← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 1397

الانتصار للقرآن للباقلاني

الباقلاني

Полный текст (756 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

الغشية"، فهذا إنكارٌ منه شديد واعتقاد لكونِ قراءتها والافتتاحِ بها بدعةً في الدين. وروى الناسُ أنٌ عبدَ الله بن مغَفّل سمعَ ابناً له يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم فقال: "يا بُنى إياك والحدَثَ، فإني صلّيت خلفَ رسولِ الله صلى الله عليه وأبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ فلم أسمع أحداً مثهم يقرأ ببسم الله الرحمن الرحيم "، وهذا أيضا إنكار من عبد الله بن مغفّل لقراءة بسم الله الرحمن الرحيم، وإخبار عن اعتقاده واعتقادِ السلفِ أنّ فعلَ ذلك بدعة وحَدَثٌ في الدين، فكيف يمكنُ أن يُقال إنه لم يكن في السلف منكِر غيرُ ابن عباس. وحالُهم ما وصفناه. ومما يدل على أنّها ليست بآيةٍ من الحمد أيضاً ومن كل سورةٍ اتفاقُ الدهماء على أن: (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ) ثلاثين آية، وظهورِ الخبرِ بذلك عن الرسول، وقد روى شُعبةُ عن قتادةَ عن عباس الجُشَمي عن أبي هريرةَ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إن من القرآنِ سورةً ثلاثين آية، جعلت تجادلُ عن رجلٍ غُفِرَ له، وهيَ تبارك ". وقد اتُفق على أنّها إذا عُدّت مع "بسم الله الرحمن الرحيم " كانت إحدى وثلاثين آية. وكذلك قد اتفقَ القرَّاء كلّهم على أنّ الكوثرَ ثلاثُ آيات، فلو كانت بسم الله الرحمن الرحيم آيةً منها لكانت أربعَ آيات، وذلك خلافُ الإجماع.

стр. 212

فإن قيل: هي في تبارك والكوثر بعضُ آية، وفي الحمد آيةٌ تامةٌ. قيل: هذا محال، لأنّه لا يجوز أن تكون آيةً كاملةً في موضعٍ وفي غيره بعضَ آيةٍ وهي كلامٌ واحدٌ غيرُ مختلفٍ ولا متفاضِلٍ في نظمه أو عددِ حروفه، فكلُّ هذا يدلُّ على أنّها ليست بقرآنٍ ولا آيةً من الحمد ولا مِن غيرها إلا في سورة النمل. وممّا يدلّ على ذلك أيضاً قوله: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) . فلو كانت من الحمدِ ومن كل سورةٍ لحفظها الله تعالى علينا. وجعلَ لنا إلى العلمِ بذلك طريقاً، ولم ينكر سلفُ الأمّة وأكثرُ خَلَفها كونَها قرآناً من الحمدِ ومن كل سورة، كما أنّها لمّا كانت قرآناً من النّمل لم يُنكر ذلك أحدٌ ولم يُختَلَفُ فيه. فإن قيل: فإن لم تُثبتوا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قرآناً، باختلافٍ وخَبَرٍ غير متواتر فلا تثبتوا أيضاً المعوّذتين قرآناً لوقوعِ الخلافِ فيهما؟ قيل لهم: معاذَ الله أن يكونَ السلفُ اختلفوا في أن المعوّذتين قرآن. وإنّما اختلفوا فى إثباتها في المصحَف، وكان عبدُ الله بنُ مسعودٍ لا يرى ذلك، لأنّه لم يكن عنده سُنّةٌ فيهما، فأمّا أن يُنكِرَ كونَها قرآناً فذلك باطل. وشيء آخر، وهو أنّه قد ثبتَ القرآنُ بإعجازِ نظمِه وإن لم يثبت بالتواتر. والإعجاز قائم في المعوّذتين وليس هي في بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ولا خبر متواتر يعلَمُ في ذلك، فبطل ما قالوه. فإن قيل: فإذا قلتم إن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ليست آيةً من الحمد ولا من جمل سورةٍ هيَ في افتتاحها، فهل تكفّرون مَن قال إنّها من الحمد وأنّه بمثابةِ من قال إنَّ: "قِفا نَبْكِ" من الحمد أم لا؟

стр. 213

قيل له: لا، وإنما يلزمُ هذا الكلام مَن قال من أصحابنا: لو كانت من الحمد ومن كل سورةٍ لوجبَ إكفارُ من أنكر كونَها من الحمد، فيُقال له: ولو لم تكن من الحمدِ لوجب إكفارُ من قال إنّها من الحمد، وليست هذه عندَنا طريقةً صحيحةً ولا مَرضِيةً في النظرَ، ولا واجبةً في حكم الدّين، بل الواجبُ أن نقول: إن معتقِدَ كونها من الحمد ومن كل سورة، أو آيةً منزَلةً مفردةَ فاصلة بين السور: مخطىءٌ ذاهبٌ عن الحق، لأجل عُدُوله عمّا وجبَ عليه من العلم بأن الرسولَ ﷺ لو كان قد نصّ على ذلك من حكمها لوجبَ تواترُ نقلِه وظهورِه وانتشاره، ولَزِمَ في القلوبِ العلمُ بصحته، وأن ذلك عادةُ الرسول في بيانِ جميعِ ما أنزل عليه من القرآن، فلما عَدَل عن ذلك وعمل على ظاهرِ افتتاحِ الرسولِ بها وأمره بكتبها للفصل بين السّور، وجهره بها تارة، فظَنّ بهذا أنَّها من جملة القرآن: كان بذلك غالطاً وعادلا عن بعضِ ما لزمه ووجبَ عليه في العلمِ ببيانِ الرسولِ بمثل القرآنِ وعادتهِ فيه، وكان بذلك متأوّلاً ضرباً من التأويل لا يُصيِّرُهُ بمنزلةِ من ألحقَ بالقرآنِ ما قد عُلِمَ ضرورةً من دين الرسول، وباتفاقِ أمّته أنّه ليس من القرآن. ولأننا أيضا لسنا نقول - مع قولنا إنها ليست بقرآنٍ من الحمدِ وأولِ كل سورة - أنّ الرسولَ ﷺ قال قولا ظاهرا معلِنا أنّ بسم الله الرحمن الرحيم ليست بآيةٍ من كتاب الله، ولا هى من جملة الحمدِ ولا مِن جملةِ غيرها، وأنّ هذا التوثيقَ سُمِعَ منه، ونَقَلَتْهُ الحجَّة ُ القاطعةُ عنه، حتى يكون من حجتِه هذا القولُ، وقال إنها من القرآنِ كافة أو بمثابةِ مَن سمع ذلك من الرسول فرده وامتنعَ من قبوله، فلم يجب إكفارُ المتأوِّل لكونها من القرآن. وكذلك مُخطئو مخالفينا يقولون إنّه لا يجبُ إكفارُ مَن قال إنّها ليست من الحمد ولا من كل سورة سوى النمل، لأنّ الرسولَ لم يوقف توقيفيا

стр. 214

ظاهرا معلَنا بادياً منقولا متواترا على أن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قرآن وبعضٌ لسورةِ الحمد ولكل سورةٍ هي افتتاحُها، وإنما يُعلَمُ ذلك بدليلٍ وضربٍ من الطلب والاجتهاد، فلم يجب إكفارُ جاحدِ كونها آيةً من الحمدِ أو غيرها مِن حيثُ وجَب إكفارُ جاحدِ الحمدِ جملةً أو آيةِ الدين أو غيرها من آياتِ السوَرِ المعلومِ ضرورةً من دِين النبى ﷺ توقيفُه على أنهما قرآنٌ. وإجماعِ الأمّة على ذلك، وإذا كان هذا هكذا سقط ما توهموه، وبانَ بطلانُ التعلّق بهذا الفصل من الفريقين جميعاً، والله الموفق للصواب.

стр. 215

(باب) القولِه في ببانِ حكمِ كلامِ القنوت، وما رُوِيَ عن أبي من الخلاف في ذلك فإن قاه قائل إذا كان أمرُ القرآن في الظهورِ والانتشار، وحصولِ علمِ الأمهّ بما هو مته وما ليس من جُملته على ما ذكرتم، وجب أن يكون أبي بن كعبٍ من أعلم الناس بذلك، وأحفظِهم له، وأشدهم حرصا عليه. وأعرفهم بما هو منه مما ليس منه، فكيف جاز أن يذهبَ عليه مع ذلك أن يذهب عليه أن كلام القنوت ليس من القرآن الذي أنزل، ووقفت الأمة عليه، ويجبُ - كيف دارت القصة - أن يكون أمر القرآن على خلافِ ما ادعَيتم من الظهورِ. والانتشار بين الصحابة ومَن بعدهم، لأجل أن سورتي القنوت إما أن تكونَ قرآنا أو ليستا بقرآن، فإذا كانتا غير قرآن فقد ذهب على أُبي وأثبتَهما فى مصحفه، واعتقدَ أنهما قرآن، وإذا جاز ذلك عليه جاز مثلُه على غيره، وجاز منه ومِن غيره أن يعتقدوا أيضا فى كلام آخرَ مِن كلامِ رسولِ الله ﷺ والأدعية أنه من كلام الله تعالى، ولم يَأمن أن يكون فيما أثبتوه كثير. هذه سييلُهم فيه، وإن كان دعاء القنوت من القرآن فقد عرفه أُبي وحدَه وأثبته، وجَهِلَه وذهبَ عن علمِه جمعُ الأمَّة سوى أبى وحدَه، وإذا جاز ذلك في سورتَي القنوت، جاز مثله فى غيرهما، وبان بذلك أن إثباتَ جميعِ ما هو من القرآن وما ليس منه، لم يقع مِن النبى ﷺ على وجهٍ واحدٍ من

стр. 216

الإشاعةِ والإذاعةِ والإعلامِ، وقطعِ عُذرِ الكافّةِ فيه، وأنّ منه ما قد أُثبِتَتْ بظن واجتهاد، وإعمال رأيٍ وظنّ بمَن رواه لهم من جهةِ الآحاد، وشَهِدَ عندَهم من العدول بأنه سمعه من الرسول وتلقّاه، وكل هذا نقض لما أصَّلتُموه، وخلاف لما ادّعيتمُوه. يقال لهم: الذي عندنا في هذا أنّ دعاءَ القنوت ليس من القرآنِ بسبيل. ولأنه لو كان من القرآنِ لكانَ بيانُ النبيِّ ﷺ وإيعازه في أمرِه كبيانه لسائر القرآن، ولكانت الحجَّة ُ قائمةً والعادةُ جاريةً بضبطه عنه وحفظِه، وتوفر الهِمَمِ والدّواعي على إظهاره وإشهاره، فإذا لم يكن أمرُه كذلك بطلَ بُطلانا بيناً أنّه من القرآن، ولأننا أيضاً قد عَلِمنا قصورَ نظمه في البلاغة والفصاحة عن رتبة القرآن وإن كان أفصح وأوجز وأحسنَ من كثيرِ من كلام العرب، وإنما يَعلمُ ذلك ويتأملُه أهلُ العلم والفصاحة وأهلُ البيانِ والبلاغةِ والمعرفةِ بنظوم الكلام وأوزانِه وموقع معانيه، وشرفِ تأليفه ومعانيه، ومباينته لسائرِ ما قَصُرَ عن بلاغته. ويدل على ذلك أيضاً ما سنذكرُه من اتفاق أُبيّ وعبد الله وجميع الأمَّة على تصحيح مصحف عثمانَ وأنّ ما انطوى عليه هو جميعُ القرآنُ الثابت الرسم، وأنّ ما خالفه وزادَ عليه فليس بقرآن، والأمّة لا تجتمعُ على خطأ وضلال، وقد ثبتَ أنّ أُبيّا عُمِّرَ إلى زَمَنِ جمعِ عثمانَ الناسَ على مصحفه. وأنه كان أحد من حضرَ ذلك وأشادَ به بما سنذكره فيما بعدُ إن شاء الله فلعلّ أُبيًّا إن كان قال ذلك أو كتبَ الدعاءَ في مصحفه ورُقَعِهِ التي كان يثبت فيها القرآنَ إنّما قاله وأثبته على وجهِ التوهم والغَلَطِ ثم استدرك ذلك واسترجع لمّا وجدَ الأمّة دافعة لذلك وراغبةً عنه، ولمّا عَلِمَ أنها لا تجمع على خطأ وتضييع للحق.

стр. 217

وهذا هو المعتمد، لأن ذلك لو كان قرآناً على ما ظنه لوجَبَ ظهورُهُ وانتشارُه ومعرفةُ الكافة به، وعُلِمَ أن هذا هو العادةُ في نقل ما يقتضي أحواله تحزُكَ الدواعي والأسباب على نقلِه وإذاعتِه، فكلّ هذا يدل دلالةً قاطعةً على أنّ القنوتَ ليس من القرآن بسبيل. وأوّلُ ما نقولُ ما رُوي عن أُبيّ بعد تقريرِنا لهذه الدلالة على أن دعاءَ القنوت ليس من القرآن في شيءٍ أنّ أحداً لا يقدرُ أن يرويَ عن أُبيّ لفظةً واحدةً في أنّ دعاءَ القنوت قرآن نزَل، وإنما رَوى قوم عنه أنّه أثبتَ دعاءَ القنوت في مُصحفِه، وإذا لم يقُل ذلك تصريحاً ولا حُفِظَ عليه ولم يكن إثباتُه له في مُصحفه أو رقعةٍ من مصحفه يدل دلالةً قاطعة على أنّه يعتقدُ كونَه قرآنا لما سنُبينُه فيما بعدُ: بأن بهذه الجُملة أنّه لا حجَّةَ لأحدٍ فيما يُروى من إثباتِ أُبى لهذا الدعاء. ثم إذا صرنا إلى القول فيما رُوِيَ عنه من إثباتِ هذا الدعاءِ في مصحفه لم نجده ظاهراً منتشراً ولا مما يَلزَمُ قلوبنا العلمُ بصحته ويلزَمُنا الإقرارُ به والقطعُ على أُبيّ بأنه كتبَ ذلك، بل إنّما يُروى ذلك من طُرقٍ يسيرةٍ نزرةٍ روايةَ الآحاد ِ التي لا تُوجبُ العلم ولا تَقطعُ العُذر، ولا ينبغي لمسلمٍ عرفَ فضل أُبى وعقله وحُسن هَدْيِه وكثرةَ علمه ومعرفتَه بنظم القرآن ووزنه وما هو منه مما ليس من جُملته: أن تُنسَبَ إليه أنه كتب دعاءَ القنوت في مصحفه أو اعتقد أنه قرآن فإن اعتقادَ كونه قرآنا أَبْيَنُ وأفحَشُ في الغلط من كتابته في المصحف وأن يُقطع على أُبي الشهادةُ بذلك من جهة أخبار الآحاد ويُشهَد بذلك عليه، ويُشهدَ به على مَن دونَ أُبيّ من العلماء المؤمنين، وإذا كان ذلك كذلك وكنّا لا نعرفُ صحّة إثباته له بهذه الرواية: فسقطَ التعلق بها سقوطا ظاهراً.

стр. 218

ومما يدلُّ على وهاء هذا الخبر عن أُبي علمُنا بأن عثمانَ يُشدّدُ ويُصعّبُ في قبض المصاحف المخالفة لمصحفه، وفي المطالبةِ بها وتحريقِها ودرسِ آثارِها، والمنعِ من العملِ على ما فيها، وإذا كان ذلك كذلك كانت العادةُ توجبُ أن يكونَ مصحفُ أُبي أولَ مقبوض ومأخوذ، وأن يكون عثمانُ تَسَرعَّ إلى مطالبته وحرصِه على قبضه وتحصيلهِ أشدّ من تسرعه إلى مصحف غيره ممن تَنقُصُ رتبتُه عن منزلته، ولا تتعلَّقُ القلوبُ وتتطَلّعُ النفوسُ إلى ما عندهُ وما في مصحفه، وقد جاءت الروايةُ عن محمد والطُفَيل ابنَي أُبيّ بن كعبٍ وأنّهما قالا لوفدٍ من أصحابِ عبد الله عليهما يطلبُ مصحف أبيهما، فذكرا أنّه قد قبَضه عثمانُ منه، وإذا كان ذلك كذلك، وجبَ أن يكونَ مصحفُ أُبيّ الذي فيه إثباتُ هذا الدعاء - إن كان ذلك على ما رُوِي - مما قد أُخذ وقُبِض، فكيف بَقِيَ حتى رآه الناسُ ورووا أنّه كان عند أنس بن مالك وأنّه كان فيه دعاءُ القنوت! ويقولُ بعضُهم: هذا لا أصلَ له، وقد رأينا مصحف أنسٍ الذي ذكر أنه مصحفُ أُبيّ وكان موافقا لمصحفِ الجماعة بغيرِ زيادةٍ ولا نقصان، ولو صحّ وثبتَ أنه وُجِدَ مصحفٌ يُنسب إلى أُبيّ فيه دعاءُ القنوت لوجب أن يُعلم أنّه متكذّب موضوعٌ قُصِدَ بوضعه لفساد الدين وتفريق كلمة المسلمين والقدح، في نقلِهم، والطعن في مصحفهم الذي هو إمامُهم، ولا ينبغي لعاقلٍ أن يقطعَ الشهادةَ على أُبيّ بأنّه أثبتَ دعاءَ القنوتِ في مصحفه واعتقد أنه قرآنٌ بوجود صحيفةٍ ذلك فيها يُذكَرُ أنّه مصحَفُ أُبيّ من وجهٍ لا يُوجبُ العلم ولا يقطعُ العُذر ولا يَحُلّ في الظهور والانتشار محلّ ما من شأنه أن يظهر عن مثل أُبيّ ويكثرُ الخوضُ فيه والروايةُ له.

стр. 219

وكذلك فلا يجبُ أن تُقطع الشهادةُ بذلك برؤيةِ صحيفة هذه سبيلُها على مَن هو دونَ أُبي من المؤمنين، وأن الوضعَ والكذبَ والتلفيقَ قد يُرسَمُ في المصحف ويُنسَبُ إلى أهل الفضل لقصد ما ذكرناه، وإنَّما يجبُ أن يُقطَعَ على أن الكتابَ والمصنَّفَ كتابُ الرجل وتأليفُه، وثبتت الشهادةُ عليه بذلك بالأخبارِ المتظاهِرة المستفِيضة الموجِبة للعلم دونَ وجود الكتابِ فقط. وبمثل هذه الأخبار أثبتنا مصحف عثمانَ وأنّه جمَعَه، وبمثلِها علمنا أنّ "موطأ مالك " و "رسالة الشافعي " و "مختصر المُزَني " و "العينَ " للخليل و"المقتَضَب " للمبرد: من تصنيفِ من يُنسَبُ إليه من العلماء، لا بوجود الكُتُب والصحف فقط التي لا تُبينُ عن نفسِها ولا تُخبِرُ عن صحتها وبطلانها، فإذا كان ذلك كذلك لم يكن في وجودنا أيّةَ نسخةٍ أو بأيّة نسخةٍ فيها دعاءُ القنوت منسوبةً إلى أُبيّ ما يوجبُ القطع عليه بدلك والعلم بأنه مِن جمعِهِ وإثباتِه، فبان أنه لا تعلُّقَ لهم في هذه الآية. وقد ذكر الناسُ أن الذي لَهَجَ بذكر ذلك على أُبي وخاض فيه وأشاعَ ذكره عنه أصحابُ عبد الله بن مسعود، وأن الداعيَ كان لهم إلى ذلك شدةُ حرصهم وعنايتِهم بطلب كلّ مصحفٍ يُخالِفُ مصحف عثمان بما قلّ أو كثر ليجعلوا ذلك حجّةً وذريعةً إلى تسهيل سبيل مخالفة الناس لمصحفِ عثمانَ والعملِ به وبغيره من مصحفِ عبدِ الله وأُبيّ وغيرِهما، وكان هذا سببَ ذكر الناس لهذه القصة عن أُبيّ، فروى بِشْرُ بن سعيدٍ عن محمد بن أُبى بن كعبٍ

стр. 220

أنه قال: "قَدِمَ ناس من أهل العراق إليَّ فقالوا: إنا قد أعمَلْنا إليك المُطِيّ ، من العراق، فأخرِج لنا مصحفَ أُبيّ، فقُلت لهم: قد قبضه عثمانُ، فقالوا: سبحانَ الله! أخرجهُ إلينا، فقلت: قد قَبضَه عثمان. وروى صدقةُ بن زياد عن أبي نُعَيم عن الطُفَيل بن أُبي بن كعب أنه قال: قَدِمَ أربعةُ نفرٍ من أهل الكوفة بعدَ وفاة أُبى في خلافة عثمان فقالوا: إنا قدمنا إليك لتُخرِج إلينا مصحف أبيك لنَنظُر فيه، فإن أباك كان أعلم الناس بالقرآن، فقُلت: قد قبضَه عثمانُ، فقالوا: سبحان الله! ما لعثمانَ ولمصحفِ أبيك؟ قلت: ما لعثمانَ ولكن عمرَ بن الخطاب حَزقها". فهذا يُنبِىءُ عن قبض عثمان لمصحف أُبي على ما قد بيناه مِن قبلُ. وعلى ما ذكرناه من شدة حرصِ أهل العراق وطَمَعِهم في أن يَعثرُوا على مصحفٍ يُخالِفُ مصحف عثمان، فقد يجوزُ إذا كان ذلك كذلك وتحدث متحدث وقال: إتي رأيتُ عندَ أنسِ بن مالكٍ أو غيره مصحفاً هو مصحَفُ أُبي فيه دعاءُ القنوت: أن يُكثِرَ أصحابُ عبد الله ذكر ذلك ويجعلوه حجةً في الامتناع من تسليم مصحفِ عبد الله وغيره من المصاحفِ المخالفة لمصحف عثمان، لظنّهم صدقَ هذا الراوي وإن لم يكن لذلك أصل، وإذا كان ذلك كذلك بطلَ التعلق بهذه الروايةِ الشاذّةِ الموجبة لخلاف ما عليه العادةُ في شُهرة ذلك عن أُبي وما هُو عليه من معرفة القرآن وحُسن تلقّيه ووجوب علمه ومعرفته بتمييزِه مِن غيره.

стр. 221

على أنه لو صحَّت الروايةُ عن أُبى بإثباتِ دعاءِ القنوتِ في مصحفه من وجهٍ لا يمكن جحدُه والشك فيه لوجَبَ أن يُحمَلَ ذلك منه على وجهٍ لا يقتضي اعتقادَ كويهِ قرآناً ومخالفةِ الجماعة في ذلك، بل على ما يُوجِبُ موافقةَ الأدلة التي قدَّمنا ذكرَها، وهو أنْ يكون أُبى لمَّا وجدَ دعاءَ القنوتِ وداوَمَ عليه رسولُ الله ﷺ وصارَ سُنةً متأكدةً وبابا من أبواب الشريعة وعملاً من أعمال الصلاة يجب حفظه والمواظبةُ عليه: رأى أن يثبِتَه في آخر مصحَفه أو تضاعِيفه إن كان مصحفُه مثبَت على قدر ما كان من أخذِه وحفظه للقرآن على غيرِ ترتيبِ السُّور وتاريخ نزوله، لكي لا يذهب عليه كلمة ولا حرف من الدعاء، لا على أنه قرآن منزَل ومما قد قامت الحجة به، فهذا غيرُ ممتنعٍ ولا مدفوعٍ. ويمكنُ أيضاً أن يكونَ لم يثبت دعاءَ القنوت في مصحفه، ولكن في صحيفةٍ أو ورقةٍ كان فيها كلام أرادَ نقلَه وضمه إلى المصحف، وكما يتفقُ للناس مثلُ ذلك عند الحاجَةِ إلى التعليق والضبط، فلما حُمِلَت الصحفُ والرقاعُ إلى أبي بكرٍ الصديقِ رضوانُ الله عليه لِيَجمعَ ما فيها ويَضُمه ويجعلَه إماما وجد دعاءَ القنوت في بعض ما كان عند أبى، ثم درس ذكرُ ذلك والخوضُ فيه والسؤالُ لأبى عنه لعلمه بارتفاعِ الشُبهة عنه في أنه دعاء ليس بقرآن، فلما تمادى الزمانُ وجمع عثمانُ الناس على مصحفه وحرقه جدد ذكره لذلك مجدداً وأعاده وأبداه ليجعل ذلك ذريعةً إلى مخالفة عثمانَ وتسهيل سبيلٍ لقرآنٍ غير ما في مصحفه وظهوره. وقد يُمكن أيضاً أن يُحمَلَ أمرُ أُبي في هذا الباب على غاية ما حاولوه من أمره، وهو أن يُقال إن ذلك إن صحَّ عن أُبي فإنه إنما فعلَ ذلك لأنه اشتبَه عليه دعاءُ القنوت وظن لفصاحته وبلاغته ووجدانه مداومةَ الرسول ﷺ -

стр. 222

عليه في صلواته وفتتاحِ عمر بن الخطاب وغيوه من الصحابة ببسم الله الرحمن الرحيم في قُنوته وفي أول التشهد في الصلاة، فقدر لأجل هذا أجمع أنه من جُملة القرآن فأثبته معه، فقد روِي عن عطاء عن عبيد بن عميرٍ أنّ عمر بن الخطابِ كان يقول في قتوته بعد دعائه للمؤمنين ودعائه على الكَفَرة: "بسم الله الرحمن الرحيم اللهم نستعينك ونستهديك ونثني عليك الخيرَ، ونشكرُكَ ولا نكفرك" ونخلع وتترك من يكفرك، بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتكَ ونخافُ عذابك، إن عذابك الجد بالكفار مُلْحَق. وهذا القدرُ لا يدل على أنّ الدعاءَ من القرآن، كما لا يدل افتتاح كثير من كلامِ التشهدِ ببسم الله الرحمن الرحيم على أنه قرآن.. وقد روى عبد الرزاق عن ابن جريج قال: قلت لنافع كيف كان ابن عمر يتشهد، قال: كان يقول: بسم الله الرحمن الرحيم التحيات لله الصلوات الطيبات ا@طييأ@) ! . وروَي عن طاووس أنه كان يقول في التشهد: "بسم الله الرحمن الرحيم التحيات المباركات والصلوات والطيبات لله " إلى آخر كلام التشهد وروى الحارث عن عليّ ﵇ أنه كان إذا تشهد قال: بسم الله الرحمن الرحيم فإذا رأى

стр. 223

أبي مداومة الرسول ﷺ على ذلك وافتتاح علي وعمر به جاز أن يظن أن ذلك كان قرآنا منزلا فيلحقه بالمصحف. فإن قالوا على هذا الجواب: فأبي على قولكم لم يكن يعرف وزن القرآن من غيره! قيل لهم: معاذ الله! بل كان من أعرف الناس بذلك، ولكنه ظن أن دعاء القنوت وإن قصر عن رتبة باقي السور في الجزالة والبلاغة فإنه يجوز أن يكون قرآنا، وأن يتعذر أن يؤتى بمثله، وإن كان غيره أبلغ من القرآن، كما قد قال الناس: إن من القرآن ما هو أوجز وأفصح وأبدع مما سواه عنه، وإن كان معجزا كله، قوله تعالى: (فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا) ، وقوله تعالى (وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ) ، وقوله تعالى (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩) . فهذا أوجز وأفصح من مثل قدره من غيره ولو كان معجزا كله إذا بلغ قدر سورة أو آية في طول السورة. وقد زعم قوم أنه لا يمتنع أن يكون دعاء القنوت كان قرآنا فنسخ أو أزيل فرض كتابته وتلاوته مع القرآن لما فيه من فصاحة النظم وجزالته ومناسبته ومقاربته لنظم القرآن، وإن كان هذا هكذا فإثبات أبي له كإثبات قوم غيره لأشياء نسخت بعد أن أنزلت، وإنما لم يجب أن يسيغ نقل دعاء القنوت ما يظهر على هذا الجواب كظور نقل غيره مما يثبت، لأجل أنه لما نسخ انصرفت الهمم والدواعي عن نقله وإحاطته إلا في موضع الدعاء به فقط، كما انصرفت هممهم عن نقل كثير مما نسخ رسمه وتلاوته، ففي هذا نظر! أعني قولهم إنه معجز، لأن نظمه مباين لنظم القرآن وغير خارج عن

стр. 224

وزن كلام العرب، ولكن يحتاجُ ذلك إلى لطيفِ فكرٍ وتدبُر ونقلٍ وتأملٍ. وما يُعلَم أن أحداً من الأمَّة يُنكِرُ أن لا يكونَ العلمُ بكون جميع القرآن معجزاً مما يُعلم بالبَدِيهةِ وبأول سماعٍ حتى يعرف أن دعاءَ القنوت ليس بمُعجِزٍ كما يَعرِفُ أنه كلامَ أعيى الناسِ وألكَنهم ليس بمعجز، ويعرفُ أن الناسَ والفَلَقَ مُعجِزتانِ بأولِ سماعٍ لهما، كما يَعرِفُ بأن البقرةَ وآل عمران مُعجز باهِرٌ بأول سماع، بل لا يُنكر أن يكونَ مما ليس بمُعجزٍ من الكلام ما يكادُ أن يخفى ويُقارب، فيحتاج إلى تأمل، وأن بعضَ ما هو مُعجز إذا كان يسيراً قليلاَ كالناس و (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ) احتاج في العلمِ بأَنه مُعجِزٌ إلى نظرٍ دقيقٍ وفكرٍ وتحر بقدرِ شَرَفِ نظم الكلام ومعانيه، وعدد ما يشتملُ عليه من المعاني الصحيحةِ والمقاصدِ الكثيرة، وإذا كان ذلك كذلك جازَ أن يكونَ حالُ أُبي محمولةً في ذلك على بعض هذه الوجوه التي ذكرناها. وقد زعمَ أيضًا بعضُ الناس أن دعاءَ القنوتِ مُعجزٌ قاهر من كلام رسولِ الله صلى الله عليه، وإنه لا يمتنعُ أن يكونَ المعَجزُ من الكلام والنظم ضربَين: أحدُهما: كلامُ الله، والآخرُ: كلام لرسوله، وفي هذا نظرٌ أيضاً. لأن رسولَ الله ﷺ ما ظهر عندَ التحدي بمثلِ شيءٍ من كلامه، ولا ادعى ذلك قط لنفسه، ولو كان ذلك كذلك لظهرَ ذلك عنه وعُلِمَ من حاله، ولكان ذلك زيادةً في حُجته، ولأن ذلك أيضا لو فعلَه عند قومٍ لعادَ بتهمته ودخولٍ الشُبهة على سامع كلامِ الله منه، وظنه أنه من بلاغته هو صلى الله عليه ونظمه، ورجع بالشك في ثبوته، والله تعالى قد حماهُ مما هو دون ذلك من قول الشعر المعروف عندَهم، ومن أن يَخُط كتاباً أو يتلُوَه قبلَ نبوته، لئلا يظنوا أنه من تقوله وأنَّه افتراه ونَظَمَه، أو أنه مما وجده في الكتبِ ولُقنَه. ولأجل أن تأملَ كلام القُنوت ينبي مَن عرفَهُ أنه ليس بمُعجِز البشر عن الإتيانِ بمثله وإن كان من فصيح الكلام ووَجِيزِه وبليغه، فوجَبَ أنه لا معنى

стр. 225

لهذا القول ولا الذي قبلَه، ووجبَ أن يُحمَلَ أمرُ أُبى في ذلك إن صحَّ الخبرُ عنه على بعضِ ما قدمناه، وإن لم يصحَّ فقد كُفِينا مُؤنة تَطَلُّب تأويلٍ له. وهذا هو الثابتُ أعني بطلانَ هذه الروايةِ عنه وتكذُبَها، وليس يُروى ذلك إلا عن ابنِ سِيرينَ وآخرَ معه، أنهم قد وجدوا مصحَفا عند أَنس ذكر أنه مصحفُ أُبى، فيه دعاءُ القنوت، ومثلُ هذا لا يثبتُ فيه على أُبيّ إدخالُ شيءٍ في القرآن ليسَ منه. وروى بعضُ المعتزلة القَدَرية عن عمرو بن عبيدِ أنّه قال: "رأيتُ مُصحَفا كان لأنس بن مالك قرأه على أُبي بن كعب، فكان فيه دعاءُ القنوت"، وهذا أوهى وأضعفُ وأولى بالرّد من الأول، قال أبو الحسن علي بن إسماعيلَ الأشعري: "وقد رأيتُ أنا مصحف أنسٍ بالبصرة عندَ بعض ولد أنس، فوجدتُه مساويا لمصحفِ الجماعةِ لا يغادرُ منه شيئا"، وكان يُروى عن ولدِ أنسِ عن أنسٍ أنّه خَط أنسٍ وإملاءُ أُبي، وإذا كان ذلك كذلك وجبَ أن يكونَ ما رواه من ذلك باطلاً لما ذكرناه من العادة في بيانِ القرآن وقلة شهرة ذلك عن أُبيّ، ومعارضة الأخبارِ الثابتةِ لهذه الروايةِ بأن مصحفَ أنسٍ كان موافقاً له، وشهادةِ الطُفَيل ومحمد ابنَي أُبيّ أن عثمانَ قبضَ مصحف أُبيّ، فوجبَ بهذه الجملة وضوحُ سقوط التعلُّل بهذه الرواية. والاستنادِ في الطعن في نقل القرآن وإبطال شهرة بيانه، وظهور نقله، وحفظ الأمة لجميعه إلى مثلها والاعتماد عليها.

стр. 226

(باب) القول في ترتيبِ سُوَرِ القرآن وهل وقع ذلك منهم عن توقيف أو اجتهاد فإن قالوا: كيف يسوغ لكم أن تدعوا أن بيان الرسول ﷺ وقع شائعا ذائعا مستفيضا، وأن القوم حفظوا ذلك عن رسول الله ﷺ وهم غير عالمين بترتيب سور المصحف ونظامها بل مختلفون في ذلك اختلافا شديدا، فمنهم من رتب في أول مصحفه الحمد، ومنهم من جعل في أوله (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) وهذا أول مصحف علي ﵇ فيما رواه عنه الزبير بن عبد الله بن الزبيرعن زياد الأخرم قال: مررت على محمد بن عمر بن علي فقال: ألا أريك يا زياد مصحف علي؟ قال فأراه فإذا أوله (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) فأما مصحف ابن مسعود فإن أوله فيما رواه (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) ثم البقرة. روى ذلك طلحة بن مصرف أنه قرأ على يحيى بن وثاب وقرأ يحيى على علقمة

стр. 227

وقرأ علقمةُ على عبد الله، وأنّ تأليفَ مصحفه كان (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) ، ثم سورةُ البقرة ثم سورةُ النساء، ثم كذلك على ترتيبٍ مختلف لا حاجة إلى الإطالةِ به، وأما مصحفُ أُبيّ فقد روى بعضُ ولد أنسٍ عن أنس أن مصحفَ أُبي كان عنده، وأن أولَه الحمدُ والبقرةُ والنساءُ، ثم آلُ عمرانَ ثم الأنعامُ ثم الأعرافُ ثم المائدةُ ثم كذلك على اخَتلافٍ شديدٍ في ترتيب السور. وقد رُوِيَ من الاختلافِ ما هو أكثرُ من هذا، فإن جازَ أن يكونَ الرسولُ - قد وقف على ترتيبِ السورِ وتأليفها، وقد ذهب عليهم علمُ ذلك حتى صاروا في الاختلاف إلى مثل هذا الحد، فلِمَ لا يجوزُ أن ينُص على قرآنٍ ويُوقِفَهم عليه وإن جازَ أن يختلفوا فيه عنده وأن يُقَر به قوم ويجحدَه آخرون، وهذا يُبطل أيضاً ما ادعيتموه من ظهور نقل القرآن وحصول بيانه على وجه يُوجبُ العلم ويقطع العذر. فيقال لهم: أما اختلافُ مصاحفهم في ترتيب السُّورِ فإنه كالظاهر المشهور وما يدفعه، وإن كان في الناس من يُنكرُ ذلك ويقولُ إن هذه الأخبار أخبارُ آحادٍ غير أننا لا نقول - مع إثبات اختلافهم في ترتيب السور - إنه قد كان من الرسول صلى الله عليه توقيف على ترتيبها وأمر ضُيق عليهم في تأليفها إلا على حسب ما حده ورسمه لهم، بل إنما كان منهم تأليفُ سُوَرِ المصحف على وجه الاجتهاد والاحتياط وضم السُّوَر إلى مثلها وما يقاربُها، وإذا كان ذلك عندَنا كذلك سقط ما توهمه السائلُ - وقد زعم قوم أنّ تأليف السور على ما هو عليه في مصحفنا إنما كان توقيفا من الرسول لهم على ذلك وأمر به، وأن ما رُوِيَ من اختلاف مصحف أبيّ وعلي وعبد الله ومخالفة سائرهم لمصحف الجماعة إنما كان قبلَ العصر الأخير، وأن رسول الله ﷺ رتب لهم تأليفَ السُّور بعد

стр. 228

أن لم يكن فعل ذلك، والذي نختارُه ما قدّمناه، وفيه سقوط ما ظنّوا القدح به في ظهور نقل القرآن واستفاضته. واعلموا رحمكم الله أن مَن قال من أهل العلم إنَّ تأليفَ سور المصحف كان واجباً عن توقيف من الرسول لا يقولُ مع ذلك إنَّ تلقين القرآنِ وتلاوته والصلاة به يجبُ أن يكونَ مرتّباً على حسب الترتيب الموقف عليه في المصحف، بل إنّما يُوجبُ تأليف سُوَرِه كذلك في الرسم والكتابة، ولا نعلمُ أحداً منهم قال إنَّ ترتيبَ ذلك واجب في الصلوات المفروضة وغيرها، وفي تلقِين القرآنِ ودرسه، وإنه لا يَحِل لأحد أن يتلقّن الكهف قبلَ البقرة، ويقرأ في صلاته الحجّ بعدَ الكهف، ولا أن يدرس البقرة ثم يدرس بعدها النحل والرعد، هذا مما لا نعرفُه مذهبا لأحدٍ وإن كان وجوبُ الترتيب في الرسم والكتابة مذهبا لجماعةٍ من أهل العلم والقرآن، والذي نقوله: إنَّ تأليف السور ليس واجباً في الكتابة ولا في الصلاة ولا في الدرس ولا في التلقين والتعليم، وإنّه لم يكن من الرسول في شيءٍ من ذلك نصّ على ترتيب وتضييق لأمر حدّه لا يجوزُ تجاوُزُه، فلذلك اختلفت تأليفاتُ المصاحف التي قدَّمنا ذكرَها، واستجازَ الرسولُ والأئمةُ من بعده وسائرُ أهل أعصار المسلمين تركَ الترتيب للسور في الصلاة والدرس والتلقين والتعليم. فإن قالوا: وما الدليلُ على صحَة قولكم هذا؟ قيل لهم: الذي يدلّ على ذلك أنه لو كان من الرسول نص وتوقيف ظاهر على وجوب ترتيب تأليف السور في الكتابة والرسم لوجب ظهورُ ذلك وانتشارُه وعلمُ الأمَّة به، وأن يُنقَل عنه نقل مثلُه، وأن يَغلبَ إظهارُ ذلك وإعلانُه على طَيه وكتمانِه، كما أنه لمّا كان منه نص وتوقيف على سُوَرِ

стр. 229

القرآن وجب نقلُه وظهورُه، كذلك لما كان منه نص وتوقيفٌ على سُوَر القرآن وجب نقلُه وظهورُه، وكذلك لمَّا كان منه نصّ وتوقيفٌ على وجوب ترتيب آيات كل سورة من السور والمنع من تقديمِ كتابة بعضِها على بعض وتلاوة بعضِها قبل بعضِ: نقِل ذلك عنه وظهر، واتفقت الأمَّة على وجوب ترتيب الآيات ِ وحَظْرِ تقديم بعضِها على بعضِ وتغييرها في الكتابة، والتلاوةُ وغيرُ ذلك، فكذلك لو كان منه صلى الله عليه توقيفٌ على ترتيب سور القرآن لنُقِل ذلك عنه، وعُرِف من دينه، ولم يُختَلف في تأليفِ السور في المصاحف الاختلاف الذي قدّمناه، فوجبَ بذلك أنه لا توقيفَ من الرسول صلى الله عليه على ترتيبِ تأليف سُور القرآن. ومما يدلِّ أيضا على صحة ما قلناه ويؤكّده ما رواه يزيذ الرقاشي عن ابن عباسِ قال: فلت لعثمانَ بن عفان: ما حمَلَكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهى من المثاني وإلى براءة وهي من المئين فقرنتم بينهما ولم تكتبوا بينهما سطر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ووضعتموها في السبع الطِّوال، فقال عثمان: "كان رسولُ الله ﷺ يأتي عليه الزمانُ وهو ينزلُ عليه من السُّور ذوات العدد، فكان إذا نزل عليه الشيءُ دعا من يكتب له فيقول: "ضعوا هذا في السورة التي يُذكر فيها كذا وكذا"، وإذا نزلت عليه الآيات قال: "ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا"، وإذا نزلت عليه الآيات قال: "ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا" قال: وكانت الأنفال من أول ما نزلَ بالمدينة، وكانت براء" من آخر القرآن فكانت شبيهةَ بقصتها، فظننت أنّها منها، وقُبض ﷺ ولم يبيّن أنّها

стр. 230

منها، فمن أجل ذلك قَرَنتُ بينهما، ولم أكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم ووضعناها في السبع الطَوال ". فهذا تصريحٌ من عثمان بأنَّه لم يكن من الرسول نص على وجوب تأليف الأنفال إلى براءة، وأنهم إنما عملوا ذلك بالرأي والاجتهاد الذي ذكره عثمانُ عن نفسِه، وما غلب على ظنّه، وليس في الأمّة من يفرق بين تأليف السورة فيجعلُ بعضَه مضيّقاً مُوقَفَا على ترتيبه وبعضه موسّعا ومخيّراً فيه وغير منصوص على تأليفه، فلذلك لم يجز لأحد أن يقول: إنما ترك رسولُ الله ﷺ التأليف والترتيب في الأنفال وبراءة فقط، وأوجبه ونصّ عليه في غيرها. فإن قال قائل: فهل تزعمُون أنّ ظن عثمان لكون براءة من الأنفال لشبه قصتها بقصتها صحيحٌ وأمرٌ يجوزُ الاعتلالُ به؟ قيل له: لا، ولسنا نعلمُ قطعاً أن كلام عثمان خرج على هذا الوجه، بل لعله خرج على وجه آخرَ بزيادةِ لفظة ونقصان لفظة اختصرَه الراوي أو زادَ فيه، ويدل على ذلك أيضا أنّ عثمانَ قد قال وعَلِمَ أن كلّ واحدة من السورتين لها اسمٌ يخُصها وعَلَمٌ تُعرَفُ به، وأنه قد كان يتلقى إحدى السورتين على عهد الرسول، وبعده مَن لا يحفظُ الأخرى ولا يعلمُها ومَن يضمُ إلى تعلُّم الأنفال سورةً أخرى مما بعدَ براءة، وكلُّ هذا يُوجِبُ أنّهما سورتانِ منفصلتانِ تُعرَفُ كل واحدة منهما بغير التي تُعرَفُ بها الأخرى. وليس تركُ الفصل بينهما بكتب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ دليلاً على أنّهما سورة واحدة، لأنه قد يجوزُ أن يكون إنما لم يكُتب في أول براءة بسم الله الرحمن الرحيم لما قدَّمناه من قبلُ من كونها نازلة بالسيف لا أمانَ فيها، أو لغمر ذلك، لا لأنها من جملة الأنفال، ويدلُّ على صحة ما قلناهُ ويوضحُه ما

стр. 231

رواه ابن جريج عن يوسف بن ماهك قال: "إني عند عائشة إذ جاءها عراقي فقال: أريني مصحفك، قالت: لم؟ قال لعلي أؤلف القرآن عليه، فإنا نقرؤه غير مؤلف، قالت: فلا يضرك أيُّهُ قرأت قبل، إنما نزل أول ما نزل من المفصل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا تاب الناس نزل الحلال والحرام، لقد أُنزل بمكة - وأنا جارية ألعب - على محمد ﷺ (وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ (٤٦) . وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده" ثم أخرجت إليه مصحفا، فجعلت تملي عليه. فهذا أيضا نص من عائشة ﵂ على سقوط فرض ترتيب سور القرآن، وأنه لا يجب أيضا تأليفه على تاريخ نزوله، ولو قد كان من الرسول ﷺ نص في ذلك يوجب العلم ويقطع العذر لوجب شهرته، وأن تكون عائشة أقرب الناس إلى علمه وأعرفهم به، ولم تكن بالذي يقول لا تبالي بأيه بدأت قبل" وهذا يدل على أنهم كانوا مخيرين في تأليف السور، وكان مردودا إلى رأيهم واجتهادهم. فأما استلال من استدل على إسقاط وجوب ترتيب السور والمصحف وتأليفها على ما هي به في الإمام بأن الرسول ﷺ كان يقرأ في إحدى الركعتين ويقرأ في التي بعدها بغير التي تليها، وأنه كان يعلم أن في الناس من يتحفظ السورة ويأخذ بعد الفراغ من حفظها في حفظ غير التي تليها، وأن فيهم من يتعلم المفصل قبل الطوال ويقتصر عليه، وأن فيهم من يدرس السور على غير هذا الترتيب الذي في المصحف فلا ينكر ذلك

стр. 232

ولا يرُدُّه، وأن عمل الأمّة بذلك مُستَقْرَأٌ إلى اليوم في تلقي القرآنِ على هذه السبيل، ودرسه أيضاً كذلك، والصلاةِ به على غير تأليف، وأن ذلك أجمعَ ينبني عن أنه لا توقيفَ من الرسول في تأليف سوره، فإئه باطل لا حجة في شيء منه، لأنّ هذا أجمع يدلُّ - لعَمْرِي - على أن تأليف السور غيرُ واجبٍ في التلاوة والدرس وفي الصلوات وفي الحفظ والتلقين والتعليم، وذلك لا يدل على أنه ساقط في الكتابةِ وتأليفِ المصحف، لأن رسولَ الله صلى الله عليه لو قال نصّا: " إذا تحفَّظتُم القرآنَ أو درستُمُوه أو لَقنتموه أو تَلَقيتموه أو صليتم به فلا جُناحَ عليكم في البداية بأي السور شئتم، ولكم الخيارُ في ذلك، وإذا أنتم درستموه وكتبتموه فعليكم أن تُؤلفوه على هذا الضرب من التأليف الذي عليه مصحفُ عثمانَ، ويجبُ أن تكتبوا كذا قبلَ كذا، وكذا بعدها، لم يكن ذلك مستحيلاً ولا ممتنعا ولا مما لا يجوز أن يكونَ لطفاً ومصلحةً وعائداً بالاحتياطِ للإمام الذي يُكتَبُ فيه القرآنُ لا يقع مختلِطاً اختلاطاً يمكنُ أن يُوقَع معه الشك فيه، وإن يُدخَلَ فيه ما ليس منه وإن لم يكن يجبُ الترتيبُ في التلقين والتحفُظ والدرس وفي الصلاة، وإذا كان ذلك كذلك لم يجب أن يكون ما دل على سقوط الترتيب في أحد الموضعين يدلُّ على سقوطٍ في الآخر وقد أجاز المسلمون اللفظَ بأحرفٍ في القراءة. لا يجوز إثباتُها في المصحف على ذلك اللفظ، وإثباتُ أحرف في المصحف لا يجوز التعلق بها كذلك، وإذا كان ذلك كذلك بطل اعتبارُ أحد الأمرين بالآخر بطلاناً بيناً. واستدل أيضاً قوم على سقوط ترتيب تأليف السور بأنه قد عُلمَ أنه ليس في الدنيا مترسِّل أديبٌ ولا شاعر مُفلق ولا خطيب مصقعٌ يأخذُ الناسَ بترتيب تأليفِ قصائدِه وخُطَبِه ورسائِله، وإنما يريدُ أن يحفظوا قصيدةً منها على

стр. 233

ترتيب نظمها وتأليف أبياتها وسياقِ بيانها، ثم لا يُبالي أيهما كُتِبَ في ديوانه أولاً وآخراً ووسطاً، كذلك المترسلُ والخطيب. قالوا: فكذلك رسولُ الله صلى الله عليه إنما أرادَ من الأمّة حفظ السُّوَر وتلاوتها على نظامها وترتيبِ آياتِها فقط، ولم يُرد منهم تأليفَ كل سورةٍ منها قبلَ صاحبتها. وهذا أيضاً باطل من الاعتلالِ لا حجّةَ فيه، وذلك أنّه لا يجبُ القياسُ في مثل هذا، لأنّه لا يمتنع على قول أحدٍ أن يعلم اللهُ سبحانه أنّ من مصالحِ الأمَّة أو بعضها أو من اللطف للرسولِ فقط: الأمرَ بتأليف السور على وجهٍ مخصوصٍ لا "يتجاوَزُ ولا يَحِل سواه، وكذلك الأمرُ في الحفظ والتلاوة، ولا وردَ بذلك سمع وأن ذلك واجب كان نصه واجباً علينا، وإن لم يجب حملُ وجوبِ ترتيبِ قصائد الشاعر وخُطَب الخطيب. وإذا كان ذلك كذلك سقطَ ما قالوه. ويدلُّ على فساد ذلك أيضاً أنه حرام غيرُ جائزٍ قراءةُ السورة منكوسةَ الآيِ والأحرف مِن آخرها إلى أولها وإن لم يُحرم ذلك في كلامِ الخُطبة والرسالةِ وإنشادِ القصيدة، وليس ذلك إلا لأن الله سبحانه أوجبَ ذلك في القرآنِ وحظَرَ تجاوزه، وأسقطه في الخُطَب والرسائلِ والشعرِ ولم يُوجِبْهُ. وإذا كان ذلك كذلك سقطَ هذا الاعتبار، وفيما قدمناه من الأدلة على ذلك غِنىً عن هذه التلفيقات. فأما مَن زعم أنّ الرسولَ قد نصَّ على تأليف سُوَرِ القرآنِ ورسمِها في المصاحف على ما هيَ عليه من الإمام فقد استدلَّ على ذلك بأمورٍ لا حُجةَ في شيءٍ منها، فمِن ذلك أن قالوا: قد اشتُهِرَ عن بعض الشَلَف وهو عبدُ الله ابن مسعود وعبد الله بن عمرَ أنهما كَرها أن يُقرأَ القراَنُ منكوساً، فرُويَ أنّ عبدَ الله بن مسعودٍ سئِلَ عن رجلٍ يقرأ القرآنَ منكوساً فقال: "ذاك منكوسُ القلب". وأن عبدَ الله بنَ عمرَ ذُكِرَ له أن رجلاً يقرأ القرآنَ منكوساً فقال:

стр. 234

"لو رآه السلطان لأدبه" وكلام هذا نحوه، قالوا: يدل ذلك على وجوب ترتيب السور وتأليفها في القراءة والرسم. وهذا لا حجة فيه، لأنهما إنما عنيا بذلك من يقرأ السور منكوسة ويبتدأ من آخرها إلى أولها، لأن ذلك حرام محظور، وفي الناس من يتعاطى هذا في القرآن وفي إنشاد الشعر فيُذلل عند نفسه بذلك لسانه ويقتدر به على الحفظ، وذلك مما حظره الله تعالى ومنعه في قراءة القرآن لأنه إفساد للسورة ومخالفة لما قصد بها وتجاوز لما حد في كتابتها وتلاوتها، وليس يريد بذلك من قرأ القرآن من أسفل إلى فوق، ومن بدأ بـ آل عمران وثنى بالبقرة وكيف يريدون ذلك وهم قد علموا اختلاف تأليف المصاحف، وأن في الأمة من يبدأ بحفظ ما خف من المفصل ثم يرتفع إلى حفظ ما طال وصعب، ومنهم من يحفظ متفرقا من المواضع المختلفة ويتلوه كذلك، ومن يصلي به في فرائضه ونوافله على هذا الوجه، وهو مذموم بل عمل الأمة على تجويز ذلك وأنه شائع مستقر إلى اليوم، وقول ابن مسعود: "ذاك رجل منكوس القلب" إنما خرج على وجه الذم، فلا ذم على من قرأ البقرة وثنى بالنحل لو صلى كذلك، فثبت أن التأويل ما قلناه. ويدل على ذلك قول ابن عمر: "ولو رآه السلطان لأدبه أو عاقبه"، وقد عُلم أنه لا أدب ولا عقاب على من قرأ البقرة وثني بالحج، فصح أن تأويل منكِّس القرآءة تنكيس آيات السور، وقول عبد الله بن مسعود: "ذاك رجل منكوس القلب" يعني أنه مقيم على معصية الله تعالى ومخالف لأمره في لزوم ترتيب آيات السور وترك قلبها أو قلب حروف آياتها.

стр. 235

واستدلوا أيضا على وجوب ترتيب سور القرآن على ما في الإمام بما رواه أبو قِلابةَ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "مَن شهد خاتمةَ القرآن كان كمَن شهِدَ فتحا في سبيل الله تعالى". وأن المسلمين أجمعوا على أنّ للقرآن قاتحة وخاتمه وهذا أيضا لا حجةَ فيه، لأن قوله من حضرَ خاتمةَ القرآن إنما يريد آخر ما يقرأ منه، الذي يكون قارئه مع قراءة ما قبله خاتما لكتابِ الله، ولم ينص على خاتمته فلا حجّةَ لهم في ظاهر الخبر، ولكنا لا ننكرُ مع ذلك أن تكونَ الحمدُ قد جُعِلَته فاتحةَ ما يُكتب ويتلى، والناسُ خاتمةً لذلك وإن لم يُوجِب ترتيبَ ما بينهَما من السور، فلذلك اتفقَ أصحابُ المصاحف على الافتتاحِ بالحمدِ في القراءة والختمِ بالناس، وإن لم يُرتبوا ما بينهما، وأنه يمكن أن تكونَ الفاتحة والخاتمةُ قد جعلتا فاتحةً وخاتمةً في التلاوة دون الرسمِ والكتابة، فلا حجَّةَ في التعلق بهذا، ونرى أن هذا الخبر لم يسمعه أصحابُ المصاحفِ المختلفةِ الترتيب. راستدلوا أيضا على وجوب تأليفِ السور على ما في الإمام ونص الرسول على ذلك بأن عمل أهل مكةَ استقر على التكبير عندَ ختمِ القرآن إذا بلغ القارئ إلى سورة الضحى، وأنهم يكبرون عندَ ختم كل سورةٍ إلى آخر القرآن. قالوا: وذلك لا يكونُ إلا عندَ توقيفٍ على ترتيب السور، وإيجاب التكبير. وهذا أيضا ما لا شُبهةَ فيه، لأنه قد يجوزُ أن يكونَ الجماعهّ لما رتبَ المصحفُ هذا الترتيبَ عمل أهلُ مكةَ على التكيير عندَ مقاربةِ الختمة. تعظيما للقرآن وتوخياً للثواب وإنذار الناسِ بقرب ختمه والبلوغِ إلى آخره

стр. 236

للحضور إلى ذلك، والاجتماع للدعاء عنده والتبرك به وغيرِ ذلك مما أصلُوه، وليس يدلُّ ذلك على وجوبِ التكبير ولا وجوبِ التأليف. واحتجوا أيضاً لذلك بأنه قد رُوِيَ أنه كان عندَ عبد الله بن الزبير مصحف فيه القرآنُ على نظمه وتاريخِه الذي أُنزل عليه وألف، وهذا باطل. لأنها من رواياتِ الآحاد، وما رُوِيَ أن أحداً رأى هذا المصحف أو وجده. ولو رُؤيَ ذلك لم يدل تأليفُه على ما هو به أنه مما أَمر الرسولُ بتأليفه كذلك، لأن للناس آراءَ في التأليف، فلعل مُؤلًف ذلك المصحفِ رأى أن يجمعَ سوره على تاريخ نزوله المكي منها ثم المدنيّ، وإن لم يمكنه ذلك في آياتِ السُّوَر لما نُبينه فيما بعدُ إن شاء الله، فوجبَ بهذه الجملةِ أنّه لا حجةَ لأحدٍ في صحة توقيفِ الرسولِ على تأليفِ سوَرِ القرآن وترتيبها في التقديم والتأخير. فإن قال قائل: فإذا أثبتم بما وصفتم أنه لا نصَّ في ذلك، وأنهم ألفوا سورَه بالرأيِ والاجتهادِ وضمَ الشيء إلى ما أشبَههُ وقارَبه، فألا ألفُوه على تاريخِ نزوله فبدأوا بالمكي منه قبلَ المدني، وبما أُنزل منه أولا ثم بما أُنزل بعدَه على ترتيبِ نزوله، فيكونون بذلك أقربَ إلى الصوابِ وترتيبِ إنزاله أو إلى معرفةِ تاريخِ الناسخِ والمنسوخِ وما يُحتاجُ إليه في معرفة الأحكام؟ قيل له إنما لم يفعلوا ذلك لأنه أمر لا يصح إلا بنقضِ آياتِ سُورِ القرآنِ وإفسادِ نظمِها وتغييرِها عما حُد لهم، وقد صحَّ وثبتَ أنه لا رأيَ لهم ولا عملَ ولا اجتهادَ في ترتب آيات سُوَر القرآنِ على ما سنذكره فيما بعدُ إن شاءَ الله، وقبلَ أن نبيًن ذلك فإنا نقول: إن كل عاقلٍ يعرفُ فضلَ عقول الصحابة ولطيفَ نظرِهم وقوة أفهامِهم ومعرفتِهم بالتنزيل وأسبابه، وأنهم أولى الناسِ بصحيحِ الرأي والتدبير، فمَن ظن بنفسِه فضلَ تقدمٍ عليهم في

стр. 237

ذلك واستدراكَ عَجْزٍ وتفريطٍ وتركَ حُرَمٍ كان منهم: فهو من الغباءِ والجهل بحيثُ لا يُنتفَعُ بكلامه. ثم نقول: ليس لأحدٍ أن يقول: لِمَ لم يُؤلفوا سُورَ القرآنِ على تاريخِ نزوله ليكونوا بذلك متوافقين في التقديم والتأخير أوقاتَ نزولِه، وليس هو بقوله هذا بأولى ممن قال: بل الواجبُ هو ما فعلوه من تصنيفِ السور وضم كل شيءٍ إلى مثلِها وشكلِها، لا سيما إذا علموا أن اللهَ سبحانه ورسولَه عليه السلام قدَّم في السورة الواحدةِ إثباتَ المنسوخ على الناسخ، وأنّه كان مُنزَل منه المدني فيُؤمروا بإثباته في السور المكية، وأن رسولَ الله ﷺ لم يُراعِ في إثباتِ آيات السُّوَر وتاريخِ نزولِها، فكذلك لا يجبُ عليهم هم أن يُراعُوا في تأليفِ تاريخِ نزولها، ولجازَ أيضاً لأحدٍ أن يقول: ما الحق إلا فيما فعلوا من تقديمِ طِوالِ السور على القِصار، لأنها أعظمُ قدراً في النفوس وأخرَقُ للعادة، وأعظمُ في الإعجاز، وأجمعُ للفوائد، وأكثرُ اشتمالاً على المواعظِ والأقاصِيصِ وضربِ الأمثال وتفصيلِ الحلال والحرام، وكان ذلك مِن فعلهم أولى. وقد يسوغُ أيضاً لآخرَ أن يقول: بل كان الواجبُ عليهم تقديمُ قِصارِ السور لكونها أقربَ مأخذاً وأسهلَ وأخف على المتعلِّم من التشاغُل بطِوالها، وكل هذا تخليط وتعنَّتٌ للصحابة، ومحاولة للقدح في آرائهم بما يعودُ بالدلالة على غَباوة المعترِضِ وجهلِه، والذي يدلُّ على أنه لا يجوزُ لهم تأليفُ سُوَر القرآنِ على تاريخ نزوله أنهم لو فعلوا ذلك لوجبَ أن يجعلوا بعضَ آيات السور في سورة أخرى، وأن ينقضُوا ما وقفوا عليه من سِياقِ ترتيبِ آياتِ السور ونظامها، لأنّه قد صحَّ وثبتَ أنّ الآيات ِ كانت تَنزِلُ بالمدينة فيؤمروا بإثباتها في السور المكية.

стр. 238

ويقال لهم: "ضعوا هذه في السورة التي يُذكَرُ فيها كذا"، فلو أتلفوا السورةَ على تاريخ النزول لوجبَ أن ينقضُوا ترتيبَ آياتِ السور ويخلطوها ويجعلوا بعضَ هذه السورة في هذه السورة، وبعضَ هذه في هذه، وهذا تخليط وإفساد قد حُرمَ عليهم. ولو قصدوا أيضاً إلى تأليف معظم ما نزلَ من الآي متتابعا، فجعلوه في صدر السور وأخَّروا ما نزل بعدَ ذلك لم يكن فيه فائدة ولا دلالة على تاريخ الناسخ والمنسوخ، لأن الآيةَ الناسخةَ قد تنزلُ بعد المنسوخة في سورتها فيُؤمروا بإثباتها قبلَ المنسوخة، وربما كانت الناسخةُ مدنيّةً فيؤمروا بإثباتِ ذلك في سورةٍ مكيةٍ وأن لا يثبَتَ في شيءٍ من المدنيّة، فلا معنى لضم ما يُقارِبُ نزولُه وتوالي ذلك وجعلِه في صدورِ السور لأجل ما وصفناه. وقد يجوزُ أن يكونوا إنما عدلوا أيضاً عن هذا خوفاً من أن يَظُنَّ ظان أن ترتيبَ جميع آيات السور على هذا التاريخ، وذلك أمرٌ يُدهِشُه، ويخيَّلُ إليه أنّ الآية َ الناسخةَ ليست بناسخة لما تقدَّم من نزوله إذا وجدوها في آخرِ السورة وكانت المنسوخةُ متقدمةَ النزول وفي صدر السورة، فإذا خِيفَ ذلك ولم يُؤمَن توهمُ مثلِه وجبَ العدولُ عن مراعاةِ تاريخ نزولِ القرآنِ في تأليف سُورِه، ووجبَ أن يكون ضمهما على وجه المشاكلة والمقاربة والتصنيف لذلك، وضمُ الشيء إلى ما يقاربه أولى، وسقطَ بذلك ما سألَ عنه السائل. فإن قال قائل: وما الدليلُ على صحّةِ ما ادَّعَيتموه مِن أنّ الرسولَ كان يأمرُ بإثباتِ الآية ِ النازلةِ في سورةٍ متقدمة النزول دونَ الموضع الذي قبلَها في قربِ نزوله؟ قيل: هذا ظاهر مكشوف من دينِ الرسول وحالِه وأمرِه برسمِ القرآن. وقد وردت بذلك الأخبارُ وتظاهرت، فروى الكلبيُّ عن أبي صالح عن ابن

стр. 239

عباس في قوله تعالى: (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ) . قال: "هذه آخرُ آيةٍ نزلت على رسولِ الله ﷺ وإنّ جبريلَ نزل عليه فقال: ضعها على رأسِ ثمانينَ ومئتين من البقرة"، وقد عُلم أنّ ذلك الموضع ليس هو الذي يلي نزولها، فهذا يدلُّ على صحّةِ ما قلناه. وروى الزُهري عن عُبيَد الله بن عبد الله بن عُتْبة عن ابن عباس قال: حدَّثني أُبيُّ بن كعب قال: ربّما نزلَ على رسول ﷺ الصدرُ من السور فأكتبُها، ثم ينزل عليه فيقول: "يا أُبيُّ اكتب هذه في السورة التي يُذكرَ فيها كذا وكذا"، وربّما نزل عليه فأقفُ حتى أنظرَ ما يقولُ حتى يحذدثَ إليّ فيقول: "تلك الآياتُ ضعها في سورةِ كذا وكذا"، وهذا أيضاً تصريح بأنّه كان يُلحِقُ ما يتأخرُ نزوله بما دونَ ما يليه، وكان أُبي قد علم أنّ إثباتَه على تاريخ نزوله باطل غيرُ واجب، ولولا ذلك لم يكن ليُوقِفَه، وانتظارِ أمرِ الرسولِ بأن يثبتها معنيّ، وهو قد أعلمه واستقرَّ من دينه أنّه يجبُ إثباتُ الآياتِ على تاريخ نزولها، فهذا يقضي على صحةِ ما قلناه. وروى عبدُ الرحمن بن شُماسةَ المهري عن زيدِ بن ثابتٍ قال: بينما نحنُ مع رسول الله ﷺ نُؤلِّفُ القرآنَ من الرِّقاع إذ قال: "طوبى

стр. 240

للشام "، قيل: يا رسولَ الله، ولِمَ ذلك، قال: "إنّ ملائكةَ الرحمن باسِطُو أجنحتِها عليه "، وهذا حديثٌ يُنبىءُ أيضاً عن أنّ القرآنَ كان سُوَره تؤلَّف على غيرِ تاريخِ نزوله، لأنه لو كان مرتَّبَ الآياتِ على تاريخِ النزول ما احتاجَ إلى تأليف وترتيب، ويدلُّ على ذلك أيضا ما رواه عبدُ الله بن عباس عن عثمان بن عفان رضوانُ الله عليه لمَّا سأله: لِمَ لم يجعلوا بين الأنفال وبراءة سطر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فقال عثمان: إن الآية َ والآياتِ كانت إذا نزلت يقول رسولُ الله ﷺ : "ضعوا هذه الآية َ في سورةِ كذا". وكل هذه الأخبار تكشف عن صحةِ ما قلناه من وجوبِ تركِ مراعاة تاريخِ نزول القرآن، وأنّ رسولَ الله ﷺ كان لا يُراعي في تأليف آي السور تاريخَ نزول الآيات، فإذا ثبتَ ذلك لم يكن تاليفُ سُوَر القرآنِ على تاريخ نزوله إلا بخلطِ بعضِ السور ببعضٍ وإفسادِ نظمِها ونقصِ تأليفِها الذي أُمروا بقراءتِها عليه.

стр. 241

(باب) الكشفِ عن وجوبِ ترتيبِ آياتِ السور وأنّ ذلك إنّما حصلَ بالنصِّ والتوقيفِ دونَ الاجتهاد وأنّه ليس لأحدٍ أن يَخلِطَ آياتِ السُّورِ بغيرِها ولا يضعَ مكانَ الآية ِغيرَها مما قبلَها أو بعدَها فإن قال قائلٌ: قد قُلتم في غير موضعٍ إنَّ ترتيبَ آيات السُّور فيها واجبٌ وإنّ ذلك لم يكن إلا عن نص وتوقيف، فما الدليلُ على ذلك، وما الحجَّة ُ في أنّه ليس لأحدٍ أن يَخلطَ في التلاوة بعضَ آياتِ السورةِ بغيرِها، وأن يقدِّم من آياتِها المؤخر، ويؤخِّر المقدَّم؟ قيل له: يدلُّ على ذلك أمورٌ، أحدها: جميعُ ما قدَّمناه من الأخبار في الباب الذي قبلَ هذا" لأنّ جميع ذلك يدلُّ على أن رسولَ الله ﷺ هو الذي كان يأمُرُهم ويُوقِفُهم على إثباتِ آيات السورة وترتيبها، وأنّه ليس لهم في ذلك خيارٌ، ولا هو مما رُدَّ إلى آرائهم، فيجبُ أن تكونَ هذه حالَ التلاوة والدرس ومما يدلُّ على ذلك أنّه لا يخلو أن يكونَ النبيُّ صلى الله عليه قد أخذ على القَرَأةِ والكتبةِ أن يُرتِّبوا سورَ القرآن في الرسم والتلاوة، وضَيَّق ذلك عليهم، وجعلَهم في فُسحةٍ من تقديمِ بعضِ الآيات ِ على بعض، وجَعلِ أول السورة آخرَها وآخِرَها أولَها، وجَعْلِ شطرِها في غيرها وشطرِ غيرِها فيها،

стр. 242

وأن يضعوا في ذلك كيف رأوا وأحبوا، فإن كان قد وقفهم على الترتيب وتأليف آياتِها على النظام الذي هيَ عليه في الإمام فذلك ما نقولُ، وإن كان قد نصَّ لهم على التخيير في ذلك وجبَ أن يظهر هذا من دِينه ويُعرَفَ من حالِه وتتوفَّر الدواعي على نقله وذكره، وأن لا يَسُوغَ أن يقعَ من الأمّة ترتيب للسور وحصر لها وتتميزَ بأسماءٍ تُدعى بها، وأمورٍ تُذكَرُ فيها، كما أنّه لو نصَّ ﷺ على جوازِ تقديمِ الآية ِ على غيرِها وتأخيرِ المتقدِّم منها من كلماتِها وحرفها وتقديمِ المتأخِّر، وعلى جوازِ القراءة من آخر السورةِ إلى أوّلها: لوجب أن يكونَ ذلك ظاهراً منتشراً عنه ومعلوماً من دينه، وفي العلمِ ببطلانِ ذلك وعدمِ ذكره، وعملِ الأمّةِ بخلافِه بأخذهم أنفسَهم ومَن يُعلِّمونه بقراءةِ السورة على ترتيبِ آياتِها، وحظرِ تأخيرِ المقدَّم منها وتقديمِ المتأخِّر وخلطِها بغيرِها: أوضحُ دليلٍ على فسادِ هذا القول، فأمّا نصه على الترتيبِ الذي قلناه، فقد ذكرنا تظاهُرَ الأخبارِ به مِن قبل، وبينّا أنّ عملَ الأمّة مستقِرّ بذلك، وحاصل إلى اليوم. ويدلُّ على ذلك أيضا ويُوضِحه ما قدَّمنا ذكرَه من قول عبدِ الله بن مسعودٍ وابنِ عُمرَ فيمَن يقرأ القرآنَ منكوساً: "ذاك رجل منكوسُ القلب "، و"لو رآه السلطانُ لعاقَبه "، وقد بيّنا أنّ ذلك غيرُ واجبٍ في تقديم بعض السور على بعض، فيجبُ أن يكونَ في تقديمِ بعضِ آياتِ السور على بعض، وعلى أنّهما إن كانا عَنَيا بذلك تقديمَ بعضِ السور على بعضٍ فلأن يكون تقديمُ بعضِ آياتِ السور على بعضٍ وخلطُها بغيرها أولى وأحرى أن تستحق ذلك، فهذا أيضاً يدلُّ دلالةً قاطعةً على علمِهم بوجوبِ ترتيبِ آياتِ السور في الكتابةِ والتلاوة. ولو كان الأمرُ على ما يدَّعيه السائلُ عن هذا الباب لم تَحتَجِ السورُ إلى أن يكونَ لها أوَّل وآخِر، وابتداءٌ وخاتمة، ولم يكن على أحدٍ في حفظ

стр. 243

القرآن كلفة إذا كان له خَلْطُهُ وتلاوتُه كيف شاء، ومما يدلُّ أيضا على صحة ما قلناه ويؤكَده ما رواه عبد الرحمن بن حَرْملة عن سعيد بن المسيّب قال: "مرَّ رسول الله ﷺ على بلالٍ هو يقرأُ القرآنَ من هذه السورة ومِن هذه السورة، قال: مررتُ بك يا بلالُ وأنت تقرأُ من هذه السورة ومن هذه، فقال: بأبي أنتَ يا رسولَ الله، إني أردتُ أن أخلِطَ الطيبَ بالطيب، فقال: اقرأ السورةَ على نحوِها"، يعني ﷺ : على نظامِها وترتيبِها من غيرِ خلطٍ لآياتِها بغيرِ ما هو منها، وهذا نص على ما قلناه. ومما يدلُّ على ذلك ويوضحه، أنّ رسولَ الله ﷺ كان ربما سهى وأسقطَ من تلاوته آيةً فيستعِيدُها ممن حَفظها عنه، وإذا أسقطَ آيةً وهو في الصلاة شعرَ بذلك مَن خلفَه، وكانوا يسألونه إذا فرغ ويقولون له: تركتَ آيةَ كذا يا رسولَ الله، ليتعلَّموا بذلك أنه قد سها، أو حدث نسخٌ أو رفع وتغيير، ولذلك قال له أُبيّ وغيرُه في مثل هذا: "يا رسولَ الله نسيتَ آيةَ كذا، فقال: "نُسيتُها"، ولو كان له أن يؤخرَ ويقدّمَ ويضعَ موضعَ الآية ِ غيرها ويجعل بعض آيات السورة في غيرِها لساغَ له أيضاً أن يترك قراءةَ بعضِ السور، ويزيدَ في ذلك ويُنقِصَ منه، ولم يكن لقولهم "نُسيت " أم "نُسِخَت " معنىً، وكلُّ هذا يدلُّ دلالةً قاطعةً على أن الواجبَ رسمُ السورة وتلاوتُها في الصلاةِ وغيرها على نظامِ آياتها وترتيبها.

стр. 244

ومما يدلُّ على ذلك ويؤكِّدُه ما رواه الفَضْلُ بن دُكَينٍ عن الوليدِ بن جُمَيعٍ أنّ خالدَ بن الوليد أمَّ الناسَ بالحِيرة فقرأ مِن سُوَرٍ شتّى، ثم التفت حينَ انصرفَ فقال: "شغلني الجهادُ عن تعلُّم القرآن ". وفي روايةٍ أخرى أنّه قال: "إنّي بطّأتُ عن الإسلام وشغلني الجهادُ عن تعلُّم القرآن "، ولو كان للناس تقديمُ المؤخَّر من الآي وتأخيرُ المقدَّم، وخلطُ آياتِ السور بآياتِ سُوَرٍ غيرِها، ولم يكن عليهم في ذلك ترتيبٌ وحدٌّ محدودٌ: لم يحتج خالدٌ إلى اعتذار، ولم يقل: "شغلني الجهادُ عن حفظ القرآن "، لأنّ القرآنَ لا يجبُ حفظُه عندَ الخصم إلا على ما قرأه خالدٌ وأورده، فهذه أيضاً روايةٌ تنبىءُ عن وجوبِ ترتيبِ آياتِ السُّورِ وتلاوتها على سياقِها، اللهم إلا أن يَعرِضَ عارضٌ مثلُ الذي عرضَ لخالدٍ من النسيان والأمور الصادَّة عن ذلك. فإن قال قائلٌ: أفليسَ قد رُوِيَ عن عبد الله بن مسعودٍ أنّه قال: "نَزَلَت على رسولِ الله ﷺ سورةُ المرسَلات ونحنُ في غار فأقرأنيها، وأنا أقرؤها قريباً مما أقرأني، فلا أدري أخَتَمَها بقوله: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (٤٨) . أو بقوله: (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (٥٠) .

стр. 245

وهذا نص منه على أنه لا يعلم خاتمتَها، وأنّه قد يختمُ تارة بهذا وتارةً بهذا، وأن الأمرَ في ذلك عندَه سهلٌ قريبٌ بقوله: "فأنا أقرؤها قريباً مما أقرأني "، ولأجل أنه ترك أن يستثبتَ ذلك من رسولِ الله ﷺ إلى أن مات، فلو كان ترتيبُ آياتِ السور وختمُها بآيةٍ منها مخصوصةٍ لا يجوزُ وضعُ غيرِها مكانَها أمرا مضيَّقاً: لم يُهمِل عبدُ الله سؤالَ رسول الله صلى الله عليه عن ذلك، ولم يَستجِزْ أن يقول: "فأنا أقرؤها قريبا مما أقرأني "، وهذا يدلّ على خلاف ما ادَّعيتم. يقال له: ليس فيما ذكرته ما يدفعُ قولَنا، بل هو من أدل الأمور على صحّة ما نذهبُ إليه وفسادِ قولكَ، لأجلِ أنّ عبدَ الله لو لم يجب عندَه مراعاةُ خاتمة السورة وسياقِها على نظمِ آياتِها وعلى وجه ما لُقَنوه عن رسولِ الله صلى الله عليه ولولا ذلك لم يكن لذكر إقراءِ رسولِ الله ﷺ له معنىً ولذكر خاتمةِ السورة، ولقوله: "فأنا أقرؤها قريباً مما أقرأنيها"، فهذا الخبرُ بأن يدل على صحّةِ قولنا أولى. فإن قيل: فإذا كان ذلك عندَكم كذلك فلمَ لم يستثبت عبدُ الله ذلك من رسولِ الله ﷺ ويعرفْه حتى لا يخالف نهجَ قراءته ونظمِه، قيل لهم: إنّما لم يفعل ذلك لأجل أنّه كان يعتقدُ أنّ لسورة المرسَلات خاتمتين إذا قُرئت على وجهين، فيَختِمُ بإحدى خاتمتيها إذا قُرئت على وجه وبالآية الأخرى إذا قُرئت على وجهٍ آخر، لأنه قد صرّح بذلك فيما صحَّ عنه من الرواية لهذه القصة، وذلك أنّ الأعمشَ روى عن ابن رزين عن زرِّ بن حُبَيش قال: قال ابنُ مسعودٍ: "نزلتْ على النبيِّ ﷺ (وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا) ونحن في غارٍ، فأقرأنيها، فإني لأقرؤها قريباً مما أقرأني، فما أدري بأي خاتمتها ختم: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (٤٨) ، أو (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (٥٠) .

стр. 246

وهذا نص منه على أن لها عندَ الرسول خاتمتَين يختمُ بهما هذه السورة، وليس يمتنعُ أن يجعلَ اللهُ سبحانه لبعضِ السُّور خاتمتين، إما على التخييرِ بأن يختمَ القارىءُ بأيهما شاء، ويجعلَ الخاتمةَ الأخرى قبلَ أن يختمَ بها وأقربَ الآيات ِ إليها لكونها خاتمةً مثلها، أو يجعلَها حيثُ شاءَ من السورة، أو بأن يجعلَ لها خاتمتين إذا قُرِئت على وجهين مختلفَين في الترتيب، فإن قُرِئت على وجهِ كذا كانت خاتمُها كذا، وإن قُرِئت على الوجه الآخر ختَمْتَها بالآيةِ الأخرى. ويكونُ هذا الوجهُ أحدَ الأحرفِ السبعةِ التي أُنزل القرآنُ عليها، أو أحدَ الوجوه من سبعةِ أحرف أُخَرَ غيرِ السبعةِ الثابتة، وأن يكون اللهُ سبحانه قد نسخَ إطلاقَ ذلك بعدَ أن أطلقَه وجعلَ للمرسَلات خاتمةً واحدة، وعرفَ ذلك المسلمون وذهبَ على عبدِ الله بن مسعودٍ إذ لم يسمعه، لأن نسخَ ذلك كان قريبا من موتِ النبي ﷺ لأن الأمَّة قد أجمعت على أنّه ليس لهذه السورة بعد موت النبي صلى الله عليه إلا خاتمة واحدة، ويكونُ عبدُ الله قد تمسَّكَ بالحكم الأول، فلمّا عرفَه المسلمون ذلكم عرفه وعَلمَ صحّة ما نقلوه، من نسخِ ما كان مباحاً، والدليلُ على ذلك اتفاقُ جميع أصحاب عبد الله وكلّ مَن أخذَ القراءةَ منه وروى عنه على أنه ليس لهذه السورةِ عندَه فيما ثبتَ واستقرَّ به عملُه وقراءتُه إلا خاتمةٌ واحدة، فيجبُ إذا كان ذلك كذلك أن يكونَ نُسِخَ إحدى خاتمتيها. فإن قيل على هذا: أفَليسَ من دينكم أن السبعة الأحرف والوجوه من القراءاتِ كلها شافيةٌ كافيةٌ باقيةٌ لم تُنسخ؟ قيل لهم: أجل، وقد ينزلُ القرآنُ على سبعة أوجهِ وأحرفِ أُخَرَ يُنسَخُ بعضُها ويبقى البعضُ، ويتركُ على ثلاثة أحرف، وقد وردت بذلك الأخبارُ

стр. 247

وفُسِّرت السبعةُ الأوجُه بتفسير وردَ عن النبيِّ ﷺ والصحابة لا يجوزُ أن تُلغي من الوجوهِ السبعةِ وجها ثابتاً غير منسوخ، فوجبَ أن لا يكونَ للمرسَلات خاتمتان بإجماعهم على منعِ ذلك، وأن لا يكون هو من السبعةِ الأوجهِ من القراءات الثابتة على ما سنبيّنه فيما بعدُ عندَ بلوغِنا إلى الكلام في هذا الباب إن شاء الله. فإن قيل: فلمَ لم يظهر في الناس نقلُ هذا الحكم وهو أن للمرسَلات خاتمتين نُسِخَت إحداهما؟ قيل لهم: لأنّه ليس من شأنِ الناسِ في العادة أن يَصرِفوا هِمَمَهم إلى نقلِ ما كان ورُفِعَ وإذاعته، وإنّما يأخذون أنفسَهم بذكرِ ما ثبتَ واستقرَّ عليهم فرضه، وربّما نقلوا فرضَ التلاوةِ المنسوخة والحكمَ الذي تضمَّنها وعدلوا عن نقلِ التلاوةِ الموجِبةِ لها إذا نُسِخَت وأُزيلَت وبقيَ حُكمها، وإذا كان ذلك كذلك لم يجب أن يعبأَ الناسُ بأنّه كان للمرسَلاتِ خاتمتان نُسخَت إحداهما، وإنّما ذكرَ ذلك ابن مسعود لنسيانٍ كان عن نسخِ إحدى الخاتمتين. فلما عرفَ ذلك بنقلِ مَن نقله إليه وأخبرَه به استقرَت قراءَتُه وعملُه بذلك، وهذا ينفي التخييرَ الذي ادّعوه، وهذا الذي ذكرناه أولى مِن قول من قال إنّه قد كان لها خاتمتان إذا قُرئت على وجهين، وإنّ عبدَ الله شكَّ في الوجهِ الذي قُرِئت عليه كانت خاتمته كذا وكذا ولم يشك في الخاتمتين. وإنّ إطلاقَ قراءَتِها على الوجهين وخَتْمَها بالخاتمتين ثابت مستقِر إلى أن ماتَ رسولُ الله ﷺ .

стр. 248

(باب) الكلامِ في المعوِّذتَين والكشفِ عن ظهورِ نقلِهما وقيامِ الحجةِ بهما، وإبطالِ ما يدَّعُونه من إنكارِ عبدِ الله بن مسعودٍ لكونِهما قرآناً منزَلاً ، وتأويلُ ما رُوي في إسقاطِهِما من مُصحفِه وحكِّه إياهُما، وتركِه إثباتَ فاتحةِ الكتابِ في إمامه وما يتصلُ بهذه الفصول فإن قال قائلٌ: كيف يسوغُ لكم أن تدَّعوا وجوبَ تظاهُرِ نقل جميع القرآن وقيام الحجّةِ وتساوي حال الرسول ﷺ في بيانِه إلى الكافة على وجهٍ يُوجبُ العلم ويَقطَعُ العذر ويُزيلُ الرَّيبَ والشكّ مع الذي قد ظهرَ وانتشر عن عبد الله بن مسعود من إنكاره أن تكونَ المعوّذتان من جُملة القرآن ومنافرته في ذلك وإسقاطِه إياهما من مصحفه، وحكّه لهما من مصحف غيرِه، وما يقوله عند حكّه لهما: "لا تخلطوا فيه ما ليسَ منه " (١) ، فكيف يمكن أن يُعتقَدَ أنّ ظهور بيانِ المعوّذتين والتوقيف على أتهما قرآن مُنزَل كظهور النصّ على غيرهما من السور، بل كيف يمكنُ أن يُقالَ إنَّ الصحابةَ

стр. 249

قد كانت أحاطت علماً بجميع كتاب الله لظهورِ أمره وإقامةِ الحجّةِ به، وهذه حالُ عبد الله بن مسعود في إنكار بعضه وجَحدهِ وهو من جملتهم وعمد من عُمدِهم في حفظ الكتاب، والمتبتلِين لقراءته وإقرائه والتبحُّر في علمِ أحكامِه ووجوهه وحروفه والمناظرةِ عليه، الذابّين عنه، ولو لم يُرْوَ عن الصحابة إلا هذه القصةُ وحدها لكان ذلك كافياً في إبطال ما أصَّلتموه وفساد ما ادّعيتموه. فيقال لهم: أما دعوى من ادّعى أن عبد الله بن مسعود أنكر أن تكونَ المعوذتان قرآناً منزلاً من عند الله تعالى وجحدَ ذلك فإنها دعوى تدلُّ على جهل من ظن صحتها وغباوته وشِدةِ بُعده عن التحصيل، وعلى بُهتِ من عرفَ حال المعوذتين وحالَ عبد الله وسائر الصحابة، لأن كل عاقلٍ سليم الحسن يعلمُ أن عبد الله لم يجحد المعوذتين ولا أنكرهما، ولا دفعَ أن يكون النبي صلى الله عليه تلاهما على الأمّة، وخبّر أنهما منزلتان من عندِ الله تعالى، وأئه أُمِرَ بأن يقولَهما على ما قيل له في أولهما، وكيف يمكنُ عبد الله ابن مسعودٍ أو غيره من الصحابة جحدُ ذلك وإنكارُه، وذلك مما قد أعلنه الرسولُ وأظهره وتلاه وكرّره وصلى لله به وجهر به في قراءته، وخبَّرَ أنّه من أفضل ما أُنزل عليه، وكشف ذلك وأبانه بيانا قد اتصل بنا نحنُ ولزم العلمُ به قلوبَنا، وارتفع منه شكُّنا ورَيبُنا. حتى لو حاول أحدُنا وغيرُنا من أهل الملل السامعةِ لأخبارنا والعارفةِ بما أتى به نبينا أن يجحدَ ذلك ويدفعه لم يجد إلى ذلك سبيلاً، هذا مع تطاولِ المدّة وتباعُدِ عصرِنا من عصر النبى صلى الله عليه، فإذا كانت الأخبارُ متواترةً متظاهرةً علينا بذلك تواتراً قد أصارنا في اليقينِ وزوالِ الرَّيب إلى ما وصفناه، فكيف بأهلِ عصر الرسول الذي تلقَّوه وسمعوه، وأخبروا به من بعدهم ونقلوه، لأنه لا بد أن يكون عبد الله بن مسعودٍ أحد من حضر

стр. 250

تلاوة الرسول لها، وإخباره بنزولها، أو واحداً ممن خبّر بذلك، وجاءته الأخبارُ من كل طريقٍ وناحيةٍ مجيئاً لا يمكنُ معه الشكّ في ذلك، كما لا يمكنه الشَّكّ في جميع ما ظهر وانتشر من دين الرسول وأقواله وأفعاله التي لم يسمعها منه ولم يشاهدها، ولو تهيّأ لأحدٍ من أهل عصر الرسول أن يشكَّ في نزول المعوّذتين وتلاوة الرسول لهما طولَ حياته، وإلى بعد وفاتِه بخمسٍ وعشرين سنة، والحالُ ما وصفناه لأمكنه لحقُ ذلك. وفي العلم بفسادِ هذا ولزوم العلم بما وصفناه لقلوبنا وزوال الريب عنَّا: دليل واضح على أنّه لقلب عبد الله ألزَمُ، وأنّه عنده أظهرُ وأشهرُ، وإذا كان ذلك كذلك بأن أنّ عبد الله بن مسعود لا يجوزُ منه مع عقله وتمييزه وجَرَيان التكليف عليه، أن يحمل نفسه على جحد المعوذتين وإنكار نزولهما وأن الله تعالى أوحى بهما إلى نبيّه ﷺ . ومما يوضح ذلك أيضاً ويُبيّنه أنّه لو كان عبدُ الله قد جحد المعوّذتين وأنكرَهما مع ظهور أمرهما وإقرار جميع الصحابة بهما لم يكن بُد من أن يدعوه داعٍ إلى ذلك وأن يكون هناك سبب يَعتدّ عليه، ولو كان هناك سبب حداه على ذلك وحزَكه لخلافٍ فيه لوجب في موضوع العادة أن يحتجّ به ويذكره ويعتد به، ويُبدِيَ ويُكثِرَ اعتذارَه له وتعويله عليه، ولكان لا بُدَّ أيضاً في مقتضى العادة من ظهور ذلك عنه وانتشاره وحصول العلم به، إذا كان خلافاً في أمرٍ عظيم وخطرٍ جسيمٍ، وأعظمَ مما نُهي عنه من الإقامةِ على التطبيق في الصلاة، وقوله في تزويج بنتِ فاسق، وخلافه في الفرائض. وغير ذلك، مما شُهِرَ من مذاهبه وكلَّما عظُم الخطرُ في الأمر وجل وقعُه في النفوس كان الخلافُ فيه أظهر والعنايةُ به أشدّ، واللهجُ بذكره وتطلّب النقض والرد له أكثر وأشهر.
следующие страницы →