Полный текст (756 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
عاصمٍ عن زِرِّ بن حُبَيشٍ عن عبدِ الله بن مسعودٍ قال: "تمارَينا في سورةٍ
من القرآن، فقال بعضُنا خمسٌ وثلاثون، وقال بعضُنا سث وثلاثون، فأتَينا
رسولَ الله ﷺ فتغيَّر لونُه، وأسرَّ إلى عليّ ﵇ شيئاً، فسألنا عليّاً: ما قال رسولُ الله ﷺ ، فقال: "إن الله يأمرُكم أن تقرؤوا القرآنَ كما عُلمتُموه ".
وهذا الخبرُ يدل على أنّه لم يأمرهم بعَدِّ الآي بل نهاهم عنه إذ ذاك، أو
أطلقَه لهم ووكله إلى آرائهم وما يؤديهم الاجتهادُ إلى أنّه فصلٌ وموضعُ آخرِ
الآية، ليستعينوا بذلك على الحفظ ويقيِّدوه، ويدلُّ أيضاً على أنّهم كانوا
يعُدُّون عدّاَ مختلفا.
فإن قالوا: فهل تقطعون بهذا الخبر على أنّ القومَ كانوا يعُدُّون في زمن
الرسول صلى الله عليه أم لا؟
قيل لهم: لا لأنه من أخبار الآحاد التي لا تُوجِبُ علما.
فإن قيل: أفتُجوِّزون أن يكونوا قد كانوا يعُدُّون إذ ذاك؟
قيل لهم: يجوز ذلك.
فإن قيل: فهل تجوِّزون أن يكونَ عددُهم لآياتِ السور وقدر الآياتِ
متفِقاً أو أن يكون ذاك مختلفا؟
стр. 177
قيل لهم: أجل، يجوز أن يكونوا قد عدُّوه في عصره صلى الله عليه
عددا متفِقاً غيرَ مختلف، غيرَ أنّهم عدُّوا ذلك لأنفسِهم استعانةً به على تقييد
الحفظِ وضبط السور من غير أن يَنُصَّ لهم الرسول ﷺ على ذلك، فلذلك لم ينقل عنه شيءٌ في هذا الباب، فلما انقرض ذلك العصر ولم يُنقل ذلك العددُ عنهم لأنّه لم يكن من فرائضِ دينهم ولا مما نصَّ لهم الرسول عليه وأحْدَّهم به: ذهب على من بعدَهم العددُ الذي كانوا اتفقوا عليه في زمن الرسول، والناسُ من بعدهم يعُدُّون ذلك لأنفسِهم، وبحسب ما أدّاهم الاجتهادُ إليه.
ويجوز أيضاً أن يكونوا قد عدَّوا على عصر الرسول وعندَ القراءةِ عليه
عدّاً مختلفاً، وعرضوه على الرسول ﷺ ، وعرَفَ اختلافَهم فيه، وأقرَّهم على جميعِه، وسنح لكل واحدٍ منهم العملَ بما غلبَ على ظنه، إذا عَلِمَ أنّه يقصد
بذلك تقييدَ حفظِه وضبطَه، والاستعانةَ عليه، ولم يكن الله سبحانه قد أمره
بتوقيفهم على حذً محدودٍ وشيءٍ معلومٍ في ذلك ولا ألزمَهم إيَّاه، فما ندري
أنّه كان ذلك كذلك، فكيف كان حقيقةُ هذا الأمر منهم على زمن الرسول.
وقد يجوزُ أيضاً أن لا يكونوا تشاغلوا بعدد متفَقٍ ولا مختلَفٍ في زمن
الرسول، بل أقبلوا على حفظ القرآن فقط على سياق آياتِ سُوَره وتعرُّفِ
أحكامه وحلاله وحرامه، ورأوا أن التشاغلَ بعدد الآي ومواضعِ الفُصُول من
السور شاغلٌ لهم عن حفظ القرآنِ نفسِه وتعلمِ ما يُحتاجُ إلى العلمِ به من
أحكامِه، ويكونُ حالُهم في ذلك حال خَلْقٍ من حُفّاظ القرآن في هذا الوقت، الذين يحفظونه ويتقِنُونه ولا يشتغلون بوضعِ عددٍ لآياته من عند أنفسِهم
وعلاماتٍ لهم على مواضع الفصول، ولا يتعرَّف ما قاله غيرُهم في العدد
لاعتقادِهم العناءَ به والاشتغالَ بما هو أهمُّ وأمسّ، من علمِ تأويله وأحكامِه
стр. 178
ومعانيه وغيرِ ذلك من فروضِ الدِّين كلُّ هذا الذي وصفناه جائزٌ من أمر
الصحابةِ وغيرُ بعيدٍ ولا ممتنع.
فإن قالوا على هذا الجواب: فكيف يجوزُ أن يُخَلِّيَهم الله تعالى من نصٍّ
لهم على عدد الآي ومواضع الفصول التي هي عندَه وفي معلومه سبحانه أنّها
مواضع الفصول؟
قيل: يجوز ذلك من حيثُ أمكنَ أن يكونَ تعالى قد عَلِمَ أنّ نصّه لهم
على حا في ذلك تضييق عليهم وشغل لهم عن حفظِ القرآنِ نفسِه، ومؤدٍّ إلى
رغبتهم عن طاعته وإيثاراً إلى معصيته، وأنّه إذا وكَل ذلك إليهم وجعلهم في
فُسحةٍ من عدّه بحسب اجتهادهم وعلى وجهِ إيثارهم كان ذلك رفقاً لهم
وعوناً على ضبط ما يحاولون ضبطَه، ولطفاً لهم في فعلِ الطاعة وتركِ
المعصية، كما عَلِمَ سبحانه أنّه إذا أفقدَهم النصَّ على حكمِ كثيرٍ من
الحوادث ووكلهم فيها إلى العمل بآرائهم وما يؤدِّيهم إليه اجتهادُهم كان
ذلك تخفيفاً لمحنتهم وتوسعةً عليهم ولطفاً لهم في فعلِ الطاعة وتركِ
المعصية، وادعاً الأمورَ لهم إلى حُسنِ الانقياد والخنوع.
وكما أنه يجوزُ أن يعلم أن تركَ نصِّه لهم على عدد حروف السورة
وكلماتِها من أصلحِ الأمور لهم وأن نصَّه على ذلك مما لا ينتفعون به ولا
يصلحون عنده بل يكون مفسَدة وشاغلاً لهم أو لكثيرٍ منهم عن حفظ القرآن
نفسِه وما يجبُ ويلزمُ من معرفة أحكامه وتأويله، وإذا كان ذلك كذلك بان
بما وصفناه سقوطُ التعجُّبِ من تركِ النصِّ لهم على عدد الآي.
стр. 179
(فصل)
مِن الكلام في هذا الباب
فإن قال قائل: فهل تقولون: الآيةُ التي يختلف الناسُ في عددها لا بدّ
أن يكونَ عندَ الله وفي معلومه تعالى على ما يقوله أحدُ العادِّين لها، أم ليس
الأمرُ كذلك؟
يُقال لهم: قد اختلفَ الناسُ في ذلك، فقال فريقٌ منهم: إنَّ الآية َ عند
أهل العدد وفي مُواضَعَتِهم لها سُقَيت آيةً لأنها علامةٌ للفصل بين الكلامين.
وأنّ الله سبحانه جعلَ ذلك كذلك ليستعينَ الناسُ بما يظنونه فصلا مَوضِعَ آيةٍ
على تقييد السور وحفظِها وضبطِها، فإذا أفقدهم مع ذلك النصَّ منه على
الفصول، ولم يجد لهم في ذلك حداً فقد عرفنا أنه إنما وكَلَ هذه التسميةَ
إلى آرائهم واجتهادِهم وما يظنه كل قارئٍ منهم أنّه موضعُ علامةٍ وفصل وأنّه
يجبُْ على هذا أن يَرجِعَ في حصول هذه التسميةِ إلى ما يضعه القُرّاء ويغلب
على ظنونهم من مواضع الفصول.
لأنّ قولَنا حينَئذٍ إنه لا يُفِيدُ حقيقةً هي علَّتُه وصفةٌ لازمةٌ لها، وقدرٌ من
الأحرفِ والكلماتِ لا يجوز الزيادةُ عليه والنقصانُ منه، بل هو اسمٌ. مقصور على اجتهادِ القُرّاء، فهو في هذا البابِ بمثابةِ تسميةِ الشيءِ حراماً على قول بعض الفقهاء إذا أدّاه اجتهادُه إلى أنّه حرام، وتسميةِ الآخرِ حلالاً إذا أدّاه الرأي أنّه حلال إذا كان هذا هو حكمَ الله تعالى في تسمية الأفعالِ والحوادثِ التي لا نصَّ له فيها ولا حكمَ سوى ما أدّى إليه اجتهادُ العلماء، والحادثةُ مستحِقة للاسمين في الحقيقةِ على القولين وفي المذهبَين، فكذلك الآية ُ
стр. 180
مستحِقة للتسمية بأنها آيةٌ على الحقيقة عندَ من أدّاه اجتهادُه إلى أنه موضعُ
الفصل، وغير مستحِقةٍ لذلك في الحقيقة على قول من لم يؤده الاجتهادُ إلى
ذلك، وهذا القولُ قريب لا دَخَلَ عليه.
وقال فريق آخرُ من الناس: إن الآيةَ إنما سُمِّيت آيةً لانفصالِها عن الآيةِ
الأخرى، وأنّها في القرآنِ بمثابةِ البيتِ من القصيدة والقوافي في الشعر، غيرَ
أنه لا يتميَّزُ كتميزِ القوافي في موضع الرَّوِفيَ من الشعر، لأنّ الآية َ ليست
منفصِلة عن الأخرى بمثل القافيةِ والزَوِي من الشعر، ولذلك اختُلف في قدرٍ
كثيرٍ من الآيات، وإنّما تنفصل الآية ُ منَ الآية ِ الأخرى بقصد المتكلِّم بالقرآن إلى فصلِ ذلك القدرِ منه مما بعده وقطعه عنه، وإذا لم يقصد ذلك لم تكن آية ولا موضع الفصل، وقصدُه إلى ذلك لا يتبين ويظهر للحسّ.
ولكن لو جعلَ عليه علامةً من الكتابة عندَ رسمه لعُرِفَ ذلك من حالِهِ.
كنحو ما يجعله الكاتبُ في كتابته في البياض ومدِّ الأحرف في مواضع
الفصول، وإن كان من لم يشاهد ذلك ولا يعرف قصدَه إلى الفصل إذا أمكن
أن يكونَ بعضُ الكلام متعلقاً ببعض.
وإذا كان ذلك كذلك فلا بد على هذا مِن أن يكونَ الله تعالى قد قصدَ
إلى قطع الكلام عمّا بعده وإفرادِه عنه، فيكون ذلك موضعَ الآيةِ عندَه وفي
معلومه، وأن لا يكون قصدَ ذلك، فلا يكون موضعُ آيةٍ عندَه، غيرَ أنه لم
ينُص للعباد على ذلك ولا كلَّفهم إياه ولا أمَر الرسول بحَدٍّ فيه، فهو إذن
بمثابةِ قولِ القائل: أي شيءٍ يُحسِن زيدٌ، وقوله: سلالم عليكم الذي يصح أن يقصد الاستفهامَ عما يُحسِنه أو التقليلَ له أو التفخيمَ والتعظيم.
ويصح أن يقصدَ بقوله: سلامٌ عليكم الهَزْلَ والاستجهال ويصح أن يريد
التحية والإكرام، فيصير مرةً تحيةً واستفهاماً بالقصد، ويصير الكلامان تارةً
стр. 181
أخرى تقليلاً واستجهالاً بالقصد إلى ذلك وإنّما يكون القصدُ بهذا ضربَ
المثل لما يصيرُ الشيءُ به مستحِقّاً للوصف بالقصد وإذا لم يكن هذا المثلُ
مستمراً فى نفس الكلامِ القائمِ في النفس عندَنا، لأنّ الاستفهامَ منه استفهامٌ
لنفسه لا لمعنى، وكذلك الأمرُ به والنهي والخبر وجميعُ أقسامِه، غيرَ أنّ
هذه الأصواتَ التي هي عبارةٌ عنه عندَنا تُسمّى استفهاماً إذا قُصدَ به التعبيرُ
عن استفهام في النفس لدلاتها على الاستفهام، وتُسمّى تارةً أخرى تقليلاً لما
يحسنه المذكور للقصد بها إلى التعبير عن التقليل الذي في النفس لدلالتها
عليه.
وهذا الجوابُ الثاني أيضاً قريبٌ مستمرٌ لا دخلَ فيه، وقد بيّنا أنّ ذلك
في الجملة ليس من فرائض الدِّين ولا ممّا نصَّ الرسولُ عليه، فضلاً عن أن
يكونَ نصه عليه مستفيضا متواتراً يقتضي حصولَ العلم به وارتفاعَ النزاع فيه، وهذا هو الذي حاولوه، وقد أوضحنا عن فساده بما أبطل ما حاولوه.
فأما تسميةُ الآية ِ بأنها آيةٌ على طريقة أهل اللغة فإنّما تفيد أنّها علامة، وعلى
هذا المعنى سُمِّيت الآيةُ من القرآن آيةً، لأنّها علامةٌ على موضع الفصل.
قال النابغةُ الذبياني:
توهَّمتُ آياتٍ لها فعرفتُها ... لسِتّةِ أعوامٍ وذا العامُ سابعُ
فسَمّى ما عرفها به آيةً، وقولهم في آياتِ الرسل إنها آياتٌ لما يعنون بها
أنها دلالةٌ على صدقِهم والفصلِ بينهم وبين الكذّابين، وقوله تعالى: (إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ)
يقول: علامةُ مُلكه ما ذكره، وقولهم آيٌ وآيات إنّما هو اسمُ الجمع.
فأما فائدةُ تسميةِ السور من القرآن بأنها سورة، فقد قيل فيه أشياء:
стр. 182
- أحدُها: أنه يفيدُ فيه الإبانةَ لها من غيرها من السور المنفصلةِ عنها.
وقال النابغة:
ألم ترَ أنّ الله أعطاكَ سُورةَ ... ترى كلَّ مُلْكِ دونَها يَتذبذَبُ
يريدُ انقطاعاَ من الناس والملوك ومباينةَ لهم.
وقيل: إن فائدةَ وصفها بأنها سورةٌ أنّها قطعةٌ منه وطائفة من القرآن.
مأخوذٌ من قولهم: إنَّ فيه لسورةَ من جمال، أي: طائفةَ وبقيةَ منه.
وقيل أيضًا: إن فائدةَ وصفِها بذلك أنّها سورةٌ معظَّمةٌ شريفة، وأنّ ذلك
مأخوذ من معنى قولهم: فلانٌ له سُور في المجد وسُؤددٌ فيه، والمعنى في
ذلك أنّ له شرفاَ فيه وارتفاعاً، مِن سادَ يسُود، قالوا: ومنه سُمّي سُورُ
المدينة سُوراً لعلوه وارتفاعِه.
وأمّا تسمية القرآنِ قرآناً فإنّه قد قيل فيه أقاويلُ، نحن نذكرها، ونقولُ
قبلَ ذلك إنّه من قرأتُ قراءةَ وقرآناً فيكون مصدِّقاَ، وإنما قال الله تعالى:
(إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ) ، يعني قراءته، فهو على هذا المعنى
مصدرٌ، وقال تعالى: (وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (٤٥) .
هو ها هنا اسمٌ لا مصدر، ومرادُهم بقوله: قرأتُ قرآناَ أي: قراءةً، وهو على نحو ما جاء من قوله تعالى: (وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧) .
أي: إنباتاً، وقولهم: كتبتُ كتابا، وشربتُ شَرابا، أي كتبتُ كتابةً، وشربتُ شرابا، فيقيمون الاسمَ مقامَ المصدر.
قال حسّانُ بن ثابتٍ يرثي عثمانَ بن عفّان:
стр. 183
ضَحُّوا بأشمطَ عنوانِ السجود بهِ ... يقطَعُ الليلَ تسبيحاً وقُرآنا
أي قراءةً، فأقام الاسمَ مقامَ المصدر، فأخذُ ما قيل في تسميته قرآناً لأئَه
جُمعَ وضُمَّ وضُمَّت آياتُ كلِّ سورةٍ منها إلى أخواتها، قال: وقول عمرو بن
كلثوم:
ذراعيَ عَيْطَل إذ ما بِكَرٍّ ... هجانِ اللون لم تقرأ جَنِينا
أي أنّها لم يضم رحمُها ولداً.
وقيل أيضاً: إنّما سمي قرآناً لأنه يحمله ويجمعه حَفَظتُه، وأنّه مأخوذٌ
من قولهم: قرأت المرأةُ إذا حمَلَت الجنينَ في بطنَها.
وقيل أيضاً: إنّما سُمي بذلك لألِّه يُلقى من الفم إذا تُلي وهُذّ ويظهر
بالنطق والدرس، وأنّ ذلك مأخوذٌ من قول العرب: ما قَرَأتِ الناقة سَلايقَطّ، أي: لم ترمي به وتلقيه.
وقيل: إنه سُمّي فرقاناً لأنّه يفرِّق بين الحقِّ والباطل، وقيل إنَّ معنى
قوله: (يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا) ، أي مخرَجا وطريقاً، وكأنّ القرآنَ
طريقٌ ومخرَجٌ إلى معرفة الحق من الباطل ومُفرق بينهما، وليس الكلامُ في
هذه الأسماء مما قصدنا له وما يُريده القادحون في نقل القرآن وإنّما ذكرناه
لاتصاله بالباب الذي ذكرناه، ولأنّه رُبّما مسَّت الحاجةُ إلى ذكره ومعرفته في
خِطابِ القوم، وإنَّما قصدهم ما قدّمنا ذكرَه من دعوى النصوص على
الآيات، وذهابِ الأمّة عن معرفتها ليُسهلوا بذلك سبيلَ القول بنصّ الرسول
على قرآن قد ذهبَ علمُه على الأمّة ولم ينتشر ويظهرَ نقلُه، وقد بيّنا فسادَ ما ظنّوه بما يوضّحُ الحقّ إن شاءَ الله.
стр. 184
(باب)
الكلامِ في بيانِ الحكم في أول ما نزل من القرآنِ وآخِرِه
ومكِّيِّه ومدنِيِّه، وهل نصَّ الرسولُ ﵇ على ذلك أم لا
فإن قال قائلٌ: كيف يمكن أن يكونَ أمرُ القرآن مي الظهور والانتشار
واستفاضةِ النقل وحصول علمِ السلف والخلف به، ومعرفتهم لجُملتِه وتفصيلِه وأوّلِه وآخرِه، ومكيّه ومدنيّه، والأحوالِ التي خرج عليها، والأسبابِ التي نزل لأجلِها: صحيحاً على ما قلتموه مع اختلافِ الصحابة الذين هم القدوةُ فيه عندَكم في أول ما أُنزِلَ منه وآخره، ومكيهِ ومدنيّه، وذهابِ بعضهم في ذلك إلى ما يزُده غيرُه ويدِينُ بخلافه، وما ذكرتموه من شهرةِ نقله ووجوبِ إحاطةِ السلفِ به يقتضي - إن كان على ما ادعَيتموه - معرفةَ القول بأول ما نزل منه وآخره، ومكيه ومدنيه، ومتى اختلفوا في ذلك عُلِمَ أنّ الأمرَ في ظهور نقله وانتشاره وقيامِ الحجَّة به بخلافِ ما قلتم وأنه لا سبيلَ إلى منع دخولِ التحريفِ فيه والتغيير له والزيادةِ والنقصان فيه، وعدم قيام الحجّة بكثير.
يُقال لهم: ليس فيما ذكرتموه من اختلافهم في هذين الفصلَين ما يُفسد
شيئا ممّا ادعيناه وكشفناه بواضح الأدلة عن صوابه، وذلك أننا لم ندعِ
وجوبَ ظهور ما نُقل ما لم ينصّ الرسول عليه، وتوفّر الهِمَمِ على معرفة ما
стр. 185
لم يكن منه قول فيه، ولا أوجبنا اتفاقَ الأمّة وحصولَ معرفةِ مَن تقوم الحجّةُ
منا بما ليس من فرائض دينها ولا هو من نوافله أيضاً ومما يسعها تركُ
الخوضِ فيه، وإنما أوجبنا هذا أجمعَ فيما نصّ الرسولُ عليه نصّا جليا
مُعلِنا قطعَ العُذْر فيه وفيما فَرَضَه على أمّته، وضيّقَ عليهم وجوبُ معرفته.
ولم يعذرهم في التخلّف والإبطاءِ عن علمه وإدراكه، وفيما يقتضي موضوعُ
العادة تحريكَ البواعث لهم على نقله وحفظِه واللهَجِ بذكره والإشاعةِ
والإذاعةِ له.
وإذا كان ذلك كذلك وكنّا لا نعتقدُ مع هذه الجملةِ أنّ الرسولَ قد نصّ
لصحابته على ما نزل عليه من القرآنِ أولاً وما نزل منه آخرا وعلى جميعِ مكّيه وسائر مدنيّه، ولا كان منه قول في ذلك ظاهراً جليّا لا يحتمل التأويلَ ولا ألزمَ الأمّة حفظَه والتديّنَ به ولا جعلَه أيضاً من نوافل دينهم كما أنه ألزمهم نظمَ سُوَرِ القرآنِ وترتيبِ كلماتهِ وحروفهِ على وجهٍ مخصوصٍ وحدّ مرسومٍ أخذَ عليهم لزومَه ومَنَعَهم من تغييره والعدولِ عنه: لم يجب أن يظهرَ ويَنتشرَ نقلُ ذلك عنه، وكيف يجبُ نقلُ ما لم يكن وما لا أصلَ له والإخبارُ به فضلاً عن وجوبِ ظهورِه وانتشاره! وإذا كان ذلك كذلك فقد بأن سقوطُ ما سألتم عنه وزوالُ ما توهمتُموه.
فإن قالوا: ما الدليلُ على أنّه لم يكن من الرسول نصّ على ذكرِ أولِ ما
أُنزل عليه من القرآن وعلى آخره، وعلى مكيّه ومدنيّه، وأنّه لم يُلزم الأمّةَ
علمَ ذلك ويدْعُهم إلى معرفته حسب نصه على ترتيب آيات السور وكلماتها
وإلزامِهم العلمَ بها، ولزومِ المنهجِ الذي شرعه ونصّ عليه في تلاوتها؟
قيل لهم: الدليلُ على ذلك أنّه لو كان كما تدّعون وكان نصّه على
الأمرين قد وقع سواءً وفرضُه لهما على الأمّة قد حصلَ حصولاً متماثلاً
стр. 186
معتدلاً لوجبَ في مستقِرّ العادة نقلُ ذلك وظهورُه وحفظُ الأمّة له، وعلمُهم
به وتأثيمُ مَن خالفَ المنصوصَ عليه في ذلك، وتخطئةُ مَن عدلَ عن الواجبِ
عن معرفةِ ما فُرِضَ العلمُ به، ويجري أمرُهم في ذلك وتخطئته على حسب
ما جرى أمرُهم عليه من حفظِ للقرآن نفسِه، ومعرفةِ نظمِه وترتيبِ آياتِه
وكلماتِه، وعلى وجهِ ما أوجبَ حفظَهم لترتيبِ صلواتِهم وما يجبُ أن يكونَ
متقدّماً منها ومتأخّراَ، وما يُفعلُ منها في النهار دونَ الليل، وفي الليل دونَ
النهار، وغيرِ ذلك من فرائضِ دينهم الواجبةِ عليهم، والتي وقعَ النص لهم
عليها وقوعاً شائعاً ذائعاً.
ولما لم يكن ذلك كذلك ولم يدّعِ أحد من أهل العلم أنّ رسولَ الله
ﷺ كان قد نص على ذكرِ أولِ ما أُنزل عليه من القرآنِ وآخرهِ نصّاً جَلِيا ظاهرا فَرْضُ علمِه، ولم يكن بينَ سَلَفِ الأمّةِ وحلَفها اختلاف في أنّ العلمَ بذلك ليس من فرائض الدين، وأنه مما يَسَعُ الإبطاءُ عن علمه والسؤالُ عنه، ولا يأثمُ التاركُ للنظرِ فيه إذا قرأ القرآنَ على وجهه ولم يغيّرْهُ عن نظمه ولم يَزِدْ فيه ولم يُنقِص منه: عُلِمَ بهذه الجملةِ أنه لا نصّ من الرسولِ قاطع على أوّل ما أُنزل عليه من ذلك وآخرِه، وعلى تفصيل مكّية ومدنيّه، وإذا ثبتَ ذلك بطلَ ما حاولتُمُوه.
وممّا يدلّ أيضا على صحّةِ ما قلناه أنّ المختلفين في ذلك من الصحابة
لا يرَونَ اختلافَهم فيه عن رسولِ الله ﷺ بل إنّما يُخبرون بذلك عن أنفسِهم وما أدّاهم إليه اجتهادُهم واستدلالُهم بظاهرِ الأمر، وإن روى بعضهم في ذلك عن النبي ﷺ شيئاً لم يَرَوْهُ نصّاً قاطعاً، وإنّما يُحكى عنه قولاً مُحتَمِلاً، وقصّةً للتأويلِ والظنون عليها سبيل وطريق، وليس يجبُ اتفاقُهم على ما هذه سبيلُه، ولا أن يكونَ نقلُهم لما سَمِعُوه منه في هذا
стр. 187
الباب من الكلام المحتَمِلِ ظاهراً منتشراً إذا كان لم يقع من الرسول وقوعاً
معلَناً بحضرة مَن تقومُ به الحجّةُ، ولا هو ممّا أراد وقصدَ وقتَ قوله ذلك
للواحدِ والاثنين أن يُذاعَ عنه ويَنتشِرَ من قِبَلِه حتى يكرره ويرددَه ويقصدَ إذاعتَه وإقامةَ الحجّة بإظهاره، وإذا كان ذلك كذلك لم يجب شيء مما قلتموه.
وقد اختلفَ الصحابةُ ومَن بعدَهم في أولِ ما أُنزل من القرآن وآخره.
ورُوِيَت في ذلك روايات كلها محتملة للتأويل، فقال قوم منهم: أولُ شيءٍ
أُنزل: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) .
وقال آخرون: أولُ ما أُنزل: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) .
وقال قومٌ: أولُ ما أُنزل: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) إلى آخر فاتحة الكتاب.
فروى يحيى بن أبي كثيرٍ قال: سألتُ أبا سلمةَ بنَ عبد الرحمن:
أي القرآنِ أُنزل أولاً، فقال: سألتُ جابرَ بنَ عبد الله: أي القرآنِ أُنزل
أولاً، قال: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) .
قلتُ: أو (اقرَأ) ، قال جابر بن عبد الله:
ألا أحدّثكم بما حدّثنا به رسولُ الله ﷺ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إني جاورتُ بحِراءَ شهراً، فلما قضيتُ نزلتُ استبطَنتُ بطنَ الوادي، فنُوديتُ فنظرتُ أمامي وخلفي وعن يميني وعن شمالي فلم أرَ شيئاً، ثم نُوديتُ فنظرتُ أمامي وخلفي وعن يميني وعن شمالي فلم أرَ شيئاً، ثم نظرتُ إلى السماء فإذا هو على العرش - قيل: يعني أنه المَلَكُ على العرش - في الهواء، فأخذتني رجفة، فأتيتُ خديجةَ، فأَمَرَتْهم فدَثّروني، ثم
стр. 188
صبّوا علي الماء، فأنزلَ الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) .
وروى الزُّهري عن عروةَ بن الزّبير عن عائشةَ رضوانُ الله عليها قالت:
"أولُ سورة أُنزلت من القرآنِ: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) .
وروى هَمّامٌ عن الكلبي عن أبي صالحٍ أنّ أول شيءٍ أُنزِلَ من القرآن:
(اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) ، حتى بلغ (إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (٨) .
وقال قتادة أيضاً بمثل ذلك، وفي بعض الروايات التي أُسند فيها هذا
الحديثُ أنّ حجّاجاً قال: "ثم أُنزِلَ بعدَها ثلاثُ آياتِ من أول نون، وثلاثُ
آياتِ من أولِ المدّثر".
وروى سفيانُ عن ابنِ أبي نَجيحٍ عن مجاهدٍ قال: "هيَ أول سورةِ
أُنزلت على محمدٍ ﷺ (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) ، ثم نون ".
стр. 189
فأما مَن قال: إن أولَ سورة أُنزلت الحمدُ لله رب العالمين، فإنّهم
يروون ذلك من طريقِ إسرائيلَ بن أبي إسحاقَ عن أبي ميسرةَ قال:
"كان رسولُ الله ﷺ إذا مرَّ سمعَ من يناديه: يا محمد، فإذا سمع الصوتَ انطلقَ هاربا، فأتى خديجةَ فأخبرها، فأسَرَّت ذلك إلى أبي بكرٍ الصديق، فقال: انطلقي بنا إلى وَرَقة، فحدّثه، فقال ورقةُ: هل رأيتَ شيئاً، قال: لا، فقال: إذا سمعتَ النداء فاثبُت حتى تسمعَ ما يُقالُ لك، فلما سمعَ رسولُ الله ﷺ : يا محمد قال: لبيك، قال: قل: أشهدُ أن لا إلهَ إلا الله وأنّ محمدا عبدهُ ورسولُه، ثم قل: الحمدُ لله رب العالمين.. فاتحةَ الكتاب " وساقَ الحديث.
وهذا الخبرُ مُنقطِع غيرُ متصل السند، لأنّه موقوف على أبي ميسرةَ، وأثبتُ الأقاويل من خلاف الصحابةِ قولُ مَن قال: إنَّ أولَ
ما أُنزل: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) ، وما يليه في القوةِ قولُ جابر،. ومَن قال أول ذلك (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ) .
وليس في هذه الأخبار نصّ من الرسول لا يَحتملُ التأويل َ ولا فيها ما
يقتضي لفظهُ ومجيئُه أنّه قال ذلك للكافّةِ وألزمهم نقلَه واعتقادَه وحَظَرَ عليهم
التخقف عن حفظهِ ومعرفتهِ، فلذلك لم يجب ظهورُ هذه الأخبار، ولزومُ
القلوبِ العلمَ بصحتِها والقطعَ عليها، وإن كنَّا في الجملة نقول: إنَّ الحق لا
يخرجُ عن اختلاف الصحابة للدليلِ القائمِ على ذلك، وهذه الأخبارُ المرويةُ
стр. 190
في هذا الباب وإن لم يكن متضَمّنُها من فروضِ الدين فهي مُحتمِلةٌ للتأويل
أيضا، لأن رسولَ الله ﷺ لم يقل في خبرِ عائشةَ وخبرِ جابرِ بنِ عبد الله وخبرِ أبي ميسرةَ إنَّ الله تعالى أنزلَ عليه (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) .
ولم يُنزِل عليّ شيئا قبلَ ذلك، وكذلك القصةُ في قوله: "قيل" في (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ)
وقوله: قيل لي: قل: (الحمدُ لله رب العالمين) ، لأنّه لم يقل في القصتين: ولم يَنزلْ عليّ شي لا قبل ذلك، ولا قال في كل قصة: وكان ذلك أولَ شيء أُنزل على من القرآن لم يتقدمه شيء، ولا نحوَ ذلك من الكلامِ الظاهرِ الجليّ الذي لا يحتمل غيرَ ما صَرّحَ به فيه، فيحتمل إذا لم يقل ذلك.
وقد كان يُنادَى مراتٍ كثيرة، ويَرى النورَ ويسمعُ الصوتَ ويَرجُفُ
لذلك، ويتردّد ذلك عليه عندَ استفتاح النبوة، حتى أوجب ذكرَه لخديجةَ
﵍ ولورقةَ بن نوفلَ أن يكونَ قد كانَ ابتُدِأ بأن أُنزلَ عليه
(اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) في بعض تلك المرات، ثم نُوديَ بعد ذلك فمضى إلى خديجة، ودُثّرَ ثم أُنزل: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) .
فيكونُ بعدَ شيءٍ أُنزلَ قبلَه، وكذلك خبرُ أبي ميسرةَ يَحتمِلُ أن يكونَ قيل له في أحد تلك المرّات: قل الحمد لله رب العالمين إلى آخرها، بعد أن قد كان أُنزلَ عليه (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) و (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) .
وإذا احتَمَلَ الأمرُ ما ذكرناهُ ساغَ فيه التنازعٌ والخلافُ والاجتهادُ
وترجيحُ الظنون.
وقد كان يُسمَعُ مَن تكلم في ذلك من الصحابة وروى فيه ما روى تَرَكَ
الكلامَ فيه، ولم يكن مأثوما لو ترك الكلامَ فيه، ولم يكن ليمنعه أن لا يتلوَ
السورةَ على ترتيبِ آياتها ونظامها، لأن ذلك من آكَدِ شيء فُرِضَ عليه
وأُلزِمَه، وحُظِرَ عليه خلافُه على ما بيَّنَّاه من قبل، فافترقَ الأمران في هذا
الباب، وكذلك مَن تركَ من أهل عصرِنا الخوضَ في أول ما أُنزِلَ من القرآنِ
стр. 191
وعدلَ عنه لم يكن بذلك مأثوماً ولا تاركا للفرض، وأن يُوجَبَ عليهم إذا
خاضوا في ذلك أن لا يخرجوا عن أقاويلِ السلف التي اتفقوا على أن الحقّ
في أحدِها، وغيرَ خارجٍ عنها إذا حصل لهم إجماع على ذلك متيقنٌ
معروف.
كذلك أيضًا فقد اختلفت الصحابةُ ومَن بعدَهم في آخرِ ما أُنزل من
القرآن، فرُويَ عن أُبيّ بن كعب أنه قال: "آخرُ آية أُنزلَت على رسولِ الله
ﷺ : (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ) ، وروى سعيا عن عليّ بن زيد عن يوسفَ بن مهران
عن ابنِ أُبى بن كعبِ عن أبيه قال: "آخرُ آيةٍ أُنزلت على رسولِ الله صلى الله عليه: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ) الآية َ.
وابنُ أُبيّ هذا إما أن يكون محمداً أو الطّفَيلَ، وهما المعروفان، وكلاهما مقبولُ الحديث.
ورُويَ ذلك عن أبي قتادةَ أيضا.
стр. 192
وروى ابن عباسٍ قال: "آخرُ ما أُنزِلَ من القرآن، (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) .
ورَوى عبدُ الحميد بنُ سهلٍ عن عُبَيدِ بن عُدي قال: قال لي
ابنُ عباس: "تعلَمُ آخرَ سورةٍ من القرآن أُنزلت جميعا، قلتُ: نعم، (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) ، قال: صدقتَ ".
ورُوِيَ أنّ عائشةَ رضوانُ الله عليها قالت: "آخرُ سورة أُنزلت المائدة".
وروى أبو الزاهر عن جُبَير بن نُفَيير قال: "حَجَجتُ فدخلتُ
على عائشةَ ﵂ فقالت: يا جُبَير، هل تقرأُ المائدة، قلت: نعم.
قالت: أمَا إنّها آخرُ سورةٍ أُنزلت، فما وجدتم فيها من حلالٍ فاستحِقوه.
وما وجدتم فيها من حرامٍ فحرّموه ".
ورُوِيَ أنّ البراءَ بن عازب قال: "آخرُ سورةٍ أُنزلت كاملةً سورةُ براءة".
وروى هنّادُ بن السّرِيّ
стр. 193
عن أبي الأحوَص عن أبي إسحاقَ عن البراءِ بن عازبٍ قال: "آخرُ سورةٍ من
القرآن أُنزلت كاملةً سورةُ براءة، وآخرُ آيةٍ أُنزلت خاتمةُ النساء".
ورُوِيَ أن أبا صالحٍ وسعيدَ بن جُبَير قالا: "آخرُ آيةٍ نزلت من القرآن:
(وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١) .
ورُوِيَ أن إسماعيل السّدّيّ قال: "آخرُ آية أنزلت: (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (١٢٩) .
ورَوى ابنُ شهابٍ عن سعيد بن المسيب أنه
أخبره أن أحدثَ آية بالعرش آيةُ المواريث: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ) .
وليس في شيءٍ من الرواياتِ ما رُفع إلى النبي ﵇، وإنّما هو خَبَر
عن القائل به، وقد يجوزُ أن يكونَ قالَ بضربٍ من الاجتهاد، وتغليبِ الظنِّ
стр. 194
وبظاهرِ الحال، وليسَ العلمُ بذلك أيضاً من فرائضِ الدين، ولا هو مما نصّ
الرسولُ على أمر فيه بيّنه وأشاعه وأذاعَه وقصدَ إلى إيجابه وإقامةِ الحجّة به.
فلذلك لم يَجُزْ ظهورُه عنه وحصولُ الاتفاقِ عليه وثبوتُ العلم به قطعاً يقيناً.
وقد يَحتمِلُ أن يكونَ كلُ قائلٍ مفن ذكرنا يقولُ إن ما حكمَ بأنَّ ما ذكره
آخرُ ما نزل لأجل أنّه اَخرُ ما سمعه مِن رسولِ الله ﷺ في اليوم الذي ماتَ فيه، أو ساعةَ موته على بُعد ذلك، أو قبلَ مرضه الذي ماتَ فيه بيومين أو ساعة، وقد سمع منه غيرُه شيئاً نزل بعدَ ذلك وإن لم يسمعه هو لمفارقته له ونزولِ الوحي بقرآنٍ بعدَه، ويقد يحتمل أيضاً أن تنزلَ الآية ُ التي هي آخرُ آيةٍ تلاها الرسول ﷺ عليهم مع آياتٍ نزلت معها، فيُؤمَرُ برسمِ ما نزلَ معها وتلاوتِها عليه بعدَ رسم ما أُنزل أخيرأ وتلاوته، فيظنّ سامعُ ذلك أنه اَخرُ ما نزلت في الترتيب، ويُحتمل أيضا أن ينزل عليه آية في الليل مُنع من أدائها وشُغِلَ بعُذرٍ عن ذلك وانتَظَرَ النهار، فلما أصبح أُنزلت عليه آية لا شيءَ نزلَ عليه بعدَها، ثم قيل له: اُتلُ عليهم هذه أولاً واكتبها ثم اتلُ عليهم بعدَ ذلك ما كان نزل قبلَها ومُرْهُم برسمه وإثباته، هذا ما لا سبيلَ إلى منعه وإحالتِه، فيظن سامعُ الأخيرِ من القرآن أنه آخرُ ما أُنزِلَ عليه، وليس كذلك، بل قد أُنزِلَ بعدَه ما قُدِّمت تلاوتُه وإثباتُه.
وإذا كان ذلك كذلك وكان الرسولُ لم يكشف ولم يفرض على الأمّةِ
علمَه، ولا أمره الله سبحانه بإلزامِهم ذلك وبيانِه لهم، ولا رأى ذلك من
مصالحهم ومراشِدِهم ولا مما تمسهم الحاجةُ إليه في دينهم: لم يجب أن
يَظهَرَ ذلك عن الرسول ولا أن يُنقَلَ نقلا متواتراً، ولا أن لا يُختلَف فيه ولا
يُعمَلَ الاجتهاد، وتُزحَمَ الظنونُ فيه، ولم يُرْوَ في شيءٍ من هذه الآثار إن كلّ
قائلٍ بمذهبٍ من هذه المذاهب سُئِلَ فقيل له يُقطع ويتيقّنُ أن هذا هو آخرُ ما
стр. 195
أُنزل أو أولُه مِن حيث لا يجوزُ غيرُ ما قلتَه فقال: نعم، ولا نَقلت الأمّة عنه
أنها عَرفَت من دينه أنّه لا يقول ذلك على ظاهرِ الحال وغالبِ الظن والرأي.
إذا كان ذلك كذلك بأن صحةُ ما قلناهُ، وبطلَ ما حاولوا به الطعنَ على نقل
القرآنِ وجوازُ تغييره وتبديله.
فأما المكّيّ والمدنيّ من القرآن فلا شبهةَ على عاقلٍ في حفظ الصحابةِ
والجمهورِ منهم إذا كانت حالُهم وشأنهم في حفظ القرآن وإعظامه وقدره من
نفوسهم ما وصفناه لِما نزل منه بمكةَ ثم بالمدينة، والإحاطة بذلك والأسباب
والأحوالِ التي نزل فيها ولأجلها، كما أنّه لا بُدّ في العادةِ من معرفةِ معظَمِ
العالم والشاعر والخطيب وأهلِ الحرصِ على حفظِ كلامه ومعرفةِ كتبه
ومصنفاته من أن يعرفوا ما نظمه وصنّفه أولا وآخراَ، وحالُ القرآنِ في ذلك
أمثل، والحرصُ عليه أشد، غيرَ أنه لم يكن من النبي ﵇ في ذلك
قولٌ ولا نصّ، ولا قال أحد ولا روى أنّه جمعه، أو فرقةٌ عظيمةٌ منهم تقوم
بهم الحجّة وقال: اعلموا أن قدَر ما أُنزِلَ عليّ من القرآن بمكةَ هو كذا
وكذا، وأن ما أُنزِلَ بالمدينة كذا وكذا، وفصّله لهم وألزمَهم معرفتَه، ولو
كان ذلك منه لظهرَ وانتشَر، وعُرفت الحالُ فيه.
وإنما عدل ﷺ عن ذلك لأنّه مما لم يُؤمَر فيه، ولم يجعلِ الله تعالى علمَ ذلك من فرائضِ الأمّة، وإنْ وجبَ في بعضِه على أهلِ العلم مع معرفة تاريخ الناسخِ والمنسوخ، ليُعرَفَ الحكمُ الذي ضِمنها، وقد يُعرَفُ
ذلك بغير نصّ الرسول بعينِه وقوله هذا هو الأولُ والمكّي وهذا هو الآخرُ
المدنيُ.
وكذلك الصحابةُ لمّا لم يعتقدوا أنّ مِن فرائضِ التابعين ومَن بعدَهم
معرفة تفصيل جميعِ المكّيّ والمدنيّ وأنّه ممّا يسعُ الجهلُ به، لم تتوفّر
стр. 196
الدواعي على إخبارِهم به ومواصلةِ ذكرِه على أسماعهم وأخذهم معرفَته.
وإذا كان ذلك كذلك ساغَ أن يختلفوا في بعضِ القرآنِ هل هو مكّيّ أو
مدني، وأن يُعمِلُوا في القول بذلك ضرباً من الرأي والاجتهاد، وإن كان
الاختلافُ زائلاً عنهم في جُلِّهِ وكثيرِه، وإذا كان ذلك كذلك لم يلزمْ أيضاً أن
يُنقلَ عن الصحابةِ نقلاً متواتراً ذكرُ المكّيّ والمدنيّ، ولم يجب أيضاً على
الصحابة وعلى كل داخلٍ في الإسلام بعدَ الهجرة وعندَ مستقَرّ النبى ﷺ في المدينة أن يَعرِفَ أنّ كل آية أُنزلت قبلَ إسلامه مكيةٌ أو مدنيةٌ، يجوز أن يقفَ في ذلك أو يَغلِبَ على ظنه أحدُ الأمرين، وإذا كان ذلك كذلك بطلَ ما توهموه من وجوبِ نقل هذا وشهرته في الناس ولزومِ العلمِ به لهم والتفريطِ بالتخلّف عن علمِه ووجوبِ ارتفاعِ الخلافِ والنزاعِ فيه.
وقد روى شُعبةُ عن قتادةَ ويزيدَ النحوي عن عكرمةَ والحسنِ بن أبي
الحسن قال: قال قتادةُ: "إنّ الذي أُنزل بالمدينة البقرةُ وآلُ عمرانَ والنساءُ
والمائدةُ، وآية من الأعراف: (وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ) ، والأنفالُ والرعد، غير أن فيها مكّيا، (وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ) ، إلى آخرها، ومن إبراهيم (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) .
إلى آخر السورة، والحجُّ غيرَ أربع آيات
أولُهن: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢) .
إلى قوله: (وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ) .
والنورُ وعشرة من العنكبوت، والأحزابُ والحمدُ والفتحُ والحجراتُ والرحمنُ والحديدُ والمجادلةُ والحشرُ والممتحنةُ والصفُّ والجمعةُ والمنافقون ويا أيها النبي إذا طلقتم النساء
стр. 197
ويا أيها النبيّ لم تحرّم، ولم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب، وإذا زلزِلت، وإذا جاء نصرُ الله، وبقيةُ السور مكيّ كلّه ".
وروى شعبةُ عن قتادةَ هذا الحديثَ على سياقِ ما ذكرناه، وذكرَ ابنَ
مسعودٍ أنه قال: "كلّ شيءٍ في القرآنِ (يا أيها الناس) أُنزِلَ بمكة"، وذكر
ذلك عن علقمة، وذكر عن علقمةَ قال: "كلّ شيءٍ في القرآنِ (يا أيها الذين
آمنوا) مدنيّ ".
والرواياتُ عنهم في ذلك كثيرة، ولا يُعرَفُ منها ما يرفعونه
عن الصحابة عن النبي ﷺ ، والسببُ في ذلك ما قدّمناه من أنه لم يكن منه ﷺ في ذلك نصق على تفصيلِ ذلك وقول قاطع، ولا هو مما عُنِيَت الصحابةُ بذكره للتابعين وإن كان قد ذَكَرَه منهم القُرّاء ومَن انتصبَ لذلك لمَن أقرأه القرآنَ إذا سُئل عن الآية ِ والسورة، غيرَ أنّ ذلك لم يقع وقوعاً ظاهرأ منتشراً.
وإذا كان ذلك كذلك بطل ما توهّموه قادحاً في نقلِ القرآن وعائداً
بالطعن عليه، وأنّ هذا الذي ذكرناه هو الذي يمنعُ تجويزَ كونِ قرآنٍ كثيرٍ
أنزله الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وإن كانَ لا سبيلَ لنا إلى العلم
والقطع على أنه قرآن مُنَزل من الله سبحانهُ على رسولهِ، وأنّنا لا نأمَنُ أن
يكونَ عندَ عليّ أو أُبيّ وعبدِ الله بن مسعود أو بعضِ آحادِ الأمة عشرُ اَياتٍ أو عشرُ سُوَرٍ بيّنها الرسولُ له وحدَه، دونَ جميعِ الأمة، وأنّ مُدّعي ذلك مُبطِل لا شبهةَ علينا في كذِبِه لعلمنا بعادةِ الرّسول في بيانِ جميع ال منزَل عليه.
وإذا كان ذلك كذلك وجبَ أن نعلمَ بهذا الدليل قطعا أنّ بسم الله
الرحمن الرحيم ليست بقرآنٍ مُنَزلٍ في غير سورةِ النمل، وأنّها ليست من
جُملةِ كل سورة، ولا أنّها فاصلة بين السورتين، لأنّها لو كانت آيةً منزلة إمّا
على أن تكونَ مفرَدةً فاصلةً بين السورتين أو على أن تكونَ من جُملةِ كلِّ
стр. 198
سورة لوجبَ أن يُبينَ ذلك رسولُ الله ﷺ بياناً ظاهراً مكشوفاً، موجِباً للعلم، قاطعاً للعُذر، مُزِيلاً للريب، رافعاً لاختلافِ الأمَّة ِ ودخولِ شبهةِ على أحد منهم في هذا الباب كما فعل ذلك في جميعِ آياتِ السّورِ وسائر ما أَنزلَ الله تعالى من كلامه الذي ضمِنَ حفظَه وحِياطتَه وجمعَه وحراستَه.
فلمّا لم يكن ذلك كذلك، ولم نجد أنفسَنا عالمةً بذلك، ولا وجدنا
الأمةَ متفقةً على هذا البابِ اتفاقها على جميع سُوَر القرآنِ وآياتِها المبيّنةِ
فيها، بل وجدنا فيهم مَن يقولُ إنّها آية من الحمدِ وحدَها، وفاتحة لغيرها.
ومنهمُ مَن يُحَمّلُ نفسَه عندَ حدّ النظرِ على أن يقولَ إنّها من كلّ سورة.
ومنهم مَن يقولُ إنّها آية فاصلة بين السورتين وليست من جملةِ كلّ سورة.
وإنّني أعلمُ ذلك قطعا وإنني لا أدري أنّها من جملةِ سُورةِ الحمد أم لا
لموضعِ الخلافِ فيها، ومنهم مَن يقول: لستُ أدري أنَّها من كل سورةٍ أم لا
، وأنه يجوز أن تكون مفردةً فاصلة، ويجوزُ أن تكونَ من جملةِ كلّ سورةٍ هيَ
فاتحتُها: عُلِمَ بذلك أنّ رسولَ الله ﷺ لم يُوقف على شيء من هذه المذاهبِ والأقاويل، فلم يبيِّن للأمةِ أنها قرآنٌ منزل.
ولو جازَ لمدّعي أن يدعيَ أنّ الرسولَ ﷺ قد بيّن أنها قرآن منزل وإنْ خَفِيَ ذلكَ على أكثرِ الأمّة لجازَ لآخرَ أن يدّعيَ أنّ عندَ الإمامِ وآحادٍ من الصحابة قرآناً كثيراً وإن خَفِيَ ذلك على أكثر الأمة لجازَ أيضاً أن يدّعيَ مدعٍ أن رسولَ الله ﷺ قد نصَّ نصّاً بيِّناً قاطعاً مُعلَناً على أنها آية من الحمد وحدَها وفاتحةٌ لغيرها، وإن خالفَ في ذلك كثيرٌ من الأمّة وخفيَ ذلك عليهم، وأن يدعيَ مدّعٍ أنهُ قد نصَّ ﷺ نصاً قاطعاً مُعلَناً على أنّها آية منزلة مفردة فاصلة بين السور، وليستُ من جُملة شيءٍ منها، وإن خالفَ أكثرُ الناس في ذلك، وخفيَ عليهم.
стр. 199
ولمّا لم يُسمَع هذه الدّعاوي وبطلت وتكافأت عُلِمَ أنّه لو كان منها حقّ
قد بُيّنَ على حَسَبِ ما ادُّعيَ لكان ظاهراً مشهورا كظهور سائرِ آياتِ القرآنِ
وسُوَرِه، ووجبَ القطعُ على أنّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ليست بقرآنٍ مُنزَلٍ
في غير النملِ، ولا فاصلٍ بين السور، ولا من جملتها أيضاً، فلهذا لم يجب
عندَنا علمُ الأمة بأنّها قرآنٌ وأنّها من سورة الحمد على ما طالَبَنا به القادحون
في نقلِ القرآنِ وصحّته، لأنّه إنما يجبُ تواترُ النقلِ وحصولُ الاتفاق على ما
بيّنه رسولُ الله ﷺ وأُنزِلَ عليه من القرآن دونَ ما لم يبيّنْه ولم ينزل عليه.
وهذا الذي قالوه أيضاً بأن يدلّ على صحّة ما قلناه في وجوبٍ ظهورِ
نقل القرآن والعلمِ به أولى، وذلك أنّه إذا اختلفت الأمّة في إثباتِ ما يَظُنُ
قومٌ أنّه قرآنٌ لأجلِ افتتاح الرسولِ به وإثبات الأمّة له في أوائل السور.
فقطعوا لذلك على أنّه قرآنٌ ودانوا به وتوفّرت هِمَمُهم ودَواعِيهم على حفظِه
والإحاطةِ به وبلغَ به قومٌ إلى أنّه قرآنٌ منزَلٌ: وجبَ أن يكونَ حفظُهم وتوفّر
هِمَمُهم ودَواعِيهم على نقلِ ما بيّنه رسولُ الله ﷺ من القرآنِ أَولى وأحرى، وأن يكونَ ذلك فيهم أظهرَ وهُم به أعرفَ، فكلُّ هذا يدل على وجوبِ حفظِ الأمّة لما نصّ رسولُ الله ﷺ على أنّه قرآنُ، وعلى أنّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ليست من جُملةِ القرآنِ في غيرِ المواضع التي اتفقوا عليها، وعلى أنّ الرسولَ ﷺ بيّنَ كونَها قرآناً فيه وقطعَ العذر، وهذا أيضاً أحدُ الأدلّة على أنّه لم يكن من النبيّ ﷺ بيان لكون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قرآناً منزلا وفاصلاً بين السّور ولا من جُملتها
ولا من جُملة الحمد، لأنّه لو كانَ منه بيانٌ لذلك لجرى مجرى بيانه لكوبها
قرآناً في سورة النمل بقوله: (إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) .
стр. 200
ولارتفعَ لأجلِ بيانِه لذلك الشكّ والرّيبُ عن جميع الأمّة في
كونها آيةً مفردةً فاصلةً إن كانت أو من جملة الحمد وحدَها إن كانت
كذلك، وإن لم يكن هذا هكذا بطلت جميعُ هذه الأقاويل، وثبتَ بما
وصفناه أنّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ليست من القرآنِ إلا في السورة التي
يذكر فيها النملُ.
فإن قال قائلٌ: فقولوا لأجل دليلِكم هذا إنَّ المعوّذتين ليست بقرآنٍ منزلٍ
أصلاً، وإنّ الرسولَ لم يبيّن كونَها قرآناً منزلاً بيانَه لسائرِ سورِ القرآنِ وآياته، لأجلِ خلافِ عبدِ الله بن مسعودٍ في ذلك وجَحْده أن يكونا من القرآن!
قيل له: ليسَ الأمرُ عندَنا في جحدِ عبد الله كذلك على ما ادّعيتَ، بل
ذلكَ كذبٌ وزور لا ينبغي لمسلمٍ أن يثبته على عبدِ الله ويُضيفه إليه بأخبارِ
آحاد غير موجِبة للعلم كلها معارَضةٌ بما هو أقوى وأثبتُ عن رجال عبدِ الله
في إثباتِها من القرآن وإقرائهم إياها، وسنستقصي القولَ مما رُوِي عنه في
ذلك وقَدْرَ ما قاله وتأويله، وأنّه ليسَ فيه ما يُوجِبُ إخراجَها من القرآن إن
شاء الله.
فأمّا ما اعتمدَ عليه مَن زعم أنّ الأمَّة َ اتفقت على أنّ جميعَ ما بين
اللوحين قرآنٌ منزلٌ من عند الله تعالى، وأنّ ذلك بمنزلةِ قولِ النبي أو أخذِ
، المصحف ونشرِه ورقةً ورقة وقال: اعلموا أن جميعَ ما فيه قرآنٌ وتلِيَ
عليهم أيضاً بذلك قرآنا فإنه لا تَعَلّق فيه، لأنها دعوى باطلة، لأنّنا لا نعلمُ
مِن دين الأمّة المتفقةِ على كَتَبة المصحف أنّها وقفت على أنّ جميعَ ما فيه
من فواتح السور وغيرِها قرآنٌ منزَلٌ من عند الله، وإن علمتَ أنّهم قد أثبتوا
بسم الله الرحمن الرحيم فاتحةً للسّوَرِ، وكيف نعلم ذلك ونحنُ وجميعُ من
يوافقنا على قولنا يعتقدُ أنّ الصحابةَ لم تتفق قطُّ على القول بذلكَ وإضافته
стр. 201
إلى الرسول ﷺ ، ونقولُ: إنه لو ثبتَ ذلك من عَقدِهم ودينهم لوجبَ القطعُ على أنه قرآنٌ، لأن الأمّةَ عندَنا لا تجتمع إلا على حقّ وصواب، فبان أنّه لا شُبهةَ في فسادِ هذه الدعوى.
وأما قولُهم بعدَ هذا إنّهم لا يخالفون في إطلاقِهم القولَ بأنَّ ما بين
اللوحَين قرآن منزل، وليس لنا أن نقيدَ ما أطلقوه ولا أن نَخُصّ ما عَمُّوه.
فإنّه تعليلٌ وتدقيق عن مَبُوحٍ به، لأنّ العمومَ عندَنا وعندَ أكثرِ الأمة ما ثبتَ له الأمة للعموماتِ في الأحكام والمواضع التي اعتقدت العمومَ بها بإطلاقِها
لقفظ الذي يُدعي أنّه موضوغ للعموم، وإنّما يُعلم ذلك عند مشاهدتِها
ضرورةً بالأماراتِ الظاهرةِ المقارنةِ لإطلاقِها، ويُعلم ذلك من دِينها عند
الغَيبة عنها بنقل من يُوجِبُ خبرُه العلمَ أنَّه عَلِمَ ذلك من دينها ويُحقّقُ قطعَها
عليه، ولا يسألهُ عن وجه علمه بذلك ويعلَمُ أنّه لم يعلم ذلك من حالِها
بنفسِ اللفظِ ولا الإطلاقِ الذي يَحتمِلُ الخصوصَ والعموم، ولكن بالأسبابِ
والقرائنِ والأماراتِ المقارِنةِ للفظ الذي لا يمكنُ نعتُها ووضعُها وتجديدُها
وتحبيسُها لما قد بيَّنَّاه في أصول الفقه وغيره في فصول القول في إبطالِ
العموم، وإذا كان ذلك كذلك فلا معنى للتَّعلُقِ والتشبّثِ بانّه لا وجهَ لتقييدِ
ما أطلقوه، وتخصيصِ ما عَمّوه.
وأما قولُهم إنّه لو لم يُعلَم ذلك بنفسِ قولِ الأمّة وإطلاقِها لم يُعلَم ذلك
أيضا بقولِ رسولِ الله ﷺ وإطلاقِه ونشرِه المصحفَ ورقةً ورقة، فإنه كذلك يقول لأنّه قد يُطلِقُ رسولُ الله ﷺ اللّفظَ الذي يدّعي قوم أنّه العمومُ ويكونُ مرادٌ به الخصوصُ، ويتلو أيضاً بذلك قرآناً يظُن قومٌ أنّه على العموم والمرادُ به الخصوصُ.
стр. 202
وليس قولُه ﷺ لو قال: كلّ ما في مصحفِ عثمانَ كلامُ الله، تأكّدْ من قوله تعالى: (تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا) . ٢٥) . (وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) ، و (يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ) .
(وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) .
وقد ثبتَ أن ذلك على الخصوص بقول الله تعالى
وقولِ رسوله، وقولُ الأمّة في هذا سواءٌ في أنّه كلّه على الاحتمال للخُصوص
والعُموم، فإن لم يَظهَرْ معنى قولِ الرسولِ إن كلّ ما في المصحَفِ أو جميعَه
وسائرَه وقليله وكثيرَه وسوادَه وعمومَه وبوادِيه وخواتمَه أماراتٌ وأحوالٌ
يُضطر عندَها إلى مرادِه ومعرفةِ قصدِه إلى استيعابِ جميعِ ما في المصحف.
ولم يقطع على مراده ووقَفْنا، وليس هذا من الحجَّة ِ لثبوته والشكّ في خبرِه
على ما يظنّه بعضُ الجهّال بسبيل، ولكنه وقفٌ في مراده باللفظ المحتَمِلِ
لأمرَين ليسَ أحدُهما أولى به من الآخر لفقد الدليل على مراده به.
وإن كان ذلك كذلك وكنّا لا نعلمُ ضرورة لمشاهدةِ السلفِ وسماع
توقيفهم على أن جميع ما في المصحفِ قرآن منزَلٌ ورؤيةَ أماراتهم ومخرَجِ
خطابِهم ومعرفةِ أسبابِهم والأحوالِ التي صدر عليها خطابُهم، ولا يَنقُلَ من
يضطر إلى صدقهِ أنه عرفَ ذلك من قصد الأمّة واعتقادِهم لعمومِ إطلاقها.
كما نعلمُ ضرورة من دينها أنّ (تَبَّت يَدَاَ أَبي لَهَب) من القرآن، وأنّ قولَه:
(إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) .
من القرآن: بانَ وظهر أنه لا جدوى ولا طائلَ لأحدٍ من التعلّقِ بإطلاقِ السلفِ لهذه الألفاظ، ولا سيّما مع قيامِ الدّليل على أنّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ليست من القرآن، وأن ما بينه الرسولُ صلى الله عليه منهُ لا يحتاجُ في إثباته إلى حصولِ إجماعٍ عليه، وإنّما يجبُ أن يكون متواترا، ومما يُعلم صحّتُه وبيانُ الرسولِ له اضطراراً.
стр. 203
وأما قولُهم إنّه قد ساغَ وظهرَ في الصحابةِ أنّ قوماً منهم ادعوا أنّ بسم
الله الرحمن الرحيم آيةٌ من القرآن فلم يُنكِر ذلك الباقونَ ولا اعترضوا فيه
بشيءٍ: فإنه باطلٌ، وأولُ ما فيه أنّنا لا نعلمُ أنّ ذلك شاعَ وظهرَ في
الصحابة، لأن ذلك لم يُروَ عن أحد منهم إلا عن عبدِ الله بن عباس.
والأخبارُ الواردةُ عنه بذلك أخبارُ آحادٍ لا نجدُ أنفُسَنا عالمةً بصحّتها لا
اضطراراً ولا نظراً واستدلالاً، فلا حجّةَ فيها.
على أنّه يمكنُ لو صحّت الأخبار التي قدّمنا ذكرَها عن ابن عباسٍ في
هذا الباب وعُلِمَ بثبوتها: أن يكونَ كفُّ القومِ عن إنكارِها لأنّه لم يظهر
ويشيعَ فيهم، وإنّما يجبُ أن يُنكِروا ما تأدّى إليهم، وقد يمكنُ أن يكونَ
أيضا إنما تركوا إنكارَ قوله لذلك، وإنما قال: "سرقَ الشيطانُ من إمام
المسلمين آيةً، ومن تركَ قراءةَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ترك من كتابِ الله آيةً"
ونحو ذلك، وهذا كلّه قولُه ورأيُه وليسَ فيه ما رفَعَه إلى رسول الله صلى الله
عليه، فقد بيّنَ بتركِ الذكرِ لذلكَ الشك في صحةِ مذهبه وعدم العلم بأنه حق أو باطل، وقد يترَكُ كراهةَ المناظرةِ عليه والعلم بأنّه ليس من الأمّة قائل
بذلك، وأنه لا شبهة في بطلانه، وأن المناظرة عليه تغري صاحبَها بالتمسُّك
به، وقد يُنزل الله عليه لاعتقادِ كثيرٍ منهم أنّ ذلك مسألةُ اجتهاد وأن الغلطَ
فيها سهل مغفور لموضع أنّ الرسول كان يفتتح السُّوَرَ بها، وربما جهر بها
إمام الجهر في صلاته، وأنّ ذلكَ قائم مقامَ توقيفه على أنّها قرآن منزل.
فيصيرُ ذلك محَقه التأويل، والصحيحُ أن هذه الأخبارَ غيرُ ثابتةٍ ولا معلومةٍ
عن ابن عباس، فلا وجهَ لدعوى ظهورِ هذا القولِ وانتشارِه في الصحابةِ مع
الإمساكِ عليه.
стр. 204
وأما قولُ ابن عباس: "كانَ المسلمونَ لا يعرفون انقضاءَ السورة
حتى تنزل بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فيعلمونَ أنّ السورةَ قد انقضت " فإنه لا تعلّقَ فيه لأمرين:
أحدهما: أن قولَه حتى تنزل بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إخبارٌ عن ظنّه أنّها
تنزل لاعتقاده كونَها قرآناً، وليس في اعتقاده لذلك وإخبارِه به لا عن
توقيفِ الرسول: حجةٌ.
الوجه الآخر: أنّ قولَه: (حتى تنزل) محتمل لأن يكونَ تحقيقا لنزولها.
وأنّ الرسول وقفَ على أن المَلَكَ ينزلُ بها، ويُحتمَلُ أن يكونَ أراد على أنها
كلامٌ تُفتَتَحُ به السور ويُعرَفُ بها انقضاءُ ما قبلَها، ويكون علامةً لذلك وإن
لم يكن قرآناً منزلا أمامَ السور، لأنّه قد ينزل المَلَكُ على الرسول بقرآنٍ وما
ليس بقرآن من الوحي.
وقولُهم بعدَ ذلك: "ظاهرُ قولي (يَنزلُ) يقتضي أنّها منزلة قرآنا" لا حجّةَ
فيه، لأنّه قول يحتمل، لأنّ الظاهرَ والإطلاقاتِ غيرُ مُقنعة في إثباتِ قرآنٍ
منزَل مقطوع به على الله سبحانه، فبطلَ ما قالوه.
وهذا الجوابُ عما رُوِيَ مِن قول ابن عباس: "كان جبريلُ إذا أتى النبيّ
صلى الله عليه ببسم الله الرحمن الرحيم عَلِمَ أنَّها قد خَتَمت سورة فاستقبلُ
الأخرى"، لأنها قد جعلت علامة للرسول ولغير ذلك عند التلاوة والكتابة.
وإن لم يكن من القرآن.
فأمّا ما رُوِيَ عن أم سلمة من أن النبيّ ﷺ كان يعُد بسم الله الرحمن الرحيم آيةً فاصلة فإنّه من أخبار الآحاد التي لا نعلم بثبوتها اضطرارا واستدلالا، وقد بتنّا فيما سلفَ بما يزيلُ الشكّ والرّيب أنّ رسولَ الله ﷺ -
стр. 205
لو عدَّ ذلك وبيَّنه لوجبَ علمُنا به ونقلُ الأمَّة له نقلاً ظاهراً متواتراً
كنقلِ سائرِ ما عداه من آياتِ القرآن وبيّنه، وما هذا الخبرُ عندَنا إلا بمثابةِ
روايةِ راو عن أم سلمةَ أن رسولَ الله ﷺ كأنه يصلّي صلاةً سادسةً وسابعةً مفروضةً واجبةً ويعرفُ الناسُ ذلك من حالها في وجوب ردِّ هذا الخبرِ والعلم بأنه لو كان صحيحاً عن أمّ سلمةَ لوجبَ أن تنقُلَ الأمةُ تلك الصلاةَ نقلَها الخمسَ صلواتٍ وسائرَ الفروض العامة، وكذلك لو بيَّن أنّ بسم الله الرحمن الرحيم آية وعدّها كبيانِه لغيرِها لظهر واستفاض نقلُها.
ولَلَزِمَ القلوبَ العلمُ بكونها قرآناً منزَلاً، فإذا لم يكن ذلك كذلك لم يجب
تصحيحُ هذا الخبر.
على أنّها لم تُجِب بذلك عن قول الرسول، وإنما قالت: "كان رسول
الله ﷺ يعدّها آيةً فاصلة".
وذلك إن صح عنها خبر عن رأيها واعتقادِها، وليس ذلك بحجّة بخلافِ غيرها لها في ذلك.
وأما كراهةُ عبد الله بن مسعود وغيره مما قدمنا ذكرَه من قتادةَ وغيره من
التابعين لتفسيرِ القرآن وكَتْبِ آيةِ كذا وعدها كذا وكذا آية، وإنكارُ عمرَ لكتبِ التأويل والتفسيرِ مع التنزيل، مع تسويغِه وتسويغ جماعةِ الصحابة والتابعين لكتبِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فصلاً في فواتح السور، فإنّه أيضاً مما لا حجةَ فيه ولا تعلُّق، وذلك أنهم إنما أنكروا ذلك وقال بعضُهم إنه بدعة
لعلمِهم بأنّ الرسولَ لم يبين ذلك ولا أمرَ بكتابته، وأنه قد أمرَ بكتبِ بسم الله الرحمن الرحيم في فواتح السور ما نزل عليه مما أُمر بكتبه، وليس يجبُ أن
يسوّغوا كَتْبَ ما لم يَأمُر به الرسولُ لتسويغهم رسمَ ما سَن كَتْبَه، ولا يجبُ
أن يعتقدوا أيضاً أنّ رسولَ الله ﷺ لا يكتب في افتتاحِ السورةِ المنزَلةِ إلا قرآناً منزلاً، لجوازِ أن يُؤمَرَ بافتتاحِها في الكتابة بِما ليس بقرآنٍ
стр. 206
على ما بيّنّاه من قبل، ولأجل أنّهم سمعوا الرسولَ يفتتحُ في الصلاةِ ببسم الله
الرحمن الرحيم، ويجهَرُ بها أحيانا إمامُ الجهر، فأجُيزَ الائتمامُ به في افتتاح
السور في الكتابةِ بها، وليس مثلَ عددِ مَن فعله في تَعشِيرِ القرآنِ وكتبِ رأسِ
الأجزاء والأسباع والأخماس وخاتمِ كذا وعددِ آياتها كذا، وكَتْبِ التفسيرِ مع
التأويل.
وإذا كان ذلك كذلك بأن أنه لا حجَّةَ لهم في شيءٍ مما أوردوه، وأن
بسم الله الرحمن الرحيم ليست بآيةٍ من القرآن، وأنّها جُعِلت علامة وفاصلةً
بين السور، وأمارة على ختم السورة والأخد في الأخرى.
فإن قال قائل: فإذا كان الأمرُ فيها على ما وصفتم فلمَ لم تكتَب في أول
سورةِ براءة للفصل بينَها وبينَ الأنفال؟
قيل له: لأمرَين:
أحدُهما: أن رسول الله ﷺ لم يفعلُ ذلك ليُشعِرَ من بعد أهل عصرهِ أن السلفَ من الأمّة الآخذِين عنه لم يكتبوا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ في فواتح السور باجتهادِهم وآرائهم، وإنّما اتّبعوا في ذلك ما سُن وشُرعَ لهم، وأن ذلك لو كان برأيهم لوجبَ عليهم أن يكتبوا بين الأنفالِ وبراءة، لأنه لا معنى يقتضي الفرقَ بين الفصل بين هاتين السورتين بها وبين الفصلِ بين غيرِهما بها، ولو فعل ذلك في غيرِ سورة براءةَ وأسقطَها من افتتاحها لسد ذلك مسدَّ اطراحها من أولِ سورة براءة في إشعارهم بهذا الباب، ولو أعلمهم أيضاً - سبحانه - أنّ السلفَ ما كتبوها في أوائل السور إلا لسُنَّة الرسول بغير هذا الوجه وشيء سوى إسقاطِها من أولِ سورةِ براءة لصح ذلك منه وجاز، غيرَ أنه يمكن أن يكون إعلامُهم هذا الباب بهذا الضرب من التنبيه وبإسقاطها من
стр. 207
أول براءةَ دونَ غيرِها: لُطفاً لهم أو لبعضِهم، وأدعى الأمورِ لهم إلى
التصديق بالقرآن وتحفُظه والعملِ بموجبِه، وإعظام مؤدّيه ومتحمّله.
وقد يمكنُ أيضاً أن يكونَ إنّما أُسقطت في أول سورة براءة لأنّها نزلت
بالسيف والوعيد والتهديدِ والطردِ والإبعادِ والإخافةِ والإهانةِ، وكانت إنّما
تكتب في أوائل ما يتلى من السور على وجهِ الرفقِ والإيناسِ والتسكينِ
بالابتداءِ بذكرِ الله تعالى ووصفِ فضلِه ورحمتِه.
وممّا يدل على بطلانِ قول مَن زعمَ أنّ السلفَ أجمعوا على اعتقاد كونِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ آيةً أنّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فيها معنى الرحمة
والأمان، وبراءة لم تجىءْ في هذا المعنى، وإنّما جاءت بضده ونقيضه.
فلم تكتب كذلك في أولِها، وقد روى علي بن عبد الله بن عباسٍ عن أبيه
عبد الله قال: سألتُ علي بن أبي طالب: لِمَ لم يكتب بين براءة والأنفال
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فقال: "لأنّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أمانٌ، وبراءةُ نزلت بالسيف لا أمانَ فيها"، فهذا هو نفسُ التأويلِ الذي قلناه وعلِمَه الجمهورُ من أهل العلم، وإذا كان ذلك كذلك زال ما اعترضوا به.
ومما يدل على بطلان قول من زعمَ أنّ السلفَ أجمعوا على اعتقادِ كونِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أنها آية من الحمد ومن كل سورةٍ ما ظهرَ على ما
ذكر وانتشر من قول ابن عباس: "تركَ الناسُ آيةً من كتاب الله، وسرقَ
الشيطانُ آيةً من كتابِ الله "، وقد عُلِمَ أنّه لا يقول ذلك حتى يتركَ الناسُ
قراءة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ في فاتحة الكتاب وفاتحة كلّ سورة، ويكونُ
هو وحدَه هو المتمسك بذلك، هذا هو الذي يقتضيه ظاهرُ قوله: "سرقَ
стр. 208
الشيطانُ آيةً من كتاب الله، وتركَ الناسُ آيةً من كتاب الله "، لأنّهم لو كانوا يقرؤونها لما قال ذلك، فهذا يدلّ على مخالفةِ الجماعة لهُ على قوله هذا
وتركِهم لقراءتها وذلك بأن يدلّ على فسادِ ما قالوه أولى.
فإن قيل: فإذا كان قد اعتمدَ عندَهم أنّها من القرآن وهم يعلمون أتها
ليست من القرآن، فلِمَ تركوا النكيرَ عليه، وأن يقولوا له: قد أعظمتَ الخطأَ والفريةَ في إدخالك ما ليسَ من القرآن فيه؟
يقال لهم: يكفي في الرد لقوله والخلافِ عليه تركُهم الرجوعَ إلى قوله
مع سماعِ ذلك منه وتكرُّرِه وكثرةِ ضجيجِه هو بقوله: "تركَ الناسُ آيةً من
كتاب الله، وسرقَ الشيطانُ آيةً من كتابِ الله "، لأنّ هذا القولَ مع ظهورِه منه يدل على أن القومَ لا يعتدّون بقوله هذا ولا يثبتون به بسم الله الرحمن
الرحيم قرآنا، ولعلّه أن يكونَ فيهم مَن قال في خلافه ما ذكروه وخرجَ عن
الإغلاظِ له إلى مثلِ ما وصفوه.
ويُمكنُ أيضاً أن يكونوا إنّما تركوا الإنكارَ عليه وأن يقولوا له في أخطأتَ
ليستْ من القرآن، لأجلِ أنه لم يتحقّق عندَهم أنّه اعتقدَ أنّها آيةٌ منزلةٌ من كل سورة، وظنهم أنّه اعتقدَ أنّه كلامٌ يُفتتح به السورُ والجُمَل، وأن السنةَ قد جرت بذلك عندَه، وأنه إنما قال: "سرقَ الشيطانُ من كتابِ الله آيةً، وتركَ الناسُ من كتابِ الله آيةً" يريدُ أنّه سرق منهُ ما يقومُ مقامَ آيةٍ مما جَرَت السنة عندَنا بالافتتاحِ به، وقد قال الله سبحانه: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨) .
فلو تركَ تاركٌ الاستعاذةَ عندَ قصده عرضَ القرآن، لساغ أن يقول قائلٌ: سرق الشيطانُ الاستعاذة، وسرق آيةً من كتابِ الله، يريدُ بذلك أنّه سرقَ ما يقومُ مقامَ آيةٍ من الاستعاذة التي أُمِرَ بها.
стр. 209
وساغ أن يقولَ أيضا: "سرقَ الشيطانُ آية" أي: أنه سرَقَ موجبَ آيةٍ وهو قولُه: (فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ) ، إذا احتملَ قولُه جميعَ ما ذكرناهُ وبطلَ التعلّقُ به.
ويمكنُ أن يكونَ معنى قوله: "سرَقَ الشيطانُ آيةً من كتابِ الله "، أي:
سرقَ قرآناً ثابتا في النمل، ومفتَتَحاً به في الحمد، وفي كلّ سورةٍ، لأنه قرآن
من النملِ يُفتتح به عندَه في غيرِه، وقد كانَ أنسُ بن مالك يُنكرُ ما يقولُه ابنُ
عباس، ويُروي أنّ النّبي ﷺ وسلم ومن بعدَه من الأئمةِ لم يكونوا يقرؤون ببسم الله الرحمن الرحيم، فَروى مالكٌ عن حُمَيدٍ عن أنس: "أن النّبي ﷺ وأبا بكرٍ وعمرَ كانوا لا يقرؤون ببسم الله الرحمن الرحيم ".
فإن قيل: أرادَ أنهم كانوا لا يجهرون بقراءَتها.
قيل لهم: ظاهرُ الخبرِ تركُ القراءةِ بها جملة، لأنّ تركَ الجهرِ بالقراءة
ليس بترك للقراءة، فلا وجهَ للعدولِ بالخبرِ عن ظاهرِه.
وشيءٌ أَخرُ وهو أنه إن كان معنى الخبرِ تركَ الجهرِ بها فذلك دليل على أنها ليست من الحمد لاتّفاقِهم على الصلاة التي يجب الجهرُ فيها، لا يَجهَرُ فيها ببعضِ السورة ويُخافتُ بالبعضُ، كما لا يفعل ذلك فيما عدا الحمد من السورة التي يجبُ الجهرُ فيها.
стр. 210
وقد روي أيضا عن الأعمش عن شعبة عن ثابت عن أنس بن مالك قال: صليت خلف النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان، وكانوا لا يجهرون ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
ولو كانت من الحمد لجهروا بها في صلاة الجهر، وقد ظهر أن النبي ﷺ قال لأبي كيف تقرأ إذا كبرت؟
فقال: الله أكبر (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) فلم يذكر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ولا قال له رسول الله ﷺ تركت آية من الحمد، كما قال ابن عباس على ما رووه عنه، وقول النبي ﷺ وتعليمه الصلاة وترك الأخذ بقراءة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أولى أن يعمل به ويكون حجة.
وقد روى عبد الوارث قال: حدثنا عبد العزيز بن صهيب قال: سئل أنس: أيفتتح الرجل الصلاة ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ؟
فقال: ما قالها رسول الله ﷺ ولا أبو بكر ولاعمر ولاعثمان حتى كانت هذه
стр. 211
الغشية"، فهذا إنكارٌ منه شديد واعتقاد لكونِ قراءتها والافتتاحِ بها بدعةً في
الدين.
وروى الناسُ أنٌ عبدَ الله بن مغَفّل سمعَ ابناً له يقرأ بسم الله الرحمن
الرحيم فقال: "يا بُنى إياك والحدَثَ، فإني صلّيت خلفَ رسولِ الله صلى الله
عليه وأبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ فلم أسمع أحداً مثهم يقرأ ببسم الله الرحمن
الرحيم "، وهذا أيضا إنكار من عبد الله بن مغفّل لقراءة بسم الله الرحمن
الرحيم، وإخبار عن اعتقاده واعتقادِ السلفِ أنّ فعلَ ذلك بدعة وحَدَثٌ في
الدين، فكيف يمكنُ أن يُقال إنه لم يكن في السلف منكِر غيرُ ابن عباس.
وحالُهم ما وصفناه.
ومما يدل على أنّها ليست بآيةٍ من الحمد أيضاً ومن كل سورةٍ اتفاقُ
الدهماء على أن: (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ) ثلاثين آية، وظهورِ الخبرِ بذلك
عن الرسول، وقد روى شُعبةُ عن قتادةَ عن عباس الجُشَمي عن أبي هريرةَ
قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إن من القرآنِ سورةً ثلاثين آية، جعلت تجادلُ عن رجلٍ غُفِرَ له، وهيَ تبارك ". وقد اتُفق على أنّها إذا عُدّت مع "بسم الله الرحمن الرحيم " كانت إحدى وثلاثين آية.
وكذلك قد اتفقَ القرَّاء كلّهم على أنّ الكوثرَ ثلاثُ آيات، فلو كانت بسم
الله الرحمن الرحيم آيةً منها لكانت أربعَ آيات، وذلك خلافُ الإجماع.
стр. 212
فإن قيل: هي في تبارك والكوثر بعضُ آية، وفي الحمد آيةٌ تامةٌ.
قيل: هذا محال، لأنّه لا يجوز أن تكون آيةً كاملةً في موضعٍ وفي غيره
بعضَ آيةٍ وهي كلامٌ واحدٌ غيرُ مختلفٍ ولا متفاضِلٍ في نظمه أو عددِ
حروفه، فكلُّ هذا يدلُّ على أنّها ليست بقرآنٍ ولا آيةً من الحمد ولا مِن
غيرها إلا في سورة النمل.
وممّا يدلّ على ذلك أيضاً قوله: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) .
فلو كانت من الحمدِ ومن كل سورةٍ لحفظها الله تعالى علينا.
وجعلَ لنا إلى العلمِ بذلك طريقاً، ولم ينكر سلفُ الأمّة وأكثرُ خَلَفها كونَها
قرآناً من الحمدِ ومن كل سورة، كما أنّها لمّا كانت قرآناً من النّمل لم يُنكر
ذلك أحدٌ ولم يُختَلَفُ فيه.
فإن قيل: فإن لم تُثبتوا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قرآناً، باختلافٍ وخَبَرٍ
غير متواتر فلا تثبتوا أيضاً المعوّذتين قرآناً لوقوعِ الخلافِ فيهما؟
قيل لهم: معاذَ الله أن يكونَ السلفُ اختلفوا في أن المعوّذتين قرآن.
وإنّما اختلفوا فى إثباتها في المصحَف، وكان عبدُ الله بنُ مسعودٍ لا يرى
ذلك، لأنّه لم يكن عنده سُنّةٌ فيهما، فأمّا أن يُنكِرَ كونَها قرآناً فذلك باطل.
وشيء آخر، وهو أنّه قد ثبتَ القرآنُ بإعجازِ نظمِه وإن لم يثبت بالتواتر.
والإعجاز قائم في المعوّذتين وليس هي في بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ولا
خبر متواتر يعلَمُ في ذلك، فبطل ما قالوه.
فإن قيل: فإذا قلتم إن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ليست آيةً من الحمد ولا
من جمل سورةٍ هيَ في افتتاحها، فهل تكفّرون مَن قال إنّها من الحمد وأنّه
بمثابةِ من قال إنَّ: "قِفا نَبْكِ" من الحمد أم لا؟
стр. 213
قيل له: لا، وإنما يلزمُ هذا الكلام مَن قال من أصحابنا: لو كانت من
الحمد ومن كل سورةٍ لوجبَ إكفارُ من أنكر كونَها من الحمد، فيُقال له:
ولو لم تكن من الحمدِ لوجب إكفارُ من قال إنّها من الحمد، وليست هذه
عندَنا طريقةً صحيحةً ولا مَرضِيةً في النظرَ، ولا واجبةً في حكم الدّين، بل
الواجبُ أن نقول: إن معتقِدَ كونها من الحمد ومن كل سورة، أو آيةً منزَلةً
مفردةَ فاصلة بين السور: مخطىءٌ ذاهبٌ عن الحق، لأجل عُدُوله عمّا وجبَ
عليه من العلم بأن الرسولَ ﷺ لو كان قد نصّ على ذلك من حكمها لوجبَ تواترُ نقلِه وظهورِه وانتشاره، ولَزِمَ في القلوبِ العلمُ بصحته، وأن ذلك عادةُ الرسول في بيانِ جميعِ ما أنزل عليه من القرآن، فلما عَدَل عن ذلك وعمل على ظاهرِ افتتاحِ الرسولِ بها وأمره بكتبها للفصل بين السّور، وجهره بها تارة، فظَنّ بهذا أنَّها من جملة القرآن: كان بذلك غالطاً وعادلا عن بعضِ ما لزمه ووجبَ عليه في العلمِ ببيانِ الرسولِ بمثل القرآنِ وعادتهِ فيه، وكان بذلك متأوّلاً ضرباً من التأويل لا يُصيِّرُهُ بمنزلةِ من ألحقَ بالقرآنِ ما قد عُلِمَ ضرورةً من دين الرسول، وباتفاقِ أمّته أنّه ليس من القرآن.
ولأننا أيضا لسنا نقول - مع قولنا إنها ليست بقرآنٍ من الحمدِ وأولِ كل
سورة - أنّ الرسولَ ﷺ قال قولا ظاهرا معلِنا أنّ بسم الله الرحمن الرحيم ليست بآيةٍ من كتاب الله، ولا هى من جملة الحمدِ ولا مِن جملةِ غيرها، وأنّ هذا التوثيقَ سُمِعَ منه، ونَقَلَتْهُ الحجَّة ُ القاطعةُ عنه، حتى يكون من حجتِه هذا القولُ، وقال إنها من القرآنِ كافة أو بمثابةِ مَن سمع ذلك من الرسول فرده وامتنعَ من قبوله، فلم يجب إكفارُ المتأوِّل لكونها من القرآن.
وكذلك مُخطئو مخالفينا يقولون إنّه لا يجبُ إكفارُ مَن قال إنّها ليست
من الحمد ولا من كل سورة سوى النمل، لأنّ الرسولَ لم يوقف توقيفيا
стр. 214
ظاهرا معلَنا بادياً منقولا متواترا على أن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قرآن وبعضٌ لسورةِ الحمد ولكل سورةٍ هي افتتاحُها، وإنما يُعلَمُ ذلك بدليلٍ وضربٍ من الطلب والاجتهاد، فلم يجب إكفارُ جاحدِ كونها آيةً من الحمدِ أو غيرها مِن حيثُ وجَب إكفارُ جاحدِ الحمدِ جملةً أو آيةِ الدين أو غيرها من آياتِ السوَرِ المعلومِ ضرورةً من دِين النبى ﷺ توقيفُه على أنهما قرآنٌ.
وإجماعِ الأمّة على ذلك، وإذا كان هذا هكذا سقط ما توهموه، وبانَ بطلانُ
التعلّق بهذا الفصل من الفريقين جميعاً، والله الموفق للصواب.
стр. 215
(باب)
القولِه في ببانِ حكمِ كلامِ القنوت، وما رُوِيَ عن أبي من الخلاف في ذلك
فإن قاه قائل إذا كان أمرُ القرآن في الظهورِ والانتشار، وحصولِ علمِ
الأمهّ بما هو مته وما ليس من جُملته على ما ذكرتم، وجب أن يكون
أبي بن كعبٍ من أعلم الناس بذلك، وأحفظِهم له، وأشدهم حرصا عليه.
وأعرفهم بما هو منه مما ليس منه، فكيف جاز أن يذهبَ عليه مع ذلك أن
يذهب عليه أن كلام القنوت ليس من القرآن الذي أنزل، ووقفت الأمة عليه، ويجبُ - كيف دارت القصة - أن يكون أمر القرآن على خلافِ ما ادعَيتم من الظهورِ.
والانتشار بين الصحابة ومَن بعدهم، لأجل أن سورتي القنوت إما أن تكونَ
قرآنا أو ليستا بقرآن، فإذا كانتا غير قرآن فقد ذهب على أُبي وأثبتَهما فى
مصحفه، واعتقدَ أنهما قرآن، وإذا جاز ذلك عليه جاز مثلُه على غيره، وجاز منه ومِن غيره أن يعتقدوا أيضا فى كلام آخرَ مِن كلامِ رسولِ الله ﷺ والأدعية أنه من كلام الله تعالى، ولم يَأمن أن يكون فيما أثبتوه كثير.
هذه سييلُهم فيه، وإن كان دعاء القنوت من القرآن فقد عرفه أُبي وحدَه
وأثبته، وجَهِلَه وذهبَ عن علمِه جمعُ الأمَّة سوى أبى وحدَه، وإذا جاز ذلك
في سورتَي القنوت، جاز مثله فى غيرهما، وبان بذلك أن إثباتَ جميعِ ما هو
من القرآن وما ليس منه، لم يقع مِن النبى ﷺ على وجهٍ واحدٍ من
следующие страницы →