Полный текст (756 стр.). Показаны 736–756 · переход к 741.
стр. 736
فأمَّا قوله تعالى: (يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ) فإنما المراد به أنهم قالوا ذلك بأنفسِهم وأفواهِهم بغير إشارةٍ ولا كتابِ ولا مراسلةٍ لأن القائلَ قد يقول: قلت لزيد كذا وهو يعني أمرتُ من يقولُ له، وراسلته به، وكتبتُ بذلك إليه، وأشرتُ إشارة ورمزتُ رمزا، قال الله تعالى: (آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا) .
وقال الشاعر:
وقالت له العينان سمعاً وطاعةً ... واحْدَرتا كالدُّر لما ينظم
وقال آخر:
وتُخبرني العينان ما القلبُ كاتم ... فإذا قال له قلت له بفمي ولساني
زالت التأويلات.
وكذلك الجواب في قوله: (يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ) لأنه أرادَ أنهم
تولوا خَطَّهُ بأيديهم لا بواسطة وأمر منهم، وعلى وجه ما يقولُ القائل: كتبَ
رسولُ الله إلى النجاشيّ، وكتبَ الخليفةُ إلى فلان، أي أمرَ بالكتاب إليه.
فأمَّا قولُه تعالى: (وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ) ، فإنه أرادَ جنسَ الطيران دونَ
السرعةِ في الأمرِ والقصدِ لأنّ القائلَ من العربِ قد يقولُ لمن يأمُرهُ طر
وأسرع في هذا الأمر، أي بادر، ويقول: طرتُ إلى فلان، أي أسرعت، فإذا قيلَ طارَ الشيءُ بجناحيه انصرفَ إلى جنسِ الطيران بالجناح الذي هو الأصل الذي يشته به السرعةُ في القصد والأمر.
فأمّا قوله: (وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) فإنما أوردَه تعالى على
مذهبهم في قولهم نفسيَ التي بينَ جنبى، ونفسُه لا تكونُ إلا بينَ جنبيه.
فأمَّا قوله تعالى: (فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ) ، فهو لأن السقفَ قد
يخرُ عليهم من تحتهم إذا كانوا في الغرف، وقد يقولُ القائل: خرَّ علي في
стр. 737
بيتي سقف، وإن كان تحتَه، وقد يَخِرُّ عليهم السقف أيضًا وإن لم يكونوا
تحتَه ولا فوقَه، كما يقول القائل: خرَّ علينا في الدار سقف، وإن لم يكونوا
تحتَه ولا فوقَه، وإنما يقصد الإخبار عن سقوط السقف فقط في ملكه وداره.
أو قربه وجوارِه، فإذا قال: من فوقي أفادَ أنه كان تحتَه.
وأمَّا قوله تعالى: (فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ) ، فإنما ذكرَ اليمينَ لأنه بها وقعَ
دون الشمال، وقد يقعُ الضربُ بالشمال كما يقعُ باليمين ولأن اليمينَ أكثرُ
قوةَ وأشد تمكُنا وبطشا من الشمال.
قال الشماخ:
إذا ما رايةٌ رُفِعَت ... لمجدٍ تلقاها عُرابةُ باليمين
أي أخذها بقوةِ وبطشٍ وتبسطٍ في الكرم.
وأمَّا قوله تعالى: (تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ) ، ففيه وجوه:
أحدها: أن ذلك عادةُ العرب في كلامها وإكمالها للعدد الذي تُفصله
قال الشاعر:
تجمعن من شتى ثلاث وأربعٌ ... وواحد حتى كَمُلن ثمانيا
стр. 738
وقال آخر:
ثلاثٌ واثنتانِ فهنَّ خمس ... وسادسةٌ تميلُ إلى ثمانِ
ولم يستهجن هذا أحد في تخاطب أهل اللسان وعادتهم، وكذلك حكمُ
قوله: (تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ) ، وقوله تحالى: (وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً) .
والوجه الآخر: أنه قال تلك عشرة كاملة، أخرجَ الواوَ هاهنا عن أن
تكون بمعنى التخيير وبمثابة قوله أو سبعة إذا رجعتم، كما قال: (مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ) ، يعني أو ثلاث أو رباع، فكان يجوزُ أن يظن ظان أو السبعةَ في الحضر بدل من صيام الثلاثة في السفر، وأنه للتخيير وبمعنى أو.
فرفع سبحانَه جوازَ ذلك وقطعه بقوله تلكَ عشرةٌ كاملة.
ويُحتمل أيضاً أن يكون إنما أراد تلكَ عشرةَ كاملة، ليدلَّ بذلك أن
السبعةَ في الحضَرِ هي أيام أيضاً، لأنه لو قال فصيامُ ثلاثة أيامٍ في الحج
وسبعة إذا رجعتم، وقال: أردتُ سبعةَ أشهرٍ أو سبعَ سنينَ أو أسابيع لساغ
ذلك، فلما قال: تلكَ عشرةَ كاملةٌ دل بذكر العشرة والكمالِ على أن السبعة أيام، لا يحسنُ أن يقالَ ثلاثةُ أيامٍ وسبعُ سنين، أو سبعةُ أرطالٍ عشرة كاملة، وإنما دخلَ ذكرُ التكميل في جنس المعدود.
ويُحتمل أيضاً قولُه كاملة أنها كاملةُ الأجر والثواب، وإذا كان ذلك
كذلك سقطَ جميعُ ما يتعلقون به من هذا الجنس سقوطاً بيّناً.
قالوا: ومما يدلُّ أيضاً على وقوع الفسادِ والتخليطِ من القوم في القرآن.
ودخولِ الخللِ في الكتاب ما نجده فيه من الكلام المنقطعِ عن تمامِه ونظامِه
والمتصل بما ليس من معناهُ في شيء، نحو قوله في العنكبوت في قصة
стр. 739
إبراهيم ﵇ ووعظه لقومه في قوله: (اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٦) إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١٧) .
ويجبُ أن يتصل بذلك:
(فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٤) .
فقطعوا تمامَ القصةِ وبتَروها ووصلوا بقوله (إليه ترجعون) قصة محمّد ﷺ وما يخرج عن قصةِ إبراهيمَ، وهو قوله: (وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٨) أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١٩) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠) يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (٢١) وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٢٢) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٣) .
ثم أتبعوا ذلك بقوله: (فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ) ، وهذا تمامُ قولِ إبراهيم لهم: (فابتغوا عندَ الله الرزق واعبُدوه واشكُروا له إليه ترجعون) ، وهذا - زعموا - تخليط ظاهر وبتر للكلامِ وقطعٌ له عن صلته وخلطِه بما ليس منه بسبيل.
فيقال لهم: ليس الأمرُ في هذا على ما توهمتم، وذلك أن الله سبحانه
هو الذي رتبه كذلك، ورسوله ﷺ على ما بيناه من قبلُ وما سنوضحُه فيما بعد، فأما ظنكم أن هذا بترُ للكلام وإفساد له فإنّه جهل وذهاب عن معرفة فضل الفصاحة والقدرة على التصرفِ في الكلام، لأنّ أهل اللغة يعُدّون هذا الباب من ضروبِ الفصاحة والبلاغةِ والقدرةِ على
стр. 740
التبسط في الكلام، والخروج عنه إلى نعت ما يعرض فيه ووصفه، ثم العود إليه على وجه غير مستهجن ولا مستثقل، ويصفون من صنع ذلك في خطبته وشعره بالاقتدار على الكلام.
ويسمون هذا النمط في الشعر الاستطراد، ومعنى ذلك أن يكون في وصف شيء ونعته فيعرض عن ذكره إلى ذكر غيره الذي عرض ذكره فيما كان فيه، أو لم يعرض ثم يعود إلى صفة ما كان فيه واستيفاء ما قصد عن الإخبار عن معانيه بالكلام السهل والرجوع المسلسل المتناسب، ويسمونه الالتفات، وهو انصراف المتكلم عن المخاطبة إلى الإخبار وغير ذلك من الالتفات، وهو الخروج من معنى يكون فيه إلى معنى آخر، وليس يقدر على مثل ذلك كل فصيح لَسنٍ حتى يكون ذلك مع فصاحته قادرا منبسطا في الكلام، لأن إتمام القصة وحكايتها إذا طالت ربما تعذر نظمه على وجه الفصاحة والبراعة على أهل البلاغة واللسن، وربما احتاجوا في ذلك إلى تكلف شديد مختلف فيه كلامهم، حتى يكون من الجزل الرصين، ومنه اللين الخفيف وكيف بالخروج عن قصة إلى غيرها ثم العود إليها، لأن ذلك أشد وأصعب عند كل متكلم بلغة، ومتعاطٍ لنظم حكايات السير والقصص وضروب الأمثال، ومحاولة البلاغة في الكلام، وهذا النمط من الخروج عن كلام إلى غيره وما ليس من معناه ولا مما قصد بافتتاح الكلام ثم العود إلى ما ابتدأ بالكلام فيه وقُصِدَ إليه كثير معروف، ومن الاستطراد قول حسان بن ثابت ﵀ -
стр. 741
إن كنتِ كاذبة التي حديثني ... فنجوت منجا الحارث بن هشام
ترك الأحبة أن يقاتل عنهم ... ونجا برأس طميرة ولجام
وقد عُلم أن حسان لم يقصد بابتداء الكلام والتحذير من الكذب في الحديث إلى ذكر هرب الحارث بن هشام وفشله وتعييره به، وإنما قصد شيئا غير ذلك، وإن كان قد أدخله في كلامه، وخرج به عما ابتدأ الكلام لأجله.
وقال أبو تمام الطائي:
صُبَّ الفِراقُ علينا صُبَّ من كثبٍ ... عليه إسحاقُ بعدَ الروعِ منتقماً
وقد عرف أيضا كل سامع لهذا الشعر أن الشاعر لم يقصد بابتداء الكلام الإخبار عن انتقام إسحاق ممن انتقم منه بعد ترويعه، وإنما قصد الإخبار عن صفة الفراق وشدته فقط، ثم خرج إلى الدعاء عليه بانتقام إسحاق، فخرج من معنى إلى غيره.
وقال البحتري في صفة فرس كريم سهل الأخلاق:
سهلٌ مواردُه ولو أورَدته ... يوما خلائقَ حمدَويه الأحولِ
وقد علم أن البحتري لم يقصد في هذا الكلام وصفه خلائق حمدويه وشجيته، وإنما قصد غير ذلك، ثم عاد إلى ذكره.
وقال سريُّ الرفا:
نزعَ الوشاةُ لهم بسهمِ قطيعةِ ... يَرمي بسهمِ البينَ مَن يرمي به
стр. 742
ليتَ الزمانُ أصابَ حُب قلوبهم ... بفتى بن عبدِ الله أو بحرابِهِ
بسلاحِ معتقل السلاحِ وإنما ... يعتل بينَ طِعَانِهِ وضِرَابِهِ
وقد عُلم أيضا أن الشاعرَ لم يقصد بما شرعَ فيه إلى وصفِ سلاح ابن
عبد الله واعتلاله، وما لأجله يعتل من الضربِ والطعن، وإنما قصدَ إلى ذم
الوُشاةِ وما حاولوه من الأمور الموجبة للضرر والقطعية، وإن كان قد خرجَ
بينَ ذلك إلى الدعاء عليهم بقتالِ ابنِ عبدِ الله وحرابِه وبعثِ السلاح، وما لم
يبتدىء بالكلام لأجله، فأما الالتفاتُ في الكلام الذي هو خروج من معنى
كان فيه إلى معنى آخر ما على أن يعودَ إليه بعد ذكرِ ما يعرضُ ونعته، أو بأن
يُضربَ عنه جملة، فإنّه كثير في كتابِ الله وفي كلام العرب وشعرِ الفصحاء.
وأظهرُ من أن يُحتاجَ معه إلى إغراق، قال الله تعالى: (حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ) ، فعدلَ عن خطابِ الحاضرِ إلى ما هو كناية
عن الغائب، وسواء كتى عن الحاضر الذي ابتدأ بخطابِه أو غيرِ الحاضرِ فقد
خرج، وقال الله تعالى: (إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٩) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ) ، ثم قال: (وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا) ، وذلك كثير.
وقال جرير في هذا المعنى:
متى كان الخيامُ بذي طُلوعِ ... سقيتِ الغيثَ أيتُها الخيامُ
أننسى يومَ تصقُلُ عارِضَيْها ب ... قرعِ بَشامةٍ سُقِيَ البَشام
ولو لم يخرج من معنىَ إلى غيره لكان من حقه أن يقول: متى كان
الخيام بذي طلوع أيتها الخيام، لأن هذا هو تمامُ ما ابتدأ به من الكلام فقط.
فأمَّا الدعاءُ للخيامِ بسقي الغيث، ووصفُ عارضي صاحبَتِه وفَرْعها، فليس
стр. 743
مما ابتدىء الكلامُ لأجله، وشرعَ فيه بسبيل، غيرَ أنه اقتدار في البلاغة
وحسن الفصاحة.
وقال أيضا الطائي:
وأنجدتُمُ من بعد اتهامِ داركم ... فيا دمعُ أنجدي على ساكني نجد
فخرج عن الإخبار بانتقالهم من نجد إلى تهامة، إلى التحزن واستدعاء
الدمع، وقال أهلُ اللغة ومن جنسِ البلاغة والتمكن من الخروج عن الشيء
إلى غيره ثم العودُ إليه اعتراضُ الكلام في كلامٍ لم يتم معناه ثم العود إليه.
وأنشدوا قول النابغةَ الجعدي:
ألا زعَمَت بنو سعدٍ بأنّي.., ألا كَذَبوا كبيرُ السّن أنِّي
فاعترضَ في كلامه وخبر أخباراً عنهم بأنهم كَذبوا فخرجَ عن الإخبار
عن قولهم قبلَ تمامِه إلى الإخبار بكذبهم عليه، ثم عادَ إلى تمامِ الإخبارِ
عنهم، وإلا فقد كان يكفيه أن يقول: زعمتَ بنو سعدٍ بأني كبيرُ السن أني.
وقال كثّيرُ عزة:
لو أن الباخلينَ وأنتَ منهم ... رأوكَ تعلَّموا منكَ المطالا
стр. 744
فأعرضَ في ذكرِ الإخبارِ بأن الباخلين لو رأوه لتعلموا منه المطال إخبارُه
بأنه من جملةِ الباخلين، ولو لم يعرِض ذلك لكان من حقِه أن يقول: لو أن
الباخلينَ رأوكَ لتعلموا منكَ المطالا.
وقال آخر:
ظلموا بيومٍ دع أخاكَ بمثله ... على مُشرعٍ يَروي ولما يُصرِد
ولو لم يعرِض في الكلام طلبَ تركِ أخيه لمثله لقال: ظلَموا بيومٍ دع لى
مُشرعَ تروي ولما يصرد، وهذا أكثر من أن يتتبع.
قال أبو حية البحتري:
ألا حيِّ من أجلِ الحبيب الغوانيا ... لبسن البِلى مما لبسنَ اللياليا
ثم رجع بعد قوله لبسنَ بما لبسن اللياليا، أي تتميمُ ما شرع فيه.
وأكد من هذا أجمع وأبينُ قوله تعالى: (ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ) .
ثم أضربَ عن ذلك، وخرجَ منه إلى غيره، فقال: (بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ) ، فعدل عما بدأ بذكره إلى غيره اقتداراً على الكلام والبلاغة وإذا كان هذا أجمع وأمثاله ما قد بيَّنَّاه في الفصاحةِ والبلاغةِ والقدرة على التبسُّط في الكلام.
وكان ما خاطب الله سبحانه به ورسوله ﵇ مما تعلَّقوا به
أقربَ من كثيرٍ مما ذكرنا وأشبه وأشدَّ تلاوة، إلا أنه خرجَ من قصة رسولِ الله ﷺ وحكايةِ كلامِ قومه إلى قصة رسولِ الله ﷺ هو مُخاطب له، وإلى تفنيد قومه من قريش على تكذيبهم وردّهم، تثبيتا للنبي ﵇ وحثا له على الصبرِ وقوةِ العزم، وكل هذا مناسب، لأنه قصّ على رسول الله قصةَ رسولٍ قبلَه وخطابُه لأمّته، ثم خرجَ من ذلك إلى أن ذكر قريشا في تكذيبهم لرسوله وتشبيه ذلك بتكذيبِ الأمم قبلَهم وصبرِ أولي العزمِ من الرسل على رَدّهم ومكارِههم،
стр. 745
ثم خرجَ من ذلك إلى تنبيههم على آثار قدرته وشواهدِ ربوبيته، وحذرهم عقابه، ثم عادَ بأحسنِ الرجوع والنظمِ إلى إخبار رسوله بخوافي قوم إبراهيم، وكل هذا اقتدارٌ على النظم لا خفاءَ به، ومما يتعذرُ على أكثر أهل العلم والخطابة والنثرِ ولا يسهلُ ولا يتأتى إلا للقليل منهم، فمن توهم إفسادَ الكلام به وإخراجه عن طريقة البلاغة وعادة أهل اللغة، فقد ظنَّ عجزا وتقصيرا.
وكذلك الجوابُ عن كل ما خرج اللهُ تعالى في قصة من حكايتها وذكرِها.
إلى شيءِ غيرها، ثم عاد إلى تمامِها واستيعابها، ولا تعلُّق لهم بهذا ونحوه -
قالوا: وما يدلُّ أيضا على فساد كثيرِ من المودع بينَ الدفتين وتغييره
وخروجه عن سنن الحكمة وجودنا فيه ما لا فائدةَ ولا غرضَ في ذكره ولا
معنىَ له معقولٌ يجري إلى إفادته نحو قوله: (فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ) ، وما لهذا الكلام والمثل معنىَ
يعرف، ونحو قوله: (وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ) .
وقوله: (وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ) ، ولا فائدةَ تعرفُ في الإخبار عن تزاورِ الشمس عن
كهفهم ذاتَ اليمين وانقراضِها ذاتَ الشمال، وأمثال هذا ما يطولُ تتبعه.
وقسَمُه بالتين والزيتون، وبمواقع النجوم وبالنفس وما سواها وبالفجر.
وغير ذلك مما لا معنى للقسم به.
فيقال لهم: ليس شيء مما تتعلقون به وتظنون أنه لا فائدة فيه إلا وفيه
من الفوائد وضروبِ الحكمة ما يُبطلُ تؤهمكم.
فأمَّا قوله: (فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ) ، فإن اللهَ سبحانه ضربَ بذلك مثلا للكافر الذي لا يرجعُ ويَرْعوي
وينزجرُ إن وُعظ ودُعي إلى طاعة الله، وذكر بآلائه ونعمه، وإن تُركَ ولم
стр. 746
يُوعظ فهو في ذلك كالكلب الذي يلهثُ عند التعب، والإعياء والعطش.
ويلهثُ في حال الراحة والصحةِ والشبع والريّ، وكل ما سواهُ من الحيوان
إنما يلهثُ عند الإعياء والمرض والعطش، فمثلُ الكافرِ في عدم انتفاعه
بالعظة وتركِها كالكلب الذي يلهثُ كيف تصرَّفت به الحال.
وأما قوله: (وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ) ، فإنّ المقصدَ به تعريفُ الله سبحانه إيّانا حُسنَ
اختياره لهم أصلحَ المواضع، وأنَّه تعالى بوأهم كهفا في مغناةٍ من الجبل
مستقبلاً بناتَ نعش، وأنها إذا طَلعت تزاورُ عنهم يميناً وتستدبُرهم في
كهفهم طالعةً وجاريةٍ وغاربة، ولا تصلُ إليهم وتدخُل كهفَهم فتؤذيهم بحرِّها
وسمومها، وتشحبُ ألوانهم وتُبلي ثيابَهم، وأنّهم مع ذلك كانوا في فَجوة
من الكهف وهو المتَسعُ منه، ينالُهم فيه نسيمُ الريح وبردُها وينفي عنهم غُمةَ
الغارِ وكربه، فهذا هو الفائدةُ في ذكر طلوع الشمس وتزوارها، والفجوة من الغار وما في ذلك من حسنِ الصنيع واللطف والاختيار.
وأما قوله تعالى: (وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ) ، فإنه أرادَ به تخويفَ
الكافرينَ وعظَتَهم، والتنبيهَ لهم على انقراضهم وتعطيل مساكنهم ولحوقهم
بالأمم قبلهم فيتعظون ويعتبرون بالنظر إلى آثار من كان قبلهم وخلوِّ مساكنهم وانهدام قصورهم فيتعظون عند رؤيتهم لبيوت من سلف قبلهم خاويةً قد سقطت على عروشها، وبئرٍ كانت يشرب أهلها قد غارَ معينها، وعطل غشاؤُها، والعربُ أبداً تبكي الآثار َ وتندبُ الديارَ وتصفُ الذَمَنَ والأطلال
وتقول: يا دارُ أينَ ساكنوك وبانوك وعامروك، قال اللهُ سبحانه: (فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا) ، وقال: (فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا) ، وقال: (هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا (٩٨) .
стр. 747
وكل هذا وعظ وتحذير من الله سبحانه عذابَه ونزول
نِقَمه ومذكِّرة العمل للدارِ الباقية، وقال الأسودُ بن يعفر:
جَرت الرياحُ على محل ديارِهم ... فكأنهم كانوا على ميعادِ
فأرى النعيمَ وكل ما يُلها به ... يوما يصيرُ إلى بِلىً ونفاد
وما ذكَرهُ الله تعالى أبلغُ في الموعظة وأوجزُ وأبدعُ نظماً وأجدرُ أن يلوذ
به سامعه ويعملَ لمعاده.
فأمَّا قوله تعالى: (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١) ... إلى قوله (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) .
(وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ) . (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ) .
وكل شيء أقسمَ بذكره فإنما المرادُ به - والله أعلم - القسم بخالقه
تعالى ومقدره والنافع به والمحكم لعجيب صُنْعه وتدبيره، فحذفَ ذكرَ
الخالق لذلك اقتصاراً واختصاراً، وقد يمكنُ القسمُ بنفسِ الشيءِ العظيم
النفع به ولذلك أقسم بالتين والزيتون، لأن الانتفاع بهما وبما يعتصرُ من
زيت الزيتون كثير، وقد قيل إن التين والزيتون جبلان:
أحدُهما: الجوديّ الذي نزل عليه نوح، والآخرُ جبلُ طور سيناء، وقيل
غيرُ ذلك من المواضع الشريفة، وقيل هما مسجدُ بيت المقدس ومسجدُ مكة.
وقوله: (وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ) " يعني مكة، وقد يجوزُ القسمُ بالمواضع الشريفة على وجه التعظيم، كما يجوزُ القسمُ بالله تعالى، وليسَ يُقسم بالشيء إلا على وجه التعظيم إما لكونه خالقا إلها أو لكونه رسولاً له أو لعظم الانتفاع به أو لغير ذلك مما يوجبُ تعظيمه، وإذا كان ذلك كذلك بطلَ ما قالوه وبالله التوفيق.
стр. 748
(باب) الكلامُ في معنى التكرارِ وفوائِده ونقضِ ما يتعلقونَ به فيه
قالوا: ومما يدلُّ على فسادِ نظمِ القرآن ووقوعِ التخليطِ فيه كثرةُ ما فيه
من تكرارِ القصةِ بعينها مرةً بعد مرة وتكرارِ مثلها، وما هو بمعناها وتكرار
اللفظ والكلمة بعينها مراتٍ كثيرةً متتابعة، والإطالةُ بذلك، وذلك - زعموا - في وحشوٌ للكلام بما لا معنى له واستعمال له على وجهٍ قبيحٍ ضعيفٍ
مستغيث في اللغة، قالوا: وإن لم يكن الأمرُ على ما وصفناه فخبرونا ما
الفائدةُ بتكرار القصة الواحدة والقصص المتماثلة؟.
يقال لهم: ليس الأمر في ذلك على ما قدرتم، وللتكرار فوائدُ نحن
ذاكروها - إن شاء الله - فمنها أنّ الله سبحانه لما خاطب العرب بلسانها على وجهِ ما تستعملها في خطابها، وكانت تستجيزُ الإطالةَ والتكرارَ تارةً إذا ظنوا أن ذلك أبلغُ في مُرادِها وأنجع، وتقتصرُ على الاختصارِ أخرى في مواطنِ الاختصار، خاطبَهم اللهُ سبحانه على ما جرت عليه عادتُهم، والعربُ تقول: عجِّل عجِّلْ وقُم قُم، فتقول: والله لا أفعلُه، ثم والله لا أفعلُه، إذا أرادت التوكيد وحسمَ الطمعِ في فعله، وتقولُ تارة: واللهِ أفعلهُ بإسقاط لا فتختصرُ مرةً وتطولُه أخرى، ويقولُ قائلهم: آمُركَ بالوفاء وأنهاكَ عن الغدر، وآمُركَ بطاعةِ الله وأنهاكَ عن معصيته، والأمرُ بالوفاءِ نهي عن الغدر، والأمرُ بطاعةِ الله نهيٌ عن معصيته.
стр. 749
وقال الشاعر:
كم نعمة كانت لنا كَمْ كَمْ وكَم
وقال آخر:
هلا سألتَ جموعَ كِندةَ ... حينَ قوم ولَّوا أينَ أينا
وقال عوفُ بنُ الجزع:
وكادت فزارةُ تُصلِّي بنا ... وأولى فزارةُ أولى فزارا
وذلك كثير لو تُتُبع، فعلى هذا الوجهِ من الكلامِ جاء قولُ الله تعالى:
(أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٥) .
و (كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤) .
وقولُه: (وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٨) ، وقولُه: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦) .
على أنّه يحتمل أن يكونَ معنى قوله: (إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) إنَّ عسرا كان معه يُسرا، ثم إنَّ مع العسر يسرا عسرا آخر غير الأول.
ويحتملُ قولُه تعالى: (كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ) إذا حضَرتُم وعاينتُم
الملائكة، (كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤) .
إذا حُشرتم وحوسِبتم، ورأيتم أهلَ الجنةِ وأهلَ النارِ فيكون ذلك في وقتين، ومتعلقا بشيئين.
ووجة آخرُ في حُسنِ التكرارِ من اللهِ ، وهو أنّ في ذلكَ مرة بعد
مرةٍ من التثبيتِ لرسوله ﵇ والمؤمنين، والمواعظةِ والتخويفِ لهم
والرغبةِ في طاعةِ اللهِ والانزجارِ عن معصيتهِ عند تكرارِ الكلام، وإعادةِ
القَصصِ وضَربِ الأمثالِ ما ليسَ في المرةِ الواحدةِ ولا شبهةَ على أحدٍ في
تعاظُمِ النفعِ بتكريرِ الزجرِ والوعظِ وعظيمِ موقعهِ من النفسِ وتوفيقِه للقلبِ
والتثبيتِ على طاعةِ الله، والإذْكارِ لجنتهِ ونارِه، قال اللهُ سبحانه:
стр. 750
(وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (٣٢) .
فأخبر أن إنزاله أجزاءً ونُجوما وتكرارَهُ عليه في الأوقاتِ
المتراخيةِ تثبيتا له وللمؤمنينَ لأنهم إذا سمِعوا ما أخبرَ اللهُ سبحانه من إهلاكه
العاصينَ وتنجيَته المؤمنين كانوا أقربَ إلى طاعته وأشد انزجاراً عن معصيته.
ووجهٌ آخرُ في حُسنِ ذلك، وهو أن اللهَ سبحانه أنزلَ المتكررَ في أوقاتٍ
متغايرة، وأسبابٍ مختلفةٍ فَحَسُنَ منه تكرارُ القصةِ للزجرِ والموعظة، كما
يَحْسُنُ ذلكَ من الخطيبِ إذا خَطَبَ وتكلم في المحافلِ ويوم المجتمع.
ودَعى إلى حقنِ الدماءِ ونُصرةِ الجار، أو التطولِ والإفضال، فقد يجوزُ
ويحسنُ أن يكونَ في هذه المواقف إذا تغايرت واختلفت أسبابُه وخطبُه
وقيامُه في الناسِ ببعضِ ما كان ذكَرهُ في غير ذلك الموقف، وإنما يُستثقلُ
ويستغث التكرارُ إذا كانَ في موقفٍ واحد، وسببٍ واحد، واللهُ سبحانه إنما
كرر بعضَ القصَصِ والوعدِ والوعيدِ في أوقاتٍ متغايرةٍ ولأسبابٍ مختلفةٍ
فحسُنَ ذلك منه تعالى وساغَ على عادةِ أهلِ اللسان.
ووجهٌ آخرٌ أيضا يوجبُ حُسْنَ ذلكَ من القديمِ تعالى، وهو أنّ النبي
﵇ كان يحتاج إلى إنفاذِ الرسلِ والدعاةِ إلى النواحي والبلدانِ
ليدعوا إلى الحقِ وإلى طاعةِ الله وليقرأوا عليهم القرآنَ فأنزلَ الله سيرةَ نبيٍ
بعد نبيٍ وقصةً بعد قصةٍ، والقصةُ واحدة بألفاظٍ مختلفةٍ لِتقرَأ كل قصةٍ على
أهلِ ناحية، ولُتقرأ القصةُ الواحدةُ بالألفاظِ المختلفةِ على أهل الأطراف
والنواحي المختلفة، وربما علم أن سماعَ أهلِ النواحي المتغايرةِ القصةَ
الواحدةَ يكونُ لُطفاً لهم في الانزجارِ والانقيادِ إلى الإيمانِ فكررها وأنزلها
بألفاظ مختلفة على قدر ما أراده تعالى وعَلمهَ من اللطف، ثم على سماعِه
لتلكَ القصةِ بالألفاظِ المختلفة، وربما كان لطفُ أهل الناحيتينِ والمصيرينِ
стр. 751
في استماعِ قصتينِ من قصصِ الرسلِ والإخبارِ بنوعينِ من العقاب، وإن
كانت سيرة النبِيينِ مع قومهما سواء، وإذا كان ذلك كذلك ساغَ وحَسنُ منه تعالى تكرارُ القصصِ والقصةِ الواحدةِ على سبيلِ ما وصفناه.
ومن الفوائدِ في تكرارِ القصةِ والقصصِ المتماثلةِ بالألفاظِ المختلفةِ على
الوزنِ الواحد، أنه تعالى إنما كرر ذلك لأن لا تقولَ قريشٌ أو بعضُها للنبيِ
ﷺ كيف تتحدانا أن نأتي بمثلِ هذا الكلامِ الذي حُكيت به قصةُ نوح وموسى وإبراهيم، وليسَ له لفظٌ يُحكى به ويورده من البحر والوزنِ الذي أوردته إلا اللفظُ الذي بدأت به وسعيت إليه، فإن أوردناه بعينه، قلت: هذا نفسُ ما تلوتهُ عليكم وتحديتكمُ بمثله، وإن طالبتنا بمحاولةِ لفظٍ غيره، فليسَ للقصةِ والمعنى الذي عبرت عنه بهذا الوزنِ من الكلامِ لفظٌ غيرُ الذي أوردته وسَبقتَ إليه فكأنك إذاً تطالبنا بالمحالِ وهذهِ شبهةٌ كما ترى، فأرادَ الله تعالى حسمَ أطماعِ العربِ في التعلُّقِ بذلك فكرر القصة الواحدة، والقصَصَ المتماثلة والمعنى الواحدَ بألفاظٍ مختلفةٍ من بحرٍ واحدٍ وعلى وزنٍ واحدٍ هو وزنُ القرآنِ الخارجِ عن جميعِ النظومِ والأوزانِ لِيُعْلِمَهُم اقتدارَه وعظمَ البلاغةِ في كلامِه ويعرفَهم عجزَهُم عن ذلك ويقطعَ به شعثَهم وشُبههم، وهذا من جيِّدِ ما يُعتمدُ عليه في فوائدِ التكرارِ.
فإن قالوا: فما الفائدةُ في تكرارِ: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) ؟
قيل لهم: قد ذُكرَ في ذلك وجوه.
فمنها أنه أرادَ يا أيها الكافرون لا أعبدُ الآنَ ما تعبدون، ولا أنتم الآنَ
عابدونَ ما أعبدُ ولا أنا عابدٌ ما عبدتُم في المستقبل، ولا أنتم عابدونَ ما
أعبدُ في المستقبلِ وإنما أنزلت السورةُ في قومٍ المعلومُ عند الله من حالِهم
стр. 752
أنّهم لا يؤمنونَ ولا يَعبدون اللهَ أبدا وإذا كان ذلك كذلك خرجَ الكلامُ على
هذا التأويل ِ عن أن يكونَ تكراراً.
ويُحتمل أيضًا أن يكونَ أراد لا أعبدُ ما تعبدونَ مع عبادتي الله بل أُفردهُ
بالعبادةِ وحدَه، ولا أنتم عابدون ما أعبدُ مع عبادتكم الأصنامَ ولا أنا عابد ما عبدتُم مفردا لعبادِته ولا قارنا بينها وبين عبادة اللهِ تعالى وهذا أيضاً يخرجُ
الكلامَ عن التكرار.
ويُحتمل أيضا أن يكونوا قالوا له: اُعبدْ بعضَ آلهتنا حتى نعبدَ إلهكَ
فقال: لا أعبدُ ما تعبدونَ ولا أُسَلِّمُه، ولا أنتم عابدونَ ما أعبد، يريدُ إن لم
تؤمنوا حتى أَعبُدَ أنا بعضَ آلهتكم، وهذا أيضًا يخرجُ الكلامُ من التكرار.
ويحتملُ أيضًا أن يكونوا قالوا له: اُعبدْ آلهتنا يوما واحدا أو شهرا واحدا
حتى نعبد إلهكَ يوما أو شهرا أو حولا، فأنزل الله تعالى: (وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) .
على شريطةِ أن تؤمنوا به في وقتِ وتشركوا به في وقتِ آخر، وهذا أيضا يُزيلُ معنى التكرار.
وقد قيل أيضا إنَّ قريشا أرادت النبي ﷺ على عبادةِ آلهتِها ليعبُدوا ما يعبدُ وأنّهم كرروا هذا القولَ وأبدوا وأعادوا به، فكررَ اللهُ سبحانه جوابَه، وأبدى وأعاده لكي يقطعَ بذلكَ أطماعَهم فيما أرادوه منه.
قالوا وهو تأويلُ قوله: (وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ) ، أي: تلينُ لهم فيلينون في أذاهُم، وهذا أيضا فائدة أخرى في جنسِ التكرارِ في هذهِ
السورةِ وترِدادِ الكلامِ فبطلَ تعلُّقُهم بهذا وإعظامُهم الأمر فيه.
وإن قالوا فما معنى تكرار: (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) .
وقوله: (فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) ، وقوله في سورةِ الرحمن:
стр. 753
(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) ، قيل لهم: فليسَ في هذا شيءٌ من التكرارِ
المستكرهِ بل هو الفصاحةُ وما عليه عادةُ أهل الخطاب.
فأما قولُه تعالى في المرسلاتِ: (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) فهو: أنه ذكر
فيها، تعالى أمراً بعد أمرٍ من خلقِهم وأهلِ الكفر والطغيانِ من عبادِه خلَفِهم
بسلَفِهم ثم قال عقيبَ كل شيءِ يذكره من ذلك فويل يومئذِ للمكذبين بهذا
الشيء الأول، الذي ذكرتُه، ثم ويل يومئذٍ للمكذبين بالشيء الثاني الذي
ذكرتُه، فالويلُ الثاني غيرُ الويلِ الأولِ وربما كان لغيرِ من له الويلُ الأولُ كأن
المكذبَ بالويلِ الأول مما ذكره غيرُ المكذب الثاني، لأنّه تعالى قال:
(أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (١٦) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (١٧) كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (١٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٩) .
بإهلاكنا الأولين وإلحاقنا بهم الآخرين، ثم قال: (أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٢٠) فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (٢١) إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢) فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (٢٣) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٤) .
ثم كذلكَ أخبرَ بالويلِ لمكذّبِ كلِ شيءٍ غعده ووصفَه من نعمه ونقمِه ووجوبِ أفضالهِ وحكْمِه، فخرجَ ذلك عن أن يكونَ تكرارا لأن القائلَ قد يقولُ لغيره، ألم نُنعِم عليكَ بإيوائكِ وأنت طريد، أتكذبُ بهذا، ألم أُهْلك عدوكَ وأَنْصُر وليكَ ومَنْ نَصرك، أتكذّبُ بهذا، ويقولُ: ويل لمن كفر نعمتي وويل لمن جحدَ حقّي، وويل لمن ظلمني وويل لمن كذبَ على، في أمثالِ ذلكَ مما لا يعدُّه أحد من أهلِ اللسان عيًّا ولا لَكْنًا وإطالةً وتكراراَ.
وأمَّا: قولُه تعالى في سورةِ القمر: (فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) فهو جارٍ أيضاً على
هذه السبيل، لأنه تعالى عدَّد فيها نعماَ وأفْضالاً وعقاباً وانتقاماً وأموراً متغايرة، ثم قال عقيبَ كل شيءِ من ذلك: (فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) يعني مُتعِظٍ ومنزجرٍ بهذا، لأنه قالَ تعالى: (وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (١٤) وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٥) .
стр. 754
ثم قال: (فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (١٦) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧) .
وتيسير القرآن غير الآية والسفينة والغرق، ثم قال في آخرها: (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٥١) .
يعني أشياعَ أهلِ الكفرِ والخلافِ على النبيِ ﷺ
وذلك غيرُ القصصِ الأولةِ فكأنّه قال: فهل من مدَّكرٍ منكم بما كان
من إهلاكي لمن كان قبلكم وأشياعكم.
فأما قولُه في مواضعَ من هذهِ السورة: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) ، فإنّه تعالى إنما قال ذلك لأنه أودعً في القرآنِ أقاصيصَ الأولينَ
وسيرَ المتقدمين، وما كان من تفضله على المؤمنين وإهلاكه للكافرينَ
بضروبِ الهلاكِ والانتقامِ، وقالَ عقيبَ كل قصةٍ من تلكَ القصص، ولقد
يسرنا لكم قراءةَ القرآن وحفظَ القصصِ المتغايرةِ التي أودعناها فهل من
مدكر، ومتعظٍ بتيسيرنا لذلكَ وسماعِه وحفظِه له.
وقد يقولُ القائل: لقد يسرتُ سبيلَ هذا البابِ من العلمِ فاسلُكه
واعرفه، ثم يقولُ في غيره أيضاً: ولقد سهَّلتُ لك هذا البابَ الآخرَ من
العلم فاضبطه وحصِّله ثم كذلك شأنُ ما نبَّه عليه وسهَّل السبيلَ إليه، وكذلك لما أودعَ اللهُ سبحانه كل شيءٍ من القرآن وموعظةً وقصةً غير الأخرى جازَ أن يقول: ولقد يسَّرنا القرآنَ الذي فيه ذكرُ هذه القصة فهل من مدّكر بها، ثم يقول: ولقد يسَّرنا أيضا القرآنَ الذي فيه ذكرُ القصة الثانية والثالثة وما بعدَها فهل من مدكر بذلك، وإذا كان هذا كذا لم يكن ذلكَ من المعنى والتكرار بسبيل.
وكذلك حكمُ قوله تعالى في الئمل: (أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ)
стр. 755
ثم قال: (أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ) .
يقولُ اللهُ تعالى مع ذكر كل نعمةٍ من نعمه وأنه من آثارِ قدرته وشواهدِ ربوبيته: هل مع اللهِ إله يفعلُ ذلك أو يقدر، على وجه التنبيه لهم والإذكار بنعمِه والدعاء إلى الاستدلال على وحدانيته، وليس هذا ونحوه من العيِّ والتكرار في شيء.
فأمَّا تكرارُه في سورة الرحمن: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) .
فإنه أيضا ليس بتكرار، لأنه عدَّد لهم ضروباً من الإنعام مختلفة، ثم قال للإنس والجن عقيبَ ذكرِ نعمه، (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) ، أي بأيِّ هذا تكذبان أم بهذا أم بهذا، فيدلُهم بذلك على كثرةِ نعمِه عليهم، وأنه لا ينبغي أن يكفروا ويجْحَدوا شيئا من ذلك.
وقد تقول العربُ لمن تنهاهُ عن البغيِ والفساد في الأرض، أتقتلُ فلاناً
وأنتَ تعلمُ براءَة ساحته، وتقتلُ فلانا وأنتَ تعرفُ نسكَهُ ودينه، وتقتلُ فلانا
وأنت تعلَمُ إجابةَ دعوته، وحُسنَ قبوله في الناس، ولا يزالُ يعددُ عليه
أوصافَ من ينهاهُ عن قتله، ويعتقدُ انزجاره بذكرِ صفاته، ويكررُ ذكرَ القتلِ
وليسَ ذلك بعيٍّ ولا تكرارٍ من القولِ بل هو نفسُ تعبيرِ البراعة، وحُسنِ
اللَّسَن، فسقط ما تعلقوا به.
فإن قالوا: فإن اللهَ تعالى قد كرر في هذه السورة قوله: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) ، عند ذكر ما ليسَ من النعم والإفضال في شيء، فقال: (هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣) يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (٤٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٥) .
وقال: (يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ (٣٥) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٦) .
стр. 756
يقال لهم: إن ذِكرَه للمؤمنين وإعلامَه إيَّاهُم ما أعده لأهلِ الكفرِ من
عذاب السعيرِ ووصفه لجهنم وشواظها وشرِّها نعمة له على المؤمنينَ الذين
عَلمَ أنهم ينتفعون بهذا الوعظ والتحذير، وأنّهم ينهونَ بذلك عنه ويعرفونَ
مرادَهُ ويخافون سطوتَهُ وعقابَهُ ويرجونَ رحمتَهُ وثوابَه، لأن ذلك لطفاَ وداعٍ
إلى الطاعةِ وحُسنِ الانقياد لله المفضي لهم إلى الخلودِ في العيش السليمِ
والنعيمِ الدائم المقيمِ فذكرُ الوعيدِ للمؤمنين ووصفُ جهنَّم وحرَّها وشدةِ
نكالها من أعظمِ النعمِ على المؤمنين من الجن والإنس، وإذا كان ذلك
كذلك صحَّ ما قلناه واضمَحلَّ ما تعلقوا به.
فأمَّا قولُه تعالى: (يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ) .
فليس بتكرار، لأنه قيل إنَّ السرَّ ما أسرَّوه في أنفسهم، والنجوى ما أبدوهُ وتناجَوا به بينَهم، ولو كان السرّ هو النّجوى لجازَ أن يذكرُه مكررا بلفظينِ معناهما واحد، كما يقول القائل: آمركَ ببرِ والديكَ وأنهاكَ عن عقوقهم، وآمركَ بالوفاء وأنهاك عن الغدر، ومعنى اللفظين واحد، ولا تعلُّق لهم في هذا أيضًا.
وهذه جمل تكشفُ عن نقضِ ما ذكرناه من مطاعنهم في كتاب الله من جهةِ اللغة، وننبِّهُ على طريقِ الجواب عما أضربنا عن ذكره إن شاء الله تعالى.
تم الكتاب بحمد الله تعالى ومنته.
وفرَغ منه كاتِبُه حامدًا الله تعالى ومصلِّيا على رسوله ﷺ وآلهِ وصحابته وحسبُنا اللهُ ونعمَ الوكيل.