← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 1398

ندوة علوم الحديث علوم وآفاق

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (366 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

إن التكوين المستمر يحرر الفهم، ويطلق العنان للعقل ليبدع ويحلل وينتقد ويبني ويرجح. فإذا استطعنا أن نبث هذه الروح في طلبتنا، سهل علينا أن نسأل ونتساءل معهم: * ما معنى صححه فلان؟ * ما معنى ضعفه فلانه؟ * هل نسلم لتصحيح المتقدمين؟ * هل نسلم لتضعيف المتقدمين؟ * هل نسلم لتصحيح المتأخرين؟ * هل نسلم لتضعيف المتأخرين؟ * ما معنى التشدد والتساهل في التصحيح والتضعيف؟ * ما معنى متفق عليه في غياب الاطلاع على قصد وشرط كل مصنف؟ * هل تتحد رؤى المصنفين للرجال أو تتباين؟ * لماذا ينفرد أحد المصنفين بإخراج حديث دون الباقي؟ مثاله: حديث عمر بن إسماعيل بن مجالد الذي انفرد (١) الإمام الترمذي بتخريج حديثه في سننه. عمر هذا وصفه الحافظ ابن حجر في» تقريب التهذيب «أنه: متروك وإذا رجعنا إلى» تهذيب التهذيب « (٢) لاستعراض أقوال العلماء فيه، نلحظ أن أقوالهم قد اتفقت على جرحه، فقد كذبه ابن معين وقال:» ليس بشيء كذاب خبيث، رجل سوء حدث عن أبي معاوية بحديث:» أنا مدينة العلم وعلي بابها «وهو حديث ليس له أصل «وقال الإمام النسائي ليس بثقة متروك الحديث، وضعفه أبو حاتم الرازي والدارقطني واتهمه ابن عدي بسرقة الحديث، فهذا الراوي تالف بيقين ولا يتقوى بالمتابعة. إذن لماذا انفرد الترمذي بتخريج حديثه؟ ما هو قصده، هل هو مقبول عنده أم مردود؟ وصفوة القول: إن من الإنصاف أن نضع كل حديث في موضعه، وننظر في مقصد وشرط مخرجه. والله أعلم. كيفية تيسير علوم الحديث على الطالب المبتدئ: قديما قال العلماء:

стр. 317

» من حفظ المتون فقد جمع الفنون «فإذا أردنا أن نصحح ما أفسدته الأيام، وتوالي الأزمان، يجب أن نعيد للحفظ - حفظ المتون - مكانته، وأن نبدأ بأبسطها، فمثلا يبدأ الطالب بحفظ متن البيقونية ثم يعرضها على كتاب مقدمة ابن الصلاح ثم ألفية العراقي ويعرضها على تدريب الراوي للسيوطي، وهكذا يترقى الطالب في مدارج العلم والمعرفة. فمثلا: إذا حفظ الطالب أولها الصحيح هو ما اتصل......إسناده ولم يشذ أو يعل يرويه عدل ضابط عن مثله......معتمد في ضبطه ونقله (١) يقرأ هذه القاعدة عند ابن الصلاح ويقارن بما يحسن نقله عنه بنصه: » أما الحديث الصحيح: فهو الحديث المسند الذي يتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه ولا يكون شاذا ولا معللا « (٢) . وتسهيلا على الطالب المبتدئ نقرب له صورة هذا التعريف بالطريقة الآتية: لا يكون الحديث صحيحا إلا إذا استوفى الشروط المبينة أدناه: ١ - أن يكون مسندا: بحيث ينسب القول أو الفعل أو التقرير أو الصفة إلى النبي ﷺ بسند. ٢ - أن يكون متصل السند: أي أن كل راو من الرواة المذكورين في السند قد سمع هذا الحديث من شيخه أو أخذه بطريق من طرق التحمل المعروفة عند المحدثين. ٣ - أن يكون رواته متمتعين بالعدالة والضبط، بحيث يكون كل راو من الرواة عدلا ضابطا، ومن جمع بين هذين الصفتين فهو الثقة. وهنا نفتح قوسين لنعرف بالعدالة والضبط تعريفا موجزا يقتضيه المقام فنقول: العدالة ملكة تحمل المرء على ملازمة التقوى والمروءة، والتقوى هي اجتناب الأعمال السيئة: من شرك أو فسق أو بدعة.

стр. 318

والضبط: هو أن يحفظ الراوي الحديث من شيخه ويعيه بحيث إذا حدث به عنه حدث به على الوجه الذي سمعه عليه. والضبط عند المحدثين قسمان: ضبط صدر وضبط كتاب (١) . ٤ - أن لا يكون شاذا، والشذوذ لغة التفرد، وفي اصطلاح أهل الحديث: ما يخالف فيه الراوي من هو أوثق منه. ٥ - أن لا يكون معللا: أي لا يكون فيه علة خفية تقدح في صحته. ثم نستعرض مع الطالب بعض الأمثلة الموضحة لما سبق، حتى تترسخ معالم هذه الصنعة وتتمكن من لبه: أخرج الإمام البخاري في صحيحه (كتاب الجهاد والسير/باب: ما يعوذ من الجبن) قال: حدثنا مسدد، حدثنا معتمر، قال: سمعت أبي، قال سمعت أنس بن مالك ﵁ قال: كان النبي ﷺ يقول: » اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، والجبن والهرم، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، وأعوذ بك من عذاب القبر «. فقد استوفى هذا الحديث شروط الصحة وهي: ١ - إسناده إلى النبي ﷺ . ٢ - اتصال السند من أوله إلى آخره، فأنس بن مالك صحابي سمع النبي ﷺ ، وسليمان بن طرخان -والد المعتمر- قد صرح بالسماع من أنس، ومثله المعتمر قد صرح بالسماع من أبيه، وكذلك شيخ البخاري قد صرح بالسماع من معتمر، والبخاري ﵀ قد صرح بسماع هذا الحديث من شيخه. ٣ - توفر العدالة والضبط في رواة السند من لدن الصحابي أنس بن مالك ﵁ إلى مخرجه الإمام البخاري ﵀. * فأنس ابن مالك ﵁: صحابي، وكل الصحابة عدول بتعديل الله لهم ﵃ أجمعين-. * وسليمان بن طرخان -والد المعتمر- ثقة عابد. * وابنه المعتمر ثقة. * ومسدد بن مسرهد: ثقة حافظ. * والإمام البخاري أمير المؤمنين في الحديث وأستاذ الأستاذين وطبيب المحدثين في العلل.

стр. 319

٤ - كذلك فهذا الحديث غير شاذ. ٥ - ولا هو معلل. فاستوفى بذلك شروط الصحة، ولذلك أخرجه البخاري في صحيحه وفاقا لشرطه. فنحن -بعد هذا- لا نشك أن هذا العلم لا يتقنه الطالب إلا بكثرة النظر والقراءة والممارسة والدراسة، وإلا كان علما جامدا، يتحرك فيه الطالب بين مصطلحات جافة، فلا يرجح إلا من جهة النظر، وهذا مما يلحقه القصور، فليس الخبر كالمعاينة وإن لم يوافق الخُبر الخبر كان مجرد حكاية أو ظن غالب على الغاية. ولعل أهم أسباب عدم إفادة اللاحق من السابق تكمن في: عدم استيعاب الطالب لاختلاف مذاهب المحدثين في عدالة الراوي وضبطه، وهذه أهم قاعدة الاختلاف بين المحدثين ومسائلها تتفرع إلى: ١ - اختلاف المحدثين في كيفية ثبوت عدالة الراوي. ٢ - اختلافهم في ثبوت الجرح والتعديل بقول واحد. ٣ - اختلافهم في حكم التعديل على الابهام من غير تسمية المعدل. ٤ - اختلافهم في رواية الثقة عن رجل سماه، وهل تدل على توثيقه. ٥ - اختلافهم فيمن روى عن ثقة حديثا فسئل المروي عنه فنفاه. ٦ - اختلافهم في أخذ الأجرة على التحديث. أما أهم قاعدة اختلافهم في ضبط الراوي فتنبني على أن الحكم على مبلغ ضبط الرواة هو اجتهادي (١) . (١) وبنظرة موجزة في كتب أصول الحديث، سيقف الباحث على اختلاف المحدثين في بيان علوم الحديث وقواعده واختلافهم في وجوه تحمل الحديث وأدائه، وأثره في القبول والرد. وهذا التباين لم تسلم منه أنظار المحدثين والفقهاء في الكشف عن العلة واختلافهم في أثرها في القدح بصحة الحديث وعدمه. قال الحافظ أبو الفتح ابن دقيق العيد: » اللفظ الأول، الصحيح: ومداره بمقتضى أصول الفقهاء والأصوليين على عدالة الراوي: العدالة المشترطة في قبول الشهادة على ما قرر في الفقه، فمن لم يقبل المرسل منهم زاد في ذلك: أن يكون مسندا.

стр. 320

وزاد أصحاب الحديث: أن لا يكون شاذا ولا معللا، وفي هذين الشرطين نظر على مقتضى الفقهاء، فإن كثيرا من العلل التي علل بها المحدثون الحديث لا تجري على أصول الفقهاء « (١) . ومن ثم فطلبة العلم اليوم يجب أن يضعوا في خلدهم أن العلم لا يوجد في مصنف واحد، وأن الحكم على الحديث لا يُسلم لشيخ واحد، وإنما هي أحكام خاضعة للاجتهاد، وتضارب الأنظار، ما لم يتفق العلماء على صحيح أو يجمعوا على ضعيف. وفوق كل ذي علم عليم وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه

стр. 321

مسألة الفهم والإفهام في مادة علوم الحديث أ. د. المكي بن أحمد اقلاينة أستاذ بكلية الدراسات الإسلامية والعربية - دبي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تمهيد: يعتبر الإفهام أهم هدف تبتغيه العملية التعليمية بغرض إيجاد الفهم لدى الطالب الذي به يستطيع التقدم في العلم والمعرفة، أما مجرد التلقين من دون أن يحصل استيعاب للمادة العلمية، فإنه لا يخلق في النفس أي تغيير أو إصلاح للفكر. وإذا علمنا أن الشريعة الإسلامية قائمة على التعليم وخلق المعرفة الصحيحة المبنية على الدليل لا على الهوى، علمنا السبب الذي من أجله كان الأمر بالقراءة في أول سورة نزلت على رسول الرحمة ﷺ هداية للناس، وهذه الآيات الدالة على أن الرسول بعث ليبين للناس ما نزل إليه، فهو مبلغ وشارح لذلك. ثم إن سلوك الرسول ﷺ في التربية والتعليم يلمسه الباحث بشكل واضح، وهو بذلك يوضح لنا أسس إفهام الناس. والفهم شرط التكليف، لذا، فإن مكانة الفرد رهينة به. وقد جاء في تفسير الحكمة في قوله تعالى: وآتيناه الحكمة (١) عن ابن عباس: أعطي الفهم (٢) ، وعن إبراهيم فيما رواه عنه الطبري في تفسير قوله تعالى: يؤتي الحكمة من يشاء (٣) قال: الحكمة هي الفهم (٤) . وفي رسالة عمر بن الخطاب لأبي موسى الأشعري في القضاء: ( ... الفهم الفهم فيما يختلج في صدرك مما لم يبلغك في القرآن والسنة، فتعرف الأمثال والأشباه ثم قس الأمور عند ذلك ... ) (٥) ، وعنون البخاري في صحيحه في كتاب العلم: (باب الفهم في العلم) . ١- مدلول الفهم والإفهام وأهميتهما:

стр. 322

عرف بدر الدين العيني الفهم بأنه: (جودة الذهن، والذهن قوة تقتنص الصور والمعاني، وتشمل الإدراكات العقلية والحسية) (١) . وهو منزلة بين تلقي العلم والحفظ، وفي ذلك روى البيهقي عن سفيان بن عيينة قوله: (أول العلم: الاستماع، ثم الفهم، ثم الحفظ، ثم العمل، ثم النشر) (٢) . ومن كان ذا فهم كان ممدوحا عند العلماء لأنه يفقه ما يسمع، ويظهر أثره في العمل، فهذا أبو نصر الكلاباذي الكاتب، من الحفاظ، قال فيه أبو عبد الله الحاكم: (حسن الفهم والمعرفة ... ) (٣) ، وقال الذهبي في الإمام محمد بن مخلد بن حفص الحافظ: (كتب ما لا يوصف كثرة، مع الفهم والمعرفة وحسن التصانيف) (٤) . ومن نزلت رتبته عن الفهم السليم كان مقدوحا فيه، فهذا عفان بن مسلم أبو عثمان الصغار قال فيه سليمان بن حرب فيما رواه عنه ابن عدي: ( ... كان بطيئا رديء الحفظ، بطيء الفهم) (٥) ، وقال ابن النجار في أحمد بن طارق الكركي: ( ... وقد سمعت منه كثيرا، وكان قليل المعرفة، بعيدا من الفهم، ولكنه صحيح السماع ... ) (٦) .

стр. 323

ولا زال العلماء يهتمون بجودة الفهم والإفهام، وصنفوا في ذلك مصنفات عدة تهتم بالسلوك التربوي داخل مجلس العلم حتى يتمكن الطالب من حسن الفهم (١) . بهذا، ندرك أهمية الموضوع في العلوم الشرعية عامة، وفي علوم الحديث خاصة لأنها من أهمها لارتباطها بأمرين اثنين: ١ ـ المنهج النقلي وما ينبني عليه من الطرق المؤدية إلى فحص الروايات ونقدها بهدف التمييز بين الصحيح والسقيم. ٢ ـ وفهم دلالة النص المنقول بغية العمل بمقتضاه وتنزيله على الواقع لكونه تشريعا للمسلمين. لأجل ما ذكر، بنى العلماء قاعدة جليلة: (إن كنت ناقلا فالصحة، وإن كنت مدعيا فالدليل) . بسبب هذه الأهمية التي تكتسيها علوم الحديث، وجبت العناية بها عناية كاملة دراسة وتدريسا وتطبيقا، الأمر الذي جعل علماء الحديث يولونها منذ العهود الأولى نصيبها من الاهتمام لحسن الاستيعاب والفهم والعمل. وإننا في هذه الندوة العلمية الدولية: (علوم الحديث: واقع وآفاق) ، نهدف أساسا إلى إبراز واقع هذه المادة في صفوف الطلاب، والوسائل القمينة بتجاوز العراقيل التي تعوق العملية التعليمية وتيسرها عليهم. وما من شك أن استصعاب الشيء يولد هجره إن لم نقل كراهيته. وهذا الموضوع شغل ذهني زمنا غير يسير وأنا أحاول تبليغ المادة لطلابي، أو عندما أقف على هفوات في بحوث الدراسات العليا، أو عندما أسمع خطيبا يلقي خطبته يوم الجمعة ممن ليس من أهل هذا الشأن فيحتج بحديث ويعقب عليه بأنه أخرجه ابن الجوزي في موضوعاته، غير متفطن إلى أن المقصود من الكتاب أنه خاص بالأحاديث المكذوبة.

стр. 324

وهذا الذي حصل من هؤلاء يعود إلى طبيعة التكوين الذي حصلوا عليه، وسوء الفهم لبعض المواضيع ظهر أثرها للعيان. وكثيرا ما كنت أتمثل بما حصل للحافظ أبي عبد الله الحاكم في بعض تخاريجه لحديث إسماعيل ابن عياش عن مطعم بن المقدام الصنعاني كما نبه إليه ابن القيسراني في معرض بيانه سبب تأليفه كتاب» المؤتلف والمختلف «، إذ قال عقيبه:» تفرد به الشاميون عن اليمانيين «فاعتقد أن مطعما هذا من صنعاء اليمن، وإنما هو من صنعاء، قرية بباب دمشق، نزلها جماعة من الصحابة، وفيه قال أبو عمرو الأوزاعي: (ما أصيب أهل الشام بأعظم من مصيبتهم بالمطعم بن المقداد الصنعاني) (١) . وهذا الذي حصل للحاكم لا يرجع إلى قلة علمه، بل إلى مجرد الوهم، ومن يعرى عنه؟! ومعرفة أنساب الرجال من أنواع علوم الحديث التي لا غنى للمحدث عنها، وتكفيه غفلة عن هذا الأمر ليجرح ثقة أو يوثق مجروحا!

стр. 325

أفلا يعتبر هذا كافيا لإمعان النظر في كيفية تبليغ علوم الحديث التي تمثل المنهج الإسلامي في المحافظة على سلامة الحديث وحسن فهمه؟! وهو منهج تأثرت به باقي الميادين من تفسير وفقه وأصول وعقيدة وأدب ولغة ونحو وتاريخ ... وهذا المجتمع الغربي يعمل على تيسير المعرفة ونشرها في كتب مخصصة لذلك (١) ، والذي يعود إلى عمل علماء السلف ﵏، يجدهم لم يقصروا في هذا الباب، وجهدوا في تيسير علوم الحديث على الطالبين، ونشره في مجالس العلم وإن كانت للمتفرغين لهذا الشأن مجالس خاصة، وألفوا في ذلك ما تزخر به المكتبة الإسلامية عامة، والحديثية خاصة. فلا غرابة عندما نجد المحدثين يولعون باختصار المبسوطات وجمع قواعد العلم من بطون المصنفات تيسيرا على طلاب العلم لتعذر وقوفهم على كل ذلك دفعة واحدة من خلال هذه الكتب التي صنفت في كل نوع من أنواع علوم الحديث. وفي كل زمان تظهر حاجة تستدعي عناية خاصة من لدن أهل العلم. وزماننا هذا، يدفعنا دفعا إلى إعادة النظر في كيفية نقل المعرفة عموما، وعلوم الحديث التي هي من أصعب العلوم بشكل خاص. نظرا لأهمية المسألة، نحن في حاجة إلى رصد جميع مكونات العملية التعليمية، والاستفادة من عمل السلف في الجانب التعليمي، واقتراح الحلول الممكنة للتخفيف من حدة مشكلة الفهم والإفهام. ٢ - معوقات الفهم لدى الطالب: الطالب أحد مكونات العملية التعليمية، وفي غياب مشاركته الفعالة لا يمكن الحديث عن الفهم والإفهام، لأن ذلك لا يدرك إلا بعد ظهور أثر الفعل التعليمي. ولكي يتفاعل وينفعل مع هذه العملية، يفترض أن يكون على مستوى معين من الإدراك الذي به يفهم نسبة مما يقدم إليه ويستطيع أن يعبر عنه بأسلوب واضح وسلس يفهم منه المراد. فإلى أي حد يستطيع الطالب اليوم أن يفعل ذلك في ظل التكوين العام الذي خضع له؟ ثم إلى أي حد يظهر تجاوبه مع مادة علوم الحديث خاصة؟

стр. 326

للإجابة عن هذين السؤالين أستلهم أولا تجربتي في التعليم العالي بالمغرب والإمارات، وأستنير بما توصلت به من إجابة عن الاستمارة التي تضمنت جملة من الأسئلة خصصتها لهذا الشأن بكلية الدراسات الإسلامية والعربية بدبي استجاب لها مجموعة من الطلبة، وإن كانت غير معبرة بالمعنى العلمي الدقيق، لكنها توافق الملاحظات التي رصدها الأساتذة، وهي على الشكل الآتي: * ضعف التكوين العام في جميع المواد، بحيث لا يمكن حصره في مادة دون أخرى. لأجل هذا، فإن المشكل ليس خاصا بعلوم الحديث فقط، بل هو عام في جميع المواد ويتفاوت من جهة إلى أخرى. وهذا لا يمنع من وجود طلبة متميزين، إلا أن الحكم للأغلب، علما بأن كلية الدراسات الإسلامية والعربية تشترط معدلات توحي بأن حاملها على مستوى جيد. وكان من شروط قبول الطلبة في التسجيل لسنة ٢٠٠٢ - ٢٠٠٣: ١ - أن يكون حاصلا على شهادة الثانوية الشرعية أو الثانوية العامة (علمي أو أدبي) أو ما يعادلها، بمعدل لا يقل عن ٦٠ % للطلاب المواطنين، و٧٠ % للطالبات المواطنات شريطة ألا يكون قد مضى على الشهادة أكثر من خمس سنوات. ٢ - يقبل من أبناء دول مجلس التعاون الخليجي من كان حاصلا على الثانوية العامة أو ما يعادله شريطة ألا يمضي على حصوله على الشهادة أكثر من سنتين وبمعدل ٧٥ % للطلاب و٨٠ % للطالبات، ويتم القبول على أساس تنافسي.

стр. 327

* ضعف شديد في المستوى اللغوي والنحوي والإملائي لاحظته منذ التحاقي بالإمارات، مرده إلى طبيعة التكوين الذي خضع له الطلاب. وقد جاء تفسير ذلك في إحدى الاستمارات أن مادة اللغة العربية من مائة درجة موزعة على الأدب والشعر والتعبير والخط والنحو، ودرجة مادة النحو من خمسة إلى عشرين، فكان الطلبة لا يهتمون بها نظرا لصعوبتها ويعتنون بغيرها من مكونات وحدة اللغة العربية، هذا من جهة، ومن جهة ثانية استعمال جملة من الأساتذة اللهجات المحلية في التدريس، فيؤثر ذلك سلبا على العملية التعليمية، ومن جهة ثالثة أثر الدعوى أن اللغة الأجنبية (الإنجليزية) مفتاح المستقبل كان لها مفعولها في إهمال اللغة العربية. ولأجل هذا نفهم حرص إحدى الجمعيات بالإمارات - وهي جمعية حماية اللغة العربية - على جعل يوم ٢١ (شباط) فبراير اليوم الوطني للغة العربية. وأثر الضعف اللغوي في فهم الطالب جلي لا يمارى، إذ باللغة يفهم الخطاب. ولأجل ذلك قال جلال الدين السيوطي في معرض كلامه عن العلوم التي حباه الله بها: ( ... مع ما أمدني الله تعالى به من العلوم كالتفسير الذي يطلع على فهم الكتاب العزيز، وعلومه التي دونتها ولم أسبق إلى تحريرها الوجيز، والفقه الذي من جهله فأنى له الرفعة والتميز، واللغة التي عليها مدار فهم السنة والقرآن، والنحو الذي يفتضح فاقده بكثرة الزلل - ولا يصلح الحديث للحان - إلى غير ذلك من علوم المعاني والبيان التي لبلاغة الكتاب والحديث تبيان ... ) (١) .

стр. 328

* اقتصار الطلبة في الغالب الأعم على الكتاب المقرر وعدم محاولتهم توسيع مداركهم بقراءة المصادر والتعرف عليها، وهذا يؤثر في مستواهم الذي لا يخرج عن إطاره. والأصل في ذلك تشجيعهم على هذا الأمر سيرا على نهج المحدثين وغيرهم في تعديد الشيوخ واعتبار ذلك منهجا تعليميا يعاب على من عري عنهم كما نبه إليه الإمام الشاطبي عند محاولته تفسير سبب سلاطة لسان ابن حزم ﵀ (١) . والعودة إلى الكتب الآن، وإن كانت لا تعوض الشيوخ، تقلل من حدة هذا الضعف الذي يعاني منه الطلبة. * إلى جانب الاقتصار على الكتاب، يتم التعويل على اختصار له قد يقوم به أحد الطلبة مما يزيد الطين بلة. وليته إذ اختصر صحح ما كتب، ومن يتغيب يعول على ما كتب زميله من شرح الأستاذ ويطمئن إليه مع أنه قد يكتب فهما غير سديد، أو يصحف، أو يخطئ في ضبط الكلمة ... فتنتشر الأخطاء وتصبح حالة عامة، وهو في ضبط المصطلحات الحديثية أفظع وأكثر لأنه ليس لديه بها أنس. ورحم الله وكيع بن الجراح، فقد كان كثيرا ما يتمثل بهذا البيت: (من الخفيف) (٢) خلق الله للحديث رجالا ... ورجالا لآفة التصحيف ومعلوم أن العلم بأسماء الرواة وضبطها من أنواع علوم الحديث مما يؤخذ مشافة عن الشيوخ، وقد صنف فيه جلة من العلماء مما لا يدرك بالاعتماد على المجهود الشخصي والقراءة الذاتية. ٣ - معوقات الإفهام لدى الأستاذ:

стр. 329

* يتحمل الأستاذ قسطا من المسؤولية حال التقصير في الإفهام وتبليغ المادة على وجهها لأسباب تعود إلى مدى خبرته بالتدريس، وتمكنه من المادة، وتجاوبه مع طلابه. ولا شك أن خبرة الأستاذ وحنكته تؤهلانه لتقديم المادة العلمية على أحسن وجه. لذا، فإن المستويات التي يعاني فيها الطلبة من تكوين ضعيف يحتاجون أكثر من غيرهم إلى أستاذ محنك، على أنه لا يملك خاتم سليمان، ولكنه سيعمل جهده للتخفيف من حدة المشكلة. * والالتزام باللغة العربية من آكد الواجبات التي يجب أن يلتزم بها، يضاف إلى ذلك أن يكون متخصصا في المادة التي يدرسها، والعيب الذي يؤثر في التعليم هو إسناد المواد لغير أصحاب التخصص خصوصا في علوم الحديث. وقد آليت على نفسي عند قيامي بمهام رئاسة قسم الدراسات الإسلامية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان / المملكة المغربية، أن لا أكلف أحدا بتدريسها إلا أن يكون من أهل الفن. ومن خلال تفريغي للاستمارات، وجدت مجموعة من الطلبة يرجعون سبب عدم فهمهم لها في سنة من السنوات إلى أنه كان يدرسهم أستاذ بعيد عن التخصص. * يضاف إلى ذلك، نجد الأستاذ مثقلا بعدد ساعات العمل، اعتقادا من الجهة المتعاقدة معه أنها بهذه الطريقة تستفيد من خبرته أكثر، والواقع أنه يصبح منهوك القوى وتضعف مردوديته وتكون النتيجة مخالفة لما كان ينتظر منه. والإنسان يبدع في عمله إذا وفرت له الفرصة السانحة لذلك والظروف الملائمة.

стр. 330

* ويكلف بتدريس كتاب مقرر لا يخرج عنه علما أنه قد لا يفي بالغرض من جهة، ومن جهة ثانية قد تكون فيه أخطاء علمية، أو معلومات قديمة لا تواكب مستجدات البحث العلمي. بهذه الكيفية، لا يستفيد أحد من خبرته وإنما يكون مجرد مردد لأقوال غيره، وبكلمة أخرى مجرد مدرس، بينما المطلوب في الأستاذ أن يكون باحثا. وعلماء الحديث عندما يدرسون كتابا لأحد العلماء لا يقفون عند حدود نقل ما قال، بل يشرحون أقواله ويوجهونها وينكتون عليه ببيان جملة من اللطائف مما يفتح آفاق الطالب ويتعود بذلك على القراءة النقدية الرصينة، ويتعود كتابة الطرر والحواشي على الكتاب الذي يدرسه تكون بدورها نواة لكتاب جديد، وقد يعتني بجمع أقوال شيخه ويجعلها في كتاب فيكون بذلك مشاركا وفعالا في العملية التعليمية التي يمثل المحور الأساس فيها. والمكتبة الحديثية زاخرة بمثل هذه الأعمال التي ألمعنا إليها أمثال سؤالات محمد بن عثمان لعلي، وسؤالات أبي عبيد لأبي داود، وسؤالات ابن أبي شيبة، والشروح التي وضعها العلماء على الكتب التي كانوا يدرسونها مع تعليقاتهم عليها نثرا أو شعرا، وما شروح مقدمة ابن الصلاح عنا ببعيدة والمنظومات التي وضعها العلماء في سبيل ذلك مما لا يجرؤ أحد على الطعن في جودتها، علما بأن لكل زمان رجاله.

стр. 331

* في ظل التقنيات الجديدة، نجد من الأساتذة من لا يرى جدوى من الاستفادة منها. ونحن وإن كنا نرى ضرورة الأخذ من أفواه الشيوخ، إلا أن ذلك لا يمنع من المزاوجة بين الأمرين لما يحققه من فوائد واختزال الوقت في الإفهام. واستعمال الحاسوب في السنة وعلوم الحديث يفيد الطالب بشكل كبير إذا أحسن استعماله دون إسفاف بحيث يلزمه التعامل المباشر مع المصادر الحديثية إلى جانب ذلك، وإلا كانت معرفته جزئية لا تتعدى ما كان يبحث عنه، بينما يحصل الطالب في بحثه المباشر في الكتب علما وفيرا مما لم يكن لديه في الحسبان. أضف إلى ذلك ما في الأقراص المدمجة من سقط وتصحيف كثير مما يعيب العمل ويحتاج إلى إعادة النظر في مثل هذه المشاريع التي يبتغى بها خدمة العلم من أجل إخراج عمل متقن. لأجل هذا، أنصح بضرورة عقد اتفاقيات عمل في هذا الباب مع المتخصصين، والتماس مستشارين في هذا المجال. ٤- معوقات الفهم للكتاب المقرر: سبق الكلام عن كيفية النظر في دولة الإمارات على الأقل إلى الكتاب المقرر، وأنه يلزم به الأستاذ، وبينا نتائج ذلك وأنه لا يستفاد من خبرة الأساتذة بهذه الكيفية. وبالمناسبة، نذكر جملة من الأسباب التي تجعلنا نعتقد أن الحاجة ماسة إلى إضافة دماء جديدة في هذا الأمر بإدخال تعديلات على مستوى التأليف: * إن عامة المصنفات التي ألفت تعاملت مع علوم الحديث على نفس نهج المتقدمين في الأسلوب، وهو عمل قد يكون جيدا لباحثين متميزين، والحال أنه يعرض على طلبة غير متمرسين ويعانون من ضعف عام في الغالب. وهو أمر يعانون منه كما تم التصريح به في الاستمارات بشكل يكاد يكون محل إجماع مما يستدعي البحث في المسألة بجدية. * في كتاب التخريج المقرر نجد جملة لا بأس بها من الأوهام مما نحن في غنى عن ذكرها الآن. وكون الكتاب مقررا في جهات لا يرفع عنه ذلك.

стр. 332

* في مادة علوم الحديث يلمس الباحث انتقاء صاحب الكتاب للتعاريف دون محاولة التأكيد على إطلاقات العلماء وتوضيح الخلاف الموجود بينهم في ذلك، فيسلم الطالب للتعريف الذي قدم له للصحيح والحسن والشاذ والمعلل ... وكلما وجد هذه المصطلحات على لسان أحد العلماء حملها على ما في ذهنه من تعريف لها، وذلك لا يسلم. ولا ينفرد صاحب الكتاب بذلك، فإننا نجد هذا الأمر سائرا بين جملة من الأساتذة ممن يريحون أنفسهم من عناء البحث الجاد ويكتفون بمجرد النقل عن الآخرين. وإذا علمنا أن القدامى أنفسهم قد وقع جملة منهم في أوهام عند الاعتماد على مجرد النقل، أحسسنا بضرورة العودة إلى المصادر عند توفرها (١) . * وقوف عامة الكتب المؤلفة في هذا الباب عند حدود الجانب النظري، بينما المستهدف هو الطالب الذي يحتاج إلى فهم المادة بربطها بالجانب التطبيقي، إذ به يفهم المقال، والطلبة يعلقون على هذا الجانب في الاستمارة، ويحسون بأهمية الجمع بين الجانب النظري والتطبيقي. ٥ - معوقات فهم المنهاج: إن المنهاج المفروض على الطلبة يجب أن يؤخذ فيه بعين الاعتبار حين وضعه مستواهم العلمي والمدة الزمنية المخصصة له. والملاحظ في هذا الجانب ما يأتي: * طول المنهاج، فيجد الأستاذ نفسه بين أن يكمله مبتور الأوصال، يمر عليه مر الكرام لأن الوقت لا يسعف، وبين أن يشرح المادة التي على عاتقه تقع مسؤولية تبليغها، فتكون النتيجة سلبية.

стр. 333

* غياب مادة علوم الحديث فيما عدا السنة الأولى حيث تدرس في فصلين يتيمين ينساها الطالب بعدها ليفاجأ بمادة التخريج في السنة الرابعة مع أنها مرتبطة ارتباطا وثيقا بها، إذ هي بمثابة أصول الفقه بالنسبة للفقيه، فلما يتعامل الطالب معها يجد نفسه قد نسي كل ما يتعلق بعلوم الحديث، ويجد الأستاذ نفسه في حاجة إلى أن يذكره بذلك مما يؤدي إلى ضياع جزء من الوقت. * إن مادة علوم الحديث تطبيقية، وهذا يفترض التعامل المكثف مع المكتبة بهدف البحث المباشر في المصادر، ووقتا ليس باليسير لتحقيق الأهداف. * إن تقليص عدد ساعات المواد الشرعية عموما، والحديثية خصوصا سيؤدي لا محالة إلى مزيد من التراجع في المستوى الطلابي بسبب عدم استيعاب المادة وفهمها كما ينبغي. مقترحات فيما يأتي سنحاول تقديم مقترحات عساها تفيد بشكل ولو ضئيل في حل مشكلة الفهم التي تقض مضجع كل مشتغل بالتعليم: ١ ـ فيما يخص الطالب: * إن قبول الطلبة في الكلية يجب أن يتم بناء على اجتياز امتحان يستدل به على مستواهم، لأن المعدلات المشترطة للقبول، وإن كانت في ظاهرها مرتفعة، إلا أنها لا تدل في واقع الأمر على المستوى الفعلي لهم، وإلا لما لمسنا فيهم هذا القصور. * تنظيم دعم لغوي لفائدة الطلبة. * تشجيعهم على العودة إلى المصادر والجلوس إلى أهل العلم وإبراز مواهبهم. * تنظيم دورات تكوينية في الحديث وعلومه، ومسابقات في هذا المجال كما هو الشأن بالنسبة لحفظ وتجويد القرآن الكريم. ٢ ـ فيما يخص الأستاذ: * تنظيم دورات تدريبية على التقنيات الحديثة لمسايرة معطيات العصر، واستعمالها في التدريس. * إسناد مادة علوم الحديث خاصة لصاحب التخصص. * التخفيف من عدد ساعات العمل حتى يتمكن الأستاذ من العطاء الجيد، وإلا فإنه سيصبح مجرد مدرس لا يقدم ولا يؤخر لعدم وجود الوقت الكافي له للبحث.

стр. 334

* فسح المجال له ليبدع وينشر أعماله، ولم لا تدريسها إلى جانب مصادر أخرى بهدف توسيع أفق الطالب من جهة، ومن جهة ثانية الاستفادة من خبرة الأستاذ. * استعمال وسائل الإيضاح. ٣ ـ فيما يخص الكتاب المقرر: * العمل على تأليف كتب في علوم الحديث تعتمد التيسير، ولنا في ذلك سند من سلوك المحدثين وغيرهم في هذا الباب، إذ كانوا يؤلفون مبسوطات، ثم يختصرونها للسبب المذكور، فهذا العراقي في معرض بيانه سبب تأليفه (كتاب المستفاد من مبهمات المتن والإسناد) ذكر الصعوبة التي يجدها الباحث في مصنفات من ألف في ذلك مثل كتب أبي محمد عبد الغني بن سعيد والخطيب البغدادي وابن بشكوال إلى أن قال: ( ... فوفقني الله تعالى، وبه الاستعانة، إلى جمع هذه الكتب في مصنف واحد، وترتيبه على الأبواب الفقهية ليسهل الكشف منه على من أراد ذلك ... ) (١) . وهذا ابن بلبان لما أراد تبيين سبب تأليفه الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان، قال بعد أن رفع من شأنه: ( ... لكنه لبديع صنعه، ومنيع وضعه، قد عز جانبه، فكثر مجانبه، تعسر اقتناص شوارده، فتعذر الاقتباس من فوائده وموارده، فرأيت أن أتسبب لتقريبه، وأتقرب إلى الله بتهذيبه وترتيبه، وأسهله على طلابه ... ) (٢) ، وهذا النواوي سمى كتابه في علوم الحديث: (التقريب والتيسير) ... فظهرت بذلك عناية المحدثين بتيسير علوم الحديث كل حسب الحاجة التي رآها والكيفية التي ارتضاها. وإننا، بهذا المسلك، نشارك في خلق ثقافة حديثية لا تقتصر على طلاب العلوم الشرعية. * ضبط المصطلحات كما وردت على لسان أصحابها حتى لا يقع الخلط بين إطلاقات العلماء، ويتم تنبيه الطلبة إلى مغبة استعمال ذلك في غير وجهها، لأنه يؤدي إلى تشويه الفكرة. * التدرج من اليسير إلى الصعب بشكل مستساغ مقبول.

стр. 335

* الربط بين الجانبين النظري والتطبيقي. * دراسة علوم الحديث في إطار وحدات موضوعية حتى يتم استيعابها وفهمها. * استحداث جائزة لأحسن كتاب يؤلفه باحث أو يشارك فيه مجموعة من الباحثين يتوخى فيه الجدة والتيسير. ٤ ـ فيما يخص المنهاج: * وجوب توزيع محاور علوم الحديث على جميع سنوات الدراسة، وبهذه الكيفية نضمن استمرار تواصل الطالب معها، واستيعابه وفهمه لها. * تناسب مفردات المقرر مع كل فصل بحيث لا يكون أكبر من الحجم الذي يجب أن يكون عليه ولا أصغر منه، وفي مستوى إدراك الطالب. * تخصيص قاعة للتخريج مزودة بكافة المصادر المحتاج إليها. * الزيادة في عدد الساعات المعتمدة في علوم الحديث والتخريج. في جميع الأحوال، إن العلوم الشرعية لها خصوصياتها التي تتميز بها، واتباع الطريقة الغربية في التدريس أخل بمستوى التعليم عندنا، لأننا أصبحنا نقدم الشهادات بناء على عدد سنوات الدراسة ونجاح الطالب فيها، لا على حسن التمكن من العلوم الشرعية. لأجل هذا، فإن تكوين علماء معتمدين يتطلب تغيير السياسة التعليمية، لأنها إن كانت صالحة في التعليم الغربي فلأن علومها يمكن حصرها في مدة زمنية خلافا للعلوم الشرعية. وأخيرا أقول: ميزة المحدثين أنهم يعتبرون أنفسهم دوما في مرحلة الطلب. لائحة المصادر والمراجع ١ - القرآن الكريم. ٢ - الإحسان بترتيب صحيح ابن بلبان - ت. شعيب الأرنؤوط - مؤسسة الرسالة - بيروت - ١٤٢٤ / ١٩٩٣. ٣ - البخاري بشرح الكرماني (الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري) - دار إحياء التراث العربي - بيروت - ط ٢ - ١٤٠١ / ١٩٨١. ٤ - أبو بكر بن العربي وجهوده في الدراسات الحديثية: أ. د. المكي بن أحمد اقلاينة - أطروحة دكتوراه الدولة - كلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان / المغرب - ١٩٩٣. ٥ - تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي: السيوطي، جلال الدين - ت. عبد الوهاب عبد اللطيف - دار التراث - مصر - ط٢ - ١٣٩٢ / ١٩٧٢.

стр. 336

٦ - تذكرة الحفاظ: الذهبي، أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان - دار إحياء التراث العربي - بيروت - مصورة دائرة المعارف الإسلامية - الهند - ط ٣ - ١٣٧٧ / ١٩٥٨. ٧ - تفسير ابن أبي حاتم الرازي، عبد الرحمن بن محمد - ت. أسعد محمد الطيب - المكتبة العصرية - صيدا - د. ت. ٨ - جامع البيان عن تأويل آي القرآن: الطبري، محمد بن جرير - دار الفكر - بيروت - ١٤٠٥. ٩ - ابن حزم الأندلسي وأثره في الدراسات الحديثية: أ. د. المكي بن أحمد اقلاينة - رسالة دبلوم الدراسات العليا (دكتوراه حلقة ثالثة) - كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط / المغرب - ١٩٨٨. ١٠ - سنن الدارقطني، علي بن عمر - ت. السيد عبد الله هاشم يماني المدني - دار المعرفة - ١٣٨٦ / ١٩٦٦. ١١ - سنن البيهقي الكبرى: البيهقي، أحمد بن الحسين بن علي - مكتبة دار الباز - مكة المكرمة - ١٤١٤ / ١٩٩٤. ١٢ - سير أعلام النبلاء: الذهبي - حقق الجزء ١٥: شعيب الأرنؤوط وإبراهيم الزيبق- مؤسسة الرسالة - بيروت - ط٢ - ١٤٠٤ / ١٩٨٤. ١٣ - شعب الإيمان: البيهقي - ت. محمد السعيد بن بسيوني زغلول - دار الكتب العلمية - بيروت - ط ١ - ١٤١٠ / ١٩٩٠. ١٤ - كتاب تلخيص المتشابه في الرسم وحماية ما أشكل منه عن بوادر التصحيف والوهم: الخطيب البغدادي، أحمد بن علي بن ثابت - ت. سكينة الشهابي - دمشق - ١٩٨٥. ١٥ - كتاب المستفاد من مبهمات المتن والإسناد: العراقي، أبو زرعة أحمد ابن عبد الرحيم - ت. عبد الرحمن عبد الحميد البر - دار الوفاء ودار الأندلس الخضراء - مصر - السعودية - ط ١ - ١٤١٤ / ١٩٩٤. ١٦ - عمدة القاري شرح صحيح البخاري: العيني، بدر الدين محمود بن أحمد - دار إحياء التراث - بيروت - د. ت. ١٧ - لسان الميزان: ابن حجر العسقلاني - منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات - بيروت - ط ٢ - ١٣٩٠ / ١٩٧١.

стр. 337

١٨ - المؤتلف والمختلف، المعروف بالأنساب المتفقة في الخط، المتماثلة في النقط والضبط: ابن القيسراني، أبو الفضل محمد بن طاهر - تقديم وفهرسة: كمال يوسف الحوت - دار الكتب العلمية - بيروت - ط ١ - ١٤١١ / ١٩٩١. ١٩ - الموافقات في أصول الشريعة: الشاطبي، أبو إسحاق إبراهيم بن موسى اللخمي - ت. الشيخ عبد الله دراز - المكتبة التجارية - د. ت. ٢٠ - النظم التعليمية عند المحدثين في القرون الثلاثة الأولى: أ. د. المكي ابن أحمد اقلاينة - مطبعة طوب بريس - الرباط - ٢٠٠٢. الوثائق ١ - استمارة وزعت على طلاب كلية الدراسات الإسلامية والعربية بدبي. ٢ - وثيقة شروط القبول، صادرة عن كلية الدراسات الإسلامية والعربية بدبي سنة ٢٠٠٢ - ٢٠٠٣.

стр. 338

مشكل علم مصطلح الحديث في العصر الحديث د. أبشر عوض محمد إدريس أستاذ الحديث المساعد في كلية أصول الدين عميد كلية التنمية البشرية جامعة أم درمان الإسلامية المقدمة: الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على رسوله الأمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وبعد فإني قد كنت عقدت العزم على كتابة مباحث في علم مصطلح الحديث وذلك بمناسبة انقضاء مائة عام على تأليف الإمام جمال الدين القاسمي لكتابه القيم: قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث، إذ ورد في خاتمته قوله (بحمد الله تم مقابلة على أصلي، وكتبه مؤلفه جمال الدين في ١٩ ذي الحجة ١٣٢٤هـ) . وها نحن في العام ١٤٢٤هـ من هجرة المصطفى.. فما عزمنا على كتابته من عند أنفسنا بحول الله وقوته - عضدته ندوة (علوم الحديث - واقع وآفاق) في كلية الدراسات الإسلامية والعربية في دبي، نسأل الله بدءً وختماً ... أن ينفع بها وبالقائمين على أمرها، إنه ولي التوفيق ... وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. لا شك عند كل دارس وباحث في أصول الرواية، ونقل الأخبار أن علماء الأمة الإسلامية وعلى وجه التحديد علماء الحديث الشريف قد أرسوا دعائم وقعّدوا قواعد في منهجية نقل ونقد الأخبار بما لم تسبقهم إليه أمة من الأمم، ونقلوا سنة الرسول (في كبير أمرها وصغيره، في شتى مناحي الحياة الإنسانية حتى إن بعض من كتب في المباحث التاريخية نصَّ على أن كل الديانات المعروفة للبشر أخضعت لمقاييس التاريخ ونقل الأخبار، فلم يجدوها - بسبب نقل الأتباع لأنبائها وأحداثها - حازت على شروط الرواية المرضية إلا الإسلام ولذا قالوا: لقد ظهر الإسلام في ضوء التاريخ الكامل. بل ذهب عالم نصراني متخصص في التاريخ - وهو أسد رستم - إلى أن ألف كتاباً في أصول الرواية التاريخية إعتمد فيه على قواعد مصطلح الحديث، واعترف بأنها أصح طريقة علمية حديثة لتصحيح الأخبار والروايات.

стр. 339

وقد قال في الباب السادس (العدالة والضبط) بعد أن ذكر وجوب التحقق من عدالة الراوي والأمانة في خبره، (ومما يذكر مع فريد الإعجاب والتقدير ما توصل إليه علماء الحديث منذ مئات السنين في هذا الباب، وإليك بعض ما جاء في مصنفاتهم نورده بحروفه وحذافيره تنويهاً بتدقيقهم العلمي، واعترافاً بفضلهم على التاريخ، ثم آخذ في نقل نصوص عن الإمام مالك، والإمام مسلم صاحب الصحيح والغزالي والقاضي عياض وأبي عمرو بن الصلاح) (١) . ولكن هذه الجهود الضخمة الجبارة التي أذعنت لسطوتها أعناق وجباه العلماء ممن ذكرنا آنفاً لا تجد من يواكبها ويجاريها بذات النفس في عصرنا الحديث إلا القليل النادر. فحق لنا أن ننشد: ذهب الذين يقال عند فراقهم...ليت البلاد بأهلها تتصدع وقد شغلت بهذا الأمر حيناً من الدهر، وطرحناه مذاكرة مع أهل العلم ومناقشة مع طلابه وكما أسلفت كنا بصدد كتابة تعليقات في الذكرى المائة لكتاب الإمام القاسمي نتناول بعض ما نراه سبباً أو أسباباً لتراجع الدراسات الحديثية على كثرة الطارقين لبابها. ثم من بعد ذلك الحلول، فنقول والله الموفق إن من أسباب ذلك في ما نراه الآتي: الافتقار إلى حسن الترتيب والتقسيم: هناك ناحيتان يتأثر بهما نسق التأليف وتتميز بهما منهجية الكتابة والتدوين في أي فن من الفنون وهما: أـ المدة الزمنية بين نشوء قواعد العلم إلى حين نضجه واستوائه على سوقه، فإن أي علم يبدأ بقواعد صغيرة ومتباعدة ثم لا يزال العلماء يكتبون ويصححون وينقحون ويجمعون بين الأشباه والنظائر حتى تتكامل قواعد ذلك الفن في حدود اجتهاد العقل الإنساني. ب ـ وأما الناحية الثانية فهي المجتمع الفكري والعلمي الذي يستهدفه المصنف بتصنيفه، ومن ثم تتباين المصنفات إيجازاً وإسهاباً، تعقيداً وتبسيطاً.

стр. 340

وعلم مصطلح الحديث ليس بدعاً من العلوم ... وبمراجعة كلام الحافظ في النخبة نجده يؤرخ للتصنيف في علم المصطلح فيقول: (فمن أول من صنّف في ذلك: القاضي أبو محمد الرامهرمزي في كتابه) المحدث الفاصل (لكنه لم يستوعب والحاكم أبو عبد الله النيسابوري لكنه لم يهذب ولم يرتب وتلاه أبو نعيم الأصفهاني فعمل على كتابه مستخرجاً وأبقى أشياء على المتعقب ثم جاء بعدهم الخطيب أبو بكر البغدادي فصنّف في قوانين الرواية كتاباً سماه (الكفاية) وفي آدابها كتاباً سماه (الجامع لآداب الراوي والسامع) وقلَّ فن من فنون الحديث إلا وقد صنّف فيه كتاباً مفرداً، فكان كما قال الحافظ أبو بكر بن نقطة: (كل من أنصف علم أن المحدثين بعد الخطيب عيال على كتبه) . ثم جاء بعض من تأخر عن الخطيب فأخذ من هذا العلم بنصيب فجمع القاضي عياض كتاباً لطيفاً سماه (الإلماع) وأبو حفص الميانجي جزءً سماه (ما لا يسع المحدث جهله) وأمثال ذلك من التصانيف التي اشتهرت وبسطت ليتوفر علمها واختصرت ليتيسر فهمها. إلى أن جاء الحافظ الفقيه تقي الدين أبو عمر عثمان بن الصلاح عبد الرحمن الشهرزوري نزيل دمشق فجمع لما ولي تدريس الحديث بالمدرسة الأشرفية كتابه المشهور فهذب فنونه وأملاه شيئاً بعد شئ فلهذا لم يحصل ترتيبه على الوضع المتناسب، ثم تكلم الحافظ عن كتابه هو قال: فلخصته في أوراق لطيفة سميتها (نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر) على ترتيب ابتكرته، وسبيل انتهجته مع ما ضممت إليه من شوارد الفرائد وزوائد الفوائد، فرغب إلي ثانياً أن أضع عليها شرحاً يحل رموزها ويفتح كنوزها ... الخ) (١) .

стр. 341

بالنظر في هذا الموجز التاريخي لحركة التأليف في المصطلح كما ذكره الحافظ فقد تراوح وصف تلك المؤلفات وتقسيمها عند ابن حجر بالآتي: ١- عدم الاستيعاب مما ترك مجالاً للزيادة والتعقيب. ٢- عدم التهذيب والترتيب. ٣- البسط والإطالة. وقد احتفى الحافظ بكتاب ابن الصلاح أيما احتفاء ولكنه أيضاً أخذ عليه إنه لم يحصل له الترتيب على الوضع المناسب وعلل ذلك بأن تصنيفه كان إملاء شيئاً بعد شيء ... وعليه فقد كتب ابن حجر (النخبة) ليسدد بها ذاك الخلل الذي رآه. مقارنة بين منهج المقدمة ونخبة الفكر: حقاً لقد وضع الحافظ ابن حجر كتابه على ترتيب ابتكره كما وعد وبالمقارنة بين الكتاب وأصله نخلص للآتي: أولاً: بادر الإمام ابن الصلاح في أول مقدمته إلى شرح أنواع الحديث مباشرة، الصحيح، الحسن، الضعيف وهكذا، غير أن الحافظ ابن حجر شرع في تبيان مصطلحات تتعلق بهذا الفن. فشرح أولا معنى الخبر الأثر.. ولكنه ﵀ وهو يشرح هذه المصطلحات اعترضته مصطلحات أخرى اضطر إلى شرحها مما ادخله في جمل إعتراضية طويلة تشتت ذهن القارئ والدارس فمثلاً يقول (الخبر عند علماء هذا الفن مرادف للحديث ... فهو باعتبار وصوله إلينا إما أن يكون له طرق أي أسانيده كثيرة لأن طرقاً جمع طريق وفعيل في الكثرة يجمع على فعل بضمتين وفي القلة على أفعل والمراد بالطرق الأسانيد والإسناد حكاية طريق المتن) . فانظر - رحمك الله - كيف يشرح الطريق بأنه الإسناد ثم وجد أن الإسناد نفسه يحتاج إلى شرح فشرحه أيضاً، وأيم الله إن شرحه أيضاً يحتاج إلى شرح لأن في أيامنا هذه هناك من لا يدري معنى (حكاية طريق المتن) (١) .

стр. 342

ومثال آخر للجملة الاعتراضية الناتجة عن شرح المصطلحات فقد قال في ص٧٧ متكلماً عن تعارض الأحاديث (وإن لم يمكن الجمع فلا يخلو إما أن يعرف التاريخ أو لا، فإن عرف وثبت المتأخر به أو بأصرح منه فهو الناسخ والآخر المنسوخ والنسخ رفع تعلق شرعي بدليل شرعي متأخر عنه والناسخ ما دل الرفع المذكور ... ثم أخذ يتكلم عن النسخ ... حتى قال ص ٧٩ وإن لم يعرف التاريخ ... فتلاحظ امتداد الجملة الاعتراضية من ص ٧٧ إلى ص ٧٩ مما دفع بمحقق الكتاب الأستاذ الدكتور/ نور الدين عتر للتنبيه عن ذلك في الحاشية ليلم للدارس والقارئ شتات أفكاره. وهذا الذي ذكرناه عند الحافظ ابن حجر نجده في غالب كتب المصطلح التي صنّفها الأئمة رضوان الله عليهم ودونك مثال ثالث عند الإمام السيوطي في كتابه (تدريب الراوي) ، يقول ص١١٧ متكلماً عن المعلقات في صحيح البخاري (فما كان منه بصيغة الجزم كقال وفعل وأمر وروى وذكر فلان فهو حكم بصحته عن المضاف إليه لأنه لا يستجيز أن يجزم بذلك ... ثم أخذ يشرح ويحلل ويفصّل حتى قال ص١٢٠) وما ليس فيه جزم كيروى ويذكر ويحكى ... الخ (فالمسافة بين) ما كان فيه جزم (وما ليس يكن فيه جزم) أربع صفحات تقريباً!!!

стр. 343

ثانياً: تلاحظ أن الحافظ ابن حجر في كتابه النخبة أخر الكلام عن أحكام الجرح والتعديل وأحوال الرواة إلى خاتمة كتابه قال (ومن المهم أيضاً معرفة أحوالهم تعديلاً وتجريحاً وجهالة لأن الراوي إما أن تعرف ... الخ) بينما وجدنا الإمام ابن الصلاح تكلم عن هذا الشأن في الثلث الأول من مقدمته ولعل صنيع الحافظ ابن حجر ﵀ يشعر أن خلاصة علم المصطلح وزبدته، وثمرة شجرته المباركة هي الانتهاء إلى القول في تصحيح الأسانيد أو تضعيفها ولا يكون ذلك إلا بالإحاطة بعلم الجرح والتعديل فأخر الثمرة إلى أوان قطفها ... وأما الإمام ابن الصلاح فقد مضى علينا أنه كتب كتابه إملاءً ولهذا لم يقع له على الترتيب المتناسب، ثم إن هؤلاء الأئمة رضوان الله عليهم قد صنّفوا لزمانهم وحسب طرائق تدريسهم فما نراه وعراً قد يكون عندهم سهلاً وما يحتاج إلى بسطه وتوضيحه تكفيهم فيه الكلمة والكلمتان. منهج التأليف لعصرنا: على كثرة المؤلفات في علم المصطلح قديماً وحديثاً وعلى جهود العلماء المباركة جميعاً لا أظن - والله أعلم - أن هناك من يشير إلى كتاب بعينه ويقول هذا الكتاب قد أوفى وأغنى. نقول ذلك ونذكر بما نبهنا عليه أولاً من أن التأليف يخضع لزمان التصنيف ومجتمع المؤلف. ومن هنا ننظر في زماننا وفي همة الدارسين ومدى إلمامهم بالعلوم.. وما يحتاجونه. فعليه أقول - وبالله التوفيق - لا بد من تعاضد جماعة من علماء الحديث وتوافرهم على تصنيف للمصطلح جديد، تختزن فيه علوم السلف رضوان الله عليهم ثم تخرج في ثوب جديد بأسلوب عصري ومنهجية في التأليف متكاملة يمكن أن نجمعها في المحاور الآتية: المحور الأول: مسرد المصطلحات

стр. 344

إن المصطلح هو الوعاء التعبيري الذي تطرح من خلاله الفكرة ولتحديد المصطلح تحديداً دقيقاً أهمية كبري في الفهم وفي التطبيق ولذلك نجد أول آية في القرآن الكريم ورد فيها النداء بـ يا أيها الذين آمنوا إنما نادت بتحديد المصطلح وطرائق التعبير وهي قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم ١٠٤ البقرة. ويمكن النظر في تفسير الإمام ابن كثير لتوضيح انتقاص اليهود من قدر رسول الله (باستخدامهم كلمة) راعنا (فمنع المولى من استعمال هذا) المصطلح، المشتبه بآخر لا لبس فيه وهو (انظرنا) وفي السنة من ذلك كثير مثل (لقد صبأنا) . وحديث أنس (مطرنا سبتاً) لا نطيل بإيراده ... كل الذي نقوله بأن تحديد المصطلح أمر غاية في الأهمية. وبالرجوع إلى كتب مصطلح الحديث نجد كثيراً من مصطلحات هذا العلم المبارك منتشرة ومبثوثة في ثنايا الكتب والفصول والمباحث، يرد المصطلح أينما ورد ... وقد تقدم شرحه أو تأخر، لا يلتفت إلى ذلك ولعل السبب - والله أعلم - أن هذه المصطلحات كانت واضحة عند الطلاب بالمشافهة والمذاكرة مع العلماء، وعندما أزف طور تدوين هذا العلم وكتابته لم يكن الإشكال الذي عندنا، عندهم ولا قصور الفهم عند دارسينا عند طلابهم. ولتوضيح ذلك نأخذ كلمة توجد في أول كتب المصطلح على إطلاقها فهم يعرفون الحديث الصحيح بأنه هو (ما اتصل سنده بنقل العدل، الضابط ضبطاً تاماً عن مثله إلى منتهاه من غير شذوذ ولا علة) . فلننظر إلى هذا التعريف بعقلية الطالب الدارس وليس بعقلية العالم المؤلف أي نتقمص شخصية الطالب، فماذا أري؟ أجد عبارة مبهمة لكي أدريها يتوقف ذلك على معرفة سابقة وأطرح الأسئلة الآتية: ١- ما معنى السند؟ ٢- وما معنى كونه متصلاً وكيف يكون؟ ٣- ومن هو العدل وما هي صفاته؟ ٤- ومن هو الضابط وكيف أعرفه؟ ٥- ما معنى منتهاه؟ ٦- ثم ما هو الشذوذ؟ ٧- وما هي العلة؟

стр. 345

وعلى ذلك قس كثيراً من مباحث علم المصطلح فهم مثلاً يتكلمون عن (الإجازة) وأضربها السبعة، أن يجيز معيناً لمعين، أن يجيز معيناً غير معين، وإجازة المجاز إلى آخره يشرحون ذلك شرحاً طويلاً دقيقاً، ولكن قبل ذلك كله. الدارس يسأل سؤالاً حائراً: ما هي الإجازة نفسها؟ قبل أن نشرح أنواعها؟ إن الإمام جلال الدين السيوطي يتناول ما ذكرناه سابقاً من ص٢٩ وحتى ص٤٤ ثم يكتب لنا سطرين في آخر مقاله تحت عنوان فائدة: قال شيخنا الإمام الشمني: الإجازة في الاصطلاح، إذن في الرواية لفظاً أو خطاً، يفيد الإخبار الإجمالي عرفاً وأركانها أربعة: (المجيز، المجاز له، والمجاز به ولفظ الإجازة) . نقول: بمنهاج المؤلفين في العصر الحديث أما كان الأولى أن يتقدم هذا التعريف قبل خمس عشرة صفحة؟ تأسيساً على ذلك - وغيره كثير - نقول لابد من إثبات مسرد كامل للمصطلحات الواردة في هذا العلم كافة، قبل الدخول في شروح مباحثه. * فمثلاً مصطلحات مثل الحديث، الأثر، الدراية، الرواية، السند المتن، الطبقة ... الخ. * اختصارات المحدثين لصيغ الأداء، مثل ثنا، أنا، نا، ينميه، يرفعه، علامات تحويل الإسناد ... إلى غير ذلك من المصطلحات ... وأذكر ينبغي أن ننظر بعين الدارس وليس العالم الذي يرى ما ذكرناه سابقاً من الواضحات التي لا تحتاج إلى توضيح. * ثم لا بأس بأن نأتي بمسرد مصطلحات الفرق الإسلامية فإن هذا ملحظ مهم في رواية الحديث - وإن كان على دارس السنة وعلومها أن يلم بطرف من كتب العقائد - فإن أئمة هذا الشأن كثيراً ما يصفون راوياً من الرواة بـ: (رمي بالنصب، رمي بالارجاء، كان رافضياً، هو من المرجئة ... الخ) . المهم تذليل كل كلمة مشكلة على الدارس قبل البدء في سرد مسائل علم المصطلح المحور الثاني: مباحث علم المصطلح نفسه

стр. 346

أما إذا استطعنا تذليل صعوبات ووعورة المصطلحات ... فنحتاج بعد إلى صياغة علمية متقنة وفي الوقت نفسه ميسرة لدارسي هذا العلم وأيضا نرى - والله اعلم - ان يقوم بذلك فريق من العلماء أهل الاختصاص يكمل بعضهم بعضاً ولننظر في كلام الشيخ رشيد رضا في تقديمه لكتاب (قواعد التحديث) للإمام القاسمي قال: (ليتني كنت أملك من وقتي الحاشك بالضروريات، الحاشد بالواجبات، فرصة واسعة أو نهزاً متفرقة في شهر أو شهرين أقرأ فيها هذا السفر النفيس كله، فأتذكر به من هذا العلم ما لَعَلي نسيت، وأتعلم مما جمعه المؤلف فيه ما جهلت، فهو الحقيق بأن يقرأ ماكتب، ويحصي ماجمع، لتحريه النفع، وحسن اختياره في الجمع، وسلامة ذوقه في التعبير والتقسيم والترتيب والوضع، وبلغ في مصنفه هذا سدرة المنتهي من هذا العلم الاصطلاحي المحض، الذي يوعي بكد الحافظة، ويستنبط بقوة الذاكرة، فلا يستلذه الفكر الغواص على حقائق المعقولات، ولا الخيال الجوال في موارد الشعريات، ولا الروح المرفرف في رياض الأدب أو المحلق في سماء الإلهيات - إذ جعله كأنه مجموعة علوم وفنون وأدب وتاريخ وتهذيب وتصوف، مصطفاة كلها من علم حديث المصطفى صلوات الله عليه وعلى آله، ومن كتب طبقات العلماء المهتدين به، كأنه قرص من اقرص إبكار النحل، جنته من طرائف الأزهار العطرية، ومجت فيه عسلها المشتار من طوائف الثمار الشهية، فلعل الظمآن لهذا العلم لا يجد فيه كتاباً تطيب له مطالعته كله، فينهله ويعله ولا يمله، كأنه أقصوصة حب أو ديوان شعر اللهم إلا هذا الكتاب) (١) .

стр. 347

ويقول أيضاً الشيخ رشيد رضا: كذلك وقد ألف الأستاذ الشيخ طاهر الجزائري ﵀ بعده كتاب (توجيه النظر إلى أصول أهل النظر) وهو موضوع كتاب (قواعد التحديث) والعلامتان الجزائري والقاسمي كانا سِيَّيْنِ في سعة الاطلاع وحسن الاختيار، إلا أن الجزائري اكثر اطلاعاً على الكتب وولوعاً بالاستقصاء والبحث، والقاسمي اشد تحرياً للإصلاح وعناية بما ينفع جماهير الناس، فمن ثم كان كتاب الجزائري، وهو أطول قاصراً على المسائل الخاصة بمصطلح الحديث وكتب المحدثين التي قلما ينتفع بها إلا المشتغلون بهذا العلم،، فقد وفى بعض مسائلها حقه من الاستقصاء بما لم يفعله القاسمي، وكأنه أطال كل الإطالة بتلخيص (كتاب علوم الحديث) للحاكم النيسابوري وهي اثنان وخمسون نوعاً، ثم بما لخصه من كتاب (علل الحديث) لابن أبى حاتم الرازي..، ثم بما استطرد من الكلام في مبحث كتابة الحديث إلى الكلام في (الخط العربي وتدرجه بالترقي إلى وصوله للكمال الذي عليه الآن، وما يحتاج إليه بعد هذا الكلام من علائم الوقف والابتداء) وهو على إطالته في هذا الفن، لم يراعه في هذا الفن وكتابه كأكثر الكتب القديمة، وكتاب القاسمي كما علمت في قسيمة وتفصيل عناوينه والبياض بينها لتسهل المطالعة والمراجعة، فهو في هذا وفي طبعه على أحسن ما انتهت إليه الكتب الحديثة،، كما أنه أكثر جمعاً وأعم نفعاً) (١) . من هذا الاستعراض لإفادة الشيخ رشيد رضا والموازنة بين كتابي القاسمي والجزائري. يمكن أن نخلص إلى مؤشرات طيبة في ما ينبغي أن نيسر به على طلاب الحديث بدءاً من المحتوى العلمي وانتهاء بطباعة الكتاب والعناية بإخراجه وهذا مالا يخفى إن شاء الله على السادة العلماء الذين توافدوا لخدمة سنة رسول الله ﷺ . المحور الثالث: مباحث علم الجرح والتعديل

стр. 348

وهذا المحور على خطورته، نجد فيه قصوراً كبيراً جداً عند الطلبة بل وأقول عند من يظن أنه بلغ في هذا العلم مبلغاً ورحم الله الإمام الذهبي فقد قال: والكلام في الرواة يحتاج إلى ورع تام، وبراءة من الهوى والميل، وخبرة كاملة بالحديث وعلله ورجاله ثم نحن نفتقر إلى تحرير عبارات التعديل والجرح وما بين ذلك من العبارات المتجاذبة. ثم أهم من ذلك أن نعلم بالاستقراء التام عرف ذلك الإمام الجهبذ واصطلاحه، ومقاصده بعباراته الكثيرة. أما قول البخاري: سكتوا عنه فظاهرها أنهم ما تعرضوا له بجرح وتعديل، وعلمنا مقصده بالاستقراء أنها معنى تركوه. وكذا عادته إذا قال (فيه نظر) بمعنى أنه متهم، أو (ليس بثقة) فهو عنده أسوء حالاً من الضعيف. وبالاستقراء إذا قال أبو حاتم (ليس بالقوي) يريد بها: أن هذا الشيخ لم يبلغ درجة القوي الثبت، والبخاري يطلق على الشيخ (ليس بالقوي) ويريد أنه ضعيف. ومن ثم قيل تجب حكاية الجرح والتعديل، فمنهم من نفسه حاد في الجرح ومنهم من هو معتدل ومنهم من هو متساهل. فالحاد فيهم: يحيى بن سعيد، وابن معين، وأبو حاتم، وابن خراش وغيرهم. والمعتدل فيهم: أحمد بن حنبل، والبخاري، وأبو زرعة. والمتساهل: كالترمذي، والحاكم، والدارقطني في بعض الأوقات (١) .

стр. 349

ثم إن العلم بالرجال وطبقاتهم ميزان علو كعب الرجل في مدارج علوم الحديث وبه ينال التوقير والتبجيل. لما دخل الإمام الذهبي على الإمام ابن دقيق العيد قال له: (من أين جئت؟ قال: من الشام، قال: بم تعرف؟ قال: بالذهبي، قال: من أبو طاهر الذهبي؟ قال له: المخلِّص، فقال: أحسنت، فقال: من أبو محمد الهلالي؟ قال سفيان بن عينيه، قال: أحسنت، أقرأ ومكنه من القراءة حينئذٍ إذ رآه عارفاً بالأسماء) (١) . أقول أليس من الغريب أن نجد عندنا اليوم من طلبة الحديث من لا يستطيع التمييز بين الحمادين والسفيانين، ولا يدري كيف تكون المتابعة، وغير ذلك من أوليات دراسة الإسناد؟ بل وجدنا في رسائل الدراسات العليا (الماجستير أو الدكتوراه) من العجائب ما لا يصدق: * فمثلاً في مسند الإمام أحمد وجدنا من لا يميز بين أحاديث المسند وزوائد عبد الله على أبيه. * وأكبر من ذلك هناك من يسوق الإسناد، حدثنا عبد الله حدثني أبي ... ثم يذهب يترجم لعبد الله ولأبيه ثم يذكر أقوال علماء الجرح والتعديل. * واعجب من ذلك من يسوق أسانيد كتاب الزهد للإمام عبد الله بن المبارك، ثم يضعف الإسناد بأحد الرواة بعد عصر ابن المبارك بسنوات، وإسناد ابن المبارك كالشمس. إلى ذلك من الطامات التي لا تحصى. كيف كان ذلك؟ ولم هذا القصور الكبير ... ؟ يرجع ذلك بحسب رأينا - والله أعلم - إلى جملة أسباب لعل من أهمها الآتي:

стр. 350

١ ـ التقليد المطلق والتسليم التام لكتابات بعض المعاصرين من الباحثين والمصنفين في الحديث وعلومه والاكتفاء بما كتبوه وقرروه، وحتى إذا ما اضطروا بحسب المناهج البحثية العلمية الأكاديمية بالرجوع إلى المصادر الأصلية، رجعوا إليها وأعينهم مع كتابات المعاصرين ليصلوا إلى ذات النتائج وما عليهم إلا أن يغيروا أرقام الصفحات وطبعات الكتب وتواريخها، هذا المسلك حجب عنهم حظاً عظيماً من العلم والتعلم ... فضلاً عن أغلاط وقع فيها بعض من قلدوهم ونهجوا نهجهم. ولا نريد استقصاء هذا الأمر ولكن نكتفي ببعض أمثلة من ذلك: أولاً: في مجال تخريج الأحاديث والحكم عليها، انتشرت انتشاراً عظيماً كتب الشيخ / ناصر الدين الألباني ﵀، واحتفى بها بعض الناس احتفاءً عظيماً لدرجة المبالغة والغلو، حتى إن مشرفاً على مكتبة إسلامية عامة استبعد من صفوف الكتب التي تضمها هذه المكتبة سنن الإمام ابن ماجة. فسألته لم استبعدت هذا الكتاب وهو الأصل السادس كما تعلم؟ فكانت الإجابة مذهلة وقال: لله الحمد والمنة اقتنينا للمكتبة (صحيح ابن ماجة) للشيخ الألباني.. فلا حاجة لنا بالكتاب إذ ما بقي فيه إلا الضعيف.. والضعيف قال فيه العلماء.. ثم اخذ يشرح مذاهب العلماء في الأخذ بالضعيف أو طرحه ومن ثم أيضاً تدور الدوائر بذات المنطق على سنن أبي داود والترمذي والنسائي. هذا دفعنا إلى أن ننبه هذا الرجل ومن تشرب مشربه إلى ما كتبه الإمام الحاكم في المدخل قال: (ولعل قائلاً يقول: وما الغرض في تخريج ما لا يصح سنده ولا يعدل رواته؟ والجواب عن ذلك من أوجه وهي: ١ ـ إن الجرح والتعديل مختلف فيهما، وربما عدل إمام وجرح غيره. ٢ ـ وكذلك الإرسال مختلف فيه، فمن الأئمة من رأي الحجة به، ومنهم من أبطلها.

стр. 351

٣ ـ والأصل فيه الإقتداء بالأئمة الماضين ﵃ أجمعين، كانوا يحدثون عن الثقات وغيرهم، فإذا سئلوا عنهم بينوا أحوالهم، وهذا مالك بن أنس إمام أهل الحجاز بلا مدافعة روى عن عبد الكريم أبي أمية البصري وغيره ممن تكلموا فيهم، ثم أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي وهو الإمام لأهل الحجاز بعد مالك، روي عن إبراهيم بن محمد بن أبي يحي الأسلمي، وأبي داود سليمان بن عمرو النخعي وغيرهما من المجروحين، وهذا أبو حنيفة إمام أهل الكوفة روى عن جابر بن يزيد الجعفي وأبي العطوف الجراح بن المنهال الجزري وغيرهما من المجروحين. ثم بعده أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم القاضي وأبو عبد الله محمد بن الحسن الشيباني حَدَّثَا جميعاً عن الحسن بن عمارة وعبد الله بن مُحَرَّر وغيرهما من المجروحين. وكذلك من بعدهما من أئمة المسلمين قرناً بعد قرن أو عصراً بعد عصر إلى عصرنا هذا، لم يخل حديث إمام من أئمة الفريقين من مطعون فيه من المحدثين. وللأئمة ﵃ في ذلك غرض ظاهر: وهو أن يعرفوا الحديث من أين مخرجه، والمنفرد به عدل أو مجروح؟ سمعت أبا العباس محمد بن يعقوب يقول، سمعت العباس بن محمد الدوري يقول، سمعت يحي بن معين يقول: (لو لم نكتب الحديث من ثلاثين وجهاً ما عقلناه) . أخبرنا دعلج بن أحمد ببغداد، حدثنا أحمد بن على الأبار قال: قال يحي بن معين: (كتبنا عن الكذابين، وسجرنا به التنور، وأخرجنا به خبزاً نضيجاً) (١) . إذاً هذه التجزئة للكتب الأصول بهذه الصورة أوقعت لبساً عظيماً عند من قصر به العلم والبحث واكتفي بالتقليد. فإذا كان الأئمة رضوان الله عليهم لم يوافقوا الإمام ابن الصلاح في قوله بتعذر التصحيح فكيف نقلد المعاصرين؟

стр. 352

قال الشيخ شاكر ﵀ في الباعث (ذهب ابن الصلاح إلى أنه قد تعذر في هذه الأعصار الاستقلال بادراك الصحيح بمجرد اعتبار الإسناد ومنع - بناءً على هذا - من الجزم بصحة حديث لم نجده في أحد الصحيحين ولا منصوصاً على صحته في شئ من مصنفات أئمة الحديث المعتمدة المشهورة، وبنى على قوله هذا: إن ما صححه الحاكم من الأحاديث ولم نجد فيه لغيره من المعتمدين تصحيحاً ولا تضعيفاً حكمنا بأنه حسن، إلا أن يظهر فيه علة توجب ضعفه، وقد ردّ العراقي وغيره قول ابن الصلاح هذا، وأجازوا لمن تمكن وقويت معرفته أن يحكم بالصحة أو بالضعف على الحديث بعد الفحص عن إسناده وعلله، وهو الصواب. قال الشيخ شاكر: (والذي أراه أن ابن الصلاح ذهب إلى ما ذهب إليه بناءً على القول بمنع الاجتهاد بعد الأئمة، فكما حظروا الاجتهاد في الفقه أراد ابن الصلاح أن يمنع الاجتهاد في الحديث، وهيهات، فالقول بمنع الاجتهاد قول باطل، لا برهان عليه من كتاب ولا سنة، ولا نجد له شبه دليل) (١) . وقد ذكر الإمام الكتاني في رسالته بعد سرده للكتب من بعد الصحيحين وما فيها من أنواع الحديث قوة وضعفاً قال: (وحينئذٍ لابد من النظر في أحاديث كل ليحكم على كل واحد منها بما يليق) (٢) .

стр. 353

بل ليت الأمر وقف عند حدود طلبة العلم المبتدئين فقد تعداه إلى من ينتسب إلى العلم في أعلي مدارجه، فقد كنت أرسلت كتاباً إلى مؤسسة علمية أكاديمية رفيعة في بلد عربي، فرأت الجهات المسئولة أن تعرض كتابنا هذا على محكمين لإبداء الرأي فيه ... فمما قرأته بخط للمحكم اعتراضه على حديث أوردناه وهو حديث أبي خزامة عن أبيه قال: قلت: (يا رسول الله، أرأيت رقى نسترقيها، ودواء نتداوى به، وتقاة نتقيها هل ترد من قدر الله شيئاً؟ قال: هي من قدر الله) قال المحكم: (أورد - أي المؤلف - حديثاً ضعيفاً ولم يشر إلى ضعفه والحديث كما قرر العلامة الألباني ضعيف، وذلك في كتابه ضعيف الترمذي) . ولم ندر ممن نعجب من عالم محكم في بحوث علمية، يرجع في أحكامه إلى التقليد أو نعجب من أن هذا الحديث نفسه الذي ضعّفه الألباني حسنّه الألباني في مكان آخر من كتبه وذلك في تخريجه لأحاديث كتاب (مشكلة الفقر) ص١٣ برقم،١١ إذ قال عنه: (حسن) . أقول: فإذا كان هذا حال العلماء المحكمين، فما بال صنيع الطلبة الدارسين. ٢ ـ الاعتماد على المختصرات: وأما في تراجم الرواة والحكم على الأسانيد ... فقد ذهبت طائفة عظيمة في أزماننا هذه على اعتماد قول الحافظ ابن حجر في تقريب التهذيب بصورة تكاد تكون نهائية، وإن كنا نوافق الدكتور الطحان في قوله عن التقريب (والكتاب جيد ومفيد، كاف لطلبة العلم المبتدئين في الفن، لاسيما في موضوع الحكم على الشخص من حيث الجرح والتعديل، فانه يعطي المراجع عصارة الأقوال فيه لكنه مضغوط جداً) (١) . ونعقب على ذلك فنقول:

стр. 354

١ ـ إن الحافظ ابن حجر على جلالة قدره في هذا الفن، إلا أن هناك بعض هنات وهفوات وقعت في التقريب، كأن يتضارب حكم الحافظ على رجل في موضعين في كتابه، أو يوثقه حيناً ويجهله حيناً آخر، وقد تتبع بعض هذه الهفوات الأستاذ / محمد عوامة فليراجع (١) . ولا حرج في هذا التتبع ممن تمكن ودقق في علم الرجال، فهذا أبو حاتم جهل جماعة من الرواة ولم يسلم له العلماء بذاك، قال الإمام السيوطي في التدريب (جهل جماعة من الحفاظ قوماً من الرواة لعدم علمهم بهم، وهم معروفون بالعدالة عند غيرهم، وأنا أسرد ما في الصحيحين: من ذلك أحمد بن عاصم البلخي جهله أبو حاتم لأنه لم يخبر بحاله ووثقه ابن حبان وقد روى عنه غيره، وأسباط أبو اليسع جهله أبو حاتم ووثقه ابن المدينى، وابن حبان، وابن عدي وروى عنه البخاري وأبوزرعة والحسين بن الحسن بن يسار جهله أبو حاتم ووثقه الذهلي وروى عنه أربعة ثقات، وعباس بن حسين القنطري جهله أبو حاتم ووثقه أحمد وابنه وروى عنه البخاري) (٢) . ولذلك قال العلامة اللكنوي: لا تغتر بقول أبي حاتم في كثير من الرواة على مايجده من يطالع (الميزان) وغيره أنه مجهول مالم يوافقه غيره من النقاد العدول، فإنَّ الأمان من جرحه بهذا مرتفع عندهم، فكثيراً ماردوا عليه بأنه جهل من هو معروف عندهم، فقد قال الحافظ ابن حجر في مقدمة فتح الباري: الحاكم بن عبد الله البصري قال ابن أبى حاتم عن أبيه: مجهول، قلت: ليس بمجهول من روي عنه أربعة ثقات ووثقه الذهلي.

стр. 355

وقال أيضا: عباس القنطري قال ابن أبى حاتم عن أبيه مجهول. قلت: إن أراد العين فقد روى عنه البخاري، وموسى بن هلال، والحسن ابن علي المعمري، وإن أراد الحال فقد وثقه عبد الله بن أحمد قال: سألت أبى، فذكره بخير، وقال ابن دقيق العيد: لا يكون تجهيل أبى حاتم حجة، ما لم يوافقه غيره. ٢ ـ ومما يؤخذ على من عكف على التقريب فحسب، ولم يراجع المطولات من كتب الجرح والتعديل، إن ملكة النقد عنده تكون ضعيفة وليست بذات بال، ويتبين ذلك جلياً عندما يكون الرجل المترجم له ليس من رواة الكتب الستة، عندها يحار الباحث في الحكم تجريحاً أو تعديلاً. أما عن تنزيل أحكام الجرح والتعديل بما في التقريب، كما قسمها الشيخ العلامة /أحمد محمد شاكر في كتابه الباعث الحثيث، حتى أصبحت هذه العبارات والتقسيمات عبارة عن قوالب جاهزة، توضع دون النظر واعمال الفكر فيها، أقول هذا التنزيل وهذه الأحكام يفيد فيها إن شاء الله ما كتبه الدكتور /وليد العاني في كتابه منهج دراسة الأسانيد) (١) . وبعد هذا كله نقول إن علوم الحديث والسنة المشرفة لا تنفصل بحال عن باقي علوم الإسلام من تفسير وفقه وعقائد وعلوم اللغة العربية، إذ بهذه العلوم تتقوى ملكة الطالب ويتدرب على فنون العلم. قال الذهبي: أول ما ينبغي تقديمه مقدمة في الاعتقاد تشتمل على الدليل على معرفة الله ويذكر فيها ما لابد منه، ثم يعرف الواجبات، ثم حفظ القرآن الكريم، ثم سماع الحديث.
следующие страницы →