Полный текст (195 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
حرف الكاف
فمن ذلك قوله تعالى في سورة " الفاتحة ": (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) .
قرئ بخفض الكاف ورفعها ونصبها دون ألف.
وقرىء (مَالِكِ) بالألف مع الحركات الثلاث في الكاف، وقرئ (مليك) على وزن شريف مع الحركات الثلاث في الكاف:
فأما قراءة الخفض دون ألف فقرأ بها السبعةُ إلا عاصماً والكسائي.
وقرأ بها جماعة من الصحابة والتابعين، ووجهها أنه صفة (لله) ولا
إشكال؛ إذ إضافته مَحْضة، وقيل: هو بدل، وهو ضعيف لكونه مشتقّاً.
وأما قراءة الرفع فقرأ بها سعد بن أبي وقّاص، وعائشة، ومُوَرِّق
العِجلي، ووجهها أنه مرفوع على القطع، أي: هو ملك.
стр. 142
وأما قراءة النصب فقرأ بها أنس بن مالك، وأبو نوفل عمرو بن
مُسلم، وأبو حَيوة، وعليها جماعة من القرّاء، ووجهها أنه منصوب على
القطع، أي: أمدح مَلِكَ يوم الدين.
وأما قراءة (مالِكِ) بالألف وخفض الكاف فقرأ بها عاصم، والكسائي
من السبعة، واجتمع على قراءتها العشرةُ إلا طلحة والزبير، وعليها
جماعة من الصحابة والتابعين، ووجهها أنه نعت (لله) ، وهو اسم فاعل
أُريد به المضيّ، فإضافتُه مَحْضة فلا إشكالَ، لنعت المعرفة بالمعرفة.
ويؤيّد أن المراد به المضى قراءةُ من قرأ (مَلَكَ) فعلاً ماضياً، فإن أُريد به
الاستقبال وهو الظاهر لكون اليوم عبارة عن يوم القيامة ففيه إشكال، لأنّ
إضافته غير محضة، فيَلزم منه نعتُ المعرفة بالنكرة.
فالجواب أن يقال: كلّ ما إضافته غير محضة إلا الصفة المشبهة قد يُنوى فيه المحضة فيلحظ فيه أن الموصوف صار معروفاً بذلك الوصف من غير نظر إلى
زمان.
قال الشيخ أبو حيَّان: وهذا الوجه غريب النقل لا يعرفه إلاّ من له
اطلاع على كتاب سيبويهِ وتنقيبٌ على لطائفه.
стр. 143
وأما قراءة (مالكَ) بالألف والنصب فقرأ بها الأعمش، وابن السَّمَيْفَع.
وعثمان بن أبي سليمان، ووجهها أنه منصوب على القطع، أو على
النداء، فقد روي أن النبيَّ ﷺ قال في بعض غزواته: " يا مالكَ يومِ الدين ".
وأما قراءة (مالكُ) بالألف ورفع الكاف فقرأ بها أبو هريرة، وأبو حَيوة.
وعمر بن عبد العزيز، ووجهها أنه مرفوع على القطع، أي: هو مالك.
وأمّا قراءة (مَليك) على وزن شريف من أمثلة المبالغة فنسبها الشيخ
أبو حيان إلى أُبيّ، وأبي هريرة، وأبي رجاء العُطاردي، ولم ينصّ على
حركات الكاف.
وقال أبو البقاء: ويقرأ (مليك يوم الدين) رفعاً ونصباً وجرّاً.
أما الرفع والنصب فعلى القطع، وأما الخفض فإن كان بمعنى مَلَك
أو من أمثلة المبالغة والمراد به المُضِيّ فلا إشكالَ لكون الإضافةِ مَحضة.
وإن كان المراد به الاستقبال ففيه الإشكال المقدّم، والجواب عنه ما
تقدم.
فهذه تسع قراءات، كلّها على الإضافة إلى (يوم) من باب الإضافة إلى
الظرف، والإضافة إضافة اللام خلافاً لمن أثبت " في ".
стр. 144
وحيث كان المراد المِلك بكسر الميم فهو على حذف مضاف، التقدير: أمر يوم الدين، أو على حذف المفعول، التقدير: مالك يوم الدين أمر الناس، فيكون من باب:
طبَّاخِ ساعاتِ الكرى زادَ الكَسَلْ
وحيث كان المراد المُلك بضم الميم فلا حذف.
واعلم أن العرب تقول: مَلِكٌ بيّن المُلْك بضم الميم، ومالك بيّن
стр. 145
المِلْك بكسر الميم وفتحها، نقله الأخفش، وقد نُقل فيه الضمُّ.
تتميم:
بقي غير هذه القراءات التسعِ ثماني قراءات:
قرأ أبو هريرة، وعاصم الجَحدري (مَلْك) بسكون اللام على وزن
سَهْل، وهي لغة بكر بن وائل.
وقرأ أبو أحمد بن صالح عن ورش، عن نافع (ملكي) بإشباع
كسرة الكاف.
وقرأ أبو حنيفة، وأبو حَيوة (مَلَكَ) فعلاً ماضياً.
وقرأ عون العُقيلي (مالكٌ) بالرفع والتنوين، ونصب (يومَ الدين) .
وقرأ اليمان (مالكاً) بالنصب والتنوين، ونصب (يوم الدين)
стр. 146
وقرأ يحى بن يعمر، وأيوب السَّخْتياني (مليك) بالإمالة المحضة.
وقرأ قتيبة بن مِهران عن الكسائي بالإمالة بين بين.
وقال أبو علي الفارسي: لم يُمِل أحدٌ ألف (مالك) . وهو جائز في العربية لكنّه لا يُقرأ بكل ما يجوز إلا أن يأتيَ بذلك أَثُر.
ولم تصل هذه القراءة إلى أبي علي، فلذلك أنكر الإمالة.
وقُرىء (ملَّاك) بالألف وتشديد اللام.
فهذه سبع عشرة قراءة، كلّها راجعة إلى المُلْك بضمّ الميم، أو المِلك
بكسر الميم، وهي راجعة في أصل اللغة إلى المَلْك، الذي هو الشَّدّ
والربط، وهذا المعنى موجود في المُلك والمِلك.
ومن غريب ما في ذلك أن مادة " ك ل م " كيف ما تقلَّبت فهي
مستعملة في هذا المعنى، وهي ستَّ صُوَر: ملك، مكل، لمك، لكم.
كمل، كلم.
وزعم الفخر الرازي أن لمك منها مهمل، وليس كذلك، فقد
استعمله الشاعر فيما أنشده الفرّاء:
стр. 147
فلمّا رآني قَدْ حَمَمْتُ ارتحالَه. . . تَلَمَّكَ لو يُجدي عليه التَّلَمُّكُ
واعلم أن المشهور من هذه القراءات كلها (مَلِكِ) و (مالِكِ) بخفض
الكاف فيهما، وبهما قرأ السبعة، ومن الناس من جعلهما بمعنى واحد
كفَرِه وفاره، وحَذِر وحاذر، وفَكِه وفاكه، ومنهم من جعلهما مختلفين
في المعنى وهو ظاهر اللغة.
ومن جعلهما مختلفين: منهم من رجّح " مالكاً " بالألف، واستدل على
ذلك بوجوه:
الأول: أن " مالكاً " يضاف إلى ما لا يضاف " مَلِك "، فيقال: مالك الجنّ
والإنس والملائكة والطير، فيَعُمُّ العقلاءَ وغيرهم، ولا يحسن ذلك في
"ملك ".
الثاني: أنه لا يقال مالك شي إلأ لمن حصل له ذلك الشيءُ في ملكه.
واستولى عليه بالملكيّة والاستحقاق، و " مَلِك " قد يقال لمن ليس بمالك.
كقولهم؛ مَلِك العرب والعجم، مع أنّه ليس بمالك لهم.
стр. 148
الثالث: أنّ " مالكاً " أكثرُ حروفاَ، والزيادة في البنية لها تأثير في التعظيم.
الرابع: ما يترتّب عليه من زيادة أجر القارىء؛ إذ كل حرف بعشر
حسنات.
الخامس: كثرة من على " مالك " من القُرّاء.
السادس: أنّ المالك مُتَمَكِّن من بيعٍ وهبةٍ وغير ذلك، فهو متصرّف
كيف شاء، والمَلِك ليس له ذلك.
السابع: أنّ المالك لو انتُزِع مُلكُه بغَصْب لم يخرج عن ملكه، وهو
يستحقّه في الدُّنيا والآخرة.
الثامن: أنّ المملوك يعجزُ عن إزالة مُلك المالك.
التاسع: أن المملوكَ كثيرُ الرجاء فيما عند مالكه من الخير، وليس
الرّعِيّة فيما عند المَلك كذلك.
العاشر: أنّ المالك تجبُ خدمتُه على مملوكه بكلّ وجه وفي كلّ حال.
ولا تجب خدمةُ الملكِ على الرعيّة إلا في أمور مخصوصة.
الحادي عشر: أنّ المالك يطمعُ فيه مملوكه ولا يطمعُ هو فيه، والمَلِك
بالعكس.
الثاني عشر: أنّ المالك ذو رأفة ورحمة بملكه غير مُضَيّع له، والمَلك
ذو هيبة وقهر.
ومنهم من رجّح " مَلِكاً " واستدلّ على ذلك بأوجه:
الأول: أنّه يُشعر بكثرة ما في داخل تحت حكمه، والمالك ليس كذلك.
стр. 149
الثاني: أنّ الله مدح نفسَه بـ (مَالِكَ الْمُلْكِ)
ولم يقل مالك الدنيا، ولا غير ذلك ممّا هو داخل تحت ملكه، فهذا التخصيص دليل على عظمة المُلك، وأنه أشرف ما يُتَمَدَّح به.
الثالث: أنّ فيه توافق الابتداء والاختتام، فكما ختم بـ (مَلِكِ النَّاسِ)
ابتدأ بـ (مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ)
والمناسبة بين الابتداء والاختتام مطلوبة في فصيح الكلام.
الرابع: أنّ المالك داخل تحت حكم الملك ولا ينعكس.
الخامس: أنّه وصف نفسه تعالى بالمَلِك في مواضع من القرآن، فقال
تعالى: (اَلملِكِ القُدُّوس) ، (المَلكُ الحَقُّ) ، (لِّمَنِ اَلملكُ) ، إلى غير ذلك، وجاء ذلك في السنّة على لسان نبيّه ﷺ ، فقال ﷺ لسعد بن معاذ: (حكمْتَ بحُكم المَلِك
وأخبرَ ﷺ عن الله أنه يقول يوم القيامة: (أنا
المَلِك) وهذه المواطن مواطن تعظيم وتكريم.
فلو كان " مالك " أعظم من " مَلك " لعبّر به ها هنا.
السادس: عموم تصرّف المَلك فيمن دخل تحت مملكته، وليس
للمالك ذلك.
стр. 150
السابع: أنّ المَلِكَ لا يَفتقرُ إلى الإضافة والمالك مُفْتَقِرٌ إليها.
الثامن: أنّ المَلِكَ أعظمُ الناس وأشدّهم هيبةً، فكان أشرفَ من المالك.
فهذه حُجَجُ المُرَجِّحين بين (مالك) و (مَلِك) ، أكثرُها تلمّحات لا تقوم
بها حجّة عند تحقيق النظر، والذي تجنح إليه النفس أن (مَلِكاً) أعظم من
(مالك) والله أعلم.
стр. 151
حرف اللام
فمن ذلك قوله تعالى في سورة " العقود ": (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) .
قرئ بجرّ اللام من (أَرْجُلَكُمْ) ونصبها ورفعها.
فأما قراءة الجرّ فقرأ بها ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، وأبو بكر.
وأنس، وعكرمة، والشَّعبي، والبا قر، وقتادة، والضّحّاك.
ووجه هذه القراءة مبنيّ على اختلاف المذاهب في ذلك: فمن أوجب الغسل
في الأرجل وهو الصحيح وعليه جمهور الفقهاء، فللخفض على قولهم
تأويلات:
стр. 152
منهم من قال: خُفض على الجوار، وهو تأويل ضعيف؛ لأن الصحيح
من الخفض على الجوار مع قلّته ألاّ يكون إلاّ في النعت لا في العطف.
وقيل: هو مختصّ بالشعر.
ومنهم من قال: هو مخفوض بحرف جرّ، وحُذف حرف الجر مع الفعل
الذي يتعلّق به، التقدير: وافعلوا بأرجلكم الغسل.
ومنهم من قال: إنما خفضت الأرجل لأنها من بين الأعضاء المغسولة
مظنةً للإسراف المنهى عنه، فعطفت على العضو الممسوح لا لأن تمسح.
ولكن للتنبيه على وجوب الاقتصاد في صبّ الماء عليها، دليله قوله
تعالى: (إلى الكعببين) معناه: والمسح لا غاية له.
وبالجملة فهذه القراءة مشكلة على مذهب من يرى الغسل.
قلت: وأقرب التأويلات في ذلك تأويل ابن الحاجب، وهو أنه جعله من باب:
فعَلَفْتُها تِبناً وماءً بارداً
التقدير: وسَقَيْتُها، لأن الماء لا يُعلف، ثم حذف " سقيتها " لدلالة
"علفتها " عليه، لأنّ الأكلَ يستلزم الشرب، وعطف " ماء " على " تبن ".
وكذلك الآية، التقدير: وامسحوا برؤوسكم واغسلوا أرجلكم، فحذف
стр. 153
"واغسلوا " لقرب معناه من " امسحوا "، ثم جرّوا (أرجلكم) بالعطف على
(رؤوسكم) حملاً لأحد الفعلين على الآخر.
وهذا التأويل أليق وأقرب من التأويلات المتقدّمة، وأكثر في القرآن وكلام العرب، حتى قال بعضهم: هو مقيس لكثرته نظماً ونثراً، وإنما حملهم على تكلّف هذه التأويلات السنّةُ الواردة الصحيحة المقتضية للغسل الذي لا تحتمل تأويلاً.
ومن يرى المسح فهو معطوف على (رؤوسكم) ، وهو صحيح
الإعراب فاسد المعنى.
وأما قراءة النصب فقرأ بها نافع، وابن عامر، والكسائي، وحفص.
ووجهها أنه منصوب عطفاً على (أيديكم) ولا يضرّ الفصل بالجملة بين
المعطوف والمعطوف عليه.
قال أبو البقاء: هو جائز ولا خلاف فيه.
ولا يلتفت إلى قول ابن عصفور: وأقبح ما يكون ذلك بالجمل - يعني
الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه، لأن هذه الآية تردّ عليه. ولا يخلو
ابن عصفور أن مرّت هذه الآية بخاطره حين قال: " وأقبح من ذلك "، أو
لا.
فإنّ كانت مرَّت بخاطره فهو جارٍ على عادته من سوء أدبه مع كلام الله
تعالى وإطلاق لسانه في ذلك، وإن كانت لم تَرِد بخاطره فيشفع له جهلُه
بذلك.
стр. 154
ومَن عَطَفَ (وأرجلكم) على موضع (برؤوسكم) فلا يلتفت إليه لضعفه.
والفصل بين المعطوف والمعطوف عليه أولى من العطف على الموضع.
وأما قراءة الرفع فقرأ بها الحسن، ووجهها أنّه مبتدأ والخبر محذوف.
والتقدير: أرجلكم مغسولة إلى الكعبين. والله أعلم.
ومن ذلك قوله تعالى في سورة " الكهف ": (وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ)
قرئ بكسر اللام من (وقل) وفتحها وضمّها:
أما قراءة الكسر فقرأ بها السبعة، ووجهها أنه كسر لالتقاء الساكنين.
وهو الأصل.
وأما قراءة الفتح والضمّ فقرأ بهما أبو السمال، ووجههما أن الفتح
للخقة، والضمّ إتباعاً لحركة القاف. قال أبو حاتم في قراءة الفتح:
هي رديئة في العربية. يعني أنّ الأمرَ إذا وقع بعده ساكن فتحريكُ آخِرِه
بالفتح رديء..
ومن ذلك قوله تعالى في سورة " يس ": (تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ)
стр. 155
قرىء بنصب اللام من (تَنْزِيلَ) ورفعها وجرّها:
فأما قراءة النصب فقرأ بها ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وحفص.
وطلحة، والأشهب. وعيسى بخلاف عنهما، ووجهها أنه منصوب على
المصدر، أي: نزّل تنزيلا.
وأما قراءة الرفع فقرأ بها باقي السبعة، على خبر مبتدأ محذوف، أي:
هو تنزيل، والمصدر بمعنى المفعول: أي هو مُنَرلُ العزيز الرحيم.
وأما قراءة الجرّ فقرأ بها أبو حَيوة، واليزيدي، وشيبة، ووجهها الجر
على النعت لـ (القرآن) ، وقيل: بدل منه. وعلى الإعرابين فالمصدر
فيهما بمعنى المفعول كقراءة الرفع.
ومن ذلك قوله تعالى في سورة " غافر ": (إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١)
قرئ برفع اللام من (السَّلَاسِلُ) ونصبها وجرها:
فأما قراءة الرفع فقرأ بها السبعة مع بناء (يُسحَبون) للمفعول.
ووجهها أنه معطوف على (الأغلال) ، ويجوز أن تكون (السلاسل)
стр. 156
مبتدأ، وخبره (يُسْحَبون) والضمير محذوف أي يُسحبون بها.
ويجوز أن يكون (السَّلَاسِلُ) مبتدأ، والخبر محذوف أي: والسلاسل في أعناقهم، و (يُسْحَبون) مستأنف أو حال.
وأما قراءة النصب فقرأ بها ابن مسعود، وابن عبَّاس، وزيد بن علي.
وابن وثّاب مع بناء (يَسحبون) للفاعل، ووجهها أنّه منصوب على
المفعول، لـ (يسحبون) أي: ويسحبون السلاسل، وفيه عطف الجملة
الفعلية على الاسمية.
وأما قراءة الجرّ فقرأ بها ابن عبّاس وجماعة، وظاهرها مشكل.
وقال الفرّاء في تأويلها: " من جر (السَّلَاسِلُ) حملة على المعنى، لأن المعنى:
أعناقهم في الأغلال والسلاسل ". ونحا نحوَه الزمخشريُّ وابنُ عطيّة.
وأوَّل الزجّاجُ على حذف حرف الجرّ، التقدير عنده: وفي السلاسل
يُسحبون، وهذا تأويل ضعيف، ويقوّيه قراءة من قرأ: (وبالسلاسل
يُسحبون) بباء الجرّ.
стр. 157
قلت: ويمكن أن تخرّج هذه القراءة على وجه حسن سالم من حذف
حرف الجرّ ومن العطف على ما يصلح في الموضع: وهو أن يكون
(السَّلَاسِلُ) معطوفاً على (الأعناق) ، ويكون المعنى أنّ الأغلال في
أعناقهم، وهي أيضاً في السلاسل التي يقاد بها المغلول، إذ لو كان الغلّ
في العنوق وليس في سلسلة يحبس بها عن الفرار لكان أسهل على
المغلول، فأخبر الله تعالى أن الغلّ في شيئين: في العنوق، وفي السلسلة
التي يُسحب بها المغلول ويُمنع بها عن التصرّف، وذلك أعظم وأهول.
ومن ذلك قوله تعالى في سورة " الزخرف ": (وَقِيلِهِ يَا رَبِّ)
قُرىء بنصب اللام وجرّها ورفعها:
فأما قراءة النصب فقرأ بها السبعة إلاّ عاصماً وحمزة، ووجهها أنّه
مصدر، قال: وهو معطوف على (سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ) التقدير: يعلم
سرّهم ونجواهم وَقِيلِهِ، أي: وقيل رسول الله ﷺ . ومنهم من جعله مصدراً منصوباً بفعله، التقدير: قال قيله. ومنهم من جعله معطوفا على (الساعة) لأنها في محلّ نصب، نحو قولك: أعجبني ضربُ زيدٍ
وعمراً.
ومنهم من جعله معطوفاً على مفعول (يَكتبونَ) المحذوف.
التقدير: يكتبون أقوالهم وقيله.
ومنهم من جعله منصوباً بفعل مضمر،
стр. 158
التقدير: ويعلم قيله. ومنهم من جعله منصوباً بالعطف على مفعول
(يعلمون) التقدير عنده: وهم يعلمون الحقّ وقيله يا ربّ.
قال الشيخ أبو حيَّان: وهو قول لا يكاد يعقل.
وأما قراءة الجرّ فقرأ بها عاصم، وحمزة، والأعمش، ووجهها أنه
عطف على (الساعة) ومنهم من جعل الواو للقسم، والجواب محذوف.
التقدير: لتُنْصَرَنّ أو لأفعلَنّ بهم ما أشاء، ويكون الله قد أقسم بقول نبيّه
ﷺ تعظيماً له وتكريما.
وأما قراءة الرفع فقرأ بها الأعرج، وأبو قِلابة، ومجاهد، والحسن.
وقتادة، ومسلم بن جندب، ووجهها أنّه مبتدأ، وخبره (يا ربّ)
إلى؛ (. . . لا يُؤْمِنون) .
ومنهم من قال: الخبر محذوف، التقدير:
وقيلُه هذا القول، أي: (يا رب. . .) إلى (. . . لا يُؤْمِنون) هو مسموع.
فيكون على هذا قوله تعالى: (يا ربّ) . . . إلى (. . . لا يُؤْمِنون) في
موضع نصب بـ (قيله) .
ومنهم من قال: هو معطوف على (علم الساعة)
стр. 159
على حذف مضاف: أي وعلم قيله، حذف المضاف وأُقيم المضاف إليه
مقامه.
قلت: والزمخشري لم يَرْضَ شيئاً من هذه الإعرابات، وجعلَ (قيله) في
حالة النصب والجرّ والرفع قسماً؛ ففي الرفع جعله مبتدأ والخبر محذوف.
التقدير: وقيله قسمي.
وفي النصب جعله منصوباً على إسقاط حرف الجرّ
نحو: اللهَ لأفعلنّ، جرياً على مذهبه من أنّ إسقاط حرف القسم ونصب
المقسم به يكون في لفظ الجلالة وغيرها. وفي الجرّ جعله مجروراً
بحرف القسم المحذوف، وجواب القسم عنده: (إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ) .
وهذا الإعراب منه يقتضي أن يكون (هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ) من كلام الله
تعالى، لكونه جعله جواب القسم، والظاهر من سياق الآية أنّ قوله: (إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ) من كلام الرسول ﷺ ، معمول لقوله، والله أعلم.
стр. 160
حرف الميم
فمن ذلك قوله تعالى في سورة " الفاتحة ": (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
قرئ بجرّ الميم من (الرحيم) ونصبها ورفعها:
فأما قراءة الجرّ فقرأ بها السبعة، ووجهها أنه نعت للجلالة.
وأما قراءة النصب فقرأ بها أبو العالية، وابن السمَيفَع، وعيسى بن
عمر، ووجهها أنه منصوب على القطع، أي: أمدحُ الرحيم.
وأما قراءة الرفع فقرأ بها أبو رَزين العُقَيلي، والربيع بن خُثيم.
وأبو عمران الجَوني، ووجهها أنّه مرفوع على القطع، أي: هو الرحيم.
стр. 161
ومن ذلك قوله تعالى في سورة " البقرة ": (فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ)
قرئ بفتح الميم من (الْمَرْءِ) وتسكين الراء، والهمزة، وبضمّها وبكسرها:
أما قراءة الفتح فقرأ بها السبعة.
وأما قراءة الضمّ فقرأ بها ابن أبي إسحاق.
وأما قراءة الكسر فقرأ بها العُقَيلي. وكلّها لغات، أفصحها الفتح.
تتميم:
اتّفقوا على أن قوله تعالى: (فَيَتَعَلَّمُونَ) معطوف بالفاء، واختلفوا في
المعطوف عليه على ستّة أقوال:
الأول: أنه معطوف على ما دلّ عليه أوّل الكلام، التقدير: فيأتون
فيتعلّمون، قاله الفرّاء.
الثاني: أنه معطوف على (يُعَلِّمون) قاله الفرّاء أيضا.
стр. 162
الثالث: أنه معطوف على (كفروا) قاله سيبويه.
الرابع: أنه جملة اسمية، التقدير: فهم يتعلّمون، وهي معطوفة على ما
قبلها من الجمل، قاله سيبويه أيضا.
والضمير في (يتعلّمون) على هذه الأقوال عائد على (الناس) .
الخامس: أنه معطوف على (وَمَا يُعَلِّمَانِ) ، والضمير في قوله
(فَيَتَعَلَّمُونَ) راجع إلى (أحد) وجُمع حملاً على المعنى، كقوله تعالى:
(فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ) .
وهذا العطف - وإن كان على منفي - فهو موجب في المعنى؛ لأنّ معناه: يعلّمان كلّ أحد إذا قالا له إنما نحن فتنة.
وهذا القول نسبه الشيخ أبو حيَّان إلى الزجّاج.
وقال برهان الدين السَّفاقسيّ في جمعه إعراب أبي حيَّان:
ولمْ أرَ هذا للزجّاج في " معانيه ".
قلتُ: لا يلزم أن تكونَ أقوالُ الزجّاج كلّها موجودةً في " معانيه "، والزجّاج بحرُ علم زاخرٌ، " معانيه " قطرة من ذلك البحر.
السادس: أنه معطوف على (يُعَلِّمَانِ) مقدّراً لدلالة الكلام عليه، وهذا
القول للزجّاج أيضاً، وردّه أبو علي بأنّ (يُعَلِّمَانِ) موجود فلا حاجة إلى
تقديره.
стр. 163
واختلفوا في الضمير من قوله: (منهما) فقيل: يعود على (المَلَكين)
وهو الظاهر، وقيل: على (السِّحر) والذي أُنزل، وقيل على الفتنة والكفر
المفهوم من (فَلَا تَكْفُرْ) .
ومن ذلك قوله تعالى في سورة " آل عمران ": (وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢) .
قرئ بنصب الميم من (يَعْلَمَ) ورفعها وكسرها:
فأما قراءة النصب فقرأ بها السبعة، ووجهها أنه منصوب بإضمار " أن "
مع الواو، كقولك: لا تأكل السمك وتشربَ اللبن.
وأما قراءة الرفع فنُسبت إلى أبي عمرو، ووجهها أن الواو فيه واو
الحال، قاله الزمخشري، وهو محمول على إضمار المبتدأ، التقدير: وهو
يعلم، وإلا لزم دخول الواو الحالية على الفعل المضارع.
وأما قراءة الكسر فقرأ بها الحسن، ووجهها أنه معطوف على (ولَمّا
يعلم) ، وكسر لالتقاء الساكنين.
ومن ذلك قوله تعالى في سورة " النساء ": (وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ) . قرىء بنصب الميم وجرّها ورفعها:
стр. 164
أما قراءة النصب فقرأ بها السبعة إلا حمزة، ووجهها أنه معطوف
على لفظ الجلالة على حذف مضاف، التقدير: واتقوا الله وقطعَ الأرحام.
وعلى هذا الإعراب جاء تفسير ابن عبّاس، وقتادة، والسُّدّيّ، وغيرهم.
ويكون العطف من باب عطف الخاصّ على العامّ، لأنّ تقوى الله هو
اجتناب مخالفته في كل ما أمرَ به ونهى عنه، وقَطْعُ الأرحام بعضُ ما نهى
الله عنه. ومنهم من قال: إنّ نصبه بالعطف على موضع (به) كما تقول:
مررت بزيد وعمرا، ويؤيِّدُ هذا القول قراءةُ عبد الله: (تساءلون به
وبالأرحام) .
وأما قراءة الجرّ فقرأ بها حمزة، وابن عبّاس، والحسن، ومجاهد.
وقتادة، والنَّخَعي، ويحيى بن وثّاب، والأعمش، وأبو رَزين. ووجهها
أنه معطوف على الضمير المخفوض من غير إعادة الخافض. ويؤيّدُه قراءةُ
عبد الله (وبالأرحام) بإظهار الخافض.
والعطف على الضمير المخفوض من غير إعادة الخافض جائز
في السَّعَة نَظما ونَثراً عند المحققين، وبه قال أكابر الكوفيّين،
стр. 165
ويونس، وأبو الحسن الأخفش، وإليه ذهب شيخ نحاة الأندلس الأستاذ
أبو علي الشلوبين.
والدليل على جوازه القياسُ والسماع:
أما القياس فكما يجوز أن يؤكّد ويُبدّل منه بغير إعادة خافض فكذلك
يعطف عليه من غير إعادة خافض.
стр. 166
وأما السَّماع فقد ورد نَظماً ونَثراً:
أما النَثر فهذه القراءة وكفى بها دليلاً على ذلك، فإنّها قراءة متواترة.
قرأ بها حمزةُ من الأئمّة السبعة، وهو ثَبَت فيما نقل، لم يقرأ حرفاً من
كتاب الله تعالى إلاّ بأثر صحيح عن رسول الله ﷺ ، وقد قرأ بها من تَقَدَّمَ ذِكرُه من الصحابة والتابعين. فمن لَحَّنَ حمزةَ أو وهَّمَه فقد كذب، ويُخشى عليه أن يَؤول قولُه إلى الكفر.
ومما يدلّ على صحّة العطف على الضمير المخفوض من غير إعادة
الخافض أيضاً قوله تعالى: (وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ)
وهاتان الآيتان لو أُوِّلتا على غير العطف على الضمير المخفوض لخرَجَتا
عن أسلوب الفصاحة وحُسنِ التأليف، فيجب اطِّراح ما عدا ذلك من
التأويلات، كمن جعل الواو في (وَالأرحام) واو القسم وجرّ به (الأرحام) .
وكمن جرّ (والمسجد الحرام) بالعطف على (سبيل الله) إلى غير ذلك
من التأويلات.
ومن كلام العرب نثراً قوله: " ما فيها غيرُه وفرسِه " بالخفض في
" فرسه ":
وأما النظم فقد ورد من ذلك شيء كثير بحيث لا يعدّ ضرورة، واتّسعت
стр. 167
العربُ فيه، فتارة عطفت بالواو، كقوله - أنشدَه سيبويه:
فاليومَ قَرَّبْتَ تهجونا وتَشْتِمُنا. . . فاذهبْ، فما بك والأيامِ من عَجَبِ
فعطف " والأيام " بالواو على الكاف من " بك ".
ومنه قوله:
لو كان لي وزهير ثالثٌ وَرَدَت. . . من الحِمامِ عِدانا شرَّ مورود
فعطف " زهير " بالواو على الياء في " لي ".
ومنه قوله:
تُعَلَّقُ في مثلِ السواري سيوفُنا. . . فما بينَها والأرضِ غوطٌ نفانِفُ
стр. 168
فعطف " الأرض " بالواو على الضمير في " بينها ".
ومنه قوله:
هلأ سَأَلْتِ بذي الجَماجم عنهمُ. . . وأبي نُعيمٍ ذي اللِّواءِ المُحْرِقِ
فعطف " أبا نعيم " بالواو على الضمير في " عنهم ".
ومنه قوله:
إذا أوقدوا ناراً لحربِ عدوِّهم. . . فقد خابَ من يَصْلَى بها وسعيرِها
فعطف " سعيرها " بالواو على " بها ".
ومنه قوله:
وقد رامَ آفاقَ السماءِ فلم يَجِدْ. . . له مَصْعَداً فيها ولا الأرضِ مَقْعَدا
فعطف " الأرض" بالواو على " فيها ".
وتارة عطفت بـ (لا) نحو قوله:
بنا أبداَ لا غيرِنا يُدْرَكُ المُنى. . . وتكْشَفُ غَمّاءُ الخطوبِ الفوادحِ
стр. 169
فعطف " غيرنا " بـ (لا) على " بنا ".
وتارة عطفت بـ (بل) نحو قوله:
إذا بنا بل أنيسانِ اتّقَتْ فئهٌ. . . ظلَّتْ مُؤَمَّنةً ممّن يُعاديها
فعطف " أُنيساناً " بـ (بل) على " بنا ".
وتارة عطفت بـ (أم) نحو قوله:
أكِرُّ على الكتيبةِ لا أُبالي. . . أَحَتْفي كان فيها أم سواها
فعطف " سواها " بـ (أم) على " فيها ".
وتارة عطفت بـ (أو) نحو قوله:
آبَكَ أَيِّهْ بيَ أو مُصَدَّرِ. . . من حُمُر الجِلّة جَأْبٍ حَشْوَرِ
فعطف " مصد راً " بـ (أو) على " بي ".
стр. 170
وقد وقفتُ على ما ورد من ذلك نظماً ونثراَ ممّا يدل على كثرة العطف
على الضمير المخفوض من غير إعادة الخافض.
وإن كان بعض البصريين قد ذهبوا إلى منع ذلك، فليست القراءةُ متوقفةَ على مذهب البصريّين ولا الكوفيّين، بل إذا صحّت القراءةُ وتواترت فهي أكبرُ حجّةٍ على صحة الحكم، وكم من حكيم ثبتَ بقول الكوفيين لم يُثْبِتْه البصريون، وكم من حكيم ثبتَ بقول البصريّين لم يُثْبِتْه الكوفيّون، فلسنا مُلْتَزِمين قولَ أحدِ الطائفتين، بل أيُّهم أثبتَ حكماً بنقل صحيح عن العرب أخَذْنا به، لأنّ كلتا الطائفتين أثبات ثِقات فيما نقلوا، وقد ردَّت النحاةُ المعتزلةُ هذه القراءةَ جرياَ على عادتهم في ذلك، ولا يُلْتَفَتُ إليهم؛ لأنهم يصحَحون القراءة بنحوهم، والأمر بالعكس، وكان حقَّهم أن يُصَحِّحوا نحوَهم بالقراءة المتواترة.
وأعجبُ شيءٍ فيهم أنّهم إذا سمعوا بيتَ شعر لا يعرفون قائلَه قد خرجَ عن قواعد العربية التمسوا له أحسنَ المخارج، واعتذروا عنه بأشدّ العُذر.
وإذا رأَوا قراءةً منقولةً من طريق صحيح قد اعتنى بها الأئمّةُ.
إلاّ أنها قليلةُ النظير، رَمَوها عن قوس واحد، وطعنوا فيها، وكان حقَّهم أن
يقبلوها ويُبَينوا مخرجَها كما يصنعه أهلُ السُّنَّة من أهل الصَّنعة.
والعجبُ أيضاً من ابن عطيّةَ على طهارة لسانه وعُلُوِّ منصبه، كيف مال إلى ردّ هذه القراءة ولكن الجوادَ قد يكبو، والصارمَ قد ينبو، والله أسأل أن يَعْصِمَنا من الزَّلَل في القول والعمل.
وأما قراءة الرفع فقرأ بها عبد الله بن يزيد، ووجهها أنّه مبتدأ،
стр. 171
والخبر محذوف، قدّره ابن عطية من المعنى، أي: وأهل أن توصل.
وقدّره الزمخشري من اللفظ، أي: والأرحام ممّا يُتّقى.
ومن ذلك قوله تعالى في سورة " طه " (مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا)
قرئ بفتح الميم وضمّها وكسرها:
أما قراءة الفتح فقرأ بها نافع وعاصم من السبعة، وزيد بن علي.
وأبو جعفر، وشيبة، وابن سَعدان.
وأما قراءة الضم فقرأ بها حمزة والكسائي من السبعة، والحسن.
والأعمش، وطلحة، وابن أبي ليلى، وقَعْنَب.
وأما قراءة الكسر فقرأ بها ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر.
ووجهها كلُّها أنها لغات والمعنى واحد.
وفرّق أبو عليّ وغيره بين معانيها، ففال: أما الفتح فالمراد به المصدر
стр. 172
من مَلَكَ، والمعنى: ما فعلنا ذلك بأنّا مَلَكْنا الصوابَ ولا وُققنا له، بل
غَلَبَتْنا أنفسُنا.
وأما الضمّ فقال: معناه أنّه لم يكن لنا مُلأ فنُخلفَ موعدك
بسلطانه، إنما أخْلَفْناه بنظرٍ أدّى إليه ما فعلَ السامريّ، وليس المعنى أنّ
لهم ملكاً، وإنما هو من قبيل:
على لاحبٍ لا يُهتدى بمناره. . .
أي ليس له منار فيُهتدى به.
وأما الكسر فمعناه أنّه يأتي كثيراً فيما يحوزه اليد، ولكنه يستعمل في الأمور التي يبرمها الإنسان.
ومعنى الكسر كمعنى الفتح.
تتميم:
وحيث قلنا بأن معناها المصدر، فهو مضاف إلى الفاعل، والمفعول
مقدر، أي: بملكنا الصوابَ.
ومن ذلك قوله تعالى في سورة " والذاريات ": (وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ)
قرئ بجر الميم ونصبها ورفعها:
أما قراءة الجر فقرأ بها أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وهي قراءة
стр. 173
عبد الله، ووجهها أنه معطوف على (ثمود) ، التقدير: وفي ثمود وفي
قوم نوح.
وأما قراءة النصب فقرأ بها باقي السبعة، ووجهها أنه معطوف على
الضمير في (فأخَذْناه) أي: وأخذنا قوم نوح.
وقيل: على الضمير في (فنبَذْناهم) .
وقيل: منصوب بفعل مضمر، التقدير: وأهلكناهم.
وقيل: بـ " اذكر " مضمرة.
وأما قراءة الرفع فقرأ بها أبو السمّال، وابن مِقْسَم، ووجهها أنّه مرفوع
بالابتداء، والخبر محذوف، التقدير؛ وقوم نوح أهلكناهم.
ومن ذلك قوله تعالى في سورة " الرحمن ": (لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ)
قرئ بكسر الميم في الموضعين، وضمّها، وفتحها:
أما قراءة الكسر فيهما فقرأ بها السبعة، ووجهُها أنّه كَسَرَ لأن
стр. 174
الماضي مفتوح، نحو ضرب يضرب.
وأما قراءة الضمّ فيهما فقرأ بها طلحة، وعيسى، ووجهها أنّه جاء
بالضمّ لأنّ الماضيَ على " فَعَل " بالفتح، نحو خرَج يخرُج.
وأما قراءة الفتح فيهما فقرأ بها الجَحدري، ووجهها أنه جاء بالفتح
لأنّ الماضيَ منه على " فَعِل " بالكسر، نحو عَلِمَ يعلم.
وقرأ قوم بضمّ الأول وكسر الثاني، وقوم بالعكس، وخيَّرَ قوم.
تتميم:
طَمَثَ الرجلُ المرأةَ: افتضها، وطَمَثَتِ المرأةُ تطمُث بالضمّ: إذا
حاضت، ويقال فيه طَمِثت بالكسر.
فإن قلت: نفيُ وطئهنّ عن الإنس ظاهر، وأمّا عن الجنّ فكيف الأمر
في ذلك؟
فالجواب أن يقال: وذلك أن الجن قد يجامعُ نساءَ البَشر مع أزواجهنّ
إذا لم يذكر الزوجُ اسمَ الله، فنفى الله تعالى جميع المجامعين، قاله
مجاهد، والحسن. وقال ضَمرة بن حبيب: الجنّ في الجنة لهم
قاصرات الطرف مثلهن، فنفى الافتضاض عن الإنسيَّات والجّنيّات.
стр. 175
ومن ذلك قوله تعالى في سورة " المطفّفين ": (يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦) .
قرئ بنصب الميم من (يَوْمَ) ورفعه وجرّه:
أما قراءة النصب فقرأ بها السبعة، ووجهها أنه منصوب على الظرف.
والعامل فيه مقدّر، التقدير: يبعثون يوم يقوم الناس.
ويجوز أن يعمل فيه (مَبْعُوثُونَ) ، ويكون (لِيَوْمٍ) على حذف مضاف؛ أي لحساب يوم.
وقيل: هو بدل من (يوم عظيم) لكنه بُني لوقوع المضارع بعده، وفيه
خلاف.
وأما قراءة الرفع فقرأ بها زيد بن عليّ، ووجهها أنه مرفوع، خبر مبتدأ
محذوف، التقدير: ذلك يوم.
وأما قراءة الجر فقرأ بها، ووجهها أنه بدل من (ليوم عظيم)
ولم يكرّر الخافض.
стр. 176
حرف النُّون
فمن ذلك قوله تعالى في سورة " الفاتحة " (الرَّحْمَنِ) .
قرئ بخفض النون ورفعها ونصبها:
أما قراءة الخفض فقرأ بها السبعة، ووجهها أنّه مخفوض على النعت
للفظ الجلالة، وقد قيل: بدل، أو عطف بيان.
أما قراءة الرفع فقرأ بها أبو رَزين العُقيلي، والربيع بن خُثيم.
وأبو عمران الجَوني، ووجهها أنّه مرفوع على القطع، أي: هو الرحمن.
وأما قراءة النصب فقرأ بها أبو العالية، وابن السَّمَيْفَع، وعيسى بن
عمر، ووجهها أنّه منصوب على القطع، أي: أعني الرحمن.
وقد تقدّم الكلام في باب الباء في هذا بأبسط عند كلامنا على قوله عزّ
وجلّ (ربِّ العالمين) .
ومن ذلك قوله تعالى في سورة " النساء ": (وَيُونُسَ وَهَارُونَ) .
قرئ بضمّ النون من (يونس) وفتحها وكسرها:
أما قراءة الضمّ فقرأ بها السبعة، وهي لغة أهل الحجاز، يضمّون النون
ولا يهمزون.
стр. 177
وأما قراءة الفتح فقرأ بها النَخَعي، وابن وثّاب، هكذا ذكر الشيخ
أبو حيَّان في سورة " النساء " وذكر في سورة " الأنعام " زيادة على هذا
فقال: وبفتح النون - يعني في (يونس) قرأ الحسن، وطلحة، ويحيى -
يعني ابن وثاب، والأعمش، وعيسى بن عمر، في جميع القرآن، انتهى.
وفتح نون (يونس) لبعض بني عقيل.
وأما قراءة الكسر فقرأ بها نافع في رواية ابن جمَّاز عنه، وهي لغة
لبعض العرب.
ومن ذلك قوله تعالى في سورة " الأنعام ": (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ)
قرئ بنصب النون من (الْجِنَّ) ورفعها وجرّها:
أما قراءة النصب فقرأ بها السبعة، ووجهها أنه مفعول أوّل.
و (شركاء) المفعول الثاني، كذلك قال ابن عطيّة والزمخشري، وجوّزا
أيضاً فيه أن يكون بدلاً من (شركاء) ، و (شركاء) المفعول الأول.
و (لله) المفعول الثاني، وردّه الشيخ أبو حيَّان بأنّ البدل على، نيّة تكرار
стр. 178
العامل، أو على الطرح من المبدل منه، وكلاهما لا يصحّ؛
لو قلت: وجعلوا لله الجنّ، لم يصحّ، انتهى بالمعنى.
وأعرب الحَوْفي (شركاء) مفعولا أولَ، و (الجنَّ) مفعولاً ثانيا، وحكى الشيخ أبو حيَّان عن شيخه الأستاذ أبي جعفر بن الزبير أنّه انتصب (الجنَّ) عنده على أنّه مفعول بإضمار فعل، جواب سؤال مقدّر، كأته قيل: من جعلوا شركاء؛ قيل: الجنّ، أي: جعلوا الجنَّ.
وأما قراءة الرفع فقرأ بها أبو حَيْوَةَ، ووجهها أنّه مرفوع على خبر مبتدأ
محذوف، أي: هو الجنّ، جواباً لمن قال: من الذي جعلوه؛ قيل: هم
الجنّ، وهذه القراءة تؤيّد إعراب الأستاذ ابن الزبير.
وأما قراءة الجرّ فلم ينسبها الشيخ أبو حيَّان، ووجهها على ما قاله.
стр. 179
الزمخشري الجر على الإضافة التي للتبيين.
قال أبو حيَّان: ولا يتّضح معنى هذه القراءة، إذ التقدير: وجعلوا شركاء الجنّ لله، ولا يظهر.
تتميم:
(لله) يمكن أن يتعفق بـ (جعلوا) ، ويمكن أن يكون في موضع الحال
من (شركاء) ، ويمكن أن يتعلّق به، قاله أبو البقاء.
ومن ذلك قوله تعالى في سورة، " يس ": (يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) .
قرئ بنصب النون من (يس) ورفعها وجزها:
فأما قراءة النصب فقرأ بها ابن أبي إسحق، وعيسى، ووجهها أنه اسم
للسورة، فيكون مقسماً به، ونُصب على إسقاط حرف القسم، نحو: الله
لأفعلنّ، وقيل: منصوب بإضمار فعل، التقدير: اتل يس.
وإن لم يكن اسماً للسورة فهي حروف مقتطعة، والحركة فيها حركة بناء.
وأما قراءة الرفع فقرأ بها الكلبي، ووجهها أنّه اسم للسورة،
стр. 180
ويكون مقسماً به، ورفع بالابتداء، على طريقة: أمانة الله.
وقيل: هو منادى، أصله: يا إنسان، وقيل: هي لغة طيء، فيكون مبنيّاً على الضمّ.
وأما قراءة الجرّ فقرأ بها أبو السَّمّال، وابن أبي إسحق أيضاً، ووجهها
أن يكون قسماً كما تقدّم، وحُذف حرف القسم وبقي المقسم به مجروراً.
وإن قلنا: إنها حروف مقطعات فهو مبنيّ على الكسر.
وقرأ السبعة (يس) بإسكان النون مدغمة في الواو وغير مدغمة.
تتميم:
واختلفوا في معنى (يس) .
فقال ابن جبير: هو اسم من أسماء النبيِّ ﷺ
ودليله: (إِنَّكَ لَمِنَ اَلمرسَلِينَ)
قال السَّيِّد الحِميري:
يا نفسُ لا تَمْحَضي بالودّ جاهدةً. . . على المَوَدّةِ إلاّ آلَ ياسينا
يعني: آل النبى ﷺ .
وهذا القول ممّا تميل إليه النفس ويرتاح إليه
следующие страницы →