Полный текст (195 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
حذف حرف القسم في غير الجلالة، وذلك لا يُقاس.
وأما قراءة الرفع فقرأ بها باقي السبعة، ووجهها الرفع على خبر مبتدأ
محذوف، أي: هو رب.
وأما قراءة النصب فقرأ بها زيد بن عليّ، ووجهُها النصب بإضمار أمدح.
ومن ذلك قوله تعالى في سورة "إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ" و " لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا "
قُرىء بضمّ الباء من "لَتَرْكَبُنَّ" وفتحها وكسرها:
فأما قراءة الضمّ فقرأ بها نافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم
ووجهها أن الخطاب للجنس، أي: "لَتَرْكَبُنَّ" أيّها الناس.
стр. 37
وأما قراءة الفتح فقرأ بها باقي السبعة، ووجهها أن الخطاب للإنسان
المقدّم في قوله: (يا أَيّهَا اَلإنسانُ) أو للنبيّ ﷺ ، أي: لتركبَنّ يا محمد سماءً بعدسماء في الإسراء
وأما قراءة الكسر فقرىء بها في الشاذّ، ووجهها أن الخطاب للنفس.
стр. 38
حرف التاء
فمن ذلك قوله تعالى في سورة "المص" الأعراف،: (وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢)
قرئ (هُدًى وَرَحْمَةً) بالنصب في التاء من (رحمة) والرفع والجرّ.
فأما قراءة النصب فقرأ بها السبعة، ووجهها أن (هُدًى وَرَحْمَةً)
منصوبان على الحال من (كتاب) وجاءت الحال من النكرة لأنها
موصوفة، والتقدير: ذا هدى ورحمة، وقيل: مفعولان له.
وأما قراءة الرفع فلم يسمّ الشيخ أبو حيَّان قارئها، ووجهُها الرفع على
خبر مبتدأ محذوف، أي: هو (هُدًى وَرَحْمَةً) .
وأما قراءة الجرّ فقرأ بها زيد بن عليّ ﵄، ووجهُها
الجرُّ على البدل من (كتاب) .
وقال الكسائي والفرّاء: الجر على
стр. 39
النعت للكتاب.
ومن ذلك قوله تعالى في سورة "يوسف": (وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ)
قرئ بفتح التاء، وضمّها، وكسرها، مع فتح الهاء، وسكون
الياء على لفظ "ليت" من أخوات " إنّ ":
فأما قراءة الفتح فقرأ بها أبو عمرو، والكوفيّون، وابن مسعود.
والحسن، ووجهها أنه مبنيّ على الفتح طلباً للخفّة "أين".
وأما قراءة الضمّ فقرأ بها ابن كثير وأهل مكّة، ووجهها أنه مبنيّ على
الضمّ تشبيها بـ "حيث".
стр. 40
وأما قراءة الكسر فقرأ بها ابن عبّاس، وأبو الأسود، وابن أبي
إسحق، وابن مُحَيصِن، وعيسى البصرة، ووجهها أنه مبنيّ على الكسر
على أصل التقاء الساكنين.
و (هيت) في القراءات كلِّها اسمُ فعل بمعنى: أسرِعْ، و (لك) للتبيين.
كنحو: سَقياً لك، أمرته أن يسرع إليها.
وزعم الكسائي والفرّاء أنها لغة حُورانيّة وقعت لأهل الحجاز فتكلّموا بها، ومعناها: تعال.
وقال أبو زيد: هي عبرانيّة " هيت لخ "، أي: تعاله، فعرّبه القرآن.
وقال ابن عبّاس: بالسريانيّة. وقال السّدّي: بالقبطيّة: هلّم لك.
ومنهم من جعل (هيت) يراد بها الخبر كهيهات، ومعناه: تهيَّأْتُ.
فمن جعله أمراً بناه لتضمّنه الحرف الذي هو لام الأمر، ومن جعله خبراً بناه
للحَمل على الأمر، ونظير ذلك " كم " الاستفهامية، بُنِيَت لتضمّنها حرف
الاستفهام، و " كم " الخبرية بُنيَت بالحمل عليها.
واعلم أن الضمير لا يبرز في (هيت) في حال تثنية ولا جمع " لأنه اسم
فعل، بل يستكنّ مطلقاً، وينوب عنه ما بعده، فتقول: هيتَ لكَ، هيتَ لكِ،
стр. 41
هيتَ لكما، هيت لكم، هيت لكنّ.
واختُلف في أسماء الأفعال: فمذهب أكثر البصريين أنها أسماء، وهو
الصحيح. ومذهب الكوفيين أنها أفعال.
وفرّق بعض نحاة الأندلس، فقال: ما كان ظرفاً أو مصدراً في الأصل نحو: حِذْرك، وفَرْطك، وعِنْدك
فهو اسم، وما كان غير ذلك نحو: صَه، ورُوَيد، فهو فعل.
وحُجَجُهم مستوفاة في كتب النحو.
والذين قالوا باسميتها اختلفوا.
فمنهم من قال: هي أسماء للأفعال بمنزلة زيد اسماً للشخص، ومنهم من قال: هي أسماء مرادفة للمصادر التي هي موضوعة موضع الفعل، وهذا هو الصحيح، وهو مذهب أبي عليّ.
وثمَ مذهب ثالث: وهو أنها أسماء للفعل والفاعل، وهو مذهب مردود.
وسيأتي بعض أحكام أسماء الأفعال حيث نتكلّم على " هيهات " بعد هذا.
وتنتهي القراءة في هذا الحرف إلى تسع قراءات: الثلاثة المتقدّمة.
стр. 42
والرابعة: قراءة نافع، وابن ذَكوان، والأعرج، وشيبة، وأبي
جعفر (هِيت) بكسر الهاء وسكون الهاء وفتح التاء.
والخامسة: قراءة هشام رواية الحُلواني بكسر الهاء وهمز ساكن
وفتح التاء.
والسادسة: قراءة أبي وائل، وأبي رجاء، وعكرمة، ومجاهد،
стр. 43
وقتادة، وطلحة، وابن عبّاس، وابن عامر، وأبي عمرو في رواية عنهما
- بكسر الهاء وسكون الهمزة وضم التاء.
والسابعة: قراءة زيد بن علي، وابن أبي إسحق بكسر الهاء وتسهيل
الهمزة الساكنة وضم التاء.
والثامنة: ما ذكره النحّاس من أنه قرىء بكسر الهاء وسكون الياء
وكسر التاء.
والتاسعة: ما روي عن ابن عبّاس (هُيِّيت) على وزن حُيِّيت.
فهذه القراءات كلّها (هيت) فيها اسم فاعل إلاّ قراءة ابن عبّاس
الأخيرة، فإنها فعل مبني للمفعول، مُسَهّل الهمزة، من هَيَّأت الشيء.
وكذلك القراءة التي بكسر الهاء وضمّ التاء مع الهمزة، وغيرها فإنّها تحتمل
أن تكون فعلاً ماضياً والتاء فيه ضمير المتكلّم، بمعنى تهيّات، يقال: هيتُ
وتهيّات بمعنى. فما كان منها فعل، فاللام في (لك) متعلّق به، وما كان
منها اسم فعل فاللام من (لك) خرج مخرج البيان كما تقدّم.
***
стр. 44
ومن ذلك قوله تعالى في سورة " المؤمنين ": (هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (٣٦)
قرئ بفتح التاء فيهما، وضمّها، وكسرها، وقرىء
بالتنوين مع كل واحد منهما:
فأما قراءة الفتح دون التنوين فقرأ بها السبعة، وهي لغة أهل الحجاز.
ووجهها أنها بُنيت لوقوعها موقع الفعل الماضي وهو " بَعُد ". وقيل: بُنيت
لأنها تعطي معنى الجملة، وذلك أنّك إذا قلت: جاء زيد، فقيل لك:
هيهات، فمعناه: لم يجِىء زيد، والجمل من حيث هي مبنتة، فيبنى ما
يعطى معناها، قاله ابن النحويّة. وبني على حركة لالتقاء الساكنين.
وكانت الحركة فتحة طلباً للخفّة.
وكان أبو على يتردّدُ في " هيهات " إذا كانت مفتوحة، فتارة يقول: إنّها
مبنيّة على الفتح كما تقدم، وتارة يقول: إنّها منصوبة على الظرف، وهي
غير منصرفة للتأنيث والتعريف، " بُكرة " من يومٍ بعينه. فعلى هذا إذا
قلت: هيهات زيد، احتمل أن يكون زيد مرفوعاً بـ (هيهات) على مذهب
من يرفع الفاعل بالظرف من غير اعتماد، واحتمل أن يكون هيهات خبراً
مقدماً نحو: عندك زيد.
стр. 45
وأما قراءة التنوين مع الفتح فقرأ بها هارون عن أبي عمرو، ووجهها
أنها مبنيّة كما تقدّم، والتنوين تنوين تنكير.
وأما قراءة الضمّ دون تنوين فقرأ بها أبو حَيوة، وهي لغة بعض
العرب، ووجهها أنها مبنيّة على الضمّ ئشبيهاً بـ " حَوْبُ " في زجر الإبل.
وأما قراءة التنوين مع الضمّ فقرأ بها الأحمر وأبو حيوة أيضاً.
ووجهها أنها مبنية، والتنوين للتنكير.
وقال ابن عطيّة وصاحب " اللوامح ": يحتمل أن تكون اسماً معرباً مرفوعاً بالابتداء، والخبر (لِمَا تُوعَدُونَ)
أي: بُعْدٌ لما توعدون. وقال الزجّاج) ، وتَبِعَه الزمخشري: إنها إذا
نونت كانت بمعنى المصدر.
وقال الشيخ أبو حيَّان: وليس بصحيح، لأنهم قد نوّنوا أسماء الأفعال كصه ومه ولم يقولوا إنها بمعنى المصدر، وأيضاً فإن هيهات لم تثبت مصدريّتها، وإنّما المنقول أنها بمعنى بَعُد.
стр. 46
وأما قراءة الكسر دون تنوين فقرأ بها أبو جعفر، وشيبة، وهي لغة
تميم وأسد، ووجهها أنها مبنيّة، وكسرت على أصل التقاء الساكنين.
وأما قراءة التنوين مع الكسر فقرأ بها خالد بن إلياس، ووجهها أنها
مبنيّة كما تقدّم، والتنوين للتنكير.
تتميم:
اختلف في إفراد هيهات وجمعها، أما إذا كانت مفتوحة فلا خلاف
في إفرادها، واستدلّوا على ذلك بكتبها بالهاء كما تكتب المفردات
كأرْطاة. ومن كتبها بالتاء فهو ككَتْب بعض المفردات بالتاء، نحو
(وَجَنَّتُ نَعِيم) .
وأمّا في حالة الضمّ فمذهب أبي عليّ أنها جمع، وكان يكتبها بالتاء.
ومذهب ابن جنّي أنّها مفردة بمعنى البعد، ويكتبها بالهاء، والضمّة عنده
محتملة للبناء والإعراب وكلُّ مَن أعربَها ولم ينوّن جعلها مصدراً ممنوع
الصرف للتعريف والتأنيث: بَرّة علماَ للمَبَرَّة،
стр. 47
وأمّا حالة الكسر فمذهب سيبويه أنها جمع سلامة: مسلمات.
ومفردها هيهاة، وكان الأصل أن يقال هَيْهَيات بقلب الألف ياء كأرْطَيات.
لكن ضعف عن تصحيح الياء لبنائها، على الصحيح، وحُكمُ المبنيّ ألا
يُقلبَ فيه الألف ياء؛ ألا ترى أنهم قالوا في هذا: هذان، ولم يقولوا:
هذيان. والكسرة عنده كسرة بناء، لأن الكسرة في جمع المؤنث السالم
نظيرة الفتحة في المفرد، فكما أن الفتحة في هيهات فتحة بناء فكذلك
الكسرة في جمعها.
واختار الشيخ أبو حيَّان أنها مفردة في جميع أحوالها، وقال: لا حجّة
في كتبها بالتاء، لكون بعض المفردات يكتب بالتاء.
واختلف في إعراب (هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (٣٦)
فمذهب الأكثر أن (هيهات) اسم فعل، وهو بمعنى بَعُد، وكُرر توكيدا، وهو الصحيح.
واختلفوا في فاعلها: فمنهم من جعله (ما) أي: بَعُدَ الذي توعدونه.
واللام زائدة، وتؤيّده قراءة ابن أبي عبلة: (هيهات هيهات ما توعدون) بإسقاط اللام.
ومنهم من جعل الفاعل ضميراً يعود إلى
"الإخراج " المفهوم من قوله الله تعالى: (أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ) .
стр. 48
واللام في (لِمَا تُوعَدُونَ) للبيان، أي: أعني لما توعدون، نحو: سقياً لك.
ومنهم من جعل الضمير يعود إلى التصديق المفهوم من المعنى.
ومنهم من قدَّر الضمير في كليهما.
ومنهم من جعل ذلك من باب الإعمال.
ومنهم من جعل (هيهات) مبتدأ، و (لِمَا تُوعَدُونَ) الخبر، وقد تقدّم ردّه. ويمكن تخريجه على مذهب الفرّاء، فيكون الفاعل مرتفعاً بهما، كمذهبه في: قام وقعد زيد.
واختلف في (هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ) فمنهم من جعل الثاني تأكيداً، وهو
الأكثر، وقد تقدم.
ومنهم من جعلهما مركَّبَين: بيت بيت، فعلى هذا
يرتفع الفاعل بهما معاً، وهو مذهب ثعلب.
واعلم أن في (هيهات) لغات، ذكر الصاغاني اللغويّ منها ستًا وثلاثين لغة: هيهات، وأيهات، وهيهان، وأيهان، وهايهات،
стр. 49
وآيهات، كلّ واحد من هذه الستّ مضمومة الآخر، ومفتوحته.
ومكسورته، وكلّ واحدة منوّنة وغير منوّنة، فذلك ستّ وثلاثون لغة من
ضرب ستّة في ستّة.
وفيه زيادة على الستّ والثلاثين خمس لغات: أيهاكَ، وأيها بحذف الكاف، وأيهاً بالتنوين، وهيها، وهيهاتْ بالسكون.
وبه قرأ عيسى بن عمر الهمداني.
واعلم أن الجمهور على أن ألف هيهات أصليّة منقلبة عن ياء، وأصله
هَيْهَيَة فوزنه " فَعْلَلَة " كزلزلة، فيكون من باب المضاعف، وهو باب واسع.
ومنهم من جعلها زائدة للإلحاف بأرْطاة، فوزنها " فَعْلاة "، ودخلوا بها
في باب سلس، وهو قليل، ولم يحكموا بزيادة الياء، لأنه يلزم من
الدخول في باب بَبر، أي كون الفاء والعين من جنس واحد، وهو قليل
جدا.
والبَبْر حيوان يكون بين يدي الأسد.
ومن أحكام هيهات أنه لا يستعمل في الأكثر إلاّ مكرّراً كالآية، وقد
يستعمل غير مكرّر.
قال الشاعر:
стр. 50
فهيهاتَ هيهاتَ العَقيقُ وأهلُه. . . وهيهاتَ خِل بالعَقيقِ نُواصِلُه
فجمع بين التكرير وعدمه.
ومن مجيئه مفرداً قوله:
هيهاتَ قد سَفِهَتْ أُمَيَّةُ رأيَها. . . واستجهلتْ، حلماؤها سُفَهاؤها
فإن قيل: فما فائدة المجيء بأسماء الأفعال بدلَ أفعالها؟
قلتُ: الاختصار والمبالغة: أما الاختصار فإن لفظها مع المذكر
والمؤنّث والمثنّى والمجموع واحد، وليس كذلك الفعل.
وأما المبالغة فإن قولك: بَعُدَ زيد، ليس فيه من المبالغة ما في قولك: هيهات زيد.
فإن قولك: بَعُدَ زيد، يُفْهَمُ منه مُطْلَقُ البُعد، وإذا قلتَ: هيهات زيد، فمعناه: بَعُدَ زيدٌ جدّاً، أي: بلغ في البُعد غايتَه.
***
ومن دْلك قوله تعالى في سورة " ص ": (وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ (٣)
قرئ بفتح التاء ونصب النون من (حين) ، وبضمّ التاء ورفع النون، وكسر
التاء وخفض النون:
أمّا قراءة الفتح ونصب النون فقرأ بها السبعة، ووجهها أنّه من قال: إنّ
(لات) مركّبة من " لا " وتاء التأنيث، فالفتحة فيها كالفتحة في خيسة عشر، وهو قول سيبويه. ومن قال: إنّ التاء للتأنيث نحو رُبَّت وثمَّت، فحرّكت
لأجل التقاء الساكنين، وفتحت طلباً للخفّة، وهو قول الجمهور
стр. 51
والأخفش. ومن قال: إنّ التاء ليست للتأنيث وإتما هي تاء زِيدت على
الحين مستدلاًّ بقول الشاعر:
العاطفون تَحينَ ما من عاطفٍ.
أي: العاطفون حين لا عاطف، فحُركت لكونها على حرف واحد.
وفُتِحت طلباً للخفة، وهو قول أبي عبيد، واختاره أبو الحسين بن
الطراوة من نحاة الأندلس.
وأما من قال: إن (لات) أصلها " ليس " فأبدلوا السين تاء، كما صنعوا
في ستّ، فلمّا صار " ليت " خافوا من الإلباس بـ " ليت " التي للتمنّي،
стр. 52
فأبدلوا الياء ألفاً، فقالوا " لات "، فالفتحة فيها كالفتحة في " ليس "، وهو
مذهب أبي الحسن بن أبي الربيع.
وأما نصب الحين فعلى قول سيبويه إنما عملت عمل ليس، واسمها
محذوف وهو الحين، وهذا المنصوبُ خبرُها، أي: ليس الحينُ حينَ
مَخْلَص ولا فرار.
واختصّت " لات " بأن اسمها وخبرها لا يكونان إلا الحين، ولا يلفظ
بهما معاً، فلا تقول: لات الحينُ حينَ كذا، بل يُذكرُ واحد منهما ويحذف
الآخر، والأكثر حذف الاسم مثل هذه القراءة.
وعلى قول الأخفش: إن " لات " عملت عمل " إنّ "، فتنصب الاسم وترفع الخبر، فهذا الحين المنصوب هو اسمها، والخبر محذوف، أي: ولات حينَ مناص لهم.
وللأخفش مذهب اَخر: يرى أن " لات " لا تعمل شيئاً، فالمنصوب بعدها على مذهبه منصوب بفعل مضمر تقديره: ولات أرى حينَ مناص، وفيه نظر.
стр. 53
وأما قراءة ضمّ التاء ورفع النون فقرأ بها أبو السمّال، ووجهها أنها
مبنيّة على الضمّ نحو منذُ، وربّ في لغة. وأما رفع (حين) فعلى قول
سيبويه: إنّه اسم لات والخبر محذوف عكس النصب.
وعلى قول الأخفش: مبتدأ والخبر محذوف، وليس لـ " لات " عمل.
وأما قراءة كسر التاء وخفض النون فقرأ بها عيسى بن عمر، ووجهها
أنّها بُنيَت على الكسر نحو " جَيْرِ "، ويمكن أن تكون الكسرة في التاء إتباعاً
لكسرة الحاء في حين. وأمّا خَفْضُ الحين فهو أمر مُشْكل، وخرّجَه
بعضهم على أن " لات " حرف جرّ، والحين مجرور به، واستدلَّوا على ذلك
بقول الشاعر:
ولَتَعْرِفنّ خلائفا مشمولةً. . . ولَتَنْدَمَنّ ولاتَ ساعةِ مندم
بخفض " ساعة ".
وقد استعمل المتنبي ذلك في شعره، فقال:
لقد تَصَبَّرْتُ حينَ لات مُصْطَبِرٍ. . . فالآنَ أَقْحُمُ حتى لات مُقْتَحمِ
стр. 54
واستعمال المتنبي هذه اللغة لا تليقُ به؛ لأنّها في غاية الشذوذ، من
كونه جَرَّ بعد " لات "، وأوقع بعدها الاسم وليس بحين ولا ظرف محمول
على الحين، ولا يُسْمَحُ للمُوَلَّدين في مثل هذا الاستعمال.
وقد خرّجه بعضهم على أنّ " لات " بمعنى غير، وهي صفة لمحذوف: أي: ونادوا حيناً غير حين مناص، وهو مردود؛ لأن الواو إذ ذاك تكون زائدة ولا فائدة لها حينئذٍ.
وأما تخريجُ الزمخشري لهذه القراءة فلا ينبغي أن يُسَطَّرَ لبُعده.
وأقرب من هذا كلِّه تخريجُ أبي حيَّان ﵀، قال: إن الجرّ
في (حين) على إضمار " من "، أي: ولات من حين مناص، ونظيره
قولهم: على كم جذعٍ بيتك: أي من جذع، ونحوه: ألا رجلٍ جزاه
الله خيراً، أي: من رجل، ويكون " من حين " في موضع رفع على أنه
اسم " لات " بمعنى " ليس " كما تقول: ليس من رجلٍ قائماً، والخبر
محذوف.
وخرّجَ بعضُهم خَفْضَ الحين على أنّ الخَفْضَ بـ " لات "، وخَفَضوا بها
على الأصل، لأن ما اختصّ من الحروف بالأسماء ولم يكن كالجزء منها
فالأصل فيه أن يعملَ الجرّ، ونظيرُ ذلك الجرُّب " لعل " وب " لولا ".
وقد قال الفرّاء: ومن العرب من يَخْفِضُ بـ " لات " وأنشد:
. . . ولتَنْدَمَن ولاتَ ساعةِ مندمِ
قلت: ولعمري، إنّه لتخريج حسن.
стр. 55
تتميم:
واختلفوا في الوقف على " لات ": فسيبويه، والفرّاء، وابن كيسان.
والزجّاج يقفون بالتاء، والكسائي، والمبرّد يقفان بالهاء.
وأبو عبيد ومن قال بقوله يقفون على " لا "، وزعموا أنّ التاء زيدت في " حين ".
قال أبوعبيد: رأيت في الإمام - يعني مصحف عثمان ﵁ التاء
كُتبت متّصلة بـ " حين ". وهَبْ أنّه رأى ذلك في الإمام، فلا ينهض دليلاً؛
لأنّ الإمامَ فيه أشياءُ كثيرة من غير الاصطلاح، ألا ترى أنّه قد جاء في
الإمام أشياءُ موصولة كان من حقّها أن تكون مفصولة نحو (وَيْكَأَنَّهُ) ، فيكون (تحين) من ذلك.
ومن ذلك قوله تعالى في سورة " القتال ": (وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ) .
قرئ بكسر التاء ورفعها ونصبها.
فأما قراءة الخفض فقرأ بها السبعة، ووجهها أنها صفة لـ (خمر) .
وأما قراءة الرفع: فوجهها أنها صفة لـ (الأنهار) .
стр. 56
وأما قراءة النصب فوجهها النصب على المفعول من أجله، أي: لأجل
لذَّة.
ومن ذلك قوله تعالى في سورة " العلق ": (بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦) .
قرئ بخفض (نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ) وبنصبها وبرفعها.
فأما قراءة الخفض فقرأ بها السبعة، ووجهها أنها بدل من (بالناصية)
بدل نكرة من معرفة، و (كاذبة) و (خاطئة) صفة لها.
واختلف في شرط صفة النكرة إذا كانت بدلاً من معرفة:
فمنهم من اشترطه ومنهم لم يشترطه.
وأما قراءة النصب فقرأ بها أبو حَيوة، وابن أبي عَبلة، وزيد بن علي.
ووجهها أنها منصوبة على الذمّ، أي: أذُمُّ ناصية كاذبةً خاطئة.
وأما قراءة الرفع فقرأ بها الكسائي في رواية، ووجهها أنها مرفوعة على
الخبر لمبتدأ محذوف، أي: هي.
стр. 57
تتميم:
وصف الناصية بالكذب والخطأ مجاز، وإنما ذلك من صفة صاحب
الناصية، وحسّن ذلك كون الناصية مُحَدَّثأ عنها في قوله تعالى: (لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ) .
стр. 58
حرف الثَّاء
فمن ذلك قوله تعالى في سورة " الأنبياء " ﵈: (مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢) لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ) .
قرئ بخفض الثاء من (مُحْدَثٍ) ورفعها ونصبها:
فأما قراءة الخفض فقرأ بها السبعة، ووجهها أنها صفة لـ (ذِكْرٍ)
على اللفظ.
وأما قراءة الرفع فقرأ بها ابن أبي عَبلة، ووجهها أنها صفة لـ (ذِكْرٍ)
على الموضع لأنَّ (من) زائدة، والتقدير: ما يأتيهم ذكرٌ مُحْدَثٌ، كما
تقول: ما من أحد فاضل في الدار، أي: ما أحد فاضل، والموضع من
مواضع زيادة " من ".
وأما قراءة النصب فقرأ بها زيد بن علي، ووجهها أنها حال من (ذِكْرٍ)
وإن كان نكرة، فإنه قد وصف بقوله تعالى: (من ربِّهم) .
стр. 59
تتميم:
في هذه الآية الكريمة لطيفة: وهو توالي أربع أحوال ف (محدث) -
فيمن نصب - حال من (ذكر) ، و (إلاّ استمعوه) حال من المفعول
في (ما يأتيهم) ، (وهم يلعبون) حال من الضمير المفعول في
(استمعوه) . و (لاهيةً) حال من الضمير في (يلعبون) .
ونظير هذه الآية في توالي الحالات قوله تعالى: (وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ)
فقوله تعالى: (لَا تُؤْمِنُونَ) حال، (وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ) حال ثانية، (وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ) حال ثالثة.
ومن توالي الحالات قوله تعالى: (إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (٢) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (٣) .
في قراءة زيد بن علي، فإنّه قرأ بنصب (خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ) و (لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا) جملة في موضع الحال من (الْوَاقِعَةُ) ، أي: إذا وقعت صادقةً.
و (خَافِضَةٌ) ، و (رَافِعَةٌ) حالان منها أيضاً.
стр. 60
حرف الجيم
فمن ذلك قوله تعالى: في سورة "الأنبياء": (فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ) .
قرئ بضمّ الجيم من (جذاذ) وكسرها وفتحها:
فأمَّا قراءة الضمّ فقرأ بها السبعة إلا الكسائي، ووجهها أنها جمع
جُذاذة، كزُجاج وزُجاجة، قاله اليزيدي.
وأمّا قراءة الكسر فقرأ بها الكسائي، ووجهها أنها جمع جَذيذ، ككريم
وكِرام.
وأما قراءة الفتح فقرأ بها ابن عبَّاس ﵄، وأبو نَهيك.
وأبو السَّمّال، ووجهها أنها مصدر بمعنى المجذوذ، كالحصاد بمعنى
المحصود.
стр. 61
وقيل: ضمّ الجيم وكسرها وفتحها لغة، وأجودها الضمّ، كالحُطام
والرُّفات.
وقال قطرب: هو مصدر في لغاته الثلاث، لا يُثنى ولا يُجمع.
والجَذّ في اللغة: القطع، يقال: جَذَذْتُ الشيء: قطعته وكسرته.
قال الشاعر:
بنو المُهَلَّبِ جَذَّ اللهُ دابِرَهم. . . أمسَوا رَماداً فلا أصلٌ ولاطَرَفُ
والجُذاذ: ما تكسّر من الشيء، ويقال للحجارة من الذهب جذاذة.
لأنها تقطع، و (عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) أي غير مقطوع.
تتميم:
إنْ قيل: لأيّ شيء جيء بضمير من يَعْقِلُ في قوله تعالى: (فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا) والأصنامُ لا تَعْقِلُ؟
قيل: إنّما كان ذلك لأنّها عندهم بمنزلة من يَعْقِل.
وقوله تعالى: (إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ) استثناء من الضمير في قوله:
(فَجَعَلَهُمْ) أي: إلاّ كبيراً لهم لم يجعله جذاذاً.
فإن قيل: فالضمير في (لَهُمْ) على أيّ شيء يعود؟
قيل: يحتمل أن يعود على الصنم، والاعتذار ما تقدّم، ويحتمل أن
стр. 62
يعود على عُبّادها.
ومن ذلك قوله تعالى في سورة " القصص ": (لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٢٩)
قرئ بكسر الجيم من (جَذْوَةٍ) وضمها وفتحها.
فأما قراءة الكسر فقرأ بها السبعة إلا حمزة وعاصماً.
وأما قراءة الضمّ فقرأ بها حمزة، والأعمش، وطلحة، وأبو حيوة.
وأما قراءة الفتح فقرأ بها عاصم. وكلّها لغات بمعنى واحد، وكذلك
جمعها مثلّث يقال: جذاً بضمّ الجيم وفتحها وكسرها.
واختُلف في (الجذوة) ، فقيل: هي الجمرة، وعليه الأكثر.
وقال أبو عبيدة: والجذوة: القطعة الغليظة من الخشب، كان في طرفها نار أو لم يكن.
стр. 63
حرف الحاء
فمن ذلك قوله تعالى في سورة " الأنعام ": (وَحَرْثٌ حِجْرٌ)
قرئ بكسر الحاء وسكون الجيم من (حِجْرٌ) ، وبضمّها وبفتحها مع
سكون الجيم:
فأما قراءة الكسر فقرأ بها السبعة، ووجهها أنّه " فِعْل " بمعنى " مفعول ".
مثل الذِّبح بمعنى المذبوح، والطِّحن بمعنى المطحون، ويستوي فيه
المذكر والمؤنّث والواحد والجمع.
وأما قراءة الضمّ فقرأ بها الحسن، ووجهها أنّه لغة في المكسور.
وأما قراءة الفتح فقرأ بها أيضاً الحسن، ووجهها وجه الضمّ. والله أعلم.
***
ومن ذلك قوله تعالى في سورة " والذّاريات ": (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ (٧)
قرئ بصْمّ الحاء وكسرها وفتحها.
وقد تقدّم الكلام في ذلك مستوفىً في حرف الباء.
***
стр. 64
ومن ذلك قوله تعالى في سورة " الرّحمن ": (شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ) .
قرأ ابن أبي إسحق (ونَحِسّ) مكان (نحاس) فجعله فعلاً مضارعاً من
حَسّه: إذا قتله، وأجرى على الحاء الحركات الثلاث على التَّخيير، فهي
قراءة مثلثة عنده.
فوجه الضمّ أنّ الماضي على " فعَلَ " بفتح العين، والمضارع على
" يفعُلُ " بضمّها، نحو شدَّ يشُدّ، وهو القياس؛ لأنّه حسّ متعذّ.
ووجه الكسر أنّ الماضي كذلك والمضارع على " يفعِل " بالكسر نحو
شدّ يشدّ، يروى بالضمّ على القياس، وبالكسر سماعا.
ومثله يحسّ هاهنا.
ووجه الفتح أن الماضي على " فَعِل " بكسر العين، والمضارع على
" يفعَل " بفتح العين.
***
حرف الخاء
ولم نجد في الخاء شيئا .
***
стр. 65
حرف الدَّال
فمن ذلك قوله تعالى في أوّل " فاتحة الكتاب ": (الْحَمْدُ لِلَّهِ)
قرئ برفع الدال ونصبها وجرها.
فأما قراءة الرفع فقرأ بها السبعة، ووجهها أن (الحمد) مبتدأ، و (لله)
في موضع الخبر، واللام بمعنى الاستحقاق، وهي متعتقة بمحذوف هو
الخبر في الحقيقة، أي: الحمد ثابت لله.
وأما قراءة النصب فقرأ بها هارون العَتكيّ، ورُؤبة، وسفيان بن عُيينة.
ووجهُها أنه منصوب على المصدر على طريقة المصدر المنصوب
بفعل لا يظهر، أي: أحمَدُ اللهَ الحمدَ.
وقيل: إنّه منصوب بفعل من غير لفظ الحمد، أي: اقرأ الحمد لله، فلا يكون هذا مصدراً، والأوّل أصحّ.
فمن جعل (الحمد) منصوباًب: اقرأ، فاللام من (لله) يتعلّق به، ومن
جعله منصوباً على المصدر فاللام خرجت مخرج البيان، أي: أعني لله.
فإن قيل: لأيّ شيء لا تكون اللام متعلّقة بالمصدر؟
فالجواب: أنهم قالوا: سَقْياً لزيد، ولم يقولوا سَقياً زيداً، فدلّ هذا
стр. 66
على أن المجرور لعامل آخر خلاف المصدر.
وقراءة الرفع أبلغ من قراءة النصب، ولهذا أجمعَ السبعةُ عليها؛ لأنّ
قراءة الرفع تُؤذن باستغراق الحمد، وقراءة النصب تُؤذن بحمد مخصوص.
أعني حمد المتكلّم، ولأنّ قراءة الرفع تؤذن بالثبات والاستقرار، وقراءة
النصب تؤذن بالتجدّد، ألا ترى قوله تعالى (قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ)
، فعبّر عن تحيّة إبراهيم ﵇ بالرفع تنبيهاً على أنّ تحيّتَه خير
من تحيّتهم لما في الرفع من الثبوت والاستقرار.
وأما قراءة الخفض فقرأ بها الحسن، وزيد بن علي، ووجهها أنّهم
كرهوا الخروج من رفع إلى كسر، فكسروا الدال إتباعاً لكسرة اللام، كما
قالوا: مِنْتِن بكسر الميم إتباعاً لكسرة التاء، والأصل فيها الضمّ، وقالوا:
المِغِيرة بكسر الميم إتباعاً لكسرة الغين، والأصل الضمّ.
وفي هذه القراءة ضعف؛ لأن فيها إتباع حركة الإعراب لحركة
البناء، والإتباع - وإن كان شاذّاً - فهو باب مُتَّسع، ولا تنافي بين
شذوذه واتّساع بابه، فلذلك يكون في كلمة واحدة كما تقدّم، ويكون في
كلمتين: نحو قولهم: قَدُمَ وحَدُثَ، بضمّ الدال من حدث، والأصل فيه
فتحها، فإذا استعمل وحده فُتحت الدال، وإذا استعمل مع قدم ضمّت
стр. 67
إتباعا لضمّة قدم.
ومنه قولهم: هَنَأَني الطعامُ وَمَرَأَني، وإنما الكلام أَمْرَأَني.
ومنه قوله ﵇ " أنفِقْ يا بلالاً ولا تَخْشَ من ذي العرش إقلالاً "
فردّ النداء إلى الأصل من النصب إتباعا لقوله ﵇ " إقلالاً ".
ومنه قولهم: " إن فلاناً ليأتينا بالغدايا والعشايا "، فجمع غداة على
" فعائل " ليزدوج مع العشايا جمع عشيّة، وحقّ الغداة ألاّ تجمع على
" فعائل "؛ لأنّها " فَعْلة "، وفي هذا نظر؛ لأنهم قد قالوا في الغداة: غَدِيّة
على وزن عَشِيّة، ذكره ابن الأعرابي في " نوادره "، وأنشد عليه:
ألا ليتَ حظّي من زيارة أُمِّيَهْ. . . غَدِيّاتُ قَيظٍ أو عَشِيّاتُ أَشْتِيَهْ
فعلى هذا يكون الغدايا قياسا مثل العشايا لا للإتباع.
стр. 68
ومنه فوله ﵇: " ارْجِعْنَ مأزوراتٍ غيرَ مأجورات "
ومأزورات: أصله الواو لأنه من الوِزر، وإنما هُمز إتباعاً لمأجورات.
ومنه قولهم: " لا يعرف سُحادِلَيه من عُنادِلَيه " فثنّى السُّحادل وهو مفرد
لأنّه الذكَر، إتباعاً لتثنية عُنادِلين، لأنهما الأُنْثَيان.
ويكون الإتباع أيضا بين حركتىِ البناء والإعراب، وبين المفرد والتثنية.
ويكون الإتباع للأول وللآخر.
تتميم:
واختلفوا في الألف واللام في (الحمد) :
فمنهم من جعلها للعهد، أي: الحمدُ المعروفُ عندَكم هو لله.
ومنهم من جعلها لتعريف الماهيّة، كقولهم: الدّينار خيرٌ من الدرهم.
أي: أيّ دينار كان هو خيرٌ من أيّ درهم كان، فيستلزم ثبوت جميع
المحامد لله تعالى، لأن المعنى: أيّ حمد كان فهو لله.
ومنهم من جعلها لتعريف الجنس فيفيد الاستغراق بالمطابقة، وهذا هو
أصخ الأقوال، إذ لا حمدَ في الحقيقة إلا لله.
стр. 69
وذهبت المعتزلة إلى أن الألف واللام لمجرّد الجنس، فلا تفيد عندهم
الاستغراق، والمعنى عندهم: لله حمدٌ من جنس الحمد الذي تعرفون.
ووهَّمَ الزمخشريُّ من ادّعى الاستغراق. وهو الواهم في الحقيقة.
قال بعض أشياعه: إنّما كان ادّعاء الاستغراق وَهَماً لوجهين:
أحدهما: أنّ (الحمدُ لله) ناب منابَ أحْمَدُ الله، وأَحْمَدُ الله لا يفيد
الاستغراق، فكذلك (الحمد لله) لأن النائب لا يكون أقوى من المنوب
عنه. قلنا: لا نسلّم النيابة، وإن سلّمناها، فكم من نائب أقوى من المنوب
عنه، دليله عينُ مسألته: ألا ترى أن الزمخشري قد قَرّر أن (الحمد لله)
بالرفع أبلغ من النصب، لأن الرفع يقتضي الدوام والاستقرار والنصب
يقتضي التجدّد، فقد بان لك أن (الحمد لله) وإن كان نائباً فهو أبلغ وأقوى
من المنوب عنه، وهو أحمدُ الله، فانظر هذا الرجل كيف انتصر
للزمخشري بشيء لا يرتضيه، " فحُبُّكَ الشيءَ يُعمي ويُصِمّ ".
الثاني من الوجهين: أنّ غيرَ اللهِ يُحمد، فمن ادّعى الاستغراق خالف
الواقع. وهذا باطل؛ لأنّ غيرَ الله لا يستحقُّ حمداً إلا بالمجاز، والحمد
بالحقيقة إنّما هو لله تعالى؛ لأنّه خالقُ كلِّ نعمة والفاعل لها، والعبدُ
واسطةٌ، فالحمدُ في الحقيقة لله تعالى، وما ذكرَه من أن شكر المُنْعِم
واجبٌ، مُسَلَّم، لكنّ المُنْعِمَ في الحقيقة هو اللهُ تعالى.
و (الحمد) مصدر، لا يُثَنّى ولا يُجمع. وأمّا قول الشاعر:
وأبلجَ محمودِ الثنايا خَصَصْتُه. . . بأفضلِ أقوالي وأفضلِ أَحْمُدي
стр. 70
فإنّما جمعَه لأنه راعى فيه الأنواعَ والاختلاف، والمصدر إذا رُوعي فيه
ذلك ثني وجُمع.
والفعل منه حَمِدَ بكسر الميم، وقد سُمع فيه الفتح. والله أعلم.
* " *
ومن ذلك قوله تعالى في سورة " النور ": (كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ)
قرئ بضم الدال وفتحها وكسرها مع تشديد الياء، وقرئ بالحركات
الثلاث في الدال مع المدّ والهمز:
فأما قراءة ضمّ الدال وتشديد الياء فقرأ بها نافع وابن كثير وابن عامر
وحفص، ووجهها أنه منسوب إلى الدُّرِّ لبياضه وصفائه، فالياء زائدة
للنسب، ووزنه " فُعْلِيّ ". قيل: ويحتمل أن يكون أصله الهمز، من " درأ "
ثم سهل وأدغم، فوزنه " فُعِّيل " ويأتي الكلام عليها.
وأما قراءة فتح الدال مع تشديد الياء فقرأ بها قتادة، وزيد بن
عليّ، والضحّاك، ورُوِيَت عن نصر بن عاصم، وأبي رجاء،
стр. 71
وابن المُسَيَّب، ووجهها أن يكون منسوبأ إلى الدُّرّ، وفتح الدال من تغيّر
النسب، ويكون وزنه " فَعْلِيّاً "، ويحتمل أن يكون من الدَّرء، فوزنه
" فَعِّيل "، فدخله التسهيل والإدغام.
وأما قراءة الكسر مع تشديد الياء فقرأ بها الزُّهري، ووجهها أن
يكون منسوبا إلى الدُّرِّ كما تقدّم، وكسر الدال من تغيّر النسب، فوزنه
" فِعْلِيّ "، ويحتمل أن يكون " فِعِّيلاً " من الدَّرء، ودخله التسهيل والإدغام
كما تقدم.
وأما قراءة الضئم مع المدّ والهمز فقرأ بها حمزة وأبو بكر أحد راويَي
عاصم، ووجهها أن يكون مأخوذا من الدَّرْء، وهو الدفع، لأنه يدفع
الظلمة بضَوئه، ووزنه " فُعِّيل "، وهو وزن غريب، فمن أثبته - وهو الظاهر من سيبويه، وأبي علي جعل منه مُرِّيقأ وهو العُصْفُر، ويقال له
الإحريض، وسُرِّيّة: وهي الأَمَة التي بَؤَأْتَها بيتاً، فيمن جعلها مشتقّة من
السُّرُّور، فيكون أصله سُرِّيراً، فأبدل من أحد المضاعَفين ياء وأدغمه في
ياء " فُعِّيل "، ومُرِّيخاً للذي في داخل القرن، وعُلَيّة للغرفة، وذُرَيّة: نسل
الثَّقَلين.
ومن لم يثبت " فُعِّيلاً " في الكلام أَوَّلَ هذه الأشياء، وقال في
стр. 72
دُرِّيء: وزنه " فُعُّول " كسُبُّوح، وكان الأصل فيه دُرُّوء ثم استثقل، فحوّلت الضمة في الراء كسرة والواو ياء، فقيل دُرِّيء.
وأما مُرَيق فالقول فيه كالقول في دُرِّيء، أو يكون لقلته لم يُعْتَدَّ به.
أما سُرِّيَّة فهي " فُعْليّة " منسوبة إلى السَرّ وهو الجماع والإخفاء، لأن الإنسان كثيراً ما يُسِرُّها
ويَسْتَرُّها عن حُرَّته، وإنّما ضُمَّت سينه لأجل النسب.
وأما مرِّيخ فقد قيل وزنه " فِعِّيل " بكسر الميم.
وأما علِّيّة فقد قيل فيه أيضاً " فِعِّيلة " بكسر العين.
وأما ذُريَّة فيحتمل أن يكون وزنه " فُعلولة " من الذَّرّ، والأصل
ذُرُّورة، فأبدلوا من الراء الأخيرة ياء لأجل التضعجف، فقالوا: ذُرُّوية، ثم
قلبوا الواو ياءً وأدغموها في الياء فصار ذرِّيَّة، فحؤلوا الضمّة كسرة لأجل
الياء، وسيأتي الكلام على " ذرّيَّة " بعد هذا.
وأما قراءة فتح الذال مع المدّ والهمز فقرأ بها قتادة، وأبان بن
عثمان، وابن المسيّب، وأبو رجاء، وعمرو بن فائد، والأعمش.
ونصر بن عاصم، ووجهها أنها " فَعِّيل " من الدَّرء، قال ابن جني: وهو
وزن عزيز لم يُحفظ منه إلا السَّكَينة بفتح السين وشدّ الكاف.
стр. 73
وأما قراءة كسر الدال مع المد والهمز فقرأ بها أبو عمرو، والكسائي.
ووجهها أنها " فِعِّيل " من الدَّرء، وهو وزنٌ كثير في الأسماء، كسِكّين.
وسِكّير.
تتميم:
الكوكب هو النجم البادي، ولا يقال له كوكب إلا عند ظهوره، قاله
الراغب.
وكوكبُ الشيء: معظمه. وكوكبُ الروضة: نورها.
وكوكبُ الحديد: بريقه.
والكوكب: البياض في سواد العين، ذهب البصر أو لم يذهب.
والكوكب: قطرات الجليد التي تقع على البَقل بالليل.
والكوكب: شدة الحرّ ومعظمه.
والكوكب: الماء.
والكوكب: السيف.
والكوكب: سيّد القوم.
والكوكب: الرجل بسلاحه.
والكوكب: المَحْبِس.
والكوكب: الجماعة من الناس.
والكوكب: المسمار.
والكوكب: الخطّة تخالف لون أرضها.
والكوكب: عين البئر، والكوكب: الجبل.
قال الأزهري: سمعنا غير واحد من العرب يقول للزُّهرة من
بين الكواكب: كوكبة، يؤنثها، وسائر الكواكب تذكر.
قال الضحّاك: والمراد بالكوكب في الآية: الزُّهرة. شبَّه الزجاجة بها
في ضوئها وشعاعها.
стр. 74
وهنا تنبيه: وهو أن كوكبا وزنه " فوعل "، والواو زائدة، فكان حقّ
الجوهري أن يذكره في فصل " ككب" لا في فصل " كوكب"، والله أعلم.
ومن ذلك قوله تعالى في سورة " ص ": (ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١)
قرئ بضمّ الدال من (ص) وفتحها وكسرها.
فأما قراءة الضئم فقرأ بها الحسن، وابن السَّمَيْفَع، وهارون الأعور.
وتوجيهُها: أنّ من قال: إن " صاداً " اسم للسورة، فيكون خبرَ مبتدأ
محذوف، أي: هذه صاد، ومنع الصرف للتأنيث والعلميّة.
ومن قال: إنه حرف مقتطع من كلمةٍ: أمّا من الصَّمَد والصادق، أو من صدق محمد، فلا محلَّ له من الإعراب.
وأما قراءة الفتح فقرأ بها عيسى، ومحبوب عن أبي عمرو، ووجههما
стр. 75
أنه فتح طلباً للخفّة، فالحركة حركة بناء.
وقيل: إنه معرب وانتصب على أنه مقسم به حذف منه حرف القسم، نحو: اللهِ لأفعلَنّ، وهو على هذا اسم للسورة، وامتنع الصَّرف لما تقدّم.
وقيل: هو مفعول بإضمار فعل، أي: اتلُ صادَ، وهو لا ينصرف.
وأما قراءة الكسر فقرأ بها أبى، والحسن، وابن أبي إسحاق.
وأبو السمَّال، وابن أبي عبلة، ونصر بن عاصم، ووجهها أنه كسر لالتقاء
الساكنين، فهو حرف من حروف المعجم، وقيل: هو أمر من صادَى
يُصادي، بمعنى عارض، والمعنى عارِضْ يا محمّد بعملك القرآن.
وقرأ السبعة (صادْ) بإسكان الدال، ووجهها أن حروف المعجم لا يدخلها إعراب، وهي موقوفة الآخر.
تتميم:
واختلفوا في جواب القسم اختلافاً كبيراً:
فقيل: هو مذكور. واختُلِفَ في تعيينه: فقيل: (إِنَ ذَلِكَ لحقٌّ)
وقيل: (إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ) : وقيل: (كَمْ أَهْلَكْنَا)
على حذف اللام، أي: لكم. وقيل: (ص) . والتقدير: والقرآن ذي الذكر صدق محمد، وهذا مبنى على تقدم جواب القسم، وعلى أنّ (ص) حرفٌ
مُقتطع.
следующие страницы →