الأمر الثاني المتعلّق بمبحث التدليس: فإنّ القاعدة التي اشتهرت عند المتأخرين وتواضعوا عليها هي أنّ حديث المدلّس يقبل إذا صرّح بالسماع. أمّا إذا روى بالصيغة الموهمة فإنّ حديثه يكون ضعيفا، ولكنّ الباحث في هذا الأمر يلحظ في كلام المتقدّمين أمثلة تخرم هذه القاعدة وتعود بالأمر من جديد إلى ملاحظة القرائن والأحوال.
وأسوق لذلك مثالين:
١ ـ لقد ذكر الإمام أبو حاتم الرازي أنّ بقيةَ بنَ الوليد كان يروي عن شيوخ ما لم يسمعه منهم، فيظنّ أصحابه أنّه سمعه منهم، فيروون عنه تلك الأحاديث ويصرّحون بسماعه لها منهم، ولا يضبطون ذلك (١) .
وهذا في الحقيقة لو حاكمناه إلى قواعد المتأخرين لاعتبرناه كذباً، بناءً على أنّ المدلّس إذا صرّح بالتحديث فيما لم يسمعه فإنّه يكون كذاباً، يردّ حديثه جملة وتفصيلا، ولكن الكذب هنا لا ينسب لبقية، فليس هو الذي فعل ذلك، ولا ينسب أيضا إلى أصحابه لأنّهم كذلك لم يفعلوا ذلك عمدا، وإنّما كان ذلك على سبيل الخطأ وعدم الضبط، والله أعلم.
٢ ـ مثال آخر يؤكّد هذه المسألة ويزيدها وضوحا:
لقد ذكروا للإمام أحمد قولَ من قال: عن عراك بن مالك، سمعت عائشة. فقال: هذا خطأ، وأنكره، وقال: عراك من أين سمع من عائشة؟ إنّما يروي عن عروة عن عائشة (٢) .
فهذا الإسناد فيه تصريح بالسماع وهو محض خطأ.
ولذلك قال الإمام ابن رجب تعليقا على هذه الأمثلة التي ذكرناها: ((فحينئذ ينبغي التفطّن لهذه الأمور، ولا يغترّ بمجرّد ذكر السماع والتحديث في الأسانيد)) (٣) .
стр. 247
إذا وضح هذا عرفنا طَرَفاً من منهج الإمام البخاري وغيره من المتقدّمين في الرواية عن المدلّسين، وعندئذ لا حاجةَ إلى الاعتذار عن صنيع البخاري وغيره في إيراد أحاديثَ للمدلّسين لاتوجد إلا معنعنةً بأنَّ قبولَ صنيعهم هذا ليس إلاّ إحساناً للظنّ بهم، وإنّما المسألة أعمقُ من ذلك. إنّها مسألةُ منهج تتضح معالمُه وتفاصيله لكلّ من تعمّق في ملاحظة تصرّفات هؤلاء الأئمة النقاد الكبار، والله أعلم.
بعد هذه الأمثلة التي تبيّن بوضوح وجوبَ ملاحظة الاختلاف بين مصطلحات المتقدّمين والمتأخرين، وتبيّن كذلك أنّ جزءاً من الخلل الذي نعيشه اليوم ناتج عن الغفلة عن هذا الأمر، نرى لزاماً أن نساهم مع إخواننا في تقديم بعض ما نراه علاجا لذلك.
أوّلا: وجوب الحسم في مسألة المنهج:
وهذا هو الجانب النظري: والمقصود به: تشجيع الدراسات الجادّة التي تهدف إلى إبراز قواعد هذا العلم بصورة جيدة ومنهجية واضحة في تحديد معالم هذا العلم وقواعده التي مضى عليها المتقدمون، وبيان ما حصل بعد ذلك من اجتهاد فيها أو إخلال بها أو تطوير لها.
إنّه من الضروري والمهم جدا اجتماعُ أهل الاختصاص بهذا العلم للتداول في منهجية تدريس هذه العلوم، والنقاشِ حول كثير من التساؤلات التي تسكن عقولَ الكثير من الباحثين في قواعد علوم الحديث وتلاحقهم، حيث إنّ الباحث في هذا المضمار يلحظ أموراً كثيرة تحتاج إلى نظر ودراسة متأنية عميقة، بعيدا عن سوء الظنّ وكيل التهم وغير ذلك.
ثانيا: مراعاة الطريقة المنهجية الصحيحة في تدريس هذا العلم:
فالمُلاَحظ أنّ كثيراً من الجامعات عندما تقرّر على الطلاب هذه المادّة، تقرّر معها كتاباً من كتب المصطلح وتحدّد للأستاذ قدراً من الساعات الزمنية يجب أن ينهيَه فيها، غيرَ ملاحظين صعوبةَ هذه المادّة وضرورةَ أن يكون تلقينها للطلاب على تؤدة وأناة وحذر، وإلاّ عاد هذا العلم شؤماً على صاحبه وأهله.
стр. 248
وأنا أتصور أنّ قواعد علوم الحديث مثلُ قواعد الرياضيات، ينطلق فيها الطالب من أبسط المعارف ويأخذ في ذلك القسطَ الوافرَ من الوقت ويتمّ مراجعتها وتدريبُ الطالب عليها والتذكير بها في كلّ مرحلة لاحقة، ومن هنا تترتب المعارف والقواعد وينطلق الطالب إلى الأصعب وقد هضم بصفة سليمة وصحيحة كلَّ المبادئ الأولى، وأُمِن عليه من الوقوع في الانحراف في فهم القواعد التالية أو إساءة استعمالها.
والذي يعين على هذا أن نتعرّف على الطريقة التي كانت تُغرس بها قواعدُ هذا العلم في نفوس الأبناء منذ نعومة أظافرهم، وهذا يحتاج إلى تلمّس أساليب المتقدّمين في تلقين هذا العلم وغرسه في نفوس طلاب العلم، وهذا الأمر يحتاج إلى حديث آخر طويل لعلّ أحدَ المختصين يتصدّى لوضع مفرداته وبيان منهج العلماء فيه.
وبناء على هذا، فإنّه ينبغي الاهتمامُ بما يأتي:
١ ـ وضعُ كتابٍ جديد يتضمّن ترتيباً جديداً لمباحث علوم الحديث وأنواعها ومراتبها، بطريقة منهجية، يُجمع فيها كلُّ نوع أو قاعدة مع ما يشاركها أو يوافقها أو يتداخل معها وغير ذلك.
٢ ـ تبسيطُ هذه المادّة في مراحلها الأولى، من أجل أن يسهل على الطالب المبتدئ فهمُها وحفظُ قواعدها والإكثارُ من الأمثلة النظرية والعملية، حتى يتمكّن الطالبُ منها، ثمّ ينطلقَ ليبنيَ عليها القواعدَ الأخرى.
٣ ـ الاهتمامُ بالحفظ وإعطاؤه حقّه في هذه العلوم، فإنّ كثيراً من تفاصيلها لا تدرك إلاّ بالحفظ، ويُراعى في الحفظ أن يكون مرتباً وموزّعاً بين عدّة أمور، حيث يُصرف جزءٌ من ذلك لحفظ الأحاديث بأسانيدها، تماما كما يُؤمر الولدُ بحفظ القرآن وهو لا يعقل حروفَه ولا معانيَه، فإنّ حفظَ الأسانيد يعوّد الطالبَ على أمرين:
стр. 249
الأول: حفظُ أكبر عدد ممكن من رجال الأسانيد، مما يعينه لاحقاً على استحضار ذلك أثناء دراسة الأسانيد وتخريج الأحاديث، واستحضار الأمثلة لكلّ نوع من أنواع علوم الحديث، وفي هذا عودة جزئية إلى منهج المتقدّمين في تلقّي هذا العلم وتحصيله.
الثاني: التعوّدُ على مراقبة مواقع الرواة في الأسانيد، مما يربّي في الطالب ملكةَ الانتباه لأيّ انقطاع يحصل في السند أو خللٍ يقع في سلسلة الإسناد، وهذا جزءٌ من المعرفة الذهنية التي تعينه في المستقبل على تحديد العلل الواقعة في الأسانيد وتدلّه على إدراك الخفيّ منها.
٤ ـ التدرّج في إعطاء هذه المادّة للطلاب، فإنّ من الأخطاء الجسيمة التي يقع فيها بعضُ من يدرّس هذا العلم أن يبذله للعامّة من الناس في المساجد، ممّن لا يحسنون أحكام الوضوء والصلاة، أو يُفرغه على الطلاب مرّة واحدة، مما يشعرهم بالغرور ويدفعُهم إلى الجرأة في تطبيق بعض ما عرفوه من القواعد على الأحاديث.
ولم يزل علماؤنا السابقون يراعون هذا التدرّجَ ويسلكون بطلابهم مسالكَ الاعتدال في طلب العلم وينتهرون كلَّ مَن يريد أن يَحرِق المراحل أو يقفز على درجات السلّم يبغي الوصولَ بقفزة واحدة.
قال ابن حجر: ((وكذا تعليم العلم ينبغي أن يكون بالتدريج، لأنّ الشيء إذا كان في ابتدائه سهلاً حُبِّب إلى مَن يدخلُ فيه وتلقاه بانبساط، وكانت عاقبتُه غالباً الازديادَ، بخلاف ضدّه)) (١) .
٥ ـ الاهتمام بهذا العلم وتلقينه للصغار عن طريق تحفيظهم المنظومات التي وضعها العلماء قديما وحديثا في هذا العلم وقواعده، من مثل البيقونية والقصيدة الغزلية وألفية الحديث للعراقي والسيوطي، مبتدئين في ذلك بالأسهل منها والأخصر والأوجز، ثمّ الانطلاق إلى الألفيات منها.
стр. 250
إلا أنّه يجب التنبيهُ إلى وجوب استكمال تدريس هذا العلم، فإنّ من الخطأ المنهجي الاقتصارَ في تدريس علوم الحديث على تدريس المصطلحات الأولى، دون الاهتمام بالمراحل الأخرى المهمّة التي تشكل صلبَ هذه العلوم وثمرتَها الحقيقية، وهي علم الجرح والتعديل والتخريج ودراسة الأسانيد.
٦ ـ إنّه من الضروري اللجوء ـ وخاصة في المراحل الأولى من هذا العلم ـ إلى الوسائل التي تضمن فهم الطالب واستيعابه.
إنّ من أنجع الوسائل في التعليم تصويرَ المعاني لترسخ في الذهن، ويتم ذلك بضرب الأمثال ومقارنةِ الشبيه بالشبيه والمَثل بالمَثل، ولتحديد الفكر في النظر في المتماثلات من المعاني والأشباه.
إنّه من الضروري تقديمُ هذه المادة بأسلوب شيّق، مطعّمٍ بالأمثلة من واقع الناس، أو ما له صلةٌ بحياتهم، ليعين ذلك الطلابَ على الحفظ والاستيعاب. وقد سجّل علماؤنا السابقون نماذجَ في ذلك، فكانوا يَنْظِمون هذه القواعدَ بأسلوب الغزل، أو يسوقون معانيَها بأسلوب لا يخلو من الدعابة والمرح والنكتة، من أجل أن تستقر هذه المعاني في النفوس بسهولة ويسر.
انظر مثلا كلام العلماء في تقريب هذا المعنى من مثل قول ابن معين:» الرجل الذي له في الحديث طريق واحد كالرجل له امرأة واحدة، إذا حاضت بقي «. أي: لم يجد غيرها.
وقول حماد بن سلمة:» مثل الذي يطلب الحديث ولا يعرف اللغة مثل الحمار يحمل مخلاة لا شعير فيها «.
وقول الأوزاعي وغيره:» مثل الذي يكتب ولا يقابل مثل الذي دخل الخلاء ولم يستنج «، وغير ذلك من الأمثلة التي يراد بها ومنها غرس هذا العلم في نفوس الطلاب بصورة متينة وقوية.
стр. 251
لقد كنت أثناء تدريسي لهذه المادة للطلاب ألجأ من أجل توضيح الأسانيد وارتباطها واتصالها أو انقطاعها، أو في توضيح شروط أنواع الحديث وغير ذلك، كنت ألجأ إلى تطبيق ذلك للطلاب أثناء التدريس، فأقول مثلا: هذا الصف من القسم يمثّل سندا من الأسانيد وأحدّد أسماءهم، ثمّ أقوم بتوضيح كيف يمكن أن يكون هذا الصف متصلا أو منقطعا، وما هي أشكال الانقطاع وأنواعه التي يمكن أن تحدث، وماذا يحصل لهذا الصف عندما يكون أحدُ أفراده مجهولَ الاسم أو ضعيفاً بنوع من أنواع الضعف، أو لم يسمع ممّن فوقه، وهكذا أستمرّ في التطبيق العملي لمباحث هذا العلم، وقد رأيت أنّ هناك فائدتين تحققتا من وراء ذلك:
أـ أنّ الطلاب كانوا يفهمون وبشكل جيّد ما نذكره بعد ذلك من قواعد علوم الحديث ومباحثها.
ب ـ أنّ هذا كان سبباً في طرد الملل والسآمة التي تحصل غالباً في مثل هذه العلوم المجرّدة والمعارف الدقيقة، فيحصل نوع من الحيوية داخلَ الفصل يكون عاملاً آخر في حسن الاستماع وجودة الاستيعاب وسلامة التلقّي.
٧ ـ أمر آخر لا نرى أن نختم حديثنا قبل الإشارة إليه، وهو لا يقلّ أهمية عما سبق، وهو الاهتمام بتدريس فقه الحديث ومناهج العلماء في استنباط الأحكام الشرعية منه. ذلك أنّ كثيراً من طلاب العلم كان حظُّهم من دراسة هذا العلم معرفة الأسانيد، وقلّت بضاعتهم ـ أو انعدمت ـ في باب فقه الحديث ومنهج الاستدلال به عند المتقدّمين، فكان أن وقعوا في الانحراف في هذا الباب، حيث يعمد أحدهم إلى تخطئة ما ذهب إليه أحد المتقدّمين من ردّ حديث صحيح أو الاستدلال بحديث ضعيف في جملة قرائن وأحوال ظهرت له، ومرجّحات وقواعد من الشريعة أيّدت فعله وتصرّفه، وهذا في الحقيقة هو الفقه، وأمّا غيره فليس يعجز عنه الكثير.
стр. 252
٨ ـ ولا أغادر هذا المكان دون أن أهمس في أذان إخواننا وزملائنا ألاّ يعطوا هذا العلم مجرّدا عن حيثياته ومنهجه المتكامل، فينشأ في نفوس أبنائنا سوء الأدب مع العلماء، وليس السبب كامنا في هذا العلم، وإنّما الخلل ناتج من الإهمال أو عدم التركيز من العلماء المتصدين لهذا العلم على جوانب التربية، بل إنّه أحيانا يصدر عن هذا العالم أو المحدث من العبارات والإشارات والكلمات ما يكون سببا في تشكيل هذه العقلية المنحرفة الخالية من الأدب مع سلف هذه الأمة من العلماء والمحدثين والفقهاء، بل والمشحونة بما يطعن في أخلاقهم أو دينهم أو إيمانهم.
ويجب في هذا المقام أن يحرص الأستاذ على تنبيه أبنائه إلى وجوب التفريق بين الشجاعة في مناقشة ما أورده السابقون من الآراء والأقوال وبين سوء الأدب معهم والوقيعة فيهم والطعن عليهم فإنّ هذه تجارةُ المفلسين.
وقبل هذا طبعاً وتأسيساً عليه لا بد من وجود القدوة الحسنة في القائمين على تدريس هذا العلم، فإنّه علم يُطلب به ما عند الله تعالى، فلا ينبغي أن يكون أهله إلاّ مثالاً للالتزام والاهتداء. وقد كان طلاب العلم سابقاً لا يأخذون من العالم حتى ينظروا إلى هديه وسمته ودينه. قال الحسن بن صالح بن حي:)) كنا إذا أردنا أن نكتب عن الرجل سألنا عنه حتى يقال: أتريدون أن تزوّجوه)) (١) .
وبعد:
فهذه مساهمة متواضعة في هذا الموضوع، أسعد بتقديمها والمشاركة بها في هذه الندوة المباركة، آملا أن تساهم ـ مع أخواتها ـ في إنشاء رأي عام يهتم بهذه العلوم ويعطيها حقّها الذي أوجبه الله لها، إذ جعلها سببا لحفظ كتابه وسنّة نبيّه ﷺ .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
стр. 253
علوم الحديث بين فضفضة المصطلح
وندرة التمثيل وعسر التطبيق
أ. د. أبولبابة الطاهر صالح حسين
رئيس قسم الدراسات الإسلاميّة بجامعة الإمارات
لم تعن أمّة من الأمم بميراث نبيّها وتعاليمه عناية الأمّة الإسلاميّة بميراث رسولها محمّد ﷺ ، فلم تدع قولا ولا فعلا ولا إقرارا ولا صفة ولا حركة ولا سكنة صدرت عنه في اليقظة أو في المنام في حال الإقامة أو الظعن في حال الأمن أو الخوف، إلا حفظت في الصدور وقيّدت في السطور، ثم ما لبثت أن دوّنت في دواوين كبيرة، فتهيّأت للتصنيف والتبويب والترتيب والدراسة والنقد والتمحيص، ونشأ عن هذه الحركة العلميّة المباركة علم فريد لم يعرف له مثيل عند الأمم الأخرى، وهو علم الحديث أو علم أصول الحديث أو علم المصطلح، ولعلّ في هذه التسمية الأخيرة دلالة واضحة على عناية أهل الحديث بعلمهم وتعاريفهم ومصطلحاتهم حتى سمّوا علمهم أو علومهم بالمصطلح.
ولئن كانت بذور هذا العلم وأصوله الكبرى مبثوثة في كتاب الله تعالى وسنّة نبيّه إلا أنّ جحافل العلماء بداية من القرن الأوّل انكبّوا على دراسة السنّة وحفظها وتمحيصها، وقد رأوا في ذلك فريضة مقدّسة لا مناص من أدائها على الوجه الذي يرضي الله، فظهرت شذرات من المصطلحات والتعريفات، ونبذ من نفائس هذا العلم مبثوثة في مصنّفات القرون الأولى كمؤلّفات الإمام الشافعيّ والإمام أحمد وما تداوله تلاميذهم ومريدوهم من أسئلة وأجوبة ومحاورات، وكمقدّمة الإمام مسلم التي صدّر بها صحيحه، وكرسالة أبي داود السجستاني إلى أهل مكّة، وكجامع الإمام الترمذيّ وعلله وغيرها.. حتى إذا ما قطع القرن الرابع شوطا من الزمن شهد ميلاد أوّل كتاب ممحّض لهذا العلم الشريف جمع فيه ما تفرّق من تعاريف ومصطلحات، وقواعد، فكان القطر الذي يسبق انهمار الغيث النافع.
стр. 254
وتوالت التآليف في علوم الحديث عبر القرون، فتجلّت في تلك التآليف مواهب علماء الأمّة بما أبدعوه من فنون النقد والشرح والتوضيح لمقالات أسلافهم والاستدراك على ما فاتهم والاستخراج عليهم، في مسيرة تطويريّة دؤوبة انتهت بهذا العلم إلى أن يصفه مؤرّخو العلوم بأنّه علم نضج واحترق إشارة إلى ما بلغه من كمال.
وقد تأثّر بمنهج المحدّثين في تحرير قواعد قبول الروايات وضبط أصول الإثبات التاريخيّ، علماء أكثر الفنون النقليّة كعلماء التاريخ واللغة والأدب..فقلّدوهم في الاجتهاد والتثبّت وتطبيق قواعدهم للتوثّق من صحّة منقولاتهم، حتى أصبح علم الحديث على ملحظ الشيخ أحمد شاكر ﵀» أساسا لكلّ العلوم النقليّة «، بل هو على حدّ تعبير الشيخ محمد عبد الرازق حمزة» منطق المنقول وميزان تصحيح الأخبار «. وأضحى لا يختلف حول أهمّيّته وجليل نفعه إثنان من أهل هذا الشأن.
وإذا كان هذا شأن هذا العلم الشريف من الرفعة والدقّة والشمول فماذا عسانا أن نضيف في ندوتنا هذه؟
إنّ علوم الحديث قامت على عنصرين كبيرين وهامّين:
الأوّل منهما: هو التعاريف والحدود لأنواع هذه العلوم التي رصد منها أبو عبد الله الحاكم النيسابوري في القرن الرابع إثنين وخمسين نوعا، لتصل على يدي الإمام السيوطي في القرن العاشر إلى ثلاثة وتسعين نوعا، وقد استخدمت في بنائها وضبطها مصطلحات ذات دلالات معيّنة واختيرت لها أمثلة تطبيقيّة تدعم تلك الحدود والتصوّرات.
والثاني: هو قواعد النقد والتمحيص للتحقّق من ثقة الراوي وصحّة الرواية وصلوحيّتها للاحتجاج بها، ومن ثبوت النصوص التاريخيّة وصولا إلى معرفة الحقيقة وحلّ الغوامض.
стр. 255
وإنّ ما سنسلّط عليه الضوء في هذه الورقة المتواضعة هو القسم الأوّل أي التعريفات والمصطلحات وما حشد لها من أمثلة فنلامس ما في بعضها من فضفضة أو قصور أو إطلاق ممّا جعلها لا تنضبط مع الشرط الذهبيّ الذي وضعه الأصوليّون لسلامة الحدّ وصحّته وهو» أن يكون جامعا مانعا «، كما نقف على بعض الأمثلة غير المتطابقة مع النظرية، أو ما تعاني منه بعض أنواع علوم الحديث من شحّ التمثيل وعسر تطبيق المثال على الحدّ أو القاعدة. أمّا القسم الثاني وهو أصول نقد الروايات وتمحيص النصوص وقواعد جرح الرجال وتعديلهم فهذا قد بلغ من الدّقّة والفاعلية شأوا يتعذّر معه على الناقد المنصف الموضوعيّ أن يعثر فيه على ثغرة يتسلّل منها للنقد أو الغضّ من جدواه وأهمّيّته.
وقبل خوض غمار الموضوع لا بدّ لنا من تجلية صلة التعريف أو الحدّ بالاصطلاح؟. فقد عرّف العلماء الحدّ بقولهم:» هو اللفظ الجامع المانع «أي» هو ما يتميّز به المحدود ويشتمل على جميعه، فيمنع دخول ما ليس منه إليه كما يمنع خروج أيّ شيء منه عنه «.وإذا كانت غاية الحدّ عند مناطقة اليونان وفلاسفتهم هي الوصول إلى معرفة ماهية الشيء المعرّف، حتى أنّ» أرسطو «أو أرسطاطاليس أحد أشهر فلاسفة اليونان في القرن الرابع قبل الميلاد اعتبر الحدّ هو قمّة العلم، والتوصّل إلى الماهية بالحدّ هو غاية الفكر، فإنّ الأصوليين وسائر النظّار من جميع الطوائف الأشعريّة والمعتزلة وغيرهم.. ـ كما يقول ابن تيمية ـ يرون أنّ الحدّ يفيد التمييز بين المحدود وغيره.
أمّا المصطلح: فهو العبارة اللغويّة التي حمّلها فريق من العلماء في فنّ معيّن من فنون العلم دلالة خاصّة، فهي وعاء يوضع فيه مضمون من المضامين.. وأداة تحمل رسالة المعنى ـ على حدّ تعبير د. محمد عمارة حفظه الله.
стр. 256
ونظرا لاختلاف مدارك العلماء وتباين رؤاهم واجتهاداتهم وتصوّراتهم للموضوعات المطروقة فقد يقع بينهم شيء من التفاوت والاختلاف في تحديد معالم تلك المصطلحات، وإذا كان العلماء قد حسموا موضوع الاختلاف في التعريف والاصطلاح بقاعدتهم الشهيرة:» لا مشاحّة في الاصطلاح «، فإنّ مشكلة التوسّع في المعنى والترهّل في الدلالة بحيث يصبح المصطلح أو التعريف فضفاضا يضمّ أشتاتا من المعاني والدلالات بما فيها المتنافرة أحيانا، وكذلك التعريف أو المصطلح الذي لا نجد له مثالا أو نجد له مثالا يعسر تطبيقه على القاعدة، تبقى مشكلة تحتاج إلى الإشارة إليها والتنويه بها وبيان ما فيها من قصور حتى تتّضح معالم الطريق وحتى يصبح هذا العلم تطبيقيّا يتساوق مع واقع الأشياء وحقائقها، لا نظريّا يخدم قضايا بعيدة عن واقع المادة العلمية التي ينبغي أن تكرّس كل الجهود لخدمتها وتيسيرها للناس حتّى ينتفعوا بعطائها وخيرها، وحتّى تتعلّق به نفوس الطلبة الشابّة التوّاقة للإحاطة به والإفادة من جهود علمائه عبر تاريخه الطويل.
وهذه المشكلات العويصة إنّما يلمسها من يكابد تدريس هذه المادّة، ويسعى لتقريب مفاهيمها لطلابه وتيسيرها لهم حتى يتعلّقوا بها، فيخدموها ويستخدموها ويطبقوها في بحوثهم العلميّة.
فضفضة المصطلح وندرة التمثيل:
المراد بالفضفضة الاتّساع في تعريف المصطلح بحيث يدخل فيه ما ليس منه، أي أنّ التعريف لم يصغ بعبارات محرّرة تجمع ما هو داخل فيه وتمنع ما هو خارج عنه من الدخول فيه. وممّا يلاحظه الدارس لعلم الحديث في هذا المجال وجود جملة من المصطلحات الفضفاضة غير المحرّرة التي تحدث إرباكا في فهم المصطلح وتصوّره على وجه دقيق، ومن هذه المصطلحات مثلا:
стр. 257
الحسن: لقد اختلفت أنظار العلماء في تعريف الحسن باعتباره» وسطا بين الصحيح والضعيف في نظر الناظر لا في نفس الأمر، فعسر التعبير عنه وضبطه على كثير من أهل هذه الصناعة، وذلك لأنّه أمر نسبيّ، شيء ينقدح عند الحافظ ربّما تقصر عبارته عنه «، هكذا علّل ابن كثير هذا الاضطراب في التعريف في كتابه اختصار علوم الحديث (١) . وقد أورد ابن الصلاح تعاريف كلّ من الترمذيّ [ت٢٧٩هـ] وأبي سليمان الخطابيّ [ت٣٨٠هـ] وأبي الفرج ابن الجوزيّ [ت٥٩٧هـ] وكرّ عليها كلّها بالنقد فقال:» كلّ ذلك مستبهم لا يشفي الغليل، وليس فيما ذكره الترمذيّ والخطابيّ ما يفصل الحسن من الصحيح « (٢) . كما أنّ معاصره الحافظ أبا عبد الله ابن الموّاق [ت٦٤٢هـ] شعر بما في تعريف الترمذيّ من فضفضة جعلت الصحيح يدخل في الحسن فقال:» لم يخصّ الترمذيّ الحسن بصفة تميّزه عن الصحيح « (٣) ، لأنّ ما اشترطه في رواية الحسن من الثقة وعدم الشذوذ وعدم الاتّهام مشترط كذلك في الصحيح. واعترض كذلك
стр. 258
ابن دقيق العيد [ت٧٠٢هـ] ،وابن جماعة المصريّ [ت ٧٣٣هـ] على تعريف الخطّابيّ بأنّه يصدق على الصحيح أيضا لأنّ الصحيح عرف مخرجه واشتهر رجاله بالثقة. بل إنّ ابن جماعة يذكر أنّ تعريف الخطّابيّ لا يمنع الضعيف من الدخول فيه لأنّ الضعيف عرف مخرجه كذلك واشتهر رجاله بالضعف.
وحاول ابن الصلاح تعريف الحسن، فقسّمه قسمين: حسنا لذاته، وحسنا لغيره. ثمّ عرّف كلا منهما تعريفا جامعا مانعا ـ في ظنّه ـ إلا أنّ تعريفيه هذين لم يسلما من المؤاخذة، فقد اعترض على تعريف الحسن لذاته بأنه يرد عليه المرسل الذي اشتهر رجاله بما ذكره من الصدق والأمانة، كما اعترض على الحسن لغيره بأنه يرد عليه المرسل والمنقطع الذي في رجاله مستور، ويروى مثله أو نحوه من وجه آخر (١) .
وبالإضافة إلى هذه الفضفضة وعدم تحرير عبارة تعريف الحسن فإنّ مثالا واحدا للحسن لذاته أو للحسن لغيره لا نعثر عليه عندهم، الأمر الذي يجعل تصوّره على عين الواقع مطلبا عزيز المنال.
وهناك من العلماء من استخدم مصطلح الحسن في غير محلّه، فهذا الحسين بن مسعود البغويّ [ت٥١٦هـ] أطلق في كتابه» مصابيح السنة «» الحسن «على ما ضمّنه كتابه من أحاديث سنن أبي داود، والنسائي، والترمذيّ، والحال أنّ أصحاب هذا الشأن مجمعون على أنّ فيها الصحيح والحسن بل والضعيف، الأمر الذي جعل ابن الصلاح يصف اصطلاح البغويّ بقوله» لا يعرف، وليس الحسن عند أهل الحديث عبارة عن ذلك «.
стр. 259
وللخروج من هذه الإطلاقات وهذه الفضفضة والاختلافات، لا بدّ لنا من صياغة تعريف جامع مانع للحسن بقسميه مع استعراض أمثلة واضحة بيّنة لهما تطمئنّ لها نفوس الدارسين، لاسيّما الطلاب المبتدئين، وقد رأيت لأستاذنا الشيخ مصطفى أمين التازي ـ طيّب الله ثراه ـ تعريفا دقيقا محرّرا للصحيح بقسميه وللحسن بقسميه مع بيان الفروق بين هذه الأقسام، إلا أنّ عدم إيراده لأمثلة موضّحة كافية جعل العمليّة لا ترقى إلى درجة ما نصبو إليه من الكمال (١) .
المسند: من المصطلحات الحديثيّة التي تعدّدت تعريفاته واختلفت حول تحديد ماهيته الآراء:» المسند «:
ـ فهذا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري المشهور بابن البيّع [ت٤٠٥هـ] يرى أنّ المسند هو الحديث المتّصل السند إلى رسول الله ـ أي أنّه يحصر المسند في المتّصل المرفوع إلى الرسول ﵊.
ـ ويذهب أبوبكر أحمد الخطيب البغدادي [ت٤٦٣هـ] إلى أنّ المسند عند أهل الحديث هو ما اتّصل إسناده من راويه إلى منتهاه. وبذلك يدخل في التعريف المرفوع والموقوف والمقطوع، إلا أنّه يشير إلى أنّ أكثر ما يستخدم مصطلح المسند في المتّصل المرفوع إلى النبيّ ﷺ .
ـ أمّا أبوعمر يوسف ابن عبد البرّ [ت٤٦٣هـ] فيذهب إلى أنّ المسند هو ما رفع إلى النبيّ ﷺ سواء كان السند متّصلا أو منقطعا. إلا أنّه حكى عن قوم أنّ المسند لا يقع إلا على ما اتصل مرفوعا إلى النبيّ ﷺ .
فحسب ما تبنّاه هؤلاء العلماء الثلاثة وحسب ما حكوه عن غيرهم يكون للمسند الدلالات التالية:
١ ـ المتّصل المرفوع. ٢ ـ المنقطع المرفوع. ٣ ـ المتّصل الموقوف
стр. 260
٤ ـ المتّصل المقطوع (١) .
ورجّح ابن حجر العسقلانيّ ما ذهب إليه الحاكم، من أنّ المسند هو ما اتّصل سنده مرفوعا إلى النبيّ ﷺ ، وهو اختيار لصالح الوضوح وغلق باب الاختلافات غير المجدية.
المرفوع: رغم وضوح هذا المصطلح الدّالّ على ما أضيف إلى رسول الله ﷺ سواء كان السند متّصلا أو منقطعا بما في ذلك المرسل، فإنّ الخطيب البغداديّ ﵀ يحصر المرفوع فيما رفعه الصحابيّ إلى الرسول ﷺ فأخرج مرسل التابعيّ (٢) ، ولعلّه فعل ذلك اكتفاء بما يدلّ عليه المرسل في اصطلاح المحدّثين من رفع التابعيّ كبيرا كان أو صغيرا الحديث إلى رسول الله ﷺ .
المقطوع: يعرّف المقطوع بأنّه ما جاء عن التابعين موقوفا عليهم من أقوالهم وأفعالهم.
إلا أنّ ابن الصلاح رصد تداخل هذا المصطلح مع المنقطع عند بعض العلماء فهو يقول:» وقد وجدت التعبير بالمقطوع عن المنقطع غير الموصول في كلام الإمام الشافعيّ، وأبي القاسم الطبرانيّ، وغيرهما « (٣) كأبي بكر الحميديّ والدارقطنيّ.
ومعلوم أنّ بين المنقطع الذي هو ما سقط منه رجل أو أكثر بدون توال أو أبهم قبل الصحابيّ وبين المقطوع بون شاسع، فالتعبير عن المنقطع بالمقطوع يحدث إرباكا في المفاهيم يحسن تفاديه لأنّه يتعارض مع شرط الحدّ أو التعريف.
المنقطع: وهذا المصطلح نجد له عدّة تعريفات، تتداخل معها المفاهيم:
١ ـ فممّا عرّف به: أنّه» ما لم يتّصل إسناده على أيّ وجه كان انقطاعه، وأكثر ما يستعمل في رواية من دون التابعيّ عن الصحابيّ «.
стр. 261
وعبارة» على أيّ وجه كان انقطاعه «تفتح الباب أمام المرسل والمعضل والمعلّق، كي تدخل ضمن التعريف لأنّ في جميعها انقطاعا على وجه معيّن.
٢ ـ وقيل» هو ما اختلّ منه رجل قبل التابعيّ محذوفا كان أو مبهما كرجل «، وهو تعريف لا يخلو من قصور، فما المانع من إطلاق صفة» المنقطع «على سند سقط منه راو واحد هو التابعي!؟ وإذا وقعت هذه الصورة فعلا، فما المصطلح الذي نطلقه عليها؟
٣ ـ وقيل:» هو ما روي عن تابعيّ أو من دونه موقوفا عليه من قوله أو فعله «وهذا التعريف شعر ابن الصلاح ببعده عن الصواب فقال عنه:» وهذا غريب بعيد «، كما شعر النوويّ بغرابته وضعفه فقال:» وهذا غريب، ضعيف « (١) لأنّ الموقوف على التابعيّ إنّما هو المقطوع، أمّا ما وقف على من دونه فهو موقوف على هذا الراوي الموقوف عليه، دون أن يوصف بلقب معيّن.
المعضل:
وهذا المصطلح نالت منه الفضفضة نيلا شديدا حتى كاد يصبح مفهوماً عائماً لا تبين ملامحه الخاصّة به.
فقد عرّفه ابن الصلاح بقوله:» هو عبارة عمّا سقط من إسناده اثنان فصاعدا « (٢) . وهو وصف يدخل معه فيه المنقطع لأنّ من صوره أن يسقط من وسط إسناده اثنان بدون توالٍ، كما يدخل فيه المعلّق الذي هو ما سقط من أوّل إسناده راوٍ أو اثنان أو أكثر على التوالي وقد عبّر النووي في» التقريب «عقب تعريف المعضل بما يفيد هذه الفضفضة فقال:» ويسمّى منقطعاً، ويسمّى مرسلاً عند الفقهاء «.
بل ابن الصلاح جعل المعضل يتقاطع مع المنقطع والمرسل فقال:» فكلّ معضل منقطع، وليس كلّ منقطع معضلا، وقوم يسمّونه مرسلا ً « (٣) على مذهب من يسمّي كلّ ما لا يتّصل مرسلاً.
والبلاغ وهو قول الراوي بلغني يُعِدُّه أصحاب الحديث ـ على ملحظ أبي نصر السجزيّ ـ معضلاً.
стр. 262
وروى ابن الصلاح أنّ قول المصنّفين من الفقهاء وغيرهم: قال رسول الله ﷺ كذا وكذا ونحو ذلك، كلّه من قبيل المعضل.
بل إنّ الحاكم ذهب إلى أغرب من ذلك حيث سمّى رواية تابع عن تابع حديثاً موقوفاً عليه معضلا، باعتبار عدم ذكر الصحابيّ والرسول ﷺ معاً، وقد مثّل له بحديث يرويه بسنده المتّصل إلى الحسن البصريّ:» أخذ المؤمن عن الله أدباً حسناً إذا وُسِّع عليه وَسَّع وإذا قُتِّرَ عليه قَتَّر « ... وهو عند جمهور علماء الحديث» مقطوع «كما سبق بيانه.
ولتجنّب هذا الخلط لابدّ في تعريف المعضل من التأكيد على:
التوالي في سقوط الراويين أو أكثر احترازاً من المنقطع.
وتحديد موقع السقوط احترازاً من المعلّق الذي هو ما سقط من أوّل إسناده راوٍ فأكثر، ومن البلاغ الذي هو إسقاط الراوي في أوّل السند لشيخه فمن فوقه. فإذا وضعنا هذه الاحترازات مع إيراد مثال فأكثر للمعضل بمعناه الجامع المانع أصبح» المعضل «من المصطلحات الواضحة الميسورة الفهم والتطبيق.
الشاذّ:
стр. 263
من أوضح التعريفات للشاذ في اصطلاح المحدّثين ما عرّفه به الإمام الشافعيّ ﵀ [ت ٢٠٤هـ] فقد قال:» ليس الشاذّ من الحديث أن يروي الثقة ما لا يروي غيره، إنّما الشاذّ أن يروي الثقة حديثاً يخالف ما روى الناس «. إلا أنّه بعد قرنين من الزمن تقريبا يحدث الحاكم النيسابوريّ [ت٤٠٥هـ] تعريفا جديدا للشاذّ يبعد به عن معناه المتعارف عليه وهو مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه، ويجعله الحديث الذي ينفرد بروايته ثقة، وهذه عبارته ﵀:» هو الحديث الذي ينفرد به ثقة من الثقات، وليس له أصل بمتابع لذلك الثقة «، وبذلك يصبح الشاذّ عنده يعني التفرّد. ثمّ يأتي بعده أبو يعلى الخليل بن عبد الله الخليليّ القزوينيّ [ت٤٤٦هـ] ليزيد تعريف الشاذّ غموضا فيقول:» الذي عليه حفّاظ الحديث أنّ الشاذّ ما ليس له إلا إسناد واحد يشذّ بذلك شيخ، ثقة كان أو غير ثقة، فما كان عن غير ثقة فمتروك وما كان عن ثقة يتوقّف فيه ولا يحتجّ به «، وقد شعر الشيخ ابن الصلاح بهذا التداخل في المصطلحات فأراد حسم الموقف ببيان ما هو واضح وما هو مشوب بالغموض فقال:» أمّا ما حكم الشافعيّ عليه بالشذوذ فلا إشكال في أنّه شاذّ غير مقبول، وأمّا ما حكيناه عن غيره [أي الحاكم والخليليّ] فيشكل بما ينفرد به العدل الحافظ الضابط، وهو الصحيح عند أهل الحديث « (١) . إلا أنّ هذا الوضوح الذي اختاره ابن الصلاح في تعريف الشاذّ لم يلبث أن نقضه في خلاصة مبحثه لنوع» الشاذّ «حيث قال:» فخرج من ذلك أنّ الشاذّ المردود قسمان:
ـ أحدهما: الحديث الفرد المخالف.
ـ والثاني: الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والضبط ما يقع جابرا لما يوجبه التفرّد والشذوذ من النكارة والضعف « (٢) .
وهذه الخلاصة نلاحظ فيها من الإيهام ما يدعو إلى التوقّف:
١ ـ فعبارة» الحديث الفرد «لا توجب المخالفة، طالما أنّه حديث فرد غريب.
стр. 264
٢ ـ وإذا سلّمنا بالمخالفة فليس كلّ متفرّد بالرواية شاذّا، فالشذوذ فقط مخالفة الثقة للأوثق، وحديث الثقة ليس ضعيفا ولكن من باب صحيح وأصحّ، كما يقول الإمام السيوطيّ (١) .
٣ ـ ثمّ إنّ التفرّد إذا كان من ثقة لم يخالف أحدا فهو صحيح مقبول، وإذا كان من ضعيف يكون حديثه ضعيفا، ولا علاقة له في كلا الحالين بالشذوذ.
المنكر:
إنّ من أقدم من عرّف المنكر الحافظ أبا بكر أحمد بن هارون البرديجيّ [ت ٣٠١هـ] ، فقد عرّفه بقوله:» هو الحديث الذي ينفرد به الرجل، ولا يعرف متنه من غير روايته، لا من الوجه الذي رواه منه ولا من وجه آخر « (٢) .
ونلاحظ في هذا التعريف إطلاقا لا يستقيم مع الدقّة المطلوبة في التعاريف: فإطلاق عبارة» الرجل «وعدم تحديد درجته من الثقة يجعل التعريف هلاميّا، ذلك أنّ:
ـ تفرّد الثقة برواية الحديث لا يقلّل من قيمته، فهو حديث صحيح.
ـ وتفرّد الضعيف به يحكم عليه بالضعف.
ـ فالعبرة في النكارة شأنها شأن الشذوذ إنّما هي في المخالفة، مع اعتبار درجة المخالف من الثقة فإذا خالف الثقة الأوثق كان شاذّا وإذا خالف الضعيف الثقة كان منكرا، وتعريف البرديجي خلا من هذا المعنى فأصبح لا يعبّر عن المراد. وهذه الهلاميّة وقع فيها الكثير من أهل الحديث حتى قال النوويّ:» وكذا أطلقه كثيرون «، وقال قبله ابن الصلاح:» وإطلاق الحكم على التفرّد بالردّ والنكارة أو الشذوذ موجود في كلام كثير من أهل الحديث «، ورأى في هذا ﵀ بعدا عن الصواب فقال:» والصواب فيه التفصيل الذي تقدّم في الشاذّ «.
إلا أنّه في تفصيله خلط بين المنكر والشاذّ إذ يبدو أنّهما عنده» اسمان لمسمّى واحد «، وقد شاركه في هذا الخلط النوويّ لأنهما» سيّان « (٣) عنده كذلك. فقد جعل ابن الصلاح المنكر قسمين، ومثّل للأوّل بقوله:
стр. 265
» ومثال الأوّل: هو المنفرد المخالف لما رواه الثقات «.وقد مثّل له بحديث ينطبق على الشاذّ لا على المنكر وهو حديث أسامة بن زيد مرفوعا:» لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم «رواه مالك عن الزهري عن عليّ بن حسين عن عمر بن عثمان عن أسامة بن زيد، وذكر أنّ كلّ من رواه من أصحاب الزهري إنّما رووه عن عمرو [بفتح العين] بن عثمان فشذّ مالك وهو ثقة مخالفا الثقات.
أمّا القسم الثاني فعرّفه بقوله:» هو الفرد الذي ليس في روايته من الثقة والإتقان ما يحتمل معه تفرّده «ومثّل له بحديث عائشة مرفوعا:» كلوا البلح بالتمر.. « (١) الذي تفرّد بروايته أبو زكيّر يحيى بن محمد بن قيس عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة. فهذا الحديث ضعيف لضعف أبي زكيّر الذي تفرّد بروايته وليس منكرا.
وهكذا نخرج من دراسة هذا النوع من أنواع علوم الحديث وهو المنكر، دون أن نظفر بتعريف جامع مانع للمنكر ولا لمثال تطبيقيّ يصدق عليه، وهو أمر لا تخفى آثاره على أذهان طلابنا.
التابع والشاهد:
стр. 266
كان هذان المصطلحان قبل استقرار المصطلحات الحديثيّة في العصور المتأخّرة متداخلين لدرجة أن أطلق أحدهما على الثاني. فهذا ابن الصلاح ﵀ بعد أن يورد مثالا على التابع يقول:» ويجوز أن يسمّى ذلك بالشاهد أيضا « (١) ويبدو أنّ الحاكم النيسابوريّ قد سبقه إلى هذا الخلط بينهما، فقد سمّى ﵀ في المدخل إلى الصحيح» المتابعات شواهد «وسار النوويّ على خطاهما فقال في التقريب:» وتسمّى المتابعة شاهدا « (٢) ، كما أنّ أبا حفص سراج الدين البلقينيّ [ت٨٠٥هـ] في محاسن الاصطلاح يعلّق على قول ابن الصلاح:» قد يدخل في باب المتابعة والاستشهاد «، بقوله:» فائدة: لا يقال عطف الاستشهاد على المتابعة يقتضي تغايرهما «. فهو مثل سابقيه يرى أنّهما شيء واحد. وعلى نفس المنوال سار شيخ الإسلام ابن حجر العسقلانيّ فقال فيما يرويه عنه السيوطيّ في التدريب:» وقد يسمّى الشاهد متابعة أيضا «.
وهذا أمر كما نرى قد يستقيم إذا نظرنا للمسألة من الناحية اللغوية، فالشاهد والتابع كلّ منهما بمعنى الموافق، أمّا إذا اعتمدنا التعريف الاصطلاحيّ ونظرنا إلى وظيفة كلّ من الشاهد والتابع فإنّ خلط القدامى بين التابع والشاهد يصبح مربكا وغير مستقيم مع المنهج العلميّ.
وقد حاول الإمام السيوطيّ التمييز بين المصطلحين إلا أنّه أوقعنا في خلط آخر لا يقلّ جسامة عن سابقه، فهو يقول:» فقد حصل اختصاص المتابعة بما كان باللفظ سواء كان من رواية ذلك الصحابيّ أم لا، والشاهد أعمّ، وقيل هو مخصوص بما كان بالمعنى كذلك « (٣) .
стр. 267
ولا يخفى ما لهذه الفضفضة وهذا الخلط وعدم الوضوح في مسألة المتابعات والشواهد من آثار سلبيّة على عمليّة التخريج القائمة على معرفة المتابعات والشواهد للوصول إلى الحكم السديد على الحديث المراد دراسته والحكم عليه بما هو أهله، والتخريج هو إكسير العلم على حدّ تعبير شيخنا سيّد أحمد صقر طيّب الله ثراه.
وإذا علمنا أنّ وظيفة المتابعة هي جبر الضعف الخفيف المحتمل كثبوت السماع في المتابع [اسم فاعل] بدل عنعنة الراوي المدلّس في المتابع [اسم مفعول] ،وكرواية الثقة بدل المختلط أو كثير السهو والخطأ والنسيان، وكتبيّن الوصل بدل الانقطاع أو كمعرفة الراوي بعد أن كان مبهما في المتابع [اسم مفعول] ، وغير ذلك من أنواع الجبر التي تحدثها المتابعة فترتقي بالحديث المتابع [اسم مفعول] الضعيف إلى درجة الصحيح لغيره أو الحسن لغيره بحسب درجة التابع من القوّة.
وإذا علمنا كذلك أن وظيفة الشاهد هي دعم متن الحديث المتابع [اسم مفعول] فحسب، بأن تخرجه من دائرة الغرابة إلى مجال الشهرة أو تخرجه من دائرة الضعف إلى دائرة الصحة أو الحسن بحسب السند الذي رويت به.
إذا علمنا هذا فلا بدّ من التفريق بين المتابعة والشاهد ولا بدّ من وضع اصطلاح جامع مانع لكلّ واحد منهما على حدة يميّز أحدهما عن الثاني. ولعلّ من أجمع التعريفات وأمنعها تعريف شيخنا الشيخ مصطفى أمين التازي في كتابه» مقاصد الحديث في القديم وفي الحديث «.
فقد عرّف التابع بقوله:» أن يوافق راوي الحديث الذي كان يظنّ تفرّده به، راو آخر يصلح حديثه للاعتبار في رواية ذلك الحديث معه بلفظه أو بمعناه عن شيخه أو عمّن فوقه بحيث ينتهي إلى صحابيّ واحد «.
وعرّف الشاهد بقوله:» أن يوافق راوي الحديث الذي كان يظنّ تفرّده به راو آخر يصلح حديثه للاعتبار في رواية ذلك الحديث بلفظه أو بمعناه عن صحابيّ آخر « (١) .
عبارات موهمة في الجرح والتعديل:
стр. 268
وممّا يجدر التنبيه إليه وجود بعض العبارات الموهمة التي أطلقها بعض العلماء للدلالة على معانٍ خاصّة بهم كعبارة» المنكر «مثلاً الذي هو ما رواه الضعيف مخالفاً ما رواه الثقة «، فإنّ الإمام أحمد يطلقها على من يُغرب على أقرانه في الحديث بأن يأتيهم بالغرائب فيقول عنه» منكر الحديث « (١) أو» له أحاديث مناكير «فهو لا يعني بذلك تضعيفه وإنّما يطلق المناكير على الأفراد التي لا متابع لها، أي الأحاديث الغريبة غير المعروفة، وكأنّه ﵀ اعتمد المعنى اللغوي للمنكر وهو النكرة غير المعروف.
بينما الإمام البخاري حين يطلق» منكر الحديث «فإنّما يريد بذلك الراوي الذي لا تحلّ الرواية عنه (٢) ، فالعبارة واحدة إلا أنّ كلا منهما يستخدمها للتعبير عن معنى مختلف.
ويستخدم بعض المحدّثين نفس العبارة» منكر الحديث «أو» يروي المناكير «للتدليل على كثرة تفرّد الراوي، في حين إذا قالوا» حديث منكر «فإنّهم يقصدون أنّه حديث واهٍ، رواه ضعيف مخالفاً الثقة.
وكعبارة» ليس بشيء «فإنّ يحيى بن معين [ت ٢٣٤هـ] يستخدمها للتدليل على قلّة حديث الراوي لا لتضعيفه.
أمّا أبو حاتم محمد بن إدريس الرازي [ت٢٧٧هـ] فإنّه إذا أطلق على راوٍ عبارة» ليس بشيء «فيريد أنه ضعيف ضعفاً شديداً وأنه متروك متّهم، حتّى أنّه أحياناً يضيف إلى عبارة» ليس بشيء «قوله:» متروك الحديث «مثلما فعل ذلك مع سليمان بن داود الشاذكوني فقد قال عنه:» ليس بشيء، متروك الحديث « (٣) .
أمّا عبارة» ليس به بأس «فإن يحيى بن معين [ت ٢٣٤هـ] يطلقها على الثقة فقد قال ﵀: إذا قلت:» ليس به بأس، فثقة «. بل فإن الإمام أبا حاتم محمد بن إدريس الرازي [ت ٢٧٧هـ] يعبّر بقوله:» صدوق «أو» لابأس به «عن أعلى درجات التوثيق.
стр. 269
فالوقوف على دلالات هذه المصطلحات الخاصّة ببعض العلماء متأكّد حتّى نتجنّب الخطأ في فهم مرادهم في تعديل الرواة أو تجريحهم.
الفضفضة طالت عناوين الكتب:
وإنّ هذه الفضفضة في بعض المصطلحات طالت عناوين الكتب حيث أصبح عنوان الكتاب لا يترجم مضمونه، ومن أمثلة ذلك:
مسند الدارمي:
لقد اصطلح علماء الحديث على تسمية كتاب الرواية الذي يجمع حديث كلّ صحابيّ على حدة مسنداً.
إلا أنّ كتاب» السنن «لأبي محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارميّ [ت ٢٥٥هـ] رغم أنّه مؤلّف على الأبواب فقد اشتهر بالمسند على غير اصطلاح المحدّثين، حتى أنّ أبا عمرو ابن الصلاح عدّه بين كتب المسانيد، أوقعه في هذا اشتهاره عند العلماء باسم مسند الدارميّ.
ولعلّه سمّي مسنداً لأنّ أحاديثه مسندة متّصلة على غرار تسمية البخاريّ كتابه بالجامع الصحيح المسند المختصر من أمور رسول الله ﷺ وسننه وأيامه (١) .
مسند الحارث بن أبي أسامة التيميّ مولاهم [ت ٢٨٢هـ] :
كما أنّ هذا المسند وإن سمّي مسنداً إلا أنّه في الحقيقة معجم ذلك أنّ مؤلّفه ﵀ رتّبه على شيوخه شأن منهج التأليف على المعاجم.
وأوّل هذا المسند مسند شيخه يزيد بن هارون (٢) ، فالعنوان مسند والمضمون معجم.
المعجم الكبير لأبي القاسم سليمان بن أحمد اللخميّ الطبرانيّ [ت ٣٦٠هـ] :
стр. 270
رتّب الإمام الطبرانيّ معجمه الكبير على الصحابة فقد جمع حديث كلّ صحابيّ على حدة سوى مسند أبي هريرة فكأنّه نوى إفراده فلم يدخله فيه، فهو بالمسانيد أولى إلا أنّه اشتهر عند العلماء بالمعجم.
شُحُّ التمثيل وعسر التطبيق:
إنّ كتب المصطلح المتداولة بين أيدي طلاب العلم تتّسم بندرة التمثيل على أنواع من علوم الحديث المدروسة في تلك الكتب فغلب عليها الطابع النظريّ، والحال أنّه ينبغي أن يقوم هذا العلم على أساس التطبيق لواقع ما يدرس من موضوعاته حتى تكون واضحة المعالم.
فهذا ابن الصلاح يعرّف الصحيح ويذكر ما يحترز بكل شرط من شروطه، وسبب اختلاف العلماء في صحّة بعض الأحاديث، وينتقل إلى ذكر جملة من الفوائد المهمة، دون أن يذكر مثالاً واحداً (١) ليطبق عليه التعريف وملحقاته من الفوائد.
ونفس الصنيع سلكه الإمام النوويّ في التقريب، وحتّى الإمام السيوطيّ رغم توسّعه في شرح التعريف وبيان محترزاته وذكره جملة من التنبيهات المفيدة إلا أنه لم يورد مثالاً واحداً على الصحيح.
وفي موضوع الحسن رغم تنوّع قضاياه ومسائله فإنّ مثالاً تطبيقياً واحداً لم يطرحه أحد ممّن درسوه رغم كثرتهم بداية من الترمذيّ فالخطابيّ فابن الصلاح، وحتى الإمام السيوطيّ ﵏، وإذا قيل إنّ الصحيح لذاته والحسن لذاته يمكن تعرّفهما بنظرة سريعة في كتب الصحاح والسنن، فإنّ الصحيح لغيره والحسن لغيره يحتاجان لدراسة وتدبّر لمعرفة موطن الضعف ثم الوقوف على المتابعات التي تجبر هذا الضعف حتى يرتقي الحديث الحسن إلى الصحيح لغيره والضعيف إلى الصحيح لغيره أو إلى الحسن لغيره.
стр. 271
وفي دراسة الضعيف غلب على ابن الصلاح الطابع النظري فلم يورد مثالاً واحداً على أقسامه الكثيرة التي ولّدها بتصوّر اختلال شرط واحد من شروط الصحيح أو الحسن، ثم شرطين، ثم شرط ثالث مركّب من الأول والثاني وهكذا.. فهو يقول:» وسبيل من أراد البسط أن يعمد إلى صفة معيّنة منها فيجعل ما عدمت فيه من غير أن يخلفها جابر، على حسب ما تقرّر في نوع الحسن، قسماً واحداً، ثم ما عدمت فيه تلك الصفة مع صفة أخرى معيّنة قسماً ثانياً ثم ما عدمت فيه مع صفتين معيّنتين قسماً ثالثاً، وهكذا ... «. وهذه التصوّرات ممّا يعسر إيجاد أمثلة تطبيقيّة لها.
ومن الأمثلة على عسر التطبيق موضوع الإسناد العالي والنازل، ولنذكر هنا محاولة الشيخ محمد محمّد أبي شهبة (١) ﵀ إيراد مثال تطبيقي لبعض أقسام العلو، فبعد أن يعرّف العلوّ، يذكر أقسامه (٢) وحتّى إذا ما وصل إلى القسم الثالث وهو العلو بالنسبة إلى رواية أحد الكتب الستة أو غيرها من الكتب المعتمدة، يذكر أقسامه الأربعة، وهي:
أ. الموافقة ب. والإبدال ج. والمساواة د. والمصافحة.
стр. 272
ثم يعرّف الموافقة بقوله:» هي أن يروي الراوي حديثاً في أحد الكتب الستة مثلاً بإسناد لنفسه من غير طريق صاحب الكتاب بحيث يجتمع معه في شيخه مع علوّ هذا الطريق على ما لو رواه من طريق أحد أصحاب هذه الكتب «.
ثم يحاول عرض مثال تطبيقي للموافقة نقلاً عن ابن حجر فيقول:» قال الحافظ ابن حجر: مثاله: روى البخاري عن قتيبة بن سعيد عن مالك حديثا:
ـ فلو رويناه من طريقه [أي من طريق البخاري] كان بيننا وبين قتيبة ثمانية.
ـ ولو روينا ذلك الحديث بعينه عن طريق أبي العبّاس السرّاج [٢١٨ - ٣١٣هـ تلميذ البخاري وتلقّى عنه البخاريّ ومسلم] لكان بيننا وبين قتيبة فيه سبعة.
فقد حصلت لنا الموافقة مع البخاريّ في شيخه بعينه مع علوّ الإسناد بدرجة «.
فهذا المثال ولئن كان مقبولاً نظرياً إلا أنّ تطبيقه على الواقع يبدو عسيراً إن لم يكن متعذراً:
فما هو هذا الحديث الذي رواه البخاري عن قتيبة بن سعيد عن مالك؟
وما هو هذا السند الذي لو روينا الحديث به عن طريق البخاريّ لكان بيننا وبين قتيبة بن سعيد ثمانية؟ ومن هم هؤلاء الثمانية؟
وما هو السند الذي إذا روينا به الحديث بعينه عن أبي العبّاس السرّاج كان بيننا وبين قتيبة فيه سبعة؟ ومن هم هؤلاء السبعة؟
أسئلة لا يتأتّى فهم المثال التطبيقي للتعريف إلا بالإجابة عنها بوضوح.
وما يقال في الموافقة يقال في الإبدال وفي المساواة، والمصافحة.
وجلّ أنواع علوم الحديث وإن قتلت بحثاً نظرياً من حيث تعريفها وبيان أنواعها، واستعراض أقوال العلماء فيها، إلا أنّها تعاني من شحّ الأمثلة التطبيقية وإن وجدت فالكثير منها أمثلة تقديرية غير قابلة للتطبيق، فأضحت مشوبة بعدم الوضوح المطلوب.
وبعد:
стр. 273
فإنّ علم المصطلح دراية شأنه شأن أغلب علوم الوسائل يقوم في ظنّي على المنطق والعقل، وإنّ أسلافنا الميامين من العلماء البررة بذلوا جهوداً مضنية في بناء هذا الصرح الشامخ وخدمته حتّى أصبح علماً فريداً في قوّته وأهمّيّته بين العلوم إلا أنّ اختلاف أنظار العلماء وتزاحم آرائهم حول تحرير مصطلحاته والتعبير عنها بطرق متعدّدة جعلت بعض تعريفاته تتعرّض لشيء من الإخلال التي تفقدها الشرط الجوهري للتّعريف وهو أن يكون جامعاً مانعاً. كما أنّ توسّعهم في التحليل والتصوّر عسّر عمليّة الوصول إلى أمثلة تطبيقية تعبّر عن واقع المصطلح. وإذا كان العلماء المتمرّسون لا يضنيهم البحث عنها والوصول إلى المراد، فإنّ طلبة العلم المبتدئين خاصّة يجدون من العسر في فهمها ما قد يجعلهم يشيحون عنها.
ولتقريب جني ثمار هذا العلم الشريف لطلابنا ولتحبيبهم فيه لابدّ من تيسير وصول هذا العلم إليهم واضحاً، بيّناً، بمصطلحاته وأمثلته، ويحضرني هنا مثال على الكتب التعليميّة الواضحة والناجحة هو كتاب» البلاغة الواضحة «فقد سلك مؤلفاه عليّ الجارم، ومصطفى أمين رحمهما الله نهجاً تعليميّاً واضحاً فيبدآن عند دراسة كلّ نوع من أنواع علم البلاغة:
بعرض جملة من الأمثلة.
ثم يشرعان في بحث تلك الأمثلة ودراستها.
ويخلصان من البحث إلى استخلاص القاعدة أو القواعد فيصوغانها بعبارات محرّرة جامعة مانعة.
ثم يعرضان نماذج لتطبيق القاعدة عليها.
ثم يوردان جملة من التمرينات التطبيقية.
فييصبح الموضوع على درجة كبيرة من الوضوح والجلاء.
стр. 274
وإنّ وضعنا لكتاب في علوم الحديث على غرار هذا الكتاب سيحوّل أنواع المصطلح إلى مسائل واضحة تقوم على صيغ محرّرة للمصطلح، يدعمها مثال فأكثر يصدّق النظريّة، مع الإشارة دائما في الهامش إلى المصطلحات الخاصّة ببعض العلماء حتّى نفهم مرادهم ونفتّح مغاليق ما يواجهنا منها في مسيرة البحث والدراسة. وبذلك نسهم في خدمة هذا العلم الشريف، ونعمل على تقريبه إلى شريحة واسعة من أبناء المسلمين المتعطّشين لدراسة سنّة نبيّهم ومعرفة ما يصلح منها للاحتجاج وما لا يصلح.
وصلّى الله على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم.
قائمة المصادر والمراجع
١ ـ الباعث الحثيث، شرح اختصار علوم الحديث للحافظ ابن كثير [ت٧٧٤هـ]
ـ تأليف أحمد محمد شاكر. ـ دار الكتب العلميّة ـ بيروت (بدون بيان عدد الطبعة ولا تاريخها ولا مكانها) .
٢ ـ بستان المحدّثين في بيان كتب الحديث وأصحابها الغرّ الميامين.
ـ الإمام عبد العزيز بن الإمام وليّ الله الدهلويّ [ت١٢٣٩هـ] ، نقله عن الفارسيّة، محمّد أكرم الندويّ ـ ط١ ـ ٢٠٠٢ ـ دار الغرب الإسلاميّ ـ بيروت.
٣ ـ تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي [ت٦٧٦هـ] .
ـ الحافظ جلال الدين عبد الرحمن السيوطيّ [ت٩١١هـ] .
ـ حقّقه عبد الوهاب عبد اللطيف ـ دار الفكر ـ مطبعة السعادة بمصر.
٤ ـ التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير للنوويّ انظر تدريب الراوي.
٥ ـ التقييد والإيضاح شرح مقدّمة ابن الصلاح.
ـ زين الدين عبد الرحيم العراقي [ت٨٠٦هـ] .
ـ حقّقه عبد الرحمن محمد عثمان ـ ط١ ـ ١٣٨٩هـ/١٩٦٩م ـ المكتبة السلفيّة بالمدينة المنوّرة.
٦ ـ الجرح والتعديل.
ـ أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي [ت٣٢٧هـ] .
ـ ط١ ـ حيدر آباد الدكن ـ الهند ١٣٧١هـ/١٩٥٢م.
٧ ـ الضوء اللامع المبين عن مناهج المحدّثين.
ـ الأستاذ الدكتور الشيخ /أحمد محرّم الشيخ ناجي.
ـ ط١ ـ ١٤٠٧هـ/١٩٨٧م ـ مطبعة الأمانة ـ مصر.
٨ ـ الكفاية في علوم الرواية.
стр. 275
ـ أبو بكر أحمد الخطيب البغدادي [ت٤٦٣هـ]ـ تقديم محمد الحافظ التيجانيّ.
ـ ط٢ ـ ١٩٧٢/ ـ الناشر دار الكتب الحديثة [القاهرة]ـ مكتبة المثنّى [بغداد] .
٩ ـ محاضرات في علوم الحديث.
ـ مصطفى أمين التازي. ط٣ ـ مطبعة دار التأليف ١٩٧١ ـ مصر.
١٠ ـ معرفة علوم الحديث.
ـ أبو عبد الله الحاكم النيسابوري [ت٤٠٥هـ] . ـ تحقيق السيّد معظم حسين.
ـ ط٢ ـ ١٩٧٧م. المكتب التجاريّ للطباعة والتوزيع والنشر ـ بيروت.
١١ ـ مقاصد الحديث في القديم وفي الحديث.
ـ مصطفى أمين التازي. ط٥ ـ مطبعة دار التأليف بالمالية ـ مصر.
١٢ ـ مقدمة ابن الصلاح [ت٦٤٣هـ]
ومحاسن الاصطلاح لأبي حفص عمر بن رسلان السراج البلقينيّ [ت٨٠٥هـ]
ـ تحقيق عائشة عبد الرحمن [بنت الشاطئ] . ـ دار المعارف ـ القاهرة.
١٣ ـ الوسيط في علوم ومصطلح الحديث.
ـ الأستاذ الدكتور الشيخ محمد بن محمد أبو شهبة.
ـ ط١ ـ ١٤٠٣هـ/١٩٨٣م ـ عالم المعرفة للنشر والتوزيع ـ جدّة.
стр. 276
عناصر شرح الحديث النبوي في الجامعات
بين الواقع والطموح
د. صالح يوسف معتوق
الأستاذ المشارك في الحديث الشريف وعلومه
كلية الدراسات الإسلامية والعربية بدبي
مقدمة:
الحمد لله رب العالمين، الذي أنزل كتابه نوراً وهدى للناس أجمعين، والصلاة والسلام على رسوله الكريم الشارح والمبين لما أُوحي إليه من كتاب رب العالمين، وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.
أما بعد:
مما هو معلوم لدى المسلمين أن السنة النبوية جاءت شارحة ومبينة ومفسرة ومؤكدة لما في القرآن الكريم، وأتت - أيضاً - بتشريعات لم يرد ذكرها فيه. وإذا كان كتاب ربنا قد لقي من العناية به - حفظاً وتلاوة وجمعاً وتدويناً ثم تفسيراً وشرحاً - ما لم يعتن بكتاب آخر فإن الحديث النبوي الشريف لقي - أيضاً - عناية كبيرة من علماء الأمة حفظاً وتدويناً ودراسة لأسانيده ومتونه.
وكما تفاوتت مناهج المفسرين لكتاب الله تعالى تفاوتت مناهج شراح السنة على مر العصور، فهناك شروح مطولة، وشروح مختصرة، ومنها شروح خاصة بالمتون ومنها ما أضيف إلى ذلك دراسة الأسانيد، وهناك كتب لشرح غريبها، أو بيان مشكلها ومختلفها ومنسوخها وغير ذلك، ثم توجت شروحها بأعظم شرحين هما: فتح الباري للحافظ ابن حجر العسقلاني وعمدة القاري للحافظ بدر الدين العيني.
ثم توالت الشروح بعدهما حتى يومنا، وأصبح شرح الحديث الشريف علماً قائماً بذاته، يدرس في المعاهد والجامعات، وخصصت له ساعات تدريسية في المناهج الجامعية، واختيرت له كتب تتفاوت مناهجها من جامعة إلى أخرى، فبعض الجامعات مثلاً تدرس شرح أحاديث الأحكام، وبعضها شرح أحاديث الرقائق، وبعضها شرح أحاديثَ متنوعةِ الأبواب وغير ذلك. وأغلب هذه الشروح - حسب علمي - تقتصر على شرح المتون.
стр. 277
وطريقة شرح المتن في الكتب المقررة متفاوتة أيضاً، فبعضها يقتصر على بيان الفوائد والأحكام الشرعية وشرح المفردات، وبعضها يهتم بالمعنى الإجمالي وبيان الإعراب والبلاغة وغير ذلك، وتتفق جميعها في إغفال كل ما يتعلق بالأسانيد.
سبب اختيار الموضوع وأهميته:
من أهم عوامل نجاح أي بحث علمي أن يعالج الباحث مشكلة يشكو منها المجتمع أو فئة من فئاته، فوجود الشكوى والمعاناة تدفع العلماء إلى البحث عن حلول وأجوبة تسهم في إزالة المشكلات، وعدم الشكوى والمعاناة ليست دليلاً قاطعاً على عدم وجود مشكلة.
فالطبيب يعالج المريض الذي يأتي إليه بعد أن يشعر بالألم، ولكن عدم الإحساس بالألم لا يعني الخلوَّ من المرض، فهناك أمراض لا تظهر أعراضها إلا بعد سنوات من توطنها في جسم الإنسان، ولا يكتشفها قبل وقتها إلا الأطباء المتخصصون بعد إجراء تحاليل وأشعة وفحوص مخبرية ونحو ذلك.
وبالنسبة لمقرر شرح الحديث النبوي هل المشكلة فيه ظاهرة والشكوى منه عامة؟ أم هي مشكلة كامنة لا يدركها إلا الأساتذة المتخصصون؟
لقد تتبعت آراء الطلبة الذين يدرسون هذا العلم في أكثر من جامعة وسألت بعض الأساتذة، فما وجدت أحداً من الطلبة يعاني من وجود خلل في هذا المقرر أو يشكو من صعوبته، وإنما الشكوى والمعاناة قائمة في مقرر علوم الحديث، بل إن أكثر الطلبة يرون أن هذا العلم سهل التحصيل لا يحتاج الطالب فيه إلى جهد ذهني كبير، ولا يتطلب من دارسه أدوات علمية مساعدة، لكن عدم وجود الشكوى لا يدل قطعاً على عدم وجود خلل في المناهج، فربما لا يكون الطلبة أهلاً لاكتشاف هذا الخلل لقصورهم عن إدراك ذلك، أما الأساتذة المتخصصون فقد سمعت من الكثير منهم الشكوى من قصور المناهج وعدم صلاحيتها لإعطاء فكرة واضحة عن موضوعات السنة النبوية وما ينبغي أن تتضمنه شروحها.
стр. 278
لذا اخترت الكتابة في هذا المحور من محاور الندوة. وتكمن أهمية هذا البحث في أنه يعالج مشكلة غير ظاهرة لدى البعض، ويضع الحلول المناسبة لها حسب اجتهاد كاتبه.
حال مناهج شرح الحديث في الجامعات:
يغلب على مناهج شرح الحديث في جامعاتنا تدريس شرح أحاديث الأحكام الفقهية، لتنمية ملكة الاستنباط الفقهي لدى الطالب.
ولهذه الطريقة بعض العيوب منها:
١- جهل الطالب بباقي موضوعات السنة التي يحتاجها في حياته العملية والدعوية.
٢- يقوم بتدريس هذا المقرر - في كثير من الأحيان - أساتذة غير متخصصين في السنة النبوية مما يجعل الدرس درس فقه لا حديث.
٣- يكون تكراراً لما درسه الطالب في علم الفقه. وقد حدث مرة في إحدى الكليات الشرعية أن تشابهت أسئلة الفقه وأسئلة شرح أحاديث الأحكام في العبادات بنحو ٥٠%.
٤- تُرسِّخ في عقل الطالب فكرة أن علم شرح الحديث الشريف رديف ومساعد للمقررات الأخرى وليس علماً قائماً بذاته.
إن واقع هذه المناهج لا تخرج عالماً بالسنة النبوية كتخصص مستقل، وطموحنا أن تبرز المناهج استقلالية هذا العلم، وعدم تبعيته لأي فن آخر، وهذا لا يتم إلا إذا أخرجناه من دائرته الضيقة المحصورة في شرح متون أحاديث ذات صبغة واحدة، وأن تحدد العناصر أو الفقرات التي ينبغي أن يشتمل عليها الشرح.
وهذا ما سنتاوله بالتفصيل في المبحث التالي إن شاء الله تعالى.
أهم العناصر التي ينبغي أن يشتمل عليها شرح الحديث:
стр. 279
١- تنويع الموضوعات التي تعالجها الأحاديث المقررة ليطلع الدارس على مجمل موضوعات السنة فيدرك شمولها لجميع مناحي الحياة، ويستحسن في اختيار الأحاديث ما يعالج مشكلة يعاني منها المجتمع الحالي، أو التي تثار حولها الشبهات، أو التي تفهم خطأ، وأمثل لذلك بأحاديث (ناقصات عقل ودين) و (الشؤم في ثلاث المرأة والدار والفرس) و (سحر النبي ﷺ و (وقوع الذبابة) و (مراحل خلق الإنسان في بطن أمه) و (حقوق الإنسان أو العمال) و (النظافة) و (التعامل مع أهل الذمة) وغير ذلك كثير. وتدريس هذا النوع من الأحاديث يعين الطالب في خدمة مجتمعه وأمته.
٢- ألا يقتصر في الاختيار على الأحاديث الصحيحة، بل ينبغي أن تشمل المتواتر، والصحيح بقسميه (لذاته ولغيره) والحسن بقسميه، والضعيف، ويوضح للطلبة أسباب ارتقاء الحديث للقسم الأعلى أو أسباب تقاعده عن ذلك.
٣- أن يورد النص سنداً ومتناً، ويضبط ضبطاً تاماً. وفائدة ذلك تعويد الطالب على القراءة الصحيحة المضبوطة لأسماء الرواة فيألف هذه الأسماء، وتشرح له الرموز (ثنا، نا، أنا، ح) وغيرها.
٤- الترجمة للصحابي في المرة الأولى باختصار مع رد بعض الشبهات التي تثار حوله ككثرة مروياته مثلاً.
٥- بيان لطائف الإسناد. كأن يكون فيه عنعنة، أو انقطاع، أو تدليس، أو إرسال، أو روى بسلسلة قيل فيها إنها أصح الأسانيد، أو أحسنها، أو فيها رواية الآباء عن الأبناء أو رجاله كلهم مكيون أو أئمة ونحو ذلك من اللطائف التي لا يخلو إسناد من واحد منها.
٦- بيان درجة الحديث بنقل أقوال الأئمة المعتمدين، مع بيان أسباب تصحيحه أو تحسينه أو تضعيفه.
٧- ذكر من أخرجه من أصحاب المصنفات، وبيان المتابعات والشواهد، وذكر مواطن الاتفاق والاختلاف في المتن.
٨- سبب ورود الحديث - إن وجد -.
٩- شرح الألفاظ اللغوية الغريبة وإعراب الكلمات المشكلة أو التي تحتمل أكثر من وجه في الإعراب.
стр. 280
١٠- بيان بلاغة الحديث من البيان والمعاني والمحسنات البديعية، والأمثال النبوية؛ ليدلل به على فصاحته ﷺ ، وأنه أوتي جوامع الكلم (وهذا فيما لم يرو بالمعنى) .
١١- الأحكام والآداب المستفادة من الحديث (فقهية، عقائدية، سلوكية، صحية، دلائل النبوة، إخبار بالمغيبات وغيرها) تذكر أقوال العلماء مع بيان موضع دليلهم من الحديث أو شواهده.
١٢- الإجابة عن الإشكالات والشبهات الواردة على النص.
١٣- ربط الحديث بالواقع قدر الإمكان، وتنزيل بعض الأحداث المعاصرة عليه.
١٤- وأخيراً ذكر المصادر والمراجع التي يمكن أن يرجع إليها الطالب في شرح الحديث.
إن هذه العناصر التي أوردتها آنفاً لا توجد كاملة في كل حديث يشرح، فبعض الأحاديث - مثلاً - لا سبب لوروده، أو لا يوجد فيه إشكال نحوي، أو إن الصحابي أو الإسناد قد سبق ذكره، فينقص عدد العناصر إلى عشرة أو أقل أو أكثر، حسب ما يقتضيه الحديث.
أهمية وجود هذه العناصر في الشرح:
تلك الطريقة الموسعة في دراسة الحديث تربط الطالب بالجانب النظري الذي درسه في مقرر علوم الحديث، ويرسخه في ذهنه، وتفتح أمام الطالب آفاقاً أرحب في مدلولات الأحاديث وشموليتها لجميع مناحي الحياة.
كما يدرك الطالب فيها - عملياً - مدى ارتباط علوم الشريعة بعلوم اللغة العربية، وأنه لا يجوز الفصل أبداً بين هذه العلوم. وعلى من ينشد التميز والتفوق الاستفادة من العلوم المساعدة في فهم الحديث النبوي، فإن النص الشرعي (سواء أكان قرآناً أم حديثاً) لا يتم فهمه إلا باستخدام علوم الآلة.
كما تغرس هذه الطريقة في ذهن الطالب فكرة حاجة كل علم إلى غيره وعدم استغنائه عما سواه، وإن حاجة العلوم الشرعية إلى العلوم العربية أشد من العكس. وقد كان أسلافنا يحثون الطلبة على تعلم النحو كي لا يلحنوا في الأحاديث، وما من عالم من علمائنا إلا وقد درس علوم العربية واستفاد منها في دراسته الشرعية.
стр. 281
نقل الإمام القرطبي المفسر عن الإمام أبي جعفر الطبري قال: سمعت الجَرْميَّ يقول:» أنا منذ ثلاثين سنة أُفتي الناس في الفقه من كتاب سيبويه «.
قال محمد بن يزيد (أي المبرد) : وذلك أن أبا عمر الجَرْميَّ كان صاحب حديث؛ فلما علم كتاب سيبويه تفقه في الحديث، إذ كان كتاب سيبويه يتعلم منه النظر والتفسير، ثم ينظر في السنن المأثورة الثابتة عن رسوله ﷺ ، فبها يصل الطالب إلى مراد الله في كتابه، وهي تفتح له أحكام القرآن فتحاً أ. هـ (١) .
ولعل قائلاً يقول: إن هذه الطريقة تؤدي إلى تقليل كمية الأحاديث المقرر شرحها في الفصل الدراسي الواحد.
ويُرَدُّ عليه بأن دراسة عشرة أحاديث في فصل واحد على هذا النحو الشمولي أكثرُ عوداً بالنفع والفائدة على الطالب من دراسة ثلاثين حديثاً لا تربطه بعلوم الحديث، وتقف به عند دراسة بعض فوائد المتن، وتجعله غير ملم بتنوع موضوعات السنة، ولا يعرف كيف يرد على الشبهات التي تثار حول بعض الأحاديث، وتصرفه عن الاهتمام بالعلوم المساعدة لفهم النصوص النبوية.
إن شرح متونِ أحاديثَ ذاتِ صبغة واحدة (فقه أو عقيدة، أو سلوك) يمكن أن يقوم به أي أستاذ متخصص في تلك العلوم، ولا يتطلب متخصصاً في علوم السنة، أما الشرح وفق الطريقة التي ذكرتها لا يتمكن من الوفاء بها إلا أهل الحديث الشريف بلا مزاحمة.
لذا ينبغي إعادة النظر في صياغة مناهج شروح الحديث الشريف في الجامعات فلا يكون همها كثرة عدد الأحاديث المشروحة بقدر نوعية الشرح ومدى استيعابه للعناصر اللازمة له، ومدى التصاقه بأهله المختصين به.
هل توجد مؤلفات معاصرة تفي بهذا الغرض؟
стр. 282
إن شروح السنة القديمة تتفاوت في وجود العناصر المذكورة - سابقاً - فيها، ولكن الشروح تطورت عبر العصور ووصلت إلى قمتها بشرحي صحيح البخاري للإمامين ابن حجر العسقلاني وبدر الدين العيني، وهذان الكتابان يدلان على إحاطة مؤلفيهما بعلوم الآلة وعلوم الغاية (الشريعة) ، وقد أودعا كتابيهما جميع ما ذكرت، وكتاب العيني أكثر تنظيماً وترتيباً، إلا أن أسلوبهما فوق مستوى الطالب الجامعي في عصرنا وتصلح للتدريس في مرحلة الدراسات العليا لا المرحلة الجامعية.
أما الشروح المعاصرة المقررة في الجامعات فلا أعلم - حسب اطلاعي - كتاباً جامعياً حوى تلك العناصر. ولكنّ أَقْرَبَها إلى ذلك كتاب إعلام الأنام شرح بلوغ المرام لأستاذنا الفاضل الدكتور نور الدين عتر - حفظه الله تعالى - وإننا نعلم - حسب عنوان الكتاب - أنه خاص بأحاديث الأحكام، ولو لم يلتزم أستاذنا الفاضل شرح هذا الكتاب واختار أحاديث متنوعة الموضوعات - حسب البيان الذي ذكرته سابقاً - لكان هو الكتاب الذي ننشده ونطمح إليه.
لذا أقترح - إن تم الاتفاق على ضرورة وجود هذه العناصر في الشرح - أن تشكل لجنة متخصصة من الحاضرين أو من غيرهم؛ ليقوموا بهذا المشروع ويعمم ذلك على الجامعات، فلا بد من تضافر الجهود والعمل المشارك لإنجاح هذا المقترح لأنه يصعب على فرد واحد أن يقوم به.
وأتمنى أن تتبنى مؤسسة علمية أو خيرية هذا المشروع، وتطرحه على أهل العلم، وترصد جائزة قيمة لمن يتقدم بأحسن تصنيف في شرح الحديث يتناسب مع مستوى الطلبة في المرحلة الجامعية.
وفقنا الله تعالى وإياكم إلى ما فيه خدمة القرآن الكريم وسنة النبي ﷺ ، وحشرنا في زمرة أتباعه وأحبابه، واستخدمنا في سنة حبيبه ننفي عنها انتحال المبطلين وتأويل الجاهلين. والحمد لله رب العالمين في بدءٍ ومختتم
стр. 283
فوائد في مناهج المتقدمين في التعامل مع السنة
تصحيحاً وتضعيفاً
د. عبد الرحمن عبد الكريم الزيد
رئيس قسم الشريعة بكلية الشريعة واللغة العربية في رأس الخيمة
أستاذ مساعد بقسم السنة بكلية أصول الدين
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
المقدمة:
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، أحمده سبحانه وأشكره على آلائه ونعمه التي تترى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الرحمن الرحيم عالم السر والنجوى، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وخاتم رسله المبعوث بالحق والهدى، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد: فإن علم الحديث من أشرف العلوم بعد كتاب الله ، ولقد هيأ الله تعالى لسنة رسوله ﷺ أئمة أعلاماً وهداة كراماً، نضر الله وجوههم بالبلاغ عن نبيه والذب عن سنته والحفظ لدينه، فبذلوا أوقاتهم وأتعبوا أجسادهم وسهروا ليلهم وواصلوا نهارهم، فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
في هذا البحث نقف مع فوائد من مناهجهم وفرائد من طرائقهم، لنقتفي أثرهم فالخير - والله - في سلوك طريق من سلف من أهل العلم والهدي المستقيم.
سبب اختيار البحث:
هذا البحث مشاركة في الندوة المقامة بكلية الدراسات الإسلامية بدبي حول» علوم الحديث واقع وآفاق «فإنه لما عرضت علي المشاركة في أحد موضوعاتها آثرت موضوع» مناهج القدماء في التعامل مع السنة تصحيحاً وتضعيفاً «، فهو موضوع قريب إلى نفسي موافق لتخصصي.
ولقد كان لرسالتي في الماجستير» تحقيق القسم الأول من كتاب الكامل في ضعفاء الرجال «للحافظ ابن عدي، كان لها الأثر في ارتباطي بكتب المتقدمين الأوائل في السنة وتراجم الرواة وعلوم الحديث مما زاد تعلقي وحبي لهذا الجانب خاصة ما يتعلق بعلوم الحديث والإسناد.
стр. 284
ولا شك أن هذا الموضوع طويل ودقيق وشائك يحتاج إلى استقراء طويل وإدمان للقراءة في كتب القوم والبحث في زواياها واستخراج خباياها، وهذا قد لا يُتمكن منه في مثل هذا البحث.
ورغم ما كتبته فهذا الموضوع يحتاج إلى توسع أكثر وإلى تأمل أطول، فلا أزعم أني استوفيت ولا أقول إني كفيت، ففي الموضوع وقفات للمتأمل وثغرات للناقد المبصر، ولذا فإني أرى أن يسمى البحث: ((فوائد في مناهج المتقدمين في التعامل مع السنة تصحيحاً وتضعيفاً)) .
وقد كنت كتبت البحث من ستة مباحث وتحتها مسائل في (٦٥) صفحة مع الفهارس تعرضت فيه لشروط الاحتجاج بالحديث ونقول عن المتقدمين في المسائل المتعلقة بها ولما قدمت البحث للجنة المنظمة طلب مني اختصار البحث إلى قرابة خمسة عشر صفحة فرأيت الاكتفاء بثلاثة مباحث أرى أنها مهمة وهي:
تمهيد: المقصود بالمتقدمين
المبحث الأول: المسائل المتعلقة بالشذوذ، وتحته فروع:
١ ـ بين الشاذ والمنكر.
٢ ـ التفرد والشذوذ والنكارة.
٣ ـ زيادة الثقة.
المبحث الثاني: المسائل المتعلقة بالسلامة من العلة القادحة.
المبحث الثالث: المسائل المتعلقة بتقوية الحديث.
الخاتمة: هذا وأسأل الله تعالى أن يجعل عملي خالصاً لوجهه وأن يجعله لي ذخراً وأن يحسن لنا العاقبة، ومن رأى فيما ذكرت خطأ فليدلني عليه فالمرء ضعيف بنفسه قوي بإخوانه.
تمهيد:
المقصود بالقدماء أو المتقدمين:
стр. 285
لم أجد من أهل العلم من نص على فارق زمني بين المتقدمين والمتأخرين إلا أنه اشتهر بين طلاب العلم أن المتقدمين من كان قبل الثلاثمائة للهجرة، وهذا القول للحافظ الذهبي رحمه الله تعالى (١) ، وكأن هذا القول اعتمد على أن ذلك عصر القرون المفضلة التي قال عنها النبي ﷺ : ((خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم)) (٢) .
أو لأن آخر الأئمة الستة أصحاب الكتب المشهورة في السنة كانت وفاته قريباً من الثلاثمائة وهو الإمام أحمد بن شعيب النسائي حيث توفي سنة ٣٠٣هـ.
وهذا الرأي وجيه وله حظ من القوة، ففي تلك القرون عاش الجهابذة الذين كان لهم قصب السبق في حفظ السنة والذب عنها وبيان صحيحها من معلولها، وكان لهم المؤلفات الضخمة في الحديث والرجال والعلل وغيرها إلا أنه وجد بعد الثلاثمائة من الأئمة من سار على منهج المتقدمين وحذا على قواعدهم وطرائقهم فهو ملحق بهم كالإمام الدارقطني والخطيب البغدادي وابن رجب وغيرهم.
وقد عدّ الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى ابن حبان من المتقدمين فقال في كتابه (تعريف أهل التقديس) في كلامه عن مكحول قال: ((مكحول الشامي الفقيه المشهور تابعي يقال إنه لم يسمع من الصحابة إلا عن نفر قليل ووصفه بذلك ابن حبان، وأطلق الذهبي أنه كان يدلس ولم أره للمتقدمين إلا في قول ابن حبان)) (٣) ا. هـ...
وفي نزهة النظر لما تكلم عن زيادة الثقة قال: والمنقول عن أئمة الحديث المتقدمين ... وذكر منهم الدارقطني ... «وسيأتي قوله في مبحث زيادة الثقة.