← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 1397

الانتصار للقرآن للباقلاني

الباقلاني

Полный текст (756 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

الكتاب: الانتصار للقرآن المؤلف: محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر بن القاسم، القاضي أبو بكر الباقلاني المالكي (المتوفى: ٤٠٣هـ) تحقيق: د. محمد عصام القضاة الناشر: دار الفتح - عَمَّان، دار ابن حزم - بيروت الطبعة: الأولى ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م عدد الأجزاء: ٢ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدِّمَة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله ذي القدرة والجلال والعزّ والسّلطان والطَّول والامتنان منزل الفرقان، والناسخ بما أودعه من البيان وتفصيل الحلال والحرام ما سَلَفَ من الشرائع والأحكام، والضامن للرسول ﵇ حفظه وحراسته من الناس أهل الكفر والبهتان ومطاعن ذي الجهل والشَّنآن، فقال جلّ ثناؤه: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩) . وقال سبحانه: (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) . وقال فيه تعالى: (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢) . وجعله مهيمناً على الكُتُب، وقال : (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) وجعله بما فيه من عجيب نظمه وجزالة لفظه وبديع وصفه وخروجه عن جميع أوزان كلام العرب ونظومه، آيةً لرسوله ودلالةً قاهرةً وحجةً ظاهرةً لنبوته، وفطر الخلق على القصور عن مقابلته، وبالغَ في تعريفهم بالعجز عن معارضة

стр. 3

سورة من مثله، وحَسَمَ بعظيم بلاغته وأنواع فصاحته أطماع الملحدين والمنحرفين في تكلُّف نظيره والتمكن من الإتيان بشبهه وعديله، وأخبر أنّه ليس من بحار كلام المخلوقين ولا شبه ما أضافوه إليه من أساطير الأولين وتلفيق المتكلمين ونمط كلام الشعراء والمترسلين، فقال في نص التلاوة: (فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ) ، ثم قال تعالى: (فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ) ، ثم قال جل وعز: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨) . وقال سبحانه: (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ) ، يقول إنه لشرف لك ولقومك، وقال تعالى: (لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣) . ثم نبّه ﵎ إلى أن مجيءَ القرآن من مثله خرق للعادة ونقضٌ لما عليه تركيب الطبيعة مع علم القوم بنشوه وتصرفه في ظعنه ومقامه، فقال جل اسمه: (وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨) . وقال : (وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤) . وقال تعالى: (وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٤٤) وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ) . وقال في قصة نوح: (تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (٤٩) . فنبه ونصّ وبيّن في نفس التلاوة على أنه إنما علم ذلك وتلقاه من قبل وحيه إليه به، ثم أمر بالرجوع عند التنازع إليه، والاقتباس منه، والعمل بموجبه، والمصير إلى محكمه، والتسليم لمتشابهه علماً منه بأنه تعالى

стр. 4

متولي لحفظه وحياطته، وعرفنا أنه ما فرط فيه من شيء، وأنه تبيان لكل شيء، فقال : (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) . أي إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وقال جل ثناؤه: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤) . وقال تعالى: (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ) . وقال جل ذكره: (تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ) . وقال سبحانه: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) . في نظائر لهذه الآيات أخبر فيها عن حفظه لكتابه وحراسته، والأمر بالرجوع إليه والعمل عليه، وتشريفه على سائر الكتب، وشدة تعظيمه له، وأنه محفوظٌ مصون من كيد الزائغين وتحريف المبطلين، فالحمد لله الذي هدانا بنور كتابه وأرشدنا لتصديقه ووفقنا لاتباع متضمنه، والتمسك بمعالمه والنقض لمطامع القادحين في تنزيله، والكشف عن شُبه الملحدين في تأويله، وصلى الله على رسوله محمدٍ القائم بما كلّفه من أدائه، والمناصح المجتهد فيما نصب له من كشف غامضه وتبيانه، وعلى السلف الصالح من أوليائه الذين جعلهم شهداء على عباده وخلفاء نبيّه وورثة علمه وحفاظ كتابه، والذابين عن دينه، والدّاعين إلى سبيله، والقائمين بحقه، والحافظين لعهده، وإيّاهُ جل ثناؤه نسألُ، وإليه نرغبُ في التوفيق، لما ألزَمنَاه من موالاتهم. والاقتداء لآثارهم، وسلوك سبيلهم، والمضي على نهجهم، ويجنبنا الغضَّ من أقدارهم، والطعن على أماناتهم وآرائهم.

стр. 5

أما بعد: فقد وقفتُ - تولى الله عصمتكم، وأحسن هدايتكم وتوفيقكم - على ما ذكرتموه من شدة حاجتكم إلى الكلام في نقل القُرآن، وإقامة البرهان على استفاضة أمره وإحاطة السلف بعلمه، وانقطاع العُذر في نقله وقيام الحُجة على الخلق به، وإبطال ما يدعيه أهلُ الضلال، من تحريفه وتغييره ودخول الخَلَل فيه، وذهاب شيءٍ كثيرٍ منه، وزيادة أمور فيه، وما يدّعيه أهلُ الإلحاد وشيعتُهم من منتحلي الإسلام، من تناقُض كثيرٍ منه، وخلوّ بعضه من الفائدة، وكونه غير متناسب، وما ذكروه من فساد النظم، ودخول اللحن فيه، وركاكة التكرار، وقلة البيان، وتأخّر المقدم، وتقديم المؤخر، إلى غير ذلك من وجوه مطاعنهم، وذكر جُمَلٍ مما رُوي من الحروف الزائدة. والقراءات المخالفة لمصحف الجماعة، والإبانة عن وَهَاءِ نقل ذلك وضعفه، وأن الحجة لم تقم بشيءٍ منه، وعرفت ما وصفتموه من كثرة استطراد الضعفاء بتمويههم وعظم موقع الاستبصار والانتفاع ببعضِ شبههم، ونحن بحول الله وعونه نأتي في ذلك بجُمَلٍ تزيل الريبَ والشبهة. وتوقف على الواضحة، ونبدأ بالكلام في نقل القرآن وقيام الحجة به. ووصف توفّر هِمَمِ الأمة على نقله وحياطته، ثم نذكر ابتداء أبي بكر رضي الله عنه لجمعه على ما أنزل عليه بعد تفرقه في المواضع التي كتب فيها. وفي صدور خلقٍ حفظوا جميعه، وخلق لم يحيطوا بحفظ جميعه، واتباع عمرَ ﵁ والجماعة له على ذلك، وصوابه فيما صنعه، وسبقُه إلى الفضيلة به، والسبب الموجب لذلك، ثم نذكر جمع عثمان ﵁ الناس على مصحفٍ واحد، وحرف زيد بن ثابت، ونبين أنه لم يقصد في ذلك قصد أبي بكر في جمع القرآن في صحيفةٍ واحدةٍ على ترتيب ما أوحي

стр. 6

به، إذ كان ذلك أمرا قد استقر وفُرغَ منه قبل أيامه، ونبين صواب عثمان ﵁ في جمع الناس على حرف واحد، وحظره ومنعه لما عداه من القراءات، وإن الواجبَ على كافة الناس اتباعه، وحرامٌ عليهم بعده قراءةُ القرآن بالأحرف والقراءات التي حظرها عثمانُ ومنع منها، وأنّ له أخذَ المصاحفِ المخالفةِ لمصحفه، ومطالبة الناس بها، ومنعهم من نشرها والنظر فيها، ونذكر ما يتعلق به من ادعاء نقصان القرآن وتغيير نظمه وتحريفه من الرويات الشاذة الباطلة عن عمر وعثمان وعلي وأبيّ وعبد الله بن مسعود، وما يرويه قومٌ من الرافضة في ذلك عن أهل البيت خاصة، ونكشف عن كذب هذه الروايات، ونبين أيضاً ما خالف عبد الله بن مسعود عثمان والجماعة، وهل دار ذلك على جهة التخطئة ونسبته إيّاهم إلى زيادة فيه أو نقصانٍ منه أو تغيير لنظمه وما أنزل عليه، أو التصويب لما فعلوه، وإن استجاز بعد ذلك قرآنه والتمسك بحرفه، ونذكر ما شجر بينه وبين عثمان ﵁، ونَصِفُ رجوعَه إلى مذهب الجماعة وخنوعَه لعثمان وقدر ما نقمه من أمر زيد بن ثابت وعنّف عليه وعلى الجماعة لأجله، ثم نبين أن القراَنَ معجزةٌ للرسول ﷺ ودلالة على صدقه، وشاهد لنبوته، ثم نبين أن القرآن نزل على سبعة أحرف كلها شافِ كافٍ، ونوضح ما هذه السبعة أحرف، والروايات الواردة فيها وجنس اختلافها، ونذكر خلافَ الناس في تأويلها. ونفصّل من ذلك ما ليس بصواب، وندل على صحة ما نرغب فيه ونجتبيه. ونذكر حالَ قراءات القراء السبعة، وهل قراءاتهم هي السبعة أحرف التي أنزل القرآن بها، أو بعضها وهل هم بأسرهم متبعون لمصحف عثمان وحرف زيد أو مختلفون في ذلك وقارئون أو بعضهم بغير قراءة الجماعة، ونصف جُملاَ من مطاعن الملحدين وأتباعهم من الرافضة في كتاب الله ،

стр. 7

ونكشف عن تمويه الفريقين بما يوضح الحق، ونذكر في كل فصل من هذه الفصول بمشيئة الله وتوفيقه ما فيه بلاغ للمهتدين وشفاءٌ وتبصرة للمسترشدين توخيّا لطاعة الله وتوفيقه ورغبة في جزيل ثوابه، وما توفيقنا إلا بالله وهو المستعان.

стр. 8

تمهيد واعلموا رحمكم الله أن معرفةَ صواب القول في هذه الفصول والأبواب مما تعم الحاجة إليه، إذ كان أصل الدين وأسّه، وكان مما شهد الكتاب ببطلانه وجب إلغاؤه واطّراحه، وما أيده ودلّ على صحته لزم الإذعان له وإثباته، ولأن بالمتكلمين والفقهاء وقراء القرآن وأهل التفسير والمعاني ألمَ فاقة إلى الوقوف على حقيقة القول في هذه الفصول ومعرفة الصواب منها. لكثرة تخاليط أهل الضلال فيها، وقصدهم إلى إدخال الشُبهة والتمويه بما يوردونه منها، وذهاب كثيرِ من حفاظ التنزيل والمتكلمين في التأويل عن تحقق معرفتها، وحاجة الكل إلى تبين الحق من ذلك والعلم به، والمصير إلى موجبه. وقد رأيتُ أن نبدأ بذكر جُمل ما نذهب إليه في نقل القرآن ونظمه. وقيام الحجة به، وما يقوله المخالفون، ثم نشرع في ذلك حجاجنا ونقض أقاويل مخالفينا وعللهم، والذي نذهب إليه في ذلك، القولُ بأن جميع القرآن الذي أنزله الله وأمرنا بإثبات رسمه، ولم ينسخه ويرفع تلاوته بعد نزوله، هو هذا الذي بين الدفتين، الذي حواه مصحف عثمان ﵁، وأنّه لم يُنْقَصْ منه شيء، ولا زِيدَ فيه، وأن بيان الرسول ﷺ كان بجميعه بياناَ شائعا ذائعا، وواقعاَ على طريقة واحدة، ووجه تقوم به الحجة، وينقطع العذر، وأن الخَلفَ نقله عن السلف على هذه السبيل، وأنه قد نُسخ منه بعض ما كانت تلاوته مفروضة، وأن ترتيبه ونظمه ثابتٌ على ما نظمه الله سبحانه، ورتبه عليه رسوله من آي السور، لم يقدّم من ذلك

стр. 9

مؤخراً، ولا أخّر منه مقدماً، وأن الأمة ضبطت على النبي ﷺ ترتيبَ آي كل سورة ومواضعها، وعَرَفَت مواقعها، كما ضبطت عنه نفس القرآن وذات التلاوة، وأنه قد يمكن أن يكون الرسول ﷺ قد رتب سوره على ما انطوى عليه مصحفُ عثمان، كما رتب آياتِ سوره، ويمكن أن يكون قد وكَلَ ذلك إلى الأمة بعده، ولم يتولّ ذلك بنفسه ﷺ ، وأن هذا القول الثاني أقربُ وأشبه أن يكون حقاً على ما سنبينه فيما بعد إن شاء الله. وأن القرآن لم تثبت آيُهُ على تاريخ نزوله، بل قد قدّم فيه ما تأخر إنزالُه، وأخّر بعض ما تقدم نزولُه على ما وقف عليه الرسولُ ﷺ من ذلك، وأن القرآن منزل على سبعة أحرف كلّها شافٍ كافٍ وحقٌّ وصواب، وأن الله تعالى قد خيّر القَرَأة في جميعها، وصوّبَهم إذا قرؤوا بكل شيءِ منها، كما رُوي ذلك في الآيات التي سنقصّها، ونبين قيام الحجة بنقلها، وظهورَ أمرها وانتشارها. وأن هذه الأحرف السبعة المختلف معانيها تارةَ وألفاظها أخرى مع اتفاق المعنى، ليس منها متضاد ولا متنافي المعنى ولا أحاله، وفساد يمتنع على الله جلّ ثناؤه، وأنه لم يقم علينا حجة في أنها مجتمعة في سورةٍ واحدةٍ من القرآن، بل هي متفرقة فيه، وأننا لا ندري أيها كان آخر العرض، وأن آخر العرض كان بعضها دون سائرها، وأن جميعَ هذه الأحرف السبعة قد كانت ظهرت واستفاضت عن الرسول ﷺ وضبطتها الأمة عنه، ولم يكن شيء منها مشكوكاً فيه، ولا مرتابا به، وأن عثمان والجماعة قد أثبتت جميع تلك الأحرف في المصاحف، وأخبرت بصحتها، وخَبَّرت الناس فيها، كما صنع رسولُ الله ﷺ ، وأن من هذه الأحرف حرفَ أبيّ، وحرف عبد الله بن مسعود، وأن عثمان والجماعة إنما ألغت وطَرَحَت أحرفا، وقرأت أحرفاً غير

стр. 10

معروفة ولا ثابتة، بل منقولة عن الرسول ﷺ نقل الآحاد التي لا يجوزُ إثبات قرآن وقراءات بها. وأن معنى إضافة كل حرف مما أنزله الله إلى أبى، وعبد الله. وزيد، وفلان وفلان، أنه كان أضيف إليه إذا أكثر قراءةً وإقراءً به، وملازمة له وميلاً إليه، فقط لا غير، وأنه لا يجوز إثبات قرآن أو قراءة وحرف يقال إن القرآن أنزل عليه بخبر الواحد الذي لم تقم به الحجة، على أن يثبت ذلك به حكماً، لا علما وقطعا، لما سنوضحه - إن شاء الله -. وأن الحجةَ لم تقم علينا بأن القرآن منزل بلغة قريش فقط دون جميع العرب، وإن كان معظمه منزلاً بلغة قريش. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وأن (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) . قرآن منزَل من سورة النمل، وأنها ليست آيةً من الحمد ولا فاتحة لكل سورة، ولا من جملة كل سورة، ولا آيةً فاصلةً بين السورتين، ومفردةً من جميعها. وأن المعوذتين قرآنٌ منزَلٌ من عند الله ﵎، وأن استفاضة نقلهما وإثباتهما عن الرسول ﷺ بمنزلة استفاضة جميع سور القرآن، وأن عبد الله بن مسعود لم يقل قط إنهما ليستا بقرآن، ولا حُفظ عليه في ذلك حرف واحدٌ، وإنما حكّهما وأسقطهما من مصحفه لعلل وتأويلاتٍ سنذكرها فيما بعدُ إن شاء الله، وأنه لا يجوز أن يضاف إلى عبد الله أو أبيّ بن كعب أو زيد أو عثمان أو علي أو واحدٍ من ولده وعترته حَجدُ آية أو حرفٍ من كتاب الله ، أو تغييرُه وقراءتُه على غير الوجه المرسوم في مصحف

стр. 11

الجماعة بأخبار الآحاد وما لم يبلغ منها حدّ التواتر والانتشار، وأن ذلك لا يحلُّ ولا يسَعُ بل لا يصلح عندنا إضافةُ ذلك إلى أدنى المؤمنين منزلة من أهل عصرنا بخبر الواحد، وما لا يوجب العلم، فضلاً عن إضافة ذلك إلى جلة الصحابة والأماثل، وتعليقه عليهم بما دون التواتر والانتشار من الأخبار التي لم تقم الحجة بأنه قرآن منزل، بل هو ضربٌ من الدعاء، وأنه لو كان قرآناً لنُقل نقْلَ القرآن، وحصل العلم بصحته، وأنه يمكن أن يكون منه كلاماً كان قرآناً منزلاً ثم نُسخ وأبيح الدعاء به وخُلط بكلام ليس بقرآن. وأنّ أبيّا لم يُحفظ عليه قط أنه قال: إن كلام العرب قرآنٌ منزَل، وإنما روي أنه أثبته في مصحفه، وقد يثبِت في مصحفه ما ليس بقرآن، من دعاء وتأويل مع تنزيل، وغير ذلك لوجوه من التأويل سنبينها فيما بعد إن شاء الله. وأن أُبياً وعبدَ الله بن مسعود لم يطعنا قط على مصحف عثمان والجماعة، ولا نسباه إلى أن فيه تحريفا أو تغييراً وتبديلاً، وزيادةً ونقصاناً. أو مخالفةَ نظمٍ وترتيبٍ، بل اعتقدا صحته، وأخبرا بسلامته، وإن رَأيا جواز القراءة بجميع ما انطوى عليه مصحفُهما، من غير قدع في مصحف الجماعة. وأن عبد الله بن أبي سَرح وغيره من كَتَبةِ الرسول ﷺ قد يجوز أن تسبق يدُه وقلمُه ولسانُه إلى تلاوة آية وكلمة وآيتين مما نزل على الرسول ﷺ من إظهار الرسول لذلك، إذا كان ما تقدم من إملائه يقتضي ما تسبق إليه يد الكاتب ولسانه، وأنه لم يجز أن يتفقَ مثل ذلك في السورة بأسرها، وما هو معجزٌ وآيةٌ للرسول ﷺ وأن موافقة الكاتب وسبقَه إلى مثل هذا يجعل الحَدْسَ وصحيح العلم بما يقتضيه الكلام لا يوجب الشك في صدق الرسول، والارتياب بنبوته، والقول بأنه يثبت القرآن برأيه، فكما يتفق له

стр. 12

على ما روي من أن ابن أبي سرح ظن ذلك وتوهمه، فإن ما رُوي من أنه سمع من النبي ﷺ من قوله: "تلك الغرانيق العُلى وإن شفاعتهم لترتجى غير مقطوع على أنه مسموع منه، وأنه وإن كان مسموعاً منه فإنه يجب أن يكون كلامه على وجه التقريع لهم والتفنيد لرأيهم، واعتقادهم في أصنامهم، وأنه لا يمكن على قول بعض الناس أن يكون قد كان قرآنا منزلاً ثم نسخ لموضع الشبهة به، وذهاب قريش وقومٍ من الناس عن أنه إنما تنزل على وجه الاستفهام لهم، والتعجب من قولهم، وأنه قد يمكن أيضاً أن يكون بعض قريش قال ذلك عقيب تلاوة النبي ﷺ على وجه التعظيم للأصنام فاختلط الكلام، وظن من سمعه ولم يعرف الحال أنه من تلاوة،

стр. 13

الرسول، وأنه لا يجوز أن يكون النبي ﷺ قال ذلك ساهياً ولا ناسيا، سوى كان من كلامه أو ممّا أنزل عليه ونُسخ، كما سنوضحه إن شاء الله. وإن رسول الله ﷺ يجوز منه ويصح أن ينسى شيئاً من القرآن بعد تبليغه، وسَيُذَكره ويستثبتُه من حفاظ أمته، وأنه يجوز أن يسهو عن بعض عباداته التي أمر بها، ويوقعها على غير الوجه الذي أخذ عليه، مثل ما كان منه من السهو في الصلاة، وأن ذلك أجمع غيرُ قادح في نبوته ولا مقتضي الارتياب به، ولا حاط له عن رتبة الفضل والكمال. وأن رسول الله ﷺ سنَّ جمع القرآن وكتابته وأمر بذلك وأملاه على كتبته، وأنه لم يَمُتْ ﷺ حتى حفظ جميع القرآن جماعة من أصحابه، وحفظ الباقون منهم سائرهُ مُتَفرِّقاً، وعرفوا مواقعه ومواضعه على وجه ما يعرف ذلك أحد ممن ليس من الحفاظ لجميع القرآن. وأن أبا بكر وعمرَ وزيدَ بن ثابت وجماعة الأمة أصابوا في جمع القرآن بين اللوحين، وتحصينه وإحرازه وصيانته، وجَرَوا في كِتبتِهِ على سننِ الرسول وستته ﷺ تسليماً، وأنهم لم يثبتوا منه شيئاً غير معروف، ولا ما تقم الحُجة به، ولا أجمعوا في العلم بصحة شيء منه وثبوته إلى شهادة الواحد والاثنين ومن جرى مجراهما، وإن كانوا قد أشهدوا على النسخة التي جمعوها على وجه الاحتياط من الغلط، وطريق الحكم والإنفاذ. وأن أبا بكر ﵁ قد أحسنَ وأصاب، ووفَق لفَضل عظيم في جمع الناس على مصحف واحد وقراءات محصورة، والمنع في غير ذلك. وأن عليّ بن أبي طالب ﵁ وعترتَه، وشيعته متبعون لرأي أبي بكر وعثمان، في جمع القرآن، وأن عليا أخبر بصواب ذلك نطقا، وشهد به،

стр. 14

وأن عثمان لم يقصد قصد أبي بكر في جمع نفس القرآن بين لوحين، وإنما قصد جمعهم على القراءات الثابتة المعروضة على الرسول، وإلغاء ما لم يجرِ مجرى ذلك، وأخذهم بمصحف عثمان لا تقديم فيه ولا تأخير، ولا تأويل أثبت مع تنزيل، ومنسوخ تلاوته كتب مع مثبت رسمه، ومفروض قراءته وحفظه، وتسليم ما في أيدي الناس من ذلك، لما فيه من التخليط والفساد، وخشية دخول الشبهة على من يأتي من بعد، وأنه لم يُسقط شيئاً من القراءات الثابتة عن رسول الله ﷺ ولا منع منها، وحَظَرَها. وأن جميع من رُوي عنه من الصحابة قول في تغيير القرآن أو فساد نظمه، أو ذهاب شيء منه، أو كون بعضه ملحونا أو أن إعرابه وتقويمه مأخوذ من بعض الأمة، فإن صحت الرواية إما أن أن تكون باطلة متكذبة، أو منصرفة، أو لما سنذكره ونبينه من التأويل الذي لا يعود بجحده أو بشكه في شي ءمما في مصحف الجماعة. وأنه لا مجال لإعمال الرأي والقياس في إثبات قرآن، أو قراءة وحرفٍ يقرأ القرآن عليه، وأن ذلك الجمع سنةٌ متبعةٌ وروايةٌ مأثورة، وأن هذا هو باب إثبات القرآن والقراءات وطريقه الذي لا مصرف عنه ولا معدل، وأن من أعمل الرأي في ذلك فقد ضل وأخطا الحق، وتنكّبه. وأن القراء السبع متبعون في جميع قراءاتهم الثابتة عنهم، التي لا شكوك فيها ولا أنكرت عليهم بل سوّغها المسلمون، وأجازوها لمصحف الجماعة. وقارئون بما أنزل الله جل ثناؤه، وأن ما عدا ذلك مقطوعٌ على إبطاله وفساده وممنوعٌ من إطلاقه والقراءة به، وأنه لا يجوز ولا يسوغُ القراءة على المعنى دون اتّباع لفظ التنزيل، وإيراده على وجهه، وسببه الذي أنزل عليه، وأداه الرسول ﷺ .

стр. 15

وأنه لا يمكن أن يكون الحجّاج بن يوسف أو غيره من الأمراء، أو من الملوك أو من الخلفاء قد أسقط شيئاً من مصحف عثمان ﵁ أو زاد فيه أحرفا، أو غيّر شيئا مما تَضمنه من قراءة أو خطٍ أو رسمِ، فلم يظهر ولم ينتشر انتشاراً تقوم به الحجة وينقطع به العُذر، ويعرف بعينه، ويضاف إلى فاعله. وأنه لا يجوز لأحدٍ أن يقرأ القرآن بخلاف جميع الأحرف والوجوه التي أنزل عليها، وإن كان ما قرأه لغةً للعرب، أو لبعضها، وأنه ليس في المتكلمين بلغة العرب من لا يَطُوعُ لسانه ويجري ببعض الأحرف والوجوه التي أنزل القرآن عليها، وأنّه لا يجوز القراءة بالفارسية، وأنه يجوز ويحل للألثغ والألكن والتمتام أن يقرأ القرآن على وجه ما ينطق به لسانه. وإن كنا نعلمُ أن الله جل ثناؤه لم ينزله بلفظ الألكن والتمتام. وأن القرآن آية للرسول ﷺ ومعجز شاهدٌ بصدقه، دالّ على نبوته من ثلاثة أوجه: أحدها: ما فيه من عجيب النظم، وبديع الوزن والرصف المخالف لجميع أوزان العرب ونظومه، وأنه لا قدرة لأحدٍ من الخلق على تأليف مثله، ونظم مثل سورة منه، أو آية من طوال سوره أو من قصار سوره، ولو كان في فصاحة يعربٍ وقحطان ومعد بن عدنان.

стр. 16

والوجه الآخر ما تضمنه من أخبار الغيوب، وذكر ما سيحدث ويكون. والوجه الثالث: ما انطوى عليه من شرح أقاصيص الأولين وسنن النبيين، وأحوال الأمم المتقدمين التي لا يعرفها ولا يحيط بها إلا من أكثر لقاء الأمم، ودراسة الكتب، وصحبة الأحبار وحملة الآثار، مع العلم بنشوء النبي ﷺ في مقامه وظعنه، وأنه لم يكن يتلو قبل ذلك كتابا ولا يخط بيمينه، ولا ممن يعرف مداخلة أهل السبرِ وملابسات أصحاب الآثار وحفاظ الكتب والأخبار. هذه جُمل ما نحتاج إلى الوقوف عليه من قولنا في هذه الفصول والأبواب، وقد قال الملحدون وأشياعهم من الطاعنين على النبوة والتوحيد أن القرآن مدخول، وأنه غير ثابت ولا مضبوطٍ، وأن منه ما يعلم أن محمداً ﷺ يأتي به، وفيه ما لا يعرف ذلك من حاله، وأن فيه لحناً وتناقضاً وفساداً كثيراً، وما لا معنى له، ولا يحسُن التكلمُ به، وتعلقوا في ذلك بأمور سنذكر عُمَدها، ونأتي على نقضها والكشف عن فسادها. وزعم قوم من الرافضة أن القرآن قد بُدِّل وغُيّر وخولف بين نظمه وترتيبه، وأحيل عما أنزل إليه، وقُرئ على وجه غير ثابت عن الرسول. وأنه قد زيد فيه ونُقص منه، وقال بعضهم: قد نُقص منه ولم يزد فيه، وأن لو قُرئ كما أنزل لوُجد فيه لعنُ قوم من قريش وصحابة الرسول ﷺ بأسمائهم وأنسابهم، ولوُجد فيه أسماء الأئمة الاثني عشر منصوصاً عليها، كما نص على ذكر الرسول جمييه وغيره من الأنبياء. وأننا لا ندري لعل الذي في أيدينا من القرآن أقلّ من عُشر ما أنزله الله ﵎، وأن الداجنَ والغنم قد أكل كثيراً مما كان أُنزل وأُوجب على الأمة حفظُه وضبطه، وأن علمَ ذلك ومعرفته عند الإمام الوافر المعصوم،

стр. 17

وأن أبا بكر وعمر ﵄ وجماعةَ الأمة أخطؤوا في جمع القرآن وجعله بين لوحين، وأنهم لم يرجعوا في ذلك إلى ثقة ويقين، بل إنما تلقطوه وأخذوه من الواحد والاثنين، ومن الرقاع واللخاف، واستشهدوا على ذلك الواحد والاثنين ومن لا تقوم الحجة بقوله وشهادته، وأن هذا هو سبب اختلاف المصاحف والقراءات، وذهاب أهل الحجاز إلى حرف. وأهل الشام إلى غيره، وأهل العراق إلى خلاف ذلك. ويحكى أن قوماً قالوا: إن القرآن موجود الذات غير مزيد فيه ولا منقوص منه، ولا متلو على غير الوجوه والحروف التي أنزل عليها، غير أن نظمه وترتيبه ليس على ما أنزل وركب، فنفس القرآن صحيح ثابت، وتأليفه ونظمه هو الفاسد، ولأجل فساد نظمه اختلف الناس في الناسخ منه والمنسوخ، والمجمل المفسَّر، والعام والخاص، قالوا: ولو قد وُضع كلُّ شيءٍ منه في موضعه وضُمّ إلى ما قُرن به، لعُرفت معانيه، وزال الاختلاف فيه، لأنه منزلٌ بلسان العرب، وبأفصح لغة، وأبيَن لسانٍ منها، فمن أين يأتيه الرّيب والاختلافُ لو رُتّب على سنته ونُظم على وجهه؟ ! قالوا: إلا أن أبا بكر وعثمان ﵄ والجماعةَ قد أصابوا في جمعه على ما هو اليوم عليه، لأن ذلك كان جهد رأيهم وغاية وسعهم وطاقتهم، ومنتهى ما عندهم من الحزم والاحتياط، لأن القرآن لم يكن محفوظاً على تاريخ نزوله وترتيبه فيثبته القوم كذلك، وإنما كان متفرقاً في الجماعة، ومحفوظا لهم على حسب طاقتهم وما يُيسر لهم، فلم يمكنهم مع ذلك غير الذي صنعوه، فقد أصابوا فيما حاطوه من دخول خلل تحريف أكثر مما لحقه ودخل فيه، وكان الرأيُ معهم، والصواب في أيديهم حيث حاطوه وحصنوه من تزايد الغلط فيه وإيجاد السبيل إلى الإلباس فيه، وهذا القول

стр. 18

ليس بمحفوظٍ عن أحد من السلف، ولا من التابعين، ولا من الفقهاء المعدودين، ولا من أئمة أهل القرآن والحديث، بل مذهبُ جميع من ذكرناه صدُّ هذا القول ونقضه، وأن القوم اتبعوا في نظمه وترتيبه ما سُن وشرع. فيه، وحُفظ من ضبط عن الرسول ﷺ . وقال خلق من المعتزلة وشذوذ من ضَعَفة القرّاء والمنتسبين إلى الحديث، لا يُعرف لهم في ذلك مصنف ولا ناصر مذكور يرجع إليه: إن عثمان جمع الناس على بعض الأحرف التي أنزلها الله تعالى ومنع من باقيها وحظر، لما حدث من الاختلاف والفتن، وكثرةِ التشاجر بين قرّاء القرآن. وأنه وفق في ذلك ورفق به وأقام الحق، لأن الذي جمعهم عليه كان الغرض. وقال منهم قائلون: إنه لم يحظر ما خالف حرفَه ولا منع منه، ولكن استنزل الناسَ عنه بطيب القلوب وكثرة الترغيب في حرفه، وتنبيهه لهم على أنه أحوطُ الأمور وأولاها، فانقادوا له مذعنين، ورغبوا عن ما عدا حرفه. فضعف لذلك ووهى نقله وزالت الحجة به لا عن إكراهٍ وقع في الأصل. وقال قومٌ من الفقهاء والمتكلّمين: يجوز إثبات قرآنٍ وقراءةِ حكماً لا علماَ بخبر الواحد دون الاستفاضة، وكره ذلك أهل الحق وامتنعوا منه، وقال قوأ من المتكلمين إنه يسوغ إعمال الرأي والاجتهاد في إثبات القرآن وأوجه وأحرف إذا كانت تلك الأوجه صواباً في اللغة العربية ومما يسوغ التكلّم بها. ولم تقم حجة بأن النبي ﷺ قرأ تلك المواضع بخلاف موجب رأي القايسين، واجتهاد المجتهدين، وأبا ذلك أهلُ الحق وأنكروه، وخطأوا من قال بذلك وصار إليه، واحتجوا على فساده بما سنوضحه فيما بعد إن شاء الله. وهذه جملةُ ما يجبُ الوقوف عليه، وسنأتي منه عند تفصيل الكلام وترتيب الأبواب ما يأتي على البقية إن شاء الله.

стр. 19

فصلٌ فيما اعتَرَض به أهلُ الفساد على مصحف عثمان وردّ شُبَههم قال جميعُ من دان بما وصفناه في مصحف عثمان رحمة الله عليه: إننا وجدنا الأمةَ مختلفةً في نقله اختلافاً شديداً بشيعاً، حتى صرنا لعظيم اختلافهم لا نقف على صحيحه من فاسده، ولا نعرفُ الزائدَ منه ولا الناقص، ولا نعرفُ موضع كلّ شيءٍ منه الذي أُنزل فيه وما قبلَه وما يليه، وقال قومٌ منهم: إنه لا يعرفُ الناقص منه إلا الإمامُ الذي أُودع علمَه وشيعتُه، وهذا قول من أنكر الزيادة فيه وأقر بنفصانه، قالوا: لأن أبا بكرٍ وشيعتهُ هم الذين تولّوا نظمه وترتيبه وجعله سوراً أو كثير منه وقدّموا منه المؤخر، وأخّروا المقدّم، ووضعوا كثيراً منه في غير حقه، وأزالوه عن موضعه الذي هو أولى به، قالوا: والحجة لذلك أنه قد عُلم أن المصحفَ الذي في أيدي الناس إنما هو مصحف عثمان الذي جمعه، وجمعَ بعضَه من قبله أبو بكرٍ وعمر، وإنما كانوا يجمعونه - زعموا - ويتبينونه بشهادة اثنين إذا شهدا على أنه قرآن. وخبرُ الاثنين وشهادتُهما لا توجب علماً ولا تقطع عذراً. قالوا: وقد قامت الأدلة القاطعة على نقصانه وفساد كثيرٍ من نظمه، وكونه غيرَ متناسبٍ ولا متلائم، قالوا: وما نجده من اختلاف القَرَأةِ السبعة، وأصحاب الشواذّ، وما رُوي وظهر من اختلاف سلفهم لزيد بن ثابت، وعبد الله بن مسعود، وأبيّ، وما خرجوا إليه من المنافرة والمشاجرة وإعظام القول،

стр. 20

وإدخال بعضهم في القرآن ما ليس منه، كأبي وإدخاله دعاءَ القنوت في مصحفه، وعبد الله بن مسعود وإلغائه الحمدَ والمعوذتين من مصحفه. وإنكاره أن يكون من القرآن: أوضحُ دليل على ضعف نقل القرآن ووهائه. ، وأن الحجةَ غيرُ قائمةٍ به وأن القومَ إنما جمعوه ورتبوه على آرائهم وما استصوبوه بغالب ظنهم واجتهادهم، وأنهم يقدّمون بذلك بين يدي مُنزِله الحكيمِ العليم، وأن القَرَأَةَ مثلَ عبد الله بن مسعود وأبيّ وزيد بن ثابت ومن أخذ عنهم إلى القراء السبعة إنما قرؤوا القرآنَ بحسب اجتهادهم وما قوي في ظنهم، وما استحسنوه ورأوا أنه أولى وأشبه من غيره، فلذلك صار أهلُ مكة إلى قراءة، وأهل الكوفة إلى أخرى وأهل البصرة إلى غيرها، وأهل الشام إلى خلاف ما عليه سواهم من أهل الأمصار. قال أهل الإلحاد: فكل هذا يدل على اضطراب نقل القرآن وضعفه وأن الحجة غيرُ قائمةٍ به، وإن أحسن أحواله أنه لا يُعرف ما أتى به محمد ﷺ منه، وأيُّه على ما أتي به من غيره، ولا يوقف على صحيحه من فاسده، وناقصه من زائده، وموضعه الذي أنزل فيه من غيره. وقال كثيرٌ من الشيعة إن الأمر في هذا أجمع على ما قاله الملحدون. غير أننا نعلم أن علمَ ذلك أجمع عند الإمام المعصوم العالم المنتظر، وأنه حافظٌ له على سبيل ما نزل، وأنه يجبُ الرجوعُ إليه في معرفة هذا الباب. وقال فريقٌ من الرافضة: إن جميعَ هذه المطاعن على القرآن والصحابة صحيحةٌ، إلا ما ادُّعي من الزيادة في القرآن فإنه لا أصلَ - لذلك، وأنه لا يمكن أن يزادَ فيه شيءٌ من مجازه ونظمه، قالوا جميعاً: وإنما تورّطَ سلفُ

стр. 21

هذه الأمة وخلفها في هذا الجهل والاختلاف والحيرة والتضييع لمّا قهروا وتآمروا وتجبّروا وغَصبُوا الإمامَ حقه وأزالوه عن رتبته، وخالفوا ونقضوا عهدَ الرسول ﷺ إليهم، ولو قد كانوا ردّوا الأمر إلى أهله وأقرّوه في نصابه وسلّموه لمستحِقّه ووقفوا حيثُ رتبوا، وأخذوا علمَ ما كُلفوا من بابه ومعدنه وعظّموا من أمروا بتعظيمه والرجوع إليه والاقتباس منه: لاجتمعت كلمتُهم، وزال اختلافهم، ووصلوا إلى الحق الذي أمروا به وسَلِمُوا من تضليل الإمام والوقوع في الجهل والضلال، فيقال لهم: أما ادعاؤكم أن علة تورّط الناس فيما وصفتم مخالفتُهم الإمام المعصوم المنصوصَ لهم على إمامته ووجوب اتباعه وأخذ الدين عنه والانقياد له، فإنه باطلٌ لا أصلَ له، لما قد أوضحناه وبيناه في كتابي "الإمامة" من بطلان النصّ وثبوتِ الاختيار، وإطباقِ الأمة من السلف على العمل بذلك وتسليمهم الأمرَ إلى من عقد له جهة الاختيار، وأن هذه الجملةَ مذهبُ أمير المؤمنين عليٍ ﵇ ودينُه، والظاهرُ المشهورُ عنه في أفعاله وأقواله من حيثُ لا سبيلَ إلى دفعه وإنكاره. وأما ادّعاؤكم لتخطئة الخلف والسلف في نقل القرآن، وتضييعه وإهمال أمره وذهابهم عن علم صحيحه من فاسده، وعملهم في ترتيبه ونظمه والحرف الذي يقرأ به على آرائهم وظنونهم من غير عملٍ على توقيفٍ وخبر. ولا حفظٍ لرواية وأثر، فليس الأمرُ في ذلك على ما ادعيتم ولا مما يذهب تخليطكم فيه على ذي تحصيل، وأن الصّدر الأول ثم من بعدهم من التابعين وجميع المسلمين وقادتهم وحكّامهم وفقهائهم في سائر الأعصار كانوا على

стр. 22

حالةٍ معروفةٍ من تعظيم شأن القرآن وإجلاله، وعظم محلّه من قلوبهم. وقدره في نفوسهم، والتقرّب إلى الله بتعلُّمه وتعليمه، وتحصيل أعظم الثواب والشرف بحفظه، واعتقاد انحطاط كل عالم عن رتبة الكمال بالتقصير في حفظ جميعه، وتدبر مواقعه ومواضعه، إلى غير ذلك من كثرة فضائله عند كافّة المسلمين في كلّ وقت وأوان، متّبع عند كل عاقلٍ عرفهم ، وعرف حالَ القرآن في نفوسهم، وحث رسول الله ﷺ وحضه على تعليمه والتحذيرُ من تضييعه ونسيانه، وتغليطُ الأمر في ذلك. من أن يُظن بهم التشاغلُ عن ضبطه والتفريطُ في حفظه، وقلةُ الاحتفال به، وإثباتُ حفظ غيره، والعدول عنه إلى سواه. وكيف يتفقُ ذلك لهم أو يمكن في العادة وقوعه منهم والقرآنُ عندهم كتابُ ربهم، وأسُّ شريعتِهم، ويُنبوع علومهم، ومجموع فضيلتهم. والمحتوي على أحكامهم وتفصيل دينهم، وهو مفزَعُهم ومعقلهم، والقاضي عليهم والفاصلُ بينهم، ومدارُ أمرهم وقطبُ دينهم، الذي لا شيءَ عندَهم أعظمُ منه شأنا، ولا أحق بالحياطة والحفظ والتحصين من كل سبب يوهنه. وكيف لا يكون ذلك كذلك عندهم وقد سمعوا الله جلَّ ثناؤه يقول: (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ) . ويقول تعالى (فَرُدُّوُه إلى اللَّهِ وَاَلرسُولِ) . ويقول سبحانه: (تِبيانا لِكُلِ شَيءٍ) . و (مَّا فَرطْنَا فِى اَلكتاب) . ويقول تعالى: (بَيَان للِنَّاسِ) ، ويقول جلَّ وعزَّ: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤) . ويقول جلَّ اسمه: (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢) . و (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) . ويقول جلَّ ثناؤه: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ) .

стр. 23

ويقول تعالى: (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ) . ويقول تعالى ذكره: (وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا) . ويقول: (حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ (٥) . ويقول سبحانه: (وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ) . ويقول: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا) . يمكن أن يتفق من مثل الصدر الأول مع شدة تَبيّنهم وتشدّدهم وتبسُّطهم وتمسُّكهم بالواجب عليهم، وبذلهم أموالهم وأنفسهم في نصرة دينهم. والجهاد عن نبيهم، وقتل الآباء والأبناء في طاعته، وفرض الاتّباع له، أن يغفُلوا عن حفظ كتاب الله وضبطه، مع ما قد سمعوه من تعظيم الله سبحانه لشأن كتابه وإجلاله، والأمر بالرد إليه والإذعان لحكمه، وهم قد علموا مع ذلك أنّه أسُّ دينهم، وأصل شريعتهم، وأنّ الصحيح ما نطق بصحته والباطل ما أفصح بفساده. وهم مع هذه الحالة التي ذكرناها من حياطة الدين، وبذل النفوس والأموال، ومفارقة الأوطان في نصرة الرسول، من ذرابة الألسن، وجودة القرائح، وثاقب الأفهام، وسهولة الحفظ عليهم، ولصوق الكلام بقلوبهم. على حال لم يكن عليها أحدٌ قبلهم، ولا ساواهم فيها أحدٌ بعدهم، فإذا لم يكن بهم من قلَّة الدين والتهاون بأمر رب العالمين، وشأن رسوله ﷺ ما يحملهم على ترك الإحفال بالقرآن، والتصغير لشأنه، ولم يكونوا من سوء الإفهام وجلافة الطباع، وقلة الحفظ وتعدد الكلام، والعيّ واللّكنة، بحيث يصدهم ذلك عن حفظ كتاب ربّهم، ومدار شريعتهم، فأيُّ سبب يقتضي جواز توافي هممهم ودواعيهم على ترك تحفظ القرآن وضبطه، والتشاغل

стр. 24

بغيره عنه، وقد عُلم بمستقر العادة أنّه لا يجوز أن يذهب أهل كلّ علمٍ انتصبوا له، وقالوا بتعظيمه وتفضيله، ورأوا الشرف في حفظه، والنقص التامّ بالذهاب عنه، وعن حفظ أشرف بابٍ فيه، وضبط أعلى ضربٍ من ضروبه، ولا يجوز أن يتفق منهم - على كثرة عددهم - تركُ حفظ كلام من هو أصل ذلك العلم ومنبعه والرجوع إليه فيه والتشاغل بغيره. هذه قصة الشعراء والخطباء وأصحاب الرسائل وعلم العربية وطلب علم العروض، والأطبَّاء والفلاسفة، وأهل كل علم وصناعة، بها يصونونه وعليها يعوّلون، في أنه لا يجوز عليهم التهاون بحفظ ما عظم قدره عندهم. والاشتغال بما دونه، ولا حفظ كلام الجاهل عندهم والعُدول عن حفظ قول العالم المبرّز، فإذا كان ذلك كذلك وكان شأن المسلمين في التديُّن والتمسك بالشريعة ما وصفناه، وحال القرآن عندهم وفي نفوسهم، وقدره في دينهم ما ذكرناه كان ذلك مانعاً من ذهابهم عن حفظهم له، وتوافي هممهم على إهمال أمره، والتشاغل بغيره. وكل ما وصفناه من حالهم وحال القرآن من نفوسهم من أدلّ الأمور على جهل من ظنّ بهم احتقاره وتضييعه والاشتغال بغيره عنه، وأنّ الغنم والداجنَ أكلَ كثيراً منه لم يكن له أصلٌ ولا نسخة عند غير من أُكل من عنده، وأنّه لم يكن المكتوب في المصحف مما أكل ومما لم يُؤكل محفوظاً في صدور كثير من الأمّة بأسره، ومتفرقا عند آخرين منهبم، فإنه لو ظنّ ظان أن الغنمَ والداجنَ أكل كثيراً من كتاب إقليدس، أو "المجسطي "

стр. 25

لبطليموس، الذي كان عند علمائهم وأصول هذا العلم منهم، فضاع ودرس لكان جاهلاً غبيّا أو متجاهلاً، وكذلك لو توهم متوهمٌ أن نصف (قِفا نبكِ) ، (وألا هبي) ، وثلثي شعر الأعشى والنابغة، وشطر كتاب سيبويه، وثلثَي كتاب (الأم) للشافعي ومعظم موطَأ مالك قد ضاع وذهب وأكلته الغنم والدواجن من عند كل عالم بهذا الباب، وأنه لم يكن بقي منه إلا نسخة واحدةٌ عند رجلٍ واحد، ولم يكن حفظ تلك النسخة عند غيره بعد أن استفاض ذلك العلم وانتشر، وسُمع من قائله وحُفظ ودوِّن لكان من الجهل والتخلف والذهاب عن معرفة عادات الناس في حفظ هذه الأبواب من العلوم بمحل من لا يستحق الكلام. إذا كان ذلك كذلك وكانت الصحابة أشدّ في دينها من كل أحد، وفي حياطته وحراسته من جميع من ذكرنا وكانوا قد مكثوا نَيْفا وعشرين سنة ينزل فيهم القرآن على النبيّ ﷺ ويسمعونه منه ويتلَّقونه عنه، ويعملون بمحكمه، ويسألون عن متشابهه وغامضه، ويتَعظون بمواعظه، ويصيرون إلى موجبه، ويعرفون أسبابه والأحوال التي نزل عليها، وهو آية نبيهم وأعظم حجةٍ له.

стр. 26

وقد عرفوا تحدِّي النبي ﷺ للعرب أن تأتي بمثله مجتمعين ومتفرقين، وأنه أعجزهم وأفحمهم، وكان شجىّ في حلوقهم، وأنّهم تَشَتَّتَتْ آراؤهم واختلفت أقوالهم لمّا تُحُدُّوا أن يأتوا بمثله، ومنهم من كتبه مصحفاَ ودوّنه، كأبي وعبد الله بن مسعود وعليّ بن أبي طالب على ما ترويه الشيعة وغيرهم: لم يُجز على الصدر الأول ومن بعدهم - مع أنّ حالَهم ما وصفناه، وحالَ القرآن عندهم ما نزلناه ورتّبناه - أن يهملوا أمرَ القرآن ويتشاغلوا عن حفظه، ويقصّروا عن واجبه، أو يغيروا شيئاَ من نظمه، أو يضعوا مكان كلّ شيء منه غيره، وأن يتساهلوا في ذلك وهم قد ضُيِّق عليهم هذا الباب، وأخذوا بتلاوته وإقرائه على ما لُقنوه وتلقّوه، وشُدد عليهم الأمر في هذا الباب. فمَن ظن أنه لم يكن القرآن يوم أَكل الداجنُ بعضَه إن صح هذا الخبر عند أحد من الأمة، ولا في صدره، ولا عند أكثرهم عدداَ، حتى ذهب وسقط منه شيءٌ كثير عند كثير، فليس هو عندنا بمحل من يُكلَّمُ، ولا يُنتفَع بكلام مثله، لأنه بمثابة من لا يعرف الضرورات، وما عليه الفِطَرُ والعاداتُ. وهو إذا كان ذلك أبعد عن معرفة ما يُحتاج فيه إلى لطيف بحثِ واستخراجِ. وكيف لا يكون حال الأمة في أمر حفظ القرآن والقيام به وبتحصينه وحياطته والمحافظة على درسه وتأمُّله وتعلّمه وتعليمه، التقديم له على كل مهم ماسّ من أمر دينه، مع الذي وصفناه مما ورد في نفس التنزيل المحفوظ من تعظيم شأن القرآن، والأمر بتدبره والرجوع إليه، والعمل عليه، مع كثرة ما سمعوه من الرسول ﷺ في الحض على تعلمه وتعليمه والأمر بالتفقه به، والحث على حراسته، والإكثار من تلاوته، وضمانه الثواب الجزيل على قراءة كل حرفِ منه، وتفضيل أهل القرآن على سائر الناس، والتعظيم لشأنهم والإخبار عن رفيع درجتهم عند الله، وما أعده لهم، إلى غير ذلك مما قد

стр. 27

تظاهرت الأخبار بذكره، وعُلم في الجملة ضرورةً من دين النبي ﷺ الأمرُ به والدعاء إليه، والتفخيم لشأن القرآن وإجلال حملته نحو قوله ﷺ : "إنّ هذا القرآن مأدُبة الله "، و "خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه "، و "ليؤمّكم أقرؤكم لكتاب الله ". فلقد أخرجهم تكرر سماع هذه الأقاويل من النبي ﷺ إلى إكثار وصيّة بعضهم لبعضٍ بحفظ القرآن وتعلُّمه وتعليمه، والمحافظة عليه، والتحذير من تضييعه حتى رُوي عنهم في ذلك أمرٌ عظيمٌ يطول تتبعه واقتصاصه، وكيف يظنُّ بالأمّة التي حالها ما ذكرناه تضييعها لوصية النبي ﷺ ، وتوافي هممها على العدول عن حفظ القرآن على وجه ينفي عنه الخلل والتضييع، لولا الجهلُ وقلة الدين. وقد روى أنسُ بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : (لله من خلقه أهلون، فقيل: من هم يا رسول الله، قال: أهل القرآن، هم أهل الله وخاصّته "، وروى أنسُ بن مالكٍ قال: قال رسول الله ﷺ : "من قرأ مائةَ آيةٍ كُتب من القانتين، ومن قرأ مائتي آيةٍ لم يُكتب من الغافلين، ومن قرأ

стр. 28

ثلاثمائة آيةٍ لم يُحاجه القرآن "، وروى الضخاك عن عبد الله بن عباس قال: قال رسولُ الله ﷺ : "أشرف أمتي حملةُ القرآن وأصحاب الليل". ورُويَ بهذا الإسناد أيضاً عن النبي ﷺ أنه قال: "ثلاثة لا يكترثون بالحساب، ولا تُفزعهم الصيحة، ولا يحزنُهم الفزع الأكبر: حامل القرآن، المؤدي إلى الله بما فيه، يقدُمُ على ربه سيداً شريفاً حتى يُرافق المُرسلين، ومؤذن أذن سبع سنين لا يأخذ على أذانه طُعما، وعبد مملوك أحسنَ عبادة ربه ونصحَ لسيدة، أو قال: لمواليه ". وروت عائشةُ زوجُ النبي ﷺ قالت: قال رسول الله " ﷺ : "قراءة القرآن في صلاةٍ أفضل من قراءة القرآن في غير صلاة، وقراءة القرآن أفضل من التسبيح والتكبير، والتسبيحُ والتكبيرُ أفضلُ من الصدقة، والصدقةُ أفضلُ من الصوم، والصومُ جُنة من النار"، وهذا تفضيل من النبي ﷺ لقراءة القرآن على سائر أعمال البر. وروى عبدُ الله بن مسعود عن رسول الله ﷺ قال: "كان الكتاب الأول نزل من بابٍ واحدٍ على حرفٍ واحد، ونزل القرآنُ من سبعةِ أبوابٍ وعلى سبعةِ أحرف، زاجر وآمر، وحلال وحرام، ومحكَم ومتشابه، وأمثال،

стр. 29

فأحِلُّوا حلالَه، وحرِّموا حرامَه، واعملوا ما أمرتم به، وانتهوا عما نُهيتم. واعتبروا بأمثاله، واعملوا بمحكمه، وآمنوا بمتشابهه، وقولوا: آمنا به كل من عند ربنا"، وفي هذا الخبر من الحث على حفظه والأمرِ بالنزول عند حكمه والقطع على موجبه ما لاخفاءَ به على أحد. وروى عاصمُ بن ضمرةَ عن علي قال: قال رسول الله ﷺ : "من قرأ القرآن ظاهراً أدخله الله الجنة مع عشرة من أهل بيته، كلهم قد استوجبوا النار"، وروى أبو الدرداء قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقرأ: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ... ) ، إلى آخر الآية،

стр. 30

فقال: أما السّابقُ فيدخل الجنة بغير حساب، وأما المقتصدُ فيُحاسبُ حساباً يسيراً ثم يدخل الجنة بفضل رحمةِ الله، وأما الظالم لنفسه فأولئك يُوقَفون يومَ القيامة موقفا كريهاً حتى يُنال منهم، ثم يُظلّهم الله برحمته، فهم الذين قالوا: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) . وفي هذا الخبر من التعظيم لشأن حافظ القرآن وحسن منقلبه وإن كان ظالماً لنفسه ما لا خفاءَ فيه. وروى الناسُ أنّ عمر بن الخطاب تلا هذه الآية: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ... ) إلى آخرها ثم قال: "سابقكُم سابق، ومقتصدكم ناجٍ، وظالمكم مغفور له ". وروي أنّ رسول الله ﷺ كان يقول: "ألا إنَّ أصفر البيوت من الخير بيت صُفر من كتاب الله، والذي نفسُ محمدٍ بيده إنَّ الشيطانَ ليخرج من البيت أن يسمع سورةَ البقرة تُقرأ". وروى ابنُ عمر عن النبي ﷺ أنّه قال: "لا حسدَ إلا في اثنين: رجلٍ آتاه الله مالاً فهو ينفق منه آناء الليل وآناء النهار ورجلٍ آتاه الله القرآن فهو يقومُ به آناءَ الليل وآناءَ النهار". وهذا حث وترغيب شديد على حفظ القرآن والقيام به.

стр. 31

وروى عبدُ الله بن مسعودٍ عن النبي ﷺ أنه قال: "إن هذا القرآن مأدبةُ الله، فتعلموا من مأدبة الله ما استطعتم، إنَّ هذا القرآن حبلُ الله، وهو النورُ النيِّر، والشفاءُ النافع، عصمةُ الله لمن تمسكَ به، ونجاةٌ لمن تبعه، لا يعوجُّ فيقوّم، ولا يزيغُ فيُستعتب، ولا تنقضي عجائبه، ولا يخلق عن كثرة الرد فاتلُوه، فإن الله يأجركم على تلاوته بكل حرفٍ عشرَ حسنات، أما إني لا أقول (الم) حرف، ولكن ألف عشر، ولام عشر، وميم عشر"، وهذا غاية الحث على حفظ القرآن والتعظيم لشأنه. وروى أنس بن مالكٍ قال: قال رسول الله ﷺ : ((القرآنُ شافعٌ ومُشفع، وماحِلٌ مصدّقٌ، ومن شفع له القرآنُ يوم القيامة نجا، ومن محل به القرآن كبَّه الله يوم القيامة على وجهه في النار"، وأحق من شفع فيه القرآن أهله وحملته، وأولى من محلَ به من عدل عنه وضيعه، والصحابة أجل قدراً وموضعا من أن يتفق لسائرهم الدخول في هذه الصفة والنقيصة. وروت عائشة أن النبي ﷺ قال: "إن الذي يتعاهد القرآن ويشتد عليه له أجران، والذي يقرأه إنيٌ وهو خفيفٌ عليه من السفرة الكرام البررة".

стр. 32

وروى عقبة بن عامر قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن في الصف فقال: "أيكم يحب أن يغدو إلى بُطحانَ والعَقِيق، ويأتي كل يوم بناقتين حمراوتين زهراوين يأخذهما من غير إثمٍ بالله ولا قطع رحم. قالوا: كلنا يا رسول الله يحب ذلك، قال رسول الله: فلأن يغدو أحدكم إلى المسجد فيتعلم آيتين من كتاب الله خيرٌ له من ناقتين، وثلاثٌ خيرٌ من ثلاث، وأربعٌ خيرٌ من أربعٍ، ومن أدادٍ من الإبل". وروى أبو عبد الرحمن السُّلمي، عن عثمان بن عفان قال: قال رسول الله ﷺ : "أفضَلُكم من تعلم القرآن وعلَّمه".

стр. 33

وروى إسماعيل بن عيّاش قال: سمعت أبا أمامةَ الباهلي يقول: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "من علم رجلاً آيةً من كتاب الله فهو مولاه، لا يخذُله ولا يستأثر عنه ". ثم يأمرهم ﷺ بتعليمه لله وطلب مرضاته فقط، ويحرم أخذ الأجر عليه، فروى ضمرة بن حُبيب عن زيد بن ثابت، أن رجلاً كان يُعلّمه أتاه بقوس، فقال: هي في سبيل الله، فقال النبي ﷺ : "قوسٌ من نار، تَقَلّدْها أو دَعْها"، فردّها إليه". وهذا غاية الوعيد. ثم لا يقنع بحثهم على حفظ القرآن وتعلمه حتى يأمرهم بالتنغُم به. وبحسن تلاوته، فرُوي من غير طريقٍ أنه ﷺ قال لـ أسيد بن حضير: "لقد أوتي هذا مزماراً من مزامير آل داود"، يريد حسنَ صوته بالقرآن.

стр. 34

وروى أبو هريرةَ أن النبي ﷺ دخل المسجد فسمع قراءةَ رجلِ فقال: "من هذا، " فقيل: عبد الله بن قيس، فقال: "لقد أوتيَ هذا مزماراَ من مزامير آل داود"، في كثيرِ من الروايات، وروى أيضًا أبو هريرة وغيره عن النبي ﷺ أنه سُئل عن أحسن الناس صوتاَ بالقرآن، فقال ﵇: "الذي إذا سمعتَه رأيته يخشى الله ". وفي خبرِ آخر: أيُّ الناس أحسن قراءةَ، فقال: "الذي سمعته وأُريته يخشى الله ". ثم إنه بالغ في زجرهم عن نسيان ما حُفظ من القرآن وتضييعه، وضيّق الأمرَ فيه وشدده، وكرر القول في ذلك تكراراَ يردع من به أدنى مُسكةِ في الدين عن مخالفته، فضلاَ عن الصحابة الجلة ﵈، وروى أنسُ بن مالكِ عن النبي ﷺ أنه قال: "عُرضت عليّ أجور أمتي حتى القذاة يخرجها الرجلُ من المسجد، وعُرضت عليّ ذنوبهم، فلم أرَ منها ذنباَ أعظمَ من رجلِ تعلم آيةَ أو سورةَ من كتاب الله ثم نسيها". وهذا تحذيرٌ وتشديدٌ من تضييعه.

стр. 35

وروى سلمان الفارسي عن النبي ﷺ أنه قال: "من أكبر ذنب يوافى به أمتي يوم القيامة سورة من كتاب الله كانت مع أحدهم فنسيها"، وهذا كالأول. وروى سعدُ بن عبادة قال: قال رسول الله : "ما من أحدٍ تعلم القرآن ثم نسيه إلا لقيَ الله أجذَمَ ". وروى عبد الله بن مسعودٍ عن النبي ﷺ أنه قال: "بئسَ ما لأحدكم أن يقول: نسيتُ آية كيتَ وكيتَ، بل هو نُسّي، استذكِرُوا القرآن فإنه أسرعُ تفلُّتاً من قلوب الرجال، من الإبل من عُقُلِها"، وفي روايةٍ أخرى عن موسى بن

стр. 36

أبي علي بن رباح، عن أبيه قال: قال رسولُ الله ﷺ : تعلّموا كتابَ الله، وتعاهدوه، وتغنوا به، فوالذي نفس محمدٍ بيده لهو أشدُّ تفلتاَ من المخاض من العُقُل ". وهذا غاية الوعيد والتحذير من نسيانه. وروى أبو سعيدٍ الخدري عن النبي ﷺ أنه قال: "تعلّموا القرآن وسَلُوا الله به قبلَ أن يتعلمه قومٌ يسلون به الدنيا، فإنّ القرآن يتعلمه ثلاثةُ نفر: رجلٌ يباهي به، ورجلٌ يستأكل به، ورجلٌ يقرؤه لله ". وفي روايةِ أخرى أنه قال ﷺ : "اقرؤوا القرآن قبل أن يجيء قومٌ يقيمونه كما يُقام القدح، يتعجّلون أجره ولا يتأجلون ". ويتبع ما روي عن النبي ﷺ في هذا الباب كثير جداً، وفي بعض ما ذكرناه كفاية فيما قصدناه. فمن ظن أن الصحابةَ مع ما وصفناه من حالهم، وفضل دينهم وشدة حرصهم وقوة دواعيهم على حفظ الدين والنصيحة للمسلمين، أنهم يضيّعون ما وجب عليهم من حفظه ويُهملون أمره، ويحرفونه عن مواضعه، ويتلونه

стр. 37

على غير وجه ما أُمروا به، وهم يسمعون هذه الأقاويل وأضعافها مما أضربنا عن ذكره من الرسول ﷺ ، ويسمعون من تعظيم الله لشأنه، ويُقدِمُون على مخالفة الله ورسوله: فقد أعظمَ الفرية عليهم، وبالغ في ثلبِهم، وفارقَ بما صار إليه من ذلك مذهب العقلاء، وجحد العادةَ التي ذكرناها الموجبةَ لحفظ القرآن وشدة الاعتناء بتحصيله وحياطته، ولقد رُوِيَ عن الصحابة ﵃ ومن بعدَهم من التابعين في حثّ بعضهم لبعضٍ على حفظ القرآن وتلاوته، والعملِ بموجبه والإعظامِ لشأنه ما يطول ذكره واقتصاصه. فروى حسّان بن عطيةَ قال: قال أبو الدرداء: "لا يفقه الرجلُ كل الفقه حتى يعرف القراءاتِ ووجوهَها"، وروى الحكمُ بن هشامٍ الثقفي عن عبد الملك بن عُمَير قال: كان يقال: أنقى الناس عقولا قرّاءُ القرآن ". وقال عطاءُ بن يَسار: "بلغني أن حملة القرآن عُرفاءُ أهل الجنة"،

стр. 38

وروى سالمُ بن أبي الجعد عن معاذ قال: "من قرأ في ليلة ثلاثمائة آية كتب من القانتين، ومن قرأ ألف آية كان له قنطارٌ من بر، القنطارُ منه أفضلُ مما على الأرض من شيء". وروى حِطّان بن عبد الله الرقاشي عن السَّدُوسي قال: "قدم علينا جُندُب بن عبد الله البصرة، فلما أراد أن يخرج شيّعناه وقلنا له: أوصِنا يا صاحبَ رسول الله، فقال: من استطاع منكم أن يجعل لا في بطنه إلا طيبا فليفعل، فإنه أول ما ينتن من الإنسان، ومن استطاع منكم أن لا يحول بينه وبين الجنة مِلء كفّ من دم امري، مسلم يُهريقه كأنما يذبح به دجاجة، لا يأتي بابا من أبواب الجنة إلا حالَ بينه وبينه: فليفعل، وعليكم بالقرآن فإنه

стр. 39

هُدى النهار ونورُ الليل المظلم، فاعملوا به على ما كان من جَهدٍ وفاقة. فإن عَرَضَ بلاءٌ فقدّموا أموالكم دون دمائكم، فإن تجاوزها البلاءُ فقدّموا دمائكم دون دينكم، فإن المحروبَ من حُرِبَ دينُه، وإنّ المسلوبَ مَن سُلِبَ دينُه، إنه لا فقرَ بعد الجنّة، ولا غنى بعد النار، وإن النارَ لا يُفَك أسيرُها. ولا يستغني فقيرُها، والسلامُ عليكم ورحمة الله ". فكيف يعدلُ قومٌ هذه صفتهم وحالهم عن حفظ كتاب ربّهم، وتضييع ما وجب عليهم. وقال أبو هريرة: "نعمَ الشفيعُ القرآنُ ". قال شعبةُ، وهو راوي الحديث عنه: "نعم، وأحسبه قال: يقول يوم القيامة: يا ربّ حلّه، فيُلبسه تاج الكرامة، ثم يقول: يا ربّ زِدْهُ، فيُكسى حُلّةَ الكرامة، فيقول: يا ربّ ارضَ عنه، فإنه ليس بعدَ رضاك شيءٌ. قال: فيرضى عنه ". وقد روي مئل هذا عن النبي ﷺ من طريقٍ آخر ذكر فيه أن رسول الله ﷺ قال: "إن القرآن يلقى صاحبه يوم القيامة كالرجل الشاحب، فيقول له: هل تعرفني. فيقول له: ما أعرفك، فيقول له: أنا صاحبُك، القرآنُ الذي أظمأتك في الهواجر، وأسهرتُ ليلك، إنَّ كل تاجرٍ من وراء تجارتُه، وإني اليوم من

стр. 40

وراء كل تجارة، قال: فيعطى المُلكَ بيمينه، والخُلدَ بشماله، ويُوضَع على رأسه تاجُ الوقار، ويُكسى والداه حُلّتين لا يقوم لهما أهلُ الدنيا، فيقولان: بما كُسينا هذا، فيقال لهما: بأخذ ولدكما القرآن، ثم يقال له: اقرأ واصعد في درج الجنة وغُرَفها، فهو في صعودٍ ما دام يقرأ، حدراً هدراً أو ترتيلاً". وكيف يصحّ أن يتفق الأمة جميعا أعلى، تضييع كتاب الله وهم قد سمعوا من النبي ﷺ أمثال هذه الأقاويل وهذا التفخيم لشأن القرآن وحَمَلته من التعظيم، والمُرادُ بذكر القرآن في هذا الخبر. وفيما يروى من قوله ﷺ : البقرةُ وآل عمرانَ يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان يُظلاّن صاحبهما". ونحو ذلك: أي ثوابُ القرآن يأتي كذلك، وكذلك ثوابُ القرآن هو الذي يقول: يا رب، ويصوَّر في تلك الصورة، لأنّ الثوابَ فعلٌ مخلوق، وليس كذلك القرآن، نعنى كلام الربّ جل وعز لا القراءة التي في مقابلتها الثواب، ويمكن أن يبعثَ الله ملكاً يتصوّر للمؤمن الحامل لكتاب الله في تلك الصورة ليُسكِّن روعه، ويُزيل خوفَه، ويسميه قرآنا على معنى أن كلامه وتسكينه من ثواب قراءة القرآن، وكذلك يخلق الله تعالى جسمَين عظيمَين يوم القيامة، يبشّران قارئ القرآن، على معنى أن بُشراهما من ثواب
следующие страницы →