← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 1397

الانتصار للقرآن للباقلاني

الباقلاني

Полный текст (756 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وذكر أصحابُ التواريخ أنّ عمرَ بن الخطّاب أمر بالقيام في شهر رمضانَ في المدينة، وكتب إلى البلدان في سنة أربعَ عشرةَ، ثم لم يزل كذلك طولَ سنينه وأيام نظره إلى أن مات رضوانُ الله عليه، ولم يزل الأمرُ كذلك إلى أيام عثمانَ وعلي والتلاوةُ تكثر، والحفظُ يتّسع، والقرآنُ ينتشر، والإصغاءُ إليه يحصلُ من الصغير والكبير، والحاضرِ والبادي، والقاصي والداني، فلا يُحفَظُ على أحدٍ من الناس أنه قال في طول تلك الأيام: إنَّ القرآنَ مبدَّلٌ ومُغَيّر، ومَزِيد فيه ومنقوص منه، ومرتَّب على غير سَنَنِه ووجهه الذي أُنزِلَ عليه، ولا يقدح بهذا على راعٍ ولا رعية، ولا تابعٍ ولا متبوع، ولا يتناكرُ الناسُ شيئا مما يظهر بينهم منه، ولا يَتحزَّن مُتحزِّن ولا يتأسَّفُ متأسِّفٌ على ضياع شيءٍ منه، ولا يطعن طاعنٌ، ولا يقدح قادح على تاليه ومقرئه وكاتبه وناسخه بتغيُّر شيءٍ منه، أو الزيادةِ فيه، أو النقصان منه، وكل هذا يدلُّ دلالةً بيِّنةً على تكدُّب مَن ادَّعى تغييرَ القرآن وانقطاعَ نقله وخفاءَ أمره، وقلةَ حُفاظه، وانصرافَ هِمَم الناس ودواعيهم عن حفظِه وإحرازِه، وأنه لو وقع فيه تغييرٌ أو تبديلٌ، أو زيادة أو نقصان، أو مخالفةٌ في الترتيب لسارع الناسُ إلى نقل ذلك والمذاكرة به، والتذامرُ لأجله، والإبداءِ والإعادة له، وفي فقدِ العلم بذلك دليل على بطلانِ ما يدعونه من هذا الباب. فإن قال قائل: هذا الفصلُ من الكلام ومِنْ فعلِ عمرَ وسيرتِه وإن كان شاهداً لكم على ما قلتم، وحجةً لصحةِ ما اعتقدتم، فإنه من أوله إلى آخره طعن على عمرَ وقدحٌ فيه، وغضّ في عمله وقدره، لأنكم جميعاً تشهدون عليه بأنه أحدثَ في هذا الباب سُنَّةً لم تكن على عهد رسول الله ﷺ ، وفعلَ ما لم يره الرسولُ صواباً، وقدَّم رأيه لرأي النبي ﷺ ، واعتقد أنه قد استدركَ من مصلحةِ الأمة وحُسن الاحتياطِ لها ما ذهب على

стр. 107

الرسول علمُه، وكل هذا طعنٌ على من اعتقده في نفسه وأبدعَ في الدين ما لم يشرعه الله سبحانه ولم يسُنَّه رسوله، فما العذرُ عندكم لعمرَ في هذا الباب، وما المخرَج له منه؟ فيقال لمن اعترضَ بهذا من أغبياء الرافضة وأوغادِها: ليس الأمرُ في هذا على ما توهَّمتم، بل ما وصفناه: من فضائل عُمرَ الشريفة وسُنَنِه الرضية الحميدة التي رَضِيَها المسلمون، ونوَّر بها مساجدَهم، وقوَّى بها هِمَمَهم ودَواعِيهم على طاعة ربهم، وحفظِ كتابه، وإعظامِ دينه، وإقامةِ مَعالمه. وكان ما صنعه من ذلك متَّبِعا للرسول ﷺ وحاضّا على ما حثَّ عليه ودعا إليه ورغَّب فيه، وذلك أنّ رسولَ الله ﷺ قد كان صلى بالناس هذه الصلاةَ في شهر رمضان، جمعَهم لها وقام بهم فيها، ثم ترك ذلك مع إيثارِه له ورغبته فيه خوفا من فرضه على أمته، أو خوفَ توهُّمِ متوهّم من بعده أنها لمداومة الرسول عليها من اللوازم المفروضات، وأخبرهم بأنه إنما تركها لهذه العلة، لا لقُبحها ولا لكونها بدعة في الدين، ولا لأجل أنها مَفسَدةٌ للدين والمسلمين، ولا مما يجبُ أن يزهدوا فيه ويرغبوا عنه. وروى أحمد بن منصور الرَّمادي عن عبد الرزاق عن مَعْمَر عن الزُهْري عن عروةَ عن عائشةَ رضوان الله عليها قالت: "صلى رسول الله ﷺ بالناس في شهر رمضان في المسجد، ثم صلى الثانية واجتمع تلك الليلةَ أكثرُ من الأولى، فلما كانت الليلة الثالثةُ والرابعةُ امتلأ المسجد حتى غصَّ بأهله، فلم يخرج إليهم، فجعل الناسُ ينادونه الصلاةَ، فلم يخرج،

стр. 108

فلما أصبح قال عمرُ بن الخطاب: ما زال الناسُ ينتظرونك يا رسولَ الله. البارحةَ، قال: أمَا إنه لم يخفَ على أمرُهم، ولكني خشيتُ أن تكتَبَ عليهم ". وروى قُتَيبة بن سعيدٍ عن مالكٍ عن ابن شِهابٍ، عن عروةَ عن عائشةَ ﵂ أن رسولَ الله ﷺ صلى في المسجد ذاتَ ليلةٍ فصلى بصلاته ناسٌ، ثم صلى من القابلةِ فكَثُرَ الناس، ثم اجتمعوا من الليلةِ الثالثةِ أو الرابعة، فلم يخرج إليهم رسولُ الله صلَّى الله عليه، فلما أصبح قال: "قد رأيتُ الذي صنعتم، ولم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيتُ أن يُفرَضَ عليكم ". وذلك في رمضان. وقد تظاهرت الأخبارُ بصلاةِ رسولِ الله صلَّى الله عليه بهم، وإخبارِهم بأنه إنما امتنع من ذلك لما ذكره، فبيَّن بهذه الأخبار أنّ هذه الصلاةَ سنةٌ حسنة، فإن الاجتماعَ لها والقيامَ بها فضلٌ كثير، وسنة جميلة، ولو كان ذلك مكروهاً عندَ الله تعالى في دينه لم يفعله وإنما وقع من الرسول ﷺ باجتهاده: لكان خليقاً بأن جبريلَ نهاه عن ذلك وأخبره أنّ هذه الصلاةَ

стр. 109

بدعةٌ مكروهة، وأن الاجتماعَ لها ليس من المصلحة، فلمّا عدلَ عن ذلك إلى القول بأنه إنما ترك ذلك مخافةَ أن تُفرَضَ عليهم ثبتَ أنّ هذه الصلاةَ والتجمُّعَ لها سُنةٌ حسنة، وأنه إنما امتنع من ذلك - مع إيثاره لها - خِيفةَ أن تُفرَض، فلما تُوفَي رسولُ الله صلَّى الله عليه وانختم الوحيُ وانقطعت الرسالة، أُمِنَ فَرضُ ذلك وزال الخوفُ منه عادت الصلاةُ والتجمُّع لها إلى ما كانت عليه من الحسن، واستُحِب لكل مسلم فعلُ مثلِ ما كان رسولُ الله ﷺ فعله - على وجه التقرب - ودعا إليه، ورغَب فيه، وقد تظاهرت الأخبار عنه ﷺ أنه كان يكثِرُ الترغيبَ في هذه الصلاةِ ويحث على فعلِها، ويرى الناسَ مجتمعين للقيام بها وأفذاذاً، فيُقِرُّ الفريقين جميعا ويستحسن ذلك من صنيعهم. وروى عبدُ الرزاق عن ابن جُرَيجٍ عن عطاء أن القيامَ كان على عهدِ رسول الله ﷺ في رمضانَ يقوم النفرُ والرجلُ كذلك، والنفرُ وراءَ الرجل، فكان عمرُ أولَ من جمع الناس على قارئٍ واحد، ومن المُحال أن يكثر هذا منهم ويتردّد على عهدِ رسول الله ﷺ ولا يرى ﵇ اجتماعَهم، ولا يسمعَ منه بذلك، ولو كان الاجتماعُ لهذه الصلاة مُنكراً لأنكره وزجره عنه، ورغّبَ في سواه، وإنما ترك هو التقدمَ بهم لعلةِ ما ذكره، ولعلهم أو كثيراً منهم مجمّعون لأنفسهم ويبلغه ذلك فلا ينكر عليهم، وكيف يُنكر عليهم ذلك وهو يحثهم ويبعثهم على هذه الصلاةِ والمحافظةِ عليها بغاية الترغيب؟!

стр. 110

وروى الزُّهري عن أبي سلمةَ عن أبي هريرةَ أن رسولَ الله ﷺ كان يرغِّب في قيام شهر رمضان من غير أن يأمر بعزيمة فيه، فيقول: "مَن قام رمضانَ إيماناَ واحتساباً غُفِرَ له ما تقدَّم مِن ذنبه ". وروى الزُّهري قال: أخبرني أبو سلمةَ بنُ عبد الرحمن وعُبَيدُ الله بن عبد الرحمن عن أبي هريرةَ أنّ رسولَ الله صلَّى الله عليه قال: "مَن قام رمضانَ إيماناً واحتساباَ غفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه ". وفي أمثالِ لهذه الرواية كلُّها بهذا المعنى، وقريبة من هذا اللفظ، فكيف تكون هذه الصلاةُ بدعة. وهذا قدرُ حثِّ رسولِ الله صلَّى الله عليه عليها، وترغيبِه فيها، وقد ثبت مع ذلك أنه جمعَ الناسَ للقيام بها، ثم امتنع من ذلك للعلة التي ذكرناها. وقد بيّنا أن هذه العلةَ مأمونة غيرُ مَخُوفٍ وقوعُها بعد وفاة النبي صلى الله عليه فوجب أن يكونَ القيامُ بها والاجتماعُ لها سنةَ حسنةَ جميلةً مع ما في ذلك من أخذ الإمام نفسَه بتجويدِ الحفظ وإقامة القراءةِ والحذرِ من عيبِ الغَلَط وشدةِ إصغاء مَن خلفه وتذكُّرِهم وضبطِهم لما يسمعونه، وتفريغ قلوبهم وأذهانهم كذلك، وانصرافِ هِمَمِهِم إلى سماعه وتأمُّله وتصفحِه

стр. 111

والاتِّعاظِ به، فإنّ لسماعه من قارئه في المحرابِ من عظيمِ الاتعاظِ والموقع والتديُّن من نفوس المؤمنين ما لا خفاءَ به، فأي بدعةٍ في هذا ومخالفةٍ للسنة! وهي سنة جميلة في تعظيمِ الدين ومصالح المسلمين وإكادةِ عدوهم. وإقامةِ معالم دينهم وتنويرِ مساجدهم، والترغيبِ في طاعة ربهم، والتشاغلِ بعبادته وتعظيمِ كتابه، فمن ظن هذا بدعةً من أغبياء الشيعةِ وعامّتِهم فلا حيلةَ في أمره، ومن قال ذلك وناظرَ عليه ممن له أدنى مُسْكةٍ منهم فلا شكَّ ولا شُبهةَ علينا ولا على أحدٍ في تلاحُدِه وتلاعُبِه، أو فرطِ تعصُّبه وتنقُّصه لعُمر رضوانُ الله عليه والحرصِ على بخسِه حظَّه، وتحيُّفِه فضائلَه، وتطلُّبِ العنتِ له والعيبِ عليه بما لا عيبَ فيه ولا نقيصة، ولا أقل - مع الإنصاف وترك العناد - من سلامة عمرَ من هذا الفعل، كَفافاً، لا له ولا عليه، فأما الطعنُ عليه والغضُّ منه ومن قدره لأجله فإنه إفراط في الجهل والعنادة، والله المستعان. فإن قيل: ما معنى قولِ النبي ﷺ : "ما منعني أن أخرُجَ إليكم إلا خشيةَ أن تكتبَ عليكم "؟ قيل له: معنى ذلك ظاهر، وهو إيثاره التخفيفَ عن الأمة، ويمكن أن يكونَ قد أخبره الله جلَّ وعزَّ على لسانِ جبريلَ أنه إن خرجَ إليهم وواصلَ هذه الصلاةَ فُرِضَت عليهم، إما لإرادته فرضَها فقط على ما يذهب إليه، أو لأنه إن دامَ عليها حدثَ فيهم من الاعتقاداتِ وتغيُّرِ الحالاتِ والأسباب ما يقتضي أن تكون أصلحَ الأمور لهم كتبُ هذه الصلاة عليهم، وأنه إذا تركها لم يكن منهم ما يوجبُ كونَ فرضِها صلاحُ حالهم. ويُحتمل أيضاً أن يكون ظن أن ذلك سيُفرضَ عليه، وأن تكونَ قد جرت عادتُه وعادةُ الصحابة في أعمال القُرب أنهم إذا داوموا عليها على وجه

стр. 112

الاجتماع عليها والاشتراك فيها كُتِبَ عليهم، فامتنع من ذلك على وجه إيثار التخفيف عن الأمة، وقد يمكن أيضاً أن يكونَ عنى بقوله: "خشيةَ أن تكتَب عليكم " إنني أخاف أن يظن ظانّ بعدي من خليفة وإمامٍ أنها واجبةٌ في شريعتي لمداومتي عليها فيُلزمَكم إيّاها ويأخذَكم بها وبالقول إنها مفروضةٌ في الدين، وما قُلناهُ أولاً أقرب، لأن إطلاقَ القول إنها تكتَبُ وتُفرَض عليكم إنما يُعقل منه أن يكتبها ويفرضها مَن له - تعالى - تعبُّد خَلْقه وتكليفُهم وامتحانُهم، دون مَن ليس له ذلك ممن يُظَنّ أن الله قد فرض وكتب على خلقه ما يدعوهم هو إليه، وكل هذه الأسباب مأمونةٌ بعدَه ﷺ ، وفي إقامتها والاجتماع عليها ولها من الفضل والانتفاع بها ما قدمنا وصفَه، فبطل بذلك جميعُ ما توهموه قادحاً في فضيلة عمرَ بهذا الباب وإضافة بدعة إليه، وأنه شرعَ في الدين ما ليس منه. فإن قال قائلٌ: جميعُ ما ذكرتموه من أخبار الرسول ﷺ في الحث على حفظ القرآن وإقرائه له، الشهادةُ الحق، وكلمةُ التوحيد، وتعليمُه إياه كلَّ داخلٍ في الإسلام، وقراءته على الوفودِ أيامَ المواسم، وحفظُ خلقٍ من أهل الكفر لكثيرٍ منه، فضلاً عن المسلمين بحفظ النساء والصبيان له، وإنفاذ رسولِ الله ﷺ خلفاءَهُ ودعاته به إلى البلاد، وسبقِ الأنصار بحمله إلى المدينة قبلَ الهجرة، وحصول قُرّاء له عندَهم ومنتصِبِين لإقرائه الناسَ قبل مُهاجَره وظهور تسميةِ حُفّاظه بأنهم أهلُ القرآن، وأهلُ سورةِ البقرة، ووجوبِ توافي هِمَمِ أهل الصُّفة على حفظه، وتشاغلِ سائرهم به دونَ غيره. ومما رُوِيَ من تغليظ القولِ في نسيانه بعد حفظه، وشدة تفَلُّته وعظيم المأثَمِ في تركه، إلى غير ذلك مما أطنبتُم في ذكره، يقتضي في مستقِرِّ العادة وتركيب الطبيعة وما فُطِرَ الناسُ عليه أن يكون في الصحابة خلقٌ

стр. 113

كثير من المهاجرين ثم من الأنصار قد حفظوا جميعَ القرآن وجمعوه. وأحاطوا به حتى لم يذهب عليهم شيء منه، بل يجب أن تكون هذه حالَ كافةِ أهلِ العلم والفضل والهجرةِ والسابقة من الصحابة، فإذا لم يكن الأمرُ على هذا عُلِمَ أنّ الحجَّة َ لم تقم بهذه الأخبار التي روَيتمُوها، وأن الأمرَ في حالِ القرآنِ وتعظيمِ شأنه لم يكن عندَ القوم ولا في صدر الشريعة على ما وصفتم، والأخبارُ قد تظاهرت من الجهات المختلفةِ بأن الذين جمعوا القرآن على عهد رسولِ الله ﷺ كانوا أربعةَ نفرٍ فقط أو خمسة، وهذه الأخبار هي من طُرُقكم ورواياتكم، وعن الرجال الذين توثِّقون نقلَهم وتسكنون إلى أخبارهم، فروى الحَكَمُ عن مِقْسَمٍ عن ابن عباس قال: "جمع القرآنَ على عهدِ رسول الله ﷺ أربعة: معاذُ بن جبل، وأُبي بن كعبٍ، ومجمع بنُ جاريةَ، وسالمُ مولى أبي حُذَيفة، وكان ابنُ مسعود قرأ على رسول الله ﷺ سبعينَ سورة"، في أمثالٍ لهذا الخبر كلُّها وردت بأنَ قدرَ عدد الذين جمعوا القرآن على عهدِ رسول الله ﷺ ما ذكرناه، وهذا نقيضُ ما ادعَيتموه. يُقال لهم: جميعُ ما قدّمناه من أحوال الصحابة وشدّة تديُّنهم وتمسُّكهم بالدين والقرآن وتحفُّظه وتلقُّنه، والإقبال عليه، وحثِّ الرسول ﵇ لهم على حفظه ودراسته، وإنفاذ الدُّعاة به، إلى غير ذلك مما وصفناه، مما

стр. 114

قد تواترت وتظاهرت به الأخبارُ على المعنى وإن اختلفت في ذلك الألفاظُ والعبارات، وعُلِمَ ضرورة ثبوتُه، كما نعلم في الجملة تمسُّكَ الصحابة بالإيمان وتصديقَهم الرسولَ وإعظامَهم له وشدةَ نُصرتهم إياه، وإن اختلفت الرواياتُ فيما كان من أفعالهم وألفاظهم وحالاتهم الدالة على صدق جهادهم، وشدة إيثارهم له، وعداوتهم لأهل الشرك، وليس هذا مما لعاقل فيه شبهة ولا يجبُ تركُ هذه الرواياتِ المتوافيةِ على المعنى والعلمِ بما عليه العادات وما كانت عليه الصحابةُ بمثل الأخبار المرويةِ في أنه لم يجمع القرآنَ من الصحابة إلا أربعةُ نفر، بل يجب أن يُعتقَدَ فيه أحدُ أمرين: الضعفُ والوَهاء، والسهوُ والإغفالُ لما هيَ عليه من اختلافِ المتونِ والألفاظ، وزيادةِ عدد الحفّاظ في بعض الأخبار ونقصانِهم في بعضها. والشكِّ في حفظِ آخرين، وتنافي ما جاءت به أو تصحيحها وتخريجها وتأويلها على وجهٍ صحيحٍ يمكن معه الجمعُ بينها وبين ما قدّمناه، واعتقاد حفظ هؤلاء النفر وحفظ خَلْقٍ معهم من المهاجرين والأنصار، هذا ما لا بذَ منه. وأوّلُ ما نقول في هذا أنّ الأخبارَ المرويةَ في حفظ هؤلاء النفرِ قد وردت من جهةِ الآحادِ وروداً مختلفا متفاوتاً يدل على الاضطراب وقلة الضبط وضعف المخرَج والنقل، وذلك أنه رُوِيَ عن عبد الله بن عبّاسٍ ما حكيناه عنهم، ورَوى أيضاً عبدُ الله بن إدريس عن شعبةَ عن قتادةَ قال:

стр. 115

سمعتُ أنساً يقول: "قرأ معاذ وأُبي وزيد وأبو زيد، قال: قلت: من أبو زيد، قال: أحد عمومتي " يعني: على عهدِ رسول الله ﷺ . وروى مسلمُ بن إبراهيمَ عن قُرّةَ قال: حدَّثنا قتادة قال: "قرأ القرآنَ على عهد رسول الله ﷺ أبيُّ بن كعبٍ وزيدُ بن ثابتٍ ومعاذُ بن جبلٍ وأبو زيد، قال: قلت: مَن أبو زيد، قال: من عمومة أنسٍ "، ولم يُخبر قتادةُ في هذين الخبرَين ولا عبدُ الله بن العبّاس بذلك عن رسولِ الله ﷺ ، ولا عن النفرِ الأربعة بلفظ ينفي حفظ غيرِهم للقرآن، وإنما قالا ذلك من جهة غالب الظن والرأي، أو على وجهِ ما يذكره من التأويل. وكذلك كل روايةٍ وردت في ذلك ليست عن الرسول ولا بلفظ عن قومٍ يَحُجُّ خبرُهم يقتضي أن لا حافظَ للقرآن سوى من ذكره الرواة. وروى غيرُ واحدٍ في غير خبر عن محمد بن سيرينَ في ذلك رواياتٍ مختلفة، فمنها أنه قال في بعض: "جَمع القرآنَ على عهد رسول الله صلّى الله عليه أُبيُّ بنُ كعب وزيدُ بن ثابتٍ وعثمانُ بن عفانَ وتميمُ الداري "،

стр. 116

وفي روايةٍ أخرى عنه أنه قال: "كان أصحابنا لا يختلفون أنّ رسولَ الله ﷺ ماتَ ولم يجمع القرآنَ من الصحابة إلا أربعةٌ كلُّهم من الأنصار: معاذْ بن جبل وأُبيُّ بن كعب وزيدُ بن ثابت وأبو زيد"، وروى الواقدي قال: حدثني مَعمَر وجماعةٌ عن أيوب عن محمد بن سيرينَ قال: "لم يختلفوا في أربعةٍ جمعوا القرآنَ على عهدِ رسول الله ﷺ ، واختلفوا في رجلين، قال: "جمعَ القرآنَ على عهد النبي ﷺ أُبي ومعاذُ بن جبل وزيدُ بن ثابتٍ وأبو زيدٍ الأنصاري، واختلفوا في رجلين: عثمان بن عفان وتميم الداري،، وقال بعضُهم: عثمانُ بن عفان وأبو الدرداء". وروى سعد بن إسحاق عن أُبيّ بن كعب القُرَظي قال: "جمعَ القرآنَ على عهدِ النبي ﷺ خمسة من الأنصار: أبي بن كعبٍ وأبو أيوب وعبادةُ بن الصامت ومعاذُ بن جبلٍ وأبو الدرداء". وروى أيضا ربيعةُ بن عثمان عن أُبى بن كعبٍ القُرَظيّ قال: "علي وابنُ مسعود وعثمان جمعوا

стр. 117

القراَنَ على عهدِ رسول الله ﷺ " وروى عن سليمانَ بن يسارٍ قال: "كان عثمانُ بن عفّانَ قد جمع القرآن من المهاجرين على عهدِ رسول الله ﷺ " فقلتُ: غيرُه، قال: "لا أعلمه ". وروى الأصبعُ بن أبي منصور عن زيد بن أسلم أن عثمان بن عفان جمع القرآن على عهد رسول الله ﷺ " وروى الثوري عن إسماعيل عن الشعبي قال: "جمع القرآن على عهد رسولِ الله صلّى الله عليه خمسةٌ من الأنصار: معاذ بن جبل، وأبيُّ بن كعب، وزيدُ بن ثابت. وأبو زيد، وأبو الدرداء". وروى عاصم عن الشعبي أنه قال: "ستةٌ بعدَ

стр. 118

هؤلاء" قال: "ونسيتُ السادس ". وروى ابنُ أبي ذئب عن سعيد بن خالد عن ابن مسعود أنه جمعَ القرآنَ على عهد رسولِ الله ﷺ وروى صالحُ بن محمد بن زائدة عن مكحول: قال أبو الدرداء: "ممن جمعَ القرآنَ على عهد رسول الله ﷺ : أبيُّ بن كعب، ومعاذ، وزيدٌ، وأبو الدرداء، وسعد بن عُبيد، ولم يقرأه أحد من الخلفاء من أصحاب رسول الله ﷺ إلا عثمان بن عفان، وقرأه مجمَعُ بن جاريةَ إلا سورة أو سورتَين ". وروى ابن عيينةَ عن زكريا عن الشعبي قال: "لم يقرأ القرآن على رسول الله ﷺ إلا ستة، كلُّهم من الأنصار: معاذُ بن جبل،

стр. 119

وأُبي بن كعب، وزيدُ بن ثابت، وأبو الدرداء، وسعدُ بن عُبَيد، وبقيَ على مجمَعٍ بن جاريةَ سورة أو سورتين "، وروى موسى بن عُقبة عن شيخٍ مِن ولدِ عُبادة ابن الصامت، عن عبادة بن الصامت قال: "جمعَ القرآنَ أبيُّ بن كعب، وعُبادةُ بن الصامت، ومعاذُ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو الدرداء، وعثمان ابن عفان ". وأكثرُ هذه الروايات مختلفة متفاوتةٌ مضطربة على ما نراها من الزيادة والنقصان، عن الرجال وعن الرجل الواحد أيضاً، وليس فيهم أحدٌ أخبرَ بذلك عن رسول الله ﷺ ولا عن أحد الصحابة أو جماعةٍ منهم بلفظٍ يقتضي لا محالةَ نفيَ حافظِ القرآن غيرَ مَن ذكره، وقد يجوز إن صحّت الأخبارُ عن هؤلاء القوم أن يكون ذلك إخباراً عن تقديرهم وغالب رأيهم واجتهادهم، وأن يكون معناها ما سنذكره فيما بعد، وإذا أُحصيَ عددُ مَن ذُكر في هذه الأخبار من الحفّاظ على عهد رسول الله ﷺ كانوا نحو خمسةَ عشرَ رجلاً، لأنه قد ذُكر منهم: أُبيٌّ، ومعاذٌ، وسالم، وزيدُ بن ثابت، وعبدُ الله بن مسعود، وأبو زيد، ومَجمَع، وأبو الدرداء، وسعدُ بن عُبَيد، وتميمٌ الداريّ، وأبو أيوبٍ الأنصاريّ، وعُبادةُ بن الصامت، وعليُّ بن أبي طالب، وعثمانُ بن عفان، وهؤلاء أربعةَ عشرَ رجلاً من المهاجرين والأنصار، والمعترضُ علينا بهذه الأخبار وبهذا الضربِ من المطالبة والسؤال أراد أن يجعلَ الحفّاظَ على عهد رسول الله ﷺ أربعة نفرٍ فقط، والأخبارُ التي حاول التعلُّق بها تُوجبُ أنّ الحفّاظ أضعافَ ما قاله.

стр. 120

فهذه جملةٌ تدل على اختلافِ الرواياتِ واضطرابها في هذا الباب، وأنه لا يجوز أن يترَكَ ما قدّمنا ذكرَه من الأخبار المستفيضة عن الصحابة وما عليه تركيبُ الطبائع والعادةِ لأجل هذه الروايات، فإما أن تكونَ مدخولةً أو مُنصرِفةً إلى ما سنذكره من التأويل، على أنه قد رَوى جماعة عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه كان ممن جمع أيضاً على عهد رسول الله ﷺ ، وما يُوجب أن يكونَ أبوه عمرو بن العاص ممن جمعه أيضاً على عهد رسول الله ﷺ ، ورُوِيَ أيضاً ما يُوجب أن يكونَ عثمانُ بن أبي العاص ممّن حفظه وجمعه على عهد النبي ﷺ وقرأه في ليلة، فقال له رسولُ الله ﷺ : "إنّي أخشى أن يطولَ عليك الزمانُ وأن تملّ، فاقرأ به في شهر"، فراجعه في ذلك ونازله إلى أن بلغَ إلى تقريره له سبعَ ليال. وروى سِمَاكُ بن الفضل عن وهب بن منبّه، عن عبد الله بن عمرو أنه سأل النبيَّ ﷺ في كم يقرأ القرآن، فقال له: "في أربعين "، قال عبد الله: إني أُطيق أكثرَ من ذلك، قال: "في شهر، " قال: إني أُطيق أكثرَ من

стр. 121

ذلك، قال: "في خمسةَ عشر"، ثم قال: "في عشر"، ثم قال: "في سبع ". ولم ينزل من سبعٍ. وروى مَعمَرٌ عن قتادةَ أنّ عبدَ الله بن عُمر سأل النبيَّ ﷺ : في كم تقرأ القرآن، قال: "في شهر"، فقال: إني أطيق أكثرَ من ذلك. فذكر مثلَ حديث سِمَاك، حتى انتهى إلى ثلاث، ثم قال النبيُّ صلَّى الله عليه: "مَن قرأهُ فيما دونَ ثلاثٍ لم يفهمه ". وظاهرُ هذه الرواية تقتضي أن عبدَ الله كان ممن جمعَ القرآنَ على عهد رسول الله صلَّى الله عليه وإن كان يُحتمَلَ أن يكون جمعَ كثيراً منه من المكي إلى وقت سأل رسولَ الله ﷺ عن هذا السؤال، غيرَ أنَّ ذلك خلافُ الظاهر. وروى الحارثُ بن سعدٍ العتقي عن عبد الله بن مُنَين من بني عبد هلال عن عمرو بن العاص أن النبى صلَّى الله عليه أقرأه خمسَ عشرةَ

стр. 122

سجدة في القرآن، منها ثلاثٌ في المفصَّل وفي الحج سجدتان "، وهذا الخبر يُوجب ظاهرُه في غالب الحال جمعَ عمرو بن العاص جميعَ القرآن على عهد رسول الله ﷺ ، لأنه لا يمكن أن يتفق أن لا يتحفظ عمرو من هذه السورة إلا سجودَ القرآن فقط، ولا اتفق هذا لغيره، ولا يُعلَمُ أنّ أحداً اعتمدَ على ذلك وقصَدَهُ وحدَه، ولو كان ذلك مما انفرد به عمرو لكان مُفارِقاً لعادة القوم وما نحن أيضاً عليه في هذا الوقت ولَوجبَ أن يظهرَ ذلك عنه وأن يبحث عن غرضٍ فيه وأن يكونَ من الناس قولٌ في هذا الباب. وفي عدم ذلك دليلٌ على أنه كان يَعرِضُ القرآنَ على رسول الله ﷺ وأنّه وقفهُ على السجدات التي في القرآن وفصَّلها له، وعرَّفه مواضعَها، وهذا أمرٌ لا يُصنَعُ مع المبتدىء ولا يُؤخَذ به، فوجبَ لظاهر الحال من هذه الروايةِ أن يكونَ عمرو ممن جمعَ القرآنَ على عهد رسول الله ﷺ . وروى مباركُ بن فَضَالة قال: حدّثني أبو مُحرِز مولى عثمانَ بن أبي العاص، عن عثمان بن أبي العاص قال: "وفدتُ إلى رسول الله ﷺ مع ناس، فكنتُ أنا أصغرَهم، قال: فلمّا قدمنا المدينةَ خلّفوني أحفظُ متاعهم، قال: فقلت لهم: إني أشترطُ عليكم أن تنتظروني حتى آتيَ

стр. 123

رسول الله ﷺ فأطلبَ إليه حاجة، قالوا: نعم، فلما رجعوا أتيتُ رسول الله ﷺ فسألتُه عن أشياءَ قال أبو فَضالة: حفظتُها قال: قلتُ: أعطني المصحفَ الذي عندَك، قال: فأعطاني واستعملني عليهم، فكنتُ أؤُمُّهم حتى جئت ". وما على أحد شك ولا شبة فيما كان عليه عثمان بن أبي العاص من التوفر والحرصِ على تعلم القرآن لمّا وفَد على رسول الله ﷺ وتلقُّنه منه، حتى قيل إنه لم يلبث إلا يسيراً حتى تحفَّظَ القرآنَ عن رسول الله ﷺ وطلب منه مصحفَهُ فأعطاه، ولولا أنه أكثرُ قومِه الوافدين معه قرآنا وأخْذا عن الرسول ﷺ لم يولِّهِ الصلاةَ عليهم، ولم يوقّره ويستعمِله عليهم، ولم يُقدِّمُوه في صلاتهم، ولم يخصَّه رسولُ الله ﷺ بإعطائه مصحفَه على ما ورد في هذه الرواية، وهذا الظاهرُ من الأمرِ يدل على أنّ عثمانَ كان أيضاً ممن حفظ القرآنَ وجمعَه على عهدِ رسول الله ﷺ . ولو تُتبعَ هذا لطالَ وكَثرُ واتسعَ الخَرْقُ فيه، وإذا كان ذلك كذلك، لم يكن لقولِ من قال إلَّه لم يَجمع القرآن على عهد رسولِ الله ﷺ إلا أربعةُ نفر: معنىً، ومثلُ روايته التي يتعلقُ بها في ذلك يقتضي أن يكونَ قد حفظه نحوُ عشرينَ رجلاً، وإذا كان ذلك كذلك زال التعلُّقُ علينا بما ذكروه، فإنّ القولَ بأنّ فلاناً جمع القرآنَ كلَّه على عهد رسول الله ﷺ دونَ غيره قولٌ يتعذرُ العلمُ بالوصولِ إلى حقيقته، لأنه لا يمكنُ علمُ ذلك مع قيامِ رسولِ الله ﷺ بينهم، واتصالِ نزولِ الوحي عليه، والعلمِ بتجويزِ

стр. 124

قرآنٍ ينزلُ عليه في كل يوم وليلة إلى يوم يموتُ ﷺ مع العلم أيضاً بأنه لا يمكنُ أن يُقال في كلّ سورة نزلت على عهد رسول الله ﷺ إنّها قد كَمُلت لجوازِ أن ينزلَ بعد ذلك ما يُضَمُّ إليها، ويُكتَبُ معها، على ما كان يأمُرُهم به الرسول ﷺ وإذا كان ذلك مما اتفق عليه تعذر العلمُ بأنّ فلانا قد حَفِظَ جميعَ القرآنِ على عهد رسول الله ﷺ ، لأن ذلك أمر لا يتحقَق ويتيَقَّن إلا بعدَ وفاةِ رسولِ الله ﷺ وانقطاع الوحي. وإذا كان ذلك كذلك لم يَستجِز كثير من الصحابة أن يُخبِرَ عن نفسه أنه قد حفظَ جميع كتابِ الله وهو لا يدري لعله سينزلُ على الرسول بعدَ ذلك مثلُ قدر ما حفظه عنه، ولا يدري لعل فيما نزل ما قد نُسِخَ ورُفِعَت تلاوتُهُ فلم يحفظه، ولعله قد نزل على الرسول في الساعة التي فارقه عليها قرآن كثير غير الذي قرأه لم يُقرئه الرسول إياه وحفظه غيرُه وألقاه إلى سواه، وإذا كان جوّز العلماءُ والفضلاءُ منهم جميعَ هذه الأمور لم يستجيزوا أن يُخبِرَ كلُّ واحد منهم عن نفسه ولا عن غيره أنه قد حفظَ جميعَ القرآن وجَمَعَه، بل يجبُ أن يتجنبوا هذا القولَ وأن يَعدِلُوا عنه. وإذا وجبَ ذلك لم يستفض بينهم عددُ حُفّاظ جميع ما نزل، ولم يكن لهم إلى ذلك سبيل ولا طريق، ولم يُنكَر لأجلِ هذا أَن يكون حفظَ القرآنَ على عهد رسول الله ﷺ جماعةٌ لم يُخَبروا بذلك عن أنفسهم ولا خبر به عنهم غيرُهم، لأنّ ذلك أمر لا ينتشرُ ويستفيضُ ويتقرَّرُ علمُه إلا بعد موتِ النبي ﷺ وانقطاعِ الوحيِ والعلم بآخرِ ما نزلَ وخُتِمَ به

стр. 125

الكتابُ، وأن السورةَ قد كَمُلَت واستقَرّت وتم نَظمُها ورتبت في مواضعها. وجُمِعَت فيها آياتُها. وإذا كان ذلك كذلك وجبَ بهذه الجملة أن لا يكونَ فيما رُوِيَ من هذه الأخبار حجة تدفعُ ما قلناه، وأن يكون القومُ الذين قالوا ذلك وخبّروا بما أخبروا به عن الاجتهاد وغلبةِ الظنّ وأمرٍ غير متيقَّنٍ وعلى قدر ما سمعوه ممَّن قال: حفظتُ جميع القرآن، أو فلان قد حفظ جميعَه، والظنُّ في هذا لا حجةَ فيه، وقد يمكن أيضاً أن يكونَ على عهدِ الرسول ﷺ خلق كثير قد حفظوا القرآنَ وكتموا ذلك على أنفسهم ولم يُذيعوه ولا دعاهم داعٍ إلى إظهاره والتحدُّث به، ورأوا أن كتمانَه وتركَ المفاخَرةِ والتَّبجُّح به أولى وأفضلُ لأجل أن التزينَ بذلك قدح في العمل وشَوْبٌ ونقص يلحق صاحبه، وإن اتفقَ أن يقولَ ذلك قائل من الصحابة فلأجل سببِ يدعوهُ إلى ذلك غيرِ القصد إلى التزيُّن به والإخبار بكثرةِ علمِه وعمله، وعِظَمِ مرتَبته، هذا أولى الأمورِ بالصحابة. وقد رُوِيَ ذلك عن جلّة منهم، فرُوِيَ أنّه قيل لعبد الله بن مسعود في رجل يزعم أنه قرأ القرآنَ البارحة، فقال: "ما له إلا كَلِمتُه التي قال ". ورُوِيَ عن تميم الداريّ أنّ رجلاً قال له: كم جزءاً تقرأ، فغضب تميم وقال: لعلَّك من الذين يقرأُ أحدُهم القرآنَ في ليلةٍ ثم يصبحُ فيقول: قرأتُ القرآنَ الليلةَ! هذا شأنُ القوم وشَجِيتُهم، فكيف يمكن مع ذلك استفاضةُ حال حفظة القرآن واشتهارُهم به وهذه صفتُهم؟! وقد رُوِيَ عن الحسن البصريّ أنه

стр. 126

قال: "لقد أدركنا أقواما إنَّ أحدَهم قد جمعَ القرآنَ وما شعرَ به جارُه، ولقد أدركنا أقواماً ما كان في الأرض عمل يقدرون على أن يعملوه سراً فيكونُ علانيةً أبدا". وكذلك رُوي أن رجلاً قال بحضرة قومٍ من أصحابِ رسول الله ﷺ قرأتُ الليلة كذا وكذا، فقالوا: "حظك منه هذا"، وهذا تغليظ منهم شديد في التحدُّث بذلك، فكيف لا تتوفَّرُ دواعي خلقٍ منهم على أن لا يشعر غيرُه بما يحفظه، ولا يرون إظهارَه. وقد يجوز أيضاً أن يكونوا إنما كرهوا أن يُقال فلان حافظ للقرآن كلّه أو جامعٌ له أو قرأ جميع القرآن لأجلِ أنه لا يأمنُ قائلُ هذا قد سقط عليه من الحفظِ أو الدرسِ كلمةٌ أو آيةٌ، أو شيءٌ منه، أو بعضُ حروفه التي أُنزل بها. فيكونُ إطلاقُ القول لذلك تزيداً في المعنى، فتوَزَعوا عن ذلك، ويمكن أيضاً أن يكونوا إنما كرهوا أن يُقال ذلك لأجل أنهم كانوا يرون أن المستحق لهذه الصفة والتسمية هو المتمسكُ العاملُ بجميع حدودِ القرآن، والعالمُ بأحكامه، وحلاله وحرامه. وقد روى أبو الزاهدية أن رجلاً أتى أبا الدرداء فقال: يا أبا الدرداء. إن ابني هذا قد جمعَ القرآن، فقال: "اللهمَّ غفر"، إنما جمع القرآنَ من سمعَ له وأطاع "، فهذا إنكار يدلُّ على أنّ هذا الوصفَ عندَهم بجمعه إنما يجري على مَن عمل بموجَبِه ووقف عندَ حدوده.

стр. 127

ورُوِيَ أن بعضَ التابعين ذُكرَ عنده إنسانٌ فقيل: "أَحْكَمَ القرآنَ"، "فكره ذلك فقيل: "حامل قرآن " فكرهه، وقال: "قولوا: حَفِظَ ". لأنّه اعتقدَ أنّ الحفظَ إنما يُراد به التلاوةُ. وقولَهم: أحكمَ، وحمل القرآن، وحافظُ القرآن إنما يجري على القائم بحدوده السامعِ المطيعِ لموجَبِه. وحُكِيَ عن الحسن البصري أنه كان يقول: إنَّ أحدَكم ليقول: والله لقد قرأتُ القرآنَ كله، وما أسقطتُ منه حرفاً واحداً، وقد واللهِ أسقطه كله ". يعني بذلك تركَ العمل بموجَبِه، والمحافظةَ على حدوده ومراسمه. ورُوِيَ أن عقبةَ بن عامر كان من أحسنِ الناس صوتاً بالقرآن، فاستقرأهُ عمر فقرأ عليه براءة، فبكى عمر، ثم قال: "ما كنتُ أظن أنّها نزلت ". إنما قال ذلك لما وجد من نَضارتها وجِدّتِها بحسنِ قراءةِ عقبة، وما جدَّدَته وأحدثته له من الخوفِ والوَجَلِ والإذكارِ بأمرِ الله تعالى، والتحذيرِ من وعيده، والترغيبِ في ثوابه على نحو ما يقولُ القائل: كأني ما قرأتُها قطُّ ولا سَمِعتُها. ومن ظن بعمرَ ﵁ أنّه لم يعرف أنّ سورةَ براءةَ قد نزلت مع شُهرتها وإنفاذِ الرسول بها إلى أهلِ مكةَ مع أبي بكرٍ وعلي، وتذلُلِ أبي هريرةَ بها، وما تضمنته من حال العقود والعهود وغير ذلك: فهو الغبيُّ المغرور، بل من ظنَّ ذلك بأدنى المؤمنين منزلةً فقد جَهِلَ جهلاً فاحشاً. وقد يجوزُ أيضاً أن تكونَ كراهتُهم لإطلاقِ القول بأنّ فلاناً حافظٌ للقرآن وجامعٌ له لأجل أنهم اعتقدوا أن ذلك إنما يجري على من حَفِظَ ناسخَ القرآنِ ومنسوخَه، وجميعَ وجوهِه وحروفِه التي أُنزل عليها، فلا يُوصَف به عندَهم

стр. 128

إلا من أخذه وجمعه مِن في رسول الله ﷺ وقرأه عليه لما لا يُؤمَنُ من الغَلَطِ بكلمة أو آية أو حرف أو قراءةِ شيءٍ منه بوجهٍ لا يجوز ويسُوغ مثلُه. وإذا كان ذلك كذلك وجبَ حملُ الأمرِ في إنكارِ هذه الألفاظِ والامتناعِ من هذه الإطلاقات، ودعوى القومِ حفظَ القرآن والحملَ له والإحاطة به: على الوجوه التي ذكرناها دون ما ظنّوه وتوهّموه من سقوط شيءٍ من القرآنِ على سائر الأمة أو عدم حافظ لجميعه فيهم، وكونه غيرَ مشهورٍ ظاهرٍ بينهم. وإذا كان ذلك كذلك كان هذا أيضاً أحدَ الأسبابِ المانعةِ من العلم بجميع عدد حَفَظةِ القرآنِ على عهد الرسول ﷺ . وما يُنكر أيضاً على هذا الأصل أن لا يُعرف ذلك بعد موته، لأنه لا يُنكرُ أن يحفظه بأسره قومٌ منهم، وماتوا بعدَ موتِ رسول الله ﷺ ولم يُطلع على ذلك من أمرهم وإن عُلم في الجملة أنهم من حَمَلةِ القرآنِ ودَرَسَتِه، وهذا يمنعهم من التعلق بما ذكروه منعاً عنيفاً. فإن قالوا: فما تأويلُ هذه الأخبارِ المرويةِ في تحديد عددِ حَفَظةِ القرآن على عهدِ رسول الله ﷺ ؟ قيل لهم: يَحتمل أن نُثبتَ وجوهاً من التأويل، فمنها: - أن يكونَ معنى قولهم: ما جمع القرآنَ على عهدِ رسول الله ﷺ إلا أربعةُ نفرٍ أو خمسة أنه لم يجمعه على جميع الوجوهِ والأحرفِ والقراءاتِ التي نزل بها وخبر الرسولُ ﷺ أنها كلها شافٍ كافٍ إلا أولئكَ النفرُ فقط، وهذا غيرُ بعيد، لأنه لا يجبُ على سائرهم ولا على أولئك النفر أيضاً أن يحفظوا القرآنَ على جميع أحرفه ووجوهه السبعة.

стр. 129

- ويمكنُ أيضاً أن يكون معنى ذلك أنه لم يجمع ما نُسخ منه وأُزيل رسمُه بعدَ تلاوته مع ما ثبتَ رسمُه وبقيَ فرضُ حفظِه وتلاوته إلا تلكَ الجماعةُ وحدَها، لأنه قد ثبت أنه قد كان أُنزل قرآن نُسخ رسمُه، وأُزيلت تلاوتُه. - ويجوزُ أيضاً أن يكونَ معنى ذلك أنه لم يجمع جميعَ القرآنِ عن رسولِ الله ﷺ ويأخذَه مِن فِيه تلقِّياً غيرُ تلك الجماعة، فإنّ أكثرَهم أخذَ بعضه عنه وبعضَه عن غيره. - ويُحتمل أيضاً أن يكونَ معنى هذا القول أنه لم يجمع القرآنَ على عهد رسول الله ﷺ : ممن ظهرَ به وأبدى ذلك من أمره وانتصَبَ لتلقينه عن تلك الطبقةِ المذكورة، مع جوازِ أن يكونَ فيهم حفّاظٌ لا يعرفهم الراوي إذا لم يظهر ذلك منهم. هذا ما لا بدَّ من صرف الأخبار إليه إن ثبتَ وحملِها عليه، لأجلِ ما قدمناه ولأجلِ تظاهُرِ الرواياتِ أيضاً بما يوجبُ ويقتضي حفظَ الأئمةِ الأربعة لجميع القرآنِ على عهدِ رسولِ الله ﷺ وإحاطتِهم به، ولأجلِ أنّ هذا هو الواجبُ من حالهم في العادة وما كانوا عليه من الأحوال في السبق إلى الإسلام والتقدُّمِ وإعظامِ الرسول لهم وما تُوجبه العادةُ في مثلِهم، وتأمينِ النبي ﷺ لهم وتقديمِه إياهم، وما رُوِيَ من طُول قراءتهم وكثرةِ تعليمهم الناسَ القرآنَ له عنهم، وهم عندَنا أولى الناسِ بحفظِ كتاب الله، وأحقُّهم بالسبق إلى ذلك، والرغبةِ عن الإبطاء عنه والتمادي فيه، مع ما كانوا منصُوبين ومُرشَّحين له، ومع ارتفاعِ أقدارهم وعلو شأنِهم، وامتدادِ الأعينِ والأعناقِ إليهم، وتعويلِ النبي ﷺ في النوائبِ والمهمّاتِ عليهم.

стр. 130

(فصلٌ في فضل أبي بكرٍ الصدِّيق ﵁ وحفظِه للقرآن) فأما أبو بكرٍ الصدّيق صلواتُ الله عليه فقد وردت الأخبارُ المتظاهرةُ بدوامِ تقدُّمِه في الصلوات وقراءتِه لطوالِ السور في المحراب التي لا يتهيأ إقامتُها إلا لأهل القَدْر والإتقان والقوة في الحفظ، وكثرةِ الدرس والدُّربة بقراءة القرآن، فروى هشام الدَّسْتَوائي قال: حدّثنا قتادةُ عن أنسٍ: "صلى بنا أبو بكر الصدِّيق رضوانُ الله عليه صلاةَ الصبح، فقرأ آل عمران، فقالوا له: يا خليفةَ رسولِ الله كادت الشمسُ أن تطلُع، فقال: لو طلعت لم تجدنا غافلين ". وروى سفيان بن عيينة عن الزُهْري عن أنس بن مالك: "أنّ أبا بكرٍ رضوانُ الله عليه قرأ في صلاة الصبح البقرة، فقال عمر: كادت الشمسُ أن تطلُع، فقال: لو طلعت لم تجدْنا غافلين ".

стр. 131

وقد عُلِمَ أنّ كثيراً من الحفّاظ وأهل الدُّربة وإدمان درسِ القرآن يتهيبون الصلاةَ بالناس مثلَ هذه السُّور الطوال، وما هو دونَها بالشيء الكثير، وهذا يقتضي أن أبا بكرٍ كان حافظاً للقرآن، وليس بين هذين الخبرَين معارض. لأجل أنه ذُكر في أحدِهما صلاتُه بالبقرة، وفي الأخرى صلاتُه بآل عمران. ووقوعِ جوابٍ واحدٍ عن ذلك، لأنه لا يمكن أن يكونَ ذلك في وقتين وفي صلاتين، وأن يكونَ جوابُه لعمرَ قد وقع له ولغيره بلفظٍ واحد، وهذا غيرُ مستنكرٍ ولا بعيد. وقد تظاهرت الرواياتُ بأن أبا بكرٍ رضوانُ الله عليه بنى مسجداً بمكةَ قبلَ الهجرة في فِناءِ داره، وأنه كان يقوم بالقرآن فيه ويدعو إلى الله وإلى رسوله، ويشتري عِرْضَ رسولِ الله ﷺ ، ويزيِّنُ صوتَه بالقرآن، ويكثر بكاؤه ونَشِيجُه، فإذا كان ذلك منه أسرعَ عوامُّ المشركين ونساؤهم وولدانهم يسمعون قراءته وتسبيحَه، حتى قالت عائشةُ رضوانُ الله عليها في خُطبتها: "أبي وما أبيه، أي واللهِ لا تعطوه الأيدي، ذلك واللهِ طَود منيف، وظل مديد، صدَّقَ واللهِ إذ كذّبتُم، وسبقَ إذ وثبتُم سبق الجواد إذا استولى على الأمَد، فتى قريشٍ ناشئاً وكد لها كهلاً، يكلأ عانِيها، ويُريش مملِقَها، يَرأبُ صَدْعَها، حتى خلبته قلوبُها، ثم استشرى في دينه، فما بَرِحَت تلك شكيمتَه في ذاتِ الله، حتى اتّخذَ بفِنائه مسجداً، يُحيي به ما أماتَ المبطِلون، وكان رحمةُ الله عليه غزيرَ الدمعة، وقِيدَ الجوارح، شَجِى النَّشِيج، فأصفقت إليه نسوانُ قريشٍ وولدانُها، يسخرونَ منه ويستهزئون به، (اللهُ يستهزئُ بهم ويمدُّهم في طُغيانهم يعمَهون) ، وأكبرت ذلك رجالات قريش، فحَنَّت له أفئدتُها، وفوَّقَت يمامها، وامتثلوه عرضاً فما ملوا له صفاة، ولا قصفوا له قناة".

стр. 132

ثم مرَّت رضوانُ الله عليها في صفته وصفة دعائه إلى الله تعالى، وعظيمِ عنائه في الإسلام، وتمسُّكِه به، وكيف لا يُظَنُّ بمثل أبي بكرٍ في فضله وسابقته وقيامه في الدعوة إلى الإسلام يقرأ بالقرآن، وتزيينه لصوته، وشدّة نَشِيجه: إنه أولى الناس بحفظِ كتاب الله وأحرصُهم عليه وأقربُهم إليه، فكيف لا يُظَنُّ بمثله أنّه حافظ؟ وكان عثمانُ بن أبي العاص لمّا دخلَ في الإسلام وقصدَ رسولَ الله ﷺ ليتعلّم القرآنَ يختلفُ إلى النبيّ ﷺ ، فإذا لم يَجدْه جاء إلى أبي بكرٍ فاستقرأه القرآن، وربما جاءَ إلى أُبيِّ بن كعبٍ على ما ذُكر، فلولا أن أبا بكرٍ كان إذ ذاك محل من يحفظُ القرآن، ويُؤخَذُ عنه لم تكن هذه حالَ من اختلفَ إليه، إذا لم يجد الرسولَ صلَّى الله عليه ولولا علمُ النبيِّ ﷺ بذلك من أمره لم يقدِّمه لإمامة المسلمين، وهو حاضر يشاهدُ مكانَ غيره ويقول: "يأبى الله ورسولُه والمؤمنون إلا أبا بكر، وإنكنَّ لصُوَيحِباتِ يُوسُف "، هذا مع قولي: "يَؤُمُّ القومَ أقرؤُهم لكتابِ الله، وأكثرُهم قرآناً". وفي خبرٍ آخرَ إلى ذكر الهجرة والسن، إلى أن قال: "فأثبتُهم صلاحاً"، وقوله: "أئمتكم شُفعاؤُكم إلى الله، فانظروا بمن تستشفعون ". وقوله: "ليَؤُمَّ القومَ أفضلُهم ". في أمثالٍ لهذه الأخبار كلُّها تدلُّ على أنه يجبُ أن ألا، يتقدَّم في

стр. 133

ذلك المقامِ الشريفِ إلا أقرأُ الأمة لكتاب الله تعالى وأثبتُهم فضلاً وصلاحا. ولولا علمُ الرسول بذلك من حاله وسكونه إليه لم يُؤمِّره على الناس في المواسم سنةَ تسع، وتقديمُه يومَ المجتمع الأعظم للصلاةِ بالناس وتعليمِهم المناسكَ وأركانَ الحج وتقويمِهم وإرشادِهم في هذا الشأنِ العظيم والخطرِ الجسيم، فكل ما ذكرناه مع مقتضى العادة وموجَبِها في مثل حال أبي بكرٍ يُوجِبُ أن يكونَ من كبارِ الحفاظ والأماثل.

стр. 134

(فصلٌ في فضل عمرَ بن الخطّابِ ﵁ وحفظِه للقرآن) وأما عُمر بن الخطاب صلواتُ الله عليه فقد تظاهرت الرواياتُ عنه بمثل ذلك، فروى الناسُ عنه أنّه كان يَؤُمّ الناسَ بالسُّوَرِ بالطوال، وحَفِظُوا عنه أنّه كان قرأ مرةً سورةَ يوسُفَ فبلغَ إلى قوله تعالى: (وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ) ، فأنشَجَ حتى سُمِعَ بكاؤُه من وراءِ الصّفوف، وأنه قرأ يوماً سورةَ الأحزاب فلمّا بلغَ إلى قوله تعالى: (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ) ، جهرَ جهراً شديداً، فقيل له في ذلك فقال: "أُذَكِّرُهُن العهد". وأنّه قرأ من سورةِ الحجِّ فسجدَ فيها سجدتَين. وروى عبدُ الله بن عمرَ أنّه قال: "لقد رأيتُ أميرَ المؤمنين عمرَ بن الخطّاب وأنّه لجالس على المنبر والمهاجرون والأنصارُ حوله يعلِّمُهم الدينَ والقرآن كما يعلِّمُ الكاتبُ الغلمان " وكيف تكون هذه حاله وقدرَه إلا وحفظُ القرآن سجِيّتُه وشأنه، وتلاوتُه دأبُه ودَيْدَنُه. وروى أبو معاوية عن ...

стр. 135

الأعمش عن زيد بن وَهْب قال: "جاءَ رجلانِ إلى عبدِ الله - يعني ابن مسعود - فقال أحدُهما: يا أبا عبد الرحمن، كيف نقرأ هذه الآية، فقال عبد الله: من أقرأك، قال: أبو حكيم المُزَني، وقال للآخر: مَن أقرأك. قال: أقرأني عمر، قال: اقرأ كما أقرأك عمر، ثم بكى حتى سقطت دموعه في الحصى، ثم قال: إنَّ عُمرَ كان حصناً حَصِينا على الإسلام، يدخلُ فيه ولا يخرجُ منه، فلما مات انثَلَمَ ذلك الحصنُ بفريقٍ يخرجُ منه ولا يدخل وروى زائدة قال: قال عبد الملك بن عمير: حدَّثني قَبِيصةُ بن جابر قال: "ما رأيتُ أحداً كان أعلمَ بالله، والقراءة لكتاب الله، ولا أفقهَ في دينِ الله من عُمرَ".

стр. 136

وروى أيضاً عبد الملك بن عمير عن زيد بن وهب قال: قال عبد الله يعني ابنَ مسعود: "ما أظنُّ أهلَ بيت من المسلمين لم يدخل عليهم حزنٌ على عُمر يومَ أُصِيبَ عمر إلا أهلَ بيت سُوء، إنَّ عمر كان أعلَمنا بالله. وأقرأنا لكتاب الله، وأفقهنا في دين الله ". ولولا أنّ هذه كانت حالَه وصفتَه في حفظ القرآن وأنه من أقرأ الناس لكتاب الله لم يكن أبو بكر الصدّيق بالذي يضُمُّ إليه زيد بن ثابت ويأمُرُهما بجمع القرآن واعتراضه، ويجعلُ زيدا تبعا له، لأنه لا يجوزُ في صفة مَن هو دون أبي بكر في الفضل والحزم أن يُنصِّبَ مع مثل زيد بن ثابت لاعتراض القرآن وجمعِه مَن ليس بحافظ له، ولا كلُّ حافظ أيضاً يصلح لهذا الباب. فبان بذلك أنّه أحدُ حفّاظ القرآن المتقدِّمين، فمَن هذه حالُه وصفتُه في تقدمه وفي قراءته بالطِّوال، وإقرائه الصحابةَ وتعليمِهم بالقرآن مع الفقه والدين. وقول ابن مسعود فيه: "ومحلُّه مِن حفظِ القرآن محلُّه، كان أقرأنا لكتابِ الله "، كيف يمكن أن يكونَ غير حافظ لكتابِ الله الذي هو أقرؤهم له؟!.

стр. 137

(فصلٌ في فضلِ عثمان بن عفان ﵁ وحفظه للقرآن) وأما عثمان بن عفانَ رضوانُ الله عليه فقد وردت الرواياتُ بأنه كان ممن جمع القرآنَ على عهد رسول الله ﷺ على ما قد بينا، وقد كان من المشهورين بقراءة القرآن وكثرة درسِه، والقيام به في آناء الليل والنهار. وإكثاره من ذلك وبلوغ الغاية القصوى منه، هذا مع سِنِّهِ وسابقته وتقدُّمِ إسلامه، وعِظَمِ محله من الدين والمسلمين. وقد روى الناس أن عثمانَ رضوانُ الله عليه لما دخلَ عليه المصريُّون ليقتلوه ابتدروه ضربةَ بالسيف، فوقعت على يده فمدَّها وقال: "إنّها واللهِ لأوَّلُ يَدِ خَطَّت المفصَّل ". وقد روى الناسُ أنّ إحدى نساء عثمان إما نائلةُ بنتُ الغرافصة أو غيرها قال: "لما هجموا عليه الدارَ ليقتلوه إن يقتلوه أو يتركوه فإنّه كان يُحيي الليلَ بجميع القرآن في ركعة"، وفي روايةِ أخرى: "فلطالما ختم القرآنَ في ركعة".

стр. 138

ورُوِيَ أنّ عبدَ الرحمن بن عثمان التيمي قال: قلت: لأغلبَن الليلةَ على المقام، فلما قمتُ إذا أنا برجلٍ يزحمني عليه، فنظرتُ فإذا عثمان. فتأخرتُ عنه فصلَّى، فإذا هو يسجدُ سجودَ القرآن، حتى إذا قلتُ هذه هوادي الفجر أوترَ بركعةٍ لم يُصَلِّ غيرَها ثم انطلق ". ورُوِيَ أنّ عليَّ بن أبي طالبٍ ﵇ كان إذا سُئل: كم بقي من الليل، قال: "انظروا أين بلغَ عثمانُ من القرآن "، وكلُّ هذا وما هو أكثرُ منه ظاهرٌ مشهورٌ من حال عثمان، فمَن هذه حاله في ختم القرآن في ركعة. ومن تُقَدَّرُ ساعاتُ الليل وماضِيه وباقِيه بدرسه للقرآن وقيامه به، كيفْ يتوَّهَّمُ أنّه لم يكن حافظاً جامعاً للقرآن؟!.

стр. 139

(فصل في فضل عليِّ بن أبي طالب ﵁ وحفظه للقرآن) وأما عي بن أبي طالب صلواتُ الله عليه فقد عُرفت حالُه وفضلُه وسابقتُه وجهادُه، وثاقبُ فهمِه ورأيِه وسَعةُ علمه، ومشاورةُ الصحابة له. وإقرارُهم بفضله، وتربيةُ الرسول ﷺ له ونشوؤه عندَه، وأخذُه له بفضائل الأخلاق والأعمال، ورغبتُه في تخريجه وتعليمِه، وكثرةُ أقاويلِه فيه، وما كان يُرشِّحُه له ويُنبّهُ عليه من أمره، نحو قوله: ْ "أقضاكُم عليُّ، وإن تُوَلُوها عليّاً تجدوه هادياً مهدياً، يحملكم على المحَجّة البيضاء والطريقِ المستقيم ". ومن البعيدِ الممتنعِ أن يقول مثلَ هذا فيه وليس هو من قُرّاءِ الأمة للقرآن، وممَّن إن تقدَّم في الصلاة كان أقرأَهم لكتاب الله، أو من الطبقة الذين هذه سبيلهم. وقد كان ممّن يُقرىءُ القرآنَ ويُؤخَذُ عنه، وأحدُ من قرأ عليه أبو عبد الرحمن السُّلَميُّ وغيرُه، وكان من المشهورين بقراءة القرآن والتبحُّر فيه، ومعرفةِ تنزيلِه وتأويله، والكلامِ في مُشكِلِه وغامضِه، وقد كان سائرُ أصحابه الدعاةِ إلى طاعته يُظهِرون عند استدعاءِ الناس إلى نُصرته

стр. 140

والدخول في بيعته أنّه أفقهُ الأمَّة وأعلمُها وأقرؤُها لكتاب الله، ولا يردُّ عليهم أحدٌ ولا يَعترِضُ فيه، منهم الحسنُ وعمار وعبدُ الله بنُ عباس، وزيد، وصَعْصَعةُ بن صَوحانَ العَبْدي وغيرُهم من شِيعتِه، وهو أولُ من نشرَ المصحفَ بالبصرةِ ثم بصِفين، ودعا إلى تحكيمه والرجوع إلى ما فيه، على ما سنشرحُه فيما بعدُ إن شاء الله. ورُوِيَ عن سعيدِ بن عمرو بن سعيدِ بن العاص أنه قال: قلتُ لعبدِ الله بن عباسٍ بن أبي ربيعة: ألا تُخبرني عن أبي بكر وعلي، قال: "إن أبا بكرٍ كانت له السِّن والسابقةُ مع رسول الله ﷺ ، فكل الناسِ صاغيةٌ إلى على"، قال: "يا ابنَ أخي، كان له والله ما شاء من حَرَسٍ قاطع، والبَسطةُ في المنصِب، وقرابةٌ من الرسول ومُصاهرتُه، والسابقةُ في الإسلام، والعلمُ بالقرآن، والفقهُ في السنة، والنجدةُ في الحرب، والجودُ في الماعون ". فهذا وغيرُه ممن ذكرنا بفضيلة له، وشرح خُطَبِه ومقاماته بفضل علي في كتابي الإمامة يذكرون أنه مِن أعلمِ الناس بالقرآن وإقرائِهم له، فلا يعترض في ذلك معترضٌ يُحفَظُ قوله. وقد كان أبو عبد الرحمن السُّلَمي من حفّاظ

стр. 141

كتاب الله تعالى وأهل العلم به، وهو يعترفُ لعلي بأنّه ما رأى رجلاً أقرأ للقرآن منه. روى همام بن أبي نَجِيح عن عطاءِ بن السائب أن أبا عبد الرحمن السُّلَمى حدَّثه، قال: "ما رأيتُ رجلاً أقرأَ للقرآنِ مِن عليِّ بن أبي طالب. صلى بنا الصبح فقرأ سورةَ الأنبياء فأسقط آية، ثم قرأ تدرجا ثم رجعَ إلى الآية التي أسقطها فقرأها ثم رجع إلى المكان الذي انتهى إليه، لا يتتعتَع ". ورُوِيَ أيضاً عن أبي عبد الرحمنَ السُّلَميِّ قال: "صلى بنا علي في شهر رمضان فقرأ بنا عشر آيات عشرَ آيات "، وهذا لا يكونُ إلا مع تقدُّم الحفظ وكثرةِ الدراية وحسن الإتقان. وإذا كان ذلك كذلك وجب بما وصفناه في وضع العادة وما عُرِفَ من أخلاقِ هؤلاء الأئمةِ وطرائِقهم وما كانوا عليه ومنصُوبين له، وما ظهرَ من قراءتهم وتقدُّمهم، وتقدمة الرسول لهم أن يكونوا حُفّاظا للقرآنِ وجامعينَ له، وأن يكونَ العملُ بذلك والرجوعُ إليه أولى من الرجوعِ إلى الأخبار التي يُذكَر فيها أنّ الحفّاظ كانوا على عهدِ رسولِ الله ﷺ أربعةَ نفر ليس فيهم أحد من هؤلاء الأئمةِ القادةِ الذين هم عُمُدُ الدين وفقهاءُ المسلمين. وعلى أننا أردنا بما بسطناه ووصفناه من حال هؤلاء الأئمة ما تقتضيه العادةُ من وجوب كثرة الحفاظ للقرآن على عهدِ رسول الله ﷺ وبعده: تأكيدَ أمرِ القرآن، ودفعَ قولِ من قال على القطع والبتات أنه لم

стр. 142

يجمع القرآنَ على عهد رسولِ الله ﷺ أربعةُ نفر، لأننا لا نحتاجُ في حفظ جميع الأمة للقرآن وظهورِ نقله والإحاطةِ بجميعه إلى أن يُعتَقَدَ ويتبَيَّن أنّ فيهم حفّاظاً لجميعه، لأنه لو اتفقَ مع بُعد ذلك في العادة وتعذُّره أن لا يجمعه أحد منهم لوجب بالعادة المعلومة من تركيب الطباع وعظمِ شأن القرآنِ وموردِه والداعي إلى حفظه والتمسُّك به والتحاكم إليه، والردِ إلى موجَبِه وإخباره بأنّ معدنَ العلم ويُنبُوعَه أن لا يذهبَ على جميع الأمّة حفظُ سائره، وأن لا بُدَّ أن يتفقَ لخَلْقٍ منهم أن يحفظوا مواضعَ منه، ولآخرين أن يحفظوا مواضعَ أُخَرَ، ولخَلْقٍ الاستكثارُ منه، ولقومٍ الاقتصارُ على ما يُجزىءُ به من قراءته، ولقومٍ إيثارُ الطِّوالِ منه، ولآخرينَ إيثارُ حفظِ المفضَلِ السهل. ولخلقٍ منهم حفظه ومعرفتُه ضبطاً ونَظَراً في المصاحف، ولخلقٍ منهم التفقُّهُ به، ولآخرينَ القيامُ للصلاة به، ولآخرينَ الانتصابُ لتعليمه، حتى لا يذهبَ شيء منه على كافّتهم، ولا يتوهَّمَ من له أدنى مُسْكةٍ وفهمٍ ومعرفةٍ بعلوم التجربة والعادة توافي هِمَمِ جميع الأمّة على تضييع شيء منه وذهابه عليهم، وأن الشاةَ دخلت فأكلَت كثيرا منه! كانوا جمعوه فلم يوجد في غير تلك النسخة، ولا في صدرِ رجلٍ من الأمة، ولا عند أحدٍ ممن يقرأ نظراً حفظَه والعلمَ به، وأن اعتقادَ ذلك من الأمور الدالّةِ على فرط الجهل والغَباوة. فوضح بهذه الجملة أنه لا حاجةَ ماسّةً ولا غيرَ ماسّةٍ إلى إقامة الأدلّة والبراهين على كونِ حفاظ لجميع القرآن على عهدِ رسول الله ﷺ وبعده، وأنّ ذلك إن ذكرناه فعلى سبيل التأكيد والكشف عن صورة الحال وموجَبِ العادة في ذلك. فإن قال قائلٌ: فإذا كانت الحال في موجَب شُهرة الأخبار التي رويتموها في كثرة الحفَّاظ وارتفاع النزاع في حفظ الأربعة نفرٍ على عهد رسول الله ﷺ -

стр. 143

في وضع العادة في وجوب حفظ جِلّة المهاجرين والأنصار للقرآن لما هم عليه مما وصفتموه، فما وجه القول عندَكم في الأخبارِ المرويةِ بأنّ هؤلاءِ الأربعةَ لم يكونوا ممن حفظَ جميعَ القرآنِ ولا الأئمةُ الأربعةُ ومن جرى مجراهم في الفضل، وهيَ واردةٌ بنقيض ما ادّعيتموه بموجَبِ العادة والأخبار التي قدَّمتم ذكرَها، فمن هذه الأخبار ما رواه ابنُ عُلَئة عن منصورِ بن عبد الرحمن عن أبي عبد الرحمن عن الشعبي قال: "مات أبو بكرٍ وعُمَر وعليٌّ ولم يجمعوا القرآن "، ورُوِيَ عنه من طريق آخر "أنّ عمرَ مات ولم يجمع القرآن، لأنه كان يُحِبُّ أن يموتَ وهو في زيادةٍ ولا يموتُ وهو في نقصانٍ بنسيان القرآن ". وروى عُبَيدُ بن جُبَير قال: "قلتُ لزيد بن ثابت عندَ مقتَل عثمانَ: اقرأ عليَّ الأعراف، فقال زيدٌ: لستُ أحفظُها، ولكن اقرأها أنتَ عليَّ. فقرأتُها فما أخذَ عليَّ ألفاً ولا واواً"، ورُوِيَ أنّ جماعةً من الصحابة أتَوا عبدَ الله بن مسعودٍ ليقرأ عليهم (طسم) الشعراء فقال: "ما هي عندي، عليكم بأبي عبد الله خَبّاب "، فأتينا خَبّاباً فسألناه يقرأها علينا.

стр. 144

وروى أبو إسحاقَ الهمداني عن سعيدِ بن وهبٍ قال: "قَدِمَ علينا عبدُ الله - يعني ابنَ مسعود - فقلنا: اقرأ علينا البقرة، فقال: لستُ أحفظها". وروى الهيثمُ بن واقدٍ عن عطاءِ بن أبي مروان قال: "قلتُ للطُفَيل بن أبي: أبوكَ جمعَ القرآن على عهد رسول الله ﷺ ، قال: بعدَه. قلت: إن أناساً أخبرونا أنّه جمعه أربعةٌ على عهد رسول الله، فيهم أبوك. فقال الطُفَيل: أترى أنّ أناساً أعلمُ بأبي منِّي، ". وروى عكرمةُ عن ابن عباس: "إنّ القرآنَ لم يجمعه أحدٌ على عصر رسول الله ﷺ "، وروى بشر بن حُمَيد المُرِّيّ عن أبيه قال: "سمعتُ أبا قِلابَة يُحدِّثُ عمرَ بن عبد العزيز في خلافته أنّ أربعةً من

стр. 145

أصحاب رسول الله ﷺ جمعوا القرآنَ على عهد رسول الله ﷺ معاذ بن جبل، وأبيَّ بن كعب، وزيدَ بن ثابت، وأبا زيد، فقال عمر: قد بحثتُ عن هذا الحديث بالمدينة إذ كنتُ عليها والياً فقلتُ لخارجةَ بن زيد: إنَّ الناسَ يقولون إنَّ أباك جمعَ القرآنَ على عهدِ رسول الله ﷺ ، فقال: جَمَعَه بعدُ، أو جمع أكثرهُ ". في أمثالٍ لهذه الأخبار والألفاظِ كثيرة، وردت تنفي حفظ أحدٍ من هؤلاء وغيرهم للقرآن على عهد رسول الله ﷺ فما وجهُ هذه الأحاديث عندكم؟ قيل له: وجهُ القول عندَنا فيها أنّها أخبارُ آحاد غيرُ ثابتة، ولا سبيلَ إلى العلم بصحتها، وأنّها حالةً في الظهور والانتشار محلَّ الأخبار الواردة بحفظ هذه الجماعة، والشيءُ الظاهرُ المعلومُ لا يترَكُ لما ليسَ ثابتاً وما لا سبيلَ إلى العلم بثبوته، فوجبَ تركُ الإحفار بهذه الأخبار، ولأجل أنّ العادةَ في الصحابة وما كانوا عليه وجميعِ ما وصفناه يدلُّ على ضعف هذه الأخبار واضطرابها وأنها مما لم تقُم الحجةُ بها، وأقصى أحوالِ هذه الأخبار أن تكونَ مُعارِضةً للأخبار الواردة بحفظ هذه الجماعة للقرآن على عهد الرسول ﷺ ومعاذ الله أن يكون كذلك لإطباق أهل النقل على أنّها ليست في الثبوتِ والظهورِ وصحّة المخارج والطرق واتفاقِ الألفاظ: بجارية مجرى الأخبار المرويّة في حفظ هذه الجماعة للقرآن وشهرتها. وقد روى مِقْسَمُ عن عكرمةَ عن ابن عباس أنه قال: "جمعَ القرآنَ
следующие страницы →