Полный текст (756 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
أبي علي بن رباح، عن أبيه قال: قال رسولُ الله ﷺ : تعلّموا كتابَ الله، وتعاهدوه، وتغنوا به، فوالذي نفس محمدٍ بيده لهو أشدُّ تفلتاَ من المخاض من العُقُل ".
وهذا غاية الوعيد والتحذير من نسيانه.
وروى أبو سعيدٍ الخدري عن النبي ﷺ أنه قال: "تعلّموا القرآن وسَلُوا الله به قبلَ أن يتعلمه قومٌ يسلون به الدنيا، فإنّ القرآن يتعلمه ثلاثةُ نفر: رجلٌ يباهي به، ورجلٌ يستأكل به، ورجلٌ يقرؤه لله ".
وفي روايةِ أخرى أنه قال ﷺ : "اقرؤوا القرآن قبل أن يجيء قومٌ يقيمونه كما يُقام القدح، يتعجّلون أجره ولا يتأجلون ".
ويتبع ما روي عن النبي ﷺ في هذا الباب كثير جداً، وفي بعض ما ذكرناه كفاية فيما قصدناه.
فمن ظن أن الصحابةَ مع ما وصفناه من حالهم، وفضل دينهم وشدة
حرصهم وقوة دواعيهم على حفظ الدين والنصيحة للمسلمين، أنهم يضيّعون
ما وجب عليهم من حفظه ويُهملون أمره، ويحرفونه عن مواضعه، ويتلونه
стр. 37
على غير وجه ما أُمروا به، وهم يسمعون هذه الأقاويل وأضعافها مما أضربنا
عن ذكره من الرسول ﷺ ، ويسمعون من تعظيم الله لشأنه، ويُقدِمُون على مخالفة الله ورسوله: فقد أعظمَ الفرية عليهم، وبالغ في ثلبِهم، وفارقَ بما صار إليه من ذلك مذهب العقلاء، وجحد العادةَ التي ذكرناها الموجبةَ لحفظ القرآن وشدة الاعتناء بتحصيله وحياطته، ولقد رُوِيَ عن الصحابة ﵃ ومن بعدَهم من التابعين في حثّ بعضهم لبعضٍ على حفظ القرآن وتلاوته، والعملِ بموجبه والإعظامِ لشأنه ما يطول ذكره واقتصاصه.
فروى حسّان بن عطيةَ قال: قال أبو الدرداء: "لا يفقه الرجلُ كل
الفقه حتى يعرف القراءاتِ ووجوهَها"، وروى الحكمُ بن هشامٍ الثقفي
عن عبد الملك بن عُمَير قال: كان يقال: أنقى الناس عقولا قرّاءُ القرآن ".
وقال عطاءُ بن يَسار: "بلغني أن حملة القرآن عُرفاءُ أهل الجنة"،
стр. 38
وروى سالمُ بن أبي الجعد عن معاذ قال: "من قرأ في ليلة ثلاثمائة آية كتب من
القانتين، ومن قرأ ألف آية كان له قنطارٌ من بر، القنطارُ منه أفضلُ مما على
الأرض من شيء".
وروى حِطّان بن عبد الله الرقاشي عن السَّدُوسي قال: "قدم علينا
جُندُب بن عبد الله البصرة، فلما أراد أن يخرج شيّعناه وقلنا له: أوصِنا يا
صاحبَ رسول الله، فقال: من استطاع منكم أن يجعل لا في بطنه إلا طيبا
فليفعل، فإنه أول ما ينتن من الإنسان، ومن استطاع منكم أن لا يحول بينه
وبين الجنة مِلء كفّ من دم امري، مسلم يُهريقه كأنما يذبح به دجاجة، لا
يأتي بابا من أبواب الجنة إلا حالَ بينه وبينه: فليفعل، وعليكم بالقرآن فإنه
стр. 39
هُدى النهار ونورُ الليل المظلم، فاعملوا به على ما كان من جَهدٍ وفاقة.
فإن عَرَضَ بلاءٌ فقدّموا أموالكم دون دمائكم، فإن تجاوزها البلاءُ فقدّموا
دمائكم دون دينكم، فإن المحروبَ من حُرِبَ دينُه، وإنّ المسلوبَ مَن سُلِبَ
دينُه، إنه لا فقرَ بعد الجنّة، ولا غنى بعد النار، وإن النارَ لا يُفَك أسيرُها.
ولا يستغني فقيرُها، والسلامُ عليكم ورحمة الله ".
فكيف يعدلُ قومٌ هذه صفتهم وحالهم عن حفظ كتاب ربّهم، وتضييع ما
وجب عليهم.
وقال أبو هريرة: "نعمَ الشفيعُ القرآنُ ".
قال شعبةُ، وهو راوي الحديث عنه: "نعم، وأحسبه قال: يقول يوم القيامة: يا ربّ حلّه، فيُلبسه تاج الكرامة، ثم يقول: يا ربّ زِدْهُ، فيُكسى حُلّةَ الكرامة، فيقول: يا ربّ ارضَ عنه، فإنه ليس بعدَ رضاك شيءٌ.
قال: فيرضى عنه ".
وقد روي مئل هذا عن النبي ﷺ من طريقٍ آخر ذكر فيه أن رسول الله ﷺ قال: "إن القرآن يلقى صاحبه يوم القيامة كالرجل الشاحب، فيقول له: هل تعرفني.
فيقول له: ما أعرفك، فيقول له: أنا صاحبُك، القرآنُ الذي أظمأتك في
الهواجر، وأسهرتُ ليلك، إنَّ كل تاجرٍ من وراء تجارتُه، وإني اليوم من
стр. 40
وراء كل تجارة، قال: فيعطى المُلكَ بيمينه، والخُلدَ بشماله، ويُوضَع على
رأسه تاجُ الوقار، ويُكسى والداه حُلّتين لا يقوم لهما أهلُ الدنيا، فيقولان: بما كُسينا هذا، فيقال لهما: بأخذ ولدكما القرآن، ثم يقال له: اقرأ واصعد في درج الجنة وغُرَفها، فهو في صعودٍ ما دام يقرأ، حدراً هدراً أو ترتيلاً".
وكيف يصحّ أن يتفق الأمة جميعا أعلى، تضييع كتاب الله وهم قد
سمعوا من النبي ﷺ أمثال هذه الأقاويل وهذا التفخيم لشأن القرآن وحَمَلته من التعظيم، والمُرادُ بذكر القرآن في هذا الخبر.
وفيما يروى من قوله ﷺ : البقرةُ وآل عمرانَ يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان يُظلاّن صاحبهما".
ونحو ذلك: أي ثوابُ القرآن يأتي كذلك، وكذلك ثوابُ
القرآن هو الذي يقول: يا رب، ويصوَّر في تلك الصورة، لأنّ الثوابَ فعلٌ
مخلوق، وليس كذلك القرآن، نعنى كلام الربّ جل وعز لا القراءة التي في
مقابلتها الثواب، ويمكن أن يبعثَ الله ملكاً يتصوّر للمؤمن الحامل لكتاب الله
في تلك الصورة ليُسكِّن روعه، ويُزيل خوفَه، ويسميه قرآنا على معنى أن
كلامه وتسكينه من ثواب قراءة القرآن، وكذلك يخلق الله تعالى جسمَين
عظيمَين يوم القيامة، يبشّران قارئ القرآن، على معنى أن بُشراهما من ثواب
стр. 41
قراءة البقرة وآل عمران، فلا معنى لرد ما ورد من نحو هذه الأخبار من
تعظيم شأن حَمَلة القرآن من طريقٍ ثبتت إذا احتملت من التأويل ما وصفناه، قال عبدُ الله بن عمر: "من قرأ القرآن فقد اضطربت النبوةُ بين جنبيه، فلا ينبغي لصاحب القرآن أن يلعبَ مع من يلعب، ولا يرفُثَ مع من يرفُث، ولا يتبطّل مع من يتبطّل، ولا يجهلَ مع من يجهل".
وهذا تعظيم منه لشأن القرآن وأهله بيّنٌ شديد.
ولما قدم أهل اليمن أيامَ أي بكرٍ سمعوا القرآن فجعلوا يبكون، فقال أبو
بكر: "هكذا كنا ثم قست القلوب "، يعني بذلك أن قلوبَ كثيرٍ من أهل
ذلك العصر قست، دونه ودُون الأئمة ومن جرى مجراهم من جفة الصحابة، وقد يمكن أن يكون ذلك على وجه العظة وطلب الزيادة والخشوع.
وقد روى الناس أن عمر بن الخطاب قرأ مرةً: (إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ (٨) .
قال: فرن لها رنةً عيدَ منها عشرين يوما، فكيف يُضيّع كتابَ الله من هذا تأمُّله له واتعاظُه به، وانتفاعُه بقراءته واستماعه.
وكان ابن عمر إذا صلى يترنح ويتمايل حتى لو رآهُ راءٍ ممن يجهله
لقال: أُصيب الرجل، وذلك لذكر النار إذا مرَّ بقوله: (وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (١٣) .
стр. 42
ولو قُصد بالتقصّي جميعُ ما روي عن النبي ﷺ وعن الصحابة والتابعين، وأئمة المسلمين من فضائل القرآن وقراءته، وما خصّ الله به أهله، لأخرَجَنا كثرةُ ما رُوي فيه عن غرض الكتاب، وإنما ذكرنا هذه الجمل في فضائل قراءة القرآن وحملته والاتعاظ به، وإيجاب الرجوع إليه، والتعلّق به، ليَعلم متأمّل الحال في ذلك أن من صريح عادات الناس في حفظ القرآن وما قصُر عن رتبته من أصول الشرع بخلاف ما تدّعيه الشيعةُ من اضطراب نقله، وذهابِ أهل الإسلام عن صحيحه من فاسده، وسلميه وسقميه، وزائده من ناقصه، وأنّ مثل هذا الاضطراب إذا لم يَجُز أن يقعَ في أشعار الشعراء، وخُطَب الخطباء، ورسائل البُلغاء، والأمثال السائرة، وسائر الأمور التي بالناس إلى علمها حاجةٌ مما ظهر أمرُه واشتهر، وقد بيّنا أن ظهور القرآن فوق ظهور جميع هذه الأمور، وأن بالناس إلى معرفة جميعه وترتيب نظمه والإحاطة به ومعرفة لُبابه ومخارجه: أتمّ فاقةٍ وأشدّ حاجة، وإذا كان ذلك كذلك ثبتَ بطلانُ ما يدّعونه من اضطراب نقل القرآن، وذهاب الناس عن علم صحيحه من سقيمه، وإمكانِ دخولِ الشبهة فيه والزيادة عليه والنقصان منه.
(فصلٌ) ، دليلٌ آخر: ومما يدل أيضاً على أن القرآن المرسومَ في مصاحفنا
هو جيمعُ كتاب الله الذي أنزله على رسوله، وفوَّض حفظَه وإثباته والرجوع
إليه، نقلُ جميع السلف والخلف الكثير من بعدهم الذين ببعضهم تثبت
الحجة وينقطعُ العذرُ أنّ هذا القرآن الذي في أيدينا هو جميعُ كتاب الله الذي
أنزلهُ وأمر بحفظه وإثباته والرجوع إليه، وقد عُلِمَ أن التشاجر والتراسل
واتّفاق الكذب متعذرٌ ممتنعٌ على مثلهم، فوجب لذلك العلمُ بصحة ما
نقلوه، وسقوطُ كل روايةٍ جاءت من جهة الآحاد بخلاف ذلك عن بعض
الصحابة والتابعين، وما يجوز أن يروى من ذلك ويُفتعل ويكذَّب في
стр. 43
المستقبل، لأن نقل ما ذكرناه أوجبَ لنا علم الضرورة بصحة ما نقلوه.
وانتفاءَ السهو والإغفال والكذب والافتعال عنهم لما هم عليه من كثرة
العدد واختلاف الطبائع والأسباب والهِمَم.
ولو ساغ لمدعي أن يدّعي أن القرآن قد نقص منه لأجل ما روي عن
عمر وعبد الله بن مسعود في المعوذتين وغيرهما، أو زيد فيه ما ليس منه
لأجل ما روي عن أبي من إثباته القنوت في مصحفه، أو لأنه لا يدري أن
القرآن الذي في مصاحفنا زائد أو ناقص، أو على ترتيب ما أُنزل أم لا.
لأجل ما رُوي عن الآحاد من الزيادة فيه أو النقصان منه، ولأجل ما رُوي من اختلاف مصاحف الصحابة، وبجعل ذلك ذريعةً إلى دفع النقل الظاهر
المشهور: لساغ لآخر أن يدّعي أنه لا يدري أن هذا المصحف الذي في
أيدينا هو مصحف عثمان على وجهه ونظمه وتأليفه، أو قد زِيد فيه ونُقص
منه، أو نقطعُ على أنه مغيّر ومبدل عما كان اجتمع عليه عثمانُ والجماعةُ في
وقته، وإن كان هذا المصحف قد نقل عن عثمان نقلاً متواتراً مستفيضاً.
لأجل ما يرويه ويظنه كثير من الناس - ومن الشيعة خاصةً - من أن الحجّاجَ
بن يوسف قد غيّر المصحف الذي هو إمام عثمان وزاد فيه أحد عشر حرفاً.
ونقص منه، وأخذ مصاحف أهل العراق ونشر فيهم ما كان غيّره وزاده
ونقصه، فلما لم يجُز ذلك ووجب القطعُ على صحة نقل من نقل مصحف
عثمان، وترك الإحفال والاكتراث، بخلاف من خالف في ذلك وادّعى أنه
مغيّرٌ ومبدّلٌ عما أمر به عُثمان ورسمه زيد والصحابةُ والجماعةُ وجبَ لمثل
هذا بعينه القطعُ على صحة من نقل أن مصحف عثمان هو جميعُ الثابت من
القراءات عن الرسول، وأنه مثبتٌ على ما أنزله ورتبه الرسول، لأنهم قومٌ
стр. 44
ببعضهم يثبت التواتر وتقومُ الحجَّة، ولزم لأجل ذلك تركُ الإحفال بما رُوِيَ
مما يُخالف ذلك.
فإن قال قائلٌ: ما أنكرتم أن يكون الفرقُ بين الأمرين أنه لم يُروَ عن
أحد خلافٌ في أن هذا هو جميع مصحف عثمان الذي جمعه وألَّفه على
حسب ما نظمه ورتبه، ولا وقع في ذلك تشاجر بين الناس، وقد اختلف في
أن هذا المصحف هو جميع ما جاء به الرسول ﷺ عن الله سبحانه على وجهه وترتيبه، أم لا؟
فادعى قومٌ أنه أقل من ذلك، وأنه مزيدٌ فيه، وادعى آخرون أنه منقوصٌ
منه، وشك في ذلك شاكون، وقطع قوم على أنه مغير عن ترتيب ما أُنزل عليه، وإذا كان ذلك كذلك افترقت الحال فيما ادعيتم الجمع بينهما، يقال لهم:
أولُ ما في هذا أننا لا نسلِّم قطعاً ويقيناً أنه لا مخالفَ في العالم في هذا
الباب، ولا شاك فيه مع سماعه لنقل الحجة، ولا ندري لعل في الناس من
يدعي تخليطَ النقلة لمصحف عثمان، وأنه مغيرٌ مبدّل، أو يُشك في أنه على
ما رتبه عثمان، بل قد علمنا أن في الناس من يدّعي تغيير الحجاج لمصحف
عثمان، وإذا كان ذلك كذلك بطل فرقكم هذا، على أننا لو تيقنا أنه لا
مخالفَ في ذلك. لم يمنع هذا من جواز حدوث خلافٍ في هذا الباب، وأن
ينشأ خلق كثير يدّعون ويرون غلطَ النقلة لمصحف عثمان، أو تعمدهم
للكذب فيه، ودعوى تغيير النقلة له عما رتبه ونظمه عليه عثمانُ، فإن
حدوثَ مثل هذا الخلاف غيرُ متعذرٍ ولا ممتنغ في عقلٍ ولا سمع، وقد تيقنَا
أن مثل هذا الخلاف لو حدث وقاله قائلٌ واعتقده معتقدٌ لم يجب لأجله
جحدُ نقل الكافة أو الشك في صحته، لأجل ما يُروى من خلاف ذلك، مع
قيام الحجة وانقطاع العذر بنقل من نقل أن هذا المصحف هو مصحفُ عثمان
على وجهه وترتيبه الذي أتفه عليه، فبطل بذلك ما فَضلوا به.
стр. 45
(فصل في القول فيما يُعتبر في العلم بصحة النقل)
واعلموا رحمكم الله أنه ليس المعتبرُ في العلم بصحة النقل والقطع على
ثبوته بأن لا يُخالف فيه مخالف، وإنما المعتبرُ في ذلك مجيئه عن قومٍ بهم
يثبت التواتر وتقوم الحجةُ، سواء اتُفق على نقله أو اختلف فيه، ولذلك لم
يجب الإحفال بخلاف السمنية في صحة الأخبار، وقولهم إنه لا يُعلم
بها شيءٌ أصلاً، ولم يجب أن يبطل النقل، أو يُشك في صحته بعد ظهوره
واستفاضته. وعدم الخلاف عليه إذا حدث خلافٌ في صحته لم يكن من قبله.
ولغير ذلك من الأمور، وإذا كان ذلك كذلك سقط ما فصّلوا به بين الأمرين.
فإن قال قائلٌ، ولو صرنا إلى أننا لا ندري أيضاً أن هذا هو مصحف
عثمان والجماعة على وجهه وتأليفه أم لا، ما الذي كان يمنعنا ويصدُّنا عن
ذلك؟
قيل له: يمنع منه أن فيه جحداً للضرورات، وأن قائل ذلك صائرٌ بمثابة
من جحد وجودَ عثمانَ في العالم، وأن يكون كان له مصحفا جمع الناس عليه، ومنعم من غيره، وأن يكون ولي الخلافة، وقُتل بالمدينة، إلى غير ذلك من
الجهالات، فإن نقل مصحفه بمثابة نقل وجوده وخلافته وقتله والفتنةِ التي
стр. 46
جرت وحدثت في أيامه، وبمثابة نقل: "قفا نبكِ،، و: "ألا هبي "، وكتاب
سيبويه، وموطّأ مالك، وغير ذلك من الأمور الظاهرة المشهورة، فجحدُ
ذلك بمثابةٍ واحدة، ولا فائدة ولا طائل في مناظرة من صار إلى مثل ذلك.
وإذا لم يجُز الشك في شيءٍ مما وصفناه أو الجحدُ له لأجل خلافٍ
يُروى في ذلك أو خلاف يجوز أن يحدث فيه: لم يجز الشكُّ في أن ما في
أيدينا هو مصحف عثمان بعينه وعلى جهته، وقد بيّنّا من قبلُ أن طريقَ العلم
بأنه مصحف عثمان لم يغيّر ويبدل هو طريق العلم بأن جميع ما أتى به
الرسولُ من القرآن الثابت رسمُه على وجهه وترتيبه الذي أمر ﷺ به، فوجب القطعُ على صحة ما قلناه، وإبطالُ جميع مطاعن الشيعة والملحدين وغيرهم من أهل الضلال والقدح في القرآن.
فإن قال قائلٌ: باضطرار يُعلم أن المرسوم في هذه المصاحف هو جميعُ
مصحف عثمان، على وجهه وترتيبه، ولسنا نعلم باضطرارِ ولا غيره أن هذا
المصحف هو جميعُ كتاب الله الثابت الرسم، المنزل على الرسول عليه
السلام بالترتيب المدعو بأن يقال له: على الفصل بينك وبين من قال
باضطرار يعلم أن هذا المصحف هو جميع المنزل على رسوله، على وجهه
وترتيبه، ولسنا نعلم باضطرارٍ ولا غيره أنّ جميعَ مصحف عثمان الذي ألفه
وجمع الناس عليه، على وجهه وترتيبه، وأن ذلك لو كان معلوما لما
اختلفت مصاحف أهل الشام ومكةَ والعراق، ولما اختلفت القرّاءُ السبعة.
ولما شكّ في ذلك أحد، فإن رام في ذلك فضلاَ لم يجده، وإن مرّ على
الأمرين ردّ عليه ما سلف من جواب جحد عثمان، وكون مصحف له، وغير ذلك مما ذكرنا، وإن عاد إلى أنّ ذلك أجمعُ مما لا خلافَ فيه بُيّنَ له سقوط التعلُّق بذلك بما بيناه من قبل.
стр. 47
ويقال للشيعة أيضاً: إن وجبَ بطلانُ نقل الكافة والدهماء والسواد
الأعظم أن المرسومَ بين اللوحَين الذي في أيدينا هو جميع القرآن المنزل
على الرسول، الثابت الرسم والتلاوة، لأجل خلافِ من خالف في ذلك.
ونشك فيه منكم ومن غيركم ممن له تناقلُ الأخبار، ويعرف السير ويخالط
النقلة مخالطةً تقتضي له علم الضرورة، وجبَ لأجل هذا بعينه بطلانُ نقلكم
للزيادة في القرآن والنقصان منه، والتغيير له أو الشكّ فيه، لأجل خلافنا
وخلافِ سائر سلف الأمة لكم على ذلك، وخلاف جميع فرق الأمة، خلفها
وسلفها لكم في صحة نقلكم عن الأئمة وغيرهم نقصانَ القرآن وزيادته
وتغييره، وتكذيبنا لكم في هذه الدعوى، ولزمكم أيضاً لأجل هذا الفصل
بعينه بطلانُ نقلكم للنص على علي ﵇، لأجل مخالفة سائر فرق
الأمة لكم في ذلك، وتكذيبهم إياكم، فإن مرّوا على ذلك أجمع أقروا
ببطلان مذاهبهم ونقلهم، وكفينا مؤنتهم، وإن راموا فيه فضلاً أبطلوا
اعتلالهم وأسقطوا فصلهم، وإن عوّلوا على أن الحجة قد قامت بنقل الشيعة
للنص على عليّ، وتغيير القرآن، ونقصانه وإفساد نظمه، وترتيب كثير منه، وأنه لا معتبرَ في ذلك بخلاف من خالفهم، قيل لهم: وكذلك الحجة قد
قامت بنقل من ذكرناه في أن الذي في أيدينا هو جميع ما أنزل الله على
رسوله، أُثبت رسمه، وفرض حفظه، على وجهه وترتيبه، فلا معتبر خلاف
من خالف في ذلك، وهذا مما لا فضلَ لهم فيه أبداً، وسنتكلم إن شاء الله
فيما بعدُ على دعواهم صحةَ نقل الشيعة لتغيير القرآن، ونُوضح تكذبهم في
ذلك، ونقيمُ الحجةَ على فساد قولهم ونقلهم بما يُوضح الحق.
ثم يقال لهم: ارووا لنا حرفاً واحداً عن عبد الله بن مسعود، أو عن
أبيّ، أو عن علي ﵃ أنهم قالوا: إن المعوذتين ليستا من كتاب
стр. 48
الله، وأن دعاء القنوت مما أنزله الله على رسوله، وأن عليا قال: هذه الآية
أو هذا الحرف ليس من كتاب الله، أو قد نقص من كتاب الله، وهذا مما لا
يقدرون عليه أبداً، وإنما يروون برواية الآحاد أن عبد الله بن مسعود لم يثبت
المعوذتين في مصحفه، وأنه حكهما من المصحف، وأن أبيا أثبت دعاءَ
القنوت في مصحفه، ولم يقل إن كل ما أثبته في مصحفي من كتاب الله المنزل، بل قد ثبت فيه الدعاء والتفسير، إذ كان ذلك مصحفا له وحده يرجع إليه، وقد يمكن أن تكون سورة القنوت من القرآن نُسخت تلاوةً أثبته أبى.
وكذلك قد يمكن ابن مسعود اعتقد أن المعوذتين من القرآن الذي لا يجوز
إثبات رسمه في المصحف، إما لظنه أنه منسوخ أو لغير ذلك من العلل.
وقد ثبت بما سنصفه فيما بعد أن ما أنزل الله تعالى ونسخَهُ مما لا يجوز
إثباته في المصحف، وإذا كان ما يرونه من ذلك محتملاً لهذه التأويلات
وغيرها، ولم يُروَ عن أحدٍ منهم ذكرناه أنه جحد شيئا من كتاب الله، أو
التصريح بأن من جملته ما ليس منه، لم يجز أن نجعل هذه الرواياتِ
معارضةً لنقل الكافة بأن جميعَ ما في الدنيا هو جميعُ ما أنزل الله على
الرسول وثبت رسمُه، فبطل بذلك ما يدّعونه من الرواية لمخالفة قومٍ من
السلف في هذا الباب، وثبت بذلك أنه لا حقيقةَ لما رُوي من ذلك.
وأما ما يختصون هم بروايته عن الصادق والباقر وغيرهما من
أهل البيت وغيرهم، مما لا يعرفه أصحابُ الحديث ومصنفو جميع
стр. 49
المصاحف، والخلاف فيها، فسنبين فيما بعدُ إن شاء الله أنها من الأخبار
التي يجب القطعُ على فسادها وتكذيب نقلتها وتنزيهِ أهل البيت عنها.
دليلٌ آخر: ومما يدل أيضاً على أن القرآنَ المرسوم بين اللوحين هو
جميع القرآن الذي أتى به الرسول ﷺ على ترتيب ما أنزل نقلُ الكافّة الذين ببعضهم يثبتُ التواتر أن هذا القرآنَ هو جميعُ ما رُسم حفظه، وأُلزمنا الرجوع إليه، لم يغيَّر ولم يبدَّل، فوجب لذلك القطع على صحة نقلهم وثبوت علم الضرورة بصدقهم، لأنه لو جاز أن يُقال في نفس البقرة وآل عمران والأحزاب (لم يكن) و (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) .
ليست على ما أنزلت، وأن يكون قد سقط من هذه السور شيء كثير أكثرَ مما بقي، أو زيدَ فيها ما ليس منها أو غُيِّرت وبُدّلت عن نظمها وترتيبها الذي أُنزلت عليه، لساغ كذلك في الحمد والناس والفلق و (قُل هُوَ اَللهُ أَحَد) ، وأن يقول قائل: إن ذلك أجمعُ مزيد فيه أو منقوص فيه، ومرسوم في المصحف على خلاف ما أنزله الله، وما كان يتلوه الرسول ويكرره مدةَ أيام حياته، في صلواته، ويجهر به، ويأخذ الناس بحفظه، ولو جاز على الجماعات الناقلة للحمد والمعوذتين و (قُل هُوَ اَللَّهُ أَحَد) الكذبُ والافتعالُ، والسهو والإغفالُ، لجاز عليهم ذلك أجمع في نقل وجود الرسول بمكةَ والمدينة، ودعائه إلى نفسه، واحتجاجه بالقرآن، وتحدِّيه العربَ أن تأتيَ بمثله، وفي نقل وقائعه ومغازيه وفتوحه، وغير ذلك من أحواله الظاهرة المستفيضة، فلمّا لم يجُز جحدُ شيءٍ من ذلك أو الشك فيه لم يجز الشكُّ في شيءٍ من القرآن، وأنه هو جميع ما أتى به الرسول على وجه ما أُنزل، ولا الجحدُ لشيءٍ من ذلك.
فإن قال قائل: نحن نعلمُ باضطرار أن النبي ﷺ كان بمكةَ والمدينة وأنه دعا إلى نفسه وتحدَّى بمثل الكتاب الذي أتى به، وغير ذلك مما ذكرتم،
стр. 50
فلم يجُز جحدُ شي، من ذلك أو الشك فيه، قيل: فما الفصلُ بينكم وبينَ من قال: إننا نعلم باضطرار أن هذا القرآنَ هو الذي أتى به الرسول، وثبت
رسمه، ولزم القيامُ بحفظه، لم يغيَّر ولم يبدَّل، وإن سورةَ البقرة والحمد
والأحزاب و (لَم يَكنْ) مرسومةٌ محفوظةٌ على ما أُنزلت عليه، من غير تغيير
ولا تبديل، ولا زيادةٍ ولا نقصان، وأنه مضطرٌ إلى العلم بصحة ذلك عند
سماع نقل النَّقلَة عن رسول ﷺ ، فهل يجدون في ذلك فصلاً، فإن قالوا: الفصل بين الأمرين أنه لا مخالفَ في ظهور الرسول عليه
السلام ودعائه إلى نفسه، وما كان من حروبه ووقائعه، وقد خالف قومٌ من
الناس في أن المرسومَ بين اللوحين هو جميعُ ما أنزل الله على وجه ما أنزله.
غير مُغيَّرٍ ولا مبدَّل، فلم يجب القطع على صحة النقل بذلك لأجل هذا
الخلاف، قيل لهم: قد بيّنا فيما سلف أنه لا معتبرَ في قيام الحجة بالنقل
والعلم بصحته بعدم الخلاف عليه ولا بوجوده، وإنما المعتبرُ في ذلك
بمجيئه على وجهٍ يوجب العلمَ ويقطع العذر، فبطل بذلك ما أصّلتموه.
ثم يقال لهم: فيجبُ لأجل فعلِكم هذا جحدُ ما ترونه من النص على
عليّ وما ترونه من تغيير القرآن ونقصانه أو الشك في صحة نقلكم هذا.
لأجل خلافِنا وخلافِ سائر الأمة لكم في ذلك وتكذيبنا إياكم، ولا فصلَ
لهم من ذلك إلا بما يُبطل ما فصلوا به، ثم يُقال لهم: فخبرونا هل علمتم
ضرورة وجودَ النبي ﷺ وظهورَه في العالم بخبر جميع الناس أو بخبر بعضهم، فإن قالوا: بخبر جميعهم لنا بذلك، كذَبوا وبُهِتوا لأنهم لم يلقَوا جميعَ الناس في شرق الأرض وغربها، وإن قالوا: بخبر بعض الناس علمنا ذلك إذا لم يخالفهم في نقلهم مخالف، قيل لهم: وبأي شيءٍ تعلمون تصديقَ جميع الناس لذلك البعض في نقلهم وأنه لا مخالفَ لهم، أبِلِقاء
стр. 51
جميع الناس أم بخبر بعضهم، فإن قالوا: بلقاء جميع الناس بُهِتوا وكابروا
ولزمهم أن لا يعلموا تصديق جميع الناس بشيءٍ من الأخبار، إذ كان لقاء
جميع الناس متعذراً، وإن قالوا: بخبر بعض الناس عن باقيهم أنهم مصدّقون
لما نقل وغير مخالفين فيه، قيل لهم: فإذا جاز أن تكون الجماعاتُ الكثيرة
التي نَقلت عن الرسول الحمدَ والمعوذتين و (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ)
قد افتعلوا وتكذبوا واعتمدوا التحريف والتغيير فيما أخبروا أنه عنه، أو وهموا أو ظنوا الأمرَ بخلاف ما كان، ونقلوا ما لا أصلَ له، فما يؤمنكم أن يكون من نقل إليكم ظهورَ النبي في العالم وأنه لا مخالفَ له في نقله لذلك كاذبا
في نقله أنّه لا مخالفَ له، وأن يكون في الناس مَن يخالف في ذلك، فإن
نقل هذا البعض أنه لا مخالف له فيما نقله فلا يجدون إلى دفع ذلك سبيلاً.
وهذا يبطل عليهم طريق العلم بأنه لا مخالفَ على النقل.
ويقال لهم إذا وجب إبطالُ الخبر واطّراحه لوجود الخلاف في نقله.
فإن كان قد نقله أهلُ تواترٍ وجب اطّراحه أيضاً لجواز كون الخلاف وإن لم
يتيقَّن، ولجواز حدوث الخلاف عليه في المستقبل ولا فصلَ في ذلك.
ثم يقال لهم: إذا جاز على الجماعاتِ الكثيرة نقلُ الكذب فيما خولفت
عليه، فلمَ لا يجوز عليها نقل الكذب فيما لم يتخالف عليه، فإن جاز الكذب
على أهل مصر ومصرَين فلمَ لا يجوز على أهل جميع النواحي والأمصار.
وسائر الشرق والغرب.
فإن قالوا: العادة تمنع من ذلك في أهل سائر الأمصار، قيل لهم:
وكذلك هي تمنع منه في أهل مصر واحدٍ ومسجدٍ واحدٍ وقبيلةٍ واحدة.
ونَقَلةُ القرآن عن الرسول ﷺ أكثرُ عدداً من أهل أمصار وأقاليم كثيرة فوجب بذلك تصديقهم، وإحالة الكذب والغفلة والتوهم عليهم.
стр. 52
ثم يُقال لهم: من أين يُعلم صدق الجماعة في أنه لا مكذِّبَ لهم في
نقلهم لما نقلوا.
فإن قالوا: بخبرهم عن أنه لا مكذبَ لهم، قيل لهم: فإذا جاز عليهم
الكذب في بعض ما يخبرونكم به فما أنكرتم من جواز الكذب عليهم، في
أنه لا مخالف لهم في نقلهم، ثم يقال لهم: ومن أين نعلم أيضاً أنه لا
مخالفَ لهم فيما قالوا إنه لا مخالف لهم فيه فالكذب جائزٌ عليهم.
ويقال لهم: إذا لم تعلموا صحةَ نقلهم حتى تعلموا أنه لا مكذّب لهم
فيه ولا تعلموا أنه لا مكذّبَ لهم فيه حتى تعلموا صحةَ نقلهم عن أنه لا
مكذّبَ لهم فيه، وأمكن أن تكذبوا في نقلهم إنه لا مكذّبَ لهم فيما نقلوه لم
يصحّ أن يعلموا أبداً صحة نقلهم من حيثُ لم يصحّ أن يعلموا صدقَهم في
قولهم ونقلهم أنه لا مكذب، ولم يأمنوا أن يكونوا في دعواهم لذلك
كاذبين، هذا ما لا خلاصَ لهم منه أبداً.
ويقال لهم: إذا لم تعلموا صحةَ النقل إلا إذا علمتم أنه لا مخالفَ لهم
فيه، ولم تعلموا أنه لا مخالفَ لهم فيه حتى تعلموا أنه صحيحٌ: لم يصح أن
يعلموا أبداً صحةَ الخبر، لأنكم تجعلون الشيءَ شرطاً فيما هو شرطٌ فيه.
ويقال لهم: يجبُ على اعتلالكم إبطالُ جميع الأخبار لخلاف السمنية
عليها، ويجب أن يصيرَ العلمُ بصحة الخبر إذا لم يكن منه مخالفٌ جهلاً وإذا
حدث مخالفٌ في صحته وجاحدٌ لموجبه، وأن ينقلبَ العلمُ جهلاً لحدوُ
الخلاف على الخبر، وتجويز انقلاب العلم بصحته جهلاً بجواز حدوث
خلافٍ فيه، وهذه غايةٌ من الجهل لا يبلغها ذو تحصيل، فوجبَ بذلك
سقوطُ جميع ما تعلقوا به.
стр. 53
ومما يدل أيضا على بطلان قولهم في إمكان نقصان القرآن وضياعِ شيءِ
منه أو القطع على ذلك أو الزيادة فيه: أنه لو جاز مع ما وصفناه من حال
نَقَلته وحُفّاظه أن يكون قد ذهب منه شيءٌ كثيرٌ لا نعرفه ولا نقف عليه لجاز
أن يكون قد ذهب أكثره وما يزيد على سبعةِ أعشاره، وأن يكون الذي في
أيدينا منه أقل من العُشر، ولو جاز ذلك لم نامنه ولم نأمن أن يكون معظم
الدين والفرائض والسنن قد ذهب في القدْر الذي سقط منه وذهب على الناس ضبطه، ولعل فيه أيضًا نسخ جميع العبادات التي في أيدينا وتبديلَها بغيرها، ولعل فيه توقيفاَ على أنبياء يأتون بعدَ النبي ﷺ بنسخ شريعته، ولعل في ذلك القرآن الضائع إباحةَ نكاح الأخوات والأمهات وسائر ذوات المحارم.
ولعل فيما سقط منه تفسير معنى الصلاة والزكاة والصيام، أن المرادَ بذكر هذه العبادات تولّي رجالِ سُموا صلاةَ وحجا وصياماَ، وأن الخمرَ والميسرَ
والأنصابَ والأزلامَ رجالٌ أُمِر الناس بلعنهم والبراءةِ منهم فقط، ولعل فيه
أيضا ذم جميع من يعتقد الشيعةُ فيهم أنهم أئمةٌ منصوص عليهم وإيجابُ
التبرِّي منهم، وإيجابَ تولِّي معاويةَ وزياد والحجّاج والشمّر وشيعته،
стр. 54
ولعل القرآن إن كان زائداَ على قدر ما أنزل أن يكون أكثر ما فيه من فرض
الصيام والصلاة والحج ساقطا غيرَ لازم، وإنما زِيد فيه ما ليس منه، فإذا
كان هذا يسدّ علينا طريقَ الأمان من جميع هذه الأمور وفيها إبطال الشرع
والانسلاخُ من الإسلام فلا شبهةَ على مسلمِ في فساد كل قولِ ومذهبِ أدى
إلى ذلك.
وليس لهم أن يحتجوا في دفع هذا بإجماع الأمة على بطلانه، لأن
الإجماع عندهم لا يجب القطع على صوابه وأمانِ الغلط على أهله إذا لم
نعلم دخولَ الإمام المعصوم فيه، ونحن فلسنا نعرف مذهبَ الإمام في هذه
الأبواب ولا نقبل دعواهم، وروايات الشيعة عنهُ مُداهنةَ، لأنهم عندنا كَذَبة
في ذلك، وفيما هو أعظمُ منه، ودعوى التواتر بينهم عن الإمام متعذر وجهل فيمن صار إليه، وهم عندنا قد ضلّوا وفسقوا بأمورِ لا يجوزُ معها قَبول أخبارهم، ولأنهم عندنا وعندهم غيرُ معصومين من الكذبِ والسهو والإغفالِ فيما يروونه عن الإمام إن كان لهذا الإمام أصل وما يروونه عن غيره أيضًا، ولا صحةَ في رواية مَن هذه سبيلُه.
وليس لهم أيضًا أن يقولوا: لو كان الأمر في هذه الشرائع والعبادات
على ما وَصفْتُم لوجب أن يوجد من الأمة قائل بهذا، لأنّ الأمّة كلّها لا
يجوز أن تُضيّعَ الحق والواجب، وتتركه وتعدل عنه قصدا منها وعنادا وغلطا
وجهلا وسهوا وإغفالا، وإنما يجب أن تقوم بالواجب في هذه الأبواب لو
كانت بأسرها حجة أو كان فيها فرقة هذه سبيلُها، ومتى لم يكونوا كذلك لم
يجب أن لا يجوزَ على سائرهم تضييعُ الحق والذهابُ عنه، ولأن فيمن
يُنسب إلى الأمّة ويزعم أنه أحقُّ بهذه التسمية - أعني أنهم أمَّة محمد ﷺ -
стр. 55
خلق كثير يقولون ذلك، وهم الغُلاة الإسماعيلية ومن صنف الكتبَ
المعروفة المشهورة في أنّ المراد بذكر العبادات والمعاصي المحرمات رجالٌ
أُمرنا بموالاة بعضهم والبراءةِ من بعضهم، وأن المرادَ باسم النكاح والطلاق
والعتاق وغير ذلك دخولٌ في البيعة وتحفظٌ من نشر الدعوة أو إذاعةٌ لها
وخروجٌ عنها، وغير ذلك مما قد عُرف من أقاويلهم، وكل ذلك مروي
عندهم عن أهل البيت ومَن هم الأئمة والصفوة ﵈، لعلهم مثل
عدد الشيعة أو أكثر عددا، والغلبةُ اليومَ لهم في كثير من الأمصار
والآفاق، وإذا كان ذلك كذلك بطل قولُهم أنْ ليس في الأمة قائلٌ بهذا.
فإن قالوا: هؤلاء ليسوا من الأمة، قيل لهم: إن جاز لكم أن تُدخِلوا
أنفسَكم في الأمة مع قولكم بأن الأئمة الإثنا عشرَ أفضل من جميع الأنبياء إلا
محمدا ونوح وإبراهيم ونفر يسير من النبيين، وأن يقولوا إن الإمامَ يعلم
الغيب، وأنّه لا يحكم بنسبٍ ولا مالٍ حتى يعلم صدقَ المدعي وصدق
стр. 56
شهوده ويقفَ على بواطنهم، وأن المعجزةَ يجوز أن تظهرَ على يدي الأئمة.
وأنّ الرجلَ يجوز له أن يجمعَ بين ألف حُرّةٍ بعقد متعة، وأن العمَ لا يرث مع
الابنة، ومع قولٍ كثيرٍ منكم بتصديق الخطب المروية لكم عن على من نحو
الشلْشلِيةِ والشَقْشَقية التي يقول في إحديهما: أنا رفعتُ سماءها، أنا
دحوتُ أرضها، أنا أنشاتُ سحابها وأخرجتُ نباتها، أنا أهلكتُ عاداً وثموداً
ولو شئتُ أن يعودا لعادا، حتى يقولَ شاعرُ هذه الفرقة:
ومَن أهلكَ عاداً ... وثموداً بدواهيهْ
ومن كلَّم موسى ... فوقَ طورٍ إذ يناجيهْ
ومن قال على المنبرِ ... يوماوهو راقيهْ
سَلُوني أنَّها الناسُ ... فحاروا في معانيهْ
ويقول في الشقشقية: والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة، لولا ما أُخذ على
العلماء من كظم الظالم وصعب المظلوم لأرسلتُ حبل غاويها، ولَسقيتُ
أولها بكاس آخرها، ولألفيتُ دنياكم عندي أهونَ من عفطة عنز، وشتّان
بين القولين، فإن من أهلك عاداَ وثمودَ وكلّم موسى، وأنشأ السحاب.
وأخرج النبات من الأرض يقول: ألفيتُ دنياكم عندي أهونَ من عفطة عنز.
يعني: من رحلة عير، هذا بعيد، فإن مثلَ هذا كان يقدر أن يُهلكَ الجميعَ
الذين يخالفون عليه ولا يفتقرَ إلى بقيةٍ منهم، ومع هذا قول دِعْبل
стр. 57
وكُثيرٍ وغيره منكم بالرجعة في الدنيا، وقول الكيسانية إن محمد بن
الحنفية حيّ يرزق بجبال رضوى إلى يوم يخرج، إلى غير هذه المذاهب
والتُّرَّهات.
فإن ساغ لكم أن تدعوا مع هذه المذاهب والأقاويل أنكم من الأمة ساغ
للإسماعيلية أن تدعي أنها من أخص الأمة، ولا جوابَ عن هذا.
وليسَ لهم أيضا أن يزعُموا أنهم يعلمونَ ضرورةً من دين الرسول
وجوب هذه العبادات وتحريمَ هذه المحرمات، فإن الغالبيةَ منهم ينكرونَ
ذلك ويقولونَ إنهم لا يعلمونَ شيئاً مما قالوهُ، وكذلك من زعمَ أن الأنبياء
باقونَ تترى إلى يوم القيامة، وكل الباطنية يرونَ في هذه الأمور خِلافَ رأيهم
ويقولونَ إن الذي بُعِثَ به محمد ﷺ هو ما هم عليه.
وليسَ لهم أيضا الاعتصامُ مما ألزمناهم بأن الأمرَ لو كانَ على ما قلناه
لظهر عن الإمام ذكرُ الفرائض الذاهبة، لأننا لا نعرف هذا الإمام، ولأنه لو
كان موجوداً لجاز أن يسكتَ عن ذلك تقْيَةً كما أمسك عن نقض أحكام أبي
بكرٍ وعمر وأظهر الإقرار بمصحف عثمان وسوع التحكيم، لأنه أيضا قد
стр. 58
يلقي ذلك إلى أبوابه ودُعاته، وأنّ الأمرَ في ذلك على ما قلناه، فيكتمونه
ويحرّفون عليه ويكذبون، لأنّهم غيرُ معصومين، وكذلك إن عُيّرَ عِلْيَتُهم
بآخرين كان حالهم كذلك، وإذا كان ذلك كذلك بطل جميع ما يحاولون به
دفعَ هذه الإلزامات.
فإن قالوا: إن هذا أيضاً لازمٌ لكم ومنقَلِب عليكم، لأنكم جميعاً
تعترفون بأن الله سجّله، فإن نسَخ منه آياب كثيرة وقرآناً كان أنزله، ونهى بعد ذلك عن إثبات رسمِه وقراءته، ونسَخَ تلاوتَه، وإذا كان ذَلك عندكم كذلك فما يؤمّنكم أن يكون فيما نسخه وأزال رسمَه جميع أحكام الباقي رسمه أو تغييرها وإزالة فرضها، ولعل فيما نسَخه نصاً على أنبياء وأئمة بعده وإطلاق جميع ما يعتقدون دلالة الباقي على تحريمه.
قيل لهم: لا يلزمنا شيءٌ مما قلتم، وذلك أننا لا نجيز على الأمة
بأسرها وعلى العدد الكثير الذين بهم تقوم الحجة أن تتفقَ هِمَمُهم ودواعيهم
على كتمان نسخ ما نُسخ عنهم فرضُه، ووفقوا على تغيّر حكمه بغيره
وتبديله، ولا أن يفتعلوا خبراً كذباً على نبيهم ﵇، فإنّه أوجبَ
عليهم ما لم يوجبه، وشرعَ لهم ما ليس من دينهِ، بل لا يجوز ذلك عليهم
فيما لا تعلُّق له بباب الديانات، لامتناع ذلك عليهم في العادة، وتعذُره من
مثلهم، وأنهم متجبّرون على جميع الأئمة سوى الإمام المعصوم، أو أهل
العدد الكثير، والدّهماء منها افتعالُ الكذب وكتمان ما سُمع وشوهد.
ويزعمون أنهم قد كتموا قرآنا كثيراً كانوا سمعوه من الرسول ﷺ وحفظوه عنه، ولا مأمونَ أن يكون ما كتموه منه أضعافَ ما في أيدينا وإن كان الرسول قد وقفهم على ما كتموه كتوقيفه لهم على هذا القدر الذي نقلوه عنادًا منهم وقصداً إلى الإدخال والإلباس في الدين.
стр. 59
ويحكون أن القرآن كان من الكثرة إلى حدّ لا نقله عليّ وقنبَر ولا ينهضان بحمله مع شدة على وفضل قوته، وكل هذا قد كُتم واندرس
وانطوى علمه إلا عن الإمام عندكم وحده، ويروون عن أهل البيت عليهم
السلام أنهم قالوا: رُبع القرآن منزَل فينا وأنتم لا تحفظون من هذا الربع تمامَ
خمس آيات ولا تعرفون منه إلا ما نعرفه من قوله : (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣) .
ويزعمون أن سائر سلف الأمة إلا أقلّ من عشرة منها كَتَمتْ النصّ على
علي وجحدته، عاندت وأخفَت الحقّ، وكذلك سائرُ فرق الأمة اليوم عندكم قد اتفقوا على كتمان هذا النص على الإمام، مع علمهم به ومعرفتهم له، وأنهم جميعاَ قد افتعلوا الكذب، وتواطؤوا على نقل الباطل في نقلهم لفضائل أبي بكر وعمر وعثمان وغيرهم من الصحابة، * إلى غير ذلك مما يحملون أنفسهم عليه.
وإن لم تجيزوا هذا الكذب والافتعال على جميع من عدا الإمام من
الأمة فإنكم تجيزونه على معظمها وجميع فِرَقها المخالفة لكم، وقد علمتم
أن ببعضهم يثبت التواتر، وأنه لا فصلَ بين إجازة الكذب والافتعال على
تسع فرقٍ من الأمة وبين إجازته على العشرة، وإذا كان ذلك كذلك وكنتم قد اعترفتم بكتمان جمهورٍ من السلف والخلف لأكثر القرآن مع شهرة أمره
стр. 60
وقطع الرسول ﷺ العذرَ في بابه: لديكم أيضا فيما كتموه منه نسخُ جميع ما في أيدينا من الأحكام وكتمان شرائعَ وفرائضَ أُخرَ تأتي بعد الرسول، وإطلاقُ جميع المحرمات من حيث لا يمكنكم دفع ذلك ولا الخلاصُ منه.
فأما نحن فإننا نُحِيل هذا أجمع على الأمة، على قدر عدد أهل التواتر
منها، ونقول: إنه لا بد في مستقَرّ العادةِ من توفر دواعيها وهممها على نقل
الناسخ والمنسوخ من دينها وضبطها لذلك، فشتانَ بيننا وبينكم.
فإن رجعتم إلى أنّ الإمامَ والأئمةَ من ولده هم العالمون بعلم ذلك، ومعرفته وأنهم لم يُروَ عنهم شيء في هذا الباب: لزمكم أن يكونوا قد قالوا
ذلك ووقفوا عليه، غير أن الناس كتموا ذلك وكذبوا عليهم، وأنتم أول من يكذب عليهم ويُكْتم ما قد نُقل عنهم، ويفتعل عليهم ما لا أصل له، وإن ادعيتم أو واحد منكم أنكم لقيتم الإمامَ فأخبركم بأن الشرع مُبقىً وأن ما ألزمناكم لا أصل له فقد عرفتم الجواب عن هذا، وأن من جوابه ما يجبُ
تنزيهُ الكتاب عن ذكره، وأقلّ ما فيه أنكم تكذبون وتعلمون أنكم تكذبون.
وفي الشيعة من يقوِل إنه قد لقي الإمام وعرفه أن القرآن الذي في أيدينا
على ما أنزل عليه لم يُغيّر ولم يبدل، وكذلك يدّعي أهلُ كل مذهبٍ ورأيٍ
وإن به الشيعة أنهم قد لقوا الإمام فوقَّفهم على صحة ما رووه ودانوا به.
وهذا كلُّه من التُّرهات وما يسترضون به الجهال والأوغاد الطغامَ.
وبعد: فلو سلَّمنا لكم أن ههنا إماما معصوما وأنكم قد لقيتموه: من أين
كنا نعلم صدقكم عليه وأنكم غير كاذبين فيما تروونه عنه، وأنتم باعترافكم
غير معصومين من الكذب والسهو والغلط، والاعتمادُ لكونكم على هذه
الصفة احتجتم إلى إمامٍ معصوم وافر؟ وإذا كان ذلك كذلك فلا سبيلَ لهم
إلى دفع ما ألزمناهم.
стр. 61
ويُقال لهم: أنتم تعلمون أنّ الكَيْسانيةَ تكذبكم وتجحد إمامَكم وتدعي
أن الإمام الذي عنده علمُ ذلك لا سبيلَ إلى الوصول إليه، فإنه مقيمٌ بجبال
رضوى، أسَد عن يمينه، وأسَدٌ ونمر عن شماله، يحفظانه إلى يوم يخرج
فيُظهر الحق، ويقمع الباطل وأهله، فأيكم يُصدق، ومن منكم أولى أن يتبع
على هذه الخرافات والترهات.
ومنكم من يقول إنه بعسقلان، ومنكم من يقول بالطالقان، ومنكم
من يقول: لا أعرفُ دارَه، ولا أصدّق من أخبرَ بلقائه، وكل هذا يدل على
علمِكم ببطلان ما أنتم عليه في هذه الدعاوى، وأن تعلقَكم في دفع ما
تُسألون عنه أحيانا أو تصحيحه بإقرار الإمام له أو إنكاره: من المهرب
والفرار، ومن جنس اللعب والمجون، نعوذ بالله من التلاعب بالدين
والإدغال لأئمة المؤمنين.
قال أيده الله: وما يُجابون به عن هذا الاعتراض أيضا: أن في الأمة
من يقول: لا أعلم أن من القرآن ال منزَل ما قد نُسخ رسمُه ورُفعت تلاوته،
стр. 62
وأنّ جميع الأخبار في ذلك أخبار آحادٍ لم تقم بها الحجة، ولا يجوز القطعُ
على إنزال قرآنٍ ونسخه بأخبار آحادٍ لا حجةَ فيها، وهذا يُبطل أيضاً اعتراضَهم إبطالاً ظاهراً.
دليل آخر: مما يدلّ على صحة القرآن وبطلان ما يدعونه فيه من
النقصان والفساد ما صحَّ وثبت من شدّة نُصرة السلف للرسول ﷺ وبذل أموالهم وأنفسهم والجهادِ بين يديه، وقتلهم لآبائهم وإخوانهم في نُصرته وتشييد دعوته وإقامة دينه وشريعته، وما كان من هجرتهم الهجرتين وما احتملوا من العذاب في الله، وحملوا أنفسَهم عليه من مفارقة العز والأهل والأوطان والدّعة، إلى القلة واحتمال الهوان والضّيم والانتقال عن الديار، وأنّ مَن هذه صفتُه وسبيلُه لا يجوز عليه أن يقصد إفسادَ ما نصره، وإبطالَ ما أيّده، والقدح فيما دان به، ورأى الاستنقاذ من النار باعتقاده والانقياد لمورده، وإذا كان ذلك كذلك وكانت الرافضة تدّعي أن فيما كتمه القوم من القرآن وغيره ما يُعلم أنّه لا غرض في كتمانه وتغييره، ولا طائل لهم فيه ولا هو مما يتعلّق بولاية أحدٍ والبراءة من غيره، ولا تقتضي تفضيل تيم وعديّ وبني أمية على بني هاشم، ولا يُنقص الولاء ولا يُفسد البراءةَ، ولا يُوجب رئاسةً، ولا يقتضي عاجل نفعٍ ورئاسة، ولا يعود بصلاح عاجلةٍ ولا آجلَةٍ في النفس، ولا في العاقبة والذرية، وإذا كان ذلك كذلك ثبت أنّ من هذه سبيلُه لا يجوز أن يحمل عاقل ليس بذي دين نفسَه عليه، فضلاً عن أهل الوَقار والدين وحسن النسك والمسألة والجهاد.
فمن التغيير الذي ادّعوه ولا غرضَ لعاقلٍ منه قولهم إنَّ أبا بكرٍ وعمر
وعثمانَ والجماعة فصلوا بين الكلام المتصل المتناسب وعضُوه حتى صار
مُنبَتراً غير مقيد، وقدّموا المدنيّ على المكي في الكتابة والرسم، فالله
стр. 63
سبحانه بزعمهم قدّم المكّي على المدني في التأليف والترتيب، ونقصوا قوله
(وهي صلاة العصر) من قوله: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى) .
وحذفوا قوله: (ونوائب الدهر، وإن فيه إلى آخر الدهر) من
سورة العصر، وأسقطوا قوله: (والشيخ والشيخة فارجموهما ألبتة بما قضيا
من اللذة نكالا من الله، والله عزيز حكيم) ، أثبتوا مع ذلك الحكم وفرضَ
الرجم على المحصنين، وأبدلوا مكانَ قوله: "صراطَ من أنعمت عليهم" ب:
(صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) ، وحذفوا من قوله: (فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ)
"متتابعات"
ذكر التتابع، وحذفوا من قوله: (وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (٧٩) .
قولَه: (صحيحة) ، وأبدلوا مكانَ قوله: "ولقد نصركم الله ببدر وأنتم ضعفاء" بقوله: (وَأَنتُمْ أَذِلة) .
وأسقطوا من قوله: (حتى تُسلّموا وتستأنسوا) ذكر الاستئناس، أسقطوا من
قوله: (قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ) "أنا أنا أنظر في كتاب ربي
الله، ثم آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك"
في أمثالٍ لهذه الترّهات التي قد رُويت رواية الآحاد عن قومٍ من السلف يطول تتبعها، قد نقلوها من تصانيف أصحاب الحديث ورُواة الشواذّ، وعلّقوها على الصحابة، وادعوا أنّ الأئمةَ والعترةَ الهادية وقفتهم على حذف القوم لها وقصدهم إلى نقصانها، وهي بأسرها موجودةٌ في كتب من صنف القراءاتِ وذكر الشواذّ من الروايات، وقصد إلى الإلباس على الجهال من أتباعهم، وقد بينّا فيما سلف أنه لا غرضَ لعاقلٍ في هذا الباب ولا نفع في عاجل ولا آجلٍ يجري بذلك إليه.
وإذا كان ذلك كذلك ثبت كذبُ هذه الروايات وكذب من ادّعى على القوم اعتمادهم التخليط في التأليف ونقصان ما لا غرضَ في حذفه.
стр. 64
فإن قالوا: ما أنكرتم أن يكونوا إنما قصدوا بذلك الإفساد للشريعة
وإيقاع الخلل والتخليط في الكتاب معاندةً للدين والرسول فقط، قيل لهم:
ما قدمناه من وصف دينهم وتشددهم وعظيم عنائهم ونُصرتهم وإنفاقهم
وجهادهم في تأييد الدين ونصرة الرسول وإقامة كلمة الحق: ما ينفي ذلك
عنهم، وكيف يقصد مثلَ هذا من قتل أباه وأخاه وعشيرته في نُصرة الدين
ومورده، وأنتم إلى التهمة بإفساد الدين والطعن على الشريعة والقرآن وإيقاع التخليط والإلباس فيما يتعلق بالدين أقرب، فلذلك يُقدِمُون على قذف الصحابة والجلّة من الأئمة بمثل هذه الأمور، ليحمل العامة أنفسهم على ثلْب السلف، ثم ثَلْب من قدمهم الله وأجلهم وأظهر إكرامهم، وأنتم تعترفون بأن النبي ﷺ فعل بهم ذلك، ثم بثلْب من وادَع هؤلاء، وأخذ عطائهم وحكم مصحفهم وقرأه وأقرأ أصحابه به، ولم يعرض لنقض أحكامهم، وأورد التمويه والكلام المحتمل للتأويلات في بعضهم، ثم ثَلْب من أظهر تسليم الأمر إلى من هو شرّ من الطبقة التي قبله، ثم كذلك إلى وقتنا هذا.
وقد علمتم أن كثيراً من الناس من يحكي أن كثيراً منكم يبرأ من الرسول
حيث قرّب هؤلاء القوم ولم يكشف للناس حالهم، ثم يرقى إلى ثلْب جبريل
وصاحب الرَّوشَن، ثم يختم ذلك بأن يقول: كل هذا التخليط من قبل الله
الذي وثق هؤلاء وجعلهم وسائطا إلى خلقه متحملين لرسالته، وربما كنَّى
عنه - جل ثناؤه - بالقَبَسي، وكل هذا تلاحد وتلاعب بالدين وإدغالٌ له ولأهله، وفتحُ باب مَاحِلٍ به، فأنتم في شتم السلف وقذفهم بما قد نزههم الله عنه أقربُ إلى قصد عناد الرسول والطعن في الدين والقدح في أئمة المسلمين.
دليل آخر: ومما يدل أيضا على أن الصحابة لم يثبتوا في المصحف إلا
ما كان ظاهراً مشهوراً بينهم وأن نقلهم لجميع القرآن واقع على وجه تقوم به
стр. 65
الحجة وينقطع العذر عَلِمنا بأنّ رسول الله ﷺ ألقى القرآن إلى جميع الأمة وبيّنه ونشره وأظهر أمره فيهم على طريقةٍ واحدة، وأنه بيّن لهم أنّ يوسفَ، والرعدَ والأحزابَ و (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا) .
مما أُنزل عليه وأقر برسمه كما بيّن لهم ذلك في الحمد و (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) والبقرة وآل عمران، وأنه كان يبلّغ ذلك ويؤدّيه ويُظهره ويعلنه تبليغاً واحدا وعلى طريقةِ واحدةِ متساوية، وأنه لا يجوز في وضع العادة أن يكون قد عُرف من حال الرسول أنه ربما بيّن بعض القرآن للكافّة أو من ينقطع به العذرُ منهم في نقله عنه، وربما لم يفعل ذلك في بعضه وبيّنه الواحدُ (والاثنان) ومن لا يَحُجُّ خبره، ولا يُعلم صدقه ولا ينقطع العذرُ بقوله، لأمرين:
أحدهما: أنه لا يخلو مدّعي إلقاء ذلك من أن يكون مفصّلاَ لهذا الباب
وعارفا بما يُذكر أن رسول الله ألقاه وبلّغه بلاغاً قطع به العذر، وأقام به
الحجة وما ليس هذه سبيله منه أو غير عارفٍ بتفصيل ذلك، فإن كان عارفا به وادّعى أن البيانَ العامَّ وقع منه في البقرة وآل عمران ولم يقع في الأحزاب
و (لَمْ يَكُنِ)
قيل له: ما أنكرتَ أن يكون ذلك إنما وقع منه في الأحزاب
و (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا) والعصر، ولم يقع منه في البقرة وآل عمران والرعد، فلا يجد إلى دفع ذلك طريقاً، لأن الأمة تنقل ذلك عن نبيها نقلاَ واحداَ متساويا، وإن كان غير عارفٍ بذلك قيل له: فأنت لا تعرفُ ما قامت به الحجةُ من القرآن من غيره، ولعل الحمدَ وجميعَ المفصَّل مما لم يقم به الحجة به، ولعل قولَه: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (٥٥) .
стр. 66
وقوله: (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ) .
وقوله: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣) .
وجميعَ ما يدّعونه في عليّ وأهل البيت ما لم تقم الحجّة به، ولعلَّ الحجَّة لم تقم بقوله: (يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨) .
وجميع ما يدعون أنه نزل فيمن يَبرؤون منه من الصحابة مما لم تقم به الحجَّة فلا يجدون إلى دفع ذلك سبيلاً.
والوجه الآخر: أنه لو عُرف من حال الرسول أنّه ربّما ألقى القرآن إلقاءً
خاصاً إلى الواحد والاثنين لوجب أن ينقل ذلك الأمةُ عنه وأن يُعرفَ من دينه
كما عُرف ذلك من حاله في الأحكام التي كان بيّنهما على الوجهين جميعاً.
فلّما لم يكن ذلك كذلك ولا كان هذا معروفاَ من حال النبيّ ﷺ بطل ما قالوه.
ويدل على فساد ذلك أنّه لو جاز لمدَّعٍ أن يدّعيَ أنّ ما هو من أصل
الدين وأُسُّ الشريعة ومعدن علمها، ومفزع الأمّة المتعبَّدَةِ بها وملجئها.
ومنتهى علمها والفاصل بينها: ما كان يبشِّرُ الرسول ﷺ بياناً خاصاَ لا تقوم به الحجّة لَساغَ أن يدّعي مثل ذلك عليهم في النصّ على الإمام المفروض الطاعة عندهم بعده، ولَساغت هذه الدعوى في بيان كثيرٍ من أركان الصلاة والحج وصيام رمضان وتحريم القتل والخمر والزنا واللواط وغصب الأموال، وأن يقولَ قائلٌ ويتوهَّمَ متوهم أنّ رسول الله ﷺ كان ربما ألقى كثيراً من أحكام هذه الأمور إلقاءَ خاصَّاً لا تقومُ الحجةُ بمثله، وأنه كان يستثني في حكم جميعها أموراً يسوِّغها لبعض أمته ويلقيها إليه وحدَه دون غيره من تجويز الأكل في أيام الصيام، وإباحة الصلاة بغير وضوء، وترك حضور عرفةَ وطوافِ البيت ورمي الجمار، ويسوغُ له في كثيرٍ من الأوقات
стр. 67
تركُ الصلاة لغير علَّةٍ ولا عذرٍ يبيحُ له الإفطار في بعض أيّام الصيام من
رمضان، وأن يترك سائر الكفارات، وأن يشربَ الخمرَ، ويقتلَ النفس.
ويستبيحَ الفرجَ، ويغصبَ الأموال، وأنّ ذلك كان معروفا من عادة الرسول
وحاله في بيان هذه الأمور، وأنّنا لا نأمن أن يكون قد حضَّ كثيرا من
صحابته بإطلاق هذه الأمور وإباحتها، وفي هذا تعطيلُ الدين، والشكُّ فيه.
والخروجُ عنه، ولا سبيلَ إلى الخلاص منه.
وإن هم قالوا في جميع هذا: لا يجوز ما طالبتمونا به في هذه الأمور
لإجماع الأمّة على أنّ ذلك لم يقع من رسول الله ﷺ ، قيل لهم: أنتم لا تحفُلُون بالأمّةِ ولا تكترثون بقولها، إنما يجب أن تعرفوا مذهبَ الإمام المعصوم في ذلك فقط فإنه هو الحجّة، ولعلَّ مذهب الإمام في بيان هذه الأمور والفرائض ما ألزمناكموه، وأنتم لا تعرفون ذلك من دينه، وإن ادّعيتم أنكم قد عرفتم دينه في هذا لم تكونوا حجّة في الخبر عنه وقَلَبْنَا دعواكم، وقلنا لكم: فكذا تقولُ الشيعةُ الموافقةُ لنا على أنّ نقلَ جميع القرآن شائعٌ ذائعٌ قد قامت به الحجّةَ، وأنّ رسول الله ﷺ بيَّنه بيانا واحداً: إننا لا نعرفُ أنّ هذا دينُ الإمام في نقل القرآن وإذاعته، وبيانُ الرسول، فلا يجدون إلى دفع ذلك سبيلا، وإذا كان ذلك كذلك صحَّ بهذه الجملة أنّ نقْلَ جميع القرآن قد قامت به الحجة وانقطع العذر، وأن بيانَ الرسول له وقعَ على وجهٍ واحد، وأنّ كل طريقٍ يثبت به قيامُ الحجّة بالبقرة وآل عمران والحمد و (قُل هُوَ اللَّهُ أَحَد) وكلّ آيةٍ يحتجُّ بها الشيعة هو الطريقُ الذي يجب به قيامُ الحجة بنقل سورةٍ من القرآن وآيةٍ من آياته وكلمةٍ من كلماته.
وكذلك فلا يجوز أن يكون الرسولُ ﷺ يُلقي بيانَ بعض القراءات والأحرف التي نزل عليها القرآنُ إلقاءً خاصًّا لا تقوم به الحجَّةُ، لأنه ليس
стр. 68
مدع ذلك في بعض الأحرف أسعدَ من مخالفيه ومدّعيه في غير ما ادَّعاه.
ولأن ذلك لو كانَ كذلك من الرسول لوجب أن يُعرفَ من دينه، وأن يُنقل
ذلك عنه نقلا تقوم به الحجّةُ، ولأنه بمثابة دعوى ذَلك في بيان بعض أحكام
الفرائض العامّة اللازمة للأعيان المشهورة من دين الرسول.
وإذا كان ذلك كذلك بان أنّ رسول الله ﷺ قد بيَّنَ جميعَ القرآن وصدَعَ به وقطع العذر في بابه في بيان جميع وجوهه وأحرفه التي تدلُّ عليها، وأطلقَ القراءة بها، وأخبرَ أنّ الله شرعَ تسويغَ القراءة بها.
وممّا يدلُّ على ذلك أيضاً ويوضَّحُه وجودنا جميع الأمّه في زمن أبي
بكر ووقت جمعه للقرآن، وفي أيام عثمانَ وجمعه الناس على الأحرف
والقراءات التي أثبتها وأخذَ الناسُ بها متفقين مطبقين على إثبات ما أثبتوه
من القرآن والقراءات، فلو كان من ذلك ما نُقل إليهم نقلَ الآحاد وما لم يقم
به الحجَّة ولا انقطع العذر لم يجز في مستقِرِّ العادة وموضوعها أن يُطبقوا
على إلحاق قرآن وقراءة تُروى لهم من جهة الآحاد لم تقم به حجةٌ بالقرآن
والقراءة الثابتة المعلومة من دين الرسول ﷺ بالخبر الظاهر المستفيض القاطع للعذر، وأن يخلطوا ما لم يُعلم من ذلك ولم يثبت بالخبر الظاهر المعلوم، ولكانَ لا بد في مستقرِّ العادة من أن يمتنعوا من ذلك أو أكثرُهم، أو أن يقول خلقٌ منهم: كيف يجوز أن يُلحَقَ بما قد علمناه من القرآن والقراءات وتيقَّناه وانقطع عذرنا فيه ما لم نعلم صحَّته ولا ندري لعل الرسول لم يبلّغْه ولم يُنزلْ عليه، أو لعلَّه بلَّغه وأُنزل عليه على غير هذا الوجه وأن يمرجوا ويموجوا في ذلك، ويكثر خوضُهم ويكون الرادُّ لذلك والمنكِرُ له
والمانعُ من إثباته وإلحاقه بالظاهر المعلوم أكثرَ وأغلبَ من الراضي به
والمسوّغِ له، لأنه لا يجوز على مثل عددهم في فضلهم ودينهم وأماناتهم أن
стр. 69
يُهملوا ذلك وأن يستجيزوا تركَ قراءة قرآنٍ قد قامت به الحجَّة إلى قراءةٍ وقرآنٍ وتلاوة على وجهٍ لم تقم به الحجة ولا انقطع العذر، ويدوّنونه ويعظّمونه تعظيمَ ما علموه في دين نبيهم ﵇، كما أنّه لا يجوز على مثلهم في حالهم تعظيمُ الشعرِ والآداب وكتب الفلسفة والتنجيم على كتاب ربِّ العالمين، وإلحاقُه بدرجته، أو أن يُعطموا هذه الكتبَ ويمتهنوا المصاحفَ
ويحتقروا القرآن، ولأجل أنّ العادةَ ممتنعةٌ من كل أهل علم وصناعةٍ تعظيمٌ
لعالم وعلمٍ صنفَه وكتابٍ وضعه هو مُعظَمُ علمه وموضعُ شرفه وفضيلتِه.
وقد عرفوا ما وضعه منه وتيقَّنوه ولُقَنوه عنه، وشاهدوا إثباته له وحثَّهُ عليه
وأمرَه بالرجوع إليه أن يلحقوا بما في ذلك الكتاب ما يرِدُ عليهم عن ذلك
العالم المصنّفِ ورودَ الآحادِ الذي لا يُعرف صدقُ ناقِلِهِ وراويه.
وكذلك ما لا يجد الفقهاء والمتكلِّمين والشعراءَ والمتأدّبين والفلاسفةَ
والمنجِّمين يستجيزوا أن يُلحقوا "بموطأ مالكٍ " و"مختصرِ المُزَني "
و"المقتضب " و"إقليدس " و"المجسطي " و (قفا نبك من ذكرى حبيبٍ
ومنزل) ما يَرِدُ عليهم الورودَ الشاذَ الذي لا يعرفونه ولا يُحقِّقونه تحقيق
معرفتهم بما تضمنته هذه الكتب من الأمر الظاهر المشهور، هذا معلوم
بالعادةِ والطباعِ، فكتابُ الله أولى بذلك، والسلفُ الصالح من الأمَّةِ أحقُّ مَن
стр. 70
سبق إلى إنكار إلحاق شيءٍ غير معلومٍ عن الرسول ﷺ بما ثبت وعُلم عنه من كتاب الله الذي هو الأملُ والمفزع، وعليه عند الكافة العمادُ والمعولُ.
وإذا كان ذلك كذلك وَضُحَ بهذه الجملة قيامُ الحجة بنقل جميع القرآن
الثابت في مصحفنا والقراءات، وأن ذلك أجمع ثابث معلوم من دين الرسول
ﷺ وإثباته لجميعه وقليلِه وكثيره ولطوالِ سُوَرِه وقصارها، كان على وجهٍ واحدٍ في الإذاعة والإعلان والإشاعة والقصدِ إلى إقامة الحجة وإثباتِ الحفظ له عنه، وحصول العلم به، وهذا ما لا شبهةَ على عاقلٍ فيه.
ومما يدلُّ أيضاً على أنه لا يجوز أن يكون قد ذهب وسقط على الأمة
حفظُ شيءٍ من كتاب الله مما قل أو كثر، وأن الذي بين الدفتين هو جميعُ
كلام الله الذي أقرَّ برسمه وإثباته وحفظه أنه لو كان قد ضاع منه شي بلا وذهب علمه وحفظه على الأمّة لم يخلُ ذلك الضائع الذاهب من أن يكون سورةً كاملةً من سور القرآن أو آياتٍ من سورةٍ معروفةٍ أو كلماتٍ من آياتٍ من السور، ولكان أيضاً لا بد من أن يكون سببُ سقوطِ ذلك وذهابِ علمه ومعرفته عن الأمّة هو أنّ الرسول لم يبلغ ذلك ويصدع به ويؤدّيه، لو أن الأمة لم تُصْغِ إلى ما أدّاه الرسول من هذا الضائع ولم تَعِهِ ولا حفظته عنه ولا أحفلت به وأعظمته، بل كذّبته فيه وردَّته وصغَّرت شأنه وحفرته، ولم تُحِلَّه محلُّ غيره مما تُلي عليها فحفظته وأعظمت شأنه وانصرفت همُمها إلى حفظه والعلم به، فإن كان ذلك لأجل أن الرسول لم يؤده ويبلغه ويقوم بحقِّ الله فيه وفي تلاوته عليهم وأمرهم بحفظه، فهذا طعن على الرسول وقدح في نبوته ودينه وأمانته لا شيءَ على الأمة فيه ولا لومَ ولا عيب، ونحن فلم نوجب على الأمّة حفظَ ما لم يبلُغْها ويؤدَّى إليها، وليس في المسلمين من يستجيزُ
وصفَ النبيّ بهذه الصفة ويَحِلُّون في هذه المنزلة مع اعتقاد تصديقه ونبوّته.
стр. 71
وإن كان السببُ في سقوط حفظ ذلك وذهابه على الأمّة أنها لم تُصغِ
إليه ولا أحفلت به ولا صدَّقت الرسول فيما أتى به منه فذلك محالٌ، لأنّه
ليس من دينِ أحدٍ من المسلمين اعتقادُ شيءٍ من هذا في القرآن ولا فيما دونه
من السنن والآثار، ولأنّ الأمّةَ مطبقةٌ وغيرُهم من المِلَلِ وكل من عرَفَ سيرةَ
المسلمين في تلقي القرآن من النبيّ ﷺ يعلم أنه لم يكن هذا دينَ المسلمين أو رأيَهم أو أحداً منهم في شيءٍ من القرآن الذي يتلوه عليهم ويخبر بأنه منزَّلٌ من عند الله، بل كانوا على سَجِيةٍ واحدةٍ ونمطٍ متساوٍ في حفظ القرآن عن الرسول وتعظيمِ جميعِهِ وانصرافِ هممها إلى تحفظه واعتقادِ تعظيمِه وتصديقِ من جاء به.
ولو ساغت مثلُ هذه الدعوى لمدعيها لساغَ لآخرَ أن يدَّعيَ أنَّ القرآنَ
الذي تلاه رسول الله ﷺ على أمّته وأمَرَهُم بحفظه كان أكثر من مائةِ ألفِ ألفِ ألفِ آية، وإنه كان يزيدُ على ألف حمل بعير، غير أن الأمة لم
تحفظ منه إلا هذا القدْرَ، ولم تعِ الباقي عن الرسول ولا اكترثت به ولا
عظّمته ولا أصغَتْ إليه، ولا كانت حالُها في قبوله والحرص على تحفظِهِ
وتعلُّمِهِ كحالها في قبول هذا القدر الحاصل في أيدينا والحرص على
تحصيله والإحاطةِ بعلمه، فذهبَ كلُّ ما تلاه عليهم عنهم، وبقيَ هذا القدرُ
اليسيرُ لشهوتهم بحفظه وخِفّةِ ذلك على قلوبهم، أو لتعظيمِ هذا القرآن أكثرَ
من تعظيمهم كان لما لم يصغوا إليه ولا يعلموا بحفظه، وهذا جهلٌ ممن
صار إليه ودان به، ولو ساغَ مثلُ هذا لقائِله لساغ لآخرَ أن يقول: إنَّ الثابت في شريعة الرسول من الفرائض والسنن والحدود والأحكام أضعافُ ما في
стр. 72
أيدينا من ذلك، وأنه قد ذهب على الأمّة حفظُ أكثر ما شرعه الرسولُ لها.
وإن كانت قد حفظت هذا القدرَ الباقي لأجل أنّها لم تحفظ تلكَ الأحكامَ
والحدودَ والفرائض لتركِهم للإصغاء للرسول ﵇ وقبولِ ذلك منه.
وقلَّة إحفالهم به، وإئَما حفظوا هذا القدرَ لخفَّته على قلوبهم، أو لسببٍ أوجبَ ذلك لا يعرفونه، ومن بلغ إلى هذا فقد ظهر جهلُه، وكُفينا مؤونةَ كلامه.
وإن كان هذا والذي قبلَه محالاً وكانت الأمّة قد حفظت عن الرسول
ﷺ جميعَ ما أتى به من القرآن وعظّمته وجرت في تفخيم شأنِه
على سبيلٍ واحدٍ غير أنّها أسقطت ذلك فتركت نقلَه وضبطَه بعدَ أن كانت
وعَتْهُ وحَفِظَتْهُ فذلك أيَضاَ محال، لأئَه لا يخلو سقوطُ ذلك عليها وتركُها
لإثباته من أن يكونَ عن قصدٍ منهم إلى ذلك ومواطأةٍ وتراسلٍ على طيَّه
وكتمانه، أو باتفاقِ ذلك وسهوِ سائرهم عنه عن غير قصدِ إلى ذلك ولا
اعتمادِ لتركه وتواطىءِ على كتمانه فيستحيلُ أن يكون ذلك واقعاً منهم بعدَ
حفظه ومعرفته على سبيل القصد والاعتماد والتشاعُرِ والتراسلِ على كتمانه، لأنّه لو كان ذلك كذلك لوجبَ في مستقرِّ العادةِ ومقتضاها أن يظهرَ عليهم
وعنهم ذكرُ هذا التواطىء أو التراسل، وأن يدورَ الحديثُ به بينهم، ويُعلمَ
ذلك من حالهم في يسير الوقتِ وأقصرِ المدّة، فإن يذكروا أسبابهم
ودواعيهم الباعثة لهم على كتمان ما قد عرفوه وسمعوه من القرآن حتى لا
يخفى على أحدِ عرَفَهم وتأمَّلَ بأحوالهم وخالطهم ألِّهم أهلُ تراسلِ وتشاعرٍ
على إنكار ما عرفوه ودفع ما علموه، فلمَّا لم يظهرْ ذلك عليهم ويُعلم من
حالهم ثبتَ بذلك أنهم لم يتواطؤا على كتمان شيءِ من كتاب الله.
ولو جاز أن يكتموا من القرآن سورةَ أو سوراَ أو آياتِ بقَدْرِ سورةٍ أو
سورِ منه لأسباب تعنيهم أو أغراض وبواعثَ حَدَتْهُم عليه، ثم لا يَظْهَرُ ذلك
стр. 73
عليهم ولا يُعرَفُ من حالهم لجازَ أن يقع منهم تواطؤ وتراسلٌ على كتمان
فرائضَ كثيرةٍ، وأحكامٍ وحدودٍ هيَ أكثرَ مما نقلوه لأسبابٍ دعتهم إلى ذلك.
ثم لا يُعرَفُ ذلك من حالهم وأن يتفقوا على كتمان وقائعَ كثيرةٍ وغزواتٍ
وحروبٍ هُزموا فيها، ونال الرسول في سائرها جراحٌ وكُلُومٌ، وقُتِلَ كثيرٌ من أصحابه وجِلّةُ الأئمّةِ الأربعة، وأن يتفقَ لهم التواطؤ على كتمان أسر قريشٍ للنبي ﷺ مراتٍ، وأن يُطبقوا على كتمان معارضة القرآن وسائرِ آيات النبيّ ﷺ ، ثم ينكتمُ ذلك عليهم، ولا يُعرَفَ الاتفاقُ عليه من أحوالهم، فكذا لا نأمنُ أن يكون قد كتَموا فَرْضَ عشر صلواتٍ كانت مفروضةً مع هذه الخمسة، وَفَرْضَ صيام شهور أُخرَ فُرِضَ صومُها كفَرضِ رمضان، وحجّ واجبٍ وحدودٍ وأحكامٍ هي أكثرُ مما في أيدينا، وأن لا نأمنَ أن يكون النبي ﷺ قد غزى ألفَ غزاةٍ وأُسِرَ ألف مرةٍ وقُتل من أصحابه خلقٌ هم في مَحَل أبي بكر وعمر وعثمان وعلى وحمزةَ بن عبد المطلب وسعد بن معاذ، غير أنّهم كتموا ذلك أجمع، واتَّفقوا على
طيِّه.
وأن لا يأمن بأن يكون القرآنُ قد عُورضَ بمثله وسائر آياته، واتَفقت
الأمّةُ أو معظمُها على جَحدِ ذلك وإنكاره، فإن مرُّوا على ذلك هذا كُفِينا
مؤونةَ الكلام معهم، وصاروا إلى القدح في الرسالة وجحدِ العادة.
стр. 74
وإن أبَوهُ وقالوا: لو وقع منهم اتّفاقٌ على كتمان شيءٍ من هذا لوجب
ظهورهُ عليهم والعلمُ به من حالهم، وأن يعلم ذلك أيضاً مَنْ ليس من أهل
ملَّتِهم، لأنَّ ذلك هو موجبُ العادةِ في كتمان الجمِّ الغفير والعَدَد الكثير فيما
يتفقونَ على كتمانه، وإن جاز حقّاً تواطؤ الاثنين والنفَّرِ اليسير على ما يتَفقونَ على كتمانه.
قيل لهم: وكذلك لو اتَّفقت الأمّةُ أو عددٌ كثيرٌ منها على كتمان شيءٍ من
كتاب الله لوجبَ أن يظهرَ ذلك عليهم ويحدَّثَ به من أمرهم ويُعرَفَ من
حالهم، وهذا ما لا جواب عنه.
ويستحيلُ أيضاً أن ما أسقطوا ما كان حفظوه عن الرسول من القرآن
وَوَعَوْهُ بعد ذكرهم له ومعرفتهم به، وتركوا إثباته لأجل سهوٍ عن ذلك
عمَّهم، ونسيانٍ شَمِلَهم، وعمَّ سائرهم، لأنّه ممتنعٌ على مثل عدَدهم في
العادة، ومن هو أقلُّ منهم في العدد الكثير، ولو جازَ ذلك عليهم لجاز أن
يكونوا جميعاً قد تركوا ذكرَ فرائضَ وحدودٍ، وأحكامٍ وحروبٍ، وغزواتٍ.
ومقاتل فرسانٍ جِلَّةٍ، كانوا بمحل الصدر الأوَّلِ، وتركوا أيضاً ذكر آياتٍ أخَرَ للرسول هي أكثرُ مما نَقَلُوه بأمرٍ عظيمٍ، لا عن سهوٍ عن ذلك عمَّهم، ونسيانٍ لَحِقَ سائرَهُم وغفلةٍ اقتطعتهم عن ذكر شيءٍ منه، ومن صار إلى ركوب مثل هذا فقد بلغ في الجهل حدَّاً لا يُرجى معه برؤُه واستقامته، ولا يُطمع في الانتفاع بكلامه، لأنَّ هذا أجمع دفعٌ للضرورة وجحدٌ لموجب العادة، أو آفةٌ وغَلَبةٌ تقطع صاحبها عن التمييز، ويستحيل أن يكونوا إنّما تركوا إثبات ما سقط عليهم من القرآن لأجلِ هلاك من كان يحفظُ تلك السورِ والآيات، التي ترك القومُ إثباتها إمّا بالقتل أو الموت لأمرين:
стр. 75
أحدهما: أنه كان لا بد في وضع العادة ومستقَرها من أن يتحدث
الباقون من الأمّة بأنّه قد ذهب قرآن كثير وسور وآيات من سورٍ بقيت
منتثرةً بذهاب حفاظها، لأنه لا بدّ أن يكون علمُ ذلك مشهوراً مستقراً
عندنا في الأمّة، وإن كانوا لا يحفظون ذهاب الذاهب على ترتيبه ونظامه
وتعيُّنه كما يعلمُ أهلُ بلدٍ وإقليم من أقاليم المسلمين وقريةٍ من قراهم اليوم
أنّ من حفظ من الكهف إلى الناس فإنّه لم يحفظ جميع القرآن، وأن من
حفظ عشرين آيةً من سورة البقرة فلم يحفظ سائرها، وإن ما لم يحفَظْه زيد
من السور هي السورة التي تُسمَّى كذا وسورةَ كذا، وإن لم يحفظوا هم أيضاً
ذلك القدْرَ، لأنَّ القرآن كان أشهر عندهم وأظهر من أن يُخفى أمرُه، لأنهم
كانوا يَتَلَقون ذلك من رسول الله صلَّى الله عليه، سُورُهُ مرتبة منظومة على
سبيل ما يتلقنه الناسُ اليوم، وكان من لا يحفظ السورة منه يعلمُ أن في
القرآن سورةً تُدعى بكذا وإن كان لا يحفظها، هذه هي العادةُ في علم الناس
بالقرآن ومعرفتهم بجملته حُفاظاً كانوا له أو غير حُفاظ.
وإذا كان ذلك كذلك وجب أنه لو سقط من القرآن سورٌ وآياتٌ لهلاك من
كان يحفظُ ذلك أن يَعلَم الباقونَ من الأمةِ أنّه قد ذَهَبَ كثيرٌ من القرآن، وأن
يتحدثوا بينهم حديثاً لا يمكنُ معه الجهلُ بما ضاع من القرآن لذهاب حَفَظَته.
ولو كان منهم قولٌ في ذلك وتُحُدّثَ به لوجب أن يُنقل ذلك عنهم، ويتسع
ذكرُه فيهم، وفي علمنا بأنَ ذلك لم يكن: دليلٌ على بطلان هذه الدعوى.
والوجه الآخر: أنه لا يجوز في مسقرّ العادة أن يتفقَ القتلُ والموتُ
والهلاكُ بأي وجهٍ كان بجميع من كان يحفظُ الذاهب من القرآن وبقاءُ
следующие страницы →