Полный текст (756 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
وإن كان السببُ في سقوط حفظ ذلك وذهابه على الأمّة أنها لم تُصغِ
إليه ولا أحفلت به ولا صدَّقت الرسول فيما أتى به منه فذلك محالٌ، لأنّه
ليس من دينِ أحدٍ من المسلمين اعتقادُ شيءٍ من هذا في القرآن ولا فيما دونه
من السنن والآثار، ولأنّ الأمّةَ مطبقةٌ وغيرُهم من المِلَلِ وكل من عرَفَ سيرةَ
المسلمين في تلقي القرآن من النبيّ ﷺ يعلم أنه لم يكن هذا دينَ المسلمين أو رأيَهم أو أحداً منهم في شيءٍ من القرآن الذي يتلوه عليهم ويخبر بأنه منزَّلٌ من عند الله، بل كانوا على سَجِيةٍ واحدةٍ ونمطٍ متساوٍ في حفظ القرآن عن الرسول وتعظيمِ جميعِهِ وانصرافِ هممها إلى تحفظه واعتقادِ تعظيمِه وتصديقِ من جاء به.
ولو ساغت مثلُ هذه الدعوى لمدعيها لساغَ لآخرَ أن يدَّعيَ أنَّ القرآنَ
الذي تلاه رسول الله ﷺ على أمّته وأمَرَهُم بحفظه كان أكثر من مائةِ ألفِ ألفِ ألفِ آية، وإنه كان يزيدُ على ألف حمل بعير، غير أن الأمة لم
تحفظ منه إلا هذا القدْرَ، ولم تعِ الباقي عن الرسول ولا اكترثت به ولا
عظّمته ولا أصغَتْ إليه، ولا كانت حالُها في قبوله والحرص على تحفظِهِ
وتعلُّمِهِ كحالها في قبول هذا القدر الحاصل في أيدينا والحرص على
تحصيله والإحاطةِ بعلمه، فذهبَ كلُّ ما تلاه عليهم عنهم، وبقيَ هذا القدرُ
اليسيرُ لشهوتهم بحفظه وخِفّةِ ذلك على قلوبهم، أو لتعظيمِ هذا القرآن أكثرَ
من تعظيمهم كان لما لم يصغوا إليه ولا يعلموا بحفظه، وهذا جهلٌ ممن
صار إليه ودان به، ولو ساغَ مثلُ هذا لقائِله لساغ لآخرَ أن يقول: إنَّ الثابت في شريعة الرسول من الفرائض والسنن والحدود والأحكام أضعافُ ما في
стр. 72
أيدينا من ذلك، وأنه قد ذهب على الأمّة حفظُ أكثر ما شرعه الرسولُ لها.
وإن كانت قد حفظت هذا القدرَ الباقي لأجل أنّها لم تحفظ تلكَ الأحكامَ
والحدودَ والفرائض لتركِهم للإصغاء للرسول ﵇ وقبولِ ذلك منه.
وقلَّة إحفالهم به، وإئَما حفظوا هذا القدرَ لخفَّته على قلوبهم، أو لسببٍ أوجبَ ذلك لا يعرفونه، ومن بلغ إلى هذا فقد ظهر جهلُه، وكُفينا مؤونةَ كلامه.
وإن كان هذا والذي قبلَه محالاً وكانت الأمّة قد حفظت عن الرسول
ﷺ جميعَ ما أتى به من القرآن وعظّمته وجرت في تفخيم شأنِه
على سبيلٍ واحدٍ غير أنّها أسقطت ذلك فتركت نقلَه وضبطَه بعدَ أن كانت
وعَتْهُ وحَفِظَتْهُ فذلك أيَضاَ محال، لأئَه لا يخلو سقوطُ ذلك عليها وتركُها
لإثباته من أن يكونَ عن قصدٍ منهم إلى ذلك ومواطأةٍ وتراسلٍ على طيَّه
وكتمانه، أو باتفاقِ ذلك وسهوِ سائرهم عنه عن غير قصدِ إلى ذلك ولا
اعتمادِ لتركه وتواطىءِ على كتمانه فيستحيلُ أن يكون ذلك واقعاً منهم بعدَ
حفظه ومعرفته على سبيل القصد والاعتماد والتشاعُرِ والتراسلِ على كتمانه، لأنّه لو كان ذلك كذلك لوجبَ في مستقرِّ العادةِ ومقتضاها أن يظهرَ عليهم
وعنهم ذكرُ هذا التواطىء أو التراسل، وأن يدورَ الحديثُ به بينهم، ويُعلمَ
ذلك من حالهم في يسير الوقتِ وأقصرِ المدّة، فإن يذكروا أسبابهم
ودواعيهم الباعثة لهم على كتمان ما قد عرفوه وسمعوه من القرآن حتى لا
يخفى على أحدِ عرَفَهم وتأمَّلَ بأحوالهم وخالطهم ألِّهم أهلُ تراسلِ وتشاعرٍ
على إنكار ما عرفوه ودفع ما علموه، فلمَّا لم يظهرْ ذلك عليهم ويُعلم من
حالهم ثبتَ بذلك أنهم لم يتواطؤا على كتمان شيءِ من كتاب الله.
ولو جاز أن يكتموا من القرآن سورةَ أو سوراَ أو آياتِ بقَدْرِ سورةٍ أو
سورِ منه لأسباب تعنيهم أو أغراض وبواعثَ حَدَتْهُم عليه، ثم لا يَظْهَرُ ذلك
стр. 73
عليهم ولا يُعرَفُ من حالهم لجازَ أن يقع منهم تواطؤ وتراسلٌ على كتمان
فرائضَ كثيرةٍ، وأحكامٍ وحدودٍ هيَ أكثرَ مما نقلوه لأسبابٍ دعتهم إلى ذلك.
ثم لا يُعرَفُ ذلك من حالهم وأن يتفقوا على كتمان وقائعَ كثيرةٍ وغزواتٍ
وحروبٍ هُزموا فيها، ونال الرسول في سائرها جراحٌ وكُلُومٌ، وقُتِلَ كثيرٌ من أصحابه وجِلّةُ الأئمّةِ الأربعة، وأن يتفقَ لهم التواطؤ على كتمان أسر قريشٍ للنبي ﷺ مراتٍ، وأن يُطبقوا على كتمان معارضة القرآن وسائرِ آيات النبيّ ﷺ ، ثم ينكتمُ ذلك عليهم، ولا يُعرَفَ الاتفاقُ عليه من أحوالهم، فكذا لا نأمنُ أن يكون قد كتَموا فَرْضَ عشر صلواتٍ كانت مفروضةً مع هذه الخمسة، وَفَرْضَ صيام شهور أُخرَ فُرِضَ صومُها كفَرضِ رمضان، وحجّ واجبٍ وحدودٍ وأحكامٍ هي أكثرُ مما في أيدينا، وأن لا نأمنَ أن يكون النبي ﷺ قد غزى ألفَ غزاةٍ وأُسِرَ ألف مرةٍ وقُتل من أصحابه خلقٌ هم في مَحَل أبي بكر وعمر وعثمان وعلى وحمزةَ بن عبد المطلب وسعد بن معاذ، غير أنّهم كتموا ذلك أجمع، واتَّفقوا على
طيِّه.
وأن لا يأمن بأن يكون القرآنُ قد عُورضَ بمثله وسائر آياته، واتَفقت
الأمّةُ أو معظمُها على جَحدِ ذلك وإنكاره، فإن مرُّوا على ذلك هذا كُفِينا
مؤونةَ الكلام معهم، وصاروا إلى القدح في الرسالة وجحدِ العادة.
стр. 74
وإن أبَوهُ وقالوا: لو وقع منهم اتّفاقٌ على كتمان شيءٍ من هذا لوجب
ظهورهُ عليهم والعلمُ به من حالهم، وأن يعلم ذلك أيضاً مَنْ ليس من أهل
ملَّتِهم، لأنَّ ذلك هو موجبُ العادةِ في كتمان الجمِّ الغفير والعَدَد الكثير فيما
يتفقونَ على كتمانه، وإن جاز حقّاً تواطؤ الاثنين والنفَّرِ اليسير على ما يتَفقونَ على كتمانه.
قيل لهم: وكذلك لو اتَّفقت الأمّةُ أو عددٌ كثيرٌ منها على كتمان شيءٍ من
كتاب الله لوجبَ أن يظهرَ ذلك عليهم ويحدَّثَ به من أمرهم ويُعرَفَ من
حالهم، وهذا ما لا جواب عنه.
ويستحيلُ أيضاً أن ما أسقطوا ما كان حفظوه عن الرسول من القرآن
وَوَعَوْهُ بعد ذكرهم له ومعرفتهم به، وتركوا إثباته لأجل سهوٍ عن ذلك
عمَّهم، ونسيانٍ شَمِلَهم، وعمَّ سائرهم، لأنّه ممتنعٌ على مثل عدَدهم في
العادة، ومن هو أقلُّ منهم في العدد الكثير، ولو جازَ ذلك عليهم لجاز أن
يكونوا جميعاً قد تركوا ذكرَ فرائضَ وحدودٍ، وأحكامٍ وحروبٍ، وغزواتٍ.
ومقاتل فرسانٍ جِلَّةٍ، كانوا بمحل الصدر الأوَّلِ، وتركوا أيضاً ذكر آياتٍ أخَرَ للرسول هي أكثرُ مما نَقَلُوه بأمرٍ عظيمٍ، لا عن سهوٍ عن ذلك عمَّهم، ونسيانٍ لَحِقَ سائرَهُم وغفلةٍ اقتطعتهم عن ذكر شيءٍ منه، ومن صار إلى ركوب مثل هذا فقد بلغ في الجهل حدَّاً لا يُرجى معه برؤُه واستقامته، ولا يُطمع في الانتفاع بكلامه، لأنَّ هذا أجمع دفعٌ للضرورة وجحدٌ لموجب العادة، أو آفةٌ وغَلَبةٌ تقطع صاحبها عن التمييز، ويستحيل أن يكونوا إنّما تركوا إثبات ما سقط عليهم من القرآن لأجلِ هلاك من كان يحفظُ تلك السورِ والآيات، التي ترك القومُ إثباتها إمّا بالقتل أو الموت لأمرين:
стр. 75
أحدهما: أنه كان لا بد في وضع العادة ومستقَرها من أن يتحدث
الباقون من الأمّة بأنّه قد ذهب قرآن كثير وسور وآيات من سورٍ بقيت
منتثرةً بذهاب حفاظها، لأنه لا بدّ أن يكون علمُ ذلك مشهوراً مستقراً
عندنا في الأمّة، وإن كانوا لا يحفظون ذهاب الذاهب على ترتيبه ونظامه
وتعيُّنه كما يعلمُ أهلُ بلدٍ وإقليم من أقاليم المسلمين وقريةٍ من قراهم اليوم
أنّ من حفظ من الكهف إلى الناس فإنّه لم يحفظ جميع القرآن، وأن من
حفظ عشرين آيةً من سورة البقرة فلم يحفظ سائرها، وإن ما لم يحفَظْه زيد
من السور هي السورة التي تُسمَّى كذا وسورةَ كذا، وإن لم يحفظوا هم أيضاً
ذلك القدْرَ، لأنَّ القرآن كان أشهر عندهم وأظهر من أن يُخفى أمرُه، لأنهم
كانوا يَتَلَقون ذلك من رسول الله صلَّى الله عليه، سُورُهُ مرتبة منظومة على
سبيل ما يتلقنه الناسُ اليوم، وكان من لا يحفظ السورة منه يعلمُ أن في
القرآن سورةً تُدعى بكذا وإن كان لا يحفظها، هذه هي العادةُ في علم الناس
بالقرآن ومعرفتهم بجملته حُفاظاً كانوا له أو غير حُفاظ.
وإذا كان ذلك كذلك وجب أنه لو سقط من القرآن سورٌ وآياتٌ لهلاك من
كان يحفظُ ذلك أن يَعلَم الباقونَ من الأمةِ أنّه قد ذَهَبَ كثيرٌ من القرآن، وأن
يتحدثوا بينهم حديثاً لا يمكنُ معه الجهلُ بما ضاع من القرآن لذهاب حَفَظَته.
ولو كان منهم قولٌ في ذلك وتُحُدّثَ به لوجب أن يُنقل ذلك عنهم، ويتسع
ذكرُه فيهم، وفي علمنا بأنَ ذلك لم يكن: دليلٌ على بطلان هذه الدعوى.
والوجه الآخر: أنه لا يجوز في مسقرّ العادة أن يتفقَ القتلُ والموتُ
والهلاكُ بأي وجهٍ كان بجميع من كان يحفظُ الذاهب من القرآن وبقاءُ
стр. 76
الحافظين لغيره، كما أنه لا يجوز أن يتَفق هلاك جميع من يحفظُ سورةَ
الكهف وبقاءُ جميع من يحفظُ مريمَ وعَطَبُ كل حافظٍ لشعر جريرٍ وبقاءُ
كل حافظ لشعر الفرزدق، وهلاكُ جميع المرجئة وبقاءُ سائر المعتزلة.
وعَطَبُ جميع من يحفظُ مسائل وبقاءُ جميع الحفَّاظِ للوصايا، كلُّ هذا باطلٌ
ممتنعٌ في مستقر العادة، وذلك لا يجوز فيها هلاكُ جميع من حفظ شيئا من
كتاب الله، وبقاءُ الحافظين لغيره منهم.
وإذا كان ذلك كذلك ثبت أنّه لا يجوز سقوطُ شيءٍ من القرآن بهذا
الضرب من الضياع وهلاكُ الحفاظ له دون الحافظين لغيره، فإذا كان كذلك
ثبت بهذه الجملة أنه لا يجوز ضياعُ شيءٍ من كتاب الله تعالى وذهابه على
الأمة بوجهٍ من الوجوه التي عددناها ووصفناها، ولا فرق بين أن يقول القائل
إنّ الذاهب على الأمة سُورٌ من القرآن أو سورة منه طويلةٌ أو قصيرة أو آيات
أو آيةٌ من سورة لأجل أنّ جميع القرآن كان ظاهراً مستفيضا عندهم على
عصر الرسول وحين أدائه إليه وتبليغهِ لهم، فكما أنّه لو هَلَكَ حفّاظُ سورةٍ
منه ليس عند الباقين حفظُها وجَبَ علم الباقين من الأمة بها وإن لم يحفظوها
، لأجل شهرَتها فيهم وظهور أمرها، فكذلك يجمث عليهم بذهاب الآية منه
سقوطُها بهلاك حُفاظها لأجل شهرتها، ومعرفتهم في الجملة بها.
ولو ساغ وجاز أن يذهب عليهم حفظُ آيةٍ أو آياتٍ نزلت ورتبت في
بعَض السور بذهاب حفَّاظها لساغ أيضا وجاز أن يذهب عليهم سورٌ كثيرةٌ
من القرآن أو سورة منه قد كانت أنزلت مع السور، وأن يخفى أمرها لذهاب
حفاظها وهلاكهم، فإن مرُّوا على ذلك تجاهلوا.
стр. 77
وإن أبَوْهُ قالوا: يجبُ أن لا يخفى نزولُ السورة على من حفظها منهم
ومن لم يحفظها، قيل لهم: وكذلك لا يجوز أن تخفى عليهم آيةٌ منه إذا
سقطت لأجل ذهاب حُفّاظها، لظهور أمرها وعلمهم بنزولها، وأمر الرسول
لهم بإثباتها.
فإن قالوا: نزولُ السورة أظهرُ فيهم وأشهرُ من نزول آيةٍ مضافةٍ إلى
سورة.
قيل لهم: ما الفصلُ بينكم وبين من قال: بل نزولُ الآية والآيتين
المضافة إلى سورةٍ من سور القرآن، فقد كانوا عَرَفوا نزولَها من قبل، وأنّ
تلك الآيةَ لم تكن فيها، ولا مضافةً إليها، أشهرُ وأظهرُ فيهم من نزول سورةِ
بكمالها، لم يتقدم علمهم بها وتحفُّظهم لها لأجل أنّ ما تقدّمَ نزولُهُ وحُفظَ
عارياً مجرَّدا مما أضيف إليه يجب في العادة أن لا يخفى ألبتَّة نزولُ ما نزل
بعدَه وأضيف إليه، لأنَّ الناس يعمدون أبداً لحفظ ما نزل وتجدَّد وأُضيفَ
إلى ما سلف، وإلى ذكر سبب نزوله وقصّته وفيمن نزل ولأجل ماذا أُلحِقَ
بتلك السورة، وبنقل أمر رسول الله ﷺ الناس أن يضعوها في
السورة المعيَّنةِ دون ما قبلها وبعدها، وكلُّ هذا يوجبه أن يكون نزولُ الآياتِ
الزوائد المضافة إلى السُّور أشهر من نزول سورةٍ كاملةٍ، فإن لم يكن الأمرُ
فيها كذلك فلا أقلَّ من أن يكون في الشهرة كهيَ، وإذا كان ذلك كذلك صحَّ بجميع ما وصفناه أنّه لا يجوز أن يكون قد سقطَ وذهبَ على الأمّة شيءٌ من كتاب الله تعالى، وأن يكون الذي بين اللوحتين هو جميع ما أنزل الله
تعالى، وبقي رسمُه وأمر بحفظه وإثباته، والعمل به والرجوع إليه، وأنّ من
اذَعى ذهابَ شيءٍ منه لبعض الوجوه والأسبابِ التي قدَّمنا ذكرها فقد قال
باطلاً وجَهِلَ جَهْلاً عظيماً.
стр. 78
دليل آخر: وممّا يدلُّ أيضاً على صحَّة نقل القرآن وأنّه هو المرسوم في
مصاحفنا على وجهه وترتيبه الذي رتَبه الله جل وعزَّ عليه، اتفاقنا والشيعةَ
على أنَّ عليَّاً ﵇ كان يقرأُه ويُقرىءُ به، وأنه حكمه أيامَ التحكيم من فاتحته إلى خاتمته، وأقزَ من حكَّمه بإحياء ما أحيا وإماتة ما أماته، وأنه كان يحتجُّ ويستدلُّ به ورجعَ إليه، هذا ما لا خلاف بيننا وبينهم فيه، فوجب
بذلك أن يكون نقلُه وتأليفه صحيحاً ثابتا وأن يكون غيرَ منقوصٍ منه ولا
مزيدٍ فيه، ولا مرتَبٍ على غير الوجه الذي أمر ﵇ بترتيبه عليه، لأنه لو كان فيه شيءٌ من ذلك لسَارعَ عليّ ﵇ إلى إظهاره وإشهاره، ولكان تشدُّده فيه أعظم من تشدُّده في كل ما حاربَ ونابذَ عليه، ولم يُحكِّمْه ولم يقرَّهُ، وكان أحقَّ الناس وأولاهُم بذلك.
وقولُهم بعدَ هذا إلَّه وإن كان قد فعلَ جميعَ هذا فإنّه قد أظهر أحياناً ضد
ذلك، وأنه كان في إظهاره لذلك في تُقيةٍ وتحت غَلَبة: قولٌ باطلٌ ودعوى لا
برهانَ معها ولا شبهةَ في سقوطها، وأيُّ تقيةٍ تُعاب عليه مع كثرة أجناده
ونُصَّارِه، ونصبه الحربَ سجالاً مع أهل البصرةِ وصفَّينَ وحَرُوراء والنخيلة
والنهروان وقتل من قُتل في هذه المواقف لولا القِحَةُ وقلَّة الدِّين
والتحصيل، وسنتكلمُ بعد هذا في إبطال تعلُّقهم بهذه التقية، وشدّة وَهَاءِ
قولهم، ونذكُرُ ضروباً من الكلام فيها وما يعني اليسيرُ منها إن شاء الله.
فبطل بذلك ما قالُوه، وثبت أنَّ من مذهب علي ﵇ في اعتقاده:
صحّة مُصحف الجماعة وسلامةَ نقله وتأليفه من التخليط والفسادِ مذهبُ
سائر الأمةِ في وقته ومن حدَثَ بعدَهُ.
стр. 79
دليل آخر على صحة نقل القرآن وصحة تأليفه وترتيبه
ومما يدلُّ على ذلك قوله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩) .
وقولُه: (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) ، وقد ثبت بإجماع
الأمّة منا ومنهم أن الله تعالى لم يُرِدْ بهاتين الآيتين أنه تعالى يحفظُ القرآنَ
على نفسه ولنفسه، وأنّه يجمَعُه لنفسه وأهل سمواته دون أهل أرضه، وأنّه
إنّما عنى بذلك أنّه يحفظُه على المكلفينَ للعمل بموجبه والمصير إلى
مقتضاه ومتضمِّنه، وأنّه يجمعُهُ لهم فيكونُ محفوظاً عندهم ومجموعاً لهم
دونه ومحروساً من وجوه الخطأ والغلط والتخليط والإلباس.
وإذا كان ذلك كذلك وجبَ بهاتين الآيتين القطعُ على صحةِ مصحفِ
الجماعة وسلامتِه من كل فساد، وليس لأنّه لو كان مغيَّراً أو مبدَّلا أو منقوصا منه أو مزيداً فيه ومرتَباً على غير ما رتَّبه الله سبحانه لكان غير محفوظ علينا ولا مجموع لنا، وكيف يسوغُ لمسلمٍ أن يقولَ بتفريق ما ضَمِنَ الله جمعَه، وتضييع ما أخبر بحفظه له، وليس ها هنا مصحفٌ ظاهرٌ في أيدي الشيعة أو غيرهم يدعون أنَّه هو كتابُ الله الظاهرُ المنقطعُ العذرُ به الذي حفظه الله على عباده!
وكيف يدَّعون ذلك وهم يزعمون أنّ ربعَ القرآن نزل في أهل البيت
وأنّهم وسائرَ الأئمة مسمَّون فيه كما سُمِّيَ مَن قبلهم، وهم لا يعرفون من
هذا الربع، وهذه التسمية شيئاً، ويدعونَ أن سورةَ (لم يكن) كانت في طول
البقرة، ولا يعرفون من الساقط عندهم منها شيئاً، ويدَّعون أنَّ معظمَ
الأحزاب قد سقط، ولا يعرفون ذلك، وأن سورةً نزلت في طول البقرة ليس
стр. 80
مع الناس مِن حفظها إلا كلمةً أو كلمتين: "لو أنَّ لابن آدم واديانِ من ذهبٍ
لا بتغى إليهما ثالثاً، ولا يملأ عينَ ابنِ آدمَ إلا التراب، ويتوبُ الله على من
تاب "، ولا عندَهم مصحفٌ يدَّعون تواترَ الشيعة أو غيرهم في نقله عن
عليّ ﵇ أو عن أحدٍ من الأئمة من ولده.
وإذا لم يكن القرآنُ الصحيحُ السليمُ من عوارض الإلباس والشُبه عندَنا
ولا عندَهم ولا عندَ غيرهم من فِرَقِ الأمة، وجبَ لذلك أن يكونَ غيرَ
مجموعٍ لنا ولا محفوظٍ علينا، وهذا تكذيبٌ لله تعالى في خبره، وقُبحُ افتراءٍ
وجُرأةٍ عليه، فوجَبَ بذلك القطعُ على سلامة مُصحفِ عمرَ والجماعة.
وكذبُ كلِّ من ادَّعى دخولَ خللٍ فيه ببعض الوجوه.
فإن قالوا: ما أنكرتم أنه وإن لم يكن محفوظاً عندَنا ولا عندَكم ولا عندَ
أحدٍ من فِرَقِ الأمّة أن يكون محفوظا على وجهٍ وهو أن يكونَ مودعاً عندَ
الإمام القائم المعصوم المأمور بإظهارِه لأهله، في حين ظهورِ وانبساطِ سيفه
وسلطانه، فهذا ضربٌ من الحفظ له، يقال لهم: أقلُّ ما في هذا أنه لا أصلَ
لما تدَّعونه من وجودِ إمامٍ معصومٍ منصوص عليه، ْ وقد أوضحنا ذلك ودللنا
عليه بوجوه من الأدلة في كتابَي الإمامة، وغيرها من الشروح والأمالي بما
يغني اليسيرُ منه، وإذا كان ذلك كذلك ثبت أنه لا أصلَ لوجود هذا الإمام
ولا معنى في التعلق في حفظ القرآن وجمعه بإيداعه إياه.
ثم يقال لهم: فيجب أن يكون الله سبحانه ما حفظ القرآنَ ولا جمعه
لأحدٍ من المكلفين منذ وقتِ وفاة النبي ﷺ وإلى وقتنا هذا، لأنَ عليا عندَكم كان في تُقيةٍ في أيام نظرة وقبلها وإلى أن توفي ﵇، ولا يظهر ما عنده ظهوراً تقوم به الحجة، وإنما كان يعتمد في الظاهر على مصحف عثمان والقوم كذلك، وإلى وقتنا هذا، وإنما يجبُ أن يكون القرآنُ محفوظا
стр. 81
وقتَ ظهور المهدي فقط، وعلى أهل عصره دون سائرِ الأعصار، وهذا
خلافُ الظاهرِ والإجماع، وإن ساغَ ذلك لمدعيه ساغ لآخرَ أن يقول: أنّه ما
جُمع ولا حُفظ إلا على أهل عصر الرسول ﷺ في أيام حياته فقط، وأنّه مضيَّع في سائر الأعصار إلى يوم القيامة، ولا فصلَ في ذلك.
وكذلك إن قالوا: فكل إمامِ في وقته لا يخلو من دعاة وأبوابِ يُوعَزُ
إليهم صحيحُ القرآن الموح عنده، قيل لهم: فيجب أن يكون محفوظاَ على
الأبواب دون غيرهم، وإن ساغ ذلك ساغ لآخر أن يقول: إنه محفوظٌ على
أهل عصر واحد فقط، وعلى قريش دون مَن سواهم أو على الأنصار دون
غيرهم، وكلّ هذه الدّعاوى باطلةٌ فارغةٌ.
فإن قالوا: فإن الدعاةَ والأبوابَ يجب أن يُؤخَذَ ذلك عنهم، ويرجع
الناسُ إليهم، قيل لهم: كيف يجبُ ذلك وهم عندكم غيرُ معصومين ولا
كالإمام، بل يجوز عليهم الكذبُ والغلطُ والتغييرُ والتبديل، فكيف يُحفَظُ
على المكلَّفين القرآنُ بقومِ هذه صفتهم، فإن صاروا إلى أنهم معصومون
كالإمام، تركوا قولهم وألزموا عناءَ الأمة بعصمة هؤلاء الأبواب عن الأئمة.
ثم يقال لهم: ويجب أيضاً على قولكم أن لا يكونَ القرآنُ محفوظا على
جميع الأمة إذا ظهر الإمامُ وانبسط السلطان وتمكَّن من إظهار مكنون علمه
ومخزونه، لأنه إنما يظهر في بعض بلاد المسلمين ولا يمكنه لقاءُ أهل
الشرق والغرب، وإنما يمكنه المشافهةُ بالبيان لأهل داره فقط، دونَ أهل
سائر دور الإسلام.
فإن قالوا: لا يجب ما قلتم لأنه يرسلُ رسله وأبوابه إلى أهل الأقاليم
والأطراف، قيل لهم: وما ينفعهم ذلك وهم قد علموا أنّ الرُّسلَ والأبوابَ
стр. 82
غيرُ معصومين، وأنّه يجوز عليهم الكذبُ والتبديلُ والتغيير والتحريف على
الإمام والشهود والأغفال.
ثم يقال لهم: أيُّ فائدةٍ ونفعٍ في إيداعِ صحيح القرآن إماما غائباً لا يقدر
على إزالة جهالة، ولا إيضاح حجة، ولا كشفِ نقمة، ولا تجديدِ نعمة، ولا رد مظلمة، ولا يوصلُ إليه ولا يُعرَف له دار ولا قرار، ولا تقدَّم منه قُبيل غَيبتِه بيانُ ما عنده، فيكونُ ذلك عذراً وغيرَ مُضرّ بالعباد غَيبتُه وتقيته.
وإن قالوا: هذا أجمع لازم لكم في تجويز تُقية الرسول ﷺ وقت غيبته واختفائه في الغار، يقال لهم: ولا سواء، لأننا نحن إنما أجزنا تقيةَ الرسول ﷺ بعد تقدُّم بيانه وإيضاحِ ما حُمِّله وكثرة صبره على الأذى والمكاره، ومناظرته وتركه دعاةً إلى دينه ومباينين لمخالفيه، وإن كانوا تحت الضَّيم والغَلَبة، ومنهم أميرُ المؤمنين عمر بنُ الخطاب الذي يقول: "والله لا يُعبَدُ الله سرّا بعدَ اليوم " صلوات الله عليهم، ويقول لهم: "لو بلغت عدتنا مائةً لعلمتُم أنكم تتركونها لنا أو نترُكُها لكم " يعني مكة، وأنه كان ينصِبُ الحربَ معهم بمائة، ويقول لهم في جموعِهم يومَ هجرته ووقتَ غَيبة الرسول ﵇: "شاهت الوجوه، لا يُرغِمُ اللهُ إلا هذه المعاطِس، ألا مَن أرادَ أن يُرفَل زوجته ويُوتم ولدَهُ فليلحقْ بي وراءَ هذا الوادي "، ثم يخرج عنهم مهاجراً مُعِدّاً شاكياً في سلاحه.
فلو تُوفي رسولُ الله ﷺ في الغار لم يكن بقيَ عليه شي لا يحتاج إلى إنفاذٍ وبيان، وليست هذه حال إمامكم ولا صفته، لأنه لم يتقدم منه بيان ولا إعداد، فشتّان بيننا وبينكم.
فإن قالوا: أفليس القرآنُ عندَكم محفوظاً والشرع أيضاً كذلك، وقد
أُدخل في تأويل القرآن وفي أحكام الشرع ما ليس منه، وأُخرج منه بعض ما
стр. 83
هو منه، وطعنَ في ذلك أهلُ الزَيغِ والإلحاد، فكذلك حُكم القرآن في جواز
تغييره وتبديله، وإن كان الله تعالى قد حفظه على الأمة وجمعه. يقال لهم:
لا معنى لما أوردتموه، لأن مطاعنَ الملحدين وغلطَ المتأولين، وتحريفَ
الزائفين والمنحرفين، لا يمنع من إظهار الله تعالى تأويلَ كتابه بواضح الأدلة
والبراهين المنصوبة الناطقة بالحق، وصحيح النقل لأحكام الشرع، إما على
وجهٍ يوجب العلمَ أو العملَ دون العلم، على ما رتِّبت عليه عباداتنا، ولن
يخلّينا الله تعالى في جميع ذلك من حجة لائحة، ودلالة قاطعة ناطقة، وإن
صَرفَ النظرَ فيها أهلُ التقصير والجهل، فهم عندَنا في ذلك بمثابة المكذّب
بتنزيل القرآن، والجاحدِ أن يكونَ من عند الله، وأن يكونَ مُعجزا للرسول
ﷺ وكل ذلك لا يُخرجه عن صحةِ نزوله وكونه آية للرسول، إذ كانت الحجج على ذلك باهرةً ظاهرةً، والقرآن الصحيح الذي يدّعون ضياعَه وذهابَ جمعه على الأمة غيرُ ظاهر ولا موجوب ولا منصوبٍ لنا عليه دليل يوصلنا إليه بعينه، ويُفرقُ لنا بينه وبين غيره، فشَتّان ما شبَّهتُم به وظننتم الاعتصامَ بذكره.
وإن قالوا: أفليسَ قد قال الله جل وعز: (وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) .
وقال: (إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (١٢) .
فضمن هُدى العالمين وإن ضل منهم خلق كثير، يقال لهم: ليس الأمرُ على ما توهَّمتم، لأن الله جل وعز أراد بهاتين الآيتين أن يهديَ المؤمنين فقط ومَن في معلومه أن يهديَه وأن يأخذَ خلقه لنفعه والمصير إلى جنته، دون من أضلَّهُ وختمَ على قلبه وسمعه، وأخبر أنّ القرآنَ عمىً عليه، وأنه قد أضلَّه وضيق صدرَهُ وجعله حرجا وخلقه لنارِه، فإذا كان ذلك كذلك بطل ما توهّمتُم من أنه إذا جاز أن يهديَ الله من يُضل، ولا ينفعَ من يستضِر جاز أن يحفظَ ما ضاع، ويجمعَ ما افترقَ وتشذَّر وتبدَّل، وكلُّ هذا يدلُ على الهرب والوَغادةِ والتلفيق من المتعلَّق به.
стр. 84
فإن قالوا: ما أنكرتم أن يكون المرادُ بقوله: (وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩) .
نفسَ الرسول ﵇ دونَ القرآن، لأنه هو المبدأ بذكره، لأن الله
تعالى قال: (وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦) .
، إلى قوله تعالى: (وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩) .
يعني الرسولَ وأنه محفوظٌ من الجنون الذي
قذفوه به، وأضافوه إليه، يقال لهم: هذا أيضاً من ضيق الحيلة والعَطَن.
وتطلُّب الغَمِيزة والطعن في كتاب الله تعالى، لأنه لا خلافَ بين الأمة في أن
المرادَ بالآية حفظُ القرآن، وأنه بمعنى قوله: (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) .
فلا معنى لما قلتموه، ولأنه أيضاً قطعٌ لسياق الكلام ونظمه، وردُّه إلى
أمرٍ مستبعَدٍ غيرِ مستعمل في اللسان، لأن الظاهرَ من قوله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩) .
أنه حافظٌ للمنزَّلِ من الذكر، فلا معنى لقطع الكلام عن نظامه وحملِه على المستبعد، ولأنه لا تعلُّق بين إنزاله للذكر، وبين حفظه للرسول، لأنه قد يحفظه وإن لم يُنزل عليه الذكر، فما معنى إناطته إنزالَ القرآن بحفظ الرسول من الجنون، هذا ما لا وجهَ له، على أنه يكفي في تصحيح ما قلناه التعلُّقُ بقوله: (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) .
فوجب بذلك سقوطُ ما ظنوا الانتفاعَ به، اللهمَ إلا أن يقولوا إنَّ تنزيل
هذه الآية الأخرى عندنا: (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) .
فيصيرون بذلك إلى التُّرَّهات، وإلى فتح بابٍ يجبُ تنزيهُ الكتاب عن ذكره، ولا طائلَ في مناظرة من انتهى إلى هذه الجهالات.
ثم يقال لهم: إنَّ التنزيلَ ورد كذلك أن قولَه: (لَا تُحَرِّك بِهِ لِسَانَكَ) .
يقتضي جواباً وتماما وصلة، يجعل الكلام مقيّداً، فإذا
وُصِل ب (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) ، لم يكن الكلامُ مفيدَ شيء، لأنه
لا ينبغي أن لا يحرِّك به الرسولُ صلى الله عليه لسانَه، ويشتدُّ حرصُه على
стр. 85
حفظه وتحصيله، لأن علياً ﵇ جمَعَه وقرأ به، لأن ذلك ليس مما
يُوجب حفظَ الرسول له، وتمكينَه من أدائه، ولا ضمانَ من الله سبحانه
لمعونته على جمعِه وتسهيلِ سبيلِه له، وكذلك لو قال بأن جبريلَ جمعه وقرأ
به لم يكن مفيدا لشيء، وإنما قال اللهُ سبحانه: (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) ، على سبيل الإخبار له عن معونته في جمعه له وحفظه إياه، على
وجهٍ يتمكَّنُ به من تعلمه وأدائه، وحفظُ الغير له لا يُوجبُ كونَ النبي صلى
الله عليه على هذه الصفة، فبطلَ ما قالوه.
ثم يُقال لهم: قد أجمع المسلمون وسائرُ أهل التأويل على أنَّ هذا
الكلامَ إنما خُوطِبَ به الرسول ﷺ وقتَ نزول القرآن عليه وعندَ
تلقيه الوحيَ من جبريل، وشدةُ حرصه على تحفُّظه لتفهُّمه وأدائه، لم يكن
حفظُ ذلك والقراءةُ له عند عليِّ ولا عندَ غيره من الأمة، فكيف يجوز أن
يُقال له: (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) ، وبعدُ لم يحصل للرسول حفظُه
ولا كان منه أداؤه، وترى أنه متى جمعه علي وقرأ به في الذرِّ الأول أو في
القِدَم، أو بُعِثَ به إليه قبلَ الرسول ونسخه، أو ألهمهُ واضطر إليه وصَعُبَ
حفظه وتلقيه على الرسول، ولولا جهل من يتعلق بهذا ويورده لوجب تركُ
الإخبار به.
ثم يقال لهم: إذا كان السلفُ قد أسقط من القرآن شيئا كثيراَ وحذفه
جملةً ولم يصحِّفه ولم يبينه إلى غير معناه وكانوا قد سمعوا هذه الآيةَ في
تعظيم شأن علي ﵇ وهم من قلة الدين والإدغال له والعناد لعلي
﵇ على ما وصفهم: وجبَ أن يحذفوا أيضًا هذه الآيةَ من الكتاب،
стр. 86
ويقطعوا بذلك تعلقَكم بها، كما صنعوا في إسقاطِ ربع القرآن المنزَّل في
أهل البيت، وحذفِ أسماء الأئمة من غير تصحيفٍ ولا تركٍ لما يُحتمل جُملةً
وتوهمه على ما أُنزل عليه، فكيف لم يحذفوا منه هذه الفضيلةَ العظيمةَ لعليّ
وتركوها على وجه يمكن حمله على تعظيمه وما نزلت عليه؟!
وهل هذه الدعوى إلا بمنزلة دعوى مَن قال إنما قال: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣) .
وإنما جعل آل عمران قصداً وعناداً، وكل هذا مما لا شبهةَ على نَقَلتِهم في فساده وإنما يوردونه ليُوهموا به العامة والجُهّال، وأن يكون طريق العلم بصحة نقل القرآن وثبوته هو طريق العلم بظهور النبي ﷺ ودعائه إلى نفسه وسائر ما ظهر
واستفاض من أحواله ودينه وأحكامه، وهذا ما لا سبيلَ إلى الخلاص منه.
وهذه جملةٌ مقنعة في صحة نقل القرآن تكشف عن بُطلان قول من ادّعى
فيه الزيادةَ والنقصان، وذهابَ خَلْقٍ من السلف والخلف عن حفظ كثيرٍ منه
وإدخالهم فيه ما ليس منه، وموقفَ مَن نصح لنفسه وهُدِيَ لرُشده، على
سلامة نقل القرآن من كل تحريفٍ وتغييرٍ وتبديل، وقد بيّنا فيما سلف من
عادات الناس في نقل ما قَصُرَ عن حال القرآن في عِظَمِ الشأن ووجوب توفّر
هِمَمِهم ودواعيهم على إشاعته وإذاعته واللَّهَجِ بتحفُّظه، وأخذ الأنفس
بحياطته وحراسته وإعظامه وصيانته بما يوجبُ أن يكونَ القرآنُ من أظهر
الأمور المنقولة وأكثرها إشاعةً وأرشدها إذاعةً وأحقِّها وأولاها بالإعلان
والاستفاضة، وأبعدها عن الخطأ والخمول والإضاعة والدُّثور، وأن تكونَ
هذه حال جميعه وكلِّ سورةٍ وآيةٍ منه.
стр. 87
وقد وصفنا أيضاً فيما سلفَ ما كانت عليه أحوالُ سَلَف الأمة من إعظام
القرآن وأهله، وأخذهم أنفسَهم بتحفظه وإجلال مؤدِّيه إليهم، وبذلهم
أنفسَهم وأموالهم في نُصرته وتثبيت أمره وتصديقِ ما جاء به، والخنوعِ
لموجَبِه، وأنَّ ذلك أجمع يمنع في وضع العادة وما عليه الفطرةُ من ضياع
شيء من كتاب الله تعالى وإدخال زيادةٍ فيه يشُدُّكَ أمرُها، ويخفى على الناس
حالُ المُلتبس بها.
ولقد أخرج الصحابةُ ظهورَ القرآنِ بينهم وشهرتَه فيهم وشدةَ تعليم
الرسول وتعلُّمهم إياه منه، ومُداومتهم على ذلك، وجعله دَيْدَناً وشعاراً إلى
ضربِ المثل به، وإقرائه بما شُهِرَ تعليم الرسول له على وجهه وترتيبه الذي
لا يجوزُ ويسوغُ مخالفته وتقديمُ مؤخَّرٍ منه أو تأخير مقدَّم.
وكانوا يقولون في حديث التشهُّد: "كان رسول الله ﷺ يعلِّمنا التشهُّدَ كما يُعَلمُنا السورةَ من القرآن ".
وإنما قالوا ذلك على وجه تعظيمِ أمرِ التشهُّد والإخبار عن تأكُّد
فريضته، ولزوم ترتيبه على سَنَن من لقَّنوه، وكيف يجوز مع هذا أن يذهبوا
عن حفظ القرآن الذي هو الأصل أن يؤخروا منه مقدَّماً أو يقدِّموا مؤخَّراً.
ويجتهدوا في إحالة نظمِه وتغيير ترتيبه.
ولقد كانوا يأخذون أنفسَهم بكثرة دراسة القرآن، والقيام به والتبتل له.
حتى ظهر ذلك من حالهم وانتشر، حتى تظاهرت الرواياتُ بأنّ الصحابةَ كان
لهم إذا قرؤوا في المسجد دَوِيّ واشتباكُ أصوات بقراءةِ القرآن، حتى يروى
أنَّ رسولَ الله ﷺ أمرهم إذا قرأوا أن يُخفضوا أصواتهم لئلا يُغلِّطَ بعضُهم بعضاً، ورُوِيَ عن عبد الله بن عُمرَ أنه قال: "إنَّ رسول الله ﷺ كان إذا قرأ
стр. 88
سورةَ السجدة سجد فنسجدُ معه حتى لا يجد أحدُنا مكاناً لجبهته ".
ورُوي عنه أيضاً أنه قال: "كنّا نقرأ عندَ رسول الله ﷺ السجدةَ فنسجدُ حتى يزحم بعضُنا بعضاً".
وهذا من أوضح الأدلة على أنه ﷺ كان يُلقي القرآنَ
إلقاءً شائعاً ذائعا ويجمعُهم له ويأخذُهم بتعليمه والإنصاتِ له، وأنّ الحَفَظةَ
له كانوا في عصره خلقاً كثيراً.
وكان عبدُ الله بن مسعود يقول: "تعلّمت مِن في رسول الله ﷺ سبعين سورة، وإنّ زيداً له ذؤابة يلعبُ مع الغلمان ".
وقال معاذ بن جبل: "عرضنا على رسول الله ﷺ فلم يَعِبْ على أحد منّا، وقرأتُ عليه قراءةً سفرتها سفراً فقال: يا معاذ هكذا فاقرأ".
وكان رسولُ الله ﷺ يقرأ على أُبَى وهو أعلمُ بالقرآن منه وأحفظُ، ليأخذَ أُبَيّ نمطَ قراءته وسنته، ويحتذيَ حَذْوه.
وقد رُوِيَ هذا التأويل عن أُبي وابن أُبي.
وكان رسولُ الله ﷺ يعرِّفهُم قدرَ القَرَأة، ويأمرهم بتعظيمِهم، وأخذ القرآنِ منهم، ويقول: "خذوا القرآنَ من أُبي وعبد الله بن مسعود وحذيفة"
فرُوِيَ عنه ﷺ أنه قال: "خذوا القرآنَ من أربعة:
стр. 89
عبد الله بن مسعود، وسالمِ مولى أبي حذيفة، وأُبيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل "، ثم يحثُّهم على كثرة دراسته، ويأمرُهم بتزيين القرآنِ بأصواتهم، ويحثُّهم على ذلك خوفَ الكلال والملال، فقال ﷺ : "زيِّنوا القرآن بأصواتِكُم ".
ورُوِيَ عنه روايةَ مشهورةَ أنه قال وقد سمعَ قراءةَ أبي موسى الأشعريِّ:
"لقد أوتيَ هذا مزماراً مِنْ مزامير آل داود".
ورُوِيَ عنه أنه قال لـ أسَيدِ بن حُضَيرِ وكان حسنَ الصوتِ بالقرآن وقد قرأ
من الليل فسمع حِسّاً جالت منه فرسُهُ حتى خشي أن تطأ ابنَه، فانصرف من
صلاته إلى فرسه، ونظر فإذا مثلُ الظلّةِ من السماء، فيها كالمصابيح، فأخبر
بذلك رسولَ الله ﷺ فقال ﷺ : ((تلك الملائكة دنَت لصويك، ولو مضيتَ لرأيت العجائب ".
وكان مع ذلك يأمُر بتقديم القرأةِ وتعظيمِهم، ويعزفُهم ما لهم من عظيم
الثواب في تحصيلِه، وشدةِ الأمر في الإبطاءِ عنه والنسيان له، ويأخذُ كل
стр. 90
داخلٍ في الإسلام بقراءةِ القرآن وتعلُّمه إياه بعدَ الشهادتين، ولا يقدمُ على
ذلك شيئاً غيره، ويعرّفهم قدرَ موقعه، ولا يدع ذلك ببلده ودار مُهاجَره
وسائر الآفاق والأقطار التي افتتحها وفشا الإسلامُ فيها، ولا يخلِّي أهل ناحيةٍ
وجماعة من الأمة من مُعلِّم القرآنِ ومنتصبٍ له فيهم، كما لا يخليهم من
معلم للإسلام وأركانه وفرائض دينهم التي لا يَسَعُهم جهلُها والتخلُّفُ عن
حفظه ومعرفتها، وظهر ذلك من أمره واشتهر لكثرة إبدائه وإعادته بالقرآن
وتعظيمِ الشأن فيه والحثِّ عليه وكثرةِ تلاوته بقوله على أهل المواسم
والمحافل في أيام الحجِ وغيرها، والإذاعة له في أنديةِ قريشٍ ومجالسهم.
وذكرِ أصحابه ورسله والداعين إليه للقرآن، وأخذهم الناسَ بتعليمه وتحفطُه
حتى صارَ كثير من قريشٍ ومن اليهودِ والنَّصارى يحفظون كثيراً منه كما
يحفظ المسلمون، ويعرفون ما يتلى عليهم منه كما يعرفه الناظر في
المصحف من المسلمين والذي كثُر طرقُه لسمعه وإن لم يُحط حفظاً به.
ولم يكن هذا أمراً خافياً ولا مكتوماً، فروى الناسُ روايةً ظاهرةً أنّ النفرَ
من الأنصار الذين منهم النقباءُ والأفاضلُ لما لقوا رسولَ الله ﷺ
في الموسم فأجابوه إلى الإسلام ولم يرجعوا إلى المدينة حتى حفظوا في
وقتهم صدراً من القرآن وكتبوه ورجعوا به إلى المدينة، فلما كان من قابل
كانت العَقَبةُ الأولى، ونشأ الإسلام في المدينة، فأرسلت الأنصارُ إلى رسولِ
الله ﷺ يطلبون رجلاً يُقرئهم القرآنَ ويفقِّهُهم في الدين، فوجَّهَ
إليهم مصعَبَ بن عمير، وكانوا يسمُّونه المقرئ، وما زال مقيماً عندهم
стр. 91
ويقرئهم القرآنَ إلى أن انتشرَ الإسلام بالمدينة واستعلى، وكانت العَقَبةُ
الثانية، وذُكِرَ أنّ مصعبَ بن عمير عاد إلى النبي رسول الله ﷺ في
بعض تلك الأيام إلى مكة ثم عاد إلى المدينة وهاجر ابنُ أمّ مكتومِ معه.
أو بعده، وكان مصعبٌ وابنُ أم مكتوم يُقرِئان القرآنَ بالمدينة إلى توافي
أصحاب رسول الله ﷺ إلى المدينة مهاجرينَ إليها.
ولما افتتح رسولُ الله ﷺ مكةَ خلَّفَ بها معاذَ بن جبلِ يُعلّم
الناسَ القرآن، ويفقِّههم في الدين، وقال عبادة بن الصامت: "كان رسول
الله ﷺ إذا قَدِمَ عليه الرجلُ مهاجراَ دفعه إلى رجلِ منا يُعلمه
القرآن، قال: فدفع إليَّ رسولُ الله ﷺ رجلاً وكان معي في البيت
أعشِّيه عشاءَ البيت وأُقرِئه القرآن، وقال عبادةُ أيضًا: "علّمتُ رجلاً من
أهل الصُّفّة القرآنَ والكتابة".
وكان المسلمون بأرض الحبشة لما هاجروا إليها يتدارسون القرآنَ
ويحاجُّون به مخالفيهم، ويستظهرون به على الطاعن في دينهم، وذكروا أنه لمّا
أُنزلت: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا) .
مع آياتِ أنزلها الله تعالى في مُحاجّة أهل الكتاب كتب بهنّ رسولُ الله ﷺ -
стр. 92
إلى جعفرِ ابن أبي طالبٍ ﵇ وأمره أن يُحاجَّ بهن النصارى
فيما كان يحاجهم به من القرآن.
ولما قدم وفدُ الحبشة إلى رسول الله ﷺ وهو بمكةَ ودعاهم إلى
الإسلام واحتجَّ عليهم وأوضح لهم، فأسلموا وحسُن إسلامهم، وأقاموا عندَه ثلاثاً، فيُقال إنهم أخذوا عنه في تلك الأيامِ قرآناً كثيرا ورجعوا به إلى بلادهم.
ولما جاء وفدُ ثَقِيفٍ كان منهم عثمانُ بن أبي العاص، فجعل
يستقرئ رسولَ الله ﷺ القرآنَ ويتعلّمه منه ويختلف إليه فيه، حتى
أعجبَ رسولَ الله ﷺ ما رأى من حرصِه على تعلم القرآن فأمَّره
على قومه، وكان من أحدثِهم سِنًّا.
وروى عبدُ الله بن مسعود قال: "جاء معاذٌ إلى رسول الله ﷺ
فقال: يا رسولَ الله أقرئني، فقال رسولُ الله ﷺ : يا عبدَ الله أقرئه، قال: فأقرأتُه ما كان معي، ثم اختلفتُ أنا وهو إلى رسولِ الله ﷺ فقرأتُ ومعاذٌ وصار مُعلماً من المعلمين على عهد رسول الله ﷺ .
ولما هاجر رسولُ الله صلَّى الله عليه إلى المدينة لقيه بريدةُ ابن
الحُصَيب في بعض الطريق، فعرض عليه الإسلامَ فأسلم، وعلمه من وقته
صدراً من سورة مريم، ثم قدم بريدةُ بعد ذلك إلى رسول الله ﷺ
فقال له رسول الله: ما معك من القرآن با بريدة، فقال: يا رسول الله علمتني
стр. 93
بالغميم ليلةَ لقيتك صدراً من السورة التي يذكر فيها مريم، فأقبل رسول الله
ﷺ على أُبى بن كعب، فقال: "يا أبى أكمِلها له "، ثم قال: "يا
بريدة تعلم سورة الكهف معها، فإنها تكونُ لصاحبها نوراً يوم القيامة".
وكان بريدة يقرئ قومه، واستعمله رسولُ الله ﷺ على صدقاتهم.
وقد عرفتَ حالَ الصحابة في حسنِ طاعة النبي صلى الله عليه والانقياد
له وإيثار نصرته والانتهاء إلى أوامره، وأنهم قتلوا الآباء والأبناء في طاعته.
فكيف يجوزُ مع ذلك أن يُهملوا القرآنَ ويحتقروا شأنه وهم يرَون ويسمعون
من تعظيم النبي صلَّى الله عليه وحثهم على تعليمه، وأخذِهم بدرسه وإقرائه
بالشهادتين، وجعله تاليَ ما يدعو إليه من فرض التوحيد.
ولقد ظهر من حرصهم وشدة عنايتهم لحفظ القرآن ودراسته، والقيام به
في آناء الليل وآخر النهار ما ورمت معه أقدامهم، واصفَرَّت ألوانهم.
وعُرفت به سيماهم من أثر السجود والركوع، حتى همَ خلقٌ كثيرٌ منهم
بالتبتُّل والرهبانية والإخلاد والاجتهاد إلى العبادة فقط، وقطع الحرث
والنسل حتى أنكر ذلك رسولُ الله ﷺ ونهاهم عنه، حتى ظهر عن
سعد بن مالكٍ أنه قال: "لقد ردَّ رسول الله صلَّى الله عليه على عثمان بن
مظعون التبتل، ولو رخص فيه لاختصَينا".
стр. 94
ولقد كثرت قراءةُ رسولِ الله صلَّى الله عليه والصحابةِ للقرآن وإقراؤهم
إياه وتدارسُه بينهم ومواظبتُهم عليه وكثرةُ دعائهم الناس إليه حتى حفظ كثيراً منه البوادي والوفودُ والأعراب، فضلاً عن المهاجرين والأنصار، فرُوِيَ عن عمرو بن سلمةَ قال: "كنا على حاضرٍ فكان الركبان يمرون بنا راجعين من عند رسول الله ﷺ ، فأدنوا منهم فأسمع حتى حفظتُ قرآناً كثيراً"، وهذا لا يكون إلا مع كثرة الراجعين بالقرآن من عنده، وانطلاق ألسنتهم به، ولصقه بقلوبهم، وحرصهم على معاودته ودراسته. وفي روايةٍ أخرى عن عمرو بن سلمةَ قال: "كان ركبان يأتوننا من قِبَلِ رسولِ الله ﷺ فنستقرئهم فيخبروننا أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "لِيَؤمَّكمُ أكثركُم قرآناً" فكنتُ أؤمُّهم وكنتُ من أحدثهم سناً، وكنتُ من أكثرهم قرآناً"، وهذا يدل على حفظ الوفود له وشهرة إمرة القرآن فيهم، وكثرة الحافظين له منهم، ولقد حفظوه من رسول الله ﷺ وحفظ كثيراً منه النساءُ والصبيان، لظهورِ أمره وتعاظُمِ قدره وكثرةِ حثِّ الرسول ﵇ وحَضِّه على تعليمه.
قالت عائشةُ رضوانُ الله عليها في قصة الإفك لما قصّتْها وذكرتها لما
نزلت به من القرآن في الوقت الذي أجابت فيه رسولَ الله ﷺ :
стр. 95
"وكنتُ جاريةً حديثةَ السن لا أقرأ كثيراً من القرآن "، فدلت بذلك على
أنها قد كانت تقرأ منه وأنّ كبارَ النساء آنذاك كُنّ يحفظنَ كثيراً من القرآن.
وأن الحداثةَ منعتها من مُشاكلَتِهن في ذلك.
وجاءت الأخبارُ بأنه قد كان إذ ذاك نساءٌ كنَّ يحرِصْنَ على قراءة القرآن
وجمعِه وحفظِه، وأن أخت عمرَ بن الخطّاب رضوانُ الله عليها كانت
تقارِىءُ زوجَها سورةَ طه، وأنَّ عمرَ ﵇ دخل عليها فجأةً فسمعهما
يقرآن، وسأل عن ذلك، وكان ما سمعه واستعادَه سببَ إسلامه.
وروى الوليدُ بن عبد الله بن جُمَيع: مما حدّثتني جدّتي أم ورقةَ بنتُ
عبدِ الله بن الحارث الأنصاري، وكان رسولُ الله ﷺ يسميها الشهيدة.
وكانت قد جمعت القرآن، ورُوِيَ أن رسولَ الله ﷺ كان يزورُها ويقول: "انطلقوا بنا نزور الشهيدة"، وأقرَّ أن يُؤذَّن لها، وأن يُؤذَّن في أهل دارها في الفرائض ".
стр. 96
وكانت أمُ الدرداء من المشهوراتِ بحفظ القرآن وأخذِ نفسِها بدرسِه
والقيامِ بإعرابه، وروى يونسُ بن ميسرةَ الجيلاني عن أم الدرداء قالت: "إني
لأحبُّ أن اقرأه كما أُنزل، وكانت أم عامر الأشمليةُ مقن تقرأ القرآن ويُكتب
لها، وجاءت بما كانت تحفظه إلى زيدِ بن ثابتٍ أيامَ جمعِ أبي بكرٍ القرآنَ
مكتوبا لها بخط أبى بن كعب.
وروى داودُ بن الحُصَين عن أبيه عن أبي سفيان مولى ابن أبي
أحمد قال: سمعتُ أمَّ عامرٍ تقول: قرأتُ قبلَ أن يقدُمَ رسولُ الله
ﷺ علينا من مكةَ إحدى وعشرين سورة، ثم عَدتها في الروايةِ عنها، منها من الطوال ومنها من المفصل، ومن الطوال يوسف، وطه، ومريم، ومن الحواميم.
فنرى أنه كم يجب على هذا أن يكون حفظُ القرآن وكثيراً منه عند انتشار
الإسلام وظهوره في الآفاق، وكثرةُ أهل العلم والشدةُ فيهم وسماعُ أزواجِ
стр. 97
الرسول ﵇ كحفصة وأمِّ سلمةَ وعائشةَ عندَ ترادفِ نزول الوحي به
وتلاوته في بيوتهن، وأخذِه من منازلهن، وحضورِ من يحضر من النساء
عندَهن، ويقرأ عليهن ويحتَجْنَ إلى تدريسهن، ويأمرُهن الرسولُ ﷺ بتعليمهن.
وكان الرسولُ ﷺ يأخذ الصحابةَ بتعليم الولايد والأطفال
والأخذ لهم به، حتى روى سعيدُ بن جبيرٍ عن عبدِ الله بن عباسٍ أنه قال:
"جمعت المحكَمَ على عهدِ رسول الله ﷺ "، يعني المفصَّل وكانت سنُّهُ إذ ذاك ثلاثَ عشرةَ سنةً أو دونَها.
وقد تحفَّظ أيضاً زيدُ بن ثابتٍ شيئاً كثيراً في حال صِغَرِ سنه.
فروى ابنُ أبي الزِّناد عن أبيه أبي الزناد عن خارجة بن زيد بن ثابتٍ أنه أخبره
أنه قدم على رسول الله ﷺ المدينةَ، قال زيد: فذُهِبَ بي إلى رسول الله ﷺ ليُعجَبَ بي، فقالوا: يا رسولَ الله هذا غلامٌ من بني النجار معه مما أنزل الله عليك سبعَ عشرةَ سورة، قال: فأعجَبَ رسولَ الله ﷺ ، وقال لي النبيُّ ﷺ : "يا زيد، تعلَّم كتابَ يهود، فإني والله ما آمنُ يهودَ على كتابي "، قال: فتعلّمتُ له كتابَهم، فما مرت بي
стр. 98
خمسةَ عشرَ حتى حذقْتُه، وكنتُ أقرأ كتبَهم إذا كتبوا إليه، وأجيبُ عنه إذا
كتب، وذُكِرَ أنه كانت سنه إذ ذاك إحدى عشرةَ سنة.
وأن زيدَ بن ثابت قال: "كانت وقعةُ بعاث وأنا ابنُ ست سنين، وكانت
قبلَ هجرة رسولِ الله ﷺ لخمس سنين، فقدم رسولُ الله ﷺ المدينةَ وأنا ابنُ إحدى عشرةَ سنة، فلم أُجَز في بدر ولا أحد، وأُجِزتُ في الخندق ".
وكان رسولُ الله ﷺ مع أمره للصحابة بتعليمِ القرآن
والانتصارِ له وتأكيد الوصية بذلك ينهاهم عن أخذ رفدٍ أو أجرة عليه.
إعظاما له، وحثا على طلب القربة والمثوبة به، فرُوِيَ أن رجلا قَدِمَ وأبيّ
يقرىءُ في مسجد رسول الله ﷺ ، فجعل يختلف إليه يُعلِّمه، فأعجبت أبيًّا قوسٌ كانت مع الرجل، فسأله أن يبيعه إياها، فوهبها له الرجل، ثم سأل رسولَ الله ﷺ عن ذلك فنهاه عن قبولها.
وذكر في بعض الأخبار أنه قال: "قوسٌ من نار". وذكر أن هذا الرجل كان
الطُفَيل بن عمرو الدَّوسي، قال بعض الرواة: إن المقرىء كان زيدَ بن
ثابت، وقال آخرون: كان عبادةَ بن الصامت، وقال آخرون: أُبيَّ بن كعب، مع اتفاقهم على تصحيح هذه القصة وثبوت الرواية.
стр. 99
ولقد كثر حفَّاظ القرآن على عهد رسول الله ﷺ وانتشروا وعُرفوا به حتى كانوا يُدعون أهلَ القرآن وقُرّاءَ القرآن والقرأةَ من الصحابة، ويُنادَوْن به في المغازي وعندَ المعترَك وشدة الحاجة إلى الجهاد والإذكار بالآخرة، ويتنادَون بأصحاب سورة البقرة، هذا مع العلم بأن طالبَ القرآن منهم لم يكن يبدأ بتحفُّظ البقرة وأمثال ها وإن كان منهم الشاذُ النادر ممن يفعل ذلك، وإنما كانوا يبدأون بالمفصَّل وما خفَّ وسَهُل حفظُه على النفس، وإنما كان يتعرَّض لحفظ البقرة وأخواتها من الطوال من قد حفظ سائرَ ما أنزل ولم يبق عليه منه إلا القليل، وربما جعل البقرةَ آخرَ شيءٍ يحفظه، هذا هو العادةُ والمعروفُ من أحوال من سبقت هجرتُه وطالت صحبتُه، وحالُ من ابتدأ الدخول في الإسلام ومن بلغ الحُلُمَ واحتاج إلى التعليم والتدريج، فثبت بذلك أن أهلَ سورةِ البقرة إنما كانوا حُفّاظ القرآن، وكان يُكْنى بذكر البقرة عن حفظ سائر القرآن لكونها أصعبَ سورةٍ منه وأطولَها.
وقد روى الناس أنه لما كان يومُ حنين خاضت بغلةُ رسول الله ﷺ وكانت بغلةً بيضاء، فكره رسولُ الله ﷺ أن ينهزم فاعتنق البغلةَ حتى مال السرج حتى كاد يقع عن بطنها، قال عبد الله: فأتيته فأدخلتُ يدي تحت إبطِه، ثم رفعته حتى عدّلتُ السرج، ثم قلت: "ارتفع رفعكَ الله "، ثم أخذتُ بلجام البغلة فوجهتُها في وجه العدو، ونُودِي في الناس: يا أصحابَ سورة البقرة، يا أصحاب الصُّفَّة، فأقبلوا بالسيوف كأنها الشُهب، وأخذ رسولُ الله ﷺ قبضةً من ترابٍ فرمى بها في وجوه القوم، فهزمهم الله جلَّ وعزّ.
وفي رواية العباس مثلُ ذلك، وأنه قال: فرمى بالتراب وقال:
стр. 100
"شاهت الوجوه "، وأن المؤمنين وأهلَ القرآن توافَوا بالسيوف، وأحدقوا
برسول الله ﷺ وحفوا به إحداقَ البقر بأولادها، قال: حتى خفتُ على رسول الله ﷺ ، يعني من الزحام حوله وشدةِ الذيادة عنه.
والأغلب من حال هذه الرواية أن يكونَ أكثرُ من أحدقَ برسول الله صلى
الله عليه هم أهل سورة البقرة، وحفاظ كتاب الله، وأهل الصفّة الذين كانوا متبتَلين لعبادة ربهم، ومنتصبين لقراءة القرآن ولحفظه، وأخذِ أنفسهم به، ولعل سائرَ أهل الصفة كانوا حفاظاً لكتاب الله جلَّ وعزَّ على ما يُوجبه
ويقتضيه ظاهرُ حالهم، لأنهم لم يكن لهم في زمن رسول الله ﷺ عملٌ ولا معيشةٌ ولا حرفة غيرُ ملازمة المسجد والصلاة وتعلّم القرآن والتشاغل بصالح الأعمال، لا يتشاغلون بشيءٍ سوى ذلك، وكان الناس قد عرفوهم بذلك فكانوا لأجل ما ذكرناه من أحوالهم يَحنُون عليهم، ويؤثرونهم على أنفسهم، ويراعون أمورهم، ويُشرِكونهم في أقواتهم، ويرون تفضيلَهم على أنفسهم، وإجارتَهم عظيمَ الفضل بما انقطعوا إليه من التشاغل بأمر الآخرة والانتصابِ لحفظ القرآن وتدارسه والصلاةِ به.
والأشبهُ بمَن هو دون هؤلاء في الفضل والدين وحسن البصائر، وثاقب
الأفهام، وصحة القرائح والنحائر، وسرعة الحفظ والاقتدار على الكلام
، وحفظ ما قَصُر وطال: أن لا يُبطئوا ويتخلفوا عن حفظ القرآن الذي هو
أصلُ دينهم، وعمادُ شريعتهم، وأفضلُ أعمالهم، وأعظمه ثواباً عند الله
تعالى، فوضعُ العادةِ يقتضي إحاطةَ جميع أهل الصفّةِ بحفظ جميع ما كان
ينزلُ من كتاب الله تعالى، فكيف يجوز مع ما وصفناه أن يُهملوا أمرَ القرآن.
ويعرِضُوا عن تحفظه، ويحتقروا شأنه، ويتشاغلوا بغيره عنه، وقد سمعوا من
стр. 101
الله ومن رسوله في الحثِّ عليه والتفضيلِ لقرأته ما حكيناه من حالهم في
إعظامِه وإعظامِ أهله ما وصفناه.
وهم مع ذلك لم يحولوا طولَ تلك الأيام عن صفتهم، ولا ارتدوا عن
دينهم، ولا لحقهم عناءٌ ولا فتورٌ في طاعة ربهم، ونُصرة نبيهم، وحُسن
الإصغاءِ والإنصاتِ لما يورده عليهم، ويأخذُهم بحفظِه، ويأمرُهم بحياطتِه.
بل يزدادون في كل يوم بصيرةً وتيفناً وتمسُّكاً بطاعة الله تعالى وتثبيتاً.
وبذلك وصفهم الله تعالى في غير موضعٍ من كتابه وعلى لسان رسوله، فمن
أي ناحيةٍ يتجه عليهم الظنّةُ في تضييع القرآن وإهمالِه والذهابِ عن تأليفه
وترتيبه واستجازةِ تغييره وتبديلِه والزيادةِ فيه والنقصانِ منه لولا قلةُ الدين
والذهاب عن التحصيل؟!
ولقد اتسع حفظُ القرآن في الناس في زمن عمرَ بن الخطاب رضوانُ الله عليه وكثر حُفاظه، والقائمون به، والتالون له، حتى إنه
كان لهم في ذلك هَيعةٌ وضجةٌ وأمرٌ عظيمٌ مشهور.
وروى عبدُ الرزاق عن مَعمرٍ عن ابن سِيرِين قال:
стр. 102
"كان أُبي يقوم للناس على عهد عمرَ في رمضان، فإذا تمت عشرون ليلة انصرف إلى أهله وقام للناس أبو حليمة".
وروى ابنُ عُيَينةَ عن إبراهيمَ بن ميسرةَ، عن طاووس قال:
سمعت ابنَ عباس يقول: "دعاني عمرُ أتسحَّر عندَه، أو أتغذى عنده في شهر
رمضان، فسمع عمرُ هيعةَ الناس خرجوا من المسجد، فقال لي: ما هذا.
قلت: الناسُ حين خرجوا من المسجد، قال: ما بقيَ من الليل أحبُّ إليَّ مما
ذهبَ منه ".
وروى عاصم عن أبي عثمان قال: "كان لعمرَ ثلاثةُ قُرَّاء، فأمر
أسرعَهم قراءة بأن يقرأ ثلاثين آية، وأوسطهم بخمسٍ وعشرين، وأدناهم
بعشرين ".
стр. 103
وروى حمّاد بن زيد عن كثير بن شنظير عن الحسن أن
عمرَ بن الخطّاب رضوانُ الله عليه أمر أُبيّاً أن يصلِّيَ بالناس في رمضان.
وروى يزيدُ بن خَصِيفة عن السائب بن يزيد عن عمه قال: "جمع
عمرُ الناسَ على أُبيِّ بن كعب وتميمٍ الداري ".
وروى محمد بن سيف عن السائب بن يزيدَ أنه قال: "أمر عمرُ بن
الخطاب أبيَّ بن كعب وتميمَ الداري أن يقوما للناس، قال: فكان القارىء
يقرأ بالمئين، حتى كنا نعتمدُ على العُصِيِّ من طول القيام، وما كنا ننصرف
إلا في بُزُوغِ الفجر".
стр. 104
وروى ابن جُرَيجٍ أنّ أولَ من قام لأهل مكّة في خلافة عمرَ بن
الخطّاب زيدُ بن منقذ بن زيد بن جُدعان، وكان مَن شاء قام معه، ومَن
شاء قام لنفسه، ومَن شاء طاف ".
стр. 105
(سببُ جمع عمرَ بن الخطّاب ﵁ الناسَ في صلاة التراويح على إمامٍ واحد)
وروى مالك بن أنسٍ عن ابن شِهاب عن عروةَ بن الزُبير عن
عبد الرحمن بن عبد الله القاري قال: "خرجتُ مع عمرَ بن الخطاب ليلةً
في شهر رمضانَ إلى المسجد، فإذا الناسُ أوزاعٌ متفرقون، يصلي الرجلُ
لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي لصلاته الرَّهْط، فقال عمر: "إني لأرى لو
جمعتُ هؤلاء على قارئٍ واحدٍ لكان أمثل"، ثم عزم فجمعهم على أُبى بن
كعب، ثم خرجتُ بعدَ ليلةٍ أخرى والناس يصلون، فقال عمرُ بن الخطاب:
"نعمت البدعةُ هذه، والتي ينامون عنها أفضلُ من التي يقومون " يريد آخرَ
الليل، وكان الناسُ يقومون أوله ".
стр. 106
وذكر أصحابُ التواريخ أنّ عمرَ بن الخطّاب أمر بالقيام في شهر رمضانَ
في المدينة، وكتب إلى البلدان في سنة أربعَ عشرةَ، ثم لم يزل كذلك طولَ
سنينه وأيام نظره إلى أن مات رضوانُ الله عليه، ولم يزل الأمرُ كذلك إلى
أيام عثمانَ وعلي والتلاوةُ تكثر، والحفظُ يتّسع، والقرآنُ ينتشر، والإصغاءُ
إليه يحصلُ من الصغير والكبير، والحاضرِ والبادي، والقاصي والداني، فلا
يُحفَظُ على أحدٍ من الناس أنه قال في طول تلك الأيام: إنَّ القرآنَ مبدَّلٌ
ومُغَيّر، ومَزِيد فيه ومنقوص منه، ومرتَّب على غير سَنَنِه ووجهه الذي أُنزِلَ
عليه، ولا يقدح بهذا على راعٍ ولا رعية، ولا تابعٍ ولا متبوع، ولا يتناكرُ
الناسُ شيئا مما يظهر بينهم منه، ولا يَتحزَّن مُتحزِّن ولا يتأسَّفُ متأسِّفٌ على
ضياع شيءٍ منه، ولا يطعن طاعنٌ، ولا يقدح قادح على تاليه ومقرئه وكاتبه
وناسخه بتغيُّر شيءٍ منه، أو الزيادةِ فيه، أو النقصان منه، وكل هذا يدلُّ
دلالةً بيِّنةً على تكدُّب مَن ادَّعى تغييرَ القرآن وانقطاعَ نقله وخفاءَ أمره، وقلةَ حُفاظه، وانصرافَ هِمَم الناس ودواعيهم عن حفظِه وإحرازِه، وأنه لو وقع فيه تغييرٌ أو تبديلٌ، أو زيادة أو نقصان، أو مخالفةٌ في الترتيب لسارع الناسُ إلى نقل ذلك والمذاكرة به، والتذامرُ لأجله، والإبداءِ والإعادة له، وفي فقدِ العلم بذلك دليل على بطلانِ ما يدعونه من هذا الباب.
فإن قال قائل: هذا الفصلُ من الكلام ومِنْ فعلِ عمرَ وسيرتِه وإن كان
شاهداً لكم على ما قلتم، وحجةً لصحةِ ما اعتقدتم، فإنه من أوله إلى آخره
طعن على عمرَ وقدحٌ فيه، وغضّ في عمله وقدره، لأنكم جميعاً تشهدون
عليه بأنه أحدثَ في هذا الباب سُنَّةً لم تكن على عهد رسول الله ﷺ ، وفعلَ ما لم يره الرسولُ صواباً، وقدَّم رأيه لرأي النبي ﷺ ، واعتقد أنه قد استدركَ من مصلحةِ الأمة وحُسن الاحتياطِ لها ما ذهب على
стр. 107
الرسول علمُه، وكل هذا طعنٌ على من اعتقده في نفسه وأبدعَ في الدين ما
لم يشرعه الله سبحانه ولم يسُنَّه رسوله، فما العذرُ عندكم لعمرَ في هذا
الباب، وما المخرَج له منه؟
فيقال لمن اعترضَ بهذا من أغبياء الرافضة وأوغادِها: ليس الأمرُ في
هذا على ما توهَّمتم، بل ما وصفناه: من فضائل عُمرَ الشريفة وسُنَنِه الرضية
الحميدة التي رَضِيَها المسلمون، ونوَّر بها مساجدَهم، وقوَّى بها هِمَمَهم
ودَواعِيهم على طاعة ربهم، وحفظِ كتابه، وإعظامِ دينه، وإقامةِ مَعالمه.
وكان ما صنعه من ذلك متَّبِعا للرسول ﷺ وحاضّا على ما حثَّ عليه ودعا إليه ورغَّب فيه، وذلك أنّ رسولَ الله ﷺ قد كان صلى بالناس هذه الصلاةَ في شهر رمضان، جمعَهم لها وقام بهم فيها، ثم ترك ذلك مع إيثارِه له ورغبته فيه خوفا من فرضه على أمته، أو خوفَ توهُّمِ متوهّم من بعده أنها لمداومة الرسول عليها من اللوازم المفروضات، وأخبرهم بأنه إنما تركها لهذه العلة، لا لقُبحها ولا لكونها بدعة في الدين، ولا لأجل أنها مَفسَدةٌ للدين والمسلمين، ولا مما يجبُ أن يزهدوا فيه ويرغبوا عنه.
وروى أحمد بن منصور الرَّمادي عن عبد الرزاق عن مَعْمَر عن
الزُهْري عن عروةَ عن عائشةَ رضوان الله عليها قالت: "صلى رسول الله ﷺ بالناس في شهر رمضان في المسجد، ثم صلى الثانية واجتمع تلك الليلةَ أكثرُ من الأولى، فلما كانت الليلة الثالثةُ والرابعةُ امتلأ المسجد حتى غصَّ بأهله، فلم يخرج إليهم، فجعل الناسُ ينادونه الصلاةَ، فلم يخرج،
стр. 108
فلما أصبح قال عمرُ بن الخطاب: ما زال الناسُ ينتظرونك يا رسولَ الله.
البارحةَ، قال: أمَا إنه لم يخفَ على أمرُهم، ولكني خشيتُ أن تكتَبَ
عليهم ".
وروى قُتَيبة بن سعيدٍ عن مالكٍ عن ابن شِهابٍ، عن عروةَ عن
عائشةَ ﵂ أن رسولَ الله ﷺ صلى في المسجد ذاتَ ليلةٍ فصلى بصلاته ناسٌ، ثم صلى من القابلةِ فكَثُرَ الناس، ثم اجتمعوا من الليلةِ الثالثةِ أو الرابعة، فلم يخرج إليهم رسولُ الله صلَّى الله عليه، فلما أصبح قال: "قد رأيتُ الذي صنعتم، ولم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيتُ أن يُفرَضَ عليكم ".
وذلك في رمضان. وقد تظاهرت الأخبارُ بصلاةِ رسولِ الله صلَّى الله عليه بهم، وإخبارِهم بأنه إنما امتنع من ذلك لما ذكره، فبيَّن بهذه الأخبار أنّ هذه الصلاةَ سنةٌ حسنة، فإن الاجتماعَ لها والقيامَ بها فضلٌ كثير، وسنة جميلة، ولو كان ذلك مكروهاً عندَ الله تعالى في دينه لم يفعله وإنما وقع من الرسول ﷺ باجتهاده: لكان خليقاً بأن جبريلَ نهاه عن ذلك وأخبره أنّ هذه الصلاةَ
стр. 109
بدعةٌ مكروهة، وأن الاجتماعَ لها ليس من المصلحة، فلمّا عدلَ عن ذلك
إلى القول بأنه إنما ترك ذلك مخافةَ أن تُفرَضَ عليهم ثبتَ أنّ هذه الصلاةَ
والتجمُّعَ لها سُنةٌ حسنة، وأنه إنما امتنع من ذلك - مع إيثاره لها - خِيفةَ أن
تُفرَض، فلما تُوفَي رسولُ الله صلَّى الله عليه وانختم الوحيُ وانقطعت
الرسالة، أُمِنَ فَرضُ ذلك وزال الخوفُ منه عادت الصلاةُ والتجمُّع لها إلى ما
كانت عليه من الحسن، واستُحِب لكل مسلم فعلُ مثلِ ما كان رسولُ الله
ﷺ فعله - على وجه التقرب - ودعا إليه، ورغَب فيه، وقد تظاهرت الأخبار عنه ﷺ أنه كان يكثِرُ الترغيبَ في هذه الصلاةِ ويحث على فعلِها، ويرى الناسَ مجتمعين للقيام بها وأفذاذاً، فيُقِرُّ الفريقين جميعا ويستحسن ذلك من صنيعهم.
وروى عبدُ الرزاق عن ابن جُرَيجٍ عن عطاء أن القيامَ كان على عهدِ
رسول الله ﷺ في رمضانَ يقوم النفرُ والرجلُ كذلك، والنفرُ وراءَ الرجل، فكان عمرُ أولَ من جمع الناس على قارئٍ واحد، ومن المُحال أن يكثر هذا منهم ويتردّد على عهدِ رسول الله ﷺ ولا يرى ﵇ اجتماعَهم، ولا يسمعَ منه بذلك، ولو كان الاجتماعُ لهذه الصلاة مُنكراً لأنكره وزجره عنه، ورغّبَ في سواه، وإنما ترك هو التقدمَ بهم لعلةِ ما ذكره، ولعلهم أو كثيراً منهم مجمّعون لأنفسهم ويبلغه ذلك فلا ينكر عليهم، وكيف يُنكر عليهم ذلك وهو يحثهم ويبعثهم على هذه الصلاةِ والمحافظةِ عليها بغاية الترغيب؟!
стр. 110
وروى الزُّهري عن أبي سلمةَ عن أبي هريرةَ أن رسولَ الله ﷺ كان يرغِّب في قيام شهر رمضان من غير أن يأمر بعزيمة فيه، فيقول: "مَن قام رمضانَ إيماناَ واحتساباً غُفِرَ له ما تقدَّم مِن ذنبه ".
وروى الزُّهري قال: أخبرني أبو سلمةَ بنُ عبد الرحمن وعُبَيدُ الله بن
عبد الرحمن عن أبي هريرةَ أنّ رسولَ الله صلَّى الله عليه قال: "مَن قام
رمضانَ إيماناً واحتساباَ غفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه ".
وفي أمثالِ لهذه الرواية كلُّها بهذا المعنى، وقريبة من هذا اللفظ، فكيف
تكون هذه الصلاةُ بدعة.
وهذا قدرُ حثِّ رسولِ الله صلَّى الله عليه عليها، وترغيبِه فيها، وقد ثبت
مع ذلك أنه جمعَ الناسَ للقيام بها، ثم امتنع من ذلك للعلة التي ذكرناها.
وقد بيّنا أن هذه العلةَ مأمونة غيرُ مَخُوفٍ وقوعُها بعد وفاة النبي صلى الله
عليه فوجب أن يكونَ القيامُ بها والاجتماعُ لها سنةَ حسنةَ جميلةً مع ما في
ذلك من أخذ الإمام نفسَه بتجويدِ الحفظ وإقامة القراءةِ والحذرِ من عيبِ
الغَلَط وشدةِ إصغاء مَن خلفه وتذكُّرِهم وضبطِهم لما يسمعونه، وتفريغ
قلوبهم وأذهانهم كذلك، وانصرافِ هِمَمِهِم إلى سماعه وتأمُّله وتصفحِه
следующие страницы →