Полный текст (756 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
فأمَّا قولُه: (فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ) يعني فلا يتعارفون في هذه المواطن
أنسابَهم، وعلى هذا دلَّ قوله: (يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ) ، ويحتملُ أن يكون أرادَ بقوله: (فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ) ، فلا أنسابَ بينهم نافعةَ لهم، ولا أنساب بينهم يتراحمون ويتعاطفون
بها كتعاطف ذوي الأنساب بعضُهم على بعضِ في الدنيا، وإذا كان ذلك
كذلك بطلَ ما توهّموه.
قالوا: ومن هذا أيضا قولُه تعالى: (يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ) ، وقد عُلِمَ أن أكثر الأديان التي يوفيها أهلها ليست بحقّ، وهذا أيضا
باطل من توهّمهم، لأنّه لم يُردْ تعالى بالدين ها هنا الدينونةَ بالمذاهب
والتديَنَ بالأقوال وإنما - أرادَ الحسابَ والجزِاء، من قولهم: كما تدين تُدان، أي كما تَفعلْ يُفعَل بك، ومنه: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) ، يعني
يومَ الجزاء والحساب، ومنه قولُه: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) ، أي: الحسابُ الصحيح، وفي قول: (يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ) دليل على ذلك، لأنّه إنما يوفَى العالمينَ جزاءَ اكتسابهم من ثوابِ أو عقاب.
قالوا: ومما لا معنى له قولُه تعالى: (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى) ، وكيف يكونُ الله هو الرامي والرسولُ لم يرم، وهو الرامي على الحقيقة، فيثبتُ الرميَ لمن لم يكن منه وينفيه عمن وقعَ منه؟
يقال لهم: إنّما أراد بذلك - والله أعلم - أنني أنا المقدرُ لكَ على الرميِ
والموفقُ لله فيه، والتبليغُ برميكَ ما لم تظنَ أنّك تبلُغُه بها، فأضاف الرميَ إلى
نفسه على هذا التأويل، ونفاه عن نبيه على معنى نفي إقداره لنفسه وتوفيقه
لها وبلوغه بالرمية ما قيضه الله من هزيمة العسكر يومَ بدر وذلك أن النبي ﷺ -
стр. 702
حينَ حَميَ الوطيسُ في ذلك اليوم قبضَ قبضةً من ترابِ وحثاه في وجوه
المشركين وقال: "شاهت الوجوه" فانهزمَ القومُ بإذن الله، ولم يقدِرْ النبي عليه
السلام أن يبلغَ رميته تلك ما بلغَ، وإن القومَ ينهزمونَ ونظيرُ هذا قولُ الرجلِ لغيره: ما أنت عمِلتَ ما عملتَ، ولا أنت كلمتني ولقيتني بهذا، وإنما فلان فعلَه بي، وأنا فعلتُه بنفسي إذا كان قد أرشدَ إلى ذلك ومكن منه وأعانَ عليه، ومهَّدَ أسبابَه لماذا كان ذلك كذلك سقطَ ما توهموه سقوطا بينا ظاهراَ.
قالوا: وممّا وردَ في القرآن من الإحالة قولُه: (وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ) .
قال الملحدون: وفي هذه الآية إحالة من وجوه.
أحدها: قولُه أنه خلقَ كل دابة من ماء، وليس الأمرُ كذلك لأن منها ما
خُلِقَ من البيضِ والترابِ دونَ النطفِ والماء الدافق، فبطلَ أن تكونَ كل دابة
من ماء.
ومنها حصرُه مشيَ جميعها على بطنِها أو على رجلين أو على أربع، وليس
الأمرُ كذلك، لأن فيها كثيراَ يمشي على أكثر من أربع كالعنكبوت وكرخان
الأذن والسرطان وغير ذلك فلا وجه لحصره المشيَ على قدْرِ ما ذكره.
ومنها أنه لا فائدةَ في ذكر هذا وإعلامِنا إيَّاه لأننا قد علمنا أن الدواب
تمشي كذلك، وأي فائدةِ في ذكره إلا الحشوُ به والتشاغلُ بما لا معنى له.
قالوا على أنه قال فمنهم، وهذا كناية عن العقلاء، وقولُه: كل دابة يدخلُ
فيها ما يعقلُ وما لايعقل؟.
يقالُ لهم: جميعُ ما ذكرتم لا يوجبُ القدحَ في القرآن.
فأمَّا قولَه: (كُلَّ دَابَّةٍ) ، فإن لفظة كل ليست موضوعة للاستغراق والعموم بل هي معرضة للعموم والخصوص، وكذلك جميع وسائرُ وأيُّ ومَن، وكل لفظِ يَدَّعي
стр. 703
القائلون بالعموم أنه موضوع هو محتمل للعموم والخصوص، وقد بينا ذلك
في أصول الفقه وغيره بما يُغني الناظرَ فيه، فبطلَ تعلّقُهم بالعمومِ ولو ثبتَ
أيضا لجازَ تخصيصه بدليلِ فإذا علمنا أن منه ما لم يُخلق من ماء قُلنا أرادَ
بقوله كل دابة ذكرها، وكل ما يمشي على بطنه أو على رجلين أو على أربع
دونَ ما عدا ذلك، على أنَّه لم يقلْ من ماءٍ دافق، وإنما قال من ماء، وكل
دابةٍ مخلوقةٍ مما فيه صُورٌ من البِلَّةِ والرُّطوبة، فإن الأصولَ عند كثيرٍ منهم
الماءُ والأرضُ والهواءُ والنارُ هذه هي أصولُ الأشياء التي منها تنمو، أو إليها
تنحل وتفسدُ فكل دابةٍ مركبة من أصلٍ فيه بلَّة ورطوبة وجزء من المائية
فبطلَ ما قالوه.
فأمَّا قولُهم فمنهم فإنْ ابتدأ فقال كل دابةٍ وهو لفظ يصلُحُ تناولُه للناس
وغيرهم، ويجبُ عند قومٍ تناولُه لذلك، ثم فصَّلَ وذكرَ الناس منهم فقال
منهم: فكنى عنهم كناية العقلاء وقال على بطنه يريدُ الحيّةَ وما يجري مجراها، والعربُ تقول: لا يكون المشيُ إلا لما له قوائم يمشي بها المعتمدُ عليها.
ولكنها مع ذلك إذا خلَطَت ما لا يمشي مع الماشي وُصِفَ الجميعُ بأنه يمشي
كما يقول: أكلتُ خبزاً ولبناً، والخبزُ هو الذي يُقال أنه يؤكلُ واللبنُ يُشربُ فيقولون أكلتَ خبزاً ولبنا لجمعهم لهما في الذكر، ولا يقولون: أكلتُ لبنا فكذلك يقولون: الحيَّةُ والإنسانُ يمشيان ولا يقولون الحيَّةُ تمشي وكذلك العربُ تُعبِّرُ عمّا لا يَعقلُ إذا ذكِرَ مع العاقلِ في اللفظ الموضوعِ لما يَعقل فيقولون: الرجلُ وإبِلُه مُقْبلون، ولا يقولون ذلك في الإبل وحدها، ويقولون في الإنسان وغيره هذان مُقْبلان، وهذان الشخصان مُقْبلان، ولا يقولون ذلك في اثنين لا عاقَل فيهما، وإذا كان ذلك كذلك بطل ما قالوه.
стр. 704
فأمَّا قولهم إنه حصر مشيَ جميعِ الدوابِ على أربعِ وفيها ما يمشي على
أكثرَ من ذلك، فإنه باطل لأنّه لم يحصُرْ ذلكَ ولا قال لا شيءَ من الدواب.
وإن كل الدوابِّ تمشي على أربع، وإنَّما قال فمنه من يمشي كذا، ومنه من يمشي كذا، ومنهم من يمشي كذا، ولا شك أن منهم من يمشي على ما ذكر
فهذا لا ينقُضُ أن يكون منهم من يمشي على أكثر من ذلك ولا كونُ من
يمشي على أكثرَ من أربعِ قوائمَ ناِقضا بمشي ما يمشي على أربعٍ وأقل منها.
وإذا كان ذلك كذلك بطلَ ما قالوه.
على أنه قد قال كثير من الملحدين إنَّ كل حيوانٍ إذا سعى ومشى فإنه لا
يمشي إلا على أربع من قوائمه، ويكونُ معتمداً عليها في أربع جهاتٍ لا على
أكثرَ منها، فإن كان ذلك كما قالوه، فما يمشي حيوان وإن زادت قوائمهُ
على أربعٍ على أكثرَ من أربعٍ منها، وبطلَ ما قالوه.
وأمَّا قولُهم فلا معنى لذكرِ ذلكَ إذا عُلِمَ قبلَ خبَره، فإنه باطل لأن معنى
ذلك إخبارُهم بقدرته على إقدارهم على المشي مع اختلاف آلةِ المشي، وأنه
لو شاءَ أن يجعلها كلها تمشي على بطونها أو على قوائمَ تعتمدُ عليها لفعلَ
ذلك، فكأنّه يقول: انظروا أفليس في الحيوان ما يمشي كذلك لجنسِه أبر
إيجاب خِلقَته أو لصورته، وإنما ذلك بتقدير العزيز العليم الذي يعطي القدرةَ
على المشي على وجهٍ واحدٍ تُقطَعُ به المسافةُ مع اختلاف الآلة، وإذا كان
ذلك كذلك بطل ما توهموه.
قالوا: ومن هذا أيضا قوله : (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٩) .
стр. 705
قالوا: وفي هذه الآية
ضروب من الإحالة.
فمنها لومُه للنبي عون وعتابُه له على أخذه الفداء، وقولُه إن ذلك ليس له
مَنْعُ قولكم بأنه معصوم في الأداء عن الله ووضعِ الشرعِ وإخباره تعالى بأنه
مصطفىً معصوم.
ومنها تغليظ في العتاب له ولهم بقوله: (تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ) ، وهذا نمن منه على عصيانِ رسوله وعصيانِ متَبعيه على رأيه، وإنهم خالفوا بما صَنَعوا من ذلك حُكمَه ومرادَه، واتَبعوا عرَضَ الدنيا مؤثرينَ له على ثوابِ الآخرة.
ومنها الزيادةُ في بيانِ اقترافه وإياهم الذنبَ في أخذِ الفداء بقوله: (لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) ، وهذا تعظيم منه لشأن
معصيتهم وقُبْح تجرُّمهم.
ومنها أنه قال عقيبَ ذلك: (فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا) ، قال: وكيف
يأكلونه حلالاَ طيبا وهم قد خالفوا فيما أخذوه وعدَلوا عن نُصرة الدين إلى
أخذِ عرَضِ من الدنيا يسيرِ فشتانَ بينَ الإخبارِ عن أكلهم له حَلَالًا طَيِّبًا وبينَ
الإخبار عن قَصْدِهم به تحصيلَ عرَضِ الدنيا والإعراض عني ثواب الآخرة.
ليوافِقَه أمرَه في الإثخان في القتل، قالوا: وهذا كله متناقضٌ جدًّا؟.
فيقال لهم: لاتعلُّقَ لكم في شيءِ مما ذكرتم.
فأمَّا قولُ الله تعالى: (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ)
فليسى بعتابِ للنبيِّ ﷺ والله أعلم، ولا لوم منه له على ذلك لخطإٍ
стр. 706
كان منه في أخذ الفداء، لأن الناسَ في أخذِه الفداءَ وقَتلِ من قُتل، ومَنِّه على
من أُطلق على أقاويل.
فمنهم من يقولُ كان قد نُص له ﵇ على التخيير بينَ القتل أو
المنِّ أو أخذِ الفداء، والقائلون بهذا لا يُسَوَّغ لهم القولُ بأنه لم يكن له أخذُ
الفداءِ مع نصِّه له عليه ومنهم من يقولُ لم يكن عنده نصٌ في ذلك وإنَّما فعلَه
باجتهادِه وعضَّده مشورةُ أبي بكرٍ ومن كان على مثلِ رأيه في المن وأخذِ
الفداء وهؤلاء على قسمين.
فمنهم من يقولُ إن الرسولَ لا يجوزُ عليه الخطأ في الاجتهاد، فكيف لا
يكون له فعلُ ما أدَّاه إليه الاجتهاد، وهو فرضُه وصواب مقطوع عليه إذا
فعله، ومنهم من يقولُ يجوزُ على النبى ﷺ الخطأ في الاجتهادِ غيرَ أنّ المأثمَ عنه في ذلك موضوع، وفرضُه الحكمَ بما أدَّاه إليه الاجتهاد.
ولا يجوز لقائل هذا أن يقولَ: إن لم يكن للنبي ﵇ أخذُ الفداء ممن
رأى أخذه منه، جمع قوله: إن ذلك فرضُه ﵇ إذا رآه، وكان جُهد ما عندَه لأن ذلك تناقضٌ من القول لا شبهةَ فيه على أحد، فعُلِمَ أنه لا عتبَ
على النبى ﵇ في ذلك إن كان منصوصا له على جواز ما فعلَه
والتخييرَ له بينَه وبينَ غيرِه، أو كان ذلك بقياسه وجُهد رأيِه وإذا كان ذلك
علِمَ أنه ليس التأويلُ في الآية علي ما توهموه.
وقد زعم قوم من ضعفةِ المفسّرين ومن الفقهاء والمتكلمين أن النبي ﷺ إنّما عوتبَ لأنه أخذ الفداء من غير تقدُّمٍ من الله إليه في ذلك ولا أذنَ له فيه، لا من جهة نص له على التخيير في ذلك، ولا من جهة الاجتهاد المؤدِّي إلى أن الواجبَ في الحكم أخذُه، وإذا كان ذلك أنظرَ للأمة وأبصرَ للدِّين، وهذا القولُ خطأٌ من قائله، لأنه غايةُ الطعنِ على
стр. 707
الرسول والقدحِ في عدالته، لأنه إذا فعلَ مِنْ ذلك ما لم يأذن اللهُ له فيه من
جهة نص أو اجتهاد، فقد عصى الله بذلك، وتقدم بينَ يديه وافتاتَ في دينِ
الله وحكَمَ فيه بهواهُ وذلك نقيضُ وصفه له في قوله: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) .
وإن جاز ذلك عليه لم نأمَنْه منه في جميعِ ما أدَّاه ووضعَه من الشرع.
وليس يجوزُ لمسلمٍ أن يقطعَ على تخطئةِ أدنى المؤمنين منزلةَ في قولٍ
أو فعلِ وهو يجدُ سبيلاً إلى حملِ ذلك منه على تأويلِ يُخرجهُ عن الخطأ
والعصيان، فضلاً عن الرسول ﵇ ونحن نجد للآية من التأويل ما
يوجبُ نفيَ ما قالوه عن الرسول ﵇، وعلى كل حالٍ فلا بد من أن
يكون له في الأسرى حكم شرعى أو حكم عقلي، فإن كان له حكم شرعي
في ملَّة الرسول ﵇ فلا يجوزُ أن يخفى ذلك عليه باتفاق.
وإن لم يكن له في ذلك حكم شرعي وجبَ تبقيتهم في أنفسهم
وأموالهم على حُكم العقل، فإما أن تكون أنفسُهُم في العقل وأموالُهم مباحةً
أو محظورةً، وكل ذلك لا يوصفُ بأنه مباح ولا محظور، ولا بُدَّ أن يكون
النبي ﷺ أعلمَ الناس به، لمان كان ذلك مباحا في العقل أو غيرَ محظورِ فيه، وإن لم يوصف بإباحةٍ ولا حظرٍ لم يكن في أخذ الأموال منهم جرم، لأن حكمَ العقل الواجبُ التمسُّكُ به إلى حين نقلِ السمعِ له إلى غيره، فلا عيبَ على فاعله، وإن كان ذلك محظوراً في العقل ولم يَرد السمعُ على الرسول ﷺ لإطلاقه وتغيير حكمه فقد ركب ﵇ محظوراً مخالفا لحكم الله وذلك منتفٍ عنه ﷺ وإذا كان ذلك كذلك بطلَ قولُ من زعمَ أنَّه فعلَ من ذلك ما لم يكن له بنصٍّ ولا اجتهادٍ.
стр. 708
وقد اعتذر قوم منهم في هذا بأن قالوا: ما فَعلَه الرسول من أخذ الفداء
ممن أخذه، كان هو الصوابُ عند الله والأنظرُ للأمَّة ِ والأقوى والأصلحُ في
باب الدين، ولكن إنما عاتبَه لأنه فعلَ الذي هو الأصلحُ والأولى من غير أن
يأمرَ الله به، فلامَه وعنَّفه على ذلك لفِعْلِه قبلَ أمره، وإن كان لو أمرَه لم
يأمرْه إلا بذلك بعينه.
قالوا: وعلى هذا نجدُ كثيراَ من السادة يلومون مَنْ تَحتَ طاعَتِهم على
فِعل الأصلحِ والأصوبِ الذي لو أمروهم لم يأمروهم إلا به، لأجل فِعْلهم له
بغير إذنِ منهم، وهذا الاعتذار غيرُ مخلِّصِ لهم مما ألزمناهم وإن كان ما
فعله النبي هو الأنظرُ للدِّين والمسلمين، لأنه لا بُدَّ إذا لم يكن أمَره به من أن
يكون قد نهاه عنه، وحظَرَه عليه في عَقلِ أو سَمع، أو لا يكون ناهيا له عنه، وإن كان ناهيا له عنه، فقد أخطأ واعتمدَ تركَ الصواب، ومخالفةَ النهي.
وهذا تصريح بالقدح فيه والطعنِ في عدالته وأمانته حاشاه من ذلك، وإن
كان غيرَ ناهٍ له عنه ولا محرّم لفعله في عقلِ ولا سَمعِ فلا عيبَ عليه ولا وجه
لقوله: (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى) وهو قد جعلَ له ذلك، وهذا ما لا
مَخرجَ لهم منه.
وقد احتجَّ قوم بهذه الآية في إبطال الاجتهاد جملة، واحتج بها آخرونَ
في إبطال اجتهاد النبي ﷺ وأنه لم يكن مأمورا بذلك، وهذا الاحتجاجُ باطل من قولهم، وذلك أنّه لا يخلو النبي ﷺ من أن يكونَ اجتهد، أو لم يجتهد
وإن كان لم يجتهد فلم يُبْطل اللهُ اجتهادا له ولا لامَه عليه ولا خطَّأه فيه، وإن
كان قد اجتهدَ وحكَمَ برأيه، فقد أقرُّوا أنه كان مجتهدًا.
فإن قالوا: كان مأمورا بالاجتهاد فقد أبطلوا قولهَم، وإن كان منهيا عن
ذلك، ومحظورًا عليه الحكمُ به ففعلَ من هذا ما نُهيَ عنه عادَ بهم الأمرُ إلى
стр. 709
الطعن على الرسول ﷺ والقدحِ في أمانتِه والجرح لعدالتِه تبطلَ ما قالوه.
ولو صحَّ أنّ النبي ﵇ منهيٌّ عن الحكم بالاجتهاد، لم يدل ذلك على
نهيِ الأمةِ عن ذلكَ ومنعِهم منه، وأنّ أكثرَ القايسين يقولون إنه كان محظورًا
عليه الاجتهاد، وإن كان مفروضا على الأمة لعللٍ قد ذكرناها في أصول الفقه بما يُغني الناظرَ فيها وفي الاعترَاض عليها.
وإذا كان ذلك كذلك بطلَ التعلق بالآية في إبطال أمر النبي ﵇
بالاجتهاد وأمرِ الأمة به ولو ثبتَ أن النبي ﵇ أخطأ في اجتهادِه في
هذا الحكمِ - وحاشاه من ذلك - لم يُوجب خطأه فيه أن يكون في الأصل
منهيا عن الاجتهاد، فهذا بعيد من المعتلِّ به في إبطال القياس، ثم رجَعَ بنا
الكلامُ إلى تأويلِ الآية على وجهِ ينفي الخطأ والعصيانَ والعيبَ عن الرسول
﵇.
فإن قال الملحدون، أو بعضُ من ذكرناه من ضعَفَة المسلمين: فما
معنى الآية عندكم، قيل لهم: يحتمل - والله أعلم - أن يكون أرادَ بقوله: (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ) ، أي: لم يكن ذلك لنبٍّي من قبلك، وإنما خصَصْناك أنتَ بذلك تخفيفا على الأمةِ التي بُعثتَ إليها وتكرمةً لذلك بتمييز قومِك وأهلِ عصرِكَ بتحليلِ العفوِ عنهم، وأخذِ الفداءِ منهم، فكأنه قال مَا كَانَ لِنَبِيٍّ غيركَ فحذف ذكرَ الغير وما يقوم مقامَه لكونه مما يُفهم ويُعلمُ من حال الرسول.
ويحتملُ أيضا أن يكون أراد مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أن يفعل ذلك إذا كان الإثخان
في القتل هو الأحوط في باب نصرة الدين، والأصلحُ الأنظر للمسلمين، ولم
يقُل إن ذلك ليس لنبي على الإطلاق، ولكن بهذه الشريطة، لأن كل نبيٍّ،
стр. 710
مبعوث بما هو الأحوطُ للملَّة في نظام أمر الشريعة، فكأنَّه قال: ما كان لنبي
أن يكون له أسرى وأخذُ فداءٍ دون القتل، والقتلُ عنده أحَظُّ، وما فعلتَ من ذلك إلا الأحظَّ الأصلحَ في باب الدين وهو أليقُ بالنبي صلى الله عليه وغيرهِ من النبيين، ويدلك على صحّةِ هذا التأويل ِ أنه قد يقوى المسلمينَ بأخذِ الفداء، وأنَّه قد أمَّن عليه من أولئكَ الأسرى، وآمن خلق من نسلِهم وولدوا أنصاراً للدينِ والمسلمين، ولا يجوزُ عند كثيرٍ من الأمَّةِ أن يأمرَ اللهُ بقتلِ من في المعلومِ أنه إن بقاه آمنَ وأسلَم، ونَسلَ أذكياءَ طاهرين، وأنصاراً للدين والمؤمنين، حتى خَلطوا وضاقُوا ذَرعا في جوابِ هذا السؤالِ لمَّا طُولبوا به.
فقالوا: كان الأصلحُ أن لا يقتلَ من أخذَ منهُ الفداء، ولكن لم يَجُزْ للنبي
﵇ أن يفعل هذا الأصلحَ الأصوبَ إلا بإذنِ الله، وحتى يكونَ هذا
الذي يشرعُه له ويأمره به، فيكونَ الأصلحَ للنبي أن لا يأخذَ الفداء، وأن
ينتهي عن أخذهِ حتى يأتيه أمر من اللهِ بذلك.
وهذا يَؤول بهم إلى أن النبي ﵇ قد كانَ فعلَ ما هو الأصلحُ
الأصوبُ عندَ الله، ولكنه فعلَه بغيرِ أمرِه وتقدمَ بذلكَ بينَ يديه، وهو لا يعلمَ
ما الأصلحُ من ذلك عندَ الله، فإن كان قد نهاهُ عن أخذِ الفداء بعقلٍ أو سَمْعٍ
إلا بأن يأمُرهَ بأخذهِ، فأخذَ بغيرِ أمرِه فقد عصا واعتمدَ الخطأَ وحاشاهُ من
ذلك، وإن كان لم ينَههُ عنه فلا معنى لقولهم ليس له فعلُ ذلكَ حتى يأذنَ له
فيه، ولغيرِهم أن يقولَ لهمُ وليس له الامتناعُ من أخذه، وإن كان ذلكَ
الأضَرّ في بابِ الدين، حتى يحظرَ اللهُ عليه فعلَ ذلك، حتى يكونَ هو الناهي
له عنه والمنزلُ فيه وحيا، وهذا جوابُ من قال منهم قد فعلَ الأصلحَ عنده
من غيرِ أن يأذَنَ له فيه.
стр. 711
وقد تحتملُ الآية ُ أن يقولوا في جوابِها وجوابِ هذه المطالبة، إنما
أرادَ في الجملة أنه ليسَ لنبي أن يكونَ له أسرى، وإن كان ذلكَ هو الأصلحَ
عند الله، إلا بإذن اللهِ دونَ أمرِه، ولم يخبرِ الله أن رسولَه فعلَ من ذلكَ شيئاً
بغير أمره، وإنما ذكر هذهِ الجملةَ فقط، فكل هذا يبينُ صحة َ التأويلينِ اللذينِ ذَهبنا إليهما دونَ الحكمِ بتخطئةِ الرسولِ في نصٍّ أو اجتهاد.
فإن قالوا: فما معنى قوله: (تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ) ؟
قيل لهم: أرادَ بذلكَ - وهو أعلم - إن منكم من أخذَ ذلكَ تعجلاً لعرضِ الدنيا، ولم يقصد به نُصرةَ الدينِ والأحظَّ للمؤمنين، وأنه أخذهُ مع الغَناءِ عنه، فإما أن تكونَ هذهِ صفةً للرسولِ ﵇ وأبي بكرٍ وعِلْيَةِ المؤمنينَ الذينَ قالوا إن أخذَه منهم فداءً قوةً للدين، ولعلهم أن يؤمنوا فيُكثروا المسلمينَ، فمعاذَ الله أن يكونَ قصدُ من هذه سبيلُه ابتغاءَ عَرضِ الدنيا، وأن يخلوا أمة وأهلُ عصرِ نبي وعسكرُ إمامٍ وخليفةُ نبيٍّ وإمامٍ من قومٍ تكون الدنيا عندَهم وتعجيلُ أعراضها آثرُ من ثوابِ الآخرة، ويكونون إليها أميل، واللهُ سبحانه إنما عاتبَ هذه الطبقةَ دون من عَداها وهذا بيِّنٌ في سُقوطِ ما قالوه.
стр. 712
(فصل)
فإن قالوا: فما وجهُ قوله: لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨) ؟
قيل له: معنى ذلك أنه لولا سبق حكمي وأمري بإطلاقِ أخذِ الفداء لكم وتحليلِ أكلِ غنائمِ المشركينَ من محاربتكم، وأنني فَّرقتُ
في ذلك بينَكم وبينَ من عداكم من الأمم السالفة، لنَا لكم ومسَّكم فيما
أخذتم عذاب عظيم، لأنه قد رُوي في السيرة وذَكرَ المُفسرون أنه لم تَحُل
الغنائم لأمةِ نبي قبل نبينا ﵇ وأمية قبلَ أمتنا، وأنّهم كانوا إذا أخذوا الغنائمَ حازوها ولم يردوها على المشركين، ولم ينتفعُوا بها ولكن يحرقُونها بالنار، فأكرمَ اللهُ هذه الأمةَ وزادَ في تفضيلهِ عليها، والتوسعة في أحوالها، لتحليله لها أخذَ الغنائمِ والانتفاعَ بها في وجوه التصرفِ من الأكلِ وغيرِه، فهذا تأويلُ قوله: (لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) ، يعني سبَق حكمه بإطلاقِ ذلك.
فأمَّا قولُه تعالى: (فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا) ، فهذا هو
الدال على صحّة ما قلناه، من أنني قد أحللتُ لكم ذلك بعدَ أن كنتُ حرمتُه
على سائرِ الأممِ قبلكم، فسَلِمتم بأخذهِ مع التحليلِ بسَبْق الكتابِ به من
العذاب، ثم أكدَ تحليلَهَ وإطلاقَه وبيانَ الفرقِ في ذلك بينَنا وبينَ من سلف من
الأمم بقوله تعالى: (فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا) أي: لستم في أكلِه ولحوقِ
مأثمٍ بكم فيه كمن قبلكم، ممّن حَرَّمتُ ذلك عليه، وإذا كان ذلك كذلك بان سقوطُ قدحِهم في القرآنِ بهذا الضربِ من الاعتراض.
стр. 713
فإن قال قائل من المحلدةِ والقادحينَ في أخبارِ رسول الله ﷺ وغيرهم من ضعفاء الأمةِ ومبتدعيها والطاعنين على سلَفَها، فما معنى ما روُي من قولِ النبي ﷺ "لَو نزل عذابٌ من السماء ما نجا منا إلا عُمر ابنُ الخطاب"؟
قيل له: أراد بذلك أنه لم يكن ينجو إلا هو، ومن كان على مثل رأيه
وصدَق نبيه في مناصحة الرسولِ ونصرةِ الدين، والاحتياطِ على المسلمين.
وإنما خصه بالذكرِ لما كان أظهر نَفسَه وإشهارَه بالسيف، وسؤالَه للرسولِ
بأن يُسلِّم إلى كل رجل أقربَ الناسِ إليه ليضربَ عنقَه، وقولُه افعل يا وسولَ
الله واقطع شأفةَ الكفر، فهؤلاءِ الذين أخرجونا من مكةَ وفعلوا وفعلوا، فلما
كان أكثرَهم حرصا على ذلك، وإظهارِ القول فيه نُسب أهلُ رأيه من الأمةِ
إليه، فقالَ عند ذلك: لو نزلَ عذاب من السماءِ ما نجا منه أي من الأمةِ إلا
من كان على مثلِ رأي عمرَ في منصاحتِه الدينَ ممن أشارَ بالقتلِ واستئصالِه
شأفةِ الكفر، وممن أشارَ بالمنِّ وأخذِ الفداءِ إذا كانَ ذلكَ هو الأصلحَ الأنظر
للأمة، وليسوا مطالبينَ بها عند اللهِ في هذا الباب، وإنما يُطالبُ كل واحدٍ
منهم بأن يُشيرَ ويقولَ بما هو عنده الأحظّ للدين، سواء كان هو الأحظُّ عند
الله أم لا، وحرامٌ على مَن الرأيُ عنده أخذُ الفداءِ والمن أن يشيرَ بالقتل.
وحرام على من رأى الأحوطَ للدين والمؤمنينَ بالقتلِ أن يُشيرَ بأخذِ الفداءِ
والمن، لأن فرضَ كل واحدٍ من المشيرينَ وأهلِ الرأي، خلافُ فرضِ غيرِه
إذا اختلفت عندهم الآراءُ ووجوهُ الصواب، وإن كانوا إذا اتفقوا على الرأيِ
صار فرضُهم واحداً كمشاهِدي القبلةِ والذينَ يغلُب على ظنهم كونُها في جهةٍ واحدةٍ في تساوي فرضِهم ووجوبِ اختلافِ فرائضِ من اختُلف في
اجتهاداتِهم وآرائِهم في جهةِ القبلة.
стр. 714
فإذا كان ذلك كذلك بأنَ الرسولَ ﵇ لم يُردْ بهذا القول إن ثبتَ
جميعَ الأمة، وهو منهم كانوا مستوجبين للعذابِ لو نزلَ إلا عمرَ بن الخطاب، فهذا بعيد من الصواب، ولكنه أرادَ ﵇ أنه هو ومن كان على مثلِ رأيهِ هم الناجون.
فإن قيلَ: وما معنى نزولِ العذابِ على قومِ قد أشارَ كل واحدِ منهم بما
عنده وما هو فرضُه، والأولى في الدين أن يشيرَ به، فكلهم إذا كانوا كذلك
بمثابة عمر بنِ الخطاب، في رأيهِ ومشورته وأدائِه بما أشارَ به لفرضه.
يقالُ لهم: لم يعنِ الرسول ﵇ أحدا بذلك ممن ذكرتم، وكانت
حالُه في الاحتياط للدين والمسلمين كحالِ عمرَ بنِ الخطاب، لأنهم كلهم
على ما ذكرتم بمنزلةٍ واحدةِ في درجةِ من الحقِ والصوابِ متساوية، ولكنه
عَلِمَ ﵇ أن فيهم قوما منافقينَ قصْدُهم بما يذكرونَه من الرأيِ إضعافَ الدينِ وتوهينَ المسلمين، ومنهم أيضا طبقة من المسلمينَ هم إلى جمعِ
الأموالِ وتعجلِ عَرضِ الدنيا أميلُ منهم إلى ثوابِ الآخرةِ لعاجلِ النفعِ
ومُركبِ الميلِ والطبع، فهُم بذلكَ عصاة غيرُ كفار، وإن كانوا ليسوا من أهلِ القوةِ والبصائرِ في الدين، وتحصيلِ وافرِ الحظ من ثوابِ الله ، فإذا كان ذلك عنده ﵇ متقرراَ ساغَ أن يقولَ مثل هذا القول في عمرَ وموافقتهِ وطبقتهِ تحذيرا من قلةِ المناصحةِ في الدينِ والمثابرةِ عن نيلِ قطعةِ
من الدنيا وفانٍ حقير، وهذا بيّن واضح في إبطالِ ما تعلقوا به، وبالله التأييد.
قالوا: ومما وردَ من الإحالةِ في القرآنِ قولُه : (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩) .
стр. 715
فمن الإحالةِ في الآيةِ أمرُه لهم بإعطاءِ الجزيةِ وأمرنا بأخذها منهم.
وإن كانوا يمتنعون بإعطائها من الإيمان به ويقيمونَ بها على الكفر، فلا
يخلوا إعطاؤهم الجزيةَ من أن يكونَ طاعةً للهِ أو معصيةً له، فإن كان معصيةً
له لأنه طريقُ الامتناعِ من الايمانِ والاعتصامِ به مع المُقامِ على الكفر، فكيفَ
يأمرهُم بما هو معصية له.
والمعصيةُ هي ما نهى عنه فهذا يوجبُ أن يكونَ أداءُ الجزيةِ طاعةً منهم
من حيثُ أمروا به، ومعصيةً من حيث امتنعَوا به من الإيمان، والإقرارِ
بالرسولِ ﵇ وهذا هو الاحالة، وإن كان أداءُ الجزيةِ طاعةً منهم
وليسَ بمعصيةٍ فكيفَ يكونُ طاعةً لهم وهو ممتنعْ به من الإيمانِ به، هذا
أيضا إحالة من القول.
قالوا: وكذلكَ إن كنا نحنُ والرسولُ مطيعينَ في أخذِ الجزيةِ منهم.
وجبَ أن نكونَ مطيعين بأخذِ ما يمتنعُونَ به من الإيمانِ بالله، وذلك محال
لأن الواجبَ علينا تركُ كلما يؤَدي فعلهُ إلى الصد عن الإيمانِ به.
قالوا: ومن الإحالةِ في الآية ِ أيضا قولُه تعالى في أهلِ الكتاب أنهم:
(لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ) ، وليست هذه صفةُ أهلِ الكتاب، لأنهم
يؤمنونَ باللهِ وبالثوابِ والعقابِ واليومِ الآخرِ، فهذا - زعموا - تقويل عليهم ووصف لهم بغيرِ صِفَتهم.
فيقالُ لهم: لا تعلُّق لكم في شيءٍ مما وصفتُم وذكرتُم، فأمَّا قولكُم
إنهم مأمورون بدفعِ الجزيةِ إلينا فإنه باطل، لأنهم مأمورون بفعلِ الإيمانِ باللهِ
ورسوله وبتركِ ما يمتنعونَ به من ذلك، فإن كانوا يمتنعون بأداء الجزية من
الإيمان فهم مأمورون بترك الأداء، ولكن ليس أداءُ الجزية مما يمتنعون به
стр. 716
من الإيمان بالله وتصديقِ رسوله، فإنما يمتنعون به، عن قتلِنا لهم وقتالنا إياهم، فإنما يأخذها منهم بدلا من قتلهم وقتالهم لا من الإيمان بالله وبرسوله، ولو
آمنوا بهما لزالَ فرض قتالهم، وإذا زالَ فرضُها لم يجزْ إثباتُ بدل منه يقومُ
مقامَه، فبانَ بذلك أن الجزيةَ ليست ببدلٍ من إيمانهم.
وأما قولكم: إنهم مأمورون بأدائها مع المقام على الكفرِ بالله وبرسوله.
قإنه أيضا كلام باطل محال، لأن الكافر لا علمَ له بالله، ولا إيمان فيه به وقد
أقمنا أوضحَ الدليل على ذلك فيِ باب الكلام في الوعيد والأسماء
والأحكام، وإذا ثبتَ ذلك، ثبتَ أن الله سبحانه لا يجوزُ أن يأمُرَ الكافرَ به
بأن يفعلَ طاعة لوجهه، من أداءِ جزيةٍ أو صدقةٍ أو بر أو شيء من القُرب مع
المُقام على الكفر به والجَحد له ولرسله، لأنه لا يجوزُ وقوعُ طاعة من الكافر
يصح أن يرادَ الله بها، وأن لا يرادَ بفعلها من المُقام على الجهل، والكافرُ
كذلك عندنا غيز مأمورٍ مع المُقامِ على جهله بالله وكفرِه بشيءٍ من القُربِ إلى
الله ، وكيف يُؤمر بالقُرب إلى الله سبحانه وفعلِ طاعتِه لوجهه من
يجحد اللهَ ولا يعرفُه؟ !
واليهودُ وكل كافرٍ بالله وجاحدٍ لنبوةِ بعضِ أنبيائه غيرُ عارفٍ بالله ولا
إيمانَ فيه به على ما بيناه في غير هذا الكتاب، وإذا صحَّ ذلك بطلَ أن يكونَ
الكافرُ مأموراً مع المقام على كفره بشيءٍ من القُربِ إلى الله ، وإنَّما
يؤمرُ الكافرُ بفعلِ الطاعةِ والعباداتِ بشريطةِ، تقديمه فعلَ الإيمان بالله، ثم
التقرب إليه بفعلِ الطاعة له، وقد عُلم أن أهل الكتاب لو آمنوا باللهِ وبرسوله لم يجب قتالهم وقتلهم ولم يلزمهم أداء الجزية إلينا، يكون بدلاً من قتلهم وقتالهم، لأن ذلك محظوراً علينا إذا آمنوا بالله وبرسوله، فسقط بذلك ما ظنوه من أمر الكافرِ بأداء الجزية.
стр. 717
وقد قالَ من خالفَ أهلَ الحق من القَدرية: إن أهلَ الكتاب مأمورون َ
بأداء الجزيةِ إذا أقاموا على كفرهم ولم يؤمنوا باللهِ وبرسوله، وأنهم لم
يُؤمروا بأدائها ليمتَنِعوا بها من الإيمان، ولكن يمتنعون به من قتلهم وقتالهم.
قالوا: وهم مطيعون لله بهذا الفعلِ وببرِ الوالدين وكثيرٍ من القرب، غير
أنهم غيرُ مثابينَ على فعلِ هذه الطاعاتِ في الآخرة لامتناعِهم من الإيمان
الذي بفعله يصلون إلى ثواب أعمالهم، وذلك معرضٌ لهم لو أرادوا
الوصولَ إليه بأن يؤمنوا ليصلوا بذلك إلى ثواب طاعاتهم، فقدرَ أصحابُ
هذا الجوابِ على أنَّهم مأمورون بأداءِ الجزيةِ وغيرِ ذلك مما إذا فعلوه كانوا
مطيعين به، غير أنهم ليسوا بمثابين على طاعاتهم، فلا سؤالَ لهم عليه من
حيث طعنوا.
ولكن يجبُ البيانُ للقدرية بأنهم مُخبّطون في قولهم على أصولهم
الفاسدة بأنهم مأمورونَ بما لا ثوابَ لهم عليه، لأن ذلك جور على
أصولهم، لأن الأمرَ بالطاعةِ والعبادةِ أمر بإدخال ضررٍ على النفس وألم وكدٍّ
مع المقام على الجحد، فإن كان لا ثوابَ عليه وفي تركه عقاب، فكان
الكافرُ والفاسقُ المصرُّ عندهم مأمورين بفعلِ الطاعةِ لله مع المقام على الكفرِ
والفسق، ومعروف أنهم غيرُ مثابينَ على الضرر الداخل عليهم بفعل العبادة
إذا فعَلوها، وإن عليهم في تركِ ذلك عقاباً فهذا عندهم نفسُ الظلم
والعدوان، والقولُ بجواز إدخال ألمٍ وضررٍ على المكلف، لا نفعَ له فيه في
عاجلٍ ولا آجل، ولا هو مستحق ولا مقصود به النفع، وهذا عندهم حد
الظلم وحقيقته، فكأنَّ الكافرَ والفاسقَ إنما يجبُ أن يُطيعا الله خوفاً
من عقابه فقط، لا لرجاء ثوابه، وليس بعادلٍ ولا حكيمٍ عندهم المطاعُ الذي
هذه صفته، فهذا نقضٌ لأصولهم بيِّن.
стр. 718
فأمَّا نحن فإنّنا مأمورون لا محالةَ بأخذ الجزية من أهل الكتاب بما
أقاموا، على كفرهم ومطيعون بذلك، لأنه مأخوذٌ علينا ذلك فيهم، سواءٌ
امتنعوا من أدائها إلينا من الإيمان، أو من قَتْلِنا لهم والقتال، ولو قال لنا
سبحانه صريحاً خُذوا الجزيةَ ممن يمتنعُ بأخذكم لها من الإيمان بي، لوجبَ
أن نكونَ بأخذها طائعين، وإن كانوا هم بالمقام على أدائها والامتناع من
الإيمان عاصين، كما نكونُ نحن طائعين بطاعة الإمام إذا أمرنا بتنفيذ حُكمٍ
يقولُ لنا قد علمتُ وجوبَه، أو قامت البينة عندي به، وأنتم لا تعرفونَها.
وإن كان هو عاصيا بالأمر بإنفاذ الحُكمِ إذا عَلِم من جَرحِ الشهودِ ما لم
يَعْلمه، وكان غيرَ عالمٍ بما ادَّعى العلم به، وكما يجبُ على المستفتي قبولُ
قولِ المفتي، وإن كان المفتي له عاصياً بفتواه له بغيرِ دينِ الله، وإن لم يفعلْ
ذلك العامي، وإذا كان ذلك كذلك لم يستحيلَ أن يكونَ فعلُ الشيءِ من
غيرِ المكلف معصية، ويكونَ اتّباعُه عليه والانقياد له منا طاعةً وبطلَ بذلك
كل ما قالوه في هذا الفصل.
فأمَّا قوله في صفة أهل الكتاب بأنّهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم
الآخر، فإنّه صحيحٌ على أصولِ أهل الحق خاصة، لأنهم كفارٌ بالله، والكافرُ بالله غيرُ مؤمنٍ به من وجه، وقولُ الله بأنّهم غيرُ مؤمنين أصدقُ من إخبارِهم عن أنفسهم بأنهم مؤمنينَ بالله، ولو علمَ أنهم مؤمنون به لما قال إنهم
كافرون به، لأن ذلك تحيُّفٌ لهم، ووصفٌ بغيرِ صفتهم، ولم يقل إنّ
الجاحدَ لنبَّوة الرسلِ يجبُ كونُه كافراً باللهِ وغيرَ مؤمنٍ به، لأجلِ إيجابِ
العقلِ ليضمنَ الجهلَ بالنبوَّةِ لعدم العلم بالله، والإقرار بوجوده وقدمه
وربوبيته، لكن لأجلِ ورودِ السمع بأن جاحدَها كافرٌ بالله، فصارَ جحدُ النبوة أحدَ الأعلام والأدلة على كفرِ الجاحد لها بالله، وبمثابة كونِ دخول الدار
стр. 719
علامةً على الكفر والإيمان إذا قال الرسولُ لا يدخل هذه الدار إلا مؤمنٌ بالله
وبرسوله، أو كافرٌ بالله وبرسوله، لا لأجل تضمُّن الأكوانِ التي هي دخولُ
الدارِ لوجودِ الإيمانِ بالله أو الكفر به على ما بيناه في غير أهل الكتاب، وكل
مُخبر من أهلِ الكتاب المُظهرُ لليهودية وغيرها من الملل، إما أن يكونَ
جاحداً بقلبه ومُظهراً بلسانه ما ليس فيه أو يكون مُخبراً عن اعتقاد موطن
لوجودِ الباري وقدمِه وتوحيدِه، وتقليدٍ منه في ذلك، وهو يظنّه علماً.
فيكونُ لذلك جاهلاً بالله وغيرَ مؤمنٍ به، وإذا كان ذلك كذلك بطلَ قولهم إنّ اليهوديَّ مؤمنٌ بالله واليوم الآخر، هذا جوابنا.
وقد أجاب قومٌ عن ذلك بأن قالوا إنما أراد بقوله في صفةِ اليهود وأهلِ
الكتاب بعد قوله: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا) ، بأنهم لا يؤمنون بالله أن أفعالهم، أفعالُ من لا يؤمنُ بالله ويضاهون أفعالَهم وطرائقَهم، فيكونُ ذلك على طريقة التشبيه لهم بمن لا يؤمنُ بالله، لا على نفي الإيمان عنهم على التحقيق، كما يقولُ
القائلُ: هذا الظالمُ الجبارُ لا يؤمنُ بالله، أي: فعلُه وطريقتُه فعلُ من لا يؤمنُ
بالله على مذهبِ التشبيه.
وأجاب آخرون عن ذلك بأنهم قالوا: إنما عنى بقوله: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) الذين ابتدأ بذكرهم في قوله: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا) ، فقال: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) ، فحذف تكرارَ لفظة الذين، وقد يُكرَّرُ هذا اللفظ تارةً ويُستثقلُ تكراره أخرى، ويُقتصرُ على ذكره دفعةً واحدةً على وجهِ الحذفِ والاختصارِ.
وإذا كان ذلك كذلك بطل ما تعلقوا به في هذه الآية ِ من جميع الوجوه.
стр. 720
قالوا: ومن الإحالة الواردة في القرآن في صفةِ اليهود قوله :
(وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ) .
قالوا: واليهودُ جميعاً تنكرُ ذلك، وقد عُلمَ أن هذا ليس من دينها.
فيقال لهم: صيغةُ الظاهرِ لا توجبُ استغراقَ جميع اليهود، وقولهم
كلهم بذلك وتناوله لمن مضى منهم ومَن في الحال، ومَن هو آت بل هو
قول محتمل للخصوصِ والعموم، وظاهرُه أيضا مفيد لفعلٍ ماضٍ من قومٍ
قالوا ذلك وسلَفوا مَن اليهود، وليس يُخبرُ عمَن يأتي بعد النبي ﵇
من أهلِ عصرنا وغيرِهم من أهلِ الأعصار، وإذا كان ذلك كذلك وكان الله
أصدقَ منهم وكان المؤدي لهذا القولِ عنه من قامت الحجةُ القاهرةُ
بثبوتِ نبوته، وجبَ حملُ الآية على أن طائفةً منهم ممن سلف قال ذلك
واعتقده، أو رئيس من رؤسائهم وداعٍ من دعاتهم، وقد ورد في الآثار عن
بعض السلف أن الذي قال ذلك واحد منهم، هو المسمى فنحاص، ويجوز
أن يكون هو الذي ابتدأ القولَ بذلك واتبعه عليه قوم منهم فقال: وقالت
اليهود، وهو يريدُ البعضَ منهم، إما رئيس منهم أو طائفةٌ منهم، وإذا كان
ذلك كذلك بطلَ ما تعلقوا به.
وأما قوله تعالى: (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) .
فإنما أراد - وهو أعلم - أنهم كانوا يجدون فيه تنافياً وتناقضاً
كثيراً لا معنى له، ولا يسوغُ ويجوزُ استعمالُ مثله في اللغة العربية ولو وُجدَ
نظمهُ مختلفا متنافيا من ضروبٍ من أوزان كلام العرب، لا يخرجُ عما
يعرفونه ولوجَدوا فيه الثقيلَ الجزلَ الرصين، والخفيف المستغث السخيف.
كما يوجدُ ذلك أجمعُ في كلامِ جميع العرب من أهلِ النظم والنثر.
стр. 721
ولم يجدوهُ على حدٍ واحدٍ ونمطٍ غيرِ مختلفِ ولا متزايدٍ في جزالة اللقظ.
وحُسن النظمِ والفصاحة، والبراعة الخارقة للعادة.
ولم يعنِ بقوله: (لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) اختلافَ قراءته واختلافاً
في تأويله وأحكامه الغامضة، فكيف يريدُ ذلك وهو تعالى قد أنزل القرآنَ
على سبعةِ أحرفٍ كلها شافٍ كاف، وقد تظاهرت الأخبارُ بذلك عن الرسول ﵇ وأنّه أقرأهم قراءاتٍ مختلفة وصوَّبهم، فلم يقلْ له قائل منهم هذا اختلاف في التنزيل.
ولو كان الأمرُ على ما ادّعوه لم يذهب ذلك على الصحابة، ولم يجز
في مستقر العادة إضرابهم عن ذكر هذه الموافقة، وكذلك لا يجوزُ أن يكون
على اختلافه في الأحكام والتأويل، لأنّ ذلك لا يجعلُ القرآن نفسه مختلفاَ.
والله قال: (لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) ، والاختلافُ في تأويله غيرُ الاختلافِ
في تنزيله ولا خلافَ بين أهل اللغة أن التناقضَ والكذبَ يُسمى مختلفاً
وخُلفاً من القول، ولذلك يقولون فيمن اعتقدوا فيه الكذب حديثُه مختلف.
وقد اختلفت روايتُه وقوله في هذا، وهذا خلفٌ من الكلام، والله تعالى إنما
نفى عن كلامه هذا الاختلافَ لأن ذلك يوجبُ أن يكون نفسُ كلامه
مختلفا، وليس الاختلافُ في تأويل كلامه اختلافاَ فيه، لأن اللهَ تعالى قد
نصبَ الأدلةَ القاطعةَ على مراده بالمحتمل، إما ببيانه في آيةٍ أخرى أو سنة
ثابتة أو إجماعِ من الأمة، أو دليل عقلِ وخبر جلَّ ثناؤه فيما احتملَ أموراَ
كثيرةَ من الأحكام الشرعية نحو قوله: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ) ، وقوله: (أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ) ، وقوله: (أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ) ، وأمثال ذلك.
стр. 722
وليس يجبُ إذا اختلفَ العلماءُ في ذلك وخيَّروا فيه، إذا استوت عندهم
التأويلات، وخُيرت العامةُ في استفتاء من شاؤوا منهم أن يكونَ ذلك مصيّرا
لكتابه مختلفا، كما أنَّه لا يجبُ إذا خُير العلماءُ والعامة في الكفاراتِ الثلاثة
أن يصيرَ حكمُه مختلفا، فإذا كان ذلك كذلك ثبتَ أن التأويل في نفي
الاختلاف ما قلناه دونَ ما ظنوه.
وقد يمكنُ أيضا أن يكون تعالى عنى بقوله: (لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) عاريا من دليلِ قائمٍ على صحيحِ ما اختُلفَ فيه من فاسده، حتى
يصيرَ لِعُروِّه من ذلك مُشكلاَ مُلبسا لا سبيلَ إلى معرفة المراد بتأويله والقصد
به، ولم يُردْ نفيَ الاختلافِ الذي قامَ الدليلُ على صحّة صحيحه وبطلانِ
فاسده، فإذا كان ذلك كذلك زال ما تعلقوا به.
فأمَّا قوله تعالى: (تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ) ، (لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ) ، وقوله: (قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (١٦) .
فإننا قد أبنَّا الجواب عنه والمراد به فيما سلف بما يغني عن رده.
فأمَّا قوله تعالى: (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ) ، مع قوله: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ) ، والخطابُ له عند كافة أهل التأويل، والمرادُ به أمته، وهذا مما يسوغُ ويجوزُ في اللغة، ومثله قوله: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) ، الخطاب له والمقصودُ به غيره، على أنه قد يجوزُ أن يقولَ القائلُ لغيره في الأمر الذي يعلمَ أنه يحقه ويعرفه
стр. 723
يقينا فإن كنتَ في شك مما قد أخبرتُك به وريبٍ مما قلتُه فسل فلانا، وسل
غيري، وإنما يوردُ ذلك على وجهِ التأكيد والتثبيت للعارفِ بما يقوله، لا على أنه في الحقيقة شاكٌّ مرتابٌ في خبره، وكذلك قد يهدد المرءُ من يعلمُ أنه لا يخالفه ولا يعصيه ويقول له: إن عصيتني عاقبتك، إذا علم أنّ ذلك لطف له في التمسك بطاعته والانزجار عن معصيته وإذا عَلِم أن سامعي توعُّده يصلحون ويرهبون سماع ذلك الوعيد، وإذا كان ذلك كذلك زالَ تعلُّقهم بالآية.
وأمَّا قوله تعالى: (تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ) ، و (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ) ، وقوله: (هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ) ، فلا منافاةَ بينَه وبينَ قوله: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ) ، لأمور:
أحدها: أنه يمكنُ أن يكونَ المرادُ بقوله تبياناً لكل شيء، وهذا بيان
للناسِ على قول من وقف على قوله: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ) .
وجعل قوله: (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) ، واوَ استئناف، أنه سبحانه ما
فرط فيه من شيءٍ فرضَ على المكلفين عِلْمَهُ والعمل به والمصير إلى موجبه.
وجعلهم في حرجٍ ومأثمٍ في الجهل به، أو رعاهم وندَبهم على سبيل القصد
إلى معرفته، وكذلك قوله: (تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ) و (بَيَانٌ لِلنَّاسِ) ، إنما أراد به
أنه لما ألزموه وكلفوه وأخذوا بمعرفته، ولم يرد تعالى أنه بيان لما لا نهايةَ له
من معلوماته على وجه التفصيل، ولا أنه بيان لجميع ما تُعبّد به من شرائع
من سلف من النبيين ومشتمل على شرح جميع سنن المتقدمين وأقاصيص
الأولين.
ولذلك قال: (وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ) ، ولا أرادَ أنه بيان لتأويلِ ما لا يعلم تاويلَه إلا الله
стр. 724
وحده، وبمعنى قوله: (كهيعَص) ، وغير ذلك من الحروف
المقطعة - في أوائل السور وغيرها من الكلمات التي لا يعلمُ معناها إلا الله
تعالى على قول من وقف عند قوله: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ) قالوا: لأن
القرآن خاص وعام، وكذلك قوله: (تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ) ، و (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ) ، مخصوصٌ فيما ألزم الناس معرفته دون ما أسقطَ الله عنهم فرض العمل به من المتشابه وهو بمثابة قوله: (خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) .
و (يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ) ، (وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) ، و (تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ) .
وكلُّ ذلك على الخصوص، وإن كان وارداً بلفظ العموم، وإذا ثبت هذا بطل ما تعلقوا به.
فأمَّا نحن وكثير من أماثل أهلِ العلم، فإتنا لا نعتقدُ أن للعموم صيغة
تثبتُ له، ونقولُ إنه يجب التوقيفُ والتثبتُ في قوله: (تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ) ، و (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ) ، وهل أراد به الخصوص أو العموم، لأنه
عندنا كلام محتمل للأمرين جميعاً فلا مطالبة لهم علينا، والذي نختاره
ونذهبُ إليه في تأويل قوله: (وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ) أنه ما اشتبه ظاهره، واحتمل
تأويلات كثيرة مختلفة، واحتيجَ في معرفة المراد به إلى فحصٍ وتأمُّل، ورد
له إلى ظاهرٍ آخرَ ودليلِ عقلٍ وما يقومُ مقامَ ذلك، مما يكشفُ المرادَ به.
وإن ذلك مما يعلمُ اللهُ تأويله، ويعلمه أيضا الراسخون في العلم، وأن اللهَ
سبحانه لم ينزل من كتابه شيئا لا يعرفُ تأويلَه، ولا طريق للعرب الذين أنزل
عليهم، ولا لهم سبيل إلى العلم به، ولا يجوزُ أن يكلمهم بما هو سبيله مع
قوله: (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا) ، وقوله: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ) ، وقوله: (لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ) ، في نظائر هذه الآيات الدالة على
стр. 725
أنه نزلَ بلسان العرب، وما تعرفه وتعقله في عادة خطابها، ولا نقولُ بالوقف
على قوله: (إِلَّا اللَّهُ) بل الواو عندنا في قوله: (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) واو نسقٍ وعطف، وأن جميعَ ما رويَ عن بعض المفسرين وأهل اللغة أنه لا يعرفُ له تأويلاً، فإنّه معروفُ المعنى والتأويل عند غيره، ومما قد كشفَ اللهُ سبحانه
عن المراد بواضح أدلته، وبين براهينه، وإذا كان ذلك كذلك بطلَ توهُّمهم
أنّ الله سبحانه قد أنزلَ في كتابه ما لا يعرفُه أهلُ اللغة ولا طريقَ للخلقِ
جميعا إلى معرفة المراد به.
فإن قالوا: فلا معنى على هذا التأويل لقوله: (وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ) ، لأنّ ما
قد أوضحَ الدليل على المراد به وعُرف به معناه فليس بمتشابه.
قيل لهم: ليس الأمرُ على ما ظننتم لأن ما عُرفَ بالدليلِ إذا كان ظاهرُه
محتملاً لتأويلاتٍ مختلفة، فهو مشتبهٌ على من أهمل وصدفَ بنفسه عن
صحيح النظر، وعلى من نظر واجتهدَ إلى أن يعلم ويعرف المراد به، وتزول
الشبهةُ والريبُ عن قلبه،، وهو أيضا مشتبة على من ارتدَّ عن دينه، واعتقد الجهلَ وصحّة الشبهات بعد معرفته وصحيح نظره، لأنه إذا لم يكن طريقُ معرفة المراد بالمتشابه الضرورات ودرك الحواسِ وتركيبَ الطباعِ والعادات، ولا صيغة للكلام بظاهره، جازَ أن يُلحق الناسُ فيه ما وصفناه، وكلما كان الشيء المقصودُ بالآية ألطف وأغمض، كانت معرفتُه أصعب وأبعد، وكان الاشتباهُ فيه أكثر، وكلّما قرب كان أجلى وأظهر، ولو كان كلّ قولٍ إلى معرفةالمراد به سبيلا وطريقا غير متشابه، لم يجز على هذا أن، يكون في كلام البلغاء والشعراء أو الخطباء والعرب العاربة شيء متشابه، ولوجب أن تكون الخاصة والعامة في منزلة متساوية، وطبقةٍ واحدة، من معرفة اللغة، وإثبات المعاني، وغامض الإعراب، ومعرفة غريب الشعر والحديث،
стр. 726
وكلام الفصحاء ونوادر اللغة، إذا لم يكن في ذلك شيءٌ مشتبه، وهذا جهلٌ ممن صارَ إليه وحملَ نفسه عليه.
وإذا كان الأمرُ على ما وصفناه وكان كل ما ذكرنا حالَه من غريب الكلام
ومُشكل الألفاظ متشابها على مَنْ لم يعرِفْه، وعلى من عرفه قبل تحققه، وعلى
من جهله وشك فيه بعد العلم به، وإن كان الدليل على المراد به قائماً
منصوبا معرَّضا لمن طلبه سقط ما قالوه، ووجب أن يكون ما هذه سبيله من
كلام الله سبحانه متشابها وإن كان الدليل على المراد به منصوباً لائحاً.
فإن قالوا: أفليس قد قال كثيرٌ من أهل التفسير إن الوقف واجمث على
قوله (إِلَّا اللَّهُ) وأنكروا ما قلتموه.
قيل لهم: أجل، فقد غلطَ ووهِمَ من قال ذلك لأنّهم لم يَرْووهُ عن الله
تعالى ولا عن رسوله، وإنما صاروا إلى ذلك بتأويلهم واجتهادهم وهم غير
معصومين من الزلل.
فإن قالوا: فقد يجوزُ عندكم أن تكون الواو في قوله: (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) واو استئناف لوصفِ المؤمنين بأنهم يؤمنون به، ويسلمونه من غير
معرفةِ بالمراد به، ويجوزُ أن تكونَ واو نسقِ واشتراكِ في الصفة.
قيل لهم: يجوزُ ذلك عندنا وعند سائر أهل اللغة وصحةِ الاستعمال.
غير أن الله تعالى ورسولَه ﵇ قد دلاَّ بما قدمنا ذكره عن الآي على
أن اللهَ سبحانه أنزلَ القرآنَ بلسان العرب، وما تجدُ وتعتقدُ في خطابها.
فلذلك جعلنا الواو ها هنا واو نسقٍ واشتراك.
فإن قالوا: كيف يسوغ لكم جعلُ الواو واو نسق، وأنتم إذا فعلتم ذلك
قطعتم ((وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ)) عن أن يقولوا آمنا به، لأنه ليس في الكلام
стр. 727
واو نسق توجبُ للراسخين فعلين، ولو كان التأويلُ على ما ذكرتم لكان من حقه أن يقول: وما يعلمُ تاويلَه إلا اللهُ والراسخونَ في العلم، ويقولون آمنا به حتى يوجبَ لهم الواو الأول نسَقَهم على الله سبحانه والواو الثاني قولَهم:
آمنا به كل من عند ربنا، وإذا لم يفعل ذلك بطل ما قلتموه.
يقال لهم: لا يجب ما طالبتم به لأن أهلَ اللغة قالوا: إنَ يقولون ها هنا
في معنى الحال واسم الحال، وبمثابة قوله لو قال والراسخون في العلم
قائلون آمنا به لأنهم يُحلون الفعلَ المضارعَ محل الاسم من وجوه:
أحدها: إنك تقولُ مررتُ برجلٍ يأكل، ويقومُ ويقول، فيحله محل
قولك مررتُ برجلٍ قائم، وقائل هذا - زعموا - أحدُ وجوه المضارعة بينَ
الاسم والفعل، ويوضّحُ ذلك ويُبينه أنهم يقولون: لا يأتيكَ إلا عبدُ الله زيد
يقول: أنا مسرور بزيارتك، يعنون لا يأتيك إلا عبدُ الله زيد قائلاً أنا مسرور
بزيارتك، فجعلوا يقول بمنزلة قولهم: قائل مسرور.
قال الحميدي يرثي رجلاً في قصيدةٍ أولها:
أصرمْتَ حَبْلكَ من أُمامة بعد أيام برامه ... الريحُ تبكي شَجْوه والبرقُ يلمعُ في غمامه
يعني بذلك البرقُ لامعاً في غمامةٍ تبكي شَجْوه أيضاً، لأنه لو لم يُرد أنّ
البرق يبكي شَجْوه، كما أن الريح تبكي شَجْوَه لكان هاذيا، ولكان قوله:
والبرقُ يلمعُ في غمامة كلاما متقطعاً أجنبيا مما قاله، ولم يكن لذكر لمعان
البرقِ معنى، لأنه لا تعلُّق بين لمعان البرق وبكاء الريح شَجْواً من بكائِه
وكأنه رجل، قال: والريحُ تبكي شَجْوه وزيد راكب أتانته، وأيُّ تعلُّق بينَ
بكاء الريح وركوب زيد، فدل ذلك على أنه أرادَ بقوله: والبرقُ يلمعُ في
стр. 728
غمامةٍ أنه لامع في غمامةٍ تبكي أيضا شَجْوهُ ولم يحتج أن يقولَ الريحُ تبكي
شَجوهُ والبرقُ يلمعُ في غمامه، وإذا كان ذلك كذلك بطلت هذه الشبهة.
وصحَّ أن التأويلَ على ما وصفناه.
وقد اختلف الناسُ في معنى وصفِ الخطاب بأنه متشابة ومحكم، فأمَّا
معنى وصفِه بأنه محكم فإنه منصرف إلى معنين:
أحدهما أن يكون ظاهراً مبيّنا عن المراد بنفسه وظاهره، نحو قوله:
(مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ) ، (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ) ، (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ) ، (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً) ، ونحو ذلك.
وقد يوصفُ أنّه محكم على معنى إحكامِ النظم والتأليف، وتضمنه
للمعنى الصحيح من غير اختلافٍ ولا تناقضٍ ولا غيره من معنىً يصح أن
يقصدَ بالخطاب إليه، وكذلك صارَ غريبُ حديث رسولِ الله ﷺ وصحابته، ومشكلُ كلامهم وكلامِ البلغاء من الشعراءِ والخطباء والمترسلينَ محكما، وإن كان غامضا يحتاجُ إلى تفسيير وتأويل.
فأمَّا معنى وصف الخطاب بأنّه متشابه، فقد اختلف فيه، فقال قائلون:
المتشابه هو المنسوخُ من الآية، وأن المحكم هو الناسخ، وقال آخرون:
المتشابه هو مثلُ قوله: (الم، الر، كهيعص، طسم، حم، عسق)
ونحو ذلك من الحروف المقطعة في أوائل السور، وما عدا ذلك فهو محكم
بأسره.
وقال قائلون: المحكمُ الذي يعرف المرادُ به من نفس ظاهره من غير
تأويلٍ ولا نظرٍ واجتهادٍ وردٍ له إلى غيره، والمتشابه: ما كان المرادُ به في
تأويله دون لفظه، والمحكمُ تأويلُه هو تنزيله من غير صرفٍ له عن ظاهره
وتطلب لمعناه، وقال آخرون: المتشابه ما اشتبهَ لفظهُ واختلف معناه.
стр. 729
والذي نختاره في ذلك أن المتشابه هو كلُّ ما أشكلَ والتبسَ المرادُ به
واحتيجَ في معرفة معناهُ إلى طلب التأويل، وسواء كان مشتبهَ اللفظِ وإن
اختلفَ معناه، أو كان لفظا غيرَ مشبهٍ للفظ آخر، غير أنّ المرادَ به لا يعرفُ
ولا يوصَلُ إليه من نفس ظاهره وفحواه ولحنه، ولكن بالتأمل والاستخراج.
وإنما سُمي ما هذه سبيله متشابها لاشتباه معناه واختلاطه والتباسه بغيره عند
من لم يعرفه ولم يوف النظر حقّه.
وأصل المتشابه في الكلام أن يشبه اللفظُ اللفظَ في صيغته وصورته.
وإن اختلفَ معناهما، ومنه قوله: (تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ) ، أي: أشبه بعضُها بعضا في الكفر والإصرار والعتو، ومنه قولُه تعالى في ثمر الجنة: (وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا) ، يعني في الصورة واللون والهيئة، وإن اختلفت الروائحُ والطعوم، ومنه قولهم: أشبهَ زيد عمراً في خلقته وحُسنِ هديه وطرائقه، وقولهم: اشتبهَ عليَّ الأمرُ إذا أُلبس بغيره، ومنه سُمِّيت الشُبهة المصوِّرة للباطل بصورة الحق شبهة، ومنه سُمِّي نصارُ الباطل، وأصحابُ الحيل والنارنجيان أصحاب الشبه، هذا أصلُ التشابه في اللغة، وقد يكون المشتبهُ من كتاب الله مشتبها بأن يتفقَ لفظُه وصورتُه ويختِلف معناه، وقد يكونُ بأن يغمض ويدق ويخفى معناه، فلا بُدَّ من تبيين الإمعان بالنظر، والبحث عنه، وليس فيه إلا ما قد عرف أهل العلم تأويله.
والمرادُ بحجته ودليله وليس في أهل التأويل من قال: إني لا أعرف معنى
هذه الكلمة والآية منه، بل قد فسَّروا سائره وبيَّنوه وكشفوا عنه، وكلُّ ما
يُروى عن أحدٍ منهم من السلف، ومن بعدهم أنه لا يعرف معنى شيء منه.
فإنّه لا معتبر به، لأنه خبرُ واحد ويجبُ صرفُه إلى أنه قد عرفه وفسّره بعد أن
كان لا يعرفه، أو إلى أنّه هو وحدَه لا يعرفُ ذلك دون رسول الله وصحابته،
стр. 730
والراسخون في العلم، وليس يحفظُ عن أحدٍ منهم أنه قال: لستُ أعرفُ
معنى هذه الكلمة ولا رسول الله، ولا أحد من علماء الأمة، وإذا كان ذلك
كذلك بطل شغبُهم وزال توهمهم.
فأمَّا قوله: (الم @، (الر، (حم) ، (عسق، (كهيعص) .
ونحوه من الحروف المقطعة في أوائل السور، فقد اختلفَ الناسُ في
تأويلها، فقال بعضهم: إنها من المتشابه الذي لا يعْلمُ تأويلَه إلا اللهُ
سبحانه، وهذا باطل بما قدمناه من قبل، ومن قال إن معناه معروف عند أهل
العلم في ذلك أقاويل.
فقال بعضهم: هي أسماءُ السُور وبمثابة الأسماء الأعلام الموضوعة
للأشخاص.
وقال آخرون: إنها أقسام أقسم الله بها لأجلِ تضمنها لأجل ما
سنَصِفُه بعد ذكر الخلاف.
وقال آخرون: هي حروف مأخوذة من أسماء الله تعالى وصفاته، وكل حرفِ منها كناية عن اسمِ هو منه.
وقال بعضُ من تكلم في هذا الباب: هذه الحروفُ كناية عن حسابٍ
كحساب الجُمَّل، وأن كل حرفِ منها لقدرٍ من عددِ سنيَّ بقاءِ أمةِ محمدٍ
صلى الله عليه، وقال آخرون: معنى التكلم بها وجعلها في أوائل السور
أن قومَ الرسول ﷺ كانوا يلغون في القرآن ولا يسمعون له ويصدون عن سماعه وفهمه قصدًا للطعن فيه والصَّدف عنه، فأرادَ الله أن يبدأهم بهذه الحروف المقطعة، ليفرغوا لذلك ويصغُوا إليه ويستكثروه ويطمَعوا في أن يقول بعضُهم لبعضٍ اسمعوا ما يقولُه ويهذي به، وإذا نصتوا له أقبلَ عليهم بالقرآن ووالى حكمَ الكلام وفصيحَ الخطاب بعدَ ما صرفَهم بالحروف المقطعة عن اللغو والإعراض.
стр. 731
وقال آخرون: إنه لا معنى لهذه الحروف أكثر من ابتداء الكلام بها
وتقديمها أمامه، لأن ذلك من شأن العرب وعادتهم عند التكلم، لأنها تبدأ
بالحرف والحرفين، فيقول القائل منهم: ألا إني ذاهب، إلى قائلٍ لفلانٍ كذا
وكذا.
هذه جملةُ ما يُعلمُ أنه قيلَ في تأويلها، وليس يخرجُ عن أن يكونَ بعض
ما قيلَ في ذلك.
فأمَّا من قال: إنها أسماءُ أعلامِ السور التي هي في أولها، فليس ببعيدٍ
لأن صاد وقاف ونون قد صارت أسماءَ أعلامِ لهذه السُّور كزيد وعمرو، لأنه
قد عُلم من قول القائل: إني قرأتُ صاد أنه قرأ السورة إلى آخرها، التي هذه الحروف في أولها، ويجبُ على هذا أن يقالَ إن الله سبحانَه قد أحدثَ في
الشريعة أسماءً لهذه السُّور لم تكن من قبلُ أسماءً لشيءٍ في اللغة، وليس
هذا من تغييرِ الأسماء اللغوية في شيء، لأن تغييرَ الاسم عن وضعِ اللغة إنما
هو نقله إلى غير ما وُضع له، وهذه الحروف لم تكن في اللغة أسماءً
لأشياء، ثم صارت أسماءً في الشريعة لغيرها، فلم يكن لذلك تغيير اللغة.
وعلى أنّ في الناس من أجازَ تغيير الأسماء اللغوية، ووضعِها في الشريعة
لإفادة ما لم تكن مفيدةً في اللغة، ولا سؤالَ عليهم في ذلك.
فإن قيل: أوَ ليسَ قد وقعَ بعضُ هذه الحروف مشتركا نحو حمَ اللتين
هما في أوائل الحواميم السبعة، فكيف يجوز أن تكونَ أعلاما؟
قيل لهم: إذا اتفق ذلك ضُمَّ إليها شيء تصيرُ مع ذكره مميزة لما بقيَ
له، فيقال: قرأتُ حم السجدة، وحم المؤمن، وحم الأحقاف، وذلك بمثابة الأسماء المشتركة التي تكون أعلاما مميزةً مع ضمِّها إلى نعوت أصحابها
وصفاتهم وغير ذلك.
стр. 732
فأمَّا من قال: معناها أنها أقسام أقسم الله سبحانه بها فإنه أيضاً غير
بعيد، ووجهُ القسم بها أمران:
أحدهما: تعظيمُ هذه الحروف وتفخيم شأنها، وإنّما عظّمها بالقسم
لأنها مبادىء كتُبه المنزلة بالألسنة المختلفة ومبادىء أسمائه الحسنى وصفاته
العُلى، وأصول كلام الأمم التي بها يتفاهمون ويتخاطبون ويوحدون الله
سبحانه، ويسبحونه، وموقعُ الانتفاع بها عظيم خطير، والجهلُ بها ضرر
عظيم، فكأنه أرادَ بهذا التأويلِ بـ حم عسق، أي وحروف المعجم لهوَ الكتابُ لا ريبَ فيه، وحروف المعجم لهوَ كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدركَ حرج منه، والعربُ قد تكني عن جميع الشيء بكلمة منه وتذكرُ بعضه، فيقولُ القائل: قرأتُ البقرةَ والحمد، وأنشدتُ قفا نبك، يريدُ بذلك جميع السور والقصيدة، كما يقولُ القائل: تعلمتُ أب ت ث يريد جميعَ المعجم لا هذه الأربعة أحرف فقط.
قال الشاعر:
لما رأيتُ أمرَها في حُطّي ... وأزْمعَتُ في لُددي ولطُي
أخذتُ منها بفروقِ شمطِ
ولم يُرد حُطي فقط، وإنَما كنَّا بذكر حُطي عن أبي جاب التي منها حُطي.
لأنه قصدَ بذلك التمثيلَ لعودها إلى أول ما تكرهُه، كتبدي الصبي بتعلم أبي
جاد.
فأمَّا قول من قال: إنها مأخوذةٌ من أسماءِ الله وصفاتِه وكنايةً بكل حرفٍ
عن الاسم الذي هو فيه فليسَ بمستنكرٍ أيضاً،
стр. 733
وقد روي عن عبد الله بن عباس: "أنه قال في كهيعص: إن الكافَ من كافٍ والهاءَ من هادٍ والياءَ من حكيمٍ والعينَ من عليمٍ والصادَ من صادق ".
والعربُ تستعملُ الترخيمَ في كلامها، ويكنى ببعض حروف الاسم
والفعل عن جميعها فيقولون: يا حارِ يريدون يا حارث، ويا صاحِ يريدون
يا صاحب، ويقولون عِمْ صباحاً أي: أنعم صباحا، وقال بعضُ القراء:
"ونادوا يا مالِ ليقضِ علينا ربك "، يعني: يا مالك، فرخم.
قالوا: والعربُ تقول أمسك فلانُ عن فلَ يعنونَ عن فلان، وأنشدوا قول الشاعر:
فواطبا مكةَ من ورقِ الحمى
يعني الحمام.
وقال آخر:
فقلت لها قفي فقالت قاف
أي وقفتُ وأومَأت بالقاف عن اسم الوقوف، وهذا في كلامِهم أكثرُ من
أن يُحصى، وإذا جازَ ذلك وساغَ في اللسان جاز أن يُكنى الله تعالى بكل
حرفِ من هذه الحروف عن اسمِ من أسمائه هو من جُملته على وجه الحذف
والاختصار، فكأنه قال: الكافي الهادي الحكيمُ العليمُ الصادقُ الذي أنزلَ
عليك الكتاب، وقد يجوزُ أن يكون أقسم بالأسماء والصفات التي هذه
الحروف منها، فكأنه قال: والعليم الحكيم وصاحب هذه الأسماء، لقد
" أنزل عليك الكتاب.
стр. 734
فأمَّا قول من قال: إنها حروف وُضعت لحسابِ قدر بقاء الأمة فقد
يجوزُ ذلك إذا أطلعَ اللهُ نبيه عليه، أو بعض ملائكته بأن يُعرفه أن كلّ حرفٍ
منها لقدرٍ من السنين كما قيل: ألف واحد وياء اثنين، وكذلك في سائر
حروفِ الجمل.
فأمَّا قول من قال: إنها ابتُدئَت في أوائل السور ليروعهم سماعُها
وتنصرفَ همَمُهم إلى الإصغاء إليها، فليس ببعيدٍ أيضا، لأنه يمكن أن يقصدَ
ذلك، ولكن لا بدّ لها من معنىً هو القسمُ بها أو بأسماء الله التي هي من
جملَتها أو توقيف على وضعها بحسابِ السنين، وإلا عُريَت من فائدة.
وليس يجوزُ أن يُلهيَهم عن لغوهم وصدفهم عن سماع القرآن بأصواتٍ وأمورٍ
لامعنى لها.
وإذا كان الأمرُ في تأويل هذه الأحرفِ على ما وصفناه زال وبطلَ
تعلُّقهم بها وقولهم إنّه لا يعرفُ معناها ولا وجهَ للخطاب بها وثبتَ بذلك أن
جميعَ ما أنزله اللهُ من مُحكمٍ ومتشابهٍ معلوم معروفُ المعنى.
وقوله تعالى: (وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) ، إنما أراد به الحشيش لأن (أَبًّا)
اسمُ الحشيش على ما ذكر، وليس من شيءٍ ذكره الله تعالى إلا ومعناه
معروف وإليه سبيل، وإن جهله أهلُ التفسيرِ ومن لا إغراقَ له في البحث
والتأمل.
فإن قالوا: فما الذي أرادَ بإنزال المتشابه، قيل لهم: أرادَ بذلك امتحانَ
عبادِه واختبارَهم وتفضيلَ الذين أوتوا العلمَ درجات، وأن ينفعَ بذلك من
يعلمُ قوةَ يقينه واستبصاره بمعرفة المتشابه وأن يُضِل به ويَضُرَّ من علمَ أنّه
يصدفُ عن تأويله ويُلحدُ فيه ويستبصرُ ويُعمي عند إنزاله بصيرتَه ويصيرُ
стр. 735
طريقا وسبيلاً إلى تعلقه به، وإيثارِ الفتنة به وسوءِ التأويل فيه، كما وصفَهم
بذلك في ظاهر التنزيل، فلا سؤال علينا في ذلك ولا مطعن.
قالوا: ومما يدلُّ أيضا على وقوع الخلل والتخليط في القرآن ما نجدُه
فيها من الحشو للكلام الذي لا معنى له نحو ما فيه من قوله: (يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ) ، والقولُ لا يكونُ إلا بالفم.
وقوله: (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ) ، والكتابة لا تكونُ
إلا باليد، وقوله: (وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ) ، والطائر لا يطيرُ إلا
بجناحيه، وقوله: (فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) ، وقوله: (فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ) ، والسقفُ
لا يخزُ إلا من فوقهم، وقوله: (فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ) ، ولا معنى لذكر اليمين دون الشمال، وقوله: (فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ) ، وأغبى الناس وأقلُهم ذهنا وبصيرة يعلمُ أن
ثلاثةً وسبعةً عشرة، فلا معنى لهذا الكلام.
فيقال لهم: لا تعلُّق لكم في شيء مما ذكرتُم لأمرين:
أحدهما: أنّ العرب قد تكررُ وتريدُ اللفظةَ التي معناها معنى ما قبلها
للتوكيد، وتستجيزُ ذلك وتستحسنه في عادتِها وصرف خطابها، ولذلك يقول القائلُ منهم: رأي عيني وسمع أذني، وكلمتُه من فمي، وسمعتُه من فيه، على وجه التأكيد للخبر، وكذلك قولهم: عجل عجل، وقُم قُم، فإذا ساغَ ذلك وجازَ تكرارُ الكلمةِ لتوكيد، كان تكرارُه بلفظين مختلفين أحسنُ
وأولى، والله سبحانه إنما خاطبَ العرب على عادتها، والمألوف من
خطابها، فسقط بذلك ما قُلتم.
والوجه الآخر: أن لكل شيءٍ مما أورَدتُموه معنىً زائداً صحيحا.
стр. 736
فأمَّا قوله تعالى: (يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ) فإنما المراد به أنهم قالوا ذلك بأنفسِهم وأفواهِهم بغير إشارةٍ ولا كتابِ ولا مراسلةٍ لأن القائلَ قد يقول: قلت لزيد كذا وهو يعني أمرتُ من يقولُ له، وراسلته به، وكتبتُ بذلك إليه، وأشرتُ إشارة ورمزتُ رمزا، قال الله تعالى: (آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا) .
وقال الشاعر:
وقالت له العينان سمعاً وطاعةً ... واحْدَرتا كالدُّر لما ينظم
وقال آخر:
وتُخبرني العينان ما القلبُ كاتم ... فإذا قال له قلت له بفمي ولساني
زالت التأويلات.
وكذلك الجواب في قوله: (يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ) لأنه أرادَ أنهم
تولوا خَطَّهُ بأيديهم لا بواسطة وأمر منهم، وعلى وجه ما يقولُ القائل: كتبَ
رسولُ الله إلى النجاشيّ، وكتبَ الخليفةُ إلى فلان، أي أمرَ بالكتاب إليه.
فأمَّا قولُه تعالى: (وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ) ، فإنه أرادَ جنسَ الطيران دونَ
السرعةِ في الأمرِ والقصدِ لأنّ القائلَ من العربِ قد يقولُ لمن يأمُرهُ طر
وأسرع في هذا الأمر، أي بادر، ويقول: طرتُ إلى فلان، أي أسرعت، فإذا قيلَ طارَ الشيءُ بجناحيه انصرفَ إلى جنسِ الطيران بالجناح الذي هو الأصل الذي يشته به السرعةُ في القصد والأمر.
فأمّا قوله: (وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) فإنما أوردَه تعالى على
مذهبهم في قولهم نفسيَ التي بينَ جنبى، ونفسُه لا تكونُ إلا بينَ جنبيه.
فأمَّا قوله تعالى: (فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ) ، فهو لأن السقفَ قد
يخرُ عليهم من تحتهم إذا كانوا في الغرف، وقد يقولُ القائل: خرَّ علي في
стр. 737
بيتي سقف، وإن كان تحتَه، وقد يَخِرُّ عليهم السقف أيضًا وإن لم يكونوا
تحتَه ولا فوقَه، كما يقول القائل: خرَّ علينا في الدار سقف، وإن لم يكونوا
تحتَه ولا فوقَه، وإنما يقصد الإخبار عن سقوط السقف فقط في ملكه وداره.
أو قربه وجوارِه، فإذا قال: من فوقي أفادَ أنه كان تحتَه.
وأمَّا قوله تعالى: (فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ) ، فإنما ذكرَ اليمينَ لأنه بها وقعَ
دون الشمال، وقد يقعُ الضربُ بالشمال كما يقعُ باليمين ولأن اليمينَ أكثرُ
قوةَ وأشد تمكُنا وبطشا من الشمال.
قال الشماخ:
إذا ما رايةٌ رُفِعَت ... لمجدٍ تلقاها عُرابةُ باليمين
أي أخذها بقوةِ وبطشٍ وتبسطٍ في الكرم.
وأمَّا قوله تعالى: (تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ) ، ففيه وجوه:
أحدها: أن ذلك عادةُ العرب في كلامها وإكمالها للعدد الذي تُفصله
قال الشاعر:
تجمعن من شتى ثلاث وأربعٌ ... وواحد حتى كَمُلن ثمانيا
стр. 738
وقال آخر:
ثلاثٌ واثنتانِ فهنَّ خمس ... وسادسةٌ تميلُ إلى ثمانِ
ولم يستهجن هذا أحد في تخاطب أهل اللسان وعادتهم، وكذلك حكمُ
قوله: (تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ) ، وقوله تحالى: (وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً) .
والوجه الآخر: أنه قال تلك عشرة كاملة، أخرجَ الواوَ هاهنا عن أن
تكون بمعنى التخيير وبمثابة قوله أو سبعة إذا رجعتم، كما قال: (مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ) ، يعني أو ثلاث أو رباع، فكان يجوزُ أن يظن ظان أو السبعةَ في الحضر بدل من صيام الثلاثة في السفر، وأنه للتخيير وبمعنى أو.
فرفع سبحانَه جوازَ ذلك وقطعه بقوله تلكَ عشرةٌ كاملة.
ويُحتمل أيضاً أن يكون إنما أراد تلكَ عشرةَ كاملة، ليدلَّ بذلك أن
السبعةَ في الحضَرِ هي أيام أيضاً، لأنه لو قال فصيامُ ثلاثة أيامٍ في الحج
وسبعة إذا رجعتم، وقال: أردتُ سبعةَ أشهرٍ أو سبعَ سنينَ أو أسابيع لساغ
ذلك، فلما قال: تلكَ عشرةَ كاملةٌ دل بذكر العشرة والكمالِ على أن السبعة أيام، لا يحسنُ أن يقالَ ثلاثةُ أيامٍ وسبعُ سنين، أو سبعةُ أرطالٍ عشرة كاملة، وإنما دخلَ ذكرُ التكميل في جنس المعدود.
ويُحتمل أيضاً قولُه كاملة أنها كاملةُ الأجر والثواب، وإذا كان ذلك
كذلك سقطَ جميعُ ما يتعلقون به من هذا الجنس سقوطاً بيّناً.
قالوا: ومما يدلُّ أيضاً على وقوع الفسادِ والتخليطِ من القوم في القرآن.
ودخولِ الخللِ في الكتاب ما نجده فيه من الكلام المنقطعِ عن تمامِه ونظامِه
والمتصل بما ليس من معناهُ في شيء، نحو قوله في العنكبوت في قصة
стр. 739
إبراهيم ﵇ ووعظه لقومه في قوله: (اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٦) إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١٧) .
ويجبُ أن يتصل بذلك:
(فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٤) .
فقطعوا تمامَ القصةِ وبتَروها ووصلوا بقوله (إليه ترجعون) قصة محمّد ﷺ وما يخرج عن قصةِ إبراهيمَ، وهو قوله: (وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٨) أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١٩) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠) يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (٢١) وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٢٢) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٣) .
ثم أتبعوا ذلك بقوله: (فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ) ، وهذا تمامُ قولِ إبراهيم لهم: (فابتغوا عندَ الله الرزق واعبُدوه واشكُروا له إليه ترجعون) ، وهذا - زعموا - تخليط ظاهر وبتر للكلامِ وقطعٌ له عن صلته وخلطِه بما ليس منه بسبيل.
فيقال لهم: ليس الأمرُ في هذا على ما توهمتم، وذلك أن الله سبحانه
هو الذي رتبه كذلك، ورسوله ﷺ على ما بيناه من قبلُ وما سنوضحُه فيما بعد، فأما ظنكم أن هذا بترُ للكلام وإفساد له فإنّه جهل وذهاب عن معرفة فضل الفصاحة والقدرة على التصرفِ في الكلام، لأنّ أهل اللغة يعُدّون هذا الباب من ضروبِ الفصاحة والبلاغةِ والقدرةِ على
стр. 740
التبسط في الكلام، والخروج عنه إلى نعت ما يعرض فيه ووصفه، ثم العود إليه على وجه غير مستهجن ولا مستثقل، ويصفون من صنع ذلك في خطبته وشعره بالاقتدار على الكلام.
ويسمون هذا النمط في الشعر الاستطراد، ومعنى ذلك أن يكون في وصف شيء ونعته فيعرض عن ذكره إلى ذكر غيره الذي عرض ذكره فيما كان فيه، أو لم يعرض ثم يعود إلى صفة ما كان فيه واستيفاء ما قصد عن الإخبار عن معانيه بالكلام السهل والرجوع المسلسل المتناسب، ويسمونه الالتفات، وهو انصراف المتكلم عن المخاطبة إلى الإخبار وغير ذلك من الالتفات، وهو الخروج من معنى يكون فيه إلى معنى آخر، وليس يقدر على مثل ذلك كل فصيح لَسنٍ حتى يكون ذلك مع فصاحته قادرا منبسطا في الكلام، لأن إتمام القصة وحكايتها إذا طالت ربما تعذر نظمه على وجه الفصاحة والبراعة على أهل البلاغة واللسن، وربما احتاجوا في ذلك إلى تكلف شديد مختلف فيه كلامهم، حتى يكون من الجزل الرصين، ومنه اللين الخفيف وكيف بالخروج عن قصة إلى غيرها ثم العود إليها، لأن ذلك أشد وأصعب عند كل متكلم بلغة، ومتعاطٍ لنظم حكايات السير والقصص وضروب الأمثال، ومحاولة البلاغة في الكلام، وهذا النمط من الخروج عن كلام إلى غيره وما ليس من معناه ولا مما قصد بافتتاح الكلام ثم العود إلى ما ابتدأ بالكلام فيه وقُصِدَ إليه كثير معروف، ومن الاستطراد قول حسان بن ثابت ﵀ -
следующие страницы →