((زيادة الثقة مقبولة كما هو مقرر في كتب المصطلح)) .
يقول باحث آخر: ((لو درس أبو حاتم وغيره من الأئمة وحتى الإمام البخاري دراسة وافية لما تجاوزوا النتائج التي توصلت إليها، وإني بحمد الله طبقت منهج المحدثين)) يقصد بالمنهج الذي طبقه هو ما تقرر في كتب المصطلح.
أما النقطة الثانية - وهي ترتيب المصطلحات حسب وحداتها الموضوعية - فيمكن توزيع أنواع علوم الحديث جميعها تحت أربع وحدات موضوعية رئيسة، وهي كما يلي:
١- علم الرواية.
٢- قواعد التصحيح والتعليل.
٣- علم الجرح والتعديل.
٤- فقه الحديث.
فبتنسيق أنواع علوم الحديث على هذا النمط، من غير تفريق بين المصطلحات التي تشترك في المعنى والحكم، أو ذكر بعضها في موضع، وآخر في موضع قد يكونان متباعدين، كما هو الحال في كتب المصطلح عموما، فإن كثيرا من العقد والشبه التي تكتنف هذا العلم تتبدد تلقائيا، ويصبح منهج المحدثين في نقد الأحاديث واضح المعالم لدى الجميع.
الوحدة الأولى:
تحوي هذه الوحدة ـ وهي علم الرواية ـ المسائل التالية:
معرفة آداب المحدث، ومعرفة آداب طالب الحديث، وطرق تحمل الحديث، وكتابة الحديث، وضبط الكتاب، ورواية الحديث وشروطها، ومعرفة علو الإسناد ونزوله. مع لفت الانتباه إلى ما استحدث فيها في عصر ما بعد الرواية من مصطلح وحكم.
وتحتل هذه الوحدة مكانة رفيعة عند المحدثين وغيرهم من أهل العلم، وذلك لأن نظمهم في التعليم قائمة على مراعاة أنواعها، وظهور التأليف مبكرا ومستقلا في هذه الوحدة من وحدات علوم الحديث - مثل كتاب الرامهرمزي (المحدث الفاصل بين الراوي والواعي) - دليل واضح على مدى اهتمامهم بهذا الجانب التربوي.
стр. 212
وإن كان كثير من مواضيع هذه الوحدة ـ مثل طرق التحمل والأداء وكتابة الحديث وضبط الكتاب ومعرفة علو الإسناد ونزوله ـ يغلب عليها الجانب التاريخي، ولا يوجد في دراستها اليوم كبير فائدة إذا نظرنا في مدى إمكانية تطبيقها في نظمنا في التعليم، لكنها تلقي أضواء كاشفة على كثير من الحيثيات التي يعتمد عليها نقاد الحديث في التصحيح والتعليل والجرح والتعديل، ومن هذه الجهة تظهر الأهمية الكبيرة في دراستها االيوم ضمن مادة علوم الحديث.
الوحدة الثانية:
تحوي هذه الوحدة ـ وهي قواعد التصحيح والتضعيف ـ الأنواع الآتية:
الصحيح، والحسن، والضعيف، والمدلَّس، والمرسل، والمنقطع، والمعلق، والمعضل، وزيادة الثقة، والعلة، والشاذ، والمنكر، والمقلوب، والمدرج، والمصحف، والمضطرب، والموضوع.
إذا نظرنا في منهج المحدثين النقاد في التصحيح والتعليل، القائم أساسا على مدى موافقة الراوي للواقع ومخالفته له وتفرده بما له أصل أو بما ليس له أصل، بعبارة أخرى: على مدى خلو الحديث من شذوذ وعلة (١) وجدنا هذه الأنواع تنقسم إلى ثلاثة موضوعات على الشكل الآتي:
١ ـ الحديث الذي ثبتت صحته.
٢ ـ الحديث الذي ثبت خطؤه.
٣ ـ الحديث الذي لم يثبت فيه هذا ولا ذاك.
وفيما يلي بيان ذلك:
أما الموضوع الأول فيطلق عليه عادة مصطلح ((صحيح)) ، وقد يطلق عليه مصطلح ((حسن)) (٢) ، بينما يصطلح عليه بعضهم كلمة ((حسن صحيح)) .
стр. 213
وأما الموضوع الثاني فيطلق عليه: (ضعيف) ، (معلول) ، (شاذ) ، (منكر) ، (مقلوب) ، (مدرج) ، (مصحف) ، (مضطرب) ، (موضوع) . وإلى جانبها ألفاظ صريحة يستعملها النقاد كثيرا؛ وهي:
(حديث غريب) ، (غير محفوظ) ، (باطل) ، (وهم) ، (خطأ) (تفرد به فلان) ، (لا يشبه حديث فلان) (لا يجيء) وغيرها من العبارات الصريحة التي تزخر بها كتب العلل وكتب الضعفاء وغيرها.
والموضوع الثالث يقال فيه: (ضعيف (١) ، (مرسل) ، (مدلس) ، (منقطع) ، (معضل) ، (معلق) وإذا تقوى نوع من هذه الأنواع بعواضد بالشروط التي سيأتي ذكرها، ولم يصل إلى حد شعور الناقد بأنه ثابت، يقال: (حسن) ، (جيد) ، (لا بأس به) ، وقد يطلق عليه أيضا (صحيح) تجوُّزا، ولا يريد به الموضوع الأول (٢) .
وجه تقسيم هذه الأنواع تقسيما ثلاثيا:
لقد قسمنا هذه المصطلحات على ثلاثة أقسام - كما رأيت آنفا -، وذلك حسب شعور النقاد تجاه الحديث. وإلا ففي الواقع لا ينقسم الحديث سوى قسمين:
صحيح وخطأ.
لكن لن يكون بمقدور الناقد أن يعرف دوما ماذا في الواقع، خطأ أو صواب، لأنه قد لا يتوافر لديه من المعلومات ما يساعده على معرفة ذلك؛ فإذا علم الناقد صحة الحديث يعبر عن ذلك بما يدل عليه من الألفاظ، وإذا علم خطأه يعبر عنه بما يدل عليه من العبارات، وإذا لم يعلم هذا ولا ذاك فتعبيره عن ذلك يكون بقدر شعوره تجاه الحديث.
وعليه فإن الحديث ينقسم إلى ثلاثة أقسام بالنسبة إلى شعور الناقد، وأما في واقع الأمر فلا يكون له إلا قسمان: خطأ، وصواب.
стр. 214
وإذا رجعنا إلى أنفسنا نجد هذا التقسيم واقعيا، إذ الخبر الذي نسمعه لا يكون في الواقع إلا صوابا، أو خطأ، لكن ليس بمقدورنا أن نعرف هذا الواقع دائما، وبالتالي ينقسم هذا الخبر بالنسبة إلى شعور المخاطب إلى تلك الأقسام الثلاثة؛ لأنه قد يعرف أن الخبر صواب، أو أنه خطأ، أو لا يعرف شيئا، وإن كان يتنوع ما يعبر به المخاطب عما يجول في خلده تجاه الخبر الذي سمعه، بيد أنه لا يخرج عن قسم من هذه الأقسام.
وإذا كان الموضوع الأول يضم جميع المسائل المتعلقة بمعرفة صحة الحديث وثبوته، فإن الموضوع الثاني باعتباره مقابل الأول يشمل جميع الأنواع التي تكون لها صلة بمعرفة الخطأ في الحديث ـ سواء أكان الراوي متعمدا في خطئه أم غير متعمد ـ والأنواع هي:
العلة، والشاذ، والمنكر، والمقلوب، والمدرج، والمصحف، والمضطرب، والموضوع. غير أن نوع (الموضوع) يجب أن يذكر في باب خاص، لكون راويه كذابا ووضاعا. ويلحق به ما رواه المتروك بسبب فسقه، لأنه مثل الوضاع في عدم جواز الرواية عنه.
ومن الجدير بالذكر أن مصطلح (العلة) أو (المعلول) يشكل موضوعا عاما يندرج تحته بقية الأنواع المذكورة، وليس نوعا قسيما، وهي: الشاذ، والمنكر، والمقلوب، والمدرج، والمصحف، والمضطرب.
وأما الموضوع الثالث فيمثل درجة متوسطة بين هذين الموضوعين، وعريضة، إذ يجذبها أحيانا أحد الطرفين: الصحيح أو المعلول، بقدر ما تتوافر في الحديث من العواضد الخارجية، غير أنه لا يرتقي إلى الصحيح، كما لا ينزل إلى الضعيف الذي تبين خطؤه. ومن هنا قد يكون موقف النقاد تجاه الحديث الذي يندرج تحت هذا النوع مضطربا، كما اضطرب المتأخرون في تحديد معنى مصطلح (الحسن) الذي يكون أساسه هذه الدرجة المتوسطة.
والعنوان الذي يطابق هذا الموضوع هو» الضعيف المنجبر «، ويشمل الأنواع التالية:
стр. 215
المرسل، والمعلق، والمدلس، والمنقطع، والمعضل، وما رواه الضعيف غير المتروك بشرط أن لا يظهر للناقد ما يدل على صحته ولا خطئه، وأما إذا تقوى نوع من هذه الأنواع بالوجوه التي سيأتي تفصيلها فيقال عنه (حسن) وتستعمل فيه ألفاظ أخرى، مثل (جيد) و (لا بأس به) و (صالح) و (مقبول) .
وبقي لنا تصنيف مسألة زيادة الثقة، فإن زيادة الثقة من حيث كونها مسألة لا تشكل نوعا خاصا مستقلا عن مسائل الصحيح والحسن والمعلول، ولا خارجة من حدودها؛ إما أن تكون صحيحة، أو حسنة، أو معلولة، ويكون كل ذلك تبعا لدلالة القرائن المحتفة بها. وأما من حيث كونها كلمة اصطلاحية فتظل نوعا يحتاج إلى تعريف، ولتوضيح ذلك سنخصص لها فصلا خاصا.
الوحدة الثالثة:
تضم الوحدة الثالثة ـ وهي علم الجرح والتعديل ـ ما يلي:
رواة الحديث، وطبقاتهم، والصحابة، والتابعون، وأتباع التابعين، وشروط قبول الرواية: العدالة، والضبط، وما يختل به كل من العدالة والضبط، والبدعة وأثرها في العدالة، والجهالة، وأثرها في رد الحديث، والكذب، وأثره في العدالة، وصيغ الجرح والتعديل، وتعارض الجرح والتعديل، وأسباب ذلك، وعلماء الجرح والتعديل، ومصادر هذا العلم.
وتجدر الإشارة إلى أن علم الجرح والتعديل من أهم النتائج التي تمخض عنها جهد المحدثين في نقد الأحاديث، تصحيحا وتعليلا.
الوحدة الرابعة:
تضم الوحدة الرابعة ما يلي:
معرفة الناسخ والمنسوخ في الحديث، ومشكل الحديث ومحكمه، وغريب الحديث، ومعرفة مناسبة الحديث وأسباب وروده.
وهذه المسائل التي طبقها المحدثون لمعرفة فقه الحديث ينبغي أن ندمجها في مفردات علوم الحديث، حتى يترسخ في ذهن الطالب مدى اهتمام المحدثين النقاد بالجوانب الفقهية للأحاديث، وهي التي تطورت فيما بعد حتى استقلت بعلم أصول الفقه.
стр. 216
وأما النقطة الثالثة - وهي استخدام الأمثلة الواقعية لشرح مواضيع علوم الحديث ومصطلحاتها - فأنقل هنا من كتاب (علوم الحديث في ضوء تطبيقات المحدثين النقاد) نموذجا لذلك، وهو ((الحديث الصحيح)) .
قبل شرح هذا الموضوع يكون من الأفضل أن يتأمل القارئ في أسلوبه الشخصي في معالجة الخبر الذي يسمعه، سواء أكان ذلك عبر وسائل الإعلام، أم عن طريق فردي، وذلك ليتضح ما يلي:
* معنى الصحيح عموما.
* طريقته في معرفة صحة الخبر الذي يعالجه، أو خطئه.
* حاجة ذلك إلى خلفية علمية، أو تخصص علمي في موضوع ذلك الخبر، أو في ملابساته.
وأما الشخص الجاهل فلا يكون من عادته إلا تقليد من ينقل إليه الخبر، وبالتالي يكون بعيدا عن معرفة صوابه وخطئه، واعتداله في ذلك.
كما لا ينسى القارئ أن يطرح أسئلة على نفسه:
* هل يصدق أحدنا الأخبار كلها دائما؟
* هل يكذبها دائما؟
* ألا يُكذب حينا، ويُصدق حينا آخر، أو لا يعلم هذا ولا ذاك حينا ثالثا؟
* وما معيار ذلك إذن؟
* ألا يكون معيار ذلك هو: اعتماده على مدى:
أ - موافقة الخبر للواقع الذي يعرفه أو يعرف ملابساته.
ب - أو مخالفته له.
ج - أو التفرد بما له أصل، أو بما ليس له أصل.
د - أو اعتماد الحالة العامة لذلك الرجل الناقل، إذا لم يتبين له شيء من ملابسات ذلك الخبر؟
* ألا تعتقد جازما أن الذي يكون بمقدوره معرفة صحة الخبر وخطئه هو من لديه خلفية علمية حول موضوع الخبر أو ملابساته؟ أما غيره فليس له ناقة في ذلك ولا جمل؟.
* ألا يمكن أن نقتنع بعد هذا التأمل بأن التصحيح لم يكن تابعا لأحوال الناقلين فقط؟.
وفي ضوء ذلك نشرح معنى قولهم (حديث صحيح) فنقول:
إذا تبين للناقد أنه تم نقل الحديث عن النبي ﷺ أو غيره، من غير خطأ ولا وهم، فإنه يعبر عنه غالبا بأنه (صحيح) ، وقد يعبر عنه بأنه (حسن) ، بينما يستعمل الإمام الترمذي في ذلك لفظة (حسن صحيح) .
стр. 217
وبقدر ما يتوافر لدى الناقد من القرائن يتقوى شعوره، حتى يصل إلى العلم بأن الحديث ثابت عن مصدره، وأنه تم نقله عنه عبر رواته من غير وهم ولا خطأ، مع كونه من خبر الآحاد، ولا يتوقف الجزم بذلك أبدا على تواتره، كما هو الشائع لدى كثير من المثقفين الذين ينظرون في الحديث من زاوية ثقافتهم، دون احترام أهله من النقاد القدامى، ودون اعتبار شعورهم تجاه الحديث.
وبما أن هذا الأمر من علم الخاصة؛ فإنه لا يمكن أن يكون للجميع شعور النقاد وإحساسهم تجاه الحديث ومدى إفادته اليقين والعلم، ولذا يتعين على غيرهم التسليم بذلك، سواء أفاد ذلك عنده الظن أم لا.
وأما النقطة الرابعة - وهي ضرورة العمل على ربط منهج المحدثين النقاد في التصحيح والتضعيف، والجرح والتعديل، بتعريف مصطلح الحديث ومبادئه - ففي غاية الأهمية، لأنها تساعد الطلبة على استيعاب علوم الحديث واستقامة التعامل مع مصطلحات القوم؛ إذ الهدف من دراسة علوم الحديث هو معرفة منهج المحدثين في التصحيح والتعليل من خلال فهم مصطلحاتهم ومعانيها التي اطلقوها عليها، حتى لا تحمل على غير محملها.
وهناك أمثلة كثيرة من المصطلحات، قد يتخيل إلى دارسها أن معانيها عند النقاد مقيدة بما ورد في التعريفات، ومن خلال دراسات مستقلة قام بها بعض طلاب الدراسات العليا حول أهم المصطلحات، كالمنكر، والشاذ، والحسن، والصحيح، والمضطرب، والمجهول، والثقة، والصدوق تبين خلاف ذلك.
ونذكر هنا مثالا واحدا؛ إذا كان مصطلح (المنكر) استقر معناه في كتب المصطلح، واشتهر تعريفه بمخالفة الضعيف لمن هو أوثق منه، أو بتفرد الضعيف، لكن النقاد أطلقوه على ما رواه الثقة والصدوق والضعيف والواهي إذا خالف الراجح، أو تفرد بما ليس له أصل، دون أن يتقيدوا بمرويات الضعفاء، وعلى الرغم من وضوح ذلك فكثير من الباحثين اليوم لا يزالون متقيدين بما استقر في كتب المصطلح، ويحملون عليه كلام النقاد.
стр. 218
لذلك فإن العمل على ربط المصطلحات وتعريفاتها بمنهج النقاد في استخدامها أمر في غاية الأهمية، وإلا بقى الطالب على تخبطه وخلطه وخروجه عن المنهج السليم.
وأما النقطة الخامسة - وهي التركيز على بلورة منهج المحدثين النقاد في التصحيح والتعليل والجرح والتعديل كما ينبغي التركيز على عنايتهم بالجوانب الفقهية - فإنها تساعد الطلبة على تصحيح المواقف تجاه المحدثين النقاد، واحترام آرائهم في الحديث وفقهه.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
стр. 219
علوم الحديث بين المتقدّمين والمتأخرين
د. عبد العزيز صغير دخان
جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
لا يسعني في هذه العجالة من الوقت أن أفيَ الموضوع حقّه، ولكن عزائي أن أنال شرف المشاركة في استجلاء بعض جوانبه واستيضاح بعض مراتبه، مقدّما شكري الجزيل لمن كان سبباً في إقامة هذه الندوة العلمية المباركة، التي أرجو ـ كما يرجو الجميع ـ أن ترسي قواعد من العلم راسخة وتبني قلاعا من المعرفة شامخة وأن تكون فاتحة خير وسنّة حسنة يكتب الله لصاحبها أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة.
لا يخفى على كلّ ذي لبّ وبصر وكلّ ملاحِظ ذي نظر أنّ الساحة العلمية اليوم تعيش حركةً كبيرةً في مجال التأليف والنشر، حيث نشهد يومياً ظهورَ الكتب المؤلّفة في شتى العلوم والفنون، ونشطت كثيرٌ من مراكز البحث في تحقيق المخطوطات، وخدمةِ تراث هذه الأمّة في جميع جوانبه، وتوفّرت لطالب العلم جميعُ مصادر البحث ومراجعه بسرعة كبيرة وبمشقّة أقلّ، وأحيانا بدون مشقّة أصلا، وهو الأمرُ الذي لم يكن علماؤنا السابقون يحلمون بجزء قليل منه.
ولكنّ هذا كلَّه لم يمنع ـ للأسف الشديد ـ من ظهور كثير من الأمراض والأعراض في طبيعة الإنتاج العلمي الحالي وفي طريقة التعامل مع نصوص الكتاب والسنة وتراث السلف الصالح.
وقد كان لعلوم الحديث من هذا الأمر النصيبُ الأوفر والقدرُ الأكبر. فبقدر ما نرى من الجهود المبذولة في خدمة السنة وعلومها، نرى فوضى فكريةً في كيفية التعامل معها، وقصوراً واضحاً في فهم بعض جوانبها، وخلطاً في المناهج التي يجب أن تفهم من خلالها وفي إطارها.
стр. 220
وقد نتج عن ذلك كلِّه اضطرابٌ في مناهج المشتغلين بهذه العلوم، وتعدّى هذا الاضطراب حدودَه، وتجاوز قيوده، حتى شكّل في بعض الأحيان حلَبةً يحتدم فيها صراعٌ يكاد يذهب بأخلاق أهل العلم وما يجب أن يكونوا عليه من أدب وما تفرضه عليهم هذه الرحم ـ رحمُ العلم ـ من مودّة وتواضع ولينِ جانب وخفضِ جناح، بل إنّ بعضهم قد حمله ما نحسبه صدقاً وحرصاً على السنّة إلى سلّ سيف لسانه ـ بقسوة وشدّة ـ على من يقفون معه في خندق الدفاع عنها متهِماً إياهم بالابتداع والخروج على منهج السلف، وغيرِ ذلك من الاتهامات التي لا تخفى على من يعيش طرفاً من واقع هذه المناقشات والمساجلات التي نقرأها في الكتب أو نتصفّحها عبر مواقع الانترنت.
وإنّ مِنْ أهمّ الأسباب التي أوجبت هذا الأمرَ وأنتجت هذه المشكلةَ سببين اثنين:
الأوّل: وجود كثير من القضايا الخلافية داخل قواعد علوم الحديث، والتي لم يتمّ الحسم فيها إلى الآن، على غرار ما يقع في علوم الشريعة الأخرى، حيث ما تزال كثير من القضايا ترحّل من زمن إلى زمن، دون أن يُقضى فيها برأي فاصل أو إجماع قاطع، مما يترتب عليه حيرةُ والتباس عند طلاب العلم، الأمرُ الذي يزيد من صعوبة استيعابهم لهذه القواعد، من مثل الاختلاف في مباحث شروط قبول الرواية، ومباحث الجرح والتعديل وألفاظهما ومراتبهما، وغير ذلك من القضايا والمسائل، التي نراها ظاهرة في أغلب مباحث علوم الحديث.
الثاني: اختلاف المنهج بين المتقدّمين والمتأخرين في مجموعة غير قليلة من قواعد علوم الحديث، الأمرُ الذي يترتّب على عدم مراعاته الخلطُ بين المنهجين، ومن ثمّ اختلافُ الآثار والأحكام المترتّبة على تطبيق أحد المنهجين أو محاكمة أحدهما إلى الآخر.
ولا أظنني أبعدتُ النَّجعةَ إذا قلت إنّ السبب الأولَ الذي ذكرته يعتبر نتيجةً لهذا السبب الثاني، فكثير من قضايا علوم الحديث كان يمكن الحسم فيها، لو تمّ مراعاة الفرق بين المنهجين.
стр. 221
إنّ كلّ من يتعمّق في دراسة كتب الحديث اليوم تنشأ في نفسه أسئلةٌ كثيرة قد يملك الشجاعةَ أحيانا فيحدّثُ بها بعض أقرانه، وقد يطوي في كثير من الأحيان عليها قلبَه وعقلَه ويسكتُ رضا بالواقع، وخوفاً مما قد يجرّه عليه ذلك من ألسنة حادة، أو لا يجدُ في نفسه القدرةَ للاستمرار في ذلك البحث والتنقيب.
وبالرّغم من أنّ هذه الأسئلةَ والإشاراتِ ليست جديدةً، حيث ورد بعضُها أو كثيرٌ منها في كتب علماء الحديث المحققين كابن حجر والصنعاني والمُعَلِّمي وغيرِهم، إلاّ أنّ استمرار التدريس بمنهجية محددة من خلال كتب محددة، لم يسمح لهذه الأسئلة أن تبرز وتتبلور في أذهان الكثير من العلماء وطلاب العلم.
ولعلّ ما يحاوله بعضُ إخواننا اليوم من التفكير بصوت مرتفع في هذه المسألة ـ من خلال التأليف أو الكتابة في المجلات المتخصصة ـ هو البداية الصحيحة على هذا الطريق الطويل. وإذا حَسُن الظنُّ بين أهل هذا العلم وأصغى كلّ واحد منا للآخر دون استباقٍ إلى استصدار الأحكام، فسيكون لهذا النقاش أثرٌ كبيرٌ في تجديد وتطوير هذا العلم وإجابةٌ على كثير من الأسئلة التي تدور في رؤوس العلماء وطلاب العلم على حدّ سواء.
ولتجلية هذا الأمر وتوضيحه يحسن بنا أن نوضح أمرين اثنين يشكلّ مجموعهما صلبَ هذا الموضوع، وهما:
١ ـ ما المراد بالمتقدّمين والمتأخرين؟
٢ ـ ما هي الملامح العامة التي يمكن ملاحظتُها للتمييز بين منهج المتقدمين ومنهج المتأخرين، وذكر بعض الأمثلة التي يظهر فيها هذا الاختلاف بين المنهجين؟
المتقدّمون والمتأخرون:
стр. 222
المتقدّمون في اصطلاح علماء الحديث هم الذين عاشوا القرنَ الثالث وجزءاً من القرن الرابع الهجري، وبالرّغم من أنّ الإمام الذهبي حدَّ عصرَهم برأس القرن الثالث (١) ، إلاّ أنّه يمكن أن يكون الحدّ بعدَ ذلك، على اعتبار أنّه لا يمكن وضعُ حدٍّ حقيقي لذلك، ولكن يمكن أن يقال إنّ القرن الرابع جمع في سنواته الأولى بين المتقدّمين والمتأخرين، وكلّما اقتربنا من نهاية القرن الرابع بدأ هؤلاء الأعلام من المتقدّمين في الانقراض. وممّا يدلّ على ذلك أنّ الإمام الذهبي نفسَه أدرج الإسماعيليَ صاحبَ المستخرج على صحيح البخاري، المتوفى سنة ٣٧١هـ ضمن المتقدّمين، فقال: ((صنف (يعني الإسماعيلي) مسندَ عمر ﵁، طالعته وعلقت منه وانبهرت بحفظ هذا الإمام، وجزمت بأن المتأخرين على إياسٍ من أن يلحقوا المتقدمين)) (٢) .
ويكفي أن نحدّد بعضَ أسماء هؤلاء المتقدّمين لنعرف جميعا عن أيّ فحول وجهابذة نتكلّم، وعن أي جبال وعمالقة نتحدّث، إنّهم أمثال شعبةَ ويحيى بنِ سعيد القطان وابنِ مهدي وأحمدَ وابنِ المديني وابنِ معين وابنِ راهويَة والبخاري وأبي زرعة وأبي حاتم والنسائي، وهكذا إلى زمن الدارقطني والخليلي والبيهقي وغيرهم من الجبال الذين حفظ الله بهم السنّة وأعزّ بهم الدين وقمع بهم المنتحلين والمبطلين والغالين.
وأمّا المتأخرون فهم الذين جاؤوا بعد ذلك، أي عندما استقرّت كثير من العلوم في الكتب، وآل الأمرُ إلى الاعتماد عليها، وانتهى عصرُ الرواية، ويمكن أن نذكر منهم: القاضي عياضا، وابنَ تيمية، وابنَ كثير، وعبد الغني، والذهبيَّ، وابنَ الصلاح، وابنَ الحاجب، والنوويَ، وابنَ عبد الهادي، وابنَ القطان الفاسي، وضياءَ الدين المقدسي، وزكيَ الدين المنذري، وشرفَ الدين الدمياطي، وتقيَ الدين السبكي، وابنَ دقيق العيد، والمزي، ثم من جاء بعدهم.
الملامح العامة للمنهجين:
стр. 223
قبل أن أتكلّم عن الملامح العامّة للاختلاف بين المنهجين أوّد أن أشير إلى نقطة في غاية الأهمية وهي أنّ اختلاف المناهج بين المتقدّمين والمتأخرين ليس أمراً خاصا بعلوم الحديث، بل يوجد نظيره في أغلب علوم الشريعة واللغة. أعني ما كان عليه المتقدمون في جميع فنون العلم والمعرفة مقارنة بما استقرّ عليه الأمر عند المتأخرين.
فإنّ البلاغة مثلا عند المتقدمين اختلفت قواعدها عما استقر عليه منهج المتأخرين. هذا ما قال به أهل الاختصاص في هذا الشأن.
إنّ الذي يكاد يجمع عليه الدارسون لعلوم اللغة العربية وفروعها أنّ الدراسات اللغوية الحديثة تختلف اختلافاً بيّناً عن الدراسات اللغوية القديمة في طرائقها ومناهجها وأساليبها في تناول الظواهر اللغوية بالدرس والتحليل.
فبينما كان الأوّلون يجمعون في دراساتهم التأصيلية للغة، وكتاباتهم اللغوية بين الأصول النظرية وتطبيقاتها العملية، نجد أنّ المتأخرين منهم اكتفوا بالجانب التنظيري التقنيني ـ إذا صحّ هذا التعبير ـ وبذلك جاءت كتاباتهم ورسائلهم جافّة، تقنّن للعلم ولاتعلّمه، تنظّر له ولا تغرس حبّه في النفوس.
ولمزيد من الإيضاح نمثّل لذلك بالدرس البلاغي.
فلا يختلف اثنان على أنّ كتب وكتابات البلاغيين المتقدّمين أمثال الجاحظ وقدامة بن جعفر وأبي هلال العسكري وابن رشيق القيرواني وابن سنان الخفاجي وعبد القاهر الجرجاني والزمخشري في التأصيل للبلاغة العربية وفنونها تسمو إلى العلياء وتناطح الجوزاء شكلا ومضمونا، وهي تختلف اختلافا كبيرا عن كتابات المتأخرين أمثال فخر الدين الرازي وأبي يعقوب السكاكي والخطيب القزويني ومن جاء بعدهم.
стр. 224
ومظهر الاختلاف بين المنهجين أنّ كتابات المتقدمين عموما تتسم بالأصالة وجدّة الابتكار وجزالة الألفاظ وقوة العبارات ومتانة السبك وروعة التحليل البياني للظواهر البلاغية. وبعبارة أخرى: كتاباتهم اللغوية الأدبية تعكس المعاني البلاغية التي يسعون إلى التأصيل لها وتعليمها.
بينما غلب على كتابات المتأخرين جانب التقنين والتنظير والتفريع والتفريق بين الأشباه والنظائر، وطغت عليها المصطلحات المستخلصة من كلام السابقين، دونما اهتمام كبير بأصول البلاغة العربية وفنونها في كتاباتهم، فاكتنفها الجمود وأحاط بها الإلغاز، وصارت أشبه ببعض متون الفقه المختصرة يحتاج قارئها إلى مزيد من الشروح والحواشي لفكّ رموزها وإزالة غموضها.
ولا أدلَّ على ذلك من كتابَيْ: نهاية الإيجاز في دراية الإعجاز لفخر الدين الرازي، ومفتاح العلوم لأبي يعقوب السكاكي.
وفي هذا المعنى يقول الدكتور عبد العزيز عتيق الذي أرّخ للبلاغة العربية عبر أطوار نشأتها: ((والسكاكي يجيء وسطاً بين عبد القاهر الذي جمع في البلاغة بين العلم والعمل وأمثاله من البلغاء العاملين، وبين المتكلفين من المتأخرين الذين سلكوا بالبلاغة مسلك العلوم النظرية، وفسّروا اصطلاحاتها كما يفسّرون المفردات اللغوية، ثمّ تنافسوا في الاختصار والإيجاز، حتى صارت كتب البلاغة أشبه بالمعميات والألغاز)) (١) .
ويقول في موضع آخر، متحدّثا عن جفاف الفنّ البلاغي وعكوفه على المصطلحات المستحدثة لدى السكاكي: ((وهو في سبيل استنباط القواعد والقوانين قد استخدم المنطق بأصوله وألفاظه وأسلوبه الجاف الذي لا يحوي أيَّ جمال. ولا عجب في ذلك، فقد كان همّه أن يقنّن البلاغة ويقعّدها كسائر العلوم الأخرى، وهذا أمر يستعان عليه بالمنطق)) (٢) .
стр. 225
هذه صورة من قضية اختلاف المناهج بين المتقدّمين والمتأخرين في جانب آخر من جوانب الدراسات الشرعية واللغوية ذكرته للتأكيد على أنّ هذه المسألة عامّة، وهي واضحة جلية، ولم أرد الاستيعاب أو التفصيل.
ونعود إلى النقطة الأساسية وهي بيان الملامح العامة التي تميّز كلاّ من منهج المتقدمين ومنهج المتأخرين.
بالنسبة للمتقدّمين نستطيع أن نحدّد الملامح العامة لمنهجهم فيما يأتي:
١ ـ النظر الدقيق والتفتيش العميق في أحوال الرواة، وقد ساعدهم على ذلك أمران اثنان:
الأمر الأول: قربهم الزمني من الرواة، حيث لم تكن الأسانيد قد طالت كثيرا كما حدث فيما بعد، مما جعلهم يشهدون شهادة حاضر يرى ويسمع.
وأسوق هذه القصة لبيان قيمة كلام المتقدمين في الرجال:
ذكر الإمام المشهور بقي بن مخلد الأندلسي (٢٠١هـ ـ ٢٧٦هـ) أنّه قدم بغداد من الأندلس في طلب العلم وملاقاة الرجال، فلما دخل بغداد مال إلى المسجد الجامع بها، فإذا هو بيحيى بن معين، جالسا في حلقة من العلم يتكلم في الرجال جرحا وتعديلا، قال: ((فسألته عن بعض من لقيت من أهل الحديث، فبعضا زكى، وبعضا جرّح. فسألته في آخر السؤال عن هشام بن عمار ـ شيخ البخاري ـ، وكنت قد أكثرت من الأخذ منه، فقال: أبو الوليد هشام بن عمار: صاحب صلاة، دمشقي، ثقة وفوق الثقة، لو كان تحت ردائه كبر أو تقلّد كبرا ما ضرّه شيئا لخيره وفضله)) (١) .
فانظر إلى قيمة هذه الشهادة وهذه التزكية، التي تصدر من رجل يعيش مع الرواة ويلاحظ أحوالهم ويعرف كثيرا من أمورهم التي لا يطلع عليها إلا المعاصر، أين هذا ممن يأتي بعد ذلك، فيجتهد في الحكم على الرواة من خلال الأقوال والنقول التي ينقلها من كتب العلماء أو يجتهد في تفسيرها وتأويلها.
الأمر الثاني: الحفظ الوافر والفهم العميق والإحاطة الشاملة التي فاقت كلّ وصف، وكانت مضرب الأمثال.
стр. 226
لقد قالوا عن شعبة: إنّه لو جمع له الرواة كلّهم على صعيد واحد لسمّى كلَّ راو باسمه واسم أبيه ونسبته وما فيه من جرح أو تعديل على وجه الاستيعاب والتفصيل. فكيف يتأتّى ويتسنّى لمن يأتي بعدهم بسنين أو قرون أن يستدرك عليهم في أمر يحتاج إليهم في نقل تفاصيله؟
٢ ـ المقارنة وإمعان النظر ودقّة ملاحظة الأسانيد لتحديد موضع العلّة القادحة وتمييز صحيح الروايات من سقيمها، وتبيّن صدق الراوي من كذبه.
انظر إلى هذه القصة العجيبة لتتبيّن عظمة هؤلاء القوم ومبلغ حرصهم وشدّة ملاحظاتهم ودقّة أنظارهم وكيف أنّهم لم يكونوا يكتفون من الراوي بأحواله الظاهرة:
قال أبو العباس عبد الله بن أحمد بن إبراهيم الدَّوْرَقي: كنا نختلف إلى إبراهيم بن نصر: ابن أبي الليث سنة ست عشرة ومئتين، أنا وأبي: أحمد ويحيى بن معين ومحمد بن نوح وأحمد بن حنبل، في غير مجلس، نسمع منه تفسير الأشجعي ـ عبيد الله بن عبيد الرحمن الكوفي، المتوفى سنة: ٢٣٤هـ ـ، فكان يقرأه علينا من صحيفة كبيرة.
فأوّل من فطن له ـ أي أنّه كذاب ـ أبي، فقال: يا أبا إسحاق، هذه الصحيفة كأنّها أصل الأشجعي؟ قال: نعم، كانت له نسختان فوهب لي نسخة، فسكت أبي.
فلما خرجنا من عنده قال لي أبي: أي بنيّ، ذهب عناؤنا إلى هذا الشيخ باطلا، الأشجعي كان رجلا فقيرا وكان يُوصَل، وقد رأيناه وسمعنا منه، من أين كان يمكنه أن يكون له نسختان؟! فلا تقل شيئا واسكت. فلم يزل أمره مستورا حتى حدّث بحديث أبي الزبير عن جابر في الرؤية، فكذّبه يحيى بن معين، فقال:» كذاب خبيث يسرق حديث الناس، لا حفظه الله)) (١) .
هذه خلاصة القصّة. والمقصود الذي ظهر بعد ذلك أنّ إبراهيم بن أبي الليث لم يسمع من الأشجعي وإنّما عمد إلى نسخته فاشتراها من ورثته، ثمّ صار يحدّث منها، فافتضح.
وأخبارهم في هذا مشهورة وحكاياتهم منشورة.
стр. 227
٣ ـ من أهمّ ما كان يميز منهج المتقدمين أنّهم لم يكونوا يلتزمون قاعدة مطّردة في الحكم على الراوي أو الرواية. بل لهم في ذلك نظرات وأحكام مختلفة لا تنسجم في معظمها مع قواعد المتأخرين، بل تقوم على اعتبار القرائن والأحوال، فلا يحكمون على راو بالتوثيق دائما، ولا على آخر بالضعف في كل الأحوال، وليس لهم قاعدة واحدة عند تعارض الوصل والإرسال، ولا عند تعارض الرفع والوقف، ولا عند حصول الزيادة في الحديث أو النقصان، سواء من الراوي الواحد أو منه ومن غيره، بل كلّ ذلك خاضع للقرائن، فقد يحكمون على زيادة ثقة بالردّ رغم أنّه ليس فيها مخالفة لما رواه غيره. وقد يحكمون عند تعارض الوصل والإرسال لمن وصل، أو لمن أرسل ولو كان ضعيفا إذا دلّت القرائن على صواب فعله.
ومن أجل ذلك كثر في منهجهم الانتقاء، يعمدون إلى حديث الراوي، فيأخذون منه ما غلب على ظنّهم أو ترجّح لديهم أنّه أصاب فيه ولم يخطئ، ويتركون من حديثه ما يرونه لم يضبطه، وهذا كثير في تصرفاتهم.
قال الإمام الحافظ ابن رجب الحنبلي في تقرير هذه المسألة: ((وأما أكثر الحفاظ المتقدمين فإنهم يقولون في الحديث إذا انفرد به واحد وإن لم يرو الثقات خلافه إنه لا يُتابَع عليه، ويجعلون ذلك علة فيه اللهم إلا أن يكون ممن كثر حفظه واشتهرت عدالته وحديثه كالزهري ونحوه، وربما يستنكرون بعض تفردات الثقات الكبار أيضاً ولهم في كل حديث نقد خاص، وليس عندهم لذلك ضابط يضبطه)) (١) .
стр. 228
ولذلك فإنّ الملاحظ أنّ أحكام المتقدمين على الرواة هي أحكام نسبية وليست مطلقة، يعني أنّه إذا قال شعبة بن الحجاج أو غيره في راو إنّه ثقة أو ضعيف فهو ليس حكما مطلقا يُوجِب قبولَ جميع مروياته أو ردَّها، بل يكون هذا الحكم خاصا بحالة معينة أو بشيخ معين أو ظرف خاص أو حديث بعينه، فيضعفون من حديثه ما يرونه أخطأ فيه ولو كان ثقة، ويصححون من حديث الضعيف ما يرونه قد ضبطه. ويبقى سائر حديثه خاضعا للنظر والتدقيق.
ولعلّ هذا يفسّر لنا بجلاء تعارضَ ألفاظ الجرح والتعديل عن الإمام الواحد، كيحيى بن معين مثلا، وكتابه (التاريخ) حافل بهذه الأمثلة.
ولذلك سلك المتأخرون في سبيل إزالة هذا التعارض مسالك عدّة، كان منها أنّ الإمام يقول ذلك بحسب طبيعة السؤال الذي وجّه إليه. فقد يكون السؤال عن الراوي مجردا، فيكون الجواب أنّه ثقة، أو أنّه ضعيف، ولكن إذا كان السؤال عن الراوي بالنسبة لمن هو أعلى منه درجة وأرفع منه منزلة وأوثق منه مرتبة فيكون الجواب أنّه ضعيف. أو يكون السؤال عنه بالنسبة لمن هو دونه في الدرجة فيكون الجواب أنّه ثقة، مع أنّه في حقيقة الأمر دون تلك المرتبة بكثير.
ومن الأمثلة على ذلك ما أورده عثمان بن سعيد الدارمي، فقد سأل يحيى بن معين عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه، فقال يحيى: ليس به بأس. فقال له عثمان: هو أحب إليك أو سعيد المقبري؟ فقال يحيى: ((سعيد أوثق والعلاء ضعيف)) (١) . ولفظ (ليس به بأس) من ألفاظ التوثيق عند ابن معين، كما هو معروف.
قال الإمام اللكنوي بمناسبة كلامه على قول ابن معين في العلاء بن عبد الرحمن: ((وعليه يحمل ـ أي على هذا التأويل الذي ذكرناه سابقاـ أكثر ما ورد من اختلاف أئمة الجرح والتعديل، ممّن وثّق رجلا في وقت، وجرحه في وقت آخر)) (٢) .
стр. 229
أو يكون السؤال عما حدَّث به الراوي في بلد دون آخر، أو ما حدث به عن أهل بلد دون آخر، أو ما حدّث به عن بعض أشياخه دون غيرهم، أو ما حدّث به في وقت دون آخر، أو ما حدّث به من حفظه أو من كتابه، أو فَعَلَ خلال روايته وإسناده ما يبعث الشك في روايته كما لو جمع في الإسناد بين عدد من شيوخه، ففي كلّ هذه الحالات ونحوها يكون الجواب متعلّقا بحدود السؤال، ولذلك يختلف الجواب تبعا لذلك، ولا يكون الحكم عاما بالنسبة للراوي أو بالنسبة لجميع أحاديثه.
وهذه بعض الأمثلة على الحالات التي ذكرناها:
فمن الأولى: ما حدث به الراوي في بلد دون آخر: عبد الرحمن بن أبي الزناد.
قال يعقوب بن شيبة: سمعت علي بن المديني يضعّف ما حدّث به عبد الرحمن بن أبي الزناد بالعراق، ويصحّح ما حدّث به بالمدينة.
ومن الثانية: ما حدث به عن أهل بلد دون آخر: إسماعيل بن عياش الحمصي.
قال محمد بن عثمان بن أبي شيبة: ((ثقة فيما روى عن الشاميين، وأما روايته عن أهل الحجاز فإن كتابه ضاع فخلط في حفظه عنهم)) . وقال مضر بن محمد الأسدي: ((إذا حدث عن الشاميين وذكر الخبر فحديثه مستقيم وإذا حدث عن الحجازيين والعراقيين خَلَطَ ما شئت)) (١) .
ومن الثالثة: ما حدّث به عن بعض أشياخه دون غيرهم: جعفر بن بُرقان الكلابي مولاهم، أبو عبد الله، الجزري.
قال الإمام أحمد:)) يؤخذ من حديثه ما كان عن غير الزهري، فأما عن الزهري فلا)) (٢) .
ومن الرابعة: ما حدّث به في وقت دون آخر: ويتعلّق الأمر هنا بالرواة الذين خَلَّطوا في حديثهم، فكلّ راو له أحاديث سمعها قبل الاختلاط وأخرى بعد اختلاطه، وقد يعرف زمن الاختلاط وقد لا يعرف، فيميّز العلماء المحدّثون بين ما سمعه قبل الاختلاط وما سمعه بعد الاختلاط، فلا يروون عنه إلا ما ثبت عندهم أنّه سمعه قبل اختلاطه.
стр. 230
ومن هذا ما قاله الإمام أحمد في شيخه الإمام عبد الرزاق الصنعاني الذي قطع المفاوز وفارق الديار وتحمّل المشاق من أجل السماع عنه في صنعاء اليمن، ولكنه مع ذلك لم يكن حاطبَ ليل في حديثه عنه، بل كان يميّز بين أحاديثه، ويغربلها، ويصدر فيها أحكامه الدقيقة. قال عنه بصدد الحديث عن قيمة أحاديثه في آخر عمره:)) عبد الرزاق لا يُعبأ بحديث من سمع منه وقد ذهب بصره، كان يُلقّن أحاديث باطلة، وقد حدّث عن الزهري أحاديث كتبناها من أصل كتابه وهو ينظر جاءوا بخلافها ((.
بل لقد حدّد الإمام أحمد سنة المائتين حدا للتمييز بين أحاديثه التي تقبل والتي لا تقبل، فمن سمع منه بعد المائتين فحديثه ضعيف.
ومن الخامسة: ما حدّث به من حفظه أو من كتابه: سويد بن سعيد الحَدَثاني.
قال أبو زرعة:)) أما كتبه فصحاح، كنت أتتبع أصوله وأكتب منها، فأما إذا حدّث من حفظه فلا ((.
فانظر إلى هذه الدقة العجيبة من هؤلاء الأعلام. وهذه المسألة لا يمكن إدراكها إلا ممن يعيش مع الراوي ويتلقى عنه ويحدد الطريقة التي حدّث بها، هل كان ذلك من حفظه أو من كتابه، وهذا أمر لا يتيسّر أبدا للمتأخرين، فضلا عن أن ينال منه شيئا من جاء بعدهم بقرون وقرون.
ومن السادسة: أن يفعل خلال روايته وإسناده ما يبعث الشك في روايته: ومن ذلك ما ذكره أبو يعلى الخليلي، قال: ((ذاكرت يوما بعض الحفاظ فقلت: البخاري لم يُخَرِّج عن حماد بن سلمة في الصحيح وهو زاهد ثقة. فقال: لأنه جمع بين جماعة من أصحاب أنس، فيقول: حدثنا قتادة وثابت وعبد العزيز بن صهيب، وربما يخالف في بعض ذلك. فقلت: أليس ابنُ وهب اتفقوا عليه وهو يجمع بين أسانيد، فيقول حدثنا مالك وعمرو بن الحارث والليث بن سعد والأوزاعي بأحاديث ويجمع بين جماعة غيرهم؟. فقال: ابن وهب أتقن لما يرويه وأحفظ له (١) ((.
стр. 231
قال ابن رجب بعد أن أورد هذه الرواية: ((ومعنى هذا أن الرجل إذا جمع بين حديث جماعة وساق الحديث سياقة واحدة فالظاهر أن لفظهم لم يتفق، فلم يقبل هذا الجمع إلا من حافظ متقن لحديثه يعرف اتفاق شيوخه واختلافهم، كما كان الزهري يجمع بين شيوخ له في حديث الإفك وغيره)) (١) .
فالاعتبار في الحكم على الراوي عند المتقدمين من خلال هذه الأمثلة وغيرها تابع للقرائن والأحوال.
قال الإمام ابن كثير ـ وهو من المتأخرين ـ يتكلّم عن منهج المتكلمين في باب الجرح والتعديل: ((والواقف على عبارات القوم يفهم مقاصدهم بما عرف من عباراتهم في غالب الأحوال، وبقرائن ترشد إلى ذلك)) (٢) .
وهذا في الحقيقة تأكيد واضح على الفرق بين المتقدمين والمتأخرين، ليس فقط من الناحية النظرية، وإنّما أيضا من الناحية التطبيقية، حيث لم يعد في مقدور المتأخرين أن يحيطوا بأحوال الرواة، بعد أن آل الأمر إلى النظر في الكتب وتعذّر الاطلاع على العلل الخفية التي لا تدرك غالبا إلاّ بالملاحظة الميدانية والفحص الدقيق والنظر الثاقب والتجربة الطويلة.
هذه باختصار أهمّ مرتكزات منهجهم وملامحه العامة، وأما ما ورد عنهم من اختلاف أو تباين فقد كان ضمن هذا المنهج وفي إطار تطبيق مفرداته.
ثناء المتأخرين على منهج المتقدمين:
وهذا الذي نقوله عن منهج المتقدمين هو الذي سطره المتأخرون واعترفوا به وأبانوا عن عجزهم في اللحاق بهؤلاء، وأوضحوا أنّ منهجهم لم يعد يشبه منهج المتقدمين. ورحم الله الإمام عبد الله بن المبارك، فقد كان إذا ذكر أخلاق من سلف أنشد:
لا تعرضن لذكرنا مع ذكرهم ليس الصحيح إذا مشى كالمُقْعَد
стр. 232
ومن هذا الاعتراف ما قاله الإمام ابن رجب الحنبلي وهو يشير إلى فضل هؤلاء المتقدّمين: ((وكذا الكلام في العلل والتواريخ قد دونه أئمة الحفاظ وقد هُجِر في هذا الزمان ودَرَس حفظُه وفهمه. فلولا التصانيف المتقدمة فيه لما عُرف هذا العلم اليوم بالكلية، ففي التصنيف فيه ونقل كلام الأئمة المتقدمين مصلحةٌ عظيمة جدا، وقد كان السلف الصالح مع سعة حفظهم وكثرة الحفظ في زمانهم يأمرون بالكتابة للحفظ، فكيف بزماننا هذا الذي هجرت فيه علوم سلف الأمة وأئمتها ولم يبق منها إلا ما كان مُدَوَّناً في الكتب لتشاغل أهل الزمان بمدارسة الآراء وحفظها)) (١) .
ومن ذلك ما قاله الإمام الذهبي (ت ٧٤٨هـ) : ((وهذا في زماننا ـ لاحظ: زمان الذهبي الذي هو القرن السابع ـ يعْسُر نقدُه على المحدث، فإن أولئك الأئمة، كالبخاري وأبي حاتم وأبي داود عاينوا الأصول وعرفوا عللها، وأما نحن فطالت علينا الأسانيد وفُقدت العبارات المتيقَّنة، وبمثل هذا ونحوه دخل الدَّخَلُ على الحاكم في تصرفه في المستدرك)) (٢) .
ومنه ما قاله الإمام ابن كثير: ((أما كلام هؤلاء الأئمة المنتصبين لهذا الشأن (أي في جرح الرواة) فينبغي أن يؤخذ مسلما من غير ذكر أسباب، وذلك للعلم بمعرفتهم، واطلاعهم، واضطلاعهم في هذا الشأن، واتصافهم بالإنصاف والديانة، والخبرة والنصح، لا سيما إذا أطبقوا على تضعيف الرجل أو كونه متروكاً أو كذاباً أو نحو ذلك فالمحدث الماهر لايتخالجه في مثل هذا وقفةٌ في مواقفهم، لصدقهم وأمانتهم ونصحهم)) (٣) .
стр. 233
ومنه ما قاله الحافظ ابن حجر: ((وبهذا التقرير يتبين عِظَمُ موقع كلام الأئمة المتقدمين، وشدةُ فحصهم، وقوةُ بحثهم، وصحةُ نظرهم، وتقدمُهم بما يوجب المصيرَ إلى تقليدهم في ذلك، والتسليمَ لهم فيه)) (١) .
ومن ذلك ما قاله السخاوي: ((ولذا كان الحكم من المتأخرين عسراً جداً، وللنظر فيه مجال، بخلاف الأئمة المتقدمين الذين منحهم الله التبحر في علم الحديث والتوسع في حفظه كشعبة والقطان وابن مهدي ونحوهم وأصحابِهم مثل أحمد وابن المديني وابن معين وابن راهويه وطائفة، ثم أصحابِهم مثل البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي، وهكذا إلى زمن الدارقطني والبيهقي ولم يجئ بعدهم مساوٍ لهم ولا مقاربٌ. أفاده العلائي، وقال: فمتى وجدنا في كلام أحد المتقدمين الحكم به كان معتمداً لما أعطاهم الله من الحفظ الغزير وإن اختلَف النقل عنهم عُدِل إلى الترجيح)) (٢) اهـ.
стр. 234
وقال العلامة محمد أنور شاه الكشميري في كتابه فيض الباري: ((لِيُعلَم أن تحسين المتأخرين، وتصحيحَهم، لا يوازي تحسينَ المتقدمين فإنهم كانوا أعرفَ بحال الرواة لقرب عهدهم بهم، فكانوا يحكمون ما يحكمون به، بعد تثبت تام، ومعرفة جزئية. أما المتأخرون فليس عندهم من أمرهم غيرُ الأثر بعد العين، فلا يحكمون إلا بعد مطالعة أحوالهم في الأوراق، وأنت تعلم أنه كم مِن فرقٍ بين المجرِّب والحكيم، وما يغني السواد الذي في البياض عند المتأخرين، عما عند المتقدمين من العلم على أحوالهم كالعيان، فإنهم أدركوا الرواة بأنفسهم، فاستغنوا عن التساؤل، والأخذ عن أفواه الناس، فهؤلاء أعرف الناس، فبهم العِبرة، وحينئذ إن وجدتَ النوويَّ مثلا يتكلم في حديث، والترمذيَّ يحسِّنُه، فعليك بما ذهب إليه الترمذي، ولم يُحسن الحافظ في عدم قبول تحسين الترمذي، فإن مبناه على القواعد لا غير، وحكم الترمذي يبنى على الذوق والوُجدان الصحيح، وإنَّ هذا هو العلم، وإنما الضوابط عصا الأعمى)) (١) .
стр. 235
ويحسن بنا أن نطرّز هذه المعاني التي ذكرناها بهذه المقولة الجامعة للإمام أبي الوليد الباجي الأندلسي المشهور، يقول ﵀ في تأكيد هذه الحقائق السابقة وبيان ما كان عليه المتقدّمون من النظر الدقيق والفحص الخاص واختلاف العبارات في الحكم على الرواة: ((واعلم أنّه قد يقول المعدِّل: فلان ثقة، ولا يريد به أنّه ممّن يحتجّ بحديثه. ويقول: فلان لا بأس به، ويريد أنّه يحتجّ بحديثه، وإنّما ذلك على حسب ما هو فيه، ووجه السؤال له. فقد يسأل عن الرجل الفاضل في دينه، المتوسّط في حديثه، فيقرن بالضعفاء، فيقال: ما تقول في فلان وفلان؟ فيقول: فلان ثقة، يريد أنّه ليس من نمط من قُرِن به، وأنّه ثقة بالإضافة إلى غيره. وقد يسأل عنه على غير هذا الوجه فيقول: لا بأس به، فإذا قيل: أهو ثقة؟ قال: الثقة غير هذا ... فهذا كلّه يدلّ على أنّ ألفاظهم في ذلك تصدر على حسب السؤال، وتختلف بحسب ذلك، وتكون بحسب إضافة المسؤول عنهم بعضهم إلى بعض. وقد يحكم بالجَرْحَة على الرجل بمعنى لو وجد في غيره لم يجرّح به لما شُهِر من فضله وعلمه وأنّ حاله يحتمل مِثلَ ذلك ... فعلى هذا يَحمِل ألفاظَ الجرح والتعديل مَنْ فَهِم أقوالَهم وأغراضَهم، ولا يكون ذلك إلا لمَن كان مِنْ أهل الصناعة والعلم بهذا الشأن. وأما من لم يعلم ذلك، وليس عنده من أحوال المحدّثين إلا ما يأخذه من ألفاظ أهل الجرح والتعديل ـ للتذكير فإنّ الباجي ولد سنة ٤٠٣هـ، وتوفي سنة ٤٧٤هـ، فما عسانا نحن أن نقول!!؟ ـ فإنّه لا يمكنه تنزيلُ الألفاظ هذا التنزيلَ، ولا اعتبارُها بشيء مما ذكرنا، وإنّما يتَّبِع في ذلك ظاهرَ ألفاظهم فيما وقع الاتفاق عليه، ويقف عند اختلافهم، واختلاف عباراتهم)) (١) .
стр. 236
فها أنت ترى إلى كلام هؤلاء الأعلام كيف يؤكدون ضرورة الوقوف عند كلام المتقدمين وفهمه وعدم تجاوزه أو محاكمته إلى قواعد من جاؤوا بعدهم، وأنّ المتأخرين مهما بلغوا من العلم فلن ينهض علمهم لرد ما قرّره المتقدمون، خاصة فيما يتعلق بأحوال الرواة وما يطرأ على أحاديثهم من العلل الخفية.
وهؤلاء الأئمة المتقدمون هم الذين كانوا في زمن لم تكن قد دوّنت فيه القواعد والمصطلحات بالصورة التي هي عليها اليوم، ولكنَّ هؤلاء الأعلامَ كانت لهم قواعدهم ومصطلحاتهم التي يعرفونها ويطبقونها على الروايات والرواة.
الملامح العامة لمنهج المتأخرين:
نأتي الآن إلى المتأخرين وبيان بعض ما يميّز منهجهم:
جاء المتأخرون فورثوا عن المتقدّمين علما غزيرا وأقوالا كثيرة في الرواة والروايات، وكان لابدّ من وضع قواعد تحكم هذه الأقوال الكثيرة، وكان عملهم اجتهاديا محضا، لذلك كان من الطبيعي أن يقع بينهم الخلاف في تفسير كلام المتقدّمين أو فهمه، ثمّ في القواعد التي وضعوها لضبطه، ومن هنا بدأ التحوّل الكبير.
فإذا تذكرنا ما سطّرناه سابقا ونقلناه عن علماء هذا الشأن من أنّ أقوال المتقدّمين كان أكثرها نسبيا يدور مع القرائن والأحوال، فإنّه يصبح من الصعوبة وضع تعاريف جامعة مانعة وضوابط محددة لذلك، وقد أدى هذا كلّه إلى محاكمة أقوال المتقدّمين إلى قواعد المتأخرين، وبالتالي تصويبها أو تخطئتها، بناء على انسجامها مع هذه القواعد أو مخالفتها لها.
١ ـ فمن الأمثلة القريبة التي يمكن ذكرها في ذلك: القاعدة التي اشتهرت عند المتأخرين وهي أنّ زيادة الثقة مقبولة بشرط عدم الشذوذ، وهذه القاعدة طردها المتأخرون ـ والمعاصرون أيضا ـ في جميع الرواة. فإذا عثروا على تضعيف من المتقدّمين لراو بسبب تفرّده ـ والحال أنّه لم يخالف ـ لم يجدوا بدّا من توهين هذا القول، وردِّ الأمر إلى القاعدة التي وضعوها، وهي أنّ زيادة الراوي الثقة مقبولة، ولا يضرّه تفرّده.
стр. 237
وبسبب هذا نشأ عند المتأخرين جملة من الآراء المخالفة بسبب محاكمة أقوال المتقدّمين إلى قواعد المتأخرين، فصرنا نجد البعض يصحّح ما تكلّم فيه المتقدّمون، بل فيها ما صرّحوا ببطلانه أصلا.
وإذا تمعنّا في هذا الأمر جيدا، فإنّ المسألة عند ذلك لاتصبح مجرّد قضية اختلاف في الاجتهاد في تطبيق قواعد معلومة عند الجميع، وإنّما يصبح الأمر في الحقيقة اختلافا في المنهج، فعندما يعرض المتأخر لحديث تكلّم فيه المتقدّمون بسبب أنّ راويه الثقة تفرّد به ولم يروه غيره، مع أنّه لا مخالفة فيه لما روى غيره من الثقات، فهنا يبادر المتأخر إلى تطبيق قاعدته: هذا ثقة لا يضرّ تفرّده، وتكون النتيجة أن يردّ قول المتقدّمين ويقرّر صحّة الحديث، فإنّ في هذا إغفالا لمنهج المتقدمين الذين تقرّر أنّهم لا يحكمون على راو بحكم واحد في جميع أحاديثه، فقد يقبلون تفرّده ـ ولو خالف ـ وقد يعتبرون تفرّده علّة يردّون بها حديثه هذا دون غيره من الأحاديث.
إنّ تفرّد الراوي عند المتقدمين يعتبر شبهة: أن يكون الراوي قد أخطأ في حديثه رغم كونه ثقة، وهنا يتجلى الخلاف المنهجي بين المتقدّمين والمتأخرين. فالمتقدّمون ينظرون عند الحكم على حديث إلى نفس الحديث لا إلى راويه. فإذا ظهر لهم من خلال قرائن معيّنة أنّ الراوي أخطأ في هذا الحديث أو قامت عندهم شبهة قوية في ذلك ردّوا حديثه هذا، بغض النظر عن كون الراوي ثقة أو غير ثقة.
أمّا المتأخرون فإنّهم تبعا لقواعدهم التي وضعوها وألفاظ الجرح والتعديل التي قعّدوها لا ينظرون إلى الحديث، بل إلى راويه، فإذا ثبت عندهم أنّه ثقة، لم يضرّه بعد ذلك ما يتفرّد به من الأحاديث، إذا سلمت من المخالفة.
стр. 238
وقد نبّه الإمام ابن تيمية ﵀ إلى هذا الأمر، وبيّن خطره على السنة. فقد ذكر أن بعض المتأخرين عمدوا إلى أحاديث هي خطأ عند بعض الأئمّة المتقدمين فصححها هؤلاء المتأخرون ثم عارضوا بها النصوص الثابتة فاحتاجوا إلى الجمع بينها فجاؤوا بأوجهٍ مستنكرة في الجمع بين هذه النصوص.
٢ ـ ومن الأمثلة على هذا أيضا ما عقده المتأخرون في أبواب المتابعات والشواهد. فإنّ القاعدة عندهم أنّ تعدّد الطرق ينفع في تقوية الحديث الضعيف، ولم يشترطوا في ذلك إلاّ التفريق بين الضعف الشديد والخفيف، والشديد عندهم ما كان سببه فسق الراوي أو كذبه أو اتهامه بالكذب، فهذا لا ينفع معه تعدّد الطرق. أما الضعف الخفيف الذي يكون ناشئا من سوء حفظ الراوي أو وَهَمِه أو غفلته أو اختلاطه أو انقطاع إسناد الحديث، فهذا النوع من الضعف ونحوه يزول بتعدّد الطرق، ويرتفع الحديث إلى درجة الاحتجاج.
وقد كنت أثناء تدريسي مادة مصطلح الحديث للطلاب أقف عند هذه النقطة طويلا، وتنتابني حيرة لا أستطيع إخفاءها عنهم، ثمّ أخلص معهم إلى أنّ الذي يحصل به الاطمئنان في هذه المسألة ـ احتراما لقواعد المتأخرين ـ هو ألا نكتفي في تقوية الحديث بطريقين أو ثلاث، وإنّما لا بدّ أن تكثر طرق الحديث كثرة بالغة تورث الظنّ الغالب بقوّة الحديث، إذ ليس من المقبول والمعقول أن يستدلّ في تقرير مسألة من مسائل العقيدة أو حكم من أحكام الشريعة بحديث له طريقان أو ثلاث لا تسلم جميعا من الضعف الخفيف، لا سيما إذا كان لم يرد عن المتقدّمين ما يفيد تصحيحه، وأولى من ذلك إذا ورد عنهم ما يقتضي الطعن فيه.
ثم اقتنعت بعد ذلك أنّ كثرة الطرق أو قلّتها ليست هي المدار في ذلك، وإنّما المدار هو القرائن والأحوال التي تحتفّ بهذا الحديث فتقتضي تقويته بهذه الطرق، أو تقتضي أن تكون هذه الطرق سببا في توهين الحديث أكثر إذا كشفت عن علل أخرى في الحديث، أو كانت في النهاية ترجع إلى طريق واحد.
стр. 239
ومن هنا يتبيّن خطأ من يعمد إلى الحكم على ضعف حديث بناء على كونه جاء من طريق واحد، فإنّ للعلماء في ذلك مناهج، ولهم نظرات تقتضي تحسين الحديث ـ ولو جاء من طريق واحد ـ إذا دلّت جملة من القرائن على ضبط راويه، أو عضّده من النصوص العامّة ما يوجب قبوله والاحتجاج به.
٣ ـ ومن الأمثلة على ذلك أيضا أنّ بعض المصطلحات التي تواضع عليها المتأخرون وجعلوها تدلّ على معنى معيّن محدّد لم تكن كذلك عند المتقدّمين، بل كانت أوسع وأشمل.
فمن ذلك مثلا مصطلح الثقة الذي استقرّ عند المتأخرين على توثيق الراوي، كان يرد عند المتقدّمين مقرونا بما يدلّ على الضعف أو الضعف الشديد.
فمن ذلك ما قاله يعقوب بن شيبة في جملة من الرواة، منهم مثلا: عبد الرحمن بن زياد بن أنعُم، فقد قال فيه: ((ضعيف الحديث وهو ثقة صدوق رجل صالح)) (١) . ومنهم أيضا: الربيع بن صبيح، قال فيه: ((صالح صدوق ثقة ضعيف جدا)) (٢) . وأمثلة أخرى مذكورة في مظانها.
وهذا يدلّ على أنّ لفظ الثقة لم يكن اصطلاحا يراد به دائما ما استقرّ عليه معنى الثقة عند المتأخرين، بل هو يستعمل عندهم استعمالا واسعا، وقد يراد به جانب الصلاح في الراوي دون المعنى المستقر في اصطلاح المتأخرين.
وقد ذكر الإمام المحقق المعلّمي اليماني جملة من الرواة الذين جمع أهل الجرح والتعديل من المتقدّمين في حقّهم بين لفظ الثقة ولفظ من ألفاظ الجرح على نسق واحد وفي جملة واحدة (٣) .
ومن هنا يظهر ما يمكن أن يقع من الخطأ في تحميل ألفاظ المتقدّمين ما لا تحتمل عندما نحاكمها إلى قواعد المصطلح عند المتأخرين، فيجب عند ذلك النظر في القرائن والأحوال، وعدم الاكتفاء بنقل آراء المتقدّمين بعيدا عن الجوّ الذي قيلت فيه والمعاني التي أريدت بها.
стр. 240
٤ ـ ومن أمثلة ذلك أيضا القاعدة التي ذكرها المتأخرون في الراوي المجهول، وهي أنّه لا يخرجه عن حدّ الجهالة إلاّ أن يروي عنه اثنان فصاعدا.
فقد وجد في تصرفات المتقدمين وكلامهم ما لا ينضبط بهذه القاعدة.
فقد أورد ابن أبي حاتم، قال: سألت أبي عن رواية الثقات عن رجل غير ثقة: مما يقوّيه؟ ـ يعني: هل هذا يقوّيه ـ. قال: ((إذا كان معروفا بالضعف لم تقوّه روايته عنه، وإذا كان مجهولا نفعه رواية الثقة عنه)) .
وقريب من هذا المعنى ما نقله ابن رجب عن يعقوب بن شيبة، قال: قلت ليحيى بن معين: متى يكون الرجل معروفا، إذا روى عنه كم؟. قال: إذا روى عن الرجل مثل ابن سيرين والشعبي. وهؤلاء أهل العلم، فهو غير مجهول. قلت: فإذا روى عن الرجل مثل سماك بن حرب وأبي إسحاق؟. قال: هؤلاء يروون عن مجهولين.
ثمّ علّق ابن رجب على هذا بقوله: ((وهذا تفصيل حسن، وهو يخالف إطلاق محمد بن يحيى الذهلي الذي تبعه عليه المتأخرون: أنّه لا يخرج الرجل من الجهالة إلاّ برواية رجلين فصاعدا عنه)) (١) .
٥ ـ ومن ذلك ما قاله الخطيب البغدادي عن منهج المتقدمين في اعتبار الضابط الذي يقدح في مروءة الراوي ويصير بذلك مجروحا مردود الرواية. قال: ((والذي عندنا في هذا الباب ردُّ خبرِ فاعلي المباحات إلى العالم والعمل في ذلك بما يقوى في نفسه. فإن غلب على ظنه من أفعال مرتكب المباح المسقط للمروءة أنه مطبوع على فعل ذلك والتساهل به، مع كونه ممن لا يحمل نفسه على الكذب في خبره وشهادته بل يرى إعظام ذلك وتحريمه والتنزه عنه قَبِل خبرَه. وإن ضعفت هذه الحال في نفس العالِم واتهمه عندها وجب عليه تركُ العمل بخبره وردُّ شهادته)) (٢) .
стр. 241
فهذا يدلّ على اعتبار قوة الفعل الموجب لسقوط المروءة، فمتى نشأ في نفس العالم أنّ هذا الفعل عارض وليس أصيلا في الراوي قَبِل حديثَه. وإن قوي في نفسه عكسُ ذلك حكم بترك حديثه وردّ روايتَه، تبعا للقرائن والأحوال في ذلك.
٦ ـ ومن ذلك أيضا مسألةُ أخذ الأجرة على العلم، فقد وقع فيها الخلافُ بين المتقدمين، وطريقُ الجمع بين أقوالهم هو ما ذكرناه سابقا، والله أعلم.
ولذلك قال الخطيب في هذه المسألة: ((إنما منعوا من ذلك تنزيها للراوي عن سوء الظن به؛ لأن بعض من كان يأخذ الأجر على الرواية عثر على تزيده وادعائه ما لم يسمع لأجل ما كان يُعطى)) (١) .
٧ ـ ومن ذلك أيضا الروايةُ عن أهل البدع، فقد اختلفت عبارات المتقدمين في ذلك، وقد تجلّى ذلك في أمرين اثنين:
أـ في تحديد المبتدع وطبيعة البدعة.
ب ـ في طريقة التعامل مع روايات المبتدعة.
فإذا استصحبنا قول الحافظ ابن حجر عن التشيع مثلا عند المتقدمين: ((التشيع في عرف المتقدمين هو اعتقاد تفضيل علي على عثمان وأن عليا كان مصيبا في حروبه وأن مخالفه مخطئ مع تقديم الشيخين وتفضيلهما، وربما اعتقد بعضهم أن عليا أفضل الخلق بعد رسول الله ﷺ ، وإذا كان معتقد ذلك ورعا دينا صادقا مجتهدا فلا ترد روايته بهذا، لا سيما إن كان غير داعية، وأما التشيع في عرف المتأخرين فهو الرفض المحض، فلا تقبل رواية الرافضي الغالي ولا كرامة)) (٢) .
فالتشيع على هذا فيه مجال للاجتهاد وإعمال الرأي، سواء في طبيعة البدعة وحقيقتها، أو في صحّتها وثبوتها في راو من الرواة، فإذا كان الأمر كذلك، وكان الراوي مع ذلك ورعا ديّنا، صادقا، مجتهدا، فما المانع من قبول روايته والاحتجاج بحديثه؟
стр. 242
وأمّا من زاد على ذلك، كمن يتكلّم في عثمان وطلحة والزبير وعائشة وغيرهم من أفاضل الصحابة، ويطعن فيهم ويسبّهم، فهذا هو الذي لا يقبل المتقدّمون حديثه غالباً، وهؤلاء هم الرافضة الذين ورد عن الإمام الشافعي أنّه لا تقبل شهادتهم.
وعلى هذا، فالعبرة عند المتقدمين في باب الرواية عن أهل البدع هو اعتبارُ أحوالهم في قوة الدين وظهور الصدق، ولذلك لم يترددوا في قبول رواية الدعاة من الخوارج، وهذا البخاري قد أخرج لعمران بن حطان ثلاثة أحاديث في صحيحه، بعضها في الأصول، رغم أنّه كان داعية إلى بدعته، بل كان رأساً من رؤوس الخوارج.
قال الشيخ أحمد شاكر ﵀: ((العبرة في الرواية بصدق الراوي وأمانته والثقة بدينه وخلقه، كما أنّ المتتبع لأحوال الرواة يرى كثيرا من أهل البدع موضعا للثقة والاطمئنان، وإن رووا ما يوافق رأيهم، ويرى كثيرا منهم لا يُوثَق بأيّ شيء يرويه)) (١) .
وحتى هذا الصدق وهذه الأمانة لا يكونان مبرِّراً لقبول روايته مطلقا، وإنّما يضاف إلى ذلك عند بعضهم إذا كان ما عنده من الحديث ممّا تشتدّ الحاجة إلى أخذه ومعرفته. ولذلك نقل الذهبي عن بعض العلماء أنّ المبتدع الداعية إذا كان صادقا، وعنده سنّة تفرّد بها، فإنّه لا يسوغ ترك تلك السنّة (٢) .
فأنت ترى في النهاية أنّ الاعتبار يعود إلى ملاحظة جملة القرائن والأحوال في الراوي والرواية، ومن هنا فإنّنا قد لا نعدّ ما ورد عن المتقدّمين من الأقوال المتباينة اختلافا في القواعد، وإنّما هو في غالبه اختلاف في التطبيق بحسب ما يترجّح من خلال القرائن والملاحظات، ومبلغ علم كلّ واحد منهم بأحوال الرواية والرواة.
стр. 243
قال الشيخ محمد بن محمد أبو شهبة ﵀: ((إذا وجدنا بعض الأئمّة الكبار من أمثال البخاري ومسلم لم يتقيّد فيمن أخرج لهم في كتابه ببعض القواعد، فذلك لاعتبارات ظهرت لهم رجّحت جانبَ الصدق على الكذب والبراءةَ على التهمة. وإذا تعارض كلامُ الناقد وكلامُ صاحبي الصحيحين فيمن أخرج لهم الشيخان من أهل البدع، قُدّم كلامُهما واعتبارُهما للراوي على كلام غيرهما، لأنّهما أعرفُ بالرجال من غيرهما)) (١) .
٨ ـ وبقيت أمور كثيرة، نختم بأمرين اثنين يتعلّقان بالحديث المدلّس:
الأوّل: في تعريف المدلّس.
والثاني: في القاعدة التي وضعها المتأخرون لقبول حديث المدلّس أو عدم قبوله.
فأمّا عن الأمر الأول: فقد ورد في عبارة الإمام الشافعي تعريف المدلّس بأنّه أن: ((يحدّث عمّن لقي ما لم يسمع منه)) (٢) .
هذه هي عبارة الشافعي التي نقلت عنه في تعريف التدليس، وهي تحتمل ألاّ تكون تعريفاً شاملاً للتدليس، وإنّما غاية ما فيها أنّها نصّ منه على أخفى نوعي التدليس الذي هو رواية الراوي عمن لقيه وسمع منه ما لم يسمع منه، على ما هو أقلّ خفاء وأكثر ظهورا وهو رواية الراوي عمن ثبت أنّه عاصره ولم يلتق به.
وهذه العبارة هي التي فهم منها الحافظ ابن حجر أنّ الشافعي يشترط اللقاء في التدليس، وأخذ من ذلك ما ذهب إليه من التفريق بين التدليس والمرسل الخفي، فجعل التدليس مخصوصا باللقاء، وجعل رواية الراوي عمن عاصره ولم يلقه من المرسل الخفي، بينما المنقول عن جميع المتقدمين وكلّ من سبق الحافظ ابن حجر يجعل ذلك كلّه ضمن مسمّى التدليس.
فابتداءً من الخطيب ومروراً بابن الصلاح والعراقي وغيرهما لا نكاد نجد خلافاً في أنّ التدليس هو رواية الراوي عن شيخه الذي سمع منه ما لم يسمع منه، ورواية الراوي عمن عاصره ولم يلقه.
стр. 244
أمّا ما سمّاه ابن حجر بالمرسل الخفي، فقد ورد ذكره عند هؤلاء الأئمّة ولكنهم لا يعنون به أبدا هذا المعنى، وإنّما يريدون به كلّ انقطاع حصل في الإسناد وخَفِيَ بحيث لا يعرفه ولا يدركه إلاّ الحذاق الجهابذة المتمرسون في هذا الشأن، وهو الأمر الذي دعا ابنَ الصلاح وغيرَه إلى إفراده لبيان أهميته ولزوم الاهتمام به، لا على أنّه قسيم للتدليس أو نوع مستقلّ من أنواع علوم الحديث.
قال الحافظ العراقي في توضيح المراد بالمرسل الخفي: ((ليس المراد هنا بالإرسال ما سقط منه الصحابي، كما هو المشهور في حدّ المرسل، وإنّما المراد هنا مطلق الانقطاع، ثمّ الإرسال على نوعين: ظاهر وخفي. فالظاهر: هو أن يروي عمن لم يعاصره، بحيث لا يشتبه إرساله باتصاله على أهل الحديث.... والخفي هو أن يروي عمن سمع منه ما لم يسمعه منه، أو عمن لقيه ولم يسمع منه، أو عمن عاصره ولم يلقه، فهذا قد يخفى على كثير من أهل الحديث، لكونهما قد جمعهما عصر واحد، وهذا النوع أشبه بروايات المدلسين، وقد أفرده ابن الصلاح بالذكر عن نوع المرسل، فتبعته على ذلك)) (١) .
وما نقله ابن حجر عن البزار في تعريفه للتدليس يعانق المعنى المفهوم من تعريف الشافعي، حيث قال: ((أن يروي عمن قد سمع منه ما لم يسمع منه، من غير أن يذكر أنّه سمعه منه)) (٢) . حيث فهم منه ابن حجر أن البزار يحصر معنى التدليس في هذه الصورة التي حصل فيها اللقاء بين الراوي المدلّس وشيخه الذي دلّس عنه.
وهذا يجرّنا إلى ملاحظة أخرى في هذا المقام، وهي أنّ بعض تعاريف العلماء أصبحت مثل النصوص الشرعية بحيث يمكن أن يكون لها منطوق ومفهوم، ومنها هذا التعريف، فمنطوقه هو المذكور، ومفهومه أن غير هذه الصورة المذكورة لا يسمّى تدليسا.
стр. 245
ولو سلّمنا بهذا فإنّ تعريفا آخر للبزار يمكن أن يكون له مفهوم يخالف ما ذهب إليه ابن حجر من التفريق بين التدليس والإرسال الخفي، فقد قال البزار أيضا:» إنّ الشخص إذا روى عمن لم يدركه بلفظ موهم، فإنّ ذلك ليس بتدليس، على الصحيح المشهور)) (١) .
فإنّ هذا الكلام ـ بمفهومه ـ إن صحّ أن يكون له مفهوم ـ أنّ الشخص إذا روى عمن أدركه فإنّ ذلك يعتبر تدليسا، فيدخل فيه عندئذ صورتا التدليس الأولى والثانية.
وهذا المفهوم هو الصحيح لا لأنّه مفهوم، بل لأنّ منهج المتقدّمين وكثير من المتأخرين ـ قبل وبعد الحافظ ابن حجر ـ وألفاظهم كلّها تدلّ عليه.
ولذلك انتقد الحافظ العراقي تعريف البزار المذكور بأنّه تقييد للتدليس، وتضييق للصور التي يشملها بما يخالف المتعارف عليه عند المحدّثين.
وقال ـ بعد أن بيّن خطأ هذا الفهم ـ: ((وما ذكره المصنّف ـ يعني ابن الصلاح ـ في حدّ التدليس هو المشهور بين أهل الحديث، وإنّما ذكرت قول البزار وابن القطان كيلا يغترّ بهما من وقف عليهما، فيظنّ موافقة أهل الشأن لذلك)) (٢) .
وليس المقامُ هنا مقامَ تفصيل لهذه المسألة، ولكن المقصود الإشارة العابرة التي تستدعي بعد ذلك الرجوع إلى كلام العلماء في كتبهم ودراسته (٣) .
стр. 246
الأمر الثاني المتعلّق بمبحث التدليس: فإنّ القاعدة التي اشتهرت عند المتأخرين وتواضعوا عليها هي أنّ حديث المدلّس يقبل إذا صرّح بالسماع. أمّا إذا روى بالصيغة الموهمة فإنّ حديثه يكون ضعيفا، ولكنّ الباحث في هذا الأمر يلحظ في كلام المتقدّمين أمثلة تخرم هذه القاعدة وتعود بالأمر من جديد إلى ملاحظة القرائن والأحوال.
وأسوق لذلك مثالين:
١ ـ لقد ذكر الإمام أبو حاتم الرازي أنّ بقيةَ بنَ الوليد كان يروي عن شيوخ ما لم يسمعه منهم، فيظنّ أصحابه أنّه سمعه منهم، فيروون عنه تلك الأحاديث ويصرّحون بسماعه لها منهم، ولا يضبطون ذلك (١) .
وهذا في الحقيقة لو حاكمناه إلى قواعد المتأخرين لاعتبرناه كذباً، بناءً على أنّ المدلّس إذا صرّح بالتحديث فيما لم يسمعه فإنّه يكون كذاباً، يردّ حديثه جملة وتفصيلا، ولكن الكذب هنا لا ينسب لبقية، فليس هو الذي فعل ذلك، ولا ينسب أيضا إلى أصحابه لأنّهم كذلك لم يفعلوا ذلك عمدا، وإنّما كان ذلك على سبيل الخطأ وعدم الضبط، والله أعلم.
٢ ـ مثال آخر يؤكّد هذه المسألة ويزيدها وضوحا:
لقد ذكروا للإمام أحمد قولَ من قال: عن عراك بن مالك، سمعت عائشة. فقال: هذا خطأ، وأنكره، وقال: عراك من أين سمع من عائشة؟ إنّما يروي عن عروة عن عائشة (٢) .
فهذا الإسناد فيه تصريح بالسماع وهو محض خطأ.
ولذلك قال الإمام ابن رجب تعليقا على هذه الأمثلة التي ذكرناها: ((فحينئذ ينبغي التفطّن لهذه الأمور، ولا يغترّ بمجرّد ذكر السماع والتحديث في الأسانيد)) (٣) .
стр. 247
إذا وضح هذا عرفنا طَرَفاً من منهج الإمام البخاري وغيره من المتقدّمين في الرواية عن المدلّسين، وعندئذ لا حاجةَ إلى الاعتذار عن صنيع البخاري وغيره في إيراد أحاديثَ للمدلّسين لاتوجد إلا معنعنةً بأنَّ قبولَ صنيعهم هذا ليس إلاّ إحساناً للظنّ بهم، وإنّما المسألة أعمقُ من ذلك. إنّها مسألةُ منهج تتضح معالمُه وتفاصيله لكلّ من تعمّق في ملاحظة تصرّفات هؤلاء الأئمة النقاد الكبار، والله أعلم.
بعد هذه الأمثلة التي تبيّن بوضوح وجوبَ ملاحظة الاختلاف بين مصطلحات المتقدّمين والمتأخرين، وتبيّن كذلك أنّ جزءاً من الخلل الذي نعيشه اليوم ناتج عن الغفلة عن هذا الأمر، نرى لزاماً أن نساهم مع إخواننا في تقديم بعض ما نراه علاجا لذلك.
أوّلا: وجوب الحسم في مسألة المنهج:
وهذا هو الجانب النظري: والمقصود به: تشجيع الدراسات الجادّة التي تهدف إلى إبراز قواعد هذا العلم بصورة جيدة ومنهجية واضحة في تحديد معالم هذا العلم وقواعده التي مضى عليها المتقدمون، وبيان ما حصل بعد ذلك من اجتهاد فيها أو إخلال بها أو تطوير لها.
إنّه من الضروري والمهم جدا اجتماعُ أهل الاختصاص بهذا العلم للتداول في منهجية تدريس هذه العلوم، والنقاشِ حول كثير من التساؤلات التي تسكن عقولَ الكثير من الباحثين في قواعد علوم الحديث وتلاحقهم، حيث إنّ الباحث في هذا المضمار يلحظ أموراً كثيرة تحتاج إلى نظر ودراسة متأنية عميقة، بعيدا عن سوء الظنّ وكيل التهم وغير ذلك.
ثانيا: مراعاة الطريقة المنهجية الصحيحة في تدريس هذا العلم:
فالمُلاَحظ أنّ كثيراً من الجامعات عندما تقرّر على الطلاب هذه المادّة، تقرّر معها كتاباً من كتب المصطلح وتحدّد للأستاذ قدراً من الساعات الزمنية يجب أن ينهيَه فيها، غيرَ ملاحظين صعوبةَ هذه المادّة وضرورةَ أن يكون تلقينها للطلاب على تؤدة وأناة وحذر، وإلاّ عاد هذا العلم شؤماً على صاحبه وأهله.
стр. 248
وأنا أتصور أنّ قواعد علوم الحديث مثلُ قواعد الرياضيات، ينطلق فيها الطالب من أبسط المعارف ويأخذ في ذلك القسطَ الوافرَ من الوقت ويتمّ مراجعتها وتدريبُ الطالب عليها والتذكير بها في كلّ مرحلة لاحقة، ومن هنا تترتب المعارف والقواعد وينطلق الطالب إلى الأصعب وقد هضم بصفة سليمة وصحيحة كلَّ المبادئ الأولى، وأُمِن عليه من الوقوع في الانحراف في فهم القواعد التالية أو إساءة استعمالها.
والذي يعين على هذا أن نتعرّف على الطريقة التي كانت تُغرس بها قواعدُ هذا العلم في نفوس الأبناء منذ نعومة أظافرهم، وهذا يحتاج إلى تلمّس أساليب المتقدّمين في تلقين هذا العلم وغرسه في نفوس طلاب العلم، وهذا الأمر يحتاج إلى حديث آخر طويل لعلّ أحدَ المختصين يتصدّى لوضع مفرداته وبيان منهج العلماء فيه.
وبناء على هذا، فإنّه ينبغي الاهتمامُ بما يأتي:
١ ـ وضعُ كتابٍ جديد يتضمّن ترتيباً جديداً لمباحث علوم الحديث وأنواعها ومراتبها، بطريقة منهجية، يُجمع فيها كلُّ نوع أو قاعدة مع ما يشاركها أو يوافقها أو يتداخل معها وغير ذلك.
٢ ـ تبسيطُ هذه المادّة في مراحلها الأولى، من أجل أن يسهل على الطالب المبتدئ فهمُها وحفظُ قواعدها والإكثارُ من الأمثلة النظرية والعملية، حتى يتمكّن الطالبُ منها، ثمّ ينطلقَ ليبنيَ عليها القواعدَ الأخرى.
٣ ـ الاهتمامُ بالحفظ وإعطاؤه حقّه في هذه العلوم، فإنّ كثيراً من تفاصيلها لا تدرك إلاّ بالحفظ، ويُراعى في الحفظ أن يكون مرتباً وموزّعاً بين عدّة أمور، حيث يُصرف جزءٌ من ذلك لحفظ الأحاديث بأسانيدها، تماما كما يُؤمر الولدُ بحفظ القرآن وهو لا يعقل حروفَه ولا معانيَه، فإنّ حفظَ الأسانيد يعوّد الطالبَ على أمرين:
стр. 249
الأول: حفظُ أكبر عدد ممكن من رجال الأسانيد، مما يعينه لاحقاً على استحضار ذلك أثناء دراسة الأسانيد وتخريج الأحاديث، واستحضار الأمثلة لكلّ نوع من أنواع علوم الحديث، وفي هذا عودة جزئية إلى منهج المتقدّمين في تلقّي هذا العلم وتحصيله.
الثاني: التعوّدُ على مراقبة مواقع الرواة في الأسانيد، مما يربّي في الطالب ملكةَ الانتباه لأيّ انقطاع يحصل في السند أو خللٍ يقع في سلسلة الإسناد، وهذا جزءٌ من المعرفة الذهنية التي تعينه في المستقبل على تحديد العلل الواقعة في الأسانيد وتدلّه على إدراك الخفيّ منها.
٤ ـ التدرّج في إعطاء هذه المادّة للطلاب، فإنّ من الأخطاء الجسيمة التي يقع فيها بعضُ من يدرّس هذا العلم أن يبذله للعامّة من الناس في المساجد، ممّن لا يحسنون أحكام الوضوء والصلاة، أو يُفرغه على الطلاب مرّة واحدة، مما يشعرهم بالغرور ويدفعُهم إلى الجرأة في تطبيق بعض ما عرفوه من القواعد على الأحاديث.
ولم يزل علماؤنا السابقون يراعون هذا التدرّجَ ويسلكون بطلابهم مسالكَ الاعتدال في طلب العلم وينتهرون كلَّ مَن يريد أن يَحرِق المراحل أو يقفز على درجات السلّم يبغي الوصولَ بقفزة واحدة.
قال ابن حجر: ((وكذا تعليم العلم ينبغي أن يكون بالتدريج، لأنّ الشيء إذا كان في ابتدائه سهلاً حُبِّب إلى مَن يدخلُ فيه وتلقاه بانبساط، وكانت عاقبتُه غالباً الازديادَ، بخلاف ضدّه)) (١) .
٥ ـ الاهتمام بهذا العلم وتلقينه للصغار عن طريق تحفيظهم المنظومات التي وضعها العلماء قديما وحديثا في هذا العلم وقواعده، من مثل البيقونية والقصيدة الغزلية وألفية الحديث للعراقي والسيوطي، مبتدئين في ذلك بالأسهل منها والأخصر والأوجز، ثمّ الانطلاق إلى الألفيات منها.
стр. 250
إلا أنّه يجب التنبيهُ إلى وجوب استكمال تدريس هذا العلم، فإنّ من الخطأ المنهجي الاقتصارَ في تدريس علوم الحديث على تدريس المصطلحات الأولى، دون الاهتمام بالمراحل الأخرى المهمّة التي تشكل صلبَ هذه العلوم وثمرتَها الحقيقية، وهي علم الجرح والتعديل والتخريج ودراسة الأسانيد.
٦ ـ إنّه من الضروري اللجوء ـ وخاصة في المراحل الأولى من هذا العلم ـ إلى الوسائل التي تضمن فهم الطالب واستيعابه.
إنّ من أنجع الوسائل في التعليم تصويرَ المعاني لترسخ في الذهن، ويتم ذلك بضرب الأمثال ومقارنةِ الشبيه بالشبيه والمَثل بالمَثل، ولتحديد الفكر في النظر في المتماثلات من المعاني والأشباه.
إنّه من الضروري تقديمُ هذه المادة بأسلوب شيّق، مطعّمٍ بالأمثلة من واقع الناس، أو ما له صلةٌ بحياتهم، ليعين ذلك الطلابَ على الحفظ والاستيعاب. وقد سجّل علماؤنا السابقون نماذجَ في ذلك، فكانوا يَنْظِمون هذه القواعدَ بأسلوب الغزل، أو يسوقون معانيَها بأسلوب لا يخلو من الدعابة والمرح والنكتة، من أجل أن تستقر هذه المعاني في النفوس بسهولة ويسر.
انظر مثلا كلام العلماء في تقريب هذا المعنى من مثل قول ابن معين:» الرجل الذي له في الحديث طريق واحد كالرجل له امرأة واحدة، إذا حاضت بقي «. أي: لم يجد غيرها.
وقول حماد بن سلمة:» مثل الذي يطلب الحديث ولا يعرف اللغة مثل الحمار يحمل مخلاة لا شعير فيها «.
وقول الأوزاعي وغيره:» مثل الذي يكتب ولا يقابل مثل الذي دخل الخلاء ولم يستنج «، وغير ذلك من الأمثلة التي يراد بها ومنها غرس هذا العلم في نفوس الطلاب بصورة متينة وقوية.