يا بني عبد منافاه) هذا هو المسمى بالندبة في عرف النحاة وهي نوع من النداء، يزيد على النداء أن المنادى فيه متفجع عليه. ويلحق آخر المنادى والمندوب ألف يفتح ما قبلها، وإذا وقف عليه لحقه بعد الألف هاء السكت. (فانطلق يربأ أهله) أي يحفظهم، ويحميهم، ويتطلع لهم و"يربأ" على وزن "يقرأ" والربئة بفتح الراء وكسر الباء وبالهمزة المفتوحة، هو العين والطليعة الذي ينظر للقوم؛ لئلا يدهمهم العدو، ولا يكون في الغالب إلا على جبل، أو شيء مرتفع، لينظر إلى أبعد. (فجعل يهتف: يا صباحاه) "يهتف" يعني يصيح ويصرخ و"يا صباحاه" كلمة يعتادونها عند وقوع أمر عظيم، فيقولونها ليجتمعوا ويتأهبوا له، وهي منادى، مندوب وأصلها مضاف إلى ياء المتكلم "يا صباحي" فقلبت الياء ألفا في النداء، أو حذفت من أجل ألف الندبة، والهاء للسكت.

стр. 666

(ورهطك منهم المخلصين) في القاموس: "الرهط" ويحرك. قوم الرجل وقبيلته، ومن ثلاثة أو سبعة إلى العشرة، وما فيهم امرأة، ولا واحد له من لفظه. اهـ. والمراد هنا القوم، و"المخلصين" بفتح اللام، وهي صفة المؤمنين، و"من" تبعيضية، وهو من عطف الخاص على العام تنويها به وتأكيدا. (أرأيتكم لو أخبرتكم) "أرأيتكم" معناه أخبروني، عن طريق مجازين: الأول في الاستفهام، بأن تريد معه مطلق الطلب، بدلا من طلب الفهم، بعلاقة الإطلاق بعد التقييد، والثاني: في الرؤية بأن تريد منها لازمها وهو الإخبار، فآل المعنى إلى طلب الإخبار، المدلول عليه بلفظ أخبروني. (أن خيلا تخرج بسفح هذا الجبل) أي الأعداء، وفي رواية "تريد أن تغير عليكم" وسفح الجبل أسفله، وقيل: عرضه، والمشار إليه جبل أبي قبيس، حيث كان وافقا على طرفه. (أكنتم مصدقي) بتشديد الياء، وأصله أكنتم مصدقين إياي، فالياء الأولى علامة النصب، والياء الثانية ضمير المفعول وحذفت النون للإضافة. (فقال أبو لهب: تبا لك) "أبو لهب" بفتح الهاء وسكونها عم النبي ﷺ واسمه عبد العزى بن عبد المطلب وأمه خزاعية، وكني أبا لهب إما بابنه لهب، وإما بشدة حمرة وجنته، ووافق ذلك ما آل إليه أمره، من أنه سيصلى نارا ذات لهب، ومات بعد وقعة بدر، ولم يحضرها، بل أرسل عنه بديلا، فلما بلغه ما جرى لقريش مات غما وكمدا، وقوله: "تبا لك" أي خسرانا لك، مصدر محذوف فعله. (تبت يدا أبي لهب) في القاموس: تبت يداه ضلتا وخسرتا، والجملة دعائية معنى، أو خبرية لفظا ومعنى. (وقد تب كذا قرأ الأعمش) أي هكذا قرأها الأعمش يومئذ بزيادة "قد" وليست هذه القراءة فيما نقل القراء عن الأعمش، فالذي يظهر أنه قرأها حاكيا، لا قارئا، والمحفوظ أنها قراءة ابن مسعود وحده، والجملة على هذه القراءة حالية ويمتنع أن تكون دعائية؛ لأن "قد" لا تدخل على أفعال الدعاء، أما على القراءة الأخرى بحذف "قد" فيجوز أن تكون دعائية، ويجوز أن تكون حالية، و"قد" معها مقدرة، فيكون دعاء عليه بهلاكه كله، أو يكون إخبارا بما سيحصل، والتعبير بالماضي لتحقق الوقوع. قال الفراء: الأول: "تبت يدا أبي لهب" دعاء بهلاك جملته على أن اليدين إما كناية عن الذات والنفس لما بينهما من اللزوم في الجملة، أو مجاز مرسل، من إطلاق الجزء وإرادة الكل، كقوله تعالى: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ [البقرة: ١٩٥] والثاني إخبار بالحصول، أي وكان ذلك وحصل. اهـ. وقيل: الأول: إخبار عن هلاك عمله حيث لم يفده، ولم ينفعه، لأن الأعمال تزاول بالأيدي غالبا، والثاني إخبار عن هلاك نفسه. اهـ. والظاهر أن كل من يقول: إنها إخبار يقول بأنها من قبيل التعبير عن المضارع بالماضي لتحقق الوقوع، أو إخبار عما وقع في علم الله وقضائه.

стр. 667

-[فقه الحديث]- قال الحافظ ابن حجر: هذا الحديث من مراسيل الصحابة، لأن أبا هريرة إنما أسلم بالمدينة، وهذه القصة وقعت بمكة، لتصريحه في حديث الباب أنه صعد الصفا، ولأن ابن عباس كان حيئنذ إما لم يولد، وإما كان طفلا. اهـ. كما أن عائشة لم يتجاوز سنها بمكة ثماني سنوات على أرجح الأقوال. ويشكل على الحديث نداء فاطمة في الرواية الثانية والثالثة، وهي لم تكن بالغة بحيث تخاطب بالأحكام، ويمكن أن يجاب على هذا الإشكال بأن نداءها لم يكن لتكليفها بالأحكام، وإنما ليعلن لقريش أنه لا يملك لها شيئا عند الله إن لم تعمل لنفسها بعد بلوغها، وإن كان يملك أن يعطيها من ماله ما تسأل. ووجه تخصيص عشيرته ﷺ الأقربين بالإنذار مع عموم رسالته دفع توهم المحاباة، وأن الاهتمام بشأنهم أهم، وأن البداءة تكون بمن يلي، ثم من بعده. وقال الحافظ ابن حجر: والسر في الأمر بإنذار الأقربين أولا أن الحجة إذا قامت عليهم تعدت إلى غيرهم، وإلا فكانوا علة للأبعدين في الامتناع، وألا يأخذه ما يأخذ القريب من العطف والرأفة، فيحابيهم في الدعوة والتخويف، فلذلك نص له على إنذارهم. اهـ. وأفرد ﷺ فاطمة وصفية في الرواية الثانية، وعباس في الرواية الثالثة لشدة قرابتهم، ولشدة صلته بهم من بين قراباته، وفاطمة كانت أصغر أولاده، وللصغير زيادة محبة، فإذا انتفى نفعه لمن يحب من أقاربه، ومن يحرص على نفعه، انتفى عن غيره من باب أولى. وقد جاء في الرواية الخامسة زيادة "ورهطك منهم المخلصين" قال الحافظ ابن حجر: وهذه الزيادة وصلها الطبري عن عمرو بن مرة أنه كان يقرؤها كذلك. قال القرطبي: لعل هذه الزيادة كانت قرآنا فنسخت تلاوتها، ثم استشكل ذلك بأن المراد إنذار الكفار، والمخلص صفة المؤمن، وأجيب عن ذلك: أنه لا يمتنع عطف الخاص على العام، فقوله: "وأنذر عشيرتك الأقربين" عام بمن آمن منهم ومن لم يؤمن، ثم عطف عليه الرهط المخلص تنويها بهم وتأكيدا. واستدل بعض المالكية بقوله في الروايتين الثانية والثالثة "يا فاطمة بنت محمد -بنت رسول الله- ... لا أغني عنكم من الله شيئا، سلوني من مالي ما شئتم" على أن النيابة لا تدخل في أعمال البر، إذا لو جاز ذلك لتحمل ﷺ عن فاطمة ما يخلصها، فإذا كان عمله لا يقع نيابة عن ابنته فغيره أولى بالمنع، ورد عليهم بأن هذا كان من قبل أن يعلمه تعالى بأن يشفع فيمن أراد، وتقبل شفاعته حتى يدخل الجنة قوما بغير حساب، ويرفع درجات قوم آخرين، ويخرج من النار من دخلها بذنوبه من المؤمنين، أو كان المقام مقام التخويف والتحذير، أو أنه أراد المبالغة في الحض على العمل، ويكون في قوله: "لا أغنى شيئا" إضمار: إلا أن يأذن الله لي بالشفاعة.

стр. 668

-[ويؤخذ من الحديث]- ١ - استحباب القيام على عال أو مرتفع من الأرض لإبلاغ الدعوة أكبر عدد، فإن فيه انتشار الصوت، مع تمكين السامعين من مشاهدة المتكلم مما يساعد على استقرار الكلام في النفوس. ٢ - مشروعية الهتاف بيا صباحاه ونحوها، لجمع الناس، وقد ورد عند الطبري أن النبي ﷺ وضع أصابعه في أذنه ورفع صوته. ٣ - وضوح بيانه ﷺ وقوة حجته، إذا أخذ إقرارهم أولا على صدقه في مهام أمورهم وأخطرها قبل أن يخبرهم وينذرهم. ٤ - صبره ﷺ على إيذاء قومه، بل على إيذاء من هو أقرب الناس إليه وهو عمه، فقد روي "أن أبا لهب أخذ بيديه حجرا ليرمي بها رسول الله ﷺ ، قبل قوله تبا لك". ٥ - قال القاضي عياض: استدل به وبالسورة على جواز تكنية الكافر، وقد اختلف العلماء في ذلك، واختلفت الرواية عن مالك في جواز تكنية الكافر، بالجواز والكراهة. وقال بعضهم: إنما يجوز من ذلك ما كان على جهة التآلف وإلا فلا، إذا في التكنية تعظيم وتكبير، وأما تكنية الله تعالى لأبي لهب فليست من هذا، ولا حجة فيه، لأنه قد ترك اسمه لقبحه لأن اسمه عبد العزى، وهذه التسمية باطلة، فلهذا كني عنه، وقيل: لأنه إنما كان يعرف بها، وقيل: إن أبا لهب لقب، وليس بكنية، وكنيته أبو عتبة، وقيل: إنما ذكر بهذه الكنية للإشارة إلى مايؤول إليه أمره من لهب جهنم، وذهب جماعة إلى أن الكنية لا تدل بمجردها على التعظيم، بل قد يكون الاسم أشرف من الكنية، ولهذا ذكر الله الأنبياء ﵈ بأسمائهم، دون كناهم. والله اعلم

стр. 669

(١٠٥) باب شفاعة النبي ﷺ لأبي طالب ٣٧٥ - عن العباس بن عبد المطلب ﵁ أنه قال: يا رسول الله! هل نفعت أبا طالب بشيء، فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ قال: "نعم هو في ضحضاح من النار. ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار". ٣٧٦ - عن العباس ﵁ قال: قلت: يا رسول الله! إن أبا طالب كان يحوطك وينصرك. فهل نفعه ذلك؟ قال: "نعم. وجدته في غمرات من النار فأخرجته إلى ضحضاح". بنحو حديث أبي عوانة. ٣٧٧ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ ذكر عنده عمه أبو طالب. فقال: "لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة. فيجعل في ضحضاح من النار. يبلغ كعبيه. يغلي منه دماغه". ٣٧٨ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "إن أدنى أهل النار عذابا ينتعل بنعلين من النار، يغلي دماغه من حرارة نعليه". ٣٧٩ - عن ابن عباس رضى الله عنهما؛ أن رسول الله ﷺ قال: "أهون أهل النار عذابا أبو طالب. وهو منتعل بنعلين يغلي منهما دماغه". ٣٨٠ - عن النعمان بن بشير رضى الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن أهون أهل النار عذابا يوم القيامة، لرجل توضع في أخمص قدميه جمرتان، يغلي منهما دماغه".

стр. 670

٣٨١ - عن النعمان بن بشير ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إن أهون أهل النار عذابا من له نعلان وشرا كان من نار، يغلي منهما دماغه. كما يغلي المرجل ما يرى أن أحدا أشد منه عذابا. وإنه لأهونهم عذابا". -[المعنى العام]- توفي والد رسول الله ﷺ وهو حمل في بطن أمه، فكفله جده عبد المطلب، حتى مات ورسول الله ﷺ في الثامنة من عمره، فكفله عمه أبو طالب، وكان فقيرا، كثير العيال، فأنزل محمدا منزلة أعز أبنائه بل كان يصحبه في أسفاره البعيدة، ويترك أولاده، خشية أن يشعر في غيابه بالوحشة ومرارة اليتم، وعلمه التجارة، ثم زوجه خديجة، ولما بعث ﷺ وقام المشركون يعادونه ويؤذونه وقف أبو طالب يحميه ويدافع عنه، وأرسلت قريش إلى أبي طالب أن يوقف محمدا عن دعوته، أو يخلي بينهم وبينه، ولما قال رسول الله ﷺ قولته المشهورة: "والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري؛ على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه" سانده عمه، وشد من أزره وطمأنه على استمرار حمايته، بقولته الخالدة: اذهب يا ابن أخي فقل ما شئت، وادع من شئت، فوالله لا أخذلك ولا أسلمك إليهم أبدا، ورضي أبو طالب أن تعاديه قريش من أجل محمد ﷺ وقبل الحصار الاقتصادي والمقاطعة الاجتماعية في شعب بني طالب ثلاث سنين من أجل محمد ﷺ حتى إذا نقضت صحيفة المقاطعة وخرجوا من الشعب مرض أبو طالب مرضه الأخير، فقالت له قريش مستهزئة ساخرة: أرسل إلى ابن أخيك ليرسل إليك من هذه الجنة التي يذكرها دواء يشفيك، فلم يعبأ أبو طالب بهذا الاستهزاء، وأرسل إلى ابن أخيه يدعوه إلى جواره في لحظاته الأخيرة حبا فيه، وحنانا عليه، وحرص رسول الله ﷺ أن ينطق عمه بالشهادتين، وحرص رأسا الشرك (أبو جهل وابن أبي أمية) المحيطان به أن يظل على دينه، وكانت الإثارة من الجانبين موجهة قوية إلى أبي طالب، وكانت الخاتمة التي أرادها الله أن يموت على دين عبد المطلب. وبدافع الوفاء انطلق رسول الله ﷺ يستغفر لعمه وقلبه يتقطع حسرة عليه، فنزل قوله تعالى ﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾ [القصص: ٥٦] ونزل ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم﴾ [التوبة: ١١٣] ومع منع الاستغفار له استجاب الله لنبيه، فخفف العذاب عن عمه، كان عذابه الغمر في النار، بل في الدرك الأسفل من النار، فخفف عنه إلى فراش من نار، جمرتان من نار، يقف عليهما، تحت باطن كل رجل جمرة، يحيط بالرجل من أعلاها سير من نار، يغلي من ذلك دماغه وأم رأسه، كما تغلي القدر بما فيها، يظن أنه أشد أهل النار عذابا وهو أقلهم عذابا.
следующие страницы →