Полный текст (6 200 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
(ورهطك منهم المخلصين) في القاموس: "الرهط" ويحرك. قوم الرجل وقبيلته، ومن ثلاثة أو سبعة إلى العشرة، وما فيهم امرأة، ولا واحد له من لفظه. اهـ. والمراد هنا القوم، و"المخلصين" بفتح اللام، وهي صفة المؤمنين، و"من" تبعيضية، وهو من عطف الخاص على العام تنويها به وتأكيدا.
(أرأيتكم لو أخبرتكم) "أرأيتكم" معناه أخبروني، عن طريق مجازين: الأول في الاستفهام، بأن تريد معه مطلق الطلب، بدلا من طلب الفهم، بعلاقة الإطلاق بعد التقييد، والثاني: في الرؤية بأن تريد منها لازمها وهو الإخبار، فآل المعنى إلى طلب الإخبار، المدلول عليه بلفظ أخبروني.
(أن خيلا تخرج بسفح هذا الجبل) أي الأعداء، وفي رواية "تريد أن تغير عليكم" وسفح الجبل أسفله، وقيل: عرضه، والمشار إليه جبل أبي قبيس، حيث كان وافقا على طرفه.
(أكنتم مصدقي) بتشديد الياء، وأصله أكنتم مصدقين إياي، فالياء الأولى علامة النصب، والياء الثانية ضمير المفعول وحذفت النون للإضافة.
(فقال أبو لهب: تبا لك) "أبو لهب" بفتح الهاء وسكونها عم النبي ﷺ واسمه عبد العزى بن عبد المطلب وأمه خزاعية، وكني أبا لهب إما بابنه لهب، وإما بشدة حمرة وجنته، ووافق ذلك ما آل إليه أمره، من أنه سيصلى نارا ذات لهب، ومات بعد وقعة بدر، ولم يحضرها، بل أرسل عنه بديلا، فلما بلغه ما جرى لقريش مات غما وكمدا، وقوله: "تبا لك" أي خسرانا لك، مصدر محذوف فعله.
(تبت يدا أبي لهب) في القاموس: تبت يداه ضلتا وخسرتا، والجملة دعائية معنى، أو خبرية لفظا ومعنى.
(وقد تب كذا قرأ الأعمش) أي هكذا قرأها الأعمش يومئذ بزيادة "قد" وليست هذه القراءة فيما نقل القراء عن الأعمش، فالذي يظهر أنه قرأها حاكيا، لا قارئا، والمحفوظ أنها قراءة ابن مسعود وحده، والجملة على هذه القراءة حالية ويمتنع أن تكون دعائية؛ لأن "قد" لا تدخل على أفعال الدعاء، أما على القراءة الأخرى بحذف "قد" فيجوز أن تكون دعائية، ويجوز أن تكون حالية، و"قد" معها مقدرة، فيكون دعاء عليه بهلاكه كله، أو يكون إخبارا بما سيحصل، والتعبير بالماضي لتحقق الوقوع.
قال الفراء: الأول: "تبت يدا أبي لهب" دعاء بهلاك جملته على أن اليدين إما كناية عن الذات والنفس لما بينهما من اللزوم في الجملة، أو مجاز مرسل، من إطلاق الجزء وإرادة الكل، كقوله تعالى: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ [البقرة: ١٩٥] والثاني إخبار بالحصول، أي وكان ذلك وحصل. اهـ. وقيل: الأول: إخبار عن هلاك عمله حيث لم يفده، ولم ينفعه، لأن الأعمال تزاول بالأيدي غالبا، والثاني إخبار عن هلاك نفسه. اهـ. والظاهر أن كل من يقول: إنها إخبار يقول بأنها من قبيل التعبير عن المضارع بالماضي لتحقق الوقوع، أو إخبار عما وقع في علم الله وقضائه.
стр. 667
-[فقه الحديث]-
قال الحافظ ابن حجر: هذا الحديث من مراسيل الصحابة، لأن أبا هريرة إنما أسلم بالمدينة، وهذه القصة وقعت بمكة، لتصريحه في حديث الباب أنه صعد الصفا، ولأن ابن عباس كان حيئنذ إما لم يولد، وإما كان طفلا. اهـ.
كما أن عائشة لم يتجاوز سنها بمكة ثماني سنوات على أرجح الأقوال.
ويشكل على الحديث نداء فاطمة في الرواية الثانية والثالثة، وهي لم تكن بالغة بحيث تخاطب بالأحكام، ويمكن أن يجاب على هذا الإشكال بأن نداءها لم يكن لتكليفها بالأحكام، وإنما ليعلن لقريش أنه لا يملك لها شيئا عند الله إن لم تعمل لنفسها بعد بلوغها، وإن كان يملك أن يعطيها من ماله ما تسأل.
ووجه تخصيص عشيرته ﷺ الأقربين بالإنذار مع عموم رسالته دفع توهم المحاباة، وأن الاهتمام بشأنهم أهم، وأن البداءة تكون بمن يلي، ثم من بعده. وقال الحافظ ابن حجر: والسر في الأمر بإنذار الأقربين أولا أن الحجة إذا قامت عليهم تعدت إلى غيرهم، وإلا فكانوا علة للأبعدين في الامتناع، وألا يأخذه ما يأخذ القريب من العطف والرأفة، فيحابيهم في الدعوة والتخويف، فلذلك نص له على إنذارهم. اهـ.
وأفرد ﷺ فاطمة وصفية في الرواية الثانية، وعباس في الرواية الثالثة لشدة قرابتهم، ولشدة صلته بهم من بين قراباته، وفاطمة كانت أصغر أولاده، وللصغير زيادة محبة، فإذا انتفى نفعه لمن يحب من أقاربه، ومن يحرص على نفعه، انتفى عن غيره من باب أولى.
وقد جاء في الرواية الخامسة زيادة "ورهطك منهم المخلصين" قال الحافظ ابن حجر: وهذه الزيادة وصلها الطبري عن عمرو بن مرة أنه كان يقرؤها كذلك. قال القرطبي: لعل هذه الزيادة كانت قرآنا فنسخت تلاوتها، ثم استشكل ذلك بأن المراد إنذار الكفار، والمخلص صفة المؤمن، وأجيب عن ذلك: أنه لا يمتنع عطف الخاص على العام، فقوله: "وأنذر عشيرتك الأقربين" عام بمن آمن منهم ومن لم يؤمن، ثم عطف عليه الرهط المخلص تنويها بهم وتأكيدا.
واستدل بعض المالكية بقوله في الروايتين الثانية والثالثة "يا فاطمة بنت محمد -بنت رسول الله- ... لا أغني عنكم من الله شيئا، سلوني من مالي ما شئتم" على أن النيابة لا تدخل في أعمال البر، إذا لو جاز ذلك لتحمل ﷺ عن فاطمة ما يخلصها، فإذا كان عمله لا يقع نيابة عن ابنته فغيره أولى بالمنع، ورد عليهم بأن هذا كان من قبل أن يعلمه تعالى بأن يشفع فيمن أراد، وتقبل شفاعته حتى يدخل الجنة قوما بغير حساب، ويرفع درجات قوم آخرين، ويخرج من النار من دخلها بذنوبه من المؤمنين، أو كان المقام مقام التخويف والتحذير، أو أنه أراد المبالغة في الحض على العمل، ويكون في قوله: "لا أغنى شيئا" إضمار: إلا أن يأذن الله لي بالشفاعة.
стр. 668
-[ويؤخذ من الحديث]-
١ - استحباب القيام على عال أو مرتفع من الأرض لإبلاغ الدعوة أكبر عدد، فإن فيه انتشار الصوت، مع تمكين السامعين من مشاهدة المتكلم مما يساعد على استقرار الكلام في النفوس.
٢ - مشروعية الهتاف بيا صباحاه ونحوها، لجمع الناس، وقد ورد عند الطبري أن النبي ﷺ وضع أصابعه في أذنه ورفع صوته.
٣ - وضوح بيانه ﷺ وقوة حجته، إذا أخذ إقرارهم أولا على صدقه في مهام أمورهم وأخطرها قبل أن يخبرهم وينذرهم.
٤ - صبره ﷺ على إيذاء قومه، بل على إيذاء من هو أقرب الناس إليه وهو عمه، فقد روي "أن أبا لهب أخذ بيديه حجرا ليرمي بها رسول الله ﷺ ، قبل قوله تبا لك".
٥ - قال القاضي عياض: استدل به وبالسورة على جواز تكنية الكافر، وقد اختلف العلماء في ذلك، واختلفت الرواية عن مالك في جواز تكنية الكافر، بالجواز والكراهة.
وقال بعضهم: إنما يجوز من ذلك ما كان على جهة التآلف وإلا فلا، إذا في التكنية تعظيم وتكبير، وأما تكنية الله تعالى لأبي لهب فليست من هذا، ولا حجة فيه، لأنه قد ترك اسمه لقبحه لأن اسمه عبد العزى، وهذه التسمية باطلة، فلهذا كني عنه، وقيل: لأنه إنما كان يعرف بها، وقيل: إن أبا لهب لقب، وليس بكنية، وكنيته أبو عتبة، وقيل: إنما ذكر بهذه الكنية للإشارة إلى مايؤول إليه أمره من لهب جهنم، وذهب جماعة إلى أن الكنية لا تدل بمجردها على التعظيم، بل قد يكون الاسم أشرف من الكنية، ولهذا ذكر الله الأنبياء ﵈ بأسمائهم، دون كناهم.
والله اعلم
стр. 669
(١٠٥) باب شفاعة النبي ﷺ لأبي طالب
٣٧٥ - عن العباس بن عبد المطلب ﵁ أنه قال: يا رسول الله! هل نفعت أبا طالب بشيء، فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ قال: "نعم هو في ضحضاح من النار. ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار".
٣٧٦ - عن العباس ﵁ قال: قلت: يا رسول الله! إن أبا طالب كان يحوطك وينصرك. فهل نفعه ذلك؟ قال: "نعم. وجدته في غمرات من النار فأخرجته إلى ضحضاح". بنحو حديث أبي عوانة.
٣٧٧ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ ذكر عنده عمه أبو طالب. فقال: "لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة. فيجعل في ضحضاح من النار. يبلغ كعبيه. يغلي منه دماغه".
٣٧٨ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "إن أدنى أهل النار عذابا ينتعل بنعلين من النار، يغلي دماغه من حرارة نعليه".
٣٧٩ - عن ابن عباس رضى الله عنهما؛ أن رسول الله ﷺ قال: "أهون أهل النار عذابا أبو طالب. وهو منتعل بنعلين يغلي منهما دماغه".
٣٨٠ - عن النعمان بن بشير رضى الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن أهون أهل النار عذابا يوم القيامة، لرجل توضع في أخمص قدميه جمرتان، يغلي منهما دماغه".
стр. 670
٣٨١ - عن النعمان بن بشير ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إن أهون أهل النار عذابا من له نعلان وشرا كان من نار، يغلي منهما دماغه. كما يغلي المرجل ما يرى أن أحدا أشد منه عذابا. وإنه لأهونهم عذابا".
-[المعنى العام]-
توفي والد رسول الله ﷺ وهو حمل في بطن أمه، فكفله جده عبد المطلب، حتى مات ورسول الله ﷺ في الثامنة من عمره، فكفله عمه أبو طالب، وكان فقيرا، كثير العيال، فأنزل محمدا منزلة أعز أبنائه بل كان يصحبه في أسفاره البعيدة، ويترك أولاده، خشية أن يشعر في غيابه بالوحشة ومرارة اليتم، وعلمه التجارة، ثم زوجه خديجة، ولما بعث ﷺ وقام المشركون يعادونه ويؤذونه وقف أبو طالب يحميه ويدافع عنه، وأرسلت قريش إلى أبي طالب أن يوقف محمدا عن دعوته، أو يخلي بينهم وبينه، ولما قال رسول الله ﷺ قولته المشهورة: "والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري؛ على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه" سانده عمه، وشد من أزره وطمأنه على استمرار حمايته، بقولته الخالدة: اذهب يا ابن أخي فقل ما شئت، وادع من شئت، فوالله لا أخذلك ولا أسلمك إليهم أبدا، ورضي أبو طالب أن تعاديه قريش من أجل محمد ﷺ وقبل الحصار الاقتصادي والمقاطعة الاجتماعية في شعب بني طالب ثلاث سنين من أجل محمد ﷺ حتى إذا نقضت صحيفة المقاطعة وخرجوا من الشعب مرض أبو طالب مرضه الأخير، فقالت له قريش مستهزئة ساخرة: أرسل إلى ابن أخيك ليرسل إليك من هذه الجنة التي يذكرها دواء يشفيك، فلم يعبأ أبو طالب بهذا الاستهزاء، وأرسل إلى ابن أخيه يدعوه إلى جواره في لحظاته الأخيرة حبا فيه، وحنانا عليه، وحرص رسول الله ﷺ أن ينطق عمه بالشهادتين، وحرص رأسا الشرك (أبو جهل وابن أبي أمية) المحيطان به أن يظل على دينه، وكانت الإثارة من الجانبين موجهة قوية إلى أبي طالب، وكانت الخاتمة التي أرادها الله أن يموت على دين عبد المطلب.
وبدافع الوفاء انطلق رسول الله ﷺ يستغفر لعمه وقلبه يتقطع حسرة عليه، فنزل قوله تعالى ﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾ [القصص: ٥٦] ونزل ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم﴾ [التوبة: ١١٣] ومع منع الاستغفار له استجاب الله لنبيه، فخفف العذاب عن عمه، كان عذابه الغمر في النار، بل في الدرك الأسفل من النار، فخفف عنه إلى فراش من نار، جمرتان من نار، يقف عليهما، تحت باطن كل رجل جمرة، يحيط بالرجل من أعلاها سير من نار، يغلي من ذلك دماغه وأم رأسه، كما تغلي القدر بما فيها، يظن أنه أشد أهل النار عذابا وهو أقلهم عذابا.
стр. 671
فاللهم أجرنا من النار، ومن عذاب النار، ومن كل عمل يقربنا إلى النار، واصلح لنا شأننا بفضلك وكرمك يا عزيز يا غفار، يا حفيظ يا شافي يا كريم، يا باقي، يا رحيم، العفو يا الله.
-[المباحث العربية]-
(فإنه كان يحوطك) بفتح الياء وضم الحاء، يقال: حاطه يحوطه حوطا وحياطة إذا صانه، وحفظه، وذب عنه، وتوفر على مصالحه.
(فهو في ضحضاح من نار) الضحضاح ما رق من الماء على وجه الأرض إلى نحو الكعبين فاستعير في النار.
(ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار) في "الدرك" لغتان فصيحتان مشهورتان، فتح الراء وسكونها، وقرئ بهما في القراءات السبع، ومعنى الدرك الأسفل: قعر جهنم، وأقصى أسفلها، قالوا: لجهنم أدراك، فكل طبقة من أطباقها تسمى دركا.
(ووجدته في غمرات من النار) الغمرات بفتح الغين والميم، واحدتها غمرة بإسكان الميم، وهي المعظم من الشيء، وفي القاموس: الغمر الماء الكبير، ومعظم البحر، وغمرة الشيء شدته.
ومعنى "وجدته" علمت مكانته بوحي ربي.
(فأخرجته إلى ضحضاح) أي فتسببت في إخراجه بشفاعتي، والتعبير بالماضي لتحقق الوقوع.
(ذكر عنده عمه أبو طالب) ببناء الفعل للمجهول، والذاكر العباس بن عبد المطلب، كما جاء مصرحا به في الروايات الأخرى.
(لعله تنفعه شفاعتي) جاء في بعض الروايات ما يفيد وقوع هذا الترجي، ورواياتنا تؤيد وقوعه.
(توضع في أخمص قدميه جمرتان) "أخمص" بفتح الهمزة وسكون الخاء وفتح الميم، على وزن أحمر؛ وهو ما لا يصل إلى الأرض من باطن القدم عند المشي، وفي رواية "على أخمص قدميه جمرتان" وفي رواية للبخاري "توضع في أخمص قدميه جمرة يغلي منها دماغه" فيحتمل أن الاقتصار فيها على جمرة اعتمد على علم السامع بأن لكل إنسان أخمصين، ففي الكلام مضاف محذوف، أي في كل أخمص من قدميه جمرة.
(من له نعلان وشراكان من نار) الشراك بكسر الشين هو أحد سيور النعل، وهو الذي يكون على وجهها وعلى ظهر القدم.
стр. 672
(كما يغلي المرجل) بكسر الميم وفتح الجيم، قدر معروف، سواء كان من حديد أو نحاس أو حجارة أو خزف، وقيل: هو القدر من النحاس خاصة. والغليان: شدة اضطراب الماء ونحوه على النار لشدة اتقادها، وفي رواية للبخاري "كما يغلي المرجل بالقمقم" والقمقم إناء ضيق الرأس، يسخن فيه الماء، فارسي معرب، قد يؤنث، فيقال: قمقمة، قال ابن التين: في هذا التركيب نظر، وقال عياض: الصواب كما يغلي المرجل والقمقم بواو العطف، وجوز غيره أن تكون الباء بمعنى مع، وفي رواية "كما يغلي المرجل أو القمقم".
(ما يرى أن أحدا أشد منه عذابا، وإنه لأهونهم عذابا) جملة "وإنه لأهونهم عذابا" في محل النصب على الحال من فاعل "يرى".
-[فقه الحديث]-
ذكرنا في الجزء الأول عند شرح حديث وفاة أبي طالب أن جمهور العلماء والرأي المعتمد أن أبا طالب مات مشركا، وأن آخر كلمة نطق بها: هو على ملة عبد المطلب.
وقلنا: إنه لا يلتفت إلى القول بأنه مات مؤمنا، اعتمادا على ما روي من أن العباس قال: والله لقد قال أخي الكلمة التي أمرت بها يا ابن أخي، لأن النبي ﷺ قال له: لم أسمعها، على أن العباس قال ذلك قبل أن يسلم، ولو أداها بعد الإسلام لقبلت منه، كما لم يلتفت إلى قول القرطبي: وقد سمعت أن الله تعالى أحيا عمه أبا طالب، فآمن به.
فإن قال القائل: جاء في بعض السير: أن أبا طالب كان مصدقا بقلبه حيث جاء في الحديث، "لولا أن تعيرني قريش، يقولون: إنما حمله على ذلك الجزع، لأقررت بها عينك"، وفي صحة إيمان المصدق بقلبه دون أن ينطق بلسانه خلاف، فهل يدخل إيمان أبي طالب في هذا الخلاف؟ وهل يعد مؤمنا عند من يعتد بذلك؟ أجيب بأنه لم يدخل عند أي من المختلفين لأن محل الخلاف ما لم يعلن نقيض الإيمان، وأبو طالب صرح بالنقيض في قوله: "هو على ملة عبد المطلب" ومما يؤيد أنه مات كافرا: ما رواه النسائي عن علي -كرم الله وجهه- قال: "قلت: يا رسول الله إن عمك الشيخ الضال قد مات. قال: اذهب فواره. قلت: إنه مات مشركا: قال اذهب فواره".
ويحاول بعض الروافض أن يثبتوا إسلام أبي طالب بالأحاديث الواهية، قال الحافظ ابن حجر: ولا يثبت من ذلك شيء، والله أعلم.
وقلنا هناك: إن الظاهر أن الرسول ﷺ بنى استغفاره لأبي طالب -بعد أن امتنع عن الإقرار بالتوحيد، ومات على ذلك- بناه على اجتهاد منه ﷺ مقتديا بإبراهيم ﵇ في استغفاره لأبيه، وقد حمل ابن المنير استغفار الرسول ﷺ لأبي طالب، وقوله: "والله لأستغفرن لك ما لم أنه عن ذلك" حمله على تخفيف العذاب، لا على طلب المغفرة العامة، والمسامحة من ذنب
стр. 673
الشرك، وهاجمه الحافظ ابن حجر بشدة، فقال: هذه غفلة شديدة من ابن المنير، لأن الشفاعة لأبي طالب في تخفيف العذاب لم ترد، وطلبها لم ينه عنه، وإنما وقع النهي عن المغفرة العامة، وقال: إن النبي ﷺ لم يترك الشفاعة وطلب التخفيف، بل شفع له حتى خفف عنه العذاب بالنسبة لغيره من المشركين.
هذا بعض ما قلناه هناك، مما يتعلق بشرح حديث الباب؛ وقد استشكل ثبوت الشفاعة لأبي طالب بقوله تعالى: ﴿فما تنفعهم شفاعة الشافعين﴾ [المدثر: ٤٨] وأجيب بأنه خص، ولذلك عدوه من خصائص النبي ﷺ ، وقيل: معنى المنفعة في الآية تخالف معنى المنفعة في الحديث "لعله تنفعه شفاعتي" لأن المراد بها في الآية الإخراج من النار، وفي الحديث المنفعة بالتخفيف. وبهذا الجواب جزم القرطبي، وأجاب بجواب آخر، حاصله: أن النفع المنفي في الآية إنما هو بحسب شعور الكافر وإحساسه، ففي روايتنا السابعة "ما يرى أن أحدا أشد منه عذابا، وإنه لأهونهم عذابا" فلما لم يحس المخفف عنه بأثر التخفيف كان كأنه لم ينتفع في نظر نفسه.
وهذان الجوابان معارضان بقوله تعالى: ﴿ولا يخفف عنهم من عذابها﴾ [فاطر: ٣٦] فالأولى الرجوع إلى أنه خص. قال البيهقي: صحت الرواية في شأن أبي طالب، فلا معنى للإنكار من حيث صحة الرواية، ووجهه عندي أن الشفاعة في الكفار إنما امتنعت لوجود الخبر الصادق في أنه لا يشفع فيهم أحد؛ وهو عام في حق كل كافر، فيجوز أن يخص منه من ثبت الخبر بتخصيصه. اهـ. وهو كلام جيد.
وفي الحكمة في جعل عذاب أبي طالب في قدميه يقول السهيلي: إن أبا طالب كان تابعا لرسول الله ﷺ بحمايته، إلا أنه استمر ثابت القدم على دين قومه، فسلط العذاب على قدميه خاصة لتثبيته إياهما على دين قومه. قال الحافظ ابن حجر: كذا قال، ولا يخلو عن نظر. اهـ.
-[ويؤخذ من الحديث]-
١ - ثبوت الشفاعة لأبي طالب خاصة من بين الكفار.
٢ - الاعتراف بالفضل لأهل الفضل، والعمل على رد الجميل.
٣ - خصوصية لرسول الله ﷺ وفضله عند ربه وقبول شفاعته.
٤ - أن عذاب الكفار متفاوت.
٥ - وأن أقله لا تطيقه الجبال.
أعاذنا الله منه، ورزقنا الحسنى وزيادة، بشفاعة نبينا محمد ﷺ .
стр. 674
(١٠٦) باب من مات على الكفر لا ينفعه عمل
٣٨٢ - عن عائشة رضى الله عنها؛ قالت: قلت: يا رسول الله! ابن جدعان. كان في الجاهلية يصل الرحم. ويطعم المسكين. فهل ذاك نافعه؟ قال: "لا ينفعه. إنه لم يقل يوما: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين".
-[المعنى العام]-
كان ابن جدعان من رؤساء قريش، وكان بارا بأهله، يصل بسخاء رحمه، كريما لضيوفه، عطوفا على الفقراء والمساكين، وكان لجوده وسخائه يتخذ جفنة كبرى عالية، يرقى إليها بسلم، فكان من أجل ذلك موضع تقدير وإعجاب وثناء، فلما مات على كفره، وقرأت عائشة قوله تعالى: ﴿الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم﴾ [محمد: ١] وقوله: ﴿وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا﴾ [الفرقان: ٢٣] قالت: يا رسول الله. ابن جدعان كان كثير الخيرات، يصل الرحم، ويحمل الكل ويطعم المسكين، ومات على الكفر، فهل ينفعه في الآخرة ما فعله من خير في دنياه؟ فقال لها ﷺ : لا، لا ينفعه، لأن شرط صحة العمل الإيمان، وهو لم يصدق بيوم الجزاء ولم يقل يوما: ﴿والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين﴾ [الشعراء: ٨٢].
-[المباحث العربية]-
(ابن جدعان) بضم الجيم وإسكان الدال، واسمه عبد الله، من بني تيم بن مرة، أقرباء عائشة -رضى الله عنها.
(إنه لم يقل يوما: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين) أي لم يصدق بالبعث، ومن لم يصدق بالبعث كافر، ولا ينفعه عمل، وجملة "إنه لم يقل .. إلخ" مستأنفة استئنافا تعليليا.
-[فقه الحديث]-
قال النووي: معنى هذا الحديث أن ما كان يفعله من الصلة والإطعام ووجوه المكارم لا ينفعه في الآخرة لكونه كافرا. اهـ.
وقضية هذا الحديث هي قضية انتفاع الكافر في آخرته بما عمل من خير في دنياه، وعدم انتفاعه
стр. 675
بذلك، فهناك من الأحاديث ما يفيد انتفاعه، فقد روى البخاري "لما مات أبو لهب أريه بعض أهله بشر خيبة" (أي سوء حال) قال له: ماذا لقيت؟ قال أبو لهب: لم ألق بعدكم راحة أو رخاء" غير أني سقيت في هذه "وأشار إلى النقرة التي تحت إبهامه، أي التي بين الإبهام والتي تليها من الأصابع "بعتاقتي ثويبة" فأفاد هذا الحديث أن الكافر قد ينفعه العمل الصالح في الآخرة، كما أفادنا هذه الإفادة حديث تخفيف العذاب عن أبي طالب (السابق الشرح) بفضل حياطته النبي ﷺ ، ونصرته إياه، كما يفيد هذه الإفادة ما رواه ابن مردويه والبيهقي من حديث ابن مسعود رفعه "ما أحسن محسن من مسلم ولا كافر إلا أثابه الله، قلنا: يا رسول الله ما إثابة الكافر؟ قال: المال والولد والصحة وأشباه ذلك. قلنا: وما إثابته في الآخرة؟ قال: عذابا دون العذاب" ثم قرأ: ﴿أدخلوا آل فرعون أشد العذاب﴾ [غافر: ٤٦].
وهناك من الأحاديث ما يمنع انتفاع الكافر في آخرته بما عمل من صالح في دنياه، كحديث ابن جدعان الذي معنا، وما رواه مسلم عن أنس "وأما الكافر فيعطى حسناته في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة". وقوله تعالى: ﴿وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا﴾ [الفرقان: ٢٣].
وأمام هذه القضية افترق العلماء ثلاث فرق (مع اتفاقهم جميعا على أن الكافر لا يثاب بنعيم في الآخرة).
الفريق الأول: يرى عدم انتفاع الكافر في الآخرة بما عمل من صالح مطلقا، ويمثله القاضي عياض، الذي يقول: انعقد الإجماع على أن الكفار لا تنفعهم أعمالهم، ولا يثابون عليها بنعيم ولا تخفيف عذاب، وإن كان بعضهم أشد عذابا من بعض. اهـ. ويرد حديث أبي لهب بأنه مرسل، وعلى تقدير أن يكون موصولا فالذي فيه رؤيا منام فلا حجة فيه، ولعل الذي رآها لم يكن إذ ذاك أسلم بعد، فلا يحتج به، أما بالنسبة لأبي طالب فلعلها خصوصية للرسول ﷺ كما سبق.
والفريق الثاني: يرى أن الكافرين ينتفعون في الآخرة بما عملوا من صالح دنياهم، بتخفيف العذاب عن جرائمهم التي ارتكبوها غير الكفر، ويمثله البيهقي الذي يقول: قد يجوز أن يكون حديث ابن جدعان وما ورد من الآيات والأخبار في بطلان خيرات الكافر إذا مات على الكفر، ورد في أنه لا يكون لها موقع التخليص من النار، وإدخال الجنة، ولكن يخفف عنه من عذابه الذي يستوجبه على جنايات ارتكبها، سوى الكفر بما فعل من الخيرات. اهـ. وإلى هذا الرأي يميل الحافظ ابن حجر.
الفريق الثالث: يرى أن انتفاع الكافر في الآخرة بما عمل من صالح في دنياه ليس على إطلاقه السابق، وإنما هو خاص بمن ورد فيهم النص كأبي لهب وأبي طالب، ويمثله القرطبي الذي يقول عند شرح حديث أبي لهب هذا: التخفيف خاص بهذا (أي بغير عذاب الكفر) وبمن ورد النص فيه. اهـ. ويميل ابن المنير إلى هذا الرأي، ويوضحه؛ فيقول: هنا قضيتان:
стр. 676
إحداهما من المحال: وهي اعتبار طاعة الكافر مع كفره، لأن شرط الطاعة أن تقع بقصد صحيح، وهذا مفقود من الكافر.
ثانيتهما: إثابة الكافر على بعض الأعمال تفضلا من الله تعالى، وهذا لا يحيله العقل، فإذا تقرر ذلك لم يكن عتق أبي لهب لثويبة قربة معتبرة، ويجوز أن يتفضل الله عليه بما شاء، كما تفضل على أبي طالب، والمتبع في ذلك التوقيف نفيا وإثباتا. اهـ. وهذا القول من الحسن بمكان.
والله أعلم
стр. 677
(١٠٧) باب موالاة المؤمنين والبراءة من موالاة الكافرين
٣٨٣ - عن عمرو بن العاص رضى الله عنه قال سمعت رسول الله ﷺ ، جهارا غير سر، يقول "ألا إن آل أبي (يعني فلانا) ليسوا لي بأولياء. إنما وليي الله وصالح المؤمنين".
-[المعنى العام]-
إن التعاضد والتناصر، والتعاون والتآلف ينبغي أن يكون بين المؤمنين بعضهم مع بعض، ويحرم على المؤمن أن يستعين بكافر ضد مؤمن، أما استعانة المؤمن بالكافر ضد الكافر، فقد كان مشروعا أول الإسلام، حيث كان المسلمون في حاجة إلى حماية من أذى الكفار، فهذا أبو بكر الصديق رضى الله عنه حماه بعض الكافرين أول الإسلام، ومحمد ﷺ حماه عمه أبو طالب، وتحالف مع بعض اليهود والكفار، لكن بعد أن قوي الإسلام، وأعزه الله بأهله نهي عن موالاة الكافرين، فتبرأ المؤمنون من موالاة أعداء الله، ويتبرأ رسول الله ﷺ من الأولياء الكافرين، وينفي أن يكون آل فلان -من الكافرين الذين فهم الناس من قبل أنهم يناصرونه ويدافعون عنه- أولياءه، وصرح بأن وليه الله وصالح المؤمنين ﴿ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون﴾ [المائدة: ٥٦]. ويقول تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء﴾ [الممتحنة: ١].
-[المباحث العربية]-
(جهارا غير سر) "جهارا" صفة لمصدر محذوف أي قولا جهارا أي علانية لم يخفه، بل أباح به وأظهره وأشاعه، فقوله: "غير سر" وصف للتأكيد.
(ألا إن آل أبي ... يعني فلانا) منطوق الرسول ﷺ كان اسما معينا، قيل: هو الحكم بن أبي العاص، فكأنه قال: ألا إن آل أبي العاص ليسوا لي بأولياء، ولكن الراوي أبهم الاسم وكني عنه بفلان.
-[فقه الحديث]-
يؤخذ من الحديث أن ولاية المؤمنين ينبغي أن تكون من المؤمنين، وأن الولاية ينبغي أن تكون للدين والصلاح، وإن بعد في النسب، ومن ليس بمؤمن ولا صالح فليس بولي، وإن قرب نسبه، قال تعالى: ﴿إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا﴾ [المائدة: ٥٥] أي لا تتخذوا أولئك أولياء، لأن بعضهم
стр. 678
أولياء بعض، وليسوا بأوليائكم، وإنما أولياؤكم الله تعالى ورسوله ﷺ والمؤمنون فاختصوهم بالموالاة، ولا تتخطوهم إلى الغير ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾ [التوبة: ٧١].
-[ويؤخذ من الحديث]-
١ - التبرؤ من المخالفين، وإعلان ذلك ما لم يخف ترتب فتنة عليه.
٢ - وما كان عليه الصحابة والرواة من الستر على المجروح، والتكنية عنه، دفعا للمفاسد المترتبة على التصريح به كفتنته هو، أو جرح شعور أقاربه المؤمنين.
والله أعلم
стр. 679
(١٠٨) باب دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب هم الذين لا يسترقون، ولا يتطيرون ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون
٣٨٤ - عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال "يدخل من أمتي الجنة سبعون ألفا بغير حساب" فقال رجل: يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني منهم. قال "اللهم! اجعله منهم" ثم قام آخر. فقال: يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني منهم. قال "سبقك بها عكاشة".
بمثل حديث الربيع.
٣٨٥ - عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول "يدخل من أمتي زمرة هم سبعون ألفا. تضيء وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر". قال أبو هريرة: فقام عكاشة بن محصن الأسدي، يرفع نمرة عليه. فقال: يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني منهم. فقال رسول الله ﷺ "اللهم! اجعله منهم" ثم قام رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني منهم. فقال رسول الله ﷺ "سبقك بها عكاشة".
٣٨٦ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا، زمرة واحدة منهم، على صورة القمر".
٣٨٧ - عن عمران ﵁ قال: قال نبي الله ﷺ "يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا بغير حساب" قالوا: ومن هم يا رسول الله؟ قال "هم الذين لا يكتوون ولا يسترقون. وعلى ربهم يتوكلون" فقام عكاشة فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. قال "أنت منهم" قال فقام رجل فقال: يا نبي الله! ادع الله أن يجعلني منهم. قال "سبقك بها عكاشة".
٣٨٨ - عن عمران بن حصين ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "يدخل الجنة من أمتي
стр. 680
سبعون ألفا بعير حساب" قالوا من هم؟ يا رسول الله! قال "هم الذين لا يسترقون. ولا يتطيرون. ولا يكتوون. وعلى ربهم يتوكلون".
٣٨٩ - عن أبي حازم، عن سهل بن سعد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "ليدخلن الجنة من أمتي سبعون ألفا، أو سبع مائة ألف (لا يدري أبو حازم أيهما قال) متماسكون. آخذ بعضهم بعضا. لا يدخل أولهم حتى يدخل آخرهم. وجوههم على صورة القمر ليلة البدر".
٣٩٠ - عن حصين بن عبد الرحمن؛ قال: كنت عند سعيد بن جبير فقال: أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة؟ قلت: أنا. ثم قلت: أما إني لم أكن في صلاة. ولكني لدغت. قال: فماذا صنعت؟ قلت: استرقيت. قال: فما حملك على ذلك؟ قلت: حديث حدثناه الشعبي. فقال: وما حدثكم الشعبي؟ قلت: حدثنا عن بريدة بن حصيب الأسلمي؛ أنه قال: لا رقية إلا من عين أو حمة. فقال: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع. ولكن حدثنا ابن عباس عن النبي ﷺ قال "عرضت علي الأمم. فرأيت النبي ومعه الرهيط. والنبي ومعه الرجل والرجلان. والنبي ليس معه أحد. إذ رفع لي سواد عظيم. فظننت أنهم أمتي. فقيل لي: هذا موسى ﷺ وقومه. ولكن انظر إلى الأفق. فنظرت. فإذا سواد عظيم. فقيل لي: انظر إلى الأفق الآخر. فإذا سواد عظيم. فقيل لي هذه أمتك. ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب". ثم نهض فدخل منزله. فخاض الناس في أولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب. فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله ﷺ . وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام ولم يشركوا بالله. وذكروا أشياء. فخرج عليهم رسول الله ﷺ فقال "ما الذي تخوضون فيه؟ " فأخبروه. فقال "هم الذين لا يرقون. ولا يسترقون. ولا يتطيرون. وعلى ربهم يتوكلون" فقام عكاشة بن محصن. فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. فقال "أنت منهم" ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. فقال "سبقك بها عكاشة ".
٣٩١ - عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ "عرضت علي الأمم" ثم ذكر باقي الحديث نحو حديث هشيم ولم يذكر أول حديثه.
стр. 681
-[المعنى العام]-
كان حصين بن عبد الرحمن في مجلس سعيد بن جبير، صبيحة ليلة سقط فيها شهاب من كوكب فأضاء الأفق، قال سعيد بن جبير لجلسائه: أيكم شاهد الكوكب الليلة، وهو ينبعث منه شهاب من النار؟ فقال حصين: أنا شاهدته، وكان في النصف الثاني من الليل، لكن لا تحسبوا أني كنت أصلي، لا تظنوا أني كنت أقوم الليل وأتهجد، بل كنت متيقظا من آلام لدغة عقرب، قال له سعيد: فبماذا عالجت نفسك من سم العقرب؟ قال: رقيت نفسي، قال: من أنبأك أن الرقية علاج؟ قال: حملني على ذلك ودفعني إليه حديث سمعته عن الشعبي، الذي نتلقى حديثه بالقبول. قال: بماذا حدثكم الشعبي؟ قال: حدثنا عن بريدة بن حصيب الأسلمي، أنه قال: لا رقية أشفى وأولى من رقية العين الحاسدة، ومن الرقية من لدغ الحية أو العقرب أو ذوات السموم، قال سعيد بن جبير: أحسنت صنعا إذا كنت متبعا لا مبتدعا، لكني سمعت حديثا يناقض ما سمعت من حديث، سمعت ابن عباس يروي عن النبي ﷺ أنه قال، عرض الله علي حال الأمم يوم القيامة، وأتباع كل نبي خلفه في طريقهم إلى الجنة، فرأيت النبي وليس معه أحد، وليس له تابع، ورأيت النبي ومعه تابع واحد، والنبي ومعه تابعان، والنبي ومعه دون العشرة، إذ عرض علي سواد كثير، وجمع عظيم، ففرحت به؛ وظننت أنهم أمتي فقلت من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء قوم موسى، لكن انظر إلى هذه الجهة، فنظرت فإذا جمع أكبر، قيل لي: انظر إلى الجهة الأخرى، فنظرت فإذا جمع أكبر، قيل لي: هؤلاء وهؤلاء أمتك الذين سيدخلون الجنة، وفيهم سبعون ألفا يدخلونها بغير حساب، ولا عذاب، يدخلونها أول الداخلين، وجوههم تضيء كالقمر ليلة البدر، يدخلونها صفا واحدا متماسكين، يدخلونها في لحظة واحدة، لا يدخل أولهم حتى يدخل آخرهم، يغبطهم الخلق أجمعون، قال عكاشة بن محصن -وكان بين المستمعين لهذا الحديث-: يا رسول الله. ادع الله لي أن أكون منهم.
فقال رسول الله ﷺ : اللهم اجعل عكاشة منهم، قال رجل آخر من الجالسين: وأنا يا رسول الله. ادع لي الله أن يجعلني منهم، فخشى رسول الله ﷺ أن تتوالى الطلبات، فسد الباب، وقال للسائل: سبقك بالدعوة المستجابة عكاشة. فقال عكاشة: أنا منهم يا رسول الله؟ قال: نعم أنت منهم.
ودخل رسول الله ﷺ من المسجد إلى بيت إحدى أمهات المؤمنين، فخاض الناس في صفة هؤلاء السبعين ألفا، من عساهم يكونون؟ قال بعضهم لعلهم السابقون إلى الإسلام، نحن الذين آمنا بالله واتبعنا الرسول فنحن هم، وقال آخرون: نحن ولدنا في الشرك أما أبناؤنا فقد ولدوا في الإسلام ولم يشركوا بالله شيئا، فلعلهم هم، وقال بعضهم: لعلهم الشهداء، وقال آخرون: لعلهم من رق قلبهم للإسلام. فخرج عليهم رسول الله ﷺ فقال: ما الذي تفيضون فيه؟ فذكروا له ما قالوا، قال: هم الذين يسندون الأمور إلى الله، فلا يكتوون على أنه العلاج والشفاء، ولا يسترقون على أن الرقية هي العلاج والشفاء، بل إن فعلوهما فعلوهما مؤمنين أن الشافي هو الله تعالى، ولا يتطيرون ولا يتشاءمون وهم في جميع أحوالهم على ربهم يتوكلون.
стр. 682
-[المباحث العربية]-
(سبقك بها عكاشة) بضم العين وتشديد الكاف، ويجوز تخفيفها، وفي الرواية الثانية "عكاشة بن محصن" بكسر الميم وسكون الحاء وفتح الصاد، من بني أسد بن خزيمة، وكان من السابقين إلى الإسلام، وكان من أجمل الرجال، وكنيته أبو محصن، وهاجر، وشهد بدرا، وقاتل فيها، قال ابن إسحاق: بلغني أن النبي ﷺ قال: "خير فارس في العرب عكاشة" استشهد في قتال الردة في جيش خالد بن الوليد سنة اثنتي عشرة.
(يدخل من أمتي زمرة) الزمرة الجماعة في تفرقة، بعضها في إثر بعض، وفي الرواية الثالثة "يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا زمرة واحدة" روي فيها برفع "زمرة" ونصبها.
(فقام رجل من الأنصار) قيل: هو سعد بن عبادة، وهو بعيد لما سيأتي في فقه الحديث.
(عكاشة .. يرفع نمرة عليه) بفتح النون وكسر الميم، وهي كساء من صوف، فيه خطوط بيض وسود وحمر، كأنها أخذت من جلد النمر، لاشتراكهما في التلون، وهي من مآزر العرب.
(منهم على صورة القمر) "من" بيانية، أي هم على صورة القمر، والمراد بالصورة الصفة، يعني أنهم في إشراق وجوههم على صفة القمر ليلة تمامه، وهي ليلة اليوم الرابع عشر، وفي الرواية الثانية "تضيء وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر" أي تشرق وجوههم إشراق البدر.
(هم الذين لا يكتوون) أي لا يفعلون الكي بأجسامهم للعلاج، وسيأتي بيان حكمه في فقه الحديث.
(ولا يسترقون) بفتح الياء وسكون السين وفتح التاء وسكون الراء، أي لا يطلبون الرقية علاجا، يقال "رقى" بالفتح في الماضي "يرقي" بالكسر في المضارع، والرقية التعويذ.
(وعلى ربهم يتوكلون) في الكلام قصر، طريقة تقديم ما حقه التأخير، وهذه الجملة يحتمل أن تكون مفسرة لما تقدم، ويحتمل أن تكون من ذكر العام بعد الخاص، لأن صفة كل واحدة منها صفة أخص من التوكل، وهو أعم من ذلك.
(ولا يتطيرون) الطيرة بكسر الطاء وفتح الياء، وقد تسكن: وهي التشاؤم، وأصل التطير أنهم كانوا في الجاهلية يعتمدون على الطير، فإذا خرج أحدهم لأمر زجر الطير، فإن طار يمنة تيمن واستمر، وإن طار يسرة تشاءم به ورجع، وكانوا يسمونه السانح والبارح، فالطير السانح ما ولاك ميامنه، بأن يمر عن يسارك، وكانوا يتيمنون به، والبارح بالعكس ويتشاءمون منه، وليس في شيء من سنوح الطير وبروحها ما يقضي ما اعتقدوه، وإنما هو تكلف بتعاطي ما لا أصل له، إذ لا نطق للطير،
стр. 683
ولا تمييز، حتى يستدل بفعله على معنى فيه، وطلب العلم من غير مظانه جهل من فاعله، وقد كان بعض عقلاء الجاهلية ينكر التطير. قال شاعر منهم:
الزجر والطير والكهان كلهم
مضللون ودون الغيب أقفال
(متماسكون آخذ بعضهم بعضا) قال النووي: هكذا هو في معظم الأصول "متماسكون" بالواو، و"آخذ" بالرفع، ووقع في بعض الأصول "متماسكين آخذا" وكلاهما صحيح، ومعنى "متماسكين" ممسك بعضهم بيد بعض، ويدخلون معترضين صفا واحدا، بعضهم بجنب بعض. اهـ. فالنصب على الحال، والرفع على الصفة.
وقال القاضي عياض: يحتمل أن يكون معنى "متماسكين" أنهم على صفة الوقار، فلا يسابق بعضهم بعضا.
(لا يدخل أولهم حتى يدخل آخرهم) ظاهره يستلزم الدور، إذ معناه أن دخول الأول موقوف على دخول الآخر، ودخول الآخر موقوف على دخول الأول، فتوقف الشيء على نفسه وهو باطل، والجواب: أن هذا الظاهر غير مراد، والكلام كناية عن دخولهم في وقت واحد.
(أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة) "انقض" بالقاف والضاد، معناه سقط، و"البارحة" أقرب ليلة مضت، يقال قبل الزوال: رأيت الليلة، وبعد الزوال: رأيت البارحة، وهي مشتقة من "برح" إذا زال.
(أما إني لم أكن في صلاة) قال صاحب مغني اللبيب: "أما" بالفتح والتخفيف على وجهين: أحدهما: أن تكون حرف استفتاح بمنزلة "ألا" وإذا وقعت "إن" بعدها كسرت، كما تكسر بعد "ألا" الاستفتاحية، الثاني: أن تكون بمعنى حقا، وهذه تفتح "أن" بعدها، كما تفتح بعد "حقا". اهـ. وقد ضبطت "إني" في صحيح مسلم بالكسر، وضبطت "أني" في بعض الكتب وكلاهما صحيح.
(ولكني لدغت) يقال: لدغته العقرب وذوات السموم إذا أصابته بسمها.
(قلت: استرقيت) أي طلبت الرقية من نفسي أو من غيري.
(لا رقية إلا من عين أو حمة) بضم الحاء وتخفيف الميم، وهي سم العقرب وشبهها، وقيل: حدة السم وحرارته، وأما العين فهي إصابة العائن غيره بعينه، والعين حق.
والمعنى -كما يقول الخطابي: لا رقية أشفى وأولى من رقية العين وذي الحمة.
(قد أحسن من انتهى إلى ما سمع) أي قد أحسنت حيث وقفت عند الذي سمعته.
(عرضت علي الأمم) برفع "الأمم" وبناء الفعل للمجهول.
стр. 684
(فرأيت النبي ومعه الرهيط) تصغير الرهط، وهو الجماعة دون العشرة.
(إذ رفع لي سواد عظيم) وفي رواية "سواد كثير" والسواد ضد البياض، والمراد به الشخص يرى من بعيد.
(انظر إلى الأفق) الأفق الناحية، والمراد به هنا ناحية السماء.
(انظر إلى الأفق الآخر) أي انظر هنا وههنا في آفاق السماء.
(هذه أمتك ومعهم سبعون ألفا) المراد بالمعية المعية المعنوية، فإن السبعين ألفا المذكورين من جملة أمته، لكن لم يكونوا في الذين عرضوا إذ ذاك، فأريد زيادة تكثير أمته، بإضافة السبعين ألفا إليهم، وقيل "مع" بمعنى "من" أي هذه أمتك ومنهم سبعون ألفا إلخ، ويؤيده رواية "هؤلاء أمتك، ومن هؤلاء من أمتك سبعون ألفا .. إلخ" ورواية "ويدخل الجنة من هؤلاء سبعون ألفا بغير حساب".
(فخاض الناس) أي تكلموا وتجادلوا وتناظروا، وفي رواية "ففاض الناس" وفي رواية "فأفاض القوم".
(وذكروا أشياء) فى بعض الروايات، وقال بعضهم: "هم الشهداء" وقال بعضهم: "من رق قلبه للإسلام".
-[فقه الحديث]-
يتناول الحديث النقاط الست التالية:
١ - دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب.
٢ - الكي.
٣ - الرقية.
٤ - التطير.
٥ - التوكل على الله.
٦ -
-[ما يؤخذ من الحديث]-.
وهذا هو التفصيل:
١ - دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب.
يقول الله تعالى: ﴿فأما من أوتي كتابه بيمينه* فسوف يحاسب حسابا يسيرا*
стр. 685
وينقلب إلى أهله مسرورا* وأما من أوتي كتابه وراء ظهره* فسوف يدعو ثبورا* ويصلى سعيرا﴾ [الانشقاق: ٧ - ١٢] ويروي البخاري عن رسول الله ﷺ : "ليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا هلك. قالت عائشة: فقلت: يا رسول الله. أليس الله يقول: ﴿فأما من أوتي كتابه بيمينه* فسوف يحاسب حسابا يسيرا﴾ فقال رسول الله ﷺ : "إنما ذلك العرض، وليس أحد يناقش الحساب يوم القيامة إلا عذب".
وحديث الباب يفيد دخول زمرة من المسلمين الجنة بغير حساب ولا عذاب، مما يشير إلى أن وراء التقسيم في الآية أمورا أخرى. قال القرطبي: إن الحساب المذكور في الآية إنما هو أن تعرض أعمال المؤمن عليه، حتى يعرف منة الله عليه في سترها عليه في الدنيا، وفي عفوه عنها في الآخرة. اهـ.
أما من نوقش في الحساب، وحوسب حساب استقصاء فإنه يعذب.
وعند ابن أبي حاتم والحاكم من حديث جابر "من زادت حسناته على سيئاته فذاك الذي يدخل الجنة بغير حساب، ومن استوت حسناته وسيئاته فذاك الذي يحاسب حسابا يسيرا، ثم يدخل الجنة، ومن زادت سيئاته على حسناته فذاك الذي أوبق نفسه، وإنما الشفاعة في مثله".
فإن صح هذا دل على أن الذين يدخلون الجنة بغير حساب أرفع رتبة من غيرهم مطلقا، لكن قال الحافظ ابن حجر: وليس الأمر كذلك، فقد أخرج أحمد وصححه ابن خزيمة وابن حبان من حديث رفاعة الجهني قال: أقبلنا مع رسول الله ﷺ ، فذكر حديثا، وفيه "وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفا بغير حساب، وإني لأرجو ألا يدخلوها حتى تبوءوا أنتم ومن صلح من أزواجكم وذرياتكم مساكن في الجنة" فهذا يدل على أن مزية السبعين بالدخول بغير حساب لا تستلزم أنهم أفضل من غيرهم، بل فيمن يحاسب في الجملة من يكون أفضل منهم، وفيمن يتأخر عن الدخول، ممن تحققت نجاته، وعرف مقامه من الجنة، من هو أفضل منهم.
ثم ساق حديثا رواه الطبراني عن أم قيس بنت محصن، وهي أخت عكاشة أنها خرجت مع النبي ﷺ إلى البقيع، فقال: يحشر من هذه المقبرة سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب كأن وجوههم القمر ليلة البدر". اهـ.
ومن هذا الحديث يستدل الحافظ ابن حجر على أن مزية السبعين ألفا هذه لا تستلزم مزيتهم على الناس على الإطلاق.
والذي تستريح إليه النفس أن هؤلاء السبعين ألفا -إذا استثنينا الأنبياء- أفضل من غيرهم، فهم أفضل ممن يحاسب حسابا يسيرا وممن يحاسب فيعذب، ولعلهم السابقون السابقون أو هم من السابقين على الأقل.
نعم. قيل: إن هذا العدد لا مفهوم له، بل المراد به التكثير، شأنه في ذلك شأن السبعة في الآحاد، ومنه قوله تعالى: ﴿والبحر يمده من بعده سبعة أبحر﴾ [لقمان: ٢٧] وقوله: ﴿سبع سنابل﴾ [البقرة: ٢٦١] وقوله: ﴿إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم﴾ [التوبة: ٨٠].
стр. 686
والأولى أن يعتبر العدد المذكور، ويحمل على ظاهره، لكنه يمكن أن يكون الله قد زاده بناء على طلب الرسول ﷺ ، فقد روى أحمد والبيهقي عن أبي هريرة "فاستزدت ربي فزادني مع كل ألف سبعين ألفا" وعند أحمد من حديث أبي بكر الصديق "أعطاني مع كل واحد من السبعين ألفا سبعين ألفا" والروايات في الزيادة كثيرة ومختلفة، والعلم عند الله وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
وقد ورد في مجموع الروايات وصف السبعين ألفا بأربع صفات هي: أنهم كانوا لا يكتوون، ولا يسترقون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون.
٢ - أما الكي.
فقد روى البخاري عن جابر عن النبي ﷺ قال: "إن كان في شيء من أدويتكم شفاء ففي شرطة محجم، أو لذعة بنار، وما أحب أن أكتوي" كما روي عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "الشفاء في ثلاثة: شربة عسل، وشرطة محجم، وكية نار، وأنهي أمتي عن الكي" فأول هذا الحديث يفيد عموم الجواز، حيث نسب الشفاء إليه، وآخره يفيد الكراهية، وروى أحمد وأبو داود والترمذي عن عمران قال: "نهى رسول الله ﷺ عن الكي، فاكتوينا فما أفلحنا ولا أنجحنا" والنهي في هذا الحديث محمول على الكراهية، لأنه لو كان للحرمة ما فعلوه.
وقال الحافظ ابن حجر: إنما نهى عنه مع إثباته الشفاء فيه إما لكونهم كانوا يرون أنه يحسم المادة بطبعه، فكرهه لذلك، ولذلك كانوا يبادرون إليه قبل حصول الداء، لظنهم أنه يحسم الداء، فيتعجل الذي يكتوي التعذيب بالنار، لأمر مظنون، وقد لا يتفق أن يقع له ذلك المرض، يقطعه الكي، ثم قال: لا يترك الكي مطلقا، ولا يستعمل مطلقا، بل يستعمل عند تعينه طريقا إلى الشفاء مع مصاحبة اعتقاد أن الشفاء بإذن الله تعالى، وعلى هذا يحمل حديث المغيرة رفعه "من اكتوى أو استرقى فقد برئ من التوكل" أخرجه الترمذي. اهـ.
وقال ابن أبي جمرة: علم من مجموع كلامه ﷺ في الكي أن فيه نفعا، وأن فيه مضرة، فلما نهى عنه علم أن جانب المضرة فيه أغلب، وقريب منه إخبار الله تعالى أن في الخمر منافع، ثم حرمها لأن المضار التي فيها أعظم من المنافع. اهـ.
وقال الخطابي: الكي يستعمل في الخلط الباغي الذي لا تنحسم مادته إلا به، ولهذا كانت العرب تقول في أمثالها: آخر الدواء الكي، وقد كوى النبي ﷺ سعد بن معاذ وغيره، واكتوى غير واحد من الصحابة. اهـ.
قال الحافظ ابن حجر: ولم أر في أثر صحيح أن النبي ﷺ اكتوى. اهـ.
ومجمل القول في الكي: أنه جائز للحاجة، وأن الأولى تركه إذا لم يتعين علاجا، وأنه إذا تعين رفع الحرج عمن يفعله بنفسه، وعمن يفعله بغيره. والله أعلم.
стр. 687
٣ - وأما الرقية
فقد تمسك بهذا الحديث من كره الرقى، وزعم أنها قادحة في التوكل، لكن أحاديث صحيحة كثيرة وردت تبيح الرقى، بل تحث عليها، ومن ذلك ما رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁ "أن ناسا من أصحاب النبي ﷺ أتوا على حي من أحياء العرب فلم يقروهم، فبينما هم كذلك إذ لدغ سيد أولئك. فقالوا: هل معكم من دواء أو راق؟ فقالوا: إنكم لم تقرونا، ولا نفعل حتى تجعلوا لنا جعلا، فجعلوا لهم قطيعا من الشاة، فجعل يقرأ بأم القرآن، فبرأ فأتوا بالشاء، فقالوا: لا نأخذ حتى نسأل النبي ﷺ : فسألوه فضحك، وقال: وما أدراك أنها رقية؟ خذوها واضربوا لي بسهم" وروي أيضا عن عائشة ﵂ قالت: "أمرني النبي ﷺ ، أو أمر أن يسترقى من العين"، وروي أيضا أن رسول الله ﷺ رأى في وجهها سفعة [حمرة يعلوها سواد] فقال: "استرقوا لها، فإن بها النظرة" وروي أيضا عن عائشة "أن رسول الله ﷺ كان يرقي وروايتنا السابقة في أولها "لا رقية إلا من عين أو حمة".
وفي البخاري عن عائشة قالت: "رخص النبي ﷺ الرقية من كل ذي حمة" أي ذات سم.
أما هذا التعارض بين وصف السبعين ألفا بأنهم كانوا لا يسترقون وبين هذه الأحاديث الدالة على مشروعية الرقية فقد قال فيه الطبري والمازري وغيرهما: إن حديث السبعين ألفا محمول على من ابتعد عن اعتقاد الطبائعيين، في أن الأدوية تنفع بطبعها، كما كان أهل الجاهلية يعتقدون.
وقال آخرون: الرقى التي يحمد تركها ما كان من كلام الجاهلية أو كانت بكلام لا يعقل معناه، لاحتمال أن يكون كفرا أو يؤدي إلى الكفر، بخلاف الرقى بالقرآن والذكر ونحوهما، ولذا قال ﷺ "اعرضوا على رقاكم، ولا بأس بالرقى ما لم يكن شركا" ورد القاضي عياض هذا القول بأن الحديث يدل على أن للسبعين ألفا مزية على غيرهم، وفضيلة انفردوا بها عمن شاركهم في أصل الفضل والديانة؛ ومن كان يعتقد أن الأدوية تؤثر بطبعها، أو يستعمل رقى الجاهلية ونحوها فليس مسلما.
وقال الداودي وطائفة: إن المراد بالحديث الذين يجتنبون فعل ذلك -الكي والرقية- في الصحة، خشية وقوع الداء، أما من يستعمل الدواء بعد وقوع الداء به فلا، ورد هذا القول بأنه قد ثبت في الأحاديث الصحيحة استعمال ذلك قبل وقوعه، فقد روى البخاري في باب المرأة ترقى الرجل، من حديث عائشة" أنه ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه، ينفث بالمعوذات، ويمسح بهما وجهه" وروي أيضا من حديث ابن عباس "أنه ﷺ كان يعوذ الحسن والحسين بكلمات الله التامة" وعند أبي داود والنسائي بسند صحيح أن رجلا قال: لدغت الليلة فلم أنم، فقال له النبي ﷺ : "لو قلت حين أمسيت: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضرك" ولا خلاف في مشروعية الفزع إلى الله، والالتجاء إليه، في كل ما وقع وما يتوقع.
وقال ابن التين: الرقى بالمعوذات وغيرها من أسماء الله تعالى هو الطب الروحاني، إذا كان على لسان الأبرار من الخلق حصل الشفاء بإذن الله تعالى. فلما عز هذا النوع فزع الناس إلى الطب
стр. 688
الجسماني وتلك الرقى المنهي عنها، التي يستعملها المعزم وغيره، ممن يدعي تسخير الجن له فيأتي بأمور مشبهة، مركبة من حق وباطل، يجمع إلى ذكر الله وأسمائه ما يشوبه من ذكر الشياطين، والاستعانة بهم، والتعوذ بمردتهم لذلك كره من الرقى ما لم يكن بذكر الله وأسمائه خاصة، وباللسان العربي الذي يعرف معناه، ليكون بريئا من الشرك، وعلى كراهة الرقى بغير كتاب الله وسنة رسوله علماء الأمة، اهـ.
وكانت رقية رسول الله ﷺ : "اللهم رب الناس، مذهب الباس، اشف أنت الشافي، لا شافي إلا أنت، شفاء لا يغادر سقما" وفي رواية "امسح الباس رب الناس، بيدك الشفاء، لا كاشف له إلا أنت".
وهذه الأقوال كلها تتجه إلى أن بعض السبعين ألفا كانوا يسترقون، وأن الرقى المشروعة لا تمنع من دخول الجنة بغير حساب، يصرح بهذا القرطبي فيقول: رقى النبي ﷺ ورقي، وفعله السلف والخلف فلو كان مانعا من اللحاق بالسبعين، أو قادحا في التوكل لم يقع من هؤلاء، وفيهم من هو أعلم وأفضل ممن عداهم. اهـ.
وهناك فريق يتجه إلى القول بأن السبعين ألفا ابتعدوا عن الكي والرقى ابتعادا كليا.
قال الحليمي: يحتمل أن يكون المراد بهؤلاء المذكورين في الحديث من غفل عن أحوال الدنيا، وما فيها من الأسباب المعدة لدفع العوارض، فهم لا يعرفون الاكتواء، ولا الاسترقاء، وليس لهم ملجأ فيما يعتريهم إلا الدعاء والاعتصام بالله، والرضى بقضائه. اهـ.
وقال بعضهم: إنما ترك المذكورون الرقى والاسترقاء حسما للمادة لأن فاعل ذلك لا يأمن أن يكل نفسه إليه.
وقال ابن الأثير: هذا من صفة الأولياء المعرضين عن الدنيا وأسبابها وعلائقها، وهؤلاء هم من خواص الأولياء، ولا يرد على هذا وقوع ذلك من النبي ﷺ فعلا وأمرا، لأنه كان في أعلى مقامات العرفان ودرجات التوكل، فكان ذلك منه للتشريع وبيان الجواز. اهـ.
والذي تستريح إليه النفس أن الرقى مشروعة بثلاثة شروط: أن تكون بكلام الله تعالى، أو بأسمائه وصفاته، وأن تكون باللسان العربي، أو بما يعرف معناه من غيره، وأن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها، بل بإرادة الله تعالى، وفعلها بهذه الصفة لا يقدح في التوكل، وليس معنى كون هذه صفة السبعين ألفا أن غيرها نقص، فقد يكون من قبيل الحسن والأحسن، والله أعلم.
٤ - وأما التطير والتشاؤم
فقد كان من عادة الجاهلية، فأبطله الإسلام وحذر منه، فعند الطبراني "لن ينال الدرجات العلا من تكهن أو استقسم، أو رجع من سفر تطيرا" وعند ابن حبان عن ابن مسعود رفعه "الطيرة شرك".
نعم قد تشفق النفوس البشرية من الشر أحيانا إذا شاهدت أو سمعت شيئا معينا، وعلى المؤمن
стр. 689
أن يعقب هذا الإشفاق بالاعتماد على الله، والمضي فيما اعتزم عليه، وفي ذلك يقول ابن مسعود: "وما منا إلا تطير، ولكن الله يذهبه بالتوكل" وفي الحديث "إذا تطيرت فلا ترجع" وعند البيهقي "من عرض له من هذه الطيرة شيء فليقل: اللهم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك، ولا إله غيرك" وعند أبي داود "إذا رأى أحدكم ما يكره فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت ولا حول ولا قوة إلا بالله".
أما الفأل الصالح والكلمة الصالحة الحسنة فلا شيء فيه، بل كان ﷺ يعجبه الفأل الصالح، كما جاء في الحديث، إذ الفأل من طريق حسن الظن بالله، وقد جعل الله في فطر الناس محبة الكلمة الطيبة والأنس بها، كما جعل فيهم الارتياح لمنظر الماء الصافي، وإن كان لا يملكه ولا يشربه، ويشترط في إباحة الفأل ألا يعمد إليه ولا يقصده، فإن فعل ذلك كان مذموما كالطيرة، والله أعلم.
٥ - وأما التوكل على الله
فقد قالت طائفة من الصوفية: لا يستحق اسم التوكل إلا من لم يخالط قلبه خوف غير الله تعالى، حتى لو هجم عليه الأسد لا ينزعج، وحتى لا يسعى في طلب الرزق، لأن الله ضمنه له. وهذا القول بعيد عن الصواب، والحق أن من وثق بالله، وأيقن أن قضاءه ماض لم يقدح في توكله تعاطيه الأسباب، اتباعا للسنة، فقد استعان ﷺ في الحرب بالدرع، ولبس على رأسه المغفر وأقعد الرماة على فم الشعب، وخندق حول المدينة، وأذن في الهجرة إلى الحبشة وإلى المدينة، وهاجر هو، وتعاطى أسباب الأكل والشراب، وادخر لأهله قوتهم ولم ينتظر أن ينزل عليه من السماء، وكان أحق الخلق أن يحصل له ذلك، وقال للذي سأله: أعقل ناقتي أو أدعها؟ قال له "اعقلها وتوكل" فأشار إلى أن الاحتراز والسعي لا يتعارض مع التوكل.
وقد سئل الإمام أحمد عن رجل جلس في بيته أو في المسجد، وقال: لا أعمل شيئا حتى يأتيني رزقي؟ فقال: هذا رجل جهل العلم، فقد قال النبي ﷺ : "إن الله جعل رزقي تحت ظل رمحي" وقال: "لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصا وتروح بطانا" فذكر أنها تغدو وتروح في طلب الرزق، وقال: وكان الصحابة يتجرون، ويعملون في نخيلهم، ولنا بهم أسوة حسنة. اهـ.
وقد حثت الشريعة الإسلامية كثيرا على العمل، فقال ﷺ : "أفضل ما أكل الرجل من كسبه وكان داود يأكل من كسبه"، قال تعالى: ﴿وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم﴾ [الأنبياء: ٨٠] وقال تعالى: ﴿خذوا حذركم﴾ [النساء: ٧١].
وأما قول بعض الصوفية: كيف تطلب ما لا تعرف مكانه؟ أي كيف تطلب الرزق وهو مجهول لك؟ فجوابه: أن يفعل السبب المعروف المأمور به ويتوكل على الله فيما يخرج عن قدرته، فيشق الأرض مثلا ويلقي الحب ويتوكل على الله في إنباته، وإنزال الغيث له، ويحصل السلعة مثلا، وينقلها ويتوكل على الله في إلقاء الرغبة في قلب من يطلبها منه، بل ربما كان التكسب واجبا لقادر على الكسب يحتاج عياله للنفقة، فمتى ترك ذلك كان عاصيا.
стр. 690
والتحقيق: أن التوكل يحصل بأن يثق بوعد الله، ويوقن بأن قضاءه واقع، ويعمل ويتبع السنة في الأخذ بالأسباب، وفي ابتغاء الرزق، مصداقا لقوله تعالى: ﴿فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه﴾ [الملك: ١٥] ومع ذلك فلا يطمئن إلى الأسباب بقلبه، بل يعتقد أنها لا تجلب بذاتها نفعا، ولا تدفع ضرا، بل السبب والمسبب فعل الله تعالى، والكل بمشيئته، فإذا وقع من المرء ركون إلى السبب قدح في توكله، والناس مع التوكل على قسمين: واصل، وسالك، فالأول صفة الواصل، وهو الذي لا يلتفت إلى الأسباب ولو تعاطاها، وأما السالك فيقع له الالتفات إلى السبب أحيانا، إلا أنه يدفع ذلك عن نفسه بالطرق العلمية إلى أن يرقى إلى مقام الواصل. والمعتدلون من المتصوفة على ذلك، إذ يقول أبو القاسم القشيري: التوكل محله القلب، وأما الحركة الظاهرة فلا تنافيه إذا تحقق العبد أن الكل من الله تعالى، فإن تيسر شيء فبتيسيره، وإن تعسر فبتقديره. والله أعلم.
-[ويؤخذ من الحديث]-
١ - فضل الله على أمة محمد ﷺ .
٢ - وأن أهل الجنة يختلف جمالهم وبهاؤهم كما تختلف درجاتهم.
٣ - وفيه منقبة لعكاشة، حيث جاء في الخبر الصادق أنه ممن يدخل الجنة بغير حساب، وقد جاء في بعض الروايات "أمنهم أنا يا رسول الله؟ قال: نعم" وجمع الحافظ ابن حجر بين هذه الرواية وبين ما جاء في رواياتنا بأنه سأل الدعاء أولا. فدعا له ثم استفهم، فقيل له: أجيب لك الدعاء.
٤ - وفي الحديث لطف النبي ﷺ بأصحابه، وحسن أدبه معهم؛ إذ لم يقل للرجل الآخر: لست منهم، أو لست على أخلاقهم، واكتفى بقوله: "سبقك بها عكاشة" وقد كثر الكلام حول حقيقة هذا الرجل الآخر، فقيل: كان منافقا، وقيل: كان من خيار المهاجرين، وقيل: كان من خيار الأنصار. قال ابن الجوزي: يظهر لي أن الأول سأل عن صدق قلب فأجيب، وأما الثاني: فيحتمل أن يكون أريد بما حسم المادة فلو قال للثاني: نعم. لأوشك أن يقوم ثالث ورابع إلى ما لا نهاية، وليس كل الناس يصلح لذلك. وقال القرطبي: لم يكن عند الثاني من تلك الأحوال ما كان عند عكاشة فلذلك لم يجب. قال: وهذا أولى من قول من قال: كان منافقا لوجهين:
أحدهما: أن الأصل في الصحابة عدم النفاق، فلا يثبت ما يخالف ذلك إلا بنقل صحيح.
الثاني: أنه قل أن يصدر مثل هذا السؤال إلا عن قصد صحيح، ويقين بتصديق الرسول ﷺ .
وقال السهيلي: الذي عندي في هذا أنها كانت ساعة إجابة علمها ﷺ ، واتفق أن الرجل الثاني قال بعد ما انقضت.
وصحح النووي أن النبي ﷺ علم بالوحي أنه يجاب في حق عكاشة، ولا يجاب من الآخر.
٥ - وفيه أدب الصحابة، وحسن عشرتهم، وسترهم على من يتوهم فيه النقص، فأبرزوا اسم عكاشة، وأبهموا اسم الرجل الآخر مع علمهم به.
стр. 691
٦ - وأن الرقى والكي والتطير غير مشروعة على خلاف وتفصيل سبق في الرقى والكي.
٧ - وفيه فضيلة التوكل على الله تعالى.
٨ - ويؤخذ من قوله في الرواية السابعة: "فما حملك على ذلك؟ قلت حديث الخ" مدى حرص الصحابة على اتباع السنة في أمورهم وأفعالهم.
٩ - ومن قوله: "قد أحسن من انتهى إلى ما سمع" مدحهم لمن هذه صفته.
١٠ - ومن قوله: "أما أني لم أكن في صلاة" حرصهم على إبعاد الرياء والسمعة، حيث أسرع بنفي اتهام العبادة والسهر في الصلاة عن نفسه؛ لئلا يظن به ما لم يكن عليه.
١١ - ومن خوض الناس في صفة السبعين ألفا يؤخذ إباحة المناظرة في العلم، والمباحثة في نصوص الشرع على جهة الاستفادة وإظهار الحق.
والله أعلم
стр. 692
(١٠٩) باب نصف أهل الجنة من هذه الأمة
٣٩٢ - عن عبد الله ﵁ قال: قال لنا رسول الله ﷺ "أما ترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ " قال فكبرنا. ثم قال "أما ترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟ " قال فكبرنا. ثم قال "إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة. وسأخبركم عن ذلك. ما المسلمون في الكفار إلا كشعرة بيضاء في ثور أسود. أو كشعرة سوداء في ثور أبيض".
٣٩٣ - عن عبد الله ﵁ قال كنا مع رسول الله ﷺ في قبة. نحوا من أربعين رجلا. فقال "أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ " قال قلنا: نعم. فقال "أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟ " فقلنا: نعم. فقال "والذي نفسي بيده! إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة. وذاك أن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة. وما أنتم في أهل الشرك إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود. أو كالشعرة السوداء في جلد الثور الأحمر".
٣٩٤ - عن عبد الله ﵁ قال: خطبنا رسول الله ﷺ فأسند ظهره إلى قبة أدم. فقال "ألا. لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة. اللهم! هل بلغت؟ اللهم! اشهد! أتحبون أنكم ربع أهل الجنة؟ " فقلنا نعم. يا رسول الله! فقال "أتحبون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟ " قالوا: نعم يا رسول الله! قال "إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة. ما أنتم في سواكم من الأمم إلا كالشعرة السوداء في الثور الأبيض. أو كالشعرة البيضاء في الثور الأسود".
٣٩٥ - عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "يقول الله : يا آدم! فيقول: لبيك! وسعديك! والخير في يديك! قال يقول: أخرج بعث النار. قال: وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسع مائة وتسعة وتسعين. قال فذاك حين يشيب الصغير ﴿وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد)﴾ قال فاشتد عليهم. قالوا: يا رسول الله! أينا ذلك الرجل؟ فقال "أبشروا. فإن من يأجوج ومأجوج ألفا. ومنكم رجل" قال ثم قال "والذي نفسي بيده! إني لأطمع أن
стр. 693
تكونوا ربع أهل الجنة" فحمدنا الله وكبرنا. ثم قال "والذي نفسي بيده! إني لأطمع أن تكونوا ثلث أهل الجنة" فحمدنا الله وكبرنا. ثم قال "والذي نفسي بيده! إني لأطمع أن تكونوا شطر أهل الجنة. إن مثلكم في الأمم كمثل الشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود. أو كالرقمة في ذراع الحمار".
٣٩٦ - كلاهما عن الأعمش بهذا الإسناد غير أنهما قالا: "ما أنتم يومئذ في الناس إلا كالشعرة البيضاء في الثور الأسود أو كالشعرة السوداء في الثور الأبيض" ولم يذكر: "أو كالرقمة في ذراع الحمار".
-[المعنى العام]-
ما أحوج القلوب بين الحين والحين إلى ما يبعث فيها الوجل، وما يثير فيها الخوف من عقاب الله، وإذا كان ترك المعادن يصيبها بالصدأ الذي لا يذهب إلا بما يجليها، فإن ترك القلوب يصيبها بالران والغفلة، انشغالا بشهوات الحياة الدنيا، وعلاجها العظة والتذكير بما بعد الموت من جزاء، ومن أجل هذا كان النبي ﷺ يتخول أمته بالموعظة، وبتذكيرهم الهول الجسيم في يوم القيامة. قال لهم يوما بمنى، وقد جلسوا حوله نحوا من أربعين رجلا، في قبة من جلد مدبوغ. قال: أول من يدعى يوم القيامة آدم، فتتراءى له ذريته، وقد طال بهم الموقف العظيم، وبلغ بهم العرق ما بلغ. فيقول الجبار: . يا آدم. فيقول لبيك وسعديك، والخير في يديك. فيقول له: أخرج من ذريتك بعث جهنم ووجههم إليها، انظر ما يرفع إليك من أعمالهم، وأخرج نصيب النار من بينهم، فيقول: يا رب. كم أخرج؟ فيقول: أخرج من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، فعندئذ يشيب الولدان، وتذهل كل مرضعة عما أرضعت، وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى، وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد.
وارتاع الصحابة عند سماع هذا الحديث، وشق ذلك عليهم، وظهرت الكآبة والحزن على وجوههم، وأنشئوا يبكون. قال لهم رسول الله ﷺ . ما دهاكم؟ قالوا: يا رسول الله، إذا أخرج إلى النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون فماذا يبقى بعد ذلك؟ من منا ذلك الواحد من الألف: ثم عادوا يبكون.
فقال لهم رسول الله ﷺ : أبشروا، وسأحدثكم بقلة المسلمين في الكفار يوم القيامة، إن مثلكم في الأمم كمثل الشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود، أو كالشعرة السوداء في جلد الثور الأبيض، فلم يكفكف ذلك القياس دمعهم، ولم يطمئنوا منه على مصيرهم، فقال لهم ﷺ : أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ واستعظم ذلك الصحابة، وفرحوا، إنهم لم يكونوا يتصورون -بعد أن
стр. 694
سمعوا الواحد من الألف- أن يكونوا في الجنة شيئا، فكيف يطلب رضاهم ليكونوا ربع أهلها؟ لقد أنطقت النشوة ألسنتهم بالحمد لله والله أكبر، فقال لهم رسول الله ﷺ : أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟ قالوا: نعم رضينا، والحمد لله والله أكبر. قال: أترضون أن تكونوا نصف أهل الجنة؟ قالوا: نعم رضينا، والحمد لله والله أكبر. قال: بل أنتم نصف أهل الجنة، وتقاسمونهم في النصف الثاني.
وفرح المسلمون بوعد الله، وأعدوا لهذا الجزاء عدته، وعملوا وجاهدوا في الله حق جهاده، فاستحقوا بذلك فضله وعفوه ورحمته، وصدق عليهم قوله: ﴿والسابقون السابقون* أولئك المقربون* في جنات النعيم﴾ [الواقعة: ١٠ - ١٢].
-[المباحث العربية]-
(عن عبد الله) بن مسعود ﵁.
(أما ترضون) "أما" بتخفيف الميم، حرف عرض، بمنزلة "ألا" وهي مختصة بالفعل. قال ابن هشام: وقد يدعى في ذلك أن الهمزة للاستفهام التقريري، وأن "ما" نافية، مثلها في "ألم" و"ألا" اهـ. ولعله الأنسب هنا. وفي رواية "أترضون"؟ وفي رواية "ألا ترضون" وفي رواية "أليس ترضون"؟ وفي رواية "أتحبون"؟ .
(أن تكونوا ثلث أهل الجنة) "ثلث" بضم اللام وسكونها وكذا "الربع" بضم الباء وسكونها.
(إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة) في القاموس: الشطر نصف الشيء، وجزؤه، ومنه حديث الإسراء "فوضع شطرها" أي بعضها. اهـ. والمراد هنا النصف، ففي الرواية الثانية "إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة".
(وسأخبركم عن ذلك) وفي رواية "وسأحدثكم بقلة المسلمين في الكفار يوم القيامة".
(إلا كشعرة بيضاء في ثور أسود) في الرواية الثانية "أو كالشعرة السوداء في جلد الثور الأحمر" قال ابن التين: أطلق الشعرة، وليس المراد حقيقة الوحدة، لأنه لا يكون ثور ليس في جلده غير شعرة واحدة من غير لونه. اهـ. فالكلام كناية عن قلة المسلمين عددا بالنسبة لغيرهم من الأمم.
(كنا مع رسول الله ﷺ في قبة نحوا من أربعين رجلا) "في قبة" خبر "كان" و"نحوا" خبر بعد خبر، أو حال من الضمير المستكن في الخبر، وفي الرواية الثالثة "فأسند ظهره إلى قبة أدم" والإضافة في "قبة أدم" بمعنى "من" و"الأدم" بفتح الهمزة والدال: اسم جمع، والأديم: الجلد المدبوغ، واستناده إلى القبة لا ينافي كونه فيها، لأنه مستند إلى جدارها من الداخل.
(لبيك وسعديك) معنى "لبيك" إجابة لك بعد إجابة، للتأكيد، وقيل: قربا منك وطاعة لك، وقيل: أنا مقيم على طاعتك، وقيل: محبتي لك. قال ابن الأنباري: ثنوا "لبيك" كما ثنوا "حنانيك"
стр. 695
ومعنى "سعديك" أي ساعدت طاعتك مساعدة بعد مساعدة. قاله النووي. أي ساعدتني طاعتك مساعدة بعد مساعدة، وفي القاموس. معناه إسعادا بعد إسعاد، أي سعدت بطاعتك سعادة بعد سعادة.
(أخرج بعث النار) "البعث" هنا بمعنى المبعوث الموجه إلى النار، وأصلها في السرايا التي يبعثها الأمير إلى جهة من الجهات للحرب وغيرها، والمعنى هنا: ميز أهل النار عن غيرهم، وفي رواية "أخرج بعث جهنم من ذريتك" وفي رواية "أخرج نصيب النار".
(وما بعث النار؟ ) قال الحافظ ابن حجر: الواو عاطفة على شيء محذوف، تقديره: سمعت وأطعت، وما بعث النار؟ أي وما مقدار مبعوث النار؟ .
(اشتد ذلك عليهم) وفي رواية "فشق ذلك على قوم، ووقعت عليهم الكآبة والحزن".
(أينا ذلك الرجل) الذي يبقى من الألف؟ قال الطيبي: يحتمل أن يكون الاستفهام على حقيقته، فكان حق الجواب أن ذلك الواحد فلان، أو من يتصف بالصفة الفلانية، ويحتمل أن يكون استعظاما لذلك الأمر، واستشعارا للخوف منه، فلذلك وقع الجواب بقوله "أبشروا".
(فإن من يأجوج ألف ومنكم رجل) قال النووي: هكذا هو في الأصول والروايات. "ألف" و"رجل" بالرفع فيهما، وهو صحيح، وتقديره "إنه" بالهاء التي هي ضمير الشأن، وحذفت الهاء، وهو جائز معروف. اهـ. وفي رواية البخاري "ألفا" بالنصب و"منكم رجل" بالرفع. قال الحافظ ابن حجر: تقديره: والمخرج منكم، أو ومنكم رجل مخرج، وقال: ووقع في بعض الشروح لبعض الرواة "فإن منكم رجلا، ومن يأجوج ومأجوج ألفا" بالنصب فيهما. الأول على نصب اسم "إن" صريحا، والثاني بتقدير، وفي رواية الأصيلي بالرفع في "ألف" والنصب في "رجلا" ثم قال الحافظ ابن حجر: ظاهره زيادة واحد عما ذكر في تفصيل الألف، فيحتمل أن يكون من جبر الكسر، والمراد أن من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعين، أو ألفا إلا واحدا. اهـ.
(كالرقمة في ذراع الحمار) "الرقمة" بفتح الراء وإسكان القاف. قال أهل اللغة: الرقمتان في الحمار هما الأثران في باطن عضديه، وقيل: هي الدائرة في ذراعيه، وقيل: هي الهنة الناتئة في ذراع الدابة من داخل، وتكون في قوائم الشاة، وقال الداودي: الرقمة شيء مستدير، لا شعر فيه، سميت به لأنه كالرقم. اهـ.
-[فقه الحديث]-
قال النووي: أما قوله ﷺ "ربع أهل الجنة، ثم ثلث أهل الجنة، ثم الشطر، ولم يقل أولا: شطر أهل الجنة فالفائدة حسنة، وهي أن ذلك أوقع في نفوسهم، وأبلغ في إكرامهم فإن إعطاء الإنسان مرة بعد
стр. 696
أخرى دليل على الاعتناء به، ودوام ملاحظته، وفيه فائدة أخرى، هي تكريره البشارة، مرة بعد أخرى، وفيه أيضا حملهم على تجديد شكر الله تعالى وتكبيره وتحميده على كثرة نعمه. اهـ. وقال ابن التين: ذكره بلفظ الاستفهام لإرادة البشارة بذلك، وذكره بالتدريج ليكون أعظم لسرورهم. اهـ.
وظاهر الحديث أن نهاية البشرى كون المسلمين من هذه الأمة نصف أهل الجنة، وهذا يعارض ما أخرجه أحمد وابن أبي حاتم، من حديث أبي هريرة قال: لما نزلت ﴿ثلة من الأولين* وثلة من الآخرين﴾ [الواقعة: ٣٩ - ٤٠] فقال النبي ﷺ "إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة، بل ثلث أهل الجنة، بل أنتم نصف أهل الجنة، وتقاسمونهم في النصف الثاني" وما أخرجه الطبراني من وجه آخر عن أبي هريرة، بلفظ "أنتم ربع أهل الجنة، أنتم ثلث أهل الجنة، أنتم نصف أهل الجنة. أنتم ثلثا أهل الجنة" وما أخرجه أحمد والترمذي من حديث بريدة رفعه "أهل الجنة عشرون ومائة صف، أمتي منها ثمانون صفا" وقد رفع هذا التعارض بأنه ﷺ لما رجا رحمة ربه أن تكون أمته نصف أهل الجنة، أعطاه ما ارتجاه، وزاده، وهو نحو قوله تعالى: ﴿ولسوف يعطيك ربك فترضى﴾ [الضحى: ٥].
وقريب من هذا ما يقال للتوفيق بين الروايات التي ساقت البشرى بأسلوب الرجاء والطمع، وبين الروايات التي ساقتها بأسلوب القطع والجزم، كأنه رجا أولا فأجيب، فأخبر ﷺ .
وإنما خص آدم بإخراج بعث النار لكونه والد الجميع، ولكونه كان قد عرف أهل السعادة من أهل الشقاء، فقد رآه النبي ﷺ ليلة الإسراء، وعن يمينه أسودة وعن شماله أسودة، كما تقدم في حديث الإسراء، وقد أخرج ابن أبي الدنيا من مرسل الحسن قال "يقول الله لآدم: يا آدم. أنت اليوم عدل بيني وبين ذريتك، قم فانظر ما يرفع إليك من أعمالهم".
وقد أشكل قوله في الحديث في روايته الرابعة "فذاك حين يشيب الصغير وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى، ولكن عذاب الله شديد" مما يفيد أن ذلك يقع في الموقف، أشكل بأن ذلك الوقت لا حمل فيه ولا وضع ولا شيب، وأجاب الكرماني بأن ذلك وقع على سبيل التمثيل والتهويل، والتقدير: أن الحال ينتهي إلى أنه لو كانت النساء حينئذ حوامل لوضعت، كما تقول العرب: أصابنا أمر يشيب منه الوليد؛ ونقل مثل هذا عن الحسن البصري في تفسير الآية، فقال: المعنى أن لو كانت هناك مرضعة لذهلت، وقال الحافظ ابن حجر: يحتمل أن يحمل على حقيقته، فإن كل أحد يبعث على ما مات عليه، فتبعث حاملا، والمرضع مرضعة والطفل طفلا، فإذا وقعت زلزلة الساعة، وقيل ذلك اليوم لآدم ما قيل ورأى الناس آدم، وسمعوا ما قيل له، وقع بهم من الوجل ما يسقط معه الحمل، ويشيب له الطفل، وتذهل به المرضعة. اهـ.
ومال إلى هذا القرطبي فقال: يحتمل أن يكون المعنى أن ذاك حين يقع لا يهم كل أحد إلا نفسه، حتى إن الحامل تسقط من مثله، والمرضعة الخ، ونقل ما ذكره الحليمي، واستحسنه من قوله: يحتمل أن يحيي الله حينئذ كل حمل كان قد تم خلقه، ونفخت فيه الروح، فتذهل الأم حينئذ عنه، لأنها
стр. 697
لا تقدر على إرضاعه، إذ لا غذاء هناك ولا لبن، وأما الحمل الذي لم ينفخ فيه الروح فإنه إذا سقط لم يجيء، لأن ذلك يوم الإعادة، فمن لم يمت في الدنيا لم يجيء يوم القيامة. اهـ.
وظاهر الرواية الرابعة أن نصيب أهل الجنة من كل ألف واحد، وهذا يعارض ما جاء في حديث أبي هريرة "من كل مائة تسعة وتسعين" وقد طعن بعضهم في حديث أبي هريرة لمعارضته الروايات الكثيرة المتفقة على هذا العدد [من كل ألف واحد] وأجاب الكرماني بأن مفهوم العدد لا اعتبار له، فالتخصيص بعدد لا يدل على نفي الزائد، والمقصود من العددين واحد، وهو تقليل عدد المؤمنين، وتكثير عدد الكافرين.
وأجاب الحافظ ابن حجر بحمل حديث أبي سعيد وما وافقه على جميع ذرية آدم، فيكون من كل ألف واحد، وحمل حديث أبي هريرة على من عدا يأجوج ومأجوج، فيكون من كل ألف عشرة، قال: ويقرب ذلك أن يأجوج ومأجوج ذكروا في حديث أبي سعيد دون حديث أبي هريرة ثم قال: ويحتمل أن يكون المراد ببعث النار الكفار ومن يدخلها من العصاة، فيكون من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون كافرا، ومن كل مائة تسعة وتسعون عاصيا. والعلم عند الله تعالى. اهـ.
هذا فيما يخص نسبة أهل النار لأهل الجنة، أما نسبة أهل الجنة من المسلمين لغيرهم فهم الشطر أو يزيد، مع مراعاة أن المقصود بأهل الجنة في أمتنا وفي الأمم السابقة من كان مصيرهم الجنة، سواء عذبوا أو لم يعذبوا. والله أعلم.
-[ويؤخذ من الحديث]-
١ - مشروعية الحمد والتكبير عند الفرح والسرور، وعند استعظام الأمور.
٢ - وهول الأعداد الموجهة إلى النار بالنسبة للناجين.
٣ - إن زلزلة الساعة لشيء عظيم.
٤ - وفي قوله: "لا يدخل إلا نفس مسلمة" نص صريح في أن من مات على الكفر لا يدخل الجنة أصلا، وهذا النص على عمومه بإجماع المسلمين.
٥ - وحرص آدم على رعاية الأدب مع ربه، حيث نسب الخير إلى الله بقوله "والخير في يديك" مع أن الشر أيضا بتقدير الله، وفي ذلك استعطاف عظيم يناسب المقام.
٦ - وشفقة النبي ﷺ وحرصه على أمته ورجاؤه الخير الوفير لها في الآخرة.
٧ - وإدخاله السرور على أمته وتبشيره لها بفضل الله عليها، وإسباغه النعمة لها بستر تقصيرها في دنياها، وإدخالها الجنة في أخراها بمنه وكرمه جل شأنه.
نسأله جلت قدرته، وعظمت رحمته أن يشملنا بعنايته وتوفيقه، وأن يعفو عن التقصير، وأن يقبل منا هذا الجهد الذي قصدنا به وجهه الكريم.
стр. 698
كتاب الطهارة
стр. 699
الطهارة بفتح الطاء مصدر طهر بضم الهاء وفتحها، من باب قرب وقتل، وهي لغة النظافة، والتركيب يدل على نقاء وإزالة دنس، حسيا كان كالأنجاس أو معنويا كالعيوب والذنوب. وشرعا: زوال حدث أو خبث بمطهر.
قال الإمام الغزالي: للطهارة مراتب: منها تطهير الظاهر من الحدث والخبث، ثم تطهير الجوارح من الحرام، ثم تطهير القلب من الأخلاق المذمومة، ثم تطهير السر عما سوى الله تعالى.
والطهور: بضم الطاء مصدر، وبفتحها ما يتطهر به، وذهب بعض أهل اللغة إلى أنه بالفتح فيهما، وحكي الضم فيهما.
والطهر: بضم الطاء الاسم، والطهرة اسم من التطهير، والطهر نقيض الحيض، وقد اشتمل كتاب الطهارة في صحيح مسلم على الوضوء والسواك وخصال الفطرة، وإعفاء اللحية والاستطابة وآداب قضاء الحاجة والمسح على الخفين والنجاسات والغسل من الحيض والنفاس والاستحاضة والجنابة وطهارة جلود الميتة.
ولنبدأ بالوضوء، فنقول وبالله التوفيق.
стр. 700
(١١٠) باب فضل الوضوء
٣٩٧ - عن أبي مالك الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "الطهور شطر الإيمان. والحمد لله تملأ الميزان. وسبحان الله والحمد لله تملآن (أو تملأ) ما بين السموات والأرض. والصلاة نور. والصدقة برهان. والصبر ضياء. والقرآن حجة لك أو عليك. كل الناس يغدو. فبائع نفسه. فمعتقها أو موبقها".
-[المعنى العام]-
شاء الله للإسلام أن يكون دين الطهارة والنظافة، فجعل النظافة من الإيمان، والطهور شطر الإيمان، ومثل الوضوء للصلاة وتنظيف الظاهر والباطن بنهر يجري بباب أحدنا يغتسل فيه كل يوم خمس مرات، فلا يبقى من درنه شيئا، شاء الله للإسلام أن يكون دين طهارة الظاهر والباطن بما شرع من شرائع وعبادات، فحمد الله وتسبيحه وذكره والثناء عليه يرطب اللسان، ويجلي صدأ القلوب، كلمات خفيفة على اللسان، ثقيلة في الميزان، والصلاة تنور البصيرة وتزكي الأعضاء، وتنهي عن الفحشاء والمنكر، وتحيط صاحبها بملائكة الرحمة، وتحوطه بعناية الله تعالى، والصدقة تطهر المال، وتزكي النفس من البخل والشح وتنقيها من الأثرة والأنانية وحب الذات، والصدقة برهان على صدق الإيمان باليوم الآخر، ودليل على حب الخير للناس، وصدق الله العظيم حيث يقول ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها﴾ [التوبة: ١٠٣] والصبر طهارة للعقيدة من الاعتراض على القضاء، ونور للنفوس في ظلمات نوائب الدهر ونوازل الزمان، وصدق الله العظيم حيث يقول ﴿وبشر الصابرين* الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون* أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧].
والقرآن الكريم طهارة في ذاته ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾ [الواقعة: ٧٩] طهارة لقارئه وسامعه وللعامل به، وشاهد صدق يرفع صاحبه يوم القيامة.
تلك مثل من طهارة الإسلام وشرائعه، وكل الناس يتحرك ويسعى، لكن منهم من يستفيد من سعيه، ويبني آخرته بحركة دنياه، ومنهم من يشقى بسعيه ويهدم آخرته بلذات فانية في دنياه، وصدق الله العظيم حيث يقول ﴿إن سعيكم لشتى* فأما من أعطى واتقى* وصدق بالحسنى* فسنيسره لليسرى* وأما من بخل واستغنى* وكذب بالحسنى* فسنيسره للعسرى* وما يغني عنه ماله إذا تردى* إن علينا للهدى* وإن لنا للآخرة والأولى﴾ [الليل: ٤ - ١٣].
стр. 701
-[المباحث العربية]-
(الطهور شطر الإيمان) بضم الطاء وفتحها وقيل: الضم اسم للفعل، والفتح اسم لما يتطهر به، والمراد من الطهور التطهر، أي رفع الحدث الأكبر أو الأصغر، والشطر في الأصل النصف، وقيل: الجزء من قولهم: أشطار الناقة أي أجزاؤها، والإيمان بمعناه الاصطلاحي: التصديق بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وقيل: المراد من الإيمان هنا الصلاة، باعتبارها مظهرا من مظاهره؛ فيكون من قبيل ما قيل في تفسير قوله تعالى: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ [البقرة: ١٤٣] وسيأتي مزيد إيضاح لهذا في فقه الحديث.
(والحمد لله تملأ الميزان) المراد من الميزان ميزان الأعمال يوم القيامة، ومعنى أن الحمد يملأ الميزان: أن ذاكرها يمتلئ ميزانه بالثواب، وقيل إن الأعمال نفسها والذكر نفسه يتجسم يوم القيامة، فيكون له ثقل وحجم يملأ الميزان.
(وسبحان الله والحمد لله تملآن -أو تملأ- ما بين السموات والأرض) "سبحان" اسم منصوب، على أنه واقع موقع المصدر لفعل محذوف، تقديره: سبحت الله سبحانا. ومعناه تنزيه الله عما لا يليق به من كل نقص، فيلزم منه نفي الشريك والصاحبة والولد وجميع الرذائل، ويطلق التسبيح ويراد به جميع ألفاظ الذكر، ويطلق ويراد به صلاة النافلة، والمراد منه هنا الأول، لقرنه بالحمد لله. وأما قوله "تملآن أو تملأ" قد ضبطه النووي بالتاء، فالأول " تملآن" أي الجملتان، والثاني "تملأ" أي الجملة بما فيها المعطوف والمعطوف عليه، وصحح صاحب التحرير فيهما التذكير "يملآن أو يملأ" بالياء بدل التاء، أما الأول فعلى إرادة النوعين من الكلام، أو الذكرين، وأما الثاني فعلى إرادة الذكر، والمعنى أنه لو قدر ثوابهما جسما لملأ ما بين السموات والأرض.
(والصلاة نور) أي كالنور، يستضاء بها ويهتدي في ظلمات المعاصي، وقيل غير ذلك مما سيأتي في فقه الحديث.
(والصدقة برهان) أي حجة ودليل على إيمان صاحبها، وقيل غير ذلك.
(والصبر ضياء) "الصبر" الإمساك في ضيق، وحبس النفس على المكروه، وعقد اللسان عن الشكوى، والمكابدة في التحمل وانتظار الفرج، وتختلف معانيه بتعلقاته، فإن كان عن مصيبة سمي صبرا، وإن كان في لقاء عدو سمي شجاعة، وإن كان عن كلام سمي كتمانا، وإن كان عن تعاطي ما نهي عنه سمي عفة، ومعنى أنه ضياء أنه محمود، لا يزال صاحبه مستضيئا به مهتديا مستمرا على الصواب.
وقد ذهب بعض العلماء إلى أنه لا فرق بين النور والضياء إلا في اللفظ، لكن التحقيق أن الضياء هو الحاصل في الشيء من مقابلته المضيء بذاته، فالذي نراه على الأرض منبسطا من مقابلتها
стр. 702
للشمس ضوء، فإذا اشتد هو ضياء، أما النور فهو الحاصل في الشيء من مقابلته المضيء بالغير، فالذي نراه على الأرض من مقابلتها القمر الذي استمد ضوءه من مقابلته الشمس هو نور، وحسبنا القرآن الكريم إذ يقول ﴿جعل الشمس ضياء والقمر نورا﴾ [يونس: ٥].
والحاصل أن الضياء فرط الإنارة، وإنما قرن بالصبر الذي هو حبس النفس لأنه عمل الذات والداخل، بخلاف الصلاة فإنها عمل الأركان والجوارح التابعة للباطن.
(والقرآن حجة لك أو عليك) أي إن أخلصت في تلاوته وعملت به كان حجة لك، وإلا كان حجة عليك، والخطاب لكل من يتأتى خطابه، وقيل: المعنى أنه الحكم الفصل عند التنازع فتحتج به أو يحتج به عليك.
(كل الناس يغدو) أي يبكر ويسعى ويعمل، والغدو السير أول النهار.
(فبائع نفسه) معطوف على "يغدو" أي كل الناس بائع نفسه، إما لله تعالى بطاعته إياه، وإما للشيطان والهوى باتباعهما، ففي الكلام استعارة تصريحية تبعية، شبه قطع العمر وعمل الدنيا في مقابل ما بعد الموت بالبيع، والمراد كل الناس يعمل دنياه.
(فمعتقها أو موبقها) أي فمنهم معتقها ومخلصها من العذاب، ومنهم موبقها أي مهلكها، والتعبير بالمسبب وإرادة السبب، أي فمنهم من يعمل عملا يكون سببا في تخليصها وبعدها عن النار، ومنهم من يعمل عملا يكون سببا في عذابها.
-[فقه الحديث]-
يتناول الحديث فضل الطهور، والذكر، والصلاة، والصدقة، والصبر، والقرآن.
أما الطهور فقد قال النووي: اختلف في معنى قوله ﷺ "الطهور شطر الإيمان" فقيل: معناه أن الأجر ينتهي تضعيفه إلى نصف أجر الإيمان، وقيل: معناه أن الإيمان يجب ما قبله من الخطايا، وكذلك الوضوء، لأن الوضوء لا يصح إلا مع الإيمان، فصار لتوقفه على الإيمان في معنى الشطر، وقيل: إن للإيمان شطرين: تطهير السر من خبائث النفس، وتطهير الجوارح، فمن طهر ظاهره للوقوف بين يدي الله جاء بنصف الإيمان، فإذا طهر سره كمل إيمانه، وقيل: المراد بالإيمان هنا الصلاة، كما قال تعالى ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ [البقرة: ١٤٣] والطهارة شرط في صحة الصلاة، فصارت كالشطر، وليس يلزم في الشطر أن يكون نصفا حقيقيا قال: وهذا القول أقرب الأقوال. ثم قال: ويحتمل أن يكون معناه أن الإيمان تصديق بالقلب، وانقياد بالظاهر، وهما شطران للإيمان، والطهارة متضمنة الصلاة، فهي انقياد في الظاهر، والله أعلم. اهـ.
والذي اختاره الإمام النووي، واعتبره أقرب الأقوال هو بعيد الاحتمال، لأن تفسير الإيمان في قوله تعالى ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ بالصلاة أحد التفسيرات البعيدة، وفيه مجاز لا ضرورة له، ثم
стр. 703
إنه في الحديث يضعف القصد والهدف، إذ قولنا: الوضوء شرط الصلاة لا يعطي فضل الوضوء والترغيب فيه، ولا يأتي بمعنى جديد للمخاطبين الذين لم يصلوا منذ شرعت الصلاة إلا بالوضوء.
وعندي أن الهدف من الحديث هو الترغيب في استصحاب الوضوء، كما أن الغرض من المذكورات الخمسة بعده هو الحث على الإكثار منها والإخلاص فيها، لتكثير الثواب لا لتحصيل أصل الفعل.
وحيث كان الهدف كذلك كان المعنى أن الطهور كشطر الإيمان، فكما يحرص المؤمن على استصحاب الإيمان كاملا في كل حين ينبغي أن يحرص على استصحاب الوضوء في كل حين، وكما أن الإيمان الكامل وقاية للمؤمن من الوقوع في المحرمات، فإن الوضوء سلاح المؤمن ضد إغواء الشيطان، فالوضوء كشطر الإيمان في انبغاء استصحابه في كل حين، وأما الذكر فقد رغب فيه في الحديث بعبارتين: "الحمد لله تملأ الميزان" "وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السموات والأرض" وظاهره أفضلية التحميد والتسبيح على سائر الأذكار، ويؤيده ما رواه مسلم عن أبي ذر قلت: يا رسول الله أخبرني بأحب الكلام إلى الله قال: "أحب الكلام إلى الله سبحان الله وبحمده" وفيه تلميح بقوله تعالى عن الملائكة ﴿ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك﴾ [البقرة: ٣٠]. لكن يعارضه ما رواه الترمذي والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم "أفضل الذكر لا إله إلا الله".
ومن هنا قال بعضهم: التهليل أفضل، لأنه صريح في التوحيد، والتسبيح متضمن له، ولأن نفي الإله في قوله "لا إله إلا الله" فيه نفي ما يضاده ويخالفه من النقائص، فمنطوق "لا إله إلا الله" توحيد، فيكون "لا إله إلا الله" أفضل، لأن التوحيد أصل، والتنزيه ينشأ عنه.
وقال الحافظ ابن حجر: الذكر بلا إله إلا الله أرجح من الذكر بالحمد لله، فقد أخرج النسائي عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال "قال موسى: يا رب، علمني شيئا أذكرك به قال: قل لا إله إلا الله" الحديث، وفيه "لو أن السموات السبع، وعامرهن، والأرضين السبع، جعلن في كفة، ولا إله إلا الله في كفة لمالت بهن لا إله إلا الله" قال: وملء الميزان بالحمد لله في حديث أبي مالك الأشعري يدل على المساواة، والرجحان في حديث النسائي صريح في الزيادة، فيكون أولى. اهـ.
وجمع القرطبي بما حاصله: إن هذه الأذكار إذا أطلق على بعضها أنه أفضل الكلام أو أحبه إلى الله فالمراد: إذا انضمت إلى أخواتها، بدليل حديث سمرة عن مسلم "أحب الكلام إليه أربع، لا يضرك بأيهن بدأت: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر" ويحتمل أن يكتفى في ذلك بالمعنى، فيكون من اقتصر على بعضها كفى، لأن حاصلها التعظيم والتنزيه، ومن نزهه فقد عظمه، ومن عظمه فقد نزهه. اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر: يحتمل أن يجمع بأن تكون "من" مضمرة في قوله "أفضل الذكر لا إله إلا الله" وفي قوله "أحب الكلام" بناء على أن لفظ "أفضل وأحب" متساويان في المعنى. اهـ.
وقال النووي: هذا الإطلاق في الأفضلية محمول على كلام الآدمي، وإلا فالقرآن أفضل الذكر. اهـ.
стр. 704
وقال البيضاوي: الظاهر أن المراد من الكلام كلام البشر، فإن الثلاث الأول وإن وجدت في القرآن لكن الرابعة لم توجد، ولا يفضل ما ليس فيه على ما هو فيه. اهـ.
ويتحقق الكلمات الأربع غيرها من الذكر كالحوقلة، والبسملة، والحسبلة والاستغفار والدعاء بخيري الدنيا والآخرة، وفي حكم الذكر قراءة التفسير والحديث ومدارسة العلم، ثم الذكر يقع تارة باللسان، ويؤجر عليه الناطق، ولا يشترط استحضاره لمعناه، ولكن يشترط ألا يقصد به غير معناه، وإن انضاف إلى النطق الذكر بالقلب فهو أكمل، فإن انضاف إلى ذلك استحضار معنى الذكر وما اشتمل عليه من تعظيم الله تعالى ونفي التناقض عنه ازداد كمالا، فإن وقع ذلك في عمل صالح من صلاة أو جهاد أو غيرهما ازداد كمالا.
ثم إن هذا الفضل الوارد في حديث الباب وما شابهه إنما هو لأهل الفضل في الدين والطهارة من الجرائم العظام، ولا يلحق بهم من أصر على شهواته، وانتهك دين الله وحرماته، مصداقا لقوله جل شأنه ﴿أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون﴾ [الجاثية: ٢١]. وقوله ﴿إنما يتقبل الله من المتقين﴾ [المائدة: ٢٧].
وأما الصلاة: ففي معنى قوله ﷺ "والصلاة نور" يقول الإمام النووي: معناه أنها تمنع من المعاصي، وتنهى عن الفحشاء والمنكر، وتهدي إلى الصواب، كما أن النور يستضاء به، وقيل: معناه أن يكون أجرها نورا لصاحبها يوم القيامة، وقيل: لأنها سبب لإشراق أنوار المعارف، وانشراح القلب، ومكاشفات الحقائق، لفراغ القلب فيها، وإقباله إلى الله تعالى بظاهره وباطنه، وقد قال الله تعالى ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة﴾ [البقرة: ٤٥]، وقيل: معناه: أنها تكون نورا ظاهرا على وجهه يوم القيامة، ويكون في الدنيا أيضا على وجهه البهاء، بخلاف من لم يصل، والله أعلم.
وأما الصدقة: وأنها برهان فقد قال صاحب التحرير: معناه يفزع إليها كما يفزع إلى البراهين، كأن العبد إذا سئل يوم القيامة عن مصرف ماله، كانت صدقاته براهين في جواب هذا السؤال، فيقول: تصدقت به. قال: ويجوز أن يوسم المتصدق بسيماء يعرف بها، فيكون برهانا له على حاله ولا يسأل عن مصرف ماله. اهـ.
وقال بعضهم: معناه: الصدقة حجة على إيمان فاعلها، فإن المنافق يمتنع منها، لكونه لا يعتقدها، فمن تصدق استدل بصدقته على صدق إيمانه.
وأما الصبر: فقد قيل: إنه ثلاثة أقسام: صبر عن المعصية فلا يرتكبها، وصبر على الطاعة حتى يؤديها، وصبر على البلية فلا يشكو ربه فيها، والصبر سبب في حصول كل كمال، وإلى ذلك أشار ﷺ بقوله "إن الصبر خير ما أعطيه العبد" ويقول جل شأنه ﴿وبشر الصابرين* الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون* أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧].
هذا، وإظهار البلاء لا على وجه الشكوى لا ينافي الصبر، إذ هو يتحقق بعدم الاعتراض على
стр. 705
المقدور، ففي أيوب ﵇ يقول الله تعالى ﴿إنا وجدناه صابرا نعم العبد﴾ [ص: ٤٤] مع أنه قال ﴿أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين﴾ [الأنبياء: ٨٣].
وأما القرآن: فهو حجة ودفاع عمن يقرؤه مخلصا مرتلا متدبرا عاملا بما فيه، وحجة على من قدر على قراءته فأهمله، أو نسيه بعد ما حفظه، أو راءى بقراءته أو اختال به على من سواه من الخلق، أو عرضه للسخرية والاستهزاء، أو لم يعمل بما فيه.
القرآن شاهد صدق، وحكم عدل، فهو كلام الله جل شأنه ﴿ومن أصدق من الله قيلا﴾ [النساء: ١٢٢].
-[ويؤخذ من الحديث]-
١ - فضل الطهور واستحباب استصحابه على الدوام.
٢ - فضل الحمد والتسبيح وذكر الله تعالى.
٣ - فضل الصلاة والمحافظة عليها والحث على الإكثار من التنفل بها.
٤ - الترغيب في الصدقة.
٥ - وفي الصبر.
٦ - وفي قراءة القرآن بإخلاص والعمل بما فيه.
٧ - الحث على سعي الإنسان للخير، لأن الدنيا مزرعة الآخرة، والكيس من أخذ من شبابه لهرمه، ومن صحته لمرضه، ومن غناه لفقره، والسفيه من أتبع نفسه هواها فأوردها هلاكها، وصدق الله العظيم إذ يقول ﴿من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب﴾ [الشورى: ٢٠].
следующие страницы →