Полный текст (758 стр.). Показаны 736–758 · переход к 741.
стр. 736
وَاعتُبِر ذكرُ شُرُوطِ مشهودٍ بِهِ (١) ، وَيجبُ إشهادٌ فِي نِكَاحٍ، وَيُسنُّ فِي غَيرِهِ (٢) .
وَشُرِطَ فِي شَاهدٍ إسلامٌ، وبلوغٌ، وعقلٌ، ونطقٌ، لَكِن تُقبَلُ من أخرسَ بِخَطِّهِ، وَمِمَّن يُفِيقُ حَال إفاقتِه، وعدالةٌ (٣) . الحواشي
(١) أي: يشترط على من شهد بعقد أو غيره كرضاع أن يذكر شروطَه لتصح شهادته، فمن شهد برضاع مثلاً ذكر عدد الرضعات المحرّمة وغيره من الشروط؛ للاختلاف فيها، فربما اعتقد الشاهد صحة ما لا يصح عند القاضي.(٢) فكل العقود كالبيع والإجارة وغير ذلك يسن فيها الإشهاد ولا يجب، إلا النكاح، فيجب فيه. (فرق فقهي)(٣) فيشترط في الشاهد: ١ - الإسلام؛ لقوله تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ [البقرة، ٢٨٢]، ٢ - والبلوغ، فلا تقبل شهادة الصغار ولو على بعضهم، ٣ - والعقل، فلا تقبل شهادة المجنون إلا ما سيأتي استثناؤه، ٤ - والنطق، أي: الكلام، ٥ - والحفظ، فلا تقبل من مغفل ومعروف بكثرة غلط وسهو، ٦ - والعدالة في الظاهر والباطن، والعدالة لغة: الاستقامة والاستواء، وشرعاً: استواء أحوال الشخص في دينه واعتدال أقواله وأفعاله.
واستثنى الماتن: قبولَ شهادة الأخرس بخطه لا بالإشارة، وإنما قُبلت إشارته المفهومة في بعض الأحكام كالنكاح والطلاق للضرورة. وكذلك تقبل شهادة المجنون جنوناً غير مطبق، أي: غير مستمر، وكذا المخرف الذي يفيق ويعقل في بعض أحيانه، فتقبل شهادته حال إفاقته.стр. 737
وَيعتَبرُ لَهَا شَيئَانِ:
الأول: الصّلاحُ فِي الدّين، وَهُوَ أداء الفَرَائِضِ برواتِبِها، وَاجتنَابُ المحَارِم بِأَن لَا يَأتِي كَبِيرَةً وَلَا يُدْمِنَ على صَغِيرَةٍ (١) . الحواشي
(١) أي: يشترط للعدالة شرطان: (الشرط الأول) الصلاح في الدين، وهو أمران كذلك: [الأمر الأول] أداء الفرائض برواتبها: أي: سُنَنها، فلا تقبل شهادة من داوم على ترك الرواتب، لكن تقبل ممن أتى بها في بعض الأيام وتركها في بعض، والمراد بأداء الفرائض: أداء الصلوات الخمس والجمعة، ويدخل هنا كذلك القيام بالفرائض من صيام وحج. [الأمر الثاني] واجتناب المحارم، بأن لا يأتي كبيرة ولا يدمن - أي: لا يداوم - على صغيرة، وإلا لم يكن عدلاً. والكبيرة على المذهب: ما فيه حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة، وزاد شيخ الإسلام: أو غضب أو لعنة أو نفي إيمان.
(تتمة) عدم الصلاح في الدين هو الفسق، سواء كان من جهة الأفعال كالزاني واللائط، أو من جهة الاعتقاد - ولو اعتقد صحة اعتقاده - كالرافضة المقلدين في سب الصحابة ﵃ وتفسيقهم، وتقديم علي ﵁ على أبي بكر ﵁ في الخلافة، وكذا المقلد في القول بخلق القرآن، والمقلد في نفي رؤية الله في الآخرة، فكل هؤلاء فسقة، أما المجتهد من هؤلاء الداعية إلى اعتقاده، فإنه يعتبر كافراً على المذهب، والقاعدة عند الحنابلة: أن كل بدعة مكفرة فإن المقلد فيها يكون فاسقاً.
أما الفروع الفقهية المختلف فيها: كالنكاح بلا ولي، وتأخير الحج مع القدرة، وغير ذلك مما هو محرم على المذهب، فمن فعلها مستدلاً على حله باجتهادٍ، أو مقلداً لإمام من الأئمة لم ترد شهادته، ومن فعلها معتقداً تحريمها وقت فعلها، فهو فاسق ترد شهادته، قال في شرح المنتهى: (ولعل المراد مع المداومة، كما يعلم مما سبق. انتهى).стр. 738
الثَّانِي: استِعمَالُ المرُوءَةِ بِفعلِ مَا يُزَيِّنُهُ ويجمِّلُه، وَتركِ مَا يُدَنِّسُه ويَشِينُهُ (١) .
وَلَا تُقبَلُ شَهَادَةُ بعضِ عمودَي نسبِهِ لبَعض (٢) ، وَلَا أحدِ الزَّوجَينِ الحواشي
(١) (الشرط الثاني) استعمال المروءة: والمروءة - كما قال الشيخ عثمان -: (هي: كيفية نفسانية تحمل المرء على ملازمة التقوى وترك الرذائل). والمراد باستعمال المروءة: أن يباشر المروءة، وذلك بفعل ما يزينه ويجمله في العادة كالكرم والسخاء وحسن الجوار، وترك ما يعيبه في العادة، ويذكرون: أنه لا تقبل شهادة الرقاص - وهو كثير الرقص -، ولا من يمد رجليه بحضرة الناس، ولا من يكشف من بدنه ما جرت العادة بتغطيته، وغير ذلك.
(تتمة) أما شيخ الإسلام فيخالف ما تقدم من تفصيل الحنابلة للعدالة، ويقول - كما في شرح البهوتي للمنتهى -: (يعتبر العدل في كل زمن بحسبه، حتى لا تضيع الحقوق)، فعلى ذلك، متى تعارف الناس أن فلاناً عدل، فإنه تقبل شهادته، وذلك أوسع من الشروط التي وضعها علماؤنا في المذهب، والله أعلم.(٢) موانع الشهادة: (المانع الأول) قرابة الولادة: فلا تقبل شهادة بعض عمودَيْ النسب لبعض كشهادة الابن لأبيه أو لجده وبالعكس، وعمودا النسب: هما الأصول والفروع.стр. 739
للآخَرِ (١) ، ولا من يجُرُّ بهَا إلى نَفسِهِ نفعاً (٢) أو يدفَعُ بهَا عَنهَا ضَرَراً (٣) ، وَلَا عَدوٍّ على عدوِّه فِي غيرَ نِكَاحٍ.
وَمن سَرَّه مساءةُ أحدٍ أو غَمَّهُ فرحُه فَهُوَ عَدُوُّه (٤) ، وَمن لَا تُقبَلُ لَهُ الحواشي
(١) (المانع الثاني) الزوجية، فلا تقبل شهادة أحد الزوجين للآخر ولو كان زوجاً له في الماضي، وذلك للتهمة.(٢) (المانع الثالث) أن يجر بشهادته نفعاً إلى نفسه، أي: ينتفع بالحكم بشهادته، فلا تقبل للتهمة - كما قال التنوخي -، فلا تقبل شهادة شريك لشريكه فيما هو شريك فيه.(٣) (المانع الرابع) أن يدفع بشهادته ضرراً عن نفسه، فلا تقبل للتهمة كشهادة العاقلة بجَرح شهود قتل الخطأ؛ لأنهم يسقطون بها دية القتل.(٤) (المانع الخامس) العداوة الدنيوية: فلا تقبل شهادة عدو على عدوه إلا في النكاح، فتقبل؛ لعدم الضرر. وضابط العداوة المعتبرة: أن يسره حدوثُ السوء لمن يشهد عليه، أو يغتم لفرحه. أما الشهادة مع العداوة في الدين كشهادة المسلم على الكافر أو المحق من أهل السنة على المبتدع، فإنها تقبل؛ لأن الدِّين يمنعه من ارتكاب المحظور، وقد عبّر صاحب المنتهى عن هذا المانع بقوله: (العداوة لغير الله تعالى).
(تتمة) (المانع السادس) العصبية: فلا تقبل شهادة لمن عُرف بها كالتعصب لقبيلة على أخرى وإن لم يبلغ رتبة العداوة. و (المانع السابع) الملك: بأن يكون المشهود له يملك الشاهد أو بعضه. و (المانع الثامن) الحرص على أدائها قبل استشهاد من يعلم بها، سواء كان ذلك قبل الدعوى أو بعدها إلا في عتق وطلاق ونحوهما. و (المانع التاسع) أن ترد شهادته لمانع كالفسق، ثم يتوب ويعيدها، فلا تقبل؛ للتهمة، فربما أظهر التوبة لتقبل شهادته، لكن من شهد وهو كافر أو غير مكلف أو أخرس فزال ذلك وأعاد الشهادة، فإنها تقبل؛ لعدم التهمة.стр. 740
الحواشي
(١) أي: كل من لم تقبل شهادته لشخص ممن تقدم كعمودَي النسب، فإنها تقبل عليه، فتقبل شهادة المرأة على زوجها والأب على ابنه، ويستثنى من ذلك: شهادة الزوج على زوجته بالزنا، فلا تقبل؛ لأنه يقر على نفسه بالعداوة لها؛ لإفسادها فراشه.стр. 741
فصل (في عدد الشهود)
وَشُرط فِي الزِّنَا أربعةُ رجالٍ يشهدُونَ بِهِ، أو أنه أقرَّ بِهِ أربعاً (١) .
وَفِي دَعوَى فقرٍ مِمَّن عُرِفَ بغنًى: ثَلَاثَةٌ (٢) .
وَفِي قَوَدٍ وإعسارٍ وَمُوجِبِ تَعزِيرٍ أو حدٍّ (٣) وَنِكَاحٍ وَنَحوِه مِمَّا لَيسَ مَالاً الحواشي
(١) هذا فصل في أقسام المشهود به، وما يشترط فيه من العدد. والأمور المشهود بها سبعة أقسام: (القسم الأول) الزنا: ومثله اللواط، فيشترط أربعة رجال يشهدون: ١ - بالزنا، وأنهم رأوا فلاناً يزني، ٢ - أو يشهدون أن فلاناً أقر على نفسه بالزنا أو اللواط أربع مرات. وقوله: رجال: (أي: فلا تقبل فيه شهادة النساء)، وتقدم تفصيل هذا في حد الزنا.(٢) (القسم الثاني) دعوى من يريد إثبات فقره وقد عُرف قبل ذلك بأنه موسر، فيشترط أن يشهد له ثلاثة رجال؛ للحديث: «حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجى من قومه: لقد أصابت فلاناً فاقةٌ»، رواه مسلم.(٣) (القسم الثالث) في وجوب القود، وثبوت الإعسار، وموجب التعزير - كوطء شخص لبهيمة - وموجب الحد - كالقذف والشرب -، يشترط أن يشهد رجلان.
(تتمة) هذا في الشهادة، أما الإقرار، فيثبت القود وحد القذف والشرب بإقرارٍ مرة، وحد السرقة وقطع الطريق بإقرار مرتين، وحد الزنا بإقرار أربع مرات.стр. 742
وَلَا يُقصدُ بِهِ المالُ ويطَّلِعُ عَلَيهِ الرّجالُ غَالِباً رجلَانِ (١) .
وَفِي مَالٍ وَمَا يُقصَدُ بِهِ: رجلَانِ، أو رجلٌ وامرأتان، أو رجلٌ وَيَمِينُ المدَّعِي (٢) .
وَفِي دَاءِ دابَّةٍ، وموْضِحَةٍ وَنَحوِهمَا قَولُ اثنَينِ، وَمَعَ عُذرٍ وَاحِدٌ (٣) .
وَمَا لَا يطلعُ عَلَيهِ الرِّجَالُ غالباً كعيوبِ نسَاءٍ تَحت ثِيَابٍ، ورضاعٍ، الحواشي
(١) (القسم الرابع) في النكاح ونحوه كالطلاق والرجعة والنسب مما ليس مالاً ولا يقصد به المال ويطلع عليه الرجال غالباً، فيقبل فيه شهادة رجلين، ولا مدخل للنساء في ذلك. والمراد باطلاع الرجال عليه غالباً: أن يكون في معلوم الرجال ويشهدونه، أو يتسامعون به في الغالب.(٢) (القسم الخامس) المال وما يقصد به المال كالقرض والوديعة والإجارة، فيكفي فيه أحد ثلاثة: ١ - رجلان، ٢ - أو رجل وامرأتان، ٣ - أو رجل ويمين المدعي، ويجب تقديم الشهادة على اليمين، ولا تقبل فيه شهادة أربع نسوة.(٣) (القسم السادس) في داء - أي: مرض - دابة، تشترط شهادة بيطارَين، وفي موضحة ونحوها كمن ادعى على غيره أنه اعتدى عليه وأوضح عظم وجهه مثلاً، فيشترط لإثبات الموضحة قول طبيبَين، فإن اختلفا قُدِّم قول المثبت، فإن لم يوجد إلا بيطار أو طبيب واحد، قبل قوله وحده، وهو المراد بقوله: ومع عذر.стр. 743
واستهلالٍ، وجِراحةٍ وَنَحوِهَا فِي حمامٍ وعُرْسٍ: امرَأَةٌ عدلٌ أو رجلٌ عدلٌ (١) . الحواشي
(١) (القسم السابع) ما كان مستوراً عن الرجال، فلا يطلعون عليه غالباً مثل: ١ - عيوب نساء تحت ثياب، قال اللبدي: (أي: في الوجه والكفين والقدمين)، ٢ - ورضاع، ٣ - واستهلال، ليُعلم هل يرث الجنين أم لا، ٤ - وجراحة ونحوها في الحمام وعرس لا في قتل، ٥ - ونحو ما تقدم كعارية ووديعة وقرض، فإذا وجدت هذه الأشياء في نحو حمام وعرس مما لا يدخله الرجال فيقبل فيه، وفي كل ما تقدم: شهادة امرأة عدل، والأحوط: اثنتان - كما في المنتهى -، ورجل أولى من امرأة، وقوله: حمام: المقصود به عند الفقهاء ما كان يوجد في الشام في السابق، ويشبهه السونا اليوم.стр. 744
فصل (في الشهادة على الشهادة)
وَتُقبلُ الشَّهَادَةُ على الشَّهَادَةِ فِي كُلِّ مَا يُقبَلُ فِيهِ كتابُ القَاضِي إلى القَاضِي (١) .
وَشُرطَ:
تعذُّرُ شُهُودِ أصلٍ بِمَوتٍ، أو مرضٍ، أو غَيبَةٍ مَسَافَةَ قصرٍ، أو خوفٍ من سُلطَانٍ أو غَيرِه (٢) . الحواشي
(١) الشهادة على الشهادة: هي إخبار الشاهد عن سماعه شهادةَ غيره. مثالها وصورتها: أن يشهد عمرو على زيد بأن عنده لخالد ألفَ ريالٍ، فيقول عمرو لصالح: اشهد عليَّ أني أشهد أن لخالد عند زيد ألف ريال. وشاهد الأصل: هو الذي شهد الحادثة مباشرة، وشاهدُ الفرع: هو الذي شهد على شهادة الأصل. وشُرط لقبولها عشرة شروط: (الشرط الأول) كونها في ما يقبل فيه كتاب القاضي إلى القاضي، أي: حقوق الآدميين من مال وقصاص وحق قذف، فلا تقبل في حقوق الله تعالى.(٢) (الشرط الثاني) تعذر شهادة شهود الأصل بموت، أو مرض يمنعهم من الشهادة، أو غيبةٍ مسافة قصر، أو خوفهم - إن أدوا الشهادة - من لحوق الضرر بهم من سلطان أو غير سلطان، فيصح حينئذ أن يشهد شهود الفرع.стр. 745
ودوامُ عدالتهما (١) .
واسترعاءُ أصلٍ لفرعٍ أو لغيرِه وَهُوَ يَسمَعُ فَيَقُولُ: اشهَدْ أني أَشهَد أن فلَان بن فلَان أشهدني على نَفسه أو أقر عِندِي بِكَذَا وَنَحوَه، أو يسمَعُهُ يشهَد عِند حَاكمٍ، أو يعزُوها إلى سَبَبٍ كَبَيعٍ وقرضٍ (٢) .
وتأديَةُ فرعٍ بِصفةِ تحمُّلِه (٣) ، وتعيينُه الحواشي
(١) (الشرط الثالث) دوام عدالة شهود الأصل والفرع، فيشترط كونهم عدولاً - كما سيأتي إن شاء الله -، وأن تدوم عدالتهم.(٢) (الشرط الرابع) يشترط لقبول تحمل شهادة الفرع من شاهد الأصل أن يتحملها بواحد من الأحوال التالية: ١ - أن يسترعي الأصلُ الفرعَ: بأن يقول شاهدُ الأصل لشاهد الفرع مثلاً: اشهدْ على شهادتي أني شهدت على فلان أنه أقر على نفسه بكذا، ٢ - أو يسمع الفرعُ الأصلَ يسترعي شخصاً آخر ويقول له مثلاً: يا فلان اشهدْ على شهادتي أني شهدت أن فلاناً أخذ من فلان ألف ريال، فيجوز للسامع أن يكون شاهدَ فرع، ٣ - أو يسمع الفرعُ شاهد الأصلَ يشهد عند الحاكم، ٤ - أو يسمع شاهدُ الفرع شاهدَ الأصل يعزو وينسب شهادتَه إلى سبب، كأن يسمع خالدٌ (شاهد فرع) من زيد (شاهد أصل): أن صالحاً أخذ من يوسف قرضاً قدره ألف ريال أو أقر بأن له عليه ثمن مبيع، فيجوز لخالد أن يشهد بهذا. وأصل الاسترعاء قوله: أَرعِني سمعك، وقوله: أشهدَني على نفسه أو أَقَر عندي بكذا: أي بأن عليه ألفَ ريال لفلان مثلاً.(٣) (الشرط الخامس) تأدية فرع بصفة تحمُّلِه، أي: يشهد بالصفة التي تحمل بها الشهادة في الأحوال الأربعة المتقدمة في الشرط الرابع، فيشهد أن فلاناً استرعاه على الشهادة، أو أن فلاناً شهد عند الحاكم، ونحوه بمثل ما تقدم في الشرط الرابع، ولا يصح أن يقول مثلاً: أشهد أن فلاناً أخذ من فلان كذا بدون ذكرٍ لشاهد الأصل.стр. 746
لأصلٍ (١) ، وَثُبُوتُ عَدَالَةِ الجَمِيع (٢) .
وإن رَجَعَ شُهُودُ مَالٍ قبلَ حُكمٍ لم يُحكَمْ، وَبعدَهُ لم يُنقَض وضَمِنُوا (٣) . الحواشي
(١) (الشرط السادس) أن يعيِّن شاهدُ الفرع شاهدَ الأصل.(٢) (الشرط السابع) ثبوت عدالة شهود الأصل والفرع.
(تتمة) (الشرط الثامن) دوام تعذر شهادة شهود الأصل إلى صدور الحكم، كما في المنتهى. (الشرط التاسع) اتفاق شهود الأصل والفرع في العدد، فلو كان شهود الأصل اثنين كالأموال، فإنه يعتبر كون شهود الفرع اثنين أيضاً. (الشرط العاشر) ألا ينكر شهود الأصل شهادة شهود الفرع.(٣) فإذا شهد الشهود على مالٍ كأن شهدوا على شخص أن عليه ألف ريال لفلان، ثم رجعوا قبل الحكم فقالوا: ليس له عليه شيء، لم يحكم بشيء. أما لو رجعوا بعد صدور الحكم، فإن الحكم لا ينقض، ويلزمهم بدل المال الذي شهدوا به، قُبض أو لم يقبض، تلف أو لا؛ لأنهما أخرجاه من يد مالكه بغير حق، وكما لو أتلفاه على صاحبه، ويستثنى من هذا: إذا صدَّقهم المشهودُ عليه، فلا يضمنون.
(تتمة) رجوع شهود القود والحد: لا يخلو الحال فيها: ١ - إن رجع الشهودُ في قودٍ أو حد قبل الحكم، فلا شيء فيه، ولا يستوفى القصاص، ولا ينفذ الحد، ٢ - وإن رجعوا بعد الحكم وقبل الاستيفاء والتنفيذ، لم يستوف القصاص، ولم ينفذ الحد كذلك، ٣ - أما لو رجعوا بعد الحكم واستيفاء القصاص، فلا يخلو من حالين: (الأول) فإن قالوا: أخطأنا، فإنهم يغرمون الدية، (الثاني) وإن قالوا: عمدنا بشهادتنا قتلَه أو قطعَه، فعليهم القصاص، كما تقدم في بداية كتاب الجنايات.стр. 747
وإن بَان خطأُ مُفْتٍ أو قَاضٍ فِي إتلافٍ لمخَالفَةِ قَاطعٍ ضَمِنَا (١) . الحواشي
(١) أي: إن ظهر خطأُ مفتٍ لم يكن أهلاً للفتيا أو خطأ قاضٍ، وترتب عليه إتلافٌ كقتلٍ في شيء ظناه ردةً، أو قطعٍ في سرقة لا قطع فيها، وكان الخطأ عن مخالفة دليلٍ قاطع لا يحتمل التأويل ضمن المفتي والقاضي ما تلف بسبب خطئهما، قال الشيخ منصور في الكشاف: (لأنه إتلاف حصل بفعلهما أشبه ما لو باشراه، وعلم منه: أنه لو أخطأ فيما ليس بقاطع مما يقبل الاجتهاد لا ضمان). قلت: وقد تقدم في باب العاقلة أن خطأ الحاكم في حكمه على بيت المال لا على العاقلة. والله أعلم.стр. 748
كتاب الإقرار (١)
يَصحُّ من مُكَلَّفٍ مُختَارٍ (٢) بِلَفظٍ أو كِتَابَةٍ، أو إشارةٍ الحواشي
(١) الإقرار لغة: الاعتراف، وشرعاً: إظهار مكلف مختار ما عليه بلفظ أو كتابة أو إشارة أخرس، أو على موكله، أو موْلِيِّه، أو مورثه بما يمكن صدقه، وأجمع العلماء على صحته؛ لقوله تعالى: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق النبيين﴾ الآية [آل عمران، ٨١]، وقوله: ﴿وآخرون اعترفوا بذنوبهم﴾ [التوبة، ١٠٢]، وقد رجم النبي ﷺ ماعزاً والغامدية بإقرارهما، متفق عليه.(٢) يشترط لصحة الإقرار: (الشرط الأول) كونه من مكلف، أي: بالغ عاقل إلا إقرار الصغير المميز المأذون له في التجارة في قدر ما أُذن له فيه من المال؛ لفك الحجر عنه فيه، (الشرط الثاني) وكونه مختاراً، فلا يصح من المكرَه إلا أن يقر بغير ما أُكره عليه، (الشرط الثالث) كون ما أَقر به ممكناً فلا يقبل إقراره بجناية من عشرين سنة وسِنُّه عشرون سنة، (الشرط الرابع) أن يكون المُقَرُّ به بيد المقِر، أو تحت ولايته كأن يقر ولي اليتيم بأنه أجَّر عقاره، أو تحت اختصاصه كأن يقر ناظر الوقف أنه أجَّر الوقف، فلا يصح أن يقر بشيء في يد غيره أو في ولاية غيره، (الشرط الخامس) أن يقر من قدر على الكلام نطقاً وكتابة، ويصح الإقرار من الأخرس بإشارة مفهومة، (الشرط السادس) أن يقر على نفسه، فلا يصح الإقرار على غيره إلا في ثلاثة أحوال ستأتي إن شاء الله تعالى.стр. 749
من أخرسَ (١) لَا على الغَيرِ إلا من وَكيلٍ وَولي ووارثٍ (٢) .
وَيصِحُّ من مَرِيضٍ مرضَ الموتِ (٣) لا لوارثٍ إلا بِبَيِّنَةٍ أو إجازةٍ، وَلَو صَار عِند الموت أجنبياً. وَيصِحُّ لأَجنَبِيّ وَلَو صَار عِند الموتِ وَارِثاً (٤) .
وإعطاءٌ كإقرارٍ (٥) . الحواشي
(١) بشرط كونها مفهومة.(٢) الإقرار حجة قاصرة، فيصح من الإنسان على نفسه فقط، ولا يُقبَل على غيره إلا في ثلاثة أحوال: ١ - إقرار الوكيل على موكِّله فيما وكله فيه، ٢ - وإقرار الولي على موليه، ٣ - وإقرار الوارث على مورِّثه.(٣) أي: يصح الإقرار من المريض مرض الموت المخوف في ثلاثة أمور: ١ - أن يقر بوارث، ٢ - أو يقر بأنه أَخَذ ديناً من غير وارث، ٣ - أو يقر بمال لغير وارث.(٤) فلا يصح إقرار المريض مرض موت مخوف بمال لوارث إلا ببينة أو إجازة من الورثة، لكن يلزمه الإقرار إن كان حقاً ولو لم يُقبل منه. والاعتبارُ بكون المقَر له وارثاً أو غير وارث وقتُ الإقرار، فلا يصح إقرار المريض لوارث ولو صار عند الموت أجنبياً، لكن يصح ويلزم إقراره لأجنبي ولو صار عند الموت وارثاً.
(تتمة) إن أقر لوارثه بثمن مبيع اشتراه منه فيقبل ذلك منه، ولزمه بعقد البيع لا بالإقرار، كما في الإقناع.(٥) أي: أن العبرة في الإعطاء وقتُ الإعطاء لا وقت الموت كالإقرار، وقد تابع الماتنُ هنا صاحبَ الإقناع، وخالف بذلك المذهب وما قرره الماتنُ نفسُه في عطايا المريض في باب الهبة، وكذلك خالف صاحبُ الإقناع نفسه في هذا الموطن. والصحيح من المذهب: أن الاعتبار في العطية والوصية بكون المعطَى أو الموصى له وارثاً أو غير وارث بوقت الموت لا بوقت الإعطاء أو الإيصاء، عكس الإقرار. (مخالفة الماتن، وفرق فقهي)стр. 750
وإن أقرَّت أو وَليُّهَا بِنِكَاحٍ لم يَدَّعِهِ اثنَان قُبِل (١) .
وَيُقبَلُ إقرارُ صبيٍّ لَهُ عشرٌ أنه بلغَ باحتلامٍ (٢) .
وَمن ادُّعِيَ عَلَيهِ بِشَيءٍ فَقَالَ: «نعم» أو «بلَى» وَنَحْوهُمَا أو «اتَّزِنْهُ» أو «خُذْه»، فقد أَقَر، لَا «خُذْ» أو «اتزن» وَنَحوه (٣) . الحواشي
(١) أي: إذا ادعى شخصٌ أنه زوج امرأة، وأقرت به، فإنه يُقبل إقرارها أو إقرار وليها المجبِر - أي: من له إجبارها - بأنها زوجته. وقوله: (ولم يدعه اثنان): أي: لابد أن يدعيه واحد، فلو ادعى النكاحَ اثنان، لم يصح إقرارها أو إقرار وليها المجبِر لهما، هذا ما قرره الماتنُ تبعاً للإقناعِ وزادِ المستقنع، لكن المذهب: صحةُ الإقرارِ حتى لو ادعاه اثنان، فقوله: (ولم يدعه اثنان): ليس قيداً على الصحيح من المذهب، فعلى المذهب: ((لو أقاما) أي: الاثنان المقر لهما بالنكاح (بيِّنتَين قُدِّم أسبقُهما) تاريخاً، (فإن جهل) التاريخ (فقول وليّ) أي: من صدقه الولي على سبق تاريخ نكاحه، (فإن جهله) الولي، أي: الأسبق (فسخا) أي: النكاحان، كما لو زوجها وليان وجهل الأسبق، (ولا ترجح) لأحدهما بكونهما (بيده) لأن الحر لا تثبت عليه اليد) انتهى من شرح المنتهى. (مخالفة الماتن)(٢) لأنه لا يُعلم إلا من جهته، بخلاف ما لو ادعى بلوغه بالسِّنِّ - أي: باستكماله خمس عشرة سنة -، فلا يقبل إلا ببينة؛ لأنه يمكن علمه من غير جهته.(٣) أي: من ادُّعي عليه بشيء كأن ادُّعي عليه بعشرة دراهم مثلاً، فقال: نعم، أو: بلى، أو نحوهما كـ: صدقتَ، أو: أنا مقِر، أو قال للمدعي: خُذ الدراهم العشرة، أو: اتَّزنها - أي: زِن مما عندي عشرة دراهم -، فإنه يعتبر إقراراً وتلزمه الدراهم. أما لو قال له: خُذ، أو: اتَّزن - بلا ضمير - ونحوه، فلا يعتبر إقراراً؛ لاحتمال تعلقه بغير المدعى به.стр. 751
وَلَا يضُرُّ الإِنشَاءُ فِيهِ (١) .
وَله عَليَّ ألفٌ لَا يلزَمُنِي، أو ثمنُ خمرٍ وَنَحوُهُ يلزمُهُ الأَلفُ (٢) .
وَله أو كَانَ عَليَّ أَلف قَضيتُه أو بَرِئتُ مِنهُ فَقَولُه (٣) ، وإن ثَبت بِبَيِّنَةٍ أو الحواشي
(١) والمراد - كما ذكر الشارح -: أن قول: «إن شاء الله» في الإقرار لا يضر ولا يمنع صحته. كما لو قال: له علي ألف ريال إن شاء الله، فهو إقرار صحيح، وتلزمه الألف. واستعمال الماتن كلمة «الإنشاء» للتعبير عن مشيئة الله تعالى لم أره في غيره من الكتب بهذه الصيغة، فهل ذلك سائغ في اللغة؟ الله أعلم.(٢) فإذا وَصَلَ المقِرُّ إقرارَه بما يسقطه لم يُقبَل، ولزمه ما أقر به، فلو قال: له عليَّ ألف لا تلزمني، أو: له عليَّ ألف من ثمن خمر، ونحوه: كثمن كلب، فتلزمه الألف، ولا ينفعه ما وصل إقراره به؛ لأن الكلام الذي وصله بإقراره فيه رفعٌ لجميع ما أقر به، فلا يقبل كما لو استثنى جميع المستثنى منه. ويحسن التنبيه إلى أن الحنابلة يفرقون بين قول: له عندي، و: له عليَّ، فإن الأخير إقرارٌ بدَين في الذمة.(٣) أي: وهذه مقيدة بما إذا لم يَنْسِب المُقِرُّ هذه الألف لسبب من قرض أو ثمن مبيع، فيقبل منه بيمينه؛ لأنه منكر، ولأنه رَفَعَ ما أثبته بدعوى القضاء متصلاً. وإن كان نسب ما أقر به لسبب أو ثبت عليه الحق ببينة، فلا يقبل قوله: (قضيته أو برئت منه) إلا ببينة، كما سيذكره الماتن؛ والأصل: أن من أقر بشيء لآخر فلا يقبل قوله في الرد إلا ببينة، فخالف الحنابلةُ هذا الأصل - الذي يبنون عليه فروعا غير هذه المسألة - في هذه المسألة، فقبلوا قولَه! ، والقول الآخر في المذهب - وهو قول أبي الخطاب -: أنه يكون مقراً بالألف مدعياً القضاءَ، فلا يقبل قوله في القضاء إلا ببينة وإن لم ينسب ما لزمه لسبب من قرض أو ثمن، قال ابن هبيرة ﵀: (لا ينبغي للقاضي الحنبلي أن يحكم بهذه المسألة - أي: بالقول الأول -، ويجب العمل بقول أبي الخطاب).стр. 752
عزاهُ لسَبَبٍ فَلَا (١) .
وإن أنكر سَبَبَ الحقِّ ثُمَّ ادّعى الدَّفعَ بِبَيِّنَةٍ لم يُقبَل (٢) . الحواشي
(١) أي: يقبل قوله في القضاء أو الإبراء إلا في حالتين: ١ - أن يثبُت ما أقر به ببينة، ٢ - أو يعزوه لسبب، كقوله: له علي ألف ريال ثمن مبيع وقضيته؛ فهذا استثناءٌ من أصل المسألة، ففي الحالتين لا يقبل قوله بالقضاء أو الإبراء إلا ببينة.(٢) هذه المسألة لم أجدها هنا لا في الإقناع ولا في المنتهى، ولم يشرحها الشارح على وجهها، وأفضَلُ من شَرَحها الشيخُ ابن جامع في «الفوائد المنتخبات»، وهو من تلاميذ ابن فيروز. وصورة المسألة: أن يدعي زيد على عمرَ ألف ريال ثمنَ مبيع، فينكر عمرُ سبب الحق - وهو البيع -، فيقول: أنا لم اشترِ منك، ثم يثبت ذلك الشراء ببينة، فيدَّعِي عمرُ دفعَ الثمن - أي: الألف - في زمن سابق لإنكاره سبب الحق، فيقول مثلاً: أنا قضيته أو أبرأتني منه قبل أن أقول لك: لم أشتر منك، فإنه لا يقبل منه ولو أتى ببينة تشهد له على ذلك، فهو قد أنكر سبب الحق ثم ثبت عليه ببينة ثم ادعى أنه قضاه أو أبرئ منه قبل إنكاره، فلا يقبل قوله ولو ببينة. وإن ادعى قضاءً أو إبراءً في زمن متأخر عن إنكاره، قُبل قوله بيمينه. ثم وجدت المسألة في الإقناع والمنتهى والغاية في كتاب القضاء في باب: (طريق الحكم وصفته)، في فصل: (وإن قال المدعِي: ما لي بينة)، قال في الإقناع وشرحه: ((فأما إن أنكره، ثم ثبت، فادعى قضاءً أو إبراءً سابقاً لإنكاره لم يسمع) منه (وإن أتى ببينة، نصاً) فلو ادعى عليه ألفاً من قرض فقال: ما اقترضت منه شيئاً، أو من ثمن مبيع فقال: ما ابتعت منه شيئاً، ثم ثبت أنه اقترض أو اشترى ببينة أو إقرار فقال: قضيته من قبل هذا الوقت، أو: أبرأني من قبل هذا الوقت، لم يُقبل منه ولو أقام به بينة؛ لأن القضاء أو الإبراء لا يكون إلا عن حق سابق، وإنكار الحق يقتضي نفي القضاء أو الإبراء منه، فيكون مكذباً لدعواه وبينته، فلا تسمع لذلك .. واحترز بقوله: سابقاً على إنكاره: عما لو ادعى قضاءً أو إبراءً بعد إنكاره، فإنه تسمع دعواه بعد ذلك، وتقبل بينته؛ لأن قضاءه بعد إنكاره كالإقرار به، فيكون قاضياً لما هو مقر به، فتسمع دعواه به كغير المنكر، وإبراء المدعي بعد الإنكار إقرار بعدم استحقاقه، فلا تنافي بين إنكاره وإبراء المدعي، فتسمع البينة بذلك).стр. 753
وَمن أقرَّ بِقَبضٍ أو إقباضٍ أو هبةٍ ونحوِهن، ثُمَّ أنكَرَ وَلم يجحَدْ إقرارَهُ وَلَا بَيِّنَة، وَسَأَلَ إحلافَ خَصمه لزمَهُ (١) . الحواشي
(١) أي: إذا أقر شخص أنه قبض ثمن السلعة التي باعها من المشتري، ثم أنكر، وقال: ما قبضته، ولم يجحد الإقرار الصادر منه بالقبض، وليس عنده بينة تشهد بذلك، وسأل البائعُ الحاكمَ أن يستحلف المشتري أنه دفع الثمن للبائع، لزم المشتري أن يحلف: أنه دفع الثمن للمشتري، فإن نكل قُضي عليه بالنكول، ويُلزم بدفع الثمن للبائع.
هذه المسألة مما يحصل كثيراً في المحاكم عند كُتاب العدل، وصورتها: أن يشتري شخص من آخر أرضاً مثلاً، فيقول المشتري للبائع: أخبر كاتبَ العدل أنك استلمت الثمنَ مني، ثم أُعطيك إياه ليلاً أو غداً. فإذا أتيا كاتب العدل، وسأل كاتبُ العدل المشتري: هل اشتريت الأرض؟ فإنه يقول: نعم، وإذا سأل البائعَ: هل قبضت ثمن الأرض؟ فإنه يقول: نعم، فيكون إقراراً منه بقبض ثمن. فإذا امتنع المشتري بعد ذلك من دفع الثمن إلى البائع، ورفع البائع عليه دعوى منكراً قبض الثمن غيرَ جاحدٍ لإقراره السابق بالقبض ولم توجد بينة، فللبائع طلب يمين المشتري أنه أقبضه الثمن، ويُلزمه القاضي بالحلف.
وقوله: (أو إقباض): تظهر ثمرته في الرهن والهبة؛ لأنهما يلزمان بالقبض، فيقول الراهن: أقبضتُ المرتهنَ الرهنَ، ثم ينكر الإقباض، ولا يجحد إقراره السابق، ولا توجد بينة تشهد بشيء، فلو سأل منكِرُ الإقباض - وهو الراهن - إحلافَ خصمه أنه قبض منه الرهن، فله ذلك، ويلزم القاضي أن يستحلفه، ويلزم الخصم أن يحلف، ومثله الهبة.стр. 754
وَمن بَاعَ أو وَهَبَ أو أعتَقَ ثُمَّ أَقَرَّ بذلك لغيرِه لم يُقبل، ويغرمُهُ لمقرٍّ لَهُ (١) . وإن قَالَ لم يكنْ مِلْكِي، ثُمَّ مَلَكْتُه بعدُ، قُبِل بِبَيِّنَةٍ مَا لم يكذِّبْها بِنَحوِ الحواشي
(١) فمن باع عبداً مثلاً، ثم قال بعد البيع: هذا العبد ليس لي بل هو لزيد، فإنه لا يقبل إقراره على المشتري، ولا ينفسخ البيع، ويغرم بدله لزيد، ومثله لو وهب شيئاً أو أعتق عبداً، ثم أقر أن الموهوب أو العبد الذي أعتقه لغيره، فلا يقبل قوله ويغرم بدله لمن أقر له به.стр. 755
قبضتُ ثمنَ مِلْكِي (١) .
وَلَا يُقبَلُ رُجوعُ مُقِرٍّ إلا فِي حدٍّ لله (٢) .
وإن قَالَ: لَهُ عَليّ شَيءٌ، أو كَذَا، أو مَالٌ عَظِيم وَنَحوُه، وأَبى تَفسِيرَه، حُبسَ حَتَّى يفسِّرَه، وَيُقبَلُ بِأَقَلَّ مَالٍ، وبكلبٍ مُبَاحٍ، لَا بِميتةٍ أو خَمرٍ أو قشرِ جوزَة وَنَحوِهِ (٣) .
وَله تمرٌ فِي جرابٍ، أو سكينٌ فِي قِرَابٍ، أو فصٌّ فِي خَاتمٍ وَنَحوُ ذَلِك الحواشي
(١) أي: لو قال بعد أن باع أو وهب أو أعتق العبد مثلاً: لم يكن ملكي حال البيع، ثم ملكته بعد البيع ونحوه، فإنه يقبل منه ببينة، ما لم يكذِّب بينته بنحو قوله بعد بيعه: قبضتُ ثمنَ ملكي، ولا ينفسخ البيع ولا غيره، ويغرم بدله للمقَر له.(٢) فإذا رجع شخص عن إقراره في حد من حدود الله تعالى كالزنا، فإنه يقبل رجوعه، ولا يقبل رجوعه في حقوق الآدميين كالديون؛ لتعلق إقراره بحق الآدمي.(٣) أي: لو قال شخصٌ: لفلان عليّ شيء، أو: له عليّ كذا، أو: له عليّ مال عظيم، ونحوه كـ: مال كثير، فإنه يُرجع في تفسير ذلك إلى المقِر؛ فإن أبى تفسيرَه حُبس حتى يفسره. ويقبل تفسيره بأقل متمول كأن يقول: أردت أن له علي ريالاً، ويقبل كذلك إن فسره بكلب مباح ككلب صيد أو ماشية. ولا يقبل قوله: أردت أن له علي ميتة، أو خمراً، أو ما لا يتمول في العادة كقشر جوزة، أو نحوه كحبة بر أو رد سلام؛ لأن هذه الأشياء لا تثبت في الذمة؛ لأنها ليست حقوقاً، وإقراره يدل على ثبوت الحق في ذمته.стр. 756
يلزمُه الأولُ (١) .
وإقرارٌ بشجرٍ لَيسَ إقراراً بأرضِهِ، وبأَمَةٍ لَيسَ إقراراً بحملها (٢) ، وببستانٍ يَشمَل أشجارَه (٣) .
وإن ادَّعى أحدُهما صِحَةَ العقدِ والآخرُ فَسَادَه فَقَولُ مُدَّعي الصِّحَّةِ (٤) . الحواشي
(١) أي: يلزمه التمر والسكين والفص، دون الجراب والقراب - وهو وعاء السكين - والخاتم؛ لأن الأول لم يتناول الثاني، وذِكره في سياق الإقرار لا يلزم منه أن يكون للمقَر له؛ لأنه كما يحتمله يحتمل أن يكون للمقِر، فلا نوجبه عليه بالشك.(٢) أي: إن أقر أن شجراً معيناً لزيد، فليس إقراراً له بالأرض التي تحت ذلك الشجر. وكذا لو أقر له بأمة، فليس إقراراً له بحملها؛ لأنه قد لا يتبعها.(٣) فإذا أقر لشخص ببستان، فإن ذلك يشمل أرض البستان وأشجاره.(٤) وهذه قاعدة: فمن ادَّعى فسادَ عقد بعد إيقاعه واتفاقهم عليه، فإن قوله لا يقبل، والقول قول مدعي الصحة بيمينه؛ لأن الأصل في عقود المسلمين الصحة.
هذا آخر ما تيسر من التعليق على هذا المتن المبارك رحم الله مؤلفه رحمة واسعة، والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وأسأله حسن الخاتمة والمتاب، وأن يتقبل ذلك بمنه وكرمه، وأن يوفقني للتوبة وشكر نعمه. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. والصلاة والسلام على نبيّنا وقرة أعيننا محمد، وعلى آله وصحبه على مدى الأزمنة والأوقات.
انتهيت - بحمد الله تعالى - من تحرير هذا التعليق على هذا المختصر ظهر يوم الجمعة السابع من شهر ذي الحجة المبارك من سنة سبع وثلاثين وأربعمائة وألف من هجرة المصطفى ﷺ أحسن الله تقضيها على خير. كتبه وحرره: أحمد بن ناصر القعيمي الحنبلي الأحسائي، غفر الله له وتجاوز وصفح، وعن والديه، وأهله، وأولاده، وإخوانه، ومشايخه، وجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين. والحمد لله على التمام.
انتهيت - ولله الحمد - من المراجعة الثانية لهذه الحاشية ليلةَ الأربعاء الحادي عشر من شهر محرم من عام ثمان وثلاثين وأربعمائة وألف من هجرة المصطفى صلى لله عليه وسلم، أحسن الله تقضيها على خير، والحمد لله رب العالمين.
انتهيت ولله الحمد من قراءة هذه الحاشية مع مجموعة مباركة من طلاب العلم في ستة أيام، وقد كان آخرها ليلة السبت الرابع عشر من شهر جمادى الأولى من سنة ثمان وثلاثين وأربعمائة وألف أحسن الله تقضيها على خير وبركة، والحمد لله أولا وآخرا.
انتهيت ولله الحمد من المراجعة الثالثة للمواضع التي تحتاج لتعديل، في عصر هذا اليوم المبارك، يوم الجمعة الحادي عشر من شهر جمادى الآخرة من سنة ثمان وثلاثين وأربعمائة وألف أحسن الله تقضيها على خير وبركة، والحمد لله رب العالمين وصلى الله وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
انتهيت - ولله الحمد - من المراجعة الخامسة لهذا الكتاب مغرب ليلة الإثنين الرابع عشر من شهر محرم من سنة أربعين وأربعمئة وألف من هجرة المصطفى ﷺ أحسن الله تقضيها على خير وبركة، أسأل الله تعالى أن ينفع بها، وصلى الله وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه.стр. 757
وَالله أعلَم بِالصَّوَابِ.
стр. 758
تمت هَذِه النُّسخَة النافعة - إن شَاءَ الله تَعَالَى - بعون الله تَعَالَى وَحسن توفيقه، نَهَار الأربعَاء سادس عشر رَمَضَان سنة أربَع وَخمسين وألف بقلم مؤلِّفها:
مُحَمَّد البَلْبَاني الخزرجي الحَنبَلِيّ، عَفا الله عَنهُ بمنّه.