شرّاب ألبانٍ وتمرٍ وأَقِطْ
والتمر والأَقِط لا يُشربان، لكن حُكِم لهما بحُكْم اللبن لاجتماعهما في
التَغذية.
وأما قراءة النصب فقرأ بها زيد بن علي، وقرأ مع ذلك (ونُرسلُ
عليكما شُواظاً) بضم النون ونصب (شواظ) على المفعول به، فعلى هذا
يكون (ونحاسا) معطوفاً على (شواظ) .
تتميم:
وفيه قراءات غير ما ذكرنا:
قرأ الكَلْبيُّ، وطَلحةُ، ومجاهد (ونِحاسٍ) بكسر النون وخفض السين.
وقرأ ابن جُبير (ونَحْسٌ) بفتح النون وسكون الحاء ورفع السين.
وقرأ حَنْظلةْ كذلك، إلا أنه خفضَ السين.
стр. 107
وقرأ الحسن وإسماعيل (نُحُس) بضمّتين وخفض السين.
وقرأ عبد الرحمن بن أبي بَكِرة (ونَحسُّ) فعل مضارع، ماضيه حَسّ:
أي قتل.
وقرأ ابن أبي إسحق كذلك، وخيَّر في الحركات الثلاث في الحاء.
وقد تقدّم في باب الحاء.
واختلف في (شُواظ) : فقيل: هو لهب النّار. وقيل: اللَّهَب الأحمر.
وقيل: الدُّخان الذي يخرج من اللهب.
واختلف أيضاً فى (النحاس) : فقيل: الدخان. وقيل: الصُّفر
المعروف. والله أعلم.
стр. 108
حرف الشِّين
فمن ذلك قولُه تعالى أفي سورة " الواقعة ": (فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥) .
قُرىء بضمّ الشِّين وفتحها وكسرها:
فأمّا قراءة الضّمّ فقرأ بها نافع وعاصم وحمزة، ووجهُها أنّه مصدر.
وقيل: اسم لِما شُرِب.
وأمّا قراءة الفتح فقرأ بها باقي السبعة، والأعرج، وابن المُسَيَّب.
ومالك بن دِينار، وابن جُرَيج.
ووجهُها أنه مصدر.
وأما قراءة الكسر فقرأ بها مجاهد وأبو عثمان النَّهدي.
ووجهُها أنّه اسم لا مصدر، يراد به المشروب، مثل الطِّحن يُراد به المطحون.
стр. 109
حرف الشِّين
فمن ذلك قوله تعالى في سورة " النساء ": (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ)
قُرىء بفتح الصاد وكسرها
وضمّها حيث وقع، إلاّ قولَه تعالى: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ) ، فقد اتّفقَ السبعة على فتح الصاد منه.
فأمَّا قراءة الفتح فقرأ بها السبعةُ إلاّ الكسائي، ووجهُها أنّه اسم
مفعول، المعنى: أنّ الله أحصنَهنّ بالأزواج أو بالإسلام. ويمكن أن
يكون اسم فاعل على ما نقلَه ثعلبٌ عن ابن الأعرابيّ: من أنّ أحْصَنَ يكون
اسمُ الفاعل منه " مُفْعَلاً " بفتح العين، وهو شاذٌّ.
وأمّا قراءة الكسر فقرأ بها الكسائيّ، ووجهُها أئه اسم فاعل، والمعنى
أنّهنّ أحْصَنَّ فُروجَهنَّ.
وأما قراءة الضمّ فقرأ بها يزيد بن قُطيب، ووجهها أنَّ ضمَّ الصاد
стр. 110
إتباع لضمِّ الميم.
تتميم:
فإن قلتَ: لأيّ شيءٍ اتّفق السبعةُ على الفتح من قوله تعالى: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ) ؟
قيل في الجواب: إنّ المراد بهنّ ذوات الأزواج، فأزواجهنّ أحصنوهنّ.
فهنّ مفعولات لا غير.
ومن ذلك قوله تعالى في سورة " الرعد ": (صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ)
قرئ بكسر الصاد فيهما وضمّهما وفتحهما:
فأما قراءة الكسر فقرأ بها السبعة، ووجهها أنه جَمع وواحده صِنو.
كقِنو وقِنوان، وهي لغة أهل الحجاز.
وأما قراءة الضمّ فقرأ بها ابن مُصَرِّف، والسُّلَمي، وزيد بن عليّ رضي
الله عنهما، ووجهها أنه أيضاً جمع صِنو، كذِئب وذُؤبان، وهي لغة تميم
وقيس.
وأما قراءة الفتح فقرأ بها الحسن وقتادة، ووجهها أنه اسم جمع، نحو
стр. 111
السَّعدان لنبت، لأنّه ليس من أبنية الجموع.
تتميم:
الصِّنو في اللغة: الفَرع يَجْمَعُه وآخرَ أصلٌ واحد، وأصلُه المِثل، ومنه
قيل للعمِّ: صنو. وتثنيته صِنوان، وجمعه صِنوان.
والفرق بينهما أنّ النون في التثنية مكسورة، وأن النون في الجمع يجري عليها الإعراب، وأنّ الألف في التثنية علامة إعراب وتقلب ياء في النصب والجرّ، والألف في الجمع ثابتة على حالها ولا تدلّ على إعراب.
ونظير صنو وصنوان قنو وقنوان، ولا ثالث لهما.
واعلم أنّ هذه الآيةَ الكريمةَ مُنَبِّهة على قُدرته وتدبيره، فإن
هذه المخلوقاتِ لا بُد لها من صانعٍ مُدَبرٍ قديير على ما يشاء، حكيمٍ في
تدبيره.
وانظر إلى الشجر تخرجُ أغصانُها وثمراتُها في وقت معلوم لا تتأخّر عنه
ولا تتقدّم، ثم يتصعّد الماء في ذلك الوقت عُلُوّاً، وليس من
طبعه إلا التَّسَفُّل، ثم يتفرَّقُ ذلك الماءُ في الورق والأغصان والثمر، كل
بقسطه وبقدر ما فيه صلاحُه، ثم تختلفُ طعومُ الثمار والماءُ واحد
стр. 112
والشجرُ جنس واحد، وكلُّ ذلك دليل على مُدَبَر دَبَّرَه وأحكمَه، لا يُشْبِهُ
المخلوقات.
وقد نظم بعضُهم في هذا المعنى فقال في كتابه " الصادح والباغم ":
والأرضُ فيهاعِبر للمُعْتَبِرْ. . . تُخْبِرُ عن صُنعِ مليكٍ مُقتدرْ
تُسقَى بماءٍ واحدٍ أشجارُها. . . وبقعةٌ واحد قَرارُها
والشمسُ والهواء ليس يَخْتَلِفْ. . . وأُكْلُها مُخْتَلِف لا يَأتَلِفْ
لو أَنَّ ذا من عمل الطبائعِ. . . أو أنّه صَنعةُ غيرِ صانعِ
لم يختلفْ وكان شيئاً واحداً. . . هل يُشبهُ الأولادُ إلا الوالدا
الشمسُ والهواءُ يا معاندُ. . . والماءُ والتُّرابُ شيء واحدُ
فما الذي أوجبَ ذا التَّفاضُلا. . . إلا حكيم لم يُرِدهُ باطِلا
سبحانَه من مُحْكمٍ قديرِ. . . حي عليمٍ مُبْدعٍ بصيرِ
стр. 113
ومن ذلك قوله تعالى في هذه السورة الرعد،: (وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ) .
قُرىء بفتح الصاد وضمّها وكسرها:
فأما قراءة الفتح فقرأ بها السبعة إلاّ الكوفيّين، ووجهها ظاهر.
ويحتمل (صدّوا) أن يكون متعدّياً فيكون المفعول محذوفاً، التقدير:
صدُّوا أنفسهم أو غيرهم.
ويحتمل أن يكون لازماً فلا يكون هنا مفعول محذوف.
وأما قراءة الضمّ فقرأ بها الكوفيّون، ووجهها أن (صُدُّوا) مبني
للمفعول، وهو متعدّ.
وأما قراءة الكسر فقرأ بها ابن وثّاب، ووجهها أن أصله (صُدِدوا) بضمّ
الصاد وكسر الدال، ثمِ كسرت الصاد إتباعا للدال، ثم أدغموا فقالوا
(صِدُّوا) وهي لغة بني ضبّة. ومثله قراءة ابن وثّاب أيضا: (هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا) بكسر الراء.
стр. 114
تتميم:
وقرأ ابن أبي إسحق (وصَدٌ) بفتح الصاد وتنوين الدال، ووجهها أن
يكون معطوفاً على (مَكْرُهم) .
ومن ذلك قوله تعالى في سورة " القَصَص ": (فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١١) .
قرئ بضمّ الصاد وفتحها وكسرها:
فأما قراءة الضمّ فقرأ بها السبعة، ووجهها أنه جاء على " فعُل " بضمّ
العين نحو: ظرُف وشرُف، والمضارع منه " يفعُل " بضمّ العين.
وأما قراءة الفتح فقرأ بها قتادة، ووجهها أنه جاء على " فعَل " بفتح
العين نحو ضرَب، ومضارعه يمكن أن يكون بالضمّ أو بالكسر.
وأما قراءة الكسر فقرأ بها عيسى، ووجهها أنه على " فعِل " بكسر العين
نحو علِم، ومضارعه " يفعَل " بالفتح.
تتميم:
يقال: بصُر بالشيء بَصارة: إذا علمه، قال تعالى: (بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ) .
والبصير: العالم.
و (عَنْ جُنُبٍ) قيل: معناه عن بعد، وكذا قيل في قوله تعالى:
стр. 115
(وَالْجَارِ الْجُنُبِ) .
قال الشاعر:
فلا تَحْرِمَتي نائلاً عن جَنابةٍ. . .
أي: عن بعد.
ومن ذلك قوله تعالى في سورة " غافر ": (وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ) .
قرئ بفتح الصاد وضمّها وكسرها:
فأما قراءة الفتح فقرأ بها السبعة إلا الكوفيّين، ووجهها أنّه مبني
للفاعل، والفاعل (فرعون) أي: وصدّ فرعون عن السبيل، و (صدّ) غير
متعدّ، ويمكن أن يكون متعدياً والمفعول محذوف، والتقدير: وصدّ
فرعونُ قومَه؛ لأن الصدّ يتعدّى ولا يتعدّى.
وأما قراءة الضمّ فقرأ بها الكوفيّون، ووجهها أنّه مبنى للمفعول.
والمُقام ضمير عائد على فرعون الذي كان فاعلاً في القراءة الأولى، وكان
التقدير: صدّ اللهُ فرعونَ عن السبيل، فلما بُني للمفعول حُذف الفاعل
стр. 116
وأقيم ضمير فرعون مقام الفاعل.
وأما قراءة الكسر فقرأ بها ابن وثّاب، ووجهها ما تقدّم في قوله تعالى:
(وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ) ، من إتباع حركة الصاد لحركة الدال المقدَّرة.
تتميم:
وقرأ أيضاً هنا ابن أبي إسحق، وعبد الرحمن بن أبي بَكرة: (وصَدٌّ)
بفتح الصاد ورفع الدال والتنوين، ووجهها أن يكون معطوفاً على (سوء
عمله) والله أعلم.
стр. 117
حرف الضَّاد
فمن ذلك قوله تعالى في سورة " يوسف " ﵇:
(وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (١٠٥) .
قرئ بجرّ الضاد من (الْأَرْضِ) ورفعها ونصبها:
فأما قراءة الجرّ فقرأ بها السبعة، ووجهها أنّه معطوف على (السموات)
والتقدير: وكأيّن من آية في الأرض.
والضمير في (عليها) و (عنها) على
هذه القراءة عائدان على (آية) أي: يمرّون على تلك الآيات ويشاهدون
تلك الدّلالات ومع ذلك لا يعتبرون.
وقيل: يعود الضمير على (الأرض)
و (يمرّون) حال منها.
وأما قراءة الرفع فقرأ بها عكرمة، وعمرو بن فائد، ووجهها أنّه مبتدأ.
وخبره (يمرّون) ، والمعنى: يمرّون عليها فيشاهدون ما فيها من الآيات.
والضمير في (عليها) و (عنها) يعود على (الأرض) .
وأما قراءة النصب فقرأ بها السُّديّ، ووجهها أنّه منصوب بفعل مضمر
من باب الاشتغال، التقدير: يطئون الأرض.
وإنّما قدّرنا يطئون الأرض لأن (يمرّون) يتعدّى بحرف الجرّ، فقدّرنا فعلاً من معناه يصل بنفسه، ومثله قوله تعالى: (وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ) ، أي: ويعذّب الظالمين
стр. 118
أعدّ لهم، ونحوه قولُك: زيدا مررت به، التقدير: لقيت زيداً مررت به.
ولم أجِدْ في الطَّاء والظَّاء شيئاً .
стр. 119
حرف العين
فمن ذلك قولُه تعالى في سورة " البقرة ": (كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (١١٦) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) .
قرئ (بَدِيعُ) برفع العين ونصبها وجرّها:
فأمَّا قراءة الزَفع فقرأ بها السبعة، ووجهُها أنّه مرفوع على أنّه خبرُ مبتدأ
محذوف، والتقدير: هو بديع.
وأما قراءة النصب فلم يَنْسِبْها الشيخ أثير الدّين، وإنّما قال: وقرئ شاذّاً بالنّصب. ووجهُها أنّه منصوب على المدح، التقدير: أمدحُ بديعَ
السموات.
وأمّا قراءة الجر فلم ينسبها أيضاً، ووجهُها أنّه مجرور على البدل من
قوله تعالى: (لَهُ) .
تتميم:
(كُلٌّ) في الآية مبتدأ محذوفة المضاف، واختُلِفَ في تقديره: فمنهم
من قَدرَه: كل مَن في السموات والأرض، وهو الصحيح عندهم.
وقدَّره
стр. 120
الزمخشري: كلّ من جعلوا له ولدا.
واستبعدوه من وجهين:
أحدهما أنّ المجعولَ ولداً لم يَجْرِ ذِكرُه. وفيه نظر.
الثاني: أن الخبر وهو (قانتون) يشترك فيه المجعول وغيره.
وقوله تعالى: (قانتون) هو الخبر، وجُمعَ حملاً على المعنى؛ لأنّ
"كلاّ " لفظها مفرد ومعناها جمع، وإذا حُذِف ما يُضاف إليه جاز مراعاة
معناها نحو هذه الآية، وكقوله تعالى: (وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ)
(وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ) ، (كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ.
والحمل على المعنى هو الكثير، ويجوز مراعاة اللفظ كقوله تعالى:
(قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ) .
وقوله تعالى: (بَدِيعُ) هو صفة مُشَبّهة باسم الفاعل، التقدير: مُبدع.
و (السموات) مشبّهة بالمفعول.
والأصل: بديعٌ سماواتُه، برفع السموات على الفاعلية، نحو حَسَنٌ وجهه، ثم نقلوا الضمير من
стр. 121
(السموات) إلى (بديع) فصار فاعلا، وانتصب (السموات) على التشبيه
بالمفعول به، ثم بعد النصب جرّوها بالإضافة، فجرّها الآن من نصب.
ونصبها من رفع.
ومن ذلك قوله تعالى في سورة " الأنعام ": (عَمَّا يَصِفُونَ (١٠٠) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)
قرئ (بديع) برفع العين ونصبها وجرّها:
فأما قراءة الرفع فقرأ بها السبعة، ووجهها أنه خبر مبتدأ محذوف، أي:
هو بديع، وقيل: مبتدأ، و (أَنىَّ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ) . خبره، وجوّز أبو البقاء أن
يكون فاعل (تعالى) .
وأما قراءة النصب فقرئت في الشاذِّ، ولم ينسبها أبو حيَّان، ووجهها
النصب على المدح.
وأما قراءة الجرّ فقرأ بها المنصور، ووجهها أنّه عطف بيان (لله) من
قوله تعالى: (وجعلوا للهِ) .
стр. 122
ومن ذلك قوله تعالى في سورة " الأنفال ": (إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى)
قرئ بكسر العين من (الْعُدْوَةِ) وضمّها وفتحها:
فأما قراءة الكسر فقرأ بها ابن كثير، وأبو عمرو.
وأما قراءة الضمّ فقرأ بها باقي السبعة.
وأما قراءة الفتح فقرأ بها زيد بن عليّ ﵄، وذلك كلّه
لغات.
ويحتمل في قراءة الفتح أن يكون الأصل مصدراً ثم سمّي به.
ومن ذلك قوله تعالى في سورة " يونس " ﵇: (إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) .
قرئ برفع العين من (مَتَاعَ) ونصبها وجرّها:
أما قراءة الرفع فقرأ بها السبعة، ووجهها الرفع على خبر مبتدأ
стр. 123
محذوف، أي: هذا متاع، و (بغيكم) على هذا مبتدأ، و (على أنفسكم)
الخبر، ويمكن أن يكون (متاع) خبراً عن (بغيكم) ، و (على أنفسكم)
يتعلق بـ (بغيكم) .
وأما قراءة النصب فقرأ بها زيد بن علي ﵄، وهارون عن
ابن كثير، ووجهها النصب على المصدرية.
وقيل: مصدر في موضع الحال: أي متمتعين.
وقيل: ظرف، من باب: مَقْدَم الحاجّ، أي: وقت متاع، و (على أنفسكم) ، على هذا خبر لـ (بغيكم) . وإذا كان (متاعَ) منصوباً على الحال أو الظَّرف، فالعامل فيه اسم الفاعل الذي يتعلّقُ به
(على أنفسكم) ولا يعمل فيه (بغيكم) لأنه مصدر، ويلزم منه الفصل
بين المصدر ومعموله بالخبر وهو (على أنفسكم) .
وقيل: انتصب (متاع) على أنّه مفعول بـ (بغيكم) والخبر محذوف، التقدير: طلبكم متاع الحياة الدنيا ضلال.
وأما قراءة الجرّ فنقلها أبو البقاء ولم ينسبها، ووجهها الجر على النعت
للأنفس، والتقدير: ذوات متاع، ويجوز أن يكون المصدر يراد به اسم
الفاعل، أي: متمتعات الدنيا.
стр. 124
حرف الغين
فمن ذلك قوله تعالى في سورة " براءة ": (وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً) .
قرئ بكسر الغين وفتحها وضمها:
أما قراءة الكسر فقرأ بها السبعة.
أما الفتح فقرأ به الأعمش، وأبان والمفضل كلاهما عن عاصم.
وأما قراءة الضمّ فقرأ بها أبو حَيوة، والسُّلَمي، وابن أبي عَبلة.
والمفضّل، وأبان أيضاً.
وهي كلها لغاتٌ، عن أبي عمرو: فالكسر لغة أسد، والفتح لغة الحجاز، والضم لغة تميم.
ومن ذلك توله تعالى في سورة " سبأ ": (عَلَّامُ الْغُيُوبِ (٤٨) .
قرئ بضمّ الغين وكسرها وفتحها:
стр. 125
وأمّا قراءة الضمّ فقرأ بها السبعة إلا حمزة وأبا بكر عن عاصم.
ووجهُها أنه جمعٌ واحدُه غَيب، مثل بَيت وبُيوت.
وأمّا قراءة الكسر فقرأ بها حمزة وأبو بكر، ووجهُها أنّه لمّا اجتمع
ضمّتان وياء وواو استثقلوا ذلك، فحولوا ضمّة الغين كسرةً للتناسب مع
الياء بعدها، ونظيره شِيوخ وبِيوت وجِيوب وعِيون، بكسر الشين والباء
والجيم والعين.
وأمّا قراءة الفتح فوجهُها أنه جاء على وزن " فَعول " للمبالغة كالصَّبور
والشّكور، وهو الشي الذي غاب وخَفِيَ جدّا.
ومن ذلك قولُه تعالى في سورة " الشريعة ": (وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً) .
قُرىء بكسر الغين وفتحها وضمّها.
أمّا قراءة الكسر فقرأ بها السبعة إلأ حمزةَ والكسائيَّ، وهي أفصحُ من
غيرها، لأنها جاءت على وِزان الأشياء التي أبداً هي مشتملة، كالعِمامة
والعِصابة وأمثالهما.
стр. 126
وأمّا قراءة الفتح فقرأ بها عبد الله، والأعمش، وهي لغة رَبيعة.
وأمّا قراءة الضمّ فقرأ بها الحسن، وعِكرمة، وعبد الله، وهي لغةٌ عُكْليّة.
تتميم:
وفيها أيضاً قراءتان: قرأ حمزة، والكسائي، والأعمش، وطلحة.
وأبو حنيفة، ومسعود بن صالح: (غَشْوة) بفتح الغين وسكون الشين.
وقرأ ابن مُصَرِّف والأعمش كذلك، إلا أنّهما كسرا الغين.
واعلم أن الغشاوة في اللغة الغطاء، يقال: غشاه: إذا غطّاه، وصحّحوا
الواو لأنّها تحصّنت بالتاء فلم تقع طرفا، ومثله الشّقاوة.
والواو من (الغشاوة) بدل من ياء، دليله: الغَشَيان.
قال أبو عليّ الفارسيّ: لم أسمع من الغشاوة فعلا متصرّفا بالواو، جعله من الياء، ونظَّرَه بالجِباوة.
قال: هو من جَبَيْتُ، فالواو عنده بدل من الياء.
стр. 127
قلت: وفي تنظير أبي عليّ نظر؛ لأنّه يُقال: جَبَيْتُ وجَبَوْتُ، فإذاً
الجباوة من جَبَوْتَ لا من جَبَيْت.
ومن ذلك قوله تعالى في سورة " الأحقاف " (لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ) .
قرئ برفع الغين من (بَلاعٌ) ونصبه وجره:
فأمّا قراءة الرفع فقرأ بها السبعة، وجهها أنه خبر مبتدأ محذوف.
تقديره: تلك الساعةُ بلاغُهم، كما قال تعالى: (مَتَاعٌ قَلِيلٌ)
، وهو راجع إلى المُدّة التي لَبِثوا فيها، ويحتمل أن يكون (بَلاعٌ) خبر مبتدأ محذوف، والمراد به القرآن والشّرع، أي: هذا بلاغ، أي تبليغ وإنذار.
وقال أبو مِجْلَز: (بَلاعٌ) مبتدأ، وخبره (لهم) المتقدّم في (ولا تَسْتَعْجل لهم) وكان يقف على (ولا تَسْتَعْجِل) ويبتدىء (لهم) وفيه من
التكَلُّفَ وإخراج الكلام عن أسلوبه ما يُغني عن رَدِّه.
وأما قراءة النّصب فقرأ بها الحسن، وزيد بن علي، وعيسى، ووجهُها
стр. 128
أنّه منصوب على المصدر، أي: بلِّغ بلاغا.
وأمّا قراءة الجرّ فقرأ بها الحسن أيضاً، ووجهُها أنّه نعت لـ (نهار) أي:
نهار ذي بلاغ.
تتميم:
وفيه ما تقدّم قراءتان:
قرأ أبو مِجْلَز، وأبو سراج الهُذَلي (بَلِّغ) ، على الأمر للنبيِّ ﷺ .
وقرأ أيضاً أبو مِجْلَز (بَلَغَ) فعلا ماضيا.
стр. 129
حرف الفاء
فمن ذلك قوله تعالى في سورة " الإسراء ": (فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ)
قرئ بضمّ الفاء وفتحها وكسرها مع التشديد والتنوين، وقرىء
أيضاً بالحركات الثلاث مع التشديد وبلا تنوين.
فأما قراءة الضمّ والتنوين فقرأ بها هارون، ووجهها أنه مبنيّ.
قال ابن أبي الربيع: لتضمّنه معنى المبنيّ وهو الماضي، وقيل: بالحمل
على غيره من أسماء الأفعال.
وبني على الضمّ إتباعا لحركة الهمزة، وإذا كانوا قد قالوا: مِنْتِن بكسر الميم إتباعا لكسرة التاء مع كون الحاجز ظاهراً، فهنا أولى لكون الحاجز مدغماً، ونوّن دلالةً على التنكير، أي: تضجّراً أيّ تضجّر كان.
وأما قراءة الفتح والتنوين فقرأ بها زيد بن عليّ، ووجهها البناء على
الفتح تخفيفاً، نحو كيف، والتنوين للتنكير كما تقدّم.
стр. 130
وأما قراءة الكسر والتنوين فقرأ بها نافع، وحفص، وأبو جعفر.
وشيبة، وعيسى، ووجهها البناء على الكسر على التقاء الساكنين، والتنوين
كما تقدم.
وأما قراءة الضمّ من غير تنوين فقرأ بها أبو السَّمّال، ووجهها ما تقدّم
من الضمّ إتباعاً، وإنما لم ينوّن لأن القصد التعريف، أي التضجّر
المعهود.
وأما قراءة الفتح من غير تنوين فقرأ بها ابن كثير، وابن عامر، ووجهها
ما تقدّم من البناء على الفتح، وعدم التنوين للتعريف.
وأما قراءة الكسر من غير تنوين فقرأ بها أبو عمرو، وحمزة.
والكسائي، وأبو بكر، ووجهها ما تقدَّم من البناء على الكسر على أصل
التقاء الساكنين، وعدم التنوين للتعريف أيضاً.
تتميم:
وهذه الكلمة قد اتّسعت فيها العرب لدورها على ألسنتهم، وتصرفت
فيها حتى بلغت لغاتُها أربعين لغة، وها أنا أذكرها مضبوطة:
فمنها مع ضمّ الهمزة اثنتان وعشرون لغة: أُفُ، أُفَ، أُفِ.
بالحركات الثلاث مع التخفيف من غير تنوين. ثم أُفٌّ، أُفاً، أُفٍ.
بالثلاث مع التخفيف والتنوين. ثم أُفُّ، أُفَّ، أُفِّ، بالثلاث مع
التشديد من غير تنوين. ثم أُفُّه، أُفَّه، أُفِّه، بالثلاث مع التشديد وهاء
السكت. ثم أُفٌّ، أُفًّا، أُفٍّ بالثلاث مع التشديد والتنوين. أُفْ بالسكون
стр. 131
والتخفيف. أفّ بالسكون مع التشديد. أُفَّى بتشديد الفاء وبعدها ألف
من غير إمالة، وبالإمالة المحضة، وبالإمالة بين بين. ثم أُفَّي، أُفَّو بالياء
والواو ساكنين وفتح الفاء والتشديد فيهما، فهذه اثنتان وعشرون لغة مع
ضمّ الهمزة.
ومنها مع كسر الهمزة إحدى عشرة لغة: إفٌّ، إفّا، إفٍّ بالثلاث مع
التشديد والتنوين، ثم بالضمّ والتشديد من غير تنوين، ثم إفِ بالكسر
والتخفيف من غير تنوين، ثم إف كذلك مع التنوين، ثم إفْ بالتسكين
والتخفيف، ثم إف بالتسكين والتشديد، ثم إفَى بألف مع تشديد الفاء، ثم
إفَي بكسر الفاء وتشديدها وياء ساكنة بعدها، ثم إفَي بفتح الفاء والتشديد
وبعدها ياء ساكنة. فهذه إحدى عشرة لغة مع كسر الهمزة.
ومنها مع فتح الهمزة ست لغات: أفِّ بكسر الفاء وتشديدها من غير
تنوين، ثم آفِّ كذلك إلاّ أنها ممدودة الهمزة، ثم إفِّ بكسر الفاء وتشديدها
مع التنوين، ثم آفِّ كذلك إلاّ أنها ممدودة الهمزة، ثم أَفْ بسكون الفاء
وتخفيفها، ثم أفَي بكسر الفاء وتشديدها وبعدها ياء ساكنة، فهذه ستُّ
لغات تمام تسع وثلاثين لغة نقلها الشيخ أبو حيَّان عن " الزناتي " قال:
ذكرها في كتابه المسمّى " بالحلل ". وذكر ابن عطيّة أُفّاه بضمّ الهمزة
стр. 132
وتشديد الفاء وبعد الألف هاء السكت، وهي تمام الأربعين.
ويقال: أفّف الرجل: إذا قال: أفّ.
وقد يستعمل مضه مصدر منوّن فيقال: أُفّاً له، كما تقول: سَقياً له، ويقال: أفّاً تُفًّا على الإتباع، كحسن بَسَن، وقد تَخْرُجُ عن هذا الباب فتستعمل بمعنى الحين، يقال: جاء هذا الأمر على إفّه وإفّانه بكسر الهمزة فيهما: أي حينه.
ومن ذلك قوله تعالى في سورة " ق ": (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) .
قرئ بضمّ الفاء (١) وفتحها وكسرها:
فأما قراءة الضمّ فقرأ بها هارون، وابن السَّمَيفع، والحسن - فيما نَقَلَ
عنه ابنُ خالويه - ووجهها أنه مبنيّ على الضمّ - كحيث.
وأما قراءة الفتح فقرأ بها عيسى، ووجهها أن الفتح أخفّ الحركات.
وأما قراءة الكسر فقرأ بها الحسن، وابن أبي إسحق، وأبو السَّمّال.
ووجهها البناء على أصل التقاء الساكنين.
وقد مرّ لنا الكلام على قوله أتعالى،: (ص) هل هو معرب أو مبنيّ.
стр. 133
وتكلّمنا على ذلك، فلينظر هناك، فحكم (ق) حكمه.
تتميم:
قرأ السبعة (ق) بسكون الفاء، ووجهها أنّه حرف هجاء موقوف عليه.
لم يحكم بإعرابه ولا بنائه.
وقد اختلف المفسرون في مدلول قوله تعالى: (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١)
اختلافاً متبايناً:
فمنهم من قال: هو جبل من زُمُرُّدةٍ خضراء، يحيط بالسموات والأرض.
ومنهم من قال: هو اسم للسورة.
ومنهم من قال: هو مقتطع من أسماء الله تعالى التي أوّلها " ق " كالقادر
والقاهر، إلى غير ذلك من الأقوال.
قال الشيخ أبو حيَّان: وقد اختلف المفسرون في مدلوله على أحد عشر
قولاً متعارضة، لا دليل على صحة شيء منها، والله أعلم.
واختلفوا في جواب القسم:
فمنهم من قال: هو محذوف.
ومنهم من قال: هو مذكور.
стр. 134
والذين قالوا بحذفه اختلفوا في تقديره: فقيل: تقديره: إنّك جئتَهم
مُنذراً بالبعث ولم يقبلوا، بل عجبوا، وهذا أنسب لدلالة ما بعده عليه.
وقيل: التقدير: ما ردّوا أمرك بحجّة، وقيل: التقدير لَتُبْعَثُنّ.
والذين قالوا إنه مذكور اختلفوا: فقيل: (قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ) .
وقيل: (مَا يَلْفِظُ) ، وقيل: (بَلْ عَجِبُوا) على معنى: لقد عجبوا.
وقيل: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى)
وقيل: (مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ) . والله أعلم.
стр. 135
حرف القاف
فمن ذلك قوله تعالى في سورة " الأنعام ": (وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ) .
قرئ بكسر القاف من (قِنْوَانٌ) وضمّها وفتحها:
فأما قراءة الكسر فقرأ بها السبعة، وهي لغة أهل الحجاز، وهو جمعُ
كثرة، ومفرده قِنْو، وجمع القِلّة أقناء، كعِدل وأعدال.
قال:
طويلة الأقناء والأثاكل
وأما قراءة الضمّ فقرأ بها الأعمش، والخَفّاف عن أبي عمرو، وهي
لغة قيس، ونقل ابن عطية عن الفرّاء أنها لغة قيمس والحجاز، ووجهها أنه
جمع قُنو بالضمّ، ويمكن أن يكونَ واحدُه قِنوا بكسر القاف نحو ذِئب
وذؤبان.
وأمّا قراءة الفتح فقرأ بها الأعرج، ووجهها أنّه اسم جمع كالسعدان.
لأن " فَعْلانا " ليس من أبنية جمع التكسير.
стр. 136
تتميم:
القنو: هو العِذق، وهو عنقود النخلة.
وحكى القرطبي أنّه الجُمّار.
وإعراب (قِنْوَانٌ) مبتدأ، و (من النخل) في موضع الخبر، و (من طلعها) بدل من قوله: (من النخل) .
ومن ذلك قوله تعالى في سورة " الكهف ": (هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ)
قرئ برفع القاف وخفضها ونصبها:
فأما قراءة الرفع فقرأ بها أبو عمرو، والكسائي، وحُميد، والأعمش.
وابن أبي ليلى، وابن مناذر، واليزيديّ، وابن عيسى الأصبهاني.
ووجهها أنّه صفة لـ (الْوَلَايَةُ) ، أو خبر مبتدأ محذوف، أي: هي الحقّ.
أو مبتدأ خبره قوله تعالى: (هو خير) .
وأما قراءة الخفض فقرأ بها باقي السبعة، ووجهها أنّه صفة (لله) .
стр. 137
وأما قراءة النصب فقرأ بها أبو حَيوة، وزيد بن علي، وعمرو بن
عُبيد، وابن أبي عَبلة، وأبو السمال، ووجهها أنّه منصوب على التأكيد.
كقولك: هذا عبدُ الله الحقَّ لا الباطلَ.
قال الزمخشري: وهي قراءة حسنة فصيحة، وعمرو بن عبيد من أفصح النّاس وأنصحهم. انتهى. وفيه دَسيسة الاعتزال، لأن عمرو بن عبيد رأس أهل الاعتزال.
ومن ذلك قوله تعالى في سورة " ص ": (قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤)
قرئ بنصب القاف فيهما، ورفعهما وجرّهما:
فأما قراءة النصب فقرأ بها السبعة إلا عاصماً، وحمزة، ووجهها أنّ
الأوّل مُقْسَم به، وانتصبَ على إسقاط حرف الجرّ، كما تقول: الله
لأفعلنّ، وجوابه (لأملأنّ) وهذا الإعراب لا يسوغ على مذهب سيبويه؛
لأته يرى أن النصب على إسقاط حرف الجرّ في باب القسم مختصّ
بلفظ الجلالة لا غير، والزمخشري يقول: إنه غير مختصّ، فيقول:
стр. 138
العزيز لأفعلنّ، بالنصب قياساً منه على لفظ الجلالة، وهو غير صحيح
عندهم.
وأما الثاني فنصبه على المفعولية بـ (أقول) ، وقدّم ليدلّ على
الحصر، أي: لا أقول إلاّ الحقّ، قاله الزمخشري جرياً على مذهبه في أنّ
التقديمَ يُوجبُ الحصر، وفيه خلاف.
واعتُرِض بين القسم وجوابه بقوله تعالى: (وَالْحَقَّ أَقُولُ) .
وقيل: إنّ (الحقّ) الأوّل منصوب على الإغراء، التقدير: الزموا الحقّ.
و (لأملأنّ) جواب قسم محذوف.
وأما قراءة الرفع فيهما فقرأ بها ابن عبّاس ﵄، ومجاهد.
والأعمش، ووجهها أنّ الأوّلَ مبتدأ وخبرُه محذوف، واختلفوا في
تقديره: فقيل: تقديره: فالحقّ أنا، وقيل: فالحقّ منّي، وقيل: التقدير:
فالحقُّ قسمي على أن يكون " الحقّ " مبتدأ مقسماً به، وجوابه (لأملأنّ)
على طريقة: لعمرك لأفعلنّ، أي: لعمرك قسمي لأفعلنّ.
ومنهم من قال: إنّ المقسم به إذا كان مبتدأ لا يحتاج إلى خبر، لأنّ الفائدةَ قد حَصَلَت بدونه، فتقديرُه لَغو، والصحيحُ تقديرُه وإن كانت الفائدة حاصلة بدونه طَرداً للقاعدة؛ ألا ترى أنّك إذا قلت: زيد لقائم، ففي قائم ضمير وإن كان الربط قد حصل بدونه.
قال ابن عطيّة: هو مبتدأ وخبره (لأملأنّ) .
стр. 139
التقدير: فالحقّ أن أملأ، وفيه نظر؛ لأن جواب القسم لا يكون إلا جملة.
ولا تنحلّ إلى المفرد، وتقديره بأن والفعل يُؤذنُ بانحلالها إلى المفرد.
وأما الثاني فمبتدأ و (أقول) خبره، والعائد محذوف، أي: أقوله، كقراءة
ابن عامر (وَكُلٌّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى) ، أي وَعَدَه.
وقيل: خبرمبتدأ محذوف، أي: قَولي الحقّ، فيكون (أقول) على هذا مستأنفاً، أي: أقول لأملأنّ.
ويمكن أن يكون (والحق) بالرفع مفعولاً بـ (أقول) .
ورفعه على حكاية الحق الأول، قاله الزمخشري وحسّنه ودقّقه.
وأما قراءة الجرّ فيهما فقرأ بها الحسن، وعيسى، ووجهها أنّ الأول
مجرور بحرف القسم المحذوف، تقديره: فوالحقّ.
والثاني معطوف عليه، كما تقول: والله والله لأفعلنّ.
و (أقول) على هذا اعتراض بين القسم وجوابه.
ويمكن أن يكون (والحقّ) مفعولا بـ (أقول) وخفض إتباعاً
(للحقّ) الأول.
стр. 140
تتميم:
قرأ عاصم وحمزة (قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤) .
برفع الأول ونصب الثاني، وقد تقدّم وجه ذلك.
و (الحقّ) في هذه الآية إذا جعل قسماً فيمكن أن يكون اسماً من أسماء
الله الذي في قوله تعالى: (أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ)
أو يكون هو الذي هو نقيض الباطل.
стр. 141
حرف الكاف
فمن ذلك قوله تعالى في سورة " الفاتحة ": (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) .
قرئ بخفض الكاف ورفعها ونصبها دون ألف.
وقرىء (مَالِكِ) بالألف مع الحركات الثلاث في الكاف، وقرئ (مليك) على وزن شريف مع الحركات الثلاث في الكاف:
فأما قراءة الخفض دون ألف فقرأ بها السبعةُ إلا عاصماً والكسائي.
وقرأ بها جماعة من الصحابة والتابعين، ووجهها أنه صفة (لله) ولا
إشكال؛ إذ إضافته مَحْضة، وقيل: هو بدل، وهو ضعيف لكونه مشتقّاً.
وأما قراءة الرفع فقرأ بها سعد بن أبي وقّاص، وعائشة، ومُوَرِّق
العِجلي، ووجهها أنه مرفوع على القطع، أي: هو ملك.
стр. 142
وأما قراءة النصب فقرأ بها أنس بن مالك، وأبو نوفل عمرو بن
مُسلم، وأبو حَيوة، وعليها جماعة من القرّاء، ووجهها أنه منصوب على
القطع، أي: أمدح مَلِكَ يوم الدين.
وأما قراءة (مالِكِ) بالألف وخفض الكاف فقرأ بها عاصم، والكسائي
من السبعة، واجتمع على قراءتها العشرةُ إلا طلحة والزبير، وعليها
جماعة من الصحابة والتابعين، ووجهها أنه نعت (لله) ، وهو اسم فاعل
أُريد به المضيّ، فإضافتُه مَحْضة فلا إشكالَ، لنعت المعرفة بالمعرفة.
ويؤيّد أن المراد به المضى قراءةُ من قرأ (مَلَكَ) فعلاً ماضياً، فإن أُريد به
الاستقبال وهو الظاهر لكون اليوم عبارة عن يوم القيامة ففيه إشكال، لأنّ
إضافته غير محضة، فيَلزم منه نعتُ المعرفة بالنكرة.
فالجواب أن يقال: كلّ ما إضافته غير محضة إلا الصفة المشبهة قد يُنوى فيه المحضة فيلحظ فيه أن الموصوف صار معروفاً بذلك الوصف من غير نظر إلى
زمان.
قال الشيخ أبو حيَّان: وهذا الوجه غريب النقل لا يعرفه إلاّ من له
اطلاع على كتاب سيبويهِ وتنقيبٌ على لطائفه.
стр. 143
وأما قراءة (مالكَ) بالألف والنصب فقرأ بها الأعمش، وابن السَّمَيْفَع.
وعثمان بن أبي سليمان، ووجهها أنه منصوب على القطع، أو على
النداء، فقد روي أن النبيَّ ﷺ قال في بعض غزواته: " يا مالكَ يومِ الدين ".
وأما قراءة (مالكُ) بالألف ورفع الكاف فقرأ بها أبو هريرة، وأبو حَيوة.
وعمر بن عبد العزيز، ووجهها أنه مرفوع على القطع، أي: هو مالك.
وأمّا قراءة (مَليك) على وزن شريف من أمثلة المبالغة فنسبها الشيخ
أبو حيان إلى أُبيّ، وأبي هريرة، وأبي رجاء العُطاردي، ولم ينصّ على
حركات الكاف.
وقال أبو البقاء: ويقرأ (مليك يوم الدين) رفعاً ونصباً وجرّاً.
أما الرفع والنصب فعلى القطع، وأما الخفض فإن كان بمعنى مَلَك
أو من أمثلة المبالغة والمراد به المُضِيّ فلا إشكالَ لكون الإضافةِ مَحضة.
وإن كان المراد به الاستقبال ففيه الإشكال المقدّم، والجواب عنه ما
تقدم.
فهذه تسع قراءات، كلّها على الإضافة إلى (يوم) من باب الإضافة إلى
الظرف، والإضافة إضافة اللام خلافاً لمن أثبت " في ".
стр. 144
وحيث كان المراد المِلك بكسر الميم فهو على حذف مضاف، التقدير: أمر يوم الدين، أو على حذف المفعول، التقدير: مالك يوم الدين أمر الناس، فيكون من باب:
طبَّاخِ ساعاتِ الكرى زادَ الكَسَلْ
وحيث كان المراد المُلك بضم الميم فلا حذف.
واعلم أن العرب تقول: مَلِكٌ بيّن المُلْك بضم الميم، ومالك بيّن
стр. 145
المِلْك بكسر الميم وفتحها، نقله الأخفش، وقد نُقل فيه الضمُّ.
تتميم:
بقي غير هذه القراءات التسعِ ثماني قراءات:
قرأ أبو هريرة، وعاصم الجَحدري (مَلْك) بسكون اللام على وزن
سَهْل، وهي لغة بكر بن وائل.
وقرأ أبو أحمد بن صالح عن ورش، عن نافع (ملكي) بإشباع
كسرة الكاف.
وقرأ أبو حنيفة، وأبو حَيوة (مَلَكَ) فعلاً ماضياً.
وقرأ عون العُقيلي (مالكٌ) بالرفع والتنوين، ونصب (يومَ الدين) .
وقرأ اليمان (مالكاً) بالنصب والتنوين، ونصب (يوم الدين)