Полный текст (195 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الكتاب: تُحْفَةُ الأَقْرَانِ في مَا قُرِئ بِالتَّثْلِيثِ مِنْ حُرُوفِ القُرْآنِ
المؤلف: الإمام أبو جعفر أحمد بن يوسف الرُّعيني (المتوفى ٧٧٩ هـ)
الناشر: كنوز أشبيليا - المملكة العربية السعودية
الطبعة الثانية - ١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م
تنبيه:
عدد الأجزاء: ١
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
مصدر الكتاب نسخة مصورة قام الشيخ الجليل نافع - جزاه الله خيرا - بتحويلها
وقام الفقير إلى عفو ربه الكريم القدير بتصويبه
والحمد لله أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً.
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمدُ لله الذي يَسَّرَ آيَ القرآنِ لِقاريها، وأنزلَها على سبعةِ أحرُفٍ
لِتَكْثُر فوائدُها ومَعانيها، فأصبحتِ القراءاتُ قد اتَّسَعَتْ مَجاريها لمُجاريها.
وانتهى إلينا من مَشهورها وشاذِّها طُرُقٌ وَضَحَتْ مَعانيها لمُعانيها.
نَحْمَدُه على نِعَمِه التي لا نُحصيها، ونَشْكُرُه شُكراً نَسْتَمِد به زيادةَ كَرَمِه
ونَستهديها، ونُصَلّي على سيدنا محمَّدٍ الذي أقام الشَريعةَ إلى أنْ تَشَيَّدَتْ
مَبانيها، وعلى آلِه وصحبه الّذين هم كالأَهِلِّةِ في سماء هذه المِلَّة.
وكاللآلىء في أجياد لَياليها.
أما بعد، فإنّي رأيتُ من القراءات ما جاء مُثَلَّثَ اللَّفْظ، وهو من
القسم الشّارد عن الحِفْظ، فأرَدْتُ أن أجمعَه مُتَّبعاً لجَواهره، ومُقتَطِفاً
لأزاهره، ومُبَيِّناً لإعرابه، ورافعاً لإغرابه، معِ نكتٍ أُبْديها، وتُحَفٍ
أُهْديها، فلمّا يَسَّرَ اللهُ جَمْعَ ذلك كَتَبْتُه ليكون تَذْكِرةً لِلَّبِيب، وتَنبيهاً
للأرِيب، ورَتَّبْتُه على حروف المُعْجَم ليكونَ أسهلَ للنّاظر، وأجمعَ
للخاطر، وسَمَّيْتُه بـ:
تُحْفة الأقران في ما قُرِىء بالتَّثليث من حُروف القُرآن
واللهُ المُستعانُ فيما قَصَدْتُه، وعليه التكلانُ فيما اعْتَمَدْتُه.
стр. 3
حرف الهمزة
فمن ذلك قولُه تعالى في سورة " يونس (فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ) .
قُرىء بنصب الهمزة من (شركاءكم) ورفعها وجرّها:
ولا بُدّ أوّلا من تمهيد قاعدةِ يُبْنَى عليها أحكامُ الإعراب، وهي أنَ
أهل اللغة قالوا: إنّ أَجْمَعَ لا يُسْتعملُ إلاّ في المعاني، وجَمَعَ لا
يُستعمل إلا في الأعيان، فيقال: أجمعتُ الأمر؛ لأنه معنى، قال الشاعر:
أجْمَعُوا أمرَهم بليلٍ فلمّا أصْبَحُوا أَصْبَحَتْ لهم غَوغاءُ
وقال الآخر:
يا ليتَ شِعري والمُنى لا تَنْفَعُ. . . هل أَغْدُوَنْ يوماً وأمريَ مُجْمَعُ
стр. 4
ويقال: جَمَعْتُ شركائي؛ لأنّ الشُّركاء أعيان.
قلت: هذا هو الأكثر، وقد يوضع كلُّ واحدٍ منهما موضعَ الآخر، وهو
قليل فصيح، فيقال: أجمعتُ الشركاء، وجمعتُ الأمر، قال الله تعالى:
(فجَمَعَ كَيدَهُ) ، وهو من المعاني. وقرأ أبو عمرو في
"طه": (فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ) من جَمعَ، وقُرىء هنا في الشاذّ كذلك.
стр. 5
إذا تقرّر هذا فاعلم أن القُرّاء السبعة أجمعوا هنا على (فأَجْمِعوا) بقطع
الهمزة ونصب (الشركاء) ، أما قطع الهمزة فجاء على الأكثر " لأنّه مع
الأمر، وهو معنى.
وأما النصب في (شركاءكم) فيحتمل تخريجه أوجهاً:
الأول: أن يكونَ معطوفاَ على (أمركم) على حذف مضاف.
التقدير: وأمر شركائكم، وإنما حَمَلْناه على المضاف لئلاّ يقال: أجمعتُ
الشركاء.
الثاني: أن يكون معطوفاَ على (أمركم) من غير تقدير حذف مضاف.
بناء على أن يُقال: أجمعتُ الشركاء، وإن كان قليلاً.
الثالث: أن يكون معطوفاَ على (أمركم) لا على أنه على حذف
مضاف، ولا على أنْ يقال: أجمعتُ الشركاء، ولكن على أنّه يجوز في
المعطوف ما لا يجوز في المعطوف عليه، نحو قولهم: رُبَّ رجلٍ وأخيه.
ولا يقال: رُبَّ أخيه.
وقولهم: كلُّ شاة وسَخْلَتِها بدرهم، ولا يقال: كلُّ سخلتِها.
وتقول: قامت هند وزيد، ولا يقال: قامت زيد.
стр. 6
الرابع: أن يكون محمولاً على فعل مُضْمَرٍ يُفَسرُه المعنى، أي: وادعوا
شركاءكم، وقد أظهرَ أُبَى ﵁ هذا الفعل وثَبَتَ في مصحفه.
وهذا بناءً على أنّه لا يُقال: أجمعتُ شركائي، وهذا الوجه حسن.
وهو كثير نثراً ونظماً، حتى إنهم اختلفوا فيه: هل هو مقيس أو مسموع؛ قالوا: والصحيح أنّه قياس، والضابط: أنّه متى اجتمع فعلان متقاربان
في المعنى ولكلّ واحدٍ منهما متعلّق، جاز حذف أحد الفعلين وعطف
متعلّق المحذوف على المذكور، على حسب ما يقتضيه لفظه، حتى كأنّه
شريكُه في أصل الفعل، إجراءً لأحد المتقاربين مُجرى الآخر، فمن ذلك
عند بعضهم قولُه تعالى: (وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ) .
стр. 7
على قراءة الكسر، التقدير عنده واغسلوا أرجلكم؛ لأن الأرجل لا تُمْسَح، فحذف "واغسلوا" لقرب معناه من "وامسحوا" ثم جرّوا (أرجلكم) عطفاً
على (برؤوسكم) حملاً لأحد الفعلين على الاآخر.
وسيأتي الكلام على هذه الآية بأبسط من هذا في باب اللام إن شاء الله تعالى.
ومنه قوله تعالى: (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ) ، أي: واعتقدوا الإيمان؛ لأن الإيمان لا يُتبَوّأ.
ومنه قوله تعالى على بعض الأقوال: (وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨) وَرَسُولًا) ، أي: ويجعله رسولاً؛ لأن العلم لا يعمل في
الذات، فلو جعلت الرسولَ بمعنى الرسالة جازَ عطفُه على الكتاب.
ومنه قول الشاعر:
فَعَلَفْتُها تِبناً وماءً بارِداً. . . حتى شَتَتْ همّالةً عيناها
стр. 8
أي: وسَقَيْتُها ماء؛ لأن الماء لا يُعلف.
ومنه قول الآخر:
يا ليتَ زوجَك قد غدا. . . مُتَقَلِّداً سَيفاً ورُمحا
أي: وحاملا رمحاً؛ لأنّ الرمح لا يُتَقَلَّد.
ومنه قول امرىء القيس:
غرائرُ في كِنٍّ وصَوْنٍ ونَعمةِ. . . يُحَلَّينَ ياقوتاً وشَذْراً مُفَقَّرا
وريحَ سنا في حُقّةٍ حِميريّةٍ. . . تُخَصّ بمَفروكٍ من المسك أذفرا
стр. 9
لأنّ الريح لا يُحَلَّى.
ومنه قول الآخر:
إذا ما الغانياتُ بَرَزْنَ يوما. . . وزَججنَ الحواجبَ والعُيونا
أي: وكَحَّلْنَ العيون؛ لأنَّ العيون لا تُزَجَّج، وإنما يكونُ ذلك في
الحاجب. يقال: زجَّجَتِ المرأةُ حاجبها: أطالَته بالإثمد.
ومنه قول الآخر يصفُ مُسْتَنْبِحا وهو الضيف:
يُعالجُ عِرنيناً من الليلُ باردا. . . تلفُّ رياح ثوبَه وبُروقُ
أي: وتصيبه بروق.
стр. 10
ومنه قول الآخر:
فعلا فروعَ الأَيْهُقانِ وأَطْفَلَتْ. . . بالجَلْهَتَين ظِباؤُها ونَعامُها
أي: وباضت نعامُها؛ لأنّ النّعامَ لا تُطفل.
ومنه قول الآخر:
تراه كأنّ اللهَ يَجْدَعُ أنفَه وعَينَيه. . .، إنْ مولاه ثابَ له وَفْرُ
أي: ويفقأ عينيه؛ لأنّ العينَ لا تُجدع.
وعلى هذا حمل بعضُهم قوله:
أَكْنيه حينَ أُناديه لأُكْرِمَه. . . . ولا ألقِّبُه والسوأةَ اللقَبا
أي: ولا ألقّبُه اللَّقَبَ وأسوءه السوأة، ثم حذف أسوءه لدلالة ألقبه
عليه، ثم قدّم مضطرّا، ورأى هذا أولى من تقدُّم المفعول معه.
стр. 11
قلت: وهذا دليل على كثرة هذا الوجه وسَعَته، لأنّهم يرجعون إليه عند
المضايق، ويقدّمونه على غيره في التأويل.
وقد ذهب جماعةٌ من النحويّين إلى أنّ هذا النوعَ وأمثالَه محمو على التَّضمين لا على حذف الفعل.
ومعنى التضمين: أن يُضَمَّنَ الفعلُ معنى فعل آخر يصح أن يعملَ في
المعطوف والمعطوف عليه، فيُضَمَّن (تَبَوَّءوا) : اتَخَذوا، وعَلَفْتُها:
أعطيْتُها، ويُحَلَّين؛ يُعْطَين، وزجَّجْن: حَسَّنَّ، وأطْفَلَت: وَضَعَت.
ويَجْدَع: يُذهب.
والفرق بين التَّضمين وإضمار الفعل؛ أنّ التَّضمينَ يكونُ العطفُ فيه من
باب عطف المفردات، وأن إضمارَ الفعل العطفُ فيه من باب عطف
الجُمَل، والترجيح بين المذهبين مذكور في الكتب المطوّلة.
الخامس من أوجه النصب ما قاله أبو علي، ولم يذكر الزمخشريُّ
غيرَه، وهو أن يكون (وشركاءكم) مفعولاً معه، وإذا كان كذلك
فالمصاحَب يحتمل أن يكون الواو في (فأجمعوا) فتكون (الشركاء) فاعلاً
في المعنى، ويحتمل أن يكون (أمركم) فتكون مفعولاً في المعنى.
والأَولى أن يكون المصاحب الواو، لأن الصحيح عندهم أن المفعول معه
стр. 12
لا يجوز إلا حيث يجوز العطف، وأنت إذا عطفت (شركاءكم) على
الواو جاز لوجود الفصل، وإن جعلت المصاحب (أمركم) لم يجز العطف
على اللغة المشهورة؛ لأن العطف يقتضي أن يقال: أجمعت، وهو قليل.
وأما قراءة الرفع فقرأ بها أبو عبد الرحمن، والحسن، وابن أبي إسحق، وعيسى بن عمر، ويعقوب. ووجه هذه القراءة أنْ
يكونَ معطوفاً على الضمير في (فأجمعوا) وحَسَّنَه وقوعُ الفصل
بالمفعول.
ويجوز أنْ يكونَ مبتدأً والخبرُ محذوف لدلالة ما تقدّم.
стр. 13
والتقدير: وشركاؤكم فليجمعوا أمرَهم.
وأما قراءة الجرّ فقالوا: قرأ بها فرقةٌ ولم يُسَمُّوها.
ووجهُها أنْ يكونَ معطوفا على الضمير في (أمركم) على حذف مضاف، أي: وأمر شركائكم، كقول الشاعر:
أكلَّ امرءٍ تَحْسِبينَ امرءا. . . ونارٍ توقَّدُ بالليلِ نارا
ومنه قولهم: " ما كلُّ بيضاءَ شحمة، ولا سوداءَ تمرة "، أي: وكلّ
نارٍ، ولا كلّ سوداء، فحذف " كلّ " فيهما لدلالة ما تقدّم.
وعلى هذا حَمَلَ البصريون قوله تعالى: (وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) فيمن نصب (آيات) .
стр. 14
أي: وفي اختلاف، فأضمرت " في " لتقدّم ذكرِها في قوله تعالى: (وَفِى
خلقكم) ، والدليل على هذا قراءة عبد الله: (وفي اختلاف) فصرح
ب (في) المضمرة، فلم يَبْقَ في الآية دليل للأخفش على تجويز العطف
على عاملين. والله أعلم.
стр. 15
ومن ذلك قوله تعالى في سورة " فصّلت ": (سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ)
قرئ بالنصب والجرّ والرفع:
وأما النصب فقرأ به القرّاء السبعة، ووجهُها أن يكون (سَوَاءً) بمعنى
استواء، فيكون مصدراً بفعل مقدّر: أي استوت استواء، أو يكون حالاً:
إمّا من (الأرض) ، أو من الضمير في (فيها) ، أو من (أقواتها) ، ويمكن أن
يكون حالاً من (أربعة) ، وجاءت الحال من النكرة لأنها قد خُصّصت
بالإضافة، والإضافة من المُخَصِّصات - قاله ابن مالك، وهو إعراب
حسن.
وأما الرفع فقرأ به أبو جعفر، ووجهُها أن يكونَ خبرَ ابتداء محذوف.
أي: هي سواء.
стр. 16
وأما قراءة الجرّ فقرأ بها زيد بن علي، والحسن، وابن أبي إسحق.
وعمرو بن عُبيد، وعيسى، ويعقوب. ووجهها أن تكون نعتاً ل (أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ) ..
تتميم:
قوله تعالى: (لِلسَّائِلِينَ) يَحتملُ أنْ يتعلَّقَ بقوله تعالى: (قَدَّرَ) أي
قدّر فيها أقواتها لأجل الطالبين لها المُحتاجين المُقتاتين.
ويَحتملُ أنْ يتعلَّقَ بمحذوف: أي هذا الحصر لأجل من سأل: في كم خُلقت الأرضُ وما فيها؛ ذكرهما الزمخشري.
واعلم أن (سواء) اختصّت بحكم: وهو أنّها لا ترفعُ الظاهرَ في الأكثر.
بل ترفعُ الضمير، إلا إذا كان الظاهرُ معطوفاً على الضمير فيرفعه، تقول:
مررت برجلٍ سواءٍ هو والعَدَم، فالعَدَم معطوف على الضمير المستتر في
(سواء) المؤكّد بـ " هو " الظاهر، وهذا ممّا يجوز في المعطوف ما لا يجوز
في المعطوف عليه، وقد تقدّمت نظائره.
ومن العرب من يرفع بـ سواء
الظاهر، وليس بالكثير.
стр. 17
حرف الباء
فمن ذلك قوله تعالى في سورة " الفاتحة ": (رَبِّ الْعَالَمِينَ)
قُرِىء بخَفض الباء ونصبها ورفعها:
فأمّا قراءة الخَفض فقرأ بها السبعة، ووجهها ظاهر: وهو إما يكون نعتاً
للجلالة أو بدلاً.
وأمّا قراءة النصب فقرأ بها زيدُ بن على وطائفة، وفي توجيه هذه
القراءة تفصيل: وهو أن يقال: لا يخلو الذي قرأ بنصب (رَبِّ) أن
ينصب (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) وقد قُرىء بذلك، أو يجرّهما.
فإن كان قرأ بنصبهما فلا إشكال؛ لأنه نصبَ الجميعَ على القطع، أي: أعني ربَّ العالمين الرحمنَ الرحيمَ.
وإن كان قرأ بجرّهما ففيه إشكالٌ من جهة أنّهم قالوا: لا يجوزُ في الصفات الإتباعُ بعد القطع؛ لأنه يلزمُ منه الرجوعُ بعد الانصراف.
وقد قال الشاعر:
إذا انصرفَتْ نفسي عن الشيء لم تَكَدْ. . . إليه بوجهٍ آخرَ الدهرِ تَرْجِعُ
стр. 18
وهذه القراءة يلزم منها الإتباع بعد القطع، لأنّه قَطَعَ (رَبِّ الْعَالَمِينَ) ؛ عن الإتباع، ثم أتبع (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) .
وتوجيه هذه القراءة ولا يلزم منه الإتباع بعد القطع: أن يكون (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) بدلاً لا نعتاً، لا سيّما على مذهب "الأعلم" الذي يرى أنّ (الرحمن) لا يكون صفة.
ومنهم: من نصب (رَبِّ الْعَالَمِينَ) على النداء وهو ضعيف.
ومنهم: من نصبه بفعل على أنه توهّم أنّ مكان (الحمد لله) : نَحْمَدُ
الله ربَّ العالمين، فأجراه على ما يَصلُحُ في المَوضع، وهو ضعيف جدّاً "
لأنّ مراعاةَ التَّوَهُمِ لا تجوز إلا في العطف، نحو قولك: ليس زيد بقائم
ولا قاعداً، بنصب " قاعد" على توهّم حذف الباء.
قال الشاعر:
مُعاوِيَ، إنّنا بَشَرٌ فَأَسْجِحْ. . . فَلَسْنا بالجبالِ ولا الحديدا
стр. 19
فعطف " ولا الحديد " على توهّم حذف الباء من " الجبال "، أي: فلسنا
جبالاً ولا حديداً.
هذا كلّه على من يمنعُ الإتباعَ بعد القطع، وهو الكثير.
وأما من جوّزه فلا إشكال في ذلك.
وأما قراءة الرفع فذكرها أبو البقاء في " إعرابه " ولم يُسْنِدْها، وفي
وجه هذه القراءة تفصيل أيضاً: وهو أن يقال: لا يخلو الذي يقرأ بالرفع أن
يرفعَ (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) وقد قرىء بذلك، أو يجرّهما، فإن كان قرأ
برفعهما فلا إشكال، لأنّه رفع الجميع على القطع، أي: هو ربُّ العالمين
الرحمنُ الرحيمُ.
وإن كان قرأ بجرّهما ففيه إشكال من جهة الإتباع بعد القطع، ووجه ذلك أن يكون (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) بدلاً كما تقدّم.
تتميم:
" الربّ " مصدر في الأصل، من قولك: رَبَّ يرُبُّ ربّاً: إذا أصلح، ثم
وصف به كعَدل ورِضاً، فوزنه على هذا " فَعْل "، وقيل: هو اسم فاعل وأصله راب، وحذفت ألفه كما قالوا: رجل بارّ وبَرّ، فوزنه على هذا " فاعل ".
стр. 20
والربّ في اللغة: السَّيَد، والمالك، والمعبود، والثابت، والمُصلح.
والخالق، وزاد بعضهم: الصاحب، واستدلّ على ذلك بقوله:
فدنا له ربُّ الكلابِ، بكَفه. . . بِيض رِهادفٌ، ريشُهن مُقَزَّع
ولا دليل في البيت.
وكلّها تصلح في الآية إلاّ الثابت والصاحب، وفي السيّد خلاف.
و (الْعَالَمِينَ) فيه شذوذ من وجهين:
أحدهما: أنّه اسم جَمع كالأنام، وأسماء الجموع لا تجمع.
الثاني: أنّه جُمع بالواو والنون، ولم يَستوفِ الشروط.
قال شيخ الجماعة أبو حيَّان: والذي أختاره: أنْ يُطْلَقَ على المُكَلَّفين.
لقوله تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالَمِينَ) .
وقراءة حَفص (للعالِمين) بكسر اللام توضّحه، ولم يقرأ حفص بكسر اللام في
стр. 21
(العالِمين) إلاّ في " الروم ".
***
ومن ذلك قوله تعالى في سورة " الأنعام ": (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) قرىء بنصب الباء وخفضها ورفعها:
فأما قراءة النصب فقرأ بها حمزة والكسائي، ووجهها أن يكون
منصوباً على النداء، أو بإضمار أمدح، قاله ابن عطيّة، أو بإضمار أعني.
قاله أبو البقاء. وكل واحد منهما قريب من الآخر، فتكون جملةً مُعْتَرَضاً
بها بين القسم الذي هو (والله) وبين جوابه الذي هو (مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) .
وأما قراءة الخفض فقرأ بها باقي السبعة، ووجهها أن يكون نعتاً (لله)
وقيل: يجوز أن يكون بدلاً، وقيل: يجوز أن يكون عطف بيان.
وأما قراءة الرفع فقرأ بها عِكرمة، وسلام بن مسكين) ، مع رفع الجلالة،
стр. 22
ووجهها أن يكون الجلالة مبتدأ، و (رَبِّنَا) خبر، ويكون الكلام مبنيّاً على
التقديم والتأخير، أي: ما كنا مشركين واللهُ ربُّنا، وتكون الواو واو الحال.
ثم قدّمت الجملة الحالية. والجملة بأسرها من قوله تعالى: (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) في موضع نصب مفعول القول.
تتميم:
في الصحيح " أن رجلاً أتى ابنَ عبّاس ﵄ فقال: سمعتُ
الله يقول: (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) . وفي أُخرى: (وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا) ، فقال ابن عبّاس: لما رأوا أن الجنّةَ لا يَدْخُلُها إلا مؤمن قالوا: تعالَوا فلْنَجْحَدْ وقالوا: ما كُنا مشركين، فختم الله على أفواههم، وتكلّمت جوارحهم، فلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا.
ومن ذلك قوله تعالى في سورة "والصّافّات ": (بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ)
قُرىء بخفض الباء من (الكواكب) ونصبها ورفعها:
стр. 23
أما قراءة الخفض فقرأ بها السبعة غير أبي بكر - أحد راويَي عاصم
إلاّ أن حمزة وحَفصاً - أحد راويَ عاصم نوّنا (زينة) والباقون لم يُنَوّنوا.
أمّا من نوّن (زينة) فالكواكب بدل منها. وأما من لم ينوّن فالكواكب
مضاف إليه.
و (الزينة) حينئذٍ لا تخلو أن يراد بها المصدر كاللينة، أو الاسم كاللِّيقة اسم لما يلاق بها الدواة، فإن أُريد بها المصدر فتحتمل أن تكون من إضافة المصدر إلى الفاعل، كقوله تعالى: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ) ، ويكون التقدير: أنْ زيّنت السماء الكواكب.
ويحتمل أن يكون من إضافة المصدر إلى المفعول كقوله تعالى: (بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ) ، ويكون التقدير: أن زيّن الله الكواكب. وإن أُريد بالزينة
الاسم، فالإضافة من إضافة الخاصّ إلى العام، كخاتم حديد، وباب
ساج.
стр. 24
وأما قراءة النصب فقرأ بها أبو بكر - أحد راويَي عاصم، وابنُ وَثّاب.
ومسروق بخلاف عنهما، والأعمش، وطلحة، وذلك مع تنوين (زينة) .
ووجه هذه القراءة أن يكون نصب (الكواكب) بالمصدر المنوّن) ، كقوله تعالى: (أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ) ، ف (يتيم)
منصوب بـ (إِطْعَامٌ) .
وكقول الشاعر:
فلولا رَجاءُ النصرِ منكَ ورهبةٌ. . . عقابَك، قد كانوا لنا كالمواردِ
ف " عقابك " منصوب بـ " رهبة ".
وقال الآخر:
стр. 25
بضرب بالسيوفِ رؤوسَ قومِ. . . أزلْنا هامَهُنَّ عن المَقيلِ
ف " رؤوس " منصوب بـ " ضرب ".
قلت: وهل في هذا المصدر المنوّن الناصب للمفعول فاعلٌ أم لا؛
اختلف النحويّون في ذلك على خمسة مذاهب:
الأول: وعليه الجمهور: أن الفاعل محذوف.
فإن قيل: الفاعل لا يحذف.
قيل: ذلك في الفعل لا في المصدر.
الثاني: وعليه الكوفيون: أن الفاعل مضمر.
الثالث: مذهب أبي القاسم بن الأبرش من نحاة الأندلس: أنّ
الفاعل منويّ إلى جنب المصدر، فقال في قوله تعالى: (أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ) ، التقدير: أو إطعامُ إنسانٍ.
قال: ودلّ عليه ذكره الإنسانَ قبله.
وهذا لا يطَرِدُ له، ألا ترى أنك تقول: عجبت من ركوبٍ
الفَرَسَ، وليس هنا شيء متقدم يدل على الفاعل كما في الآية.
стр. 26
الرابع: مذهب السيرافي: أن المصدر ليس فيه فاعل، لا محذوف
ولا مضمر، والمنصوب بعده كدرهم بعد عشرين، وهو مذهب مردود.
الخامس: مذهب الفرّاء: أن المصدر لا يجوز أن يُلْفَظَ بالفاعل
بعده، قال لأنه لم يُسمع في لسان العرب. فإن قلتَ قد سُمعَ في قول
الشاعر:
حَرْب تَرَدَّدُ بينهم بتشاجُرٍ. . . قد كفَّرَتْ آباؤها أبناؤها
ألا ترى أن " أبناؤها " فاعل بـ " تشاجر ".
فالجواب أنَّ هذا البيتَ
стр. 27
لا حُجّةَ فيه، إذ مَحملُ البيت على أنّ " آباؤها " مبتدأ، و " أبناؤها " خبر.
والتقدير، آباؤها في ضعف الحلوم مثل أبنائها، ويدلّ على ما ذكرنا قوله
في البيت قبلَه:
هيهاتَ، قد سَفِهَتْ أميّةُ رأيها. . . فاستجهلتْ، حُلَماؤها سُفَهاؤها
أي: حلماؤها مثل سفهائها.
ويلزم أيضاً في البيت على جعل " أبناؤها "
فاعلاً بـ " تشاجر" الفصل بين المصدر ومعموله.
وإلى مذهب الفرّاء مال الشيخ أبو حيان ونَصَرَه، وتأول ظواهر
سيبويه.
ويجوز أن يكون نصب (الكواكب) على بدل الاشتمال من (السماء) .
أي: زينّا كواكب السماء.
وزاد أبو البقاء أن يكون منصوباً بإضمار أعني.
وأما قراءة الرفع فقرأ بها زيد بن عليّ مع تنوين (زينة) ، ووجهها أن
تكون (الكواكب) خبر مبتدأ محذوف، أي: هي الكواكب، أو أن تكون
فاعلاً بالمصدر المنوّن على مذهب البصريين، كقوله: عجبت من قيام زيد،
стр. 28
التقدير: بأن زَينت الكواكبُ. أو أن يكون مفعولاً لم يستم فاعله.
التقدير: أن زُيّنت الكواكب.
وفي هذه المسألة خلاف: فذهب الجمهور إلى أن المصدر ينحلّ إلى
فعل ما لم يُسَم فاعلُه، فتقول: عجبت من ضربٍ زيد، على أن يكون
" زيد " مفعولاً لم يسم فاعله، والتقدير: من أن ضُرب زيد.
وأنشدوا على ذلك:
إنَّ قَهراً ذَوو الضلالةِ والبا. . . طلِ عِزّ لكلِّ عَبد مُحِقِّ
أي: أن يُقْهَرَ ذَوو الضلالة.
وذهب أبو الحسن الأخفش إلى مَنع ذلك، وتَبِعَه نحاةُ الأندلس، وكان
شيخنا الإمام العلامة أبو عبد الله البَيْري يميل إلى مذهب أبي الحسن
ويُعَوّل عليه.
ومن ذلك قوله تعالى في سورة " الدخان ": (رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٨)
стр. 29
قُرىء فيهما برفع الباء ونصبها وجرّها:
أما قراءة الرفع فقرأ بها السبعة، ووجهها أن تكونَ خبرَ مبتدأ محذوف.
أي: هو رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ) . وجوّزوا فيه أن يكونَ خبراً بعد
خبر، وأن يكونَ فاعلُ (يميت) ، وفاعلُ (يحيي) ضميراً يعود على ما قبله.
أو أن يكونَ من باب التنازع، فيكون (ربكم) فاعلَ (يميت) على إعمال
الثاني، وفي (يحيي) ضمير يعود عليه، أو بالعكس على إعمال الأول.
ويجوز فيه على مذهب الفرّاء أن يكون (وربكم) فاعلاً بـ (يُحيي
ويُميت) معاً، والأظهرُ الإعرابُ الأول.
وأما قراءة النصب فقرأ بها أحمد بن جُبير الأنطاكي، ووجهها
النصب على المدح، أو العناية، أي: أمدح أو أعني.
وأما قراءة الجرّ فقرأ بها جماعة، منهم ابن أبي إسحاق،
стр. 30
وابن مُحَيْصِن من (ربك) .
، وأبو حَيوة، والزَّعفراني، ووجهُها الجرّ على البدل
ومن ذلك قوله تعالى في سورة " والذاريات ": (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ (٧)
قرئ بضمّ الباء مع ضمّ الحاء وكسرها، وقرئ بض الباء مع
فتح الحاء وضمّها وكسرها، وقرئ بكسر الباء مع كسر الحاء. فهذه ستّ
قراءات: مع ضمّ الباء ضمّ الحاء وكسرها، ومع فتحها فتح الحاء وضفها
وكسرها، ومع كسرها كسر الحاء:
فأما قراءة ضمّ البماء مع ضمّ الحاء فقرأ بها السبعة، ووجهها أن
стр. 31
يكون الحُبُك جمعاً، واحدُه حبيكة، مثل طريقة وطُرُق.
أو أن يكونَ واحدُه حِباكاً، نحو مِثال ومُثُل. قال الراجز:
كأئما جَلَّلَها الحوَّاكُ. . . طُنْفُسة في وَشيها حِباك
وأما قراءة ضمّ الباء مع كسر الحاء فقرأ بها أبو مالك الغفاريّ.
والحسن، وهي قراءة مشكلة، لأنهم نصّوا أن " فِعُلاً ". بكسر الفاء وضمّ
العين ليس من أبنية الأسماء. قال ابن عطيّة: هي قراءة شاذّة غير متوجّهة.
ثم وجّهها هو وابن جنّي على تداخل اللغات؛ وذلك أنه يقال: الحُبُك
بضمّ الحاء والباء، والحِبِك بكسرهما، فقالوا: الحِبُك، بكسر الحاء من
لغة وضمّ الباء من لغة أخرى.
والأشهر في تداخل اللغات أن تكون من كلمتين لا من كلمة واحدة، كقنَط يقنَط بفتح النون فيهما.
قال الشيخ أبو حيَّان: والأحسن عندي أن تكون ممّا أُتبعَ فيه حركةُ
الحاء لحركة تاء (ذات) في الكسر، ولم يُعْتَدَّ باللام الساكنة، لأن الساكنَ
حاجز غير حصين.
стр. 32
قلتُ: وما استحسنه الشيخ حسنٌ، فما زال يُوَضِّحُ المُشكلات ويَفُكُّ
المُعْضلات.
وأما قراءة فتح الباء مع فتح الحاء فقرأ بها ابن عباس، وأبو مالك.
قال أبو الفضل الرازي في توجيهها: إنها جمع حَبَكة، كعَقَبة وعَقَب.
وأما قراءة فتح الباء مع ضمّ الحاء فقرأ بها عِكرمة، ووجهُها أنّها
جمع حُبْكة، كطُرْفةُ وطُرَف.
وأما قراءة فتح الباء مع كسر الحاء فقرأ بها الحسن، ووجهها حسن
ظاهر؛ لأنّ " فِعَلاً ". موجود في الأسماء، نحو عِنَب وضِلَع، وأما في
الصفات فقال سيبويه: لا نعلمه جاء صفة إلاّ في حرف واحد معتلّ.
يوصف به الجمع، وهو قوم عِدًى انتهى.
قال الشاعر:
إذا كُنْتَ في قومٍ عِدًى لَسْتَ منهمُ. . . فكُلْ ماعُلِفْتَ من خبيثٍ وطيّبِ
стр. 33
وقد استدرك الفارسي وغيره على سيبويه أشياءَ إذا تُؤملت لم تنهض
استدراكا.
وأما قراءة كسر الباء مع كسر الحاء فقرأ بها أبو مالك الغفاري.
والحسن بخلاف عنه، وهي قراءة مشكلة؛ لأن سيبويه ذكر أنّه لم يجىء
في الاسم إلا إبِل، واستدركوا على سيبويه أشياء لم يذكروا فيها حِبِكا.
ووجهها أن يكون الأصل حِبْكاً بكسر الحاء وسكون الباء، ثم حُرِّكت الباءُ
بالكسر إتباعاً لحركة الحاء، ومنه قول الشاعر:
أَرَتْنِيَ حِجْلاً على ساقِها. . . فهشَّ الفؤادُ لِذاكَ الحِجِلْ
وقال الآخر:
стр. 34
علمَنا إخوانُنا بنو عِجِلْ. . . شُرْبَ النَبيذِ واعتقالاً بالرِّجِلْ
فهذه ستّ قراءات بيّنّاها.
وفيه قراءة سابعة وهي (الحُبْك) كقُفْل، وهي
منسوبة إلى أبي السَّمّال. وقراءة ثامنة (الحَبْك) كعدل.
وقد اختلف المفسّرون في (الحُبُك) : فقيل: ذات الحبك: أي الخَلق
المستوي، وقيل: ذات الحبك: المُزَيّنة بالنجوم.
وقيل: ذات الحبك: أي الشدّة.
واختُلِف أيضاً في (السماء) : فقيل: المراد بها السموات، فالألف
واللام للجنس. وقيل: المراد بها السابعة، فالألف واللام للعهد.
وقيل: المراد بها السّحاب الذي يُظِلّ الأرضَ.
стр. 35
وهنا سؤال: وهو أن يقال: ما الحكمة في أنه لمّا أقسم هنا بالسماء.
وُصِفَت بذات الحبك؟
فالجواب أن المراد هنا المناسبة بين المقسم والمقسم به عليه.
فوُصِفَت السماء بأنها ذات طرق مختلفة لأن أقوال المخاطبين مختلفة.
وهذا أحسن ما يكون في القسم.
ومن المناسبة بين القسم والمُقْسَم عليه قوله تعالى: (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢) ، ثم قال تعالى: (إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤) .
أي لمتفرّق، فمنه كسواد الليل، وهو من بَخِلَ
واستغنى، ومنه كبياض النهار، وهو من أعطى واتّقى.
ومن ذلك قوله تعالى في سورة "المزّمّل": (رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ)
قرئ بخفض (ربِّ) ورفعه ونصبه:
فأما قراءة الخفض فقرأ بها ابن عامر، وأبو بكر، وحمزة.
والكسائي، ووجهها الخفض على البدل من (ربّك) .
وعن ابن عبّاس أن (رب) قسم حذف منه حرف الجر.
وجوابه (لَاَ إِلَهَ إِلَّاهُوَ) كما يقال:
والله لا أحد في الدار إلا زيد، وهو غير جائز عند البصريين، لأنّه فيه
стр. 36
حذف حرف القسم في غير الجلالة، وذلك لا يُقاس.
وأما قراءة الرفع فقرأ بها باقي السبعة، ووجهها الرفع على خبر مبتدأ
محذوف، أي: هو رب.
وأما قراءة النصب فقرأ بها زيد بن عليّ، ووجهُها النصب بإضمار أمدح.
ومن ذلك قوله تعالى في سورة "إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ" و " لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا "
قُرىء بضمّ الباء من "لَتَرْكَبُنَّ" وفتحها وكسرها:
فأما قراءة الضمّ فقرأ بها نافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم
ووجهها أن الخطاب للجنس، أي: "لَتَرْكَبُنَّ" أيّها الناس.
стр. 37
وأما قراءة الفتح فقرأ بها باقي السبعة، ووجهها أن الخطاب للإنسان
المقدّم في قوله: (يا أَيّهَا اَلإنسانُ) أو للنبيّ ﷺ ، أي: لتركبَنّ يا محمد سماءً بعدسماء في الإسراء
وأما قراءة الكسر فقرىء بها في الشاذّ، ووجهها أن الخطاب للنفس.
стр. 38
حرف التاء
فمن ذلك قوله تعالى في سورة "المص" الأعراف،: (وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢)
قرئ (هُدًى وَرَحْمَةً) بالنصب في التاء من (رحمة) والرفع والجرّ.
فأما قراءة النصب فقرأ بها السبعة، ووجهها أن (هُدًى وَرَحْمَةً)
منصوبان على الحال من (كتاب) وجاءت الحال من النكرة لأنها
موصوفة، والتقدير: ذا هدى ورحمة، وقيل: مفعولان له.
وأما قراءة الرفع فلم يسمّ الشيخ أبو حيَّان قارئها، ووجهُها الرفع على
خبر مبتدأ محذوف، أي: هو (هُدًى وَرَحْمَةً) .
وأما قراءة الجرّ فقرأ بها زيد بن عليّ ﵄، ووجهُها
الجرُّ على البدل من (كتاب) .
وقال الكسائي والفرّاء: الجر على
стр. 39
النعت للكتاب.
ومن ذلك قوله تعالى في سورة "يوسف": (وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ)
قرئ بفتح التاء، وضمّها، وكسرها، مع فتح الهاء، وسكون
الياء على لفظ "ليت" من أخوات " إنّ ":
فأما قراءة الفتح فقرأ بها أبو عمرو، والكوفيّون، وابن مسعود.
والحسن، ووجهها أنه مبنيّ على الفتح طلباً للخفّة "أين".
وأما قراءة الضمّ فقرأ بها ابن كثير وأهل مكّة، ووجهها أنه مبنيّ على
الضمّ تشبيها بـ "حيث".
стр. 40
وأما قراءة الكسر فقرأ بها ابن عبّاس، وأبو الأسود، وابن أبي
إسحق، وابن مُحَيصِن، وعيسى البصرة، ووجهها أنه مبنيّ على الكسر
على أصل التقاء الساكنين.
و (هيت) في القراءات كلِّها اسمُ فعل بمعنى: أسرِعْ، و (لك) للتبيين.
كنحو: سَقياً لك، أمرته أن يسرع إليها.
وزعم الكسائي والفرّاء أنها لغة حُورانيّة وقعت لأهل الحجاز فتكلّموا بها، ومعناها: تعال.
وقال أبو زيد: هي عبرانيّة " هيت لخ "، أي: تعاله، فعرّبه القرآن.
وقال ابن عبّاس: بالسريانيّة. وقال السّدّي: بالقبطيّة: هلّم لك.
ومنهم من جعل (هيت) يراد بها الخبر كهيهات، ومعناه: تهيَّأْتُ.
فمن جعله أمراً بناه لتضمّنه الحرف الذي هو لام الأمر، ومن جعله خبراً بناه
للحَمل على الأمر، ونظير ذلك " كم " الاستفهامية، بُنِيَت لتضمّنها حرف
الاستفهام، و " كم " الخبرية بُنيَت بالحمل عليها.
واعلم أن الضمير لا يبرز في (هيت) في حال تثنية ولا جمع " لأنه اسم
فعل، بل يستكنّ مطلقاً، وينوب عنه ما بعده، فتقول: هيتَ لكَ، هيتَ لكِ،
следующие страницы →