Полный текст (758 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
قبل زهوقٍ (١) ، وَنفخُ لحمٍ لبيعٍ (٢) .
وَسُن تَوْجِيهُهُ إلى القِبْلَةِ (٣) على شِقِّه الأَيسَرِ، ورفقٌ بِهِ (٤) ، وتكبيرٌ. الحواشي
(١) أي: يكره أن يسلخ الحيوان ويكسر عنقه قبل أن تخرج روحه.(٢) لما فيه من الغش والتدليس، بخلاف ما إذا ذبحه لنفسه فيجوز نفخه؛ لتسهيل السلخ، ذكره في الكشاف.(٣) وفي الإقناع: (يكره لغيرها).(٤) أي: يسن الرفق بالمذبوح.стр. 702
فصل (في الصيد) (١)
الصَّيْدُ مُبَاحٌ، وشروطُه أربعةٌ:
كَونُ صائدٍ من أهلِ ذَكَاةٍ (٢) ،
والآلةُ وَهِي آلةُ الحواشي
(١) الصيد - كما في المنتهى -: اقتناص حيوان حلال متوحش طبعاً غير مقدور عليه، وزاد في الإقناع: (وغير مملوك)، قال الشيخ منصور في شرح المنتهى في ذكره محترزات التعريف: (فاقتناص نحو ذئب ونمر، وما ندَّ - أي: هرب - من إبل وبقر، وما تأهل من نحو غزلان، أو مُلك منها ليس صيداً). وللصيد ثلاثة أحكام: (الحكم الأول) الإباحة: وهي الأصل فيه، فيباح لقاصده، أي: لمن يقصد الصيد. (الحكم الثاني) الكراهة: وذلك إذا صاد للهو واللعب. (الحكم الثالث) التحريم: وذلك إذا كان في الصيد ظلم للناس بالعدوان على زروعهم وأموالهم.(٢) شروط الصيد أربعة: (الشرط الأول) كون الصائد من أهل الذكاة، وقد تقدم. والاعتبار بأهلية الصائد حالة الرمي لا حال الإصابة، فإن ارتدَّ بعد رميه وقبل الإصابة حل الصيد. ويستثنى من هذا الشرط: ما لا يفتقر إلى ذكاة كحوت وجراد، فيباح إذا صاده مَنْ لا تباح ذبيحته.
(تتمة) زاد اللبدي عن ابن نصر الله من حواشي الكافي: شرطاً في الصائد، وهو: أن يكون حلالاً لا محرماً.стр. 703
ذَكَاةٍ (١) ، أو جارحٌ معلَّمٌ وَهُوَ أن يسترسِلَ إذا أُرسلَ، وينزجرَ إذا زُجرَ، وإذا امسك لم يَأكُل (٢) ،
وإرسالُها قَاصِداً، فَلَو استرسل جارحٌ بِنَفسِهِ فَقتل صيداً الحواشي
(١) (الشرط الثاني) آلة الصيد، وهي نوعان: [النوع الأول] محدد، وهو كآلة ذكاة: ويشترط فيها: ١ - أن تكون جارحة بنفسها، ٢ - وأن تقتل الصيد بجرحها لا بثقلها أو خنقها، ٣ - وأن لا يوجد في الصيد أثر غير تلك الآلة، أو يوجد أثر شارك آلة الصيد ولا يحتمل الإعانة على القتل كأكل الهر للصيد الميت؛ لأنه لا يمكنه أن يقتله.
(تتمة) الصيد بالرصاص: اختلف الحنابلة في الذكاة بالرصاص، فذهب ابن بدران (ت ١٣٤٦ هـ) - كما في حاشيته على الأخصر - إلى أن الصيد يحل به؛ لأنه يجرح وينهر الدم، أما اللبدي (ت ١٣١٩ هـ) - وهو معاصر لابن بدران -، فذهب إلى عدم الحل؛ لأن الرصاص يقتل لا بحده؛ لكونه غير محدد، وفصّل بعضهم فقال: إن كان للرصاص رأس حاد، فإن الصيد يحل به، وإلا فلا، قلتُ: وهو أشبه بأصول المذهب كالصيد بالمعراض وهو عود محدد، فإن أصاب المعراضُ الصيدَ بحده الجارحِ أبيح الصيد، وإن أصابه بعرضه غير الجارح لم يبح الصيد، والله أعلم. (خلاف المتأخرين)(٢) [النوع الثاني] من آلة الصيد الجارح المعلَّم، والجارح لغة: الكاسب، قال تعالى: ﴿ويعلم ما جرحتم بالنهار﴾ [الأنعام، ٦٠]، أي: ما كسبتم، والمراد به هنا: ما يصيد بنابه كفهد وكلب، أو مخلب من الطيور كصقر وباز، ويشترط في الجارح أربعة شروط: ١ - أن لا يكون كلباً أسود، ٢ - وأن لا يشاركه ما لا يباح صيده كالكلب غير المعلم، ٣ - وأن يكون معلَّماً، ٤ - وأن يجرح الصيد في أي مكان، فلا يحل الصيد إن خنقه أو قتله بصدم.
أما تعليم ما يصيد بنابه كالفهد والكلب، فيشترط فيه ثلاثة شروط: ١ - أن يسترسِل إذا أُرسل، أي: يمشي وينطلق إذا أرسله الصائد، ٢ - وينزَجِر إذا زُجر، أي: يتوقف عن العدو إذا نهره صاحبه، ٣ - وإذا أمسك لم يأكل؛ ليُعلم أنه لم يصد لنفسه.
أما ما يصيد بمخلبه كالصقر، فيشترط فيه الشرطان الأولان دون الأخير؛ لأنه يصعب تعليمه أن لا يأكل، فلو صاد وأكل من الصيد لم يحرم.
(تتمة) في الإقناع: (وإن أدرك الصيدَ وفيه حياة غير مستقرة بل متحركاً كحركة المذبوح فهو كالميتة: لا يحتاج إلى ذكاة - أي: فيكون حلالاً -، وكذا لو كان فيه حياة مستقرة فوق حركة المذبوح ولكن لم يتسع الوقت لتذكيته، وإن اتسع الوقت لها لم يبح إلا بها، وإن خشي موته ولم يجد ما يذكيه لم يبح أيضاً).стр. 704
لم يحلَّ (١) ، وَالتَّسمِيَةُ عِند رميٍ أو إرسالٍ، وَلَا تسقطُ بِحَالٍ (٢) ، وَسُن تَكبِيرٌ الحواشي
(١) (الشرط الثالث) أن يرسل الصائدُ الآلة قاصداً، فلو سقط محدد على صيد فقتله لم يحل، وكذا لو استرسل الجارحُ بنفسه فقتل صيداً لم يحل؛ لأنه صاده لنفسه.
(تتمة) يشترط العلم بالصيد: لا بالظن ولو أصابه فإنه لا يحل، ولو رمى صيداً فأصابت الآلة غيره، أو واحداً فأصاب عدداً حل الكل؛ لعدم إمكان التحرز.(٢) (الشرط الرابع) التسمية عند رمي السهم ونحوه أو عند إرسال الجارحة، ولا تسقط التسمية في الصيد بحال - لا سهواً ولا جهلاً ولا نسياناً -؛ لندرة وقوع الصيد، بخلاف الذكاة، فإن التسمية تسقط فيها بالنسيان؛ لإمكان حصوله مع كثرة ما يذكي الناس من البهائم. (فرق فقهي)
(تتمة) لو سمى على صيد وأصاب غيره حل، فالاعتبار في التسمية في الصيد على الآلة لا الحيوان المصيد، بخلاف ما لو سمى على شاة فذبح غيرها فلا تحل، وتقدم في الذكاة. (فرق فقهي)стр. 705
مَعهَا (١) .
وَمن أَعتَقَ صيداً، أو أَرسلَ بَعِيراً أو غَيرَه لم يَزُل ملكُه عَنهُ (٢) . الحواشي
(١) أي: مع التسمية.(٢) أي: لو أرسل صيداً وقال: (أعتقتك) لم يَزُل ملكه عنه، قال البهوتي في الكشاف: (حكاه ابن حزم إجماعاً)، وكذا لو أرسل حيواناً من بهيمة الأنعام كما لو كان بعيراً أو غيره كبقرة - ولم يقل: أعتقته - لم يزُل ملكه عنه، فلا يملكه آخذه بإعراض مالكه عنه بخلاف نحو كسرة خبز أعرض عنها، فإنه يملكها آخذها؛ لأنه مما لا تتبعه الهمة، وعادةُ الناس الإعراض عن مثلها، والله أعلم.стр. 706
باب الأيمان (١)
تحرم بِغَيْر الله، أو صفةٍ من صِفَاتِهِ (٢) ، أو القُرآنِ (٣) ، فَمن حَلَفَ وَحَنِثَ وَجَبت عَلَيْهِ الكَفَّارَةُ.
ولوجوبها أربعةُ شُرُوط:
قصدُ عقدِ اليَمين (٤) ، وَكَونُهَا على مُستَقبلٍ (٥) ، فَلَا تَنعَقِد على مَاضٍ الحواشي
(١) الأيمان لغة: جمع يمين، وهو القسم، واصطلاحاً: هو توكيد حكمٍ بذكر معظمٍ على وجه مخصوص.(٢) كوجه الله وعظمته وكبريائه، ويشترط لجواز الحلف بصفة الله: أن يضيفها إلى الله تعالى باللفظ كوجه الله، أو بالنية أي: ينوي صفته تعالى.(٣) فيجوز الحلف بالقرآن، أما الحلف بالمخلوق كالأولياء والأنبياء والكعبة فلا يجوز، ولا تجب به كفارة.(٤) يشترط لوجوب الكفارة أربعة شروط: (الشرط الأول) قصدُ عقد اليَمين: فلا كفارة إن حلف لغواً بدون قصد اليمين بأن سبقت على لسانه بلا قصد كقوله: لا والله، أو: بلى والله، قال في الإقناع: (وظاهره: ولو في المستقبل)، أي: ولو قال: لا والله - غير قاصد اليمين - على فعل مستقبل، ولا تنعقد أيضاً من نائم، وصغير، ومجنون ونحوهم؛ لأنه لا قصد لهم، ويستثنى من هذا: من سكر بمحرم غير مكرَه، فتنعقد يمينه.(٥) (الشرط الثاني) كونها على مستقبل ممكن، أي: يمكن فعله، وإلا لم تنعقد.стр. 707
كَاذِباً عَالماً بِهِ وَهِي الغمُوسُ (١) ، وَلَا ظَاناً صِدْقَ نَفسِه فيَبِينُ بِخِلَافِهِ (٢) ،
وَلَا على فعلٍ مُسْتَحِيلٍ (٣) ، وَكَونُ حَالفٍ مُخْتَاراً (٤) ، وحِنْثُه بِفعل مَا حلف على تَركه أو تركِ مَا حلف على فعله غيرَ مكرهٍ (٥) أو جَاهِلٍ أو نَاسٍ. الحواشي
(١) وسبب تسميتها بالغموس: أنها تغمس صاحبها في الإثم ثم في النار، ولا كفارة فيها. ومثال الحلف على أمر ماض أن يقول: والله إني ذهبت إلى بيت فلان أمس.(٢) أي: لو حلف على أمر ماض ظاناً صدق نفسه فتبين عدمَ صحةِ ما حلف عليه، لم تنعقد يمينه ولا كفارة عليه، وقد حكاه ابن المنذر إجماعاً.
(تتمة) إن كانت يمينه بطلاق أو عتق على أمر ماض يظن صدق نفسه فتبين بخلافه وقع الطلاق والعتق؛ لأنها أيمان غير مكفرة، ذكر هذه المسألة صاحبُ الإقناع هنا، فلو قال مثلاً: علي الطلاق أن زيداً ذهب إلى المطعم بالأمس يظن ذهابه، فتبين عدم ذهابه، وقع الطلاق. (بحث مهم)(٣) لو حلف على عدم فعل شيء مستحيل، فلا تنعقد يمينه كقوله: والله لن أمشي في الهواء، أو: والله لن أشرب ماء هذا الكوب، ولا ماء فيه، فلا تنعقد يمينه. أما لو حلف على فعل شيء مستحيل كقوله: والله لأمشينَّ في الهواء، أو: والله لأشربن ماء هذا الكوب، ولا ماء فيه، فتنعقد يمينه، وتلزمه الكفارة في الحال؛ لاستحالة البر فيه.(٤) (الشرط الثالث) كون الحالف مختاراً لا مكرهاً.(٥) (الشرط الرابع) الحنث مختاراً: وهو أن يفعل ما حلف على تركه مختاراً، أو يترك ما حلف على فعله مختاراً، فإن حصل ذلك عن إكراه فلا كفارة عليه، لكن لا تنحل يمينه.стр. 708
وَيسنُّ حِنْثٌ وَيكرهُ بِرٌّ إذا كَانَت على فعل مَكرُوهٍ أو تركِ مَندُوب (١) ، وَعَكسُه بعكسِه (٢) .
وَيجب إن كَانَت على فعل محرَّمٍ أو تركِ وَاجِبٍ وَعَكسُه بعكسِه (٣) . الحواشي
(١) حكم الحنث في اليمين يختلف باختلاف نوع اليمين: فإذا حلف على فعل مكروه، سن أن يحنث وكره أن يبر، ومثله ترك المسنون كقوله: والله لا أصلي ركعتي تحية المسجد.(٢) فلو حلف على فعل مندوب أو ترك مكروه كره له الحنث، وسن أن يبر به.(٣) أي: يجب الحنث على من حلف على ترك واجب أو فعل محرم، ويحرم أن يبر بيمينه، ومثاله في ترك الواجب: حلفه على ترك الصلاة، وفي فعل المحرم: حلفه على شرب الخمر. أما من حلف على فعل واجب أو ترك محرم، فإنه يجب عليه أن يبر في يمينه، ويحرم عليه أن يحنث.
(تتمة) الأيمان من حيث دخول الكفارة فيها وعدمه قسمان: (القسم الأول) أيمان مكفرة، وهي التي تدخلها الكفارة كاليمين بالله تعالى والظهار والنذر، (القسم الثاني) أيمان غير مكفرة، وهي التي? تدخلها الكفارة كالحلف بالطلاق والعتاق.
ومن الفروق بين الأيمان المكفرة وغير المكفرة:
الفرق الأول: أن الأيمان المكفرة ينفع فيها الاستثناء بأن يقول بعد اليمين: إن شاء الله، بشرط توفر الشروط الأربعة المعتبرة. أما الأيمان غير المكفرة فلا ينفع فيها الاستثناء، فلو قال: أنتِ طالق إن شاء الله، وقع طلاقه. انظر: الكشاف (١٤/ ٤٠٠)، وشرح المنتهى (٦/ ٣٨١).
الفرق الثاني: أنه لو حلف في اليمين المكفرة على أمر ماض يظن صدق نفسه فبان الأمر بخلاف ما حلف عليه لم يحنث. ومثاله لو قال: والله إن فلاناً ذهب بالأمس إلى الأحساء ظاناً ذهابه، فتبين أنه لم يذهب، فإنه لا يحنث. أما اليمين غير المكفرة، فهي بخلاف ذلك، فلو قال: علي الطلاق أن فلاناً ذهب بالأمس إلى الأحساء ظاناً ذهابه، فتبين أنه لم يذهب، فإنه يحنث وتطلق زوجته. انظر: الكشاف (١٢/ ٣٦١)، وشرح المنتهى (٦/ ٤٨٥).
الفرق الثالث: إن حلف على نفسه أو غيره ممن يقصد منعه أن لا يفعل شيئاً، ففعله ناسياً أو جاهلاً، حنث في الطلاق والعتاق فقط. أما الأيمان المكفرة، فلا يحنث فيها إلا إن خالف ما حلف عليه مختاراً ذاكراً. (بحث)стр. 709
فصل (في كفارة اليمين وجامع الأيمان)
وإن حرَّم أمَتَه أو حَلَالاً غيرَ زَوْجَةٍ لم يَحْرُمْ، وَعَلِيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ إن فعله (١) .
وَتجب فَوْراً بحِنْثٍ (٢) ، وَيُخَير فِيهَا بَين إطعامِ عشرَةِ مَسَاكِين، أو الحواشي
(١) فمن حرَّم أمته أو حلالاً غير زوجته كقوله: حرام علي أن أشرب الشاي ونحو ذلك، فإنه لا يصير محرَّماً عليه بسبب حلفه، وعليه إن فعله كفارة يمين؛ لقوله تعالى: ﴿قد فرض الله تحلة أيمانكم﴾ [التحريم، ٢] يعني: التكفير. أما لو حرم زوجته، فهو ظهار، وليس له وطؤها حتى يكفِّر، وتقدم.(٢) أي: تجب الكفارة فوراً بحنث؛ لأن القاعدة في المذهب: أن الأوامر على الفور، لا على التراخي.стр. 710
كِسوتِهم كِسوَةً تصحُّ بهَا صَلَاةُ فَرضٍ، أو عتقِ رَقَبَةٍ مُؤمنَةٍ (١) ، فَإِن عجز كفطرةٍ صَامَ ثَلَاثَة أيامٍ متتابعة (٢) .
ومبنى يَمِينٍ على العُرف (٣) ،
وَيُرجَعُ فِيهَا إلى نِيَّةِ حَالفٍ لَيْسَ ظَالِماً، إن احتملها لَفظُه كنيتِه بِبِنَاءٍ وسقفٍ السَّمَاءَ (٤) . الحواشي
(١) كفارة اليمين تجمع تخييراً وترتيباً: فيُخير ابتداءً بين ثلاثة أمور، فإن عجز عن جميعها، انتقل إلى الرابع، ولا يجوز الانتقال إليه مع قدرته على أحد الثلاثة الأُول، وهي: ١ - إطعام عشرة مساكين، ويشترط فيهم: المسكنة - والفقر أَولى -، والإسلام، والحرية، ويشترط استيعاب العدد، فلا يجزئ إطعام مسكين واحد عشرة أيام. ٢ - أو كسوتهم كسوة تصح بها صلاة فرض، للرجل ثوب وللمرأة درع وخمار. ٣ - أو عتق رقبة مؤمنة.(٢) أي: فإن عجز عن جميع الثلاثة السابقة انتقل إلى صيام ثلاثة أيام، ويجب أن تكون متتابعة إن لم يكن له عذر في عدم التتابع كمرض ونحوه. والمراد بالعجز هنا: أن لا يفضُل عن حوائجه الأصلية ومؤنته ومؤنة عياله وقضاء دينه شيء، فينتقل إلى الصيام.(٣) والمراد بذلك: ما اشتهر مجازه حتى غلب الحقيقة - أي: الحقيقة اللغوية - كالدابة، فإن حقيقتها في اللغة: كل ما دب على وجه الأرض، لكنها تطلق في العرف على الخيل والبغال والحمير.
(تتمة) ذكر الماتن لهذه المسألة هنا مشكل؛ لأنه ليس المحل المناسب لها، وإنما ينتقل إلى المعنى العرفي بعد النية والسبب والتعيين والمعنى الشرعي كما سيأتي.(٤) انتقل الماتن إلى ما يسمى بجامع الأيمان، وهو باب كبير في المطولات: فإذا حلف الإنسان رُجع في يمينه إلى نيته بشرطين: (الشرط الأول) ألا يكون ظالماً، وسواء كان مظلوماً أو غير مظلوم، أما الظالم الذي يستحلفه حاكم بحق عليه، فيمينه على ما يصدقه صاحبها، قاله في شرح المنتهى. (الشرط الثاني) أن يحتملها لفظه كقوله: والله لأجلسنَّ تحت السقف أو تحت البناء، وهو يقصد السماء، فيصح، أما لو لم يحتملها اللفظ، فيرجع إلى ظاهر لفظه ولا عبرة بنيته كما لو حلف لا يركب سيارة فلان ونوى عدم دخول بيته، فلا يصح؛ لأن لفظه لا يحتمله. وفائدة النية: تخصيص عموم اللفظ، أو تعميم خاصه، أو تقييد مطلقه، ومثال تخصيص العموم قوله: والله لا آكل اللحم، ونوى به لحم الغنم، فإن يمينه تخصص بذلك، فلا يحنث بأكل لحم البقر مثلاً.
(تتمة) إذا حلف شخص فيرجع في يمينه إلى نيته إذا احتمل لفظه نيته، فإن لم يكن للحالف نية، رُجع إلى سبب اليمين وما هيّجها - أي: أثارها -، فإن عُدما - أي: النية وسبب اليمين - رُجع إلى التعيين، وهو الإشارة، كقوله: والله لا ألبس هذا الثوب، فتتعلق يمينه بذلك الثوب دون غيره. فإن عدم النية والسبب والتعيين رُجع إلى ما تناوله الاسم، والأسماء نوعان: (النوع الأول): ما له مسمى واحد فقط في الشرع والعرف واللغة كسماءٍ وأرض، ورجل وامرأة، فهذا ومثله تنصرف يمين الحالف إلى ما سماه بغير خلاف، (النوع الثاني) ما له مسميات مختلفة من حيث الشرع والعرف واللغة، فيقدم منها مع الإطلاق الشرعي فالعرفي فاللغوي، انظر: شرح ابن النجار على المنتهى (١١/ ١٢٣).стр. 711
فصل (في النذر) (١)
النَّذْرُ مَكرُوهٌ، وَلَا يَصح إلا من مُكَلّف (٢) .
والمنعقدُ سِتَّةُ أنواعٍ: المطلقُ: كلِلَّهِ عَليَّ نذرٌ إن فعلتُ كَذَا، وَلَا نِيَّة، فكفارةُ يَمِينٍ إن فعلَه (٣) . الحواشي
(١) النذر لغة: الإيجاب، وشرعاً: إلزام مكلف مختار نفسَه - بكل قول يدل على الإلزام - شيئاً غير لازم بأصل الشرع. وقد أجمع العلماء على صحة النذر، ووجوب الوفاء به في الجملة، وفي الحديث: «من نذر أن يطيع الله فليطعه»، رواه الجماعة إلا مسلماً. ومع كون النذر عبادة، إلا أن الأصل فيه أنه مكروه - كما في الإقناع -؛ للحديث: «النذر لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل» متفق عليه، ولفظ مسلم (لا تنذِروا؛ فإن النذر لا يغني من القدر شيئًا، وإنما يُستخرَج به من البخيل)(٢) يشترط لانعقاد النذر: ١ - كون الناذر مكلفاً، أي: بالغاً عاقلاً ولو كافراً، ٢ - وكونه مختاراً، ٣ - وأن ينذر على نفسه، ٤ - وكون النذر لله تعالى، ٥ - وكونه بالقول، فلا يصح بالنية المجردة، إلا أنه يصح من الأخرس بإشارة مفهومة. وليس له صيغة خاصة، بل ينعقد بكل ما أدى معناه، كما في الإقناع وشرحه.(٣) النذر المنعقد ستة أنواع: (النوع الأول) المطلق: وهو النذر الذي لم يُسم فيه الفعل المنذور، كقوله: لله علي نذر، ويسكت، أو: لله عليّ نذر إن ركبت سيارة فلان، ولا يذكر الفعل المنذور ولم ينوه في قلبه، فعليه إذَن كفارةُ يمين إن لم يعلق نذره على شيء، أو إن فعل ما علقه عليه. والدليل قوله ﷺ : «كفارة النذر إذا لم يُسمَّ كفارة يمين»، رواه الترمذي وابن ماجه.стр. 712
الثَّانِي: نذرُ لَجَاجٍ وَغَضَبٍ، وَهُوَ تَعلِيقُه بِشَرطٍ يقصِدُ المنعَ مِنهُ أو الحملَ عَلَيهِ، كَإِن كلمتُكَ فعليَّ كَذَا، فَيُخَيَّرُ بَين فعلِه وَكَفَّارَة يَمِينٍ (١) .
الثَّالِثُ: نذرُ مُبَاحٍ كلِلَّه عَليَّ أن ألبِسَ ثوبي، فَيُخَيَّرُ أيضاً (٢) .
الرَّابِعُ: نذرُ مَكرُوهٍ كَطَلَاقٍ وَنَحوِه، فالتكفيرُ أولى (٣) . الحواشي
(١) (النوع الثاني) نذر لَجَاج وغضب: وهو تعليقه بشرط يقصد المنع من فعل الشيء كقوله: إن كلمتُك فعليَّ صدقة مائة ريال، أو يعلقه بشرط يقصد الحمل والحث على فعل الشيء، كقوله: إن لم أكلمك فعليَّ صدقة مائة ريال، فيخير بين أمرين: الأول: الإيفاء بنذره فلا يكلِّمه في المثال الأول، أو يكلمه في المثال الثاني. الثاني: أو عدم الوفاء به ويكفر كفارة يمين، ولا يلزمه فعل المنذور الذي ذكره في نذره ولو كان طاعة. انظر: شرح ابن النجار على المنتهى (١١/ ١٥٩)، وأفضل من هذا ما ذكره الموفق في المغني وهو: أن الناذر يخير - إذا وجد الشرط - بين أن يفعل ما نذره، أو لا يفعله ويكفر كفارة يمين. (تقرير مهم)(٢) (النوع الثالث) نذرُ فعل مباح، كـ: للَّه علي أن ألبس ثوبي، فيخير فيه أيضاً بين: الإتيان بالفعل المنذور، أو عدم فعله ويكفر كفارةَ يمين.(٣) (النوع الرابع) نذرُ فعل مكروه، كقوله: لله علي نذر أن أطلق زوجتي إن ذهبتْ إلى بيت فلان، فذكر الماتن أن التكفير في حقه أَولى - أي: مستحب - كما هي عبارة الإقناع والمنتهى، فالمستحب له ألا يفي بنذره ويكفر كفارة يمين، فإن وفَّى بنذره فلا كفارة.стр. 713
الخَامِس: نذرُ مَعصِيةٍ، كشربِ خمرٍ، فَيحرُمُ الوَفَاءُ وَيجبُ التَّكفِيرُ (١) .
السَّادِس: نذرُ تبرُّرٍ، كَصَلَاةٍ وَصِيَامٍ واعتكافٍ بِقصدِ التَّقَرُّبِ مُطلقاً، أو مُعَلّقاً بِشَرطٍ، كَإِنْ شفا اللهُ مريضي فَلِلَّه عَليَّ كَذَا، فَيلزمُ الوَفَاءُ بِهِ (٢) .
وَمن نذر الصَّدَقَةَ بِكُلِّ مَالِهِ أجزأه ثُلُثُه (٣) ،
أو صَومَ شهرٍ وَنَحوِه لزمَه الحواشي
(١) (النوع الخامس) نذرُ فعل معصية كـ: علي أن أشرب الخمر، أو يعلقه بشيء كـ: إن جاء فلان فعلي أن أشرب الخمر، فينعقد على المذهب خلافاً للجمهور، فهو من مفردات الحنابلة. ويحرم على الناذر فعل ما نذره، وعليه كفارة يمين؛ للحديث: «لا نذر في معصية الله، وكفارته كفارة يمين»، رواه الخمسة، فإن وفى بنذره أثم ولا كفارة.(٢) (النوع السادس) نذرُ تبرر: أي: نذر طاعة، وهو المشهور عند غالب الناس. وقوله: بقصد التقرب مطلقاً: أي: من غير تعليق، كقوله: لله علي نذر أن أصلي ركعتين، فيلزمه الوفاء به، وكذا يلزمه الوفاء بالنذر المعلق بشرط وجود نعمة، أو دفع نقمة كـ: لله علي نذر إن نجحت أن أصلي ركعتين. ويشترط في النذر حتى يكون نذر تبرر: ١ - ذكر المنذور، ٢ - وكون المنذور طاعة، فخرج بذلك نذر المباح والمكروه والمحرم، ٣ - وأن لا يكون سببه اللجاج والغضب.
(تتمة) الأصل وجوب الوفاء بالنذر إلى أن يموت الناذر، ولا يجوز له أن يتخلى عنه إلا أن يعجز عن الوفاء به، فيكفر كفارة يمين.(٣) ويصرف للمساكين، وذلك لحديث توبة أبي لبابة ﵁ حيث قال للنبي ﷺ : «أنخلع من مالي صدقة لله ولرسوله، فقال: يجزي عنك الثلث»، رواه أحمد وأبو داود، وفي الإقناع: (وثلث المال معتبر بيوم نذره، ولا يدخل ما تجدد له من المال بعد النذر).
(تتمة) لو نذر الصدقة بمبلغ معين كألف - وليست هي كل ماله كما في الإقناع وشرح المنتهى -، أو بجزء من ماله كنصف أو ثلثين لزمه جميع ما نذره ولو تجاوت الثلث.стр. 714
التَّتَابُعُ، لَا إن نذر أياماً مَعدُودَة (١) .
وَسُن الوَفَاءُ بالوعدِ (٢) ، وَحرُم بِلَا اسْتثِنَاءٍ (٣) . الحواشي
(١) فمن نذر صوم شهر ونحوه كأسبوع لزمه التتابع، لا إن نذر أياماً معدودة كقوله: لله علي نذر أن أصوم عشرة أيام، فلا يلزمه التتابع إذَن إلا بشرط أو نية التتابع.(٢) فلا يجب الوفاء بالوعد على المذهب نصاً، وإنما يسن.(٣) أي: قول: إن شاء الله، فيحرم ويأثم إن وعد شخصاً بقوله مثلاً: سآتيك غداً، دون قوله: إن شاء الله؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله﴾ [الكهف، ٢٣ - ٢٤]، وفي الاستدلال بالآية على الحكم إشكالٌ ذكره ابن النجار عن القرافي، وذكر جوابَه أيضاً في شرح المنتهى (١١/ ١٧٦)، وذكر ملخصه الشيخ البهوتي في شرحه للمنتهى (٦/ ٤٥٦). والله أعلم.стр. 715
كتاب القضاء (١)
وَهُوَ فرضُ كِفَايَةٍ كالإمامةِ (٢) ، فينصِبُ الإِمَامُ بِكُل إقليمٍ قَاضِياً (٣) ويختارُ أفضلَ من يجد علماً وورعاً (٤) ، ويأمُرُه بالتَّقوَى وتحري العدل. الحواشي
(١) القضاء لغة: إحكام الشيء والفراغ منه، قال تعالى: ﴿فقضاهن سبع سموات في يومين﴾ [فصلت، ١٢]، وشرعاً: هو تبيين الحكم الشرعي، والإلزام به، وفصل الخصومات. وهو فرض كفاية؛ لأن أمور الناس لا تستقيم بدونه، قال في الإقناع: (وإذا أجمع أهل بلد على تركه أثموا، وولايتُهُ رتبةٌ دينيةٌ، ونَصْبَةٌ شرعيةٌ، وفيه فضل عظيم لمن قَوِي على القيام به وأداء الحق فيه، قال الشيخ: والواجب اتخاذها ديناً وقربة، فإنها من أفضل القربات، وإنما فسد حال الأكثر لطلب الرياسة والمال بها، انتهى، وفيه خطر عظيم ووزر كبير لمن لم يؤد الحق فيه).(٢) أي: نصب الإمام فرض كفاية على المسلمين.(٣) أبهم الماتن الحكم، والصحيح - كما في المنتهى والإقناع - أنه يجب على الإمام الأعظم أن ينصب بكل إقليم قاضياً واحداً، والإقليم: القطعة من الأرض، ويقولون: إن الأقاليم سبعة: الهند، والحجاز، ومصر، وبابل في العراق، والشام، وبلاد الترك، وبلاد الصين.(٤) أبهم الماتنُ الحكمَ هنا كذلك، والصحيح: أنه يجب على الإمام أن يختار أفضل من يجد علماً وورعاً.
(تتمة) شروط صحة ولاية القضاء: ١ - أن تكون من إمام أو نائبه، وهي في زمننا - في السعودية - من صلاحيات الملك، ٢ - وأن يعرف المُوَلِّي للقضاء كونَ المولَّى على صفة يصلح للقضاء، ٣ - والمشافهة للمولَّى إن كان حاضراً، فيقول له مثلاً: وليتك الحكم، أو بالمكاتبة إن كان بعيداً، مع الإشهاد على ذلك في المشافهة والمكاتبة، ٤ - وأن يعين له مكان القضاء من عمل وبلد.
والمراد بالعمل - كما قال ابن النجار، والبهوتي، وعثمان النجدي -: (ما يجمع بلاداً وقرى متفرقة كمصر ونواحيها) يعني كالدول كالسعودية، وليبيا، والجزائر، وأما المدن فيسمونها بلاداً: كبلد مكة، وبلد الرياض، وبلد الأحساء.стр. 716
وتُفيدُ ولَايَةُ حُكمٍ عَامَّةٌ فصلَ الحُكُومَة، وأَخذَ الحقِّ وَدفعَه إلى ربِّه، وَالنَّظَرَ فِي مَالِ يَتِيمٍ وَمَجنُونٍ وسفيهٍ وغائبٍ وَوَقفِ عملِهِ، لِيُجرَى على شَرطِهِ، وَغيرِ ذَلِك (١) .
وَيجوزُ أن يُوليَهُ عُمُومَ النَّظرِ فِي عُمُومِ العَمَلِ، وخاصاً فِي أحدهما أو فيهمَا (٢) . الحواشي
(١) فإذا ولى الإمامُ قاضياً ولايةً عامة - أي: لا تختص بحالة دون حالة -، فإنّ ولايته تفيد أموراً كثيرة جداً ذكر الماتن بعضها كفصل الخصومات، والنظر في أوقاف عمله لتُجرى على شرطها.(٢) صفات التولية: يجوز للإمام أن يولي القاضيَ: ١ - عموم النظر في عموم العمل، فيكون له النظر في جميع قضايا الناس من جميع الدول الإسلامية التي تحت سلطة الإمام، ٢ - أو عموم النظر في خصوص العمل كالنظر في جميع قضايا دولة معينة أو بلد معين، ٣ - أو خصوص النظر في عموم العمل كأن يقضي في الأنكحة فقط لكن في جميع بلاد المسلمين دولاً وبلداناً، ٣ - أو خصوص النظر في خصوص العمل، فيكون قاضياً في الأنكحة في السعودية فقط، أو في بلد الرياض فقط مثلاً، وقد كان عمر ﵁ يولي قاضياً للأنكحة فقط أو للجند، أما الآن فالقاضي ينظر في كل القضايا من المعاملات والجنايات والأحوال الشخصية، وذلك مُجهِد بلا شك.стр. 717
وَشُرِطَ كَونُ قَاضٍ بَالغاً عَاقِلاً ذكراً حراً مُسلماً عدلاً سميعاً بَصيراً متكلِّماً مُجْتَهداً وَلَو فِي مَذهَبِ إمامِهِ (١) . الحواشي
(١) يشترط في القاضي عشر صفات: ١ - كونه بالغاً، ٢ - عاقلاً، ٣ - ذكراً، وفي الحديث: «لن يفلح قوم ولَّوا أمرهم امرأة»، رواه مسلم، ٤ - حراً، ٥ - مسلماً، ٦ - عدلاً، فلا يجوز تولية الفاسق، ٧ - سميعاً، وإلا لم يمكنه سماع دعوى الخصمين، ٨ - بصيراً، فلا تصح تولية الأعمى على المذهب، خلافاً للمعمول به الآن، ٩ - متكلماً؛ لأن الأخرس لا يمكنه النطق بالحكم، ١٠ - مجتهداً، والمجتهد مأخوذ من الاجتهاد وهو: استفراغ الفقيه وسعه لتحصيل ظن بحكم شرعي، والمراد: المجتهد اجتهاداً مطلقاً: وهو الذي اجتمعت فيه شروط الاجتهاد المذكورة في كتاب القضاء، فإن لم يوجد اكتُفي بمجتهدٍ في مذهب إمامه فقط للضرورة.
(تتمة) المراد بالمجتهد في مذهب إمامه: ذكر المرداوي - وتبعه ابن النجار في آخر شرحه للمنتهى - للمجتهد في مذهب إمامه أربعة أحوال - أخذاً من آداب المفتي والمستفتي لابن حمدان -، وهذا ملخصها: الحالة الأولى: أن يكون غير مقلد لإمامه في الحكم والدليل، لكن سلك طريقه في الاجتهاد ودعا إلى مذهبه، وجعل المرداوي ممن يدخل في هذا القسم: (الموفق، والمجد)، قلت: هذا القسم يأتي بعد المجتهد المطلق - إذا عُدم - بلا شك.
الحالة الثانية: أن يكون مجتهداً في مذهب إمامه مستقلاً بتقريره بالدليل، لكن لا يتعدى أصوله وقواعده، مع إتقانه للفقه والقواعد وأدلة مسائل الفقه، وهو من أصحاب الأوجه والطرق في المذهب. قال المرداوي: (والحاصل: أن المجتهد في مذهب إمامه: هو الذي يتمكن من التفريع على أقواله، كما يتمكن المجتهد المطلق من التفريع على كل ما انعقد عليه الإجماع، ودل عليه الكتاب والسنة والاستنباط)، وهو الذي يعنونه بقولهم: (مجتهداً ولو في مذهب إمامه).
فضابط هذه الحالة: الحافظ والعالم بمذهب إمامه بأدلته مع علمه بالفقه وأصوله، والقدرة على التفريع على أقوال وقواعد وأصول إمامه، مع معرفته بالحديث واللغة والنحو.
وعرَّف ابن عوض - في حاشيته على دليل الطالب - هذا المجتهد بقوله: (هو العارف بمدارك المذهب القادر على تقرير قواعده، والجمع والفرق)، وأصل هذا التعريف بنصه لابن النجار في مختصر التحرير.
الحالة الثالثة: الحافظ لمذهب إمامه العارف بأدلته لكنه لم يبلغ رتبة أصحاب الوجوه والطرق؛ لكونه لم يبلغ في حفظ المذهب مبلغهم، أو لكونه غير متبحر في أصول الفقه أو غير ذلك، ولهم تخريجات لكنها دون من هم في الحالة الثانية، قال المرداوي: (وفتاويهم مقبولة).
الحالة الرابعة: الذي يحفظ المذهب أو يستحضر أكثره، ويفهمه متصورا لمسائله على وجهها وينقله، فهو يفتي بمنصوص الإمام أو تفريعات أصحابه، فلا يفتي إلا بمنقول عنهم، ويُدخل بعض الفروع تحت ضابط صالحٍ له في المذهب، وهذا هو المقلد الذي يعنونه بقولهم: (مجتهداً ولو في مذهب إمامه، أو مقلداً)، كما سيأتي في التتمة الآتية.
(تتمة) فإن لم يكن ثم مجتهد مطلق، ولا مجتهد في مذهب إمامه، جاز تولية القضاء لمقلد: قال في الإقناع - ونحوه الغاية - بعد تقديم تولية المجتهد في المذهب: (واختار في الإفصاح والرعاية: أو مقلداً، قال في الإنصاف - عن تولية القاضي المقلد -: قلت: وعليه العمل من مدة طويلة وإلا لتعطلت أحكام الناس، انتهى)، وزاد في الإقناع: (وكذا المفتي، فيشترط أن يكون مجتهداً، أو مجتهداً في مذهبه، أو مقلداً)، ثم قال: (فيراعي كلٌ منهما ألفاظَ إمامه، ومتأخِّرَها، ويقلد كبار مذهبه في ذلك، ويحكم به). والواقع الآن - فيما أعلم - أنه لا يوجد عندنا مجتهد مطلق ولا مجتهد في المذهب ولا مقلد عارف لمذهب معين، والمعمول به الآن: هو ما ذهب إليه شيخ الإسلام، وهو كون شروط القضاء تعتبر حسب الإمكان، وأنه يجب تولية الأمثل فالأمثل، قال: (وعلى هذا يدل كلام الإمام - أي: أحمد - وغيرِه. وقال: فيولى للعدم أنفع الفاسقين وأقلهما شراً، وأعدل المقلدين وأعرفهما بالتقليد). قال الحجاوي نقلاً عن ابن مفلح في الفروع: (وهو كما قال)، قال الشيخ منصور في الكشاف: (وإلا - أي: إن لم يُعمل بقول شيخ الإسلام - لتعطلت الأحكام واختل النظام).стр. 718
وإن حَكَّمَ اثنَانِ بَينهمَا رجلاً يصلحُ للقَضَاء نفذ حكمُهُ فِي كلِّ مَا ينفذُ فِيهِ حكمُ مَنْ ولاه إمامٌ أو نَائِبُه (١) . الحواشي
(١) فإن حكّم اثنان بينهما رجلاً يصلح للقضاء - بأن توفرت فيه الشروط السابقة - نفذ حكمه في المال والقصاص والحدود وكل ما ينفذ فيه حكم من ولاه الإمام أو نائبه، حتى مع وجود قاض. ولكل من المتحاكمين الرجوع عن حكم مَنْ حَكَّماه قبل شروعه في الحكم لا بعده.стр. 719
وَسن كَونُه قَوِياً بِلَا عُنفٍ، ليِّناً بِلَا ضَعفٍ، حَلِيماً، متأنياً، فطِناً، عفيفاً (١) .
وَعَلِيهِ العدلُ بَين متحاكمينِ فِي لَفظِهِ ولحظِهِ ومجلسِه وَدخُولٍ عَلَيهِ (٢) .
وَحرُم القَضَاءُ وَهُوَ غَضبَانُ كثيراً (٣) ، أو حاقنٌ أو فِي شِدَّة جوعٍ أو الحواشي
(١) ذكر الماتن بعض الآداب التي يستحب أن يتصف بها القاضي: ١ - أن يكون قوياً، لكن لا يكون عنيفاً، ٢ - وليناً، لكن لا يكون ضعيفاً، ٣ - وحليماً، والحِلم: الأناة والصفح، قال في المطلع: (الحليم الذي لا يستفزه الغضب، ولا يستخفه جهل جاهل)، ٤ - ومتأنياً، ٥ - وفطناً، والفطنة - كما في المطلع -: (الفهم، حتى لا يُخدع من بعض الخصوم)، ٦ - وعفيفاً، أي: كافاً نفسه عن الحرام.(٢) ومن آداب القاضي الواجبة: العدل بين المتحاكمين: ١ - في لفظه، أي: كلامه لهما، فلا يكلم أحدهما أكثر من الآخر، ٢ - ولحظه، أي: نظره إليهما، فلا ينظر إلى أحدهما أكثر من الآخر، ٣ - ومجلسه، فيجلسهما أمامه ولا يجعل أحدهما خلف الآخر، ٤ - ودخولٍ عليه، فيدخلان معاً، لكن يستثنى من ذلك: المسلم مع الكافر، فيقول العلماء: يجوز تقديم المسلم على الكافر. ومما يستثنى أيضاً: جواز رده السلام على من سلم عليه من الخصمين.(٣) للحديث: «لا يقضي القاضي وهو غضبان»، متفق عليه.стр. 720
عَطَشٍ، أو هَمٍّ، أو مَلَلٍ، أو كَسَلٍ، أو نُعَاسٍ، أو بَرْدٍ مُؤلمٍ، أو حَرٍّ مُزعِجٍ (١) ، وَقبُولُ رِشوةٍ (٢) وهديّةٍ من غيرِ مَنْ كَانَ يُهاديه قبلَ ولَايَتِهِ وَلَا حُكُومَةَ لَهُ (٣) .
وَلَا ينفذُ حكمُه على عدُوِّه (٤) وَلَا لنَفسِهِ ولا لَمنْ لَا تُقبلُ شَهَادَتُه لَهُ (٥) .
وَمن استعداهُ على خصمٍ فِي البَلَدِ بِمَا تتبعُهُ الْهِمَّةُ لزمَهُ إحضارُه (٦) إلا الحواشي
(١) حتى لو أُلزم بالقضاء وهو في أحد هذه الأحوال فإن له ترك القضية، بل يحرم عليه أن يقضي وهو كذلك، والعلة في تحريم الحكم في هذه الأحوال: ما يعرض للفكر من التشويش الذي قد يحجب القاضي عن إصابة الحق.(٢) بتثليث الراء، والمراد: ما يعطى بعد طلبه لها - كما في الإقناع -، فيحرم قبوله للرشوة، ويحرم بذلها من الراشي؛ لكن قال في الإقناع: (وإن رشاه ليدفع عنه ظلمه ويجريه على واجبه، فلا بأس به في حقه).(٣) والمراد بالهدية: ما يدفع إليه ابتداءً من غير طلب - كما في الإقناع -، فيحرم عليه قبولها إلا ممن كان يعرفه ويهاديه قبل توليه للقضاء، فإن أهداه شيئاً بعد ولايته ولم يكن للمهدي خصومة ينظر فيها جاز له قبول هديته.(٤) لا ينفذ: أي: لا يصح حكمُه على خصم هو عدو له، ويحرم عليه أن ينظر في قضيته.(٥) وممن لا تقبل شهادته لهم: الأصول، والفروع، والزوجة ولو في الماضي، وما كان فيه جر نفع.(٦) الاستعداء: طلب الخصم من القاضي أن يحضر خصمه، فلو استعداه على خصم في البلد بشيء تتبعه الهمة لزمه إحضاره، أما لو ادعى عليه بشيء تافه كعشرة ريالات، فلا يلزم إحضاره.стр. 721
غيرَ برزةٍ فتُوكِّلُ، كمريضٍ وَنَحْوِه، وإن وَجب يَمِينٌ أَرسل من يحلِّفُهُما (١) . الحواشي
(١) فيستثنى ممن يلزم إحضاره غير البرزة، والبرزة: المرأة التي تبرز لقضاء حوائجها، وغير البرزة: هي المخدرة التي لا تبرز لقضاء حوائجها، فإذا ادُّعِي على غير البرزة لزمها التوكيل، ولم تحضر. وممن يستثنى كذلك: المريض ونحوه ممن له عذر، ويجب عليه أن يوكِّل، وإن وجب على غير البرزة أو المريض يمين لزم القاضي أن يرسل أميناً ومعه شاهدان يحلفهما.стр. 722
فصل (في الدعاوى والبينات) (١) الحواشي
(١) انتقل الماتن من هنا إلى ما يتعلق بطريق الحكم وصفته. والدعاوي: جمع دعوى، وهي لغة: طلب شيء زاعماً ملكه، قاله في المطلع، واصطلاحاً: إضافة الإنسان إلى نفسه استحقاق شيء في يد غيره أو في ذمته. والبينات: جمع بينة، وهي العلامة الواضحة.
ويشترط لصحة الدعوى ما يلي: (الشرط الأول) كون المدعي والمنكر جائزَي التصرف، (الشرط الثاني) كون الدعوى محررة، والمراد: تنقيتها وتخليصها عما يشوبها، فلو ادعى بدَين على ميت ذكر موته وجنس الدَّين ونوعه وصفته، وهكذا، (الشرط الثالث) كونها معلومة وبشيء معلوم؛ ليتمكن القاضي من الإلزام به إذا ثبت، لكن الحنابلة يستثنون بعض الدعاوى ويصححونها مع الجهل بالمدعى به؛ لأنها تصح على المذهب مع الجهل حتى بدون دعوى، ومنها: الوصية، فلو أوصى الميت لشخص بثوب ورفض الورثة إعطاءه إياه، فللموصى له أن يرفع دعوى عليهم مع أن الثوب مجهول، ومنها: الإقرار بمجهول، ومنها: الخلع والطلاق على مجهول.
(الشرط الرابع) كون الدعوى مصرحاً بها، فلا يكفي قوله: لي عنده كذا، حتى يقول: وأنا أطالب به، (الشرط الخامس) كونها متعلقة بالديون الحالة، فلا تصح في الديون المؤجلة، (الشرط السادس) كونها منفكة عما يكذبها، فلا تصح أنه قتل أو سرق من عشرين سنة وسِنه دونها ونحو ذلك.стр. 723
وَشُرطَ كَونُ مُدَّعٍ ومُنكرٍ جائزَي التَّصَرُّفِ، وتحريرُ الدَّعوَى، وَعِلمُ مدعًى بِهِ إلا فِيمَا نصحِّحُه مَجهُولاً كوصيةٍ.
فإن ادَّعى عقداً ذَكَرَ شُرُوطَه (١) ، أو إرِثاً ذَكَرَ سَببَهُ (٢) ، أو مُحَلًّى بأحدِ النَّقدَينِ قوَّمَه بالآخَرِ، أو بهما فبأيّهما شَاءَ (٣) .
وإذا حرَّرها، فإنْ أقرَّ الخصمُ حَكَمَ عَلَيْهِ بسؤالِ مُدَّعٍ (٤) ، وإنْ أَنْكَرَ وَلَا بَيِّنَةَ فَقَولُه بِيَمِينِهِ (٥) ، فَإِن نكل حَكَم عَلَيهِ بسؤالِ الحواشي
(١) فلو ادعى عقد بيع مثلاً، فلا بد أن يذكر شروط البيع؛ لئلا يظن ما ليس بيعاً أنه بيع، وكذا لو ادعى غيره من العقود، فلا بد أن يذكر شروط العقد الذي ادعاه.(٢) وجوباً، فيذكر أنه ابنه أو أخوه.(٣) فلو ادعى شيئاً محلىً بالذهب، فإنه يقومه بالفضة لا بالذهب والعكس بالعكس؛ لئلا يفضي تقويمه بجنسه إلى الربا، فإن التقويم بالجنس يحتمل ربا الفضل وربا النسيئة، وأما التقويم بغير الجنس فلا يحتمل إلا ربا النسيئة، وجاز للضرورة. وإن ادعى محلىً بالذهب والفضة معاً قوَّمه بأيهما شاء للحاجة؛ لانحصار الثمنية فيهما، قال الشيخ منصور في شرح المنتهى: (وإذا ثبت أعطى عروضاً)، أي: لا يعطي ذهباً أو فضة، بل عروضاً بقيمة ما ادعاه، وهذا فيما لو ادعى محلىً بالذهب والفضة معاً.(٤) أي: إذا حرر المدعي الدعوى بالشروط الستة السابقة، وأقر المدعى عليه بما ادعاه المدعي، حُكِم على المدعى عليه بشرط أن يسأل المدعي الحكمَ عليه.(٥) أي: إن أنكر المدعى عليه ولا بينة للمدعي، قُبل قول المدعى عليه بيمينه بأن قال مدعى عليه قرضاً مثلاً: ما أقرضني - وليس للمدعي بينة بدعواه -، فيقبل قوله بيمينه؛ للحديث: «البينة على المدعي، واليمين على من أنكر»، رواه البيهقي، ولا يحكم باليمين مع وجود البينة. ويشترط في اليمين التي يحلفها المدعى عليه: ١ - أن يطلب المدعي من الحاكم إحلافَ خصمه، ٢ - ثم يطلب الحاكمُ من المدعى عليه أن يحلف، ولا يعتد بيمينه قبل هذين الشرطين.стр. 724
مُدَّعٍ (١) في مَالٍ وَمَا يُقصَدُ بِهِ (٢) .
ويُستحلَفُ فِي كل حقِّ آدميٍّ (٣) سوى نِكَاحٍ (٤) ورجعةٍ وَنسَبٍ وَنَحْوِهَا (٥) ، الحواشي
(١) أي: إن نكل المدعى عليه فلم يحلف قال له الحاكم: إن حلفتَ وإلا قضيت عليك، والحكم هنا مبهم، ولم أر بياناً لحكم قول الحاكم للمدعى عليه هذا. قالوا: ويسن تكراره ثلاثاً، فإن لم يحلف حُكم عليه بشرط: أن يسأل المدعي الحاكمَ أن يحكم عليه بالنكول.(٢) فمن القضايا التي يُستحلف فيها المدعى عليه: المال وما يقصد به المال كالبيع والإجارة، وهذه مسألة تذكر في آخر الفقه، لكن المؤلف تناولها هنا.(٣) ويشمل ذلك المال وما يقصد به، كما تقدم.(٤) فلو ادُّعي على امرأة أنها زوجة فلان وأنكرت لم تُستحلف؛ لأنه لا يقضى فيها بالنكول. وكذا لو ادعت على شخص أنه زوجها وأنكر، لم يستحلف، ولو قيل له: احلف أنها ليست زوجتك، فقال: لن أحلف، فلا يقضى عليه بأنها زوجته بسبب نكوله عن اليمين، وهذا يقال في كل المسائل التي لا يُستحلف فيها.(٥) فلا يستحلف شخص أنكر رجعة زوجته، فلا يقال له: احلف أنك لم تراجع زوجتك، ولا من أنكر نسب فلان - أنه ابنه مثلاً -، فلا يستحلف أنه ليس ابنه.стр. 725
لَا فِي حق الله كَحَدٍّ وَعبادَةٍ (١) .
وَاليَمِينُ المشرُوعَةُ بِاللَّه وَحدَه أو بِصفَتِهِ (٢) .
وَيُحكَمُ بِالبَيِّنَةِ بعد التَّحلِيفِ (٣) ، وَشُرط فِي بَيِّنَةٍ عَدَالَةٌ ظَاهراً، وَفِي غير عقدِ نِكَاحٍ بَاطِناً أيضاً (٤) ، وَفِي مُزَكٍّ معرفَةُ جَرحٍ وتعديْلٍ (٥) ، وَمَعرِفَةُ الحواشي
(١) فلا يستحلف من ادُّعي عليه بالزنا مثلاً وأنكر، ولا يقضى عليه بالنكول إن لم يحلف. وكذا لا يستحلف الشخص على أنه صلى مثلاً، أو غير ذلك من حقوق الله تعالى.(٢) كالرحمن والرحيم.(٣) ومثاله: أن يدعي شخص على آخَر بشيء ولا يعلم ببينة له حين الدعوى، فيطلب من الحاكم أن يحلف المدعى عليه أنه ليس عليه شيء للمدعي، فيحلف المدعى عليه، فلو أحضر المدعي بينةً بعد سنة مثلاً من الدعوى، فإنه يحكم له بها، ولا تكون اليمين مزيلة للحق، ويستثنى: إن قال المدعي - لما طُلبت منه البينة -: ما لي بينة، ثم أتى بها، فلا تسمع نصاً.(٤) فيشترط أن يعلم الحاكم عدالةَ البينة - وهم الشهود - في الظاهر والباطن إلا في عقد النكاح، فيكفي في شهوده العدالة الظاهرة، فلو عُقد نكاحٌ بشهود يظهر عليهم أنهم عدول ثم تبين بعد مدة أنهم فسقة، لم يبطل، بخلاف الحكم في غير النكاح، فإنه يبطل إن تبين أن الشهود غير عدول. (فرق فقهي)(٥) التزكية: أن يعُدَّ المزكي الشاهدَ من الثقات العدول، والجرح: الطعن في الشهود بما يمنع قبول الشهادة. وتزكية الشهود يطلبها الحاكمُ وجوباً من المدعي إذا جهل حال الشهود، قال في الإقناع: (والتزكية حق للشرع، وإن سكت عنها الخصم). ويشترط فيمَنْ يزكي الشهود شروط: (الشرط الأول) أن يعرف المزكي الجرحَ والتعديلَ بخبرةٍ باطنةٍ - كما يقول الشارح - بمعاملته الشاهدَ، والسفرِ معه، ونحوِ ذلك، فلا يكفي معرفة الشاهد ظاهراً.стр. 726
حَاكمٍ خبرَتَهُ البَاطِنَةَ (١) ،
وَتُقَدَّمُ بَيِّنَةُ جَرحٍ (٢) .
فَمَتَى جَهِلَ حَاكمٌ حَالَ بَيِّنَةٍ طلبَ التَّزكيَةَ مُطلقاً (٣) ، وَلَا يُقبل فِيهَا وَفِي جَرْحٍ وَنَحْوِهِمَا إلا رجلَانِ (٤) . الحواشي
(١) (الشرط الثاني) أي: يشترط أن يعلم الحاكمُ أن المزكي يعرف الشاهد في الباطن بالصحبة، أو السفر، أو المعاملة، ونحو ذلك.
(تتمة) (الشرط الثالث) أن يكونوا رجالاً فلا يقبل الجرح والتعديل من النساء، (الشرط الرابع) ألا يتهم المزكي بعصبية، (الشرط الخامس) أن يكون بلفظ الشهادة، كـ: أشهد أنه عدل، ونحوه.(٢) أي: تُقدَّم بينة جرح على بينة تعديل، فلو أتى من يعدل الشهود ومن يجرحهم بفسق أو غيره مما يمنع الشهادة، فإنه يقدم الجرح؛ لأن الجارح يخبر بأمر باطن خفي عن المعدل، وشاهد العدالة يخبر بأمر ظاهر.(٣) أي: سواء طلب الخصمُ منه ذلك أو لم يطلب، فتشترط تزكية الشهود عند الجهل بحالهم لا إذا علم عدالتهم، والتزكية واجبة على الحاكم إن جهل حال الشهود.(٤) أي: لا يقبل في تزكية أو جرحِ شاهدٍ إلا رجلان عدلان لكل شاهد. وقوله: ونحوهما: كالرسالة أو ترجمة عقد عند القاضي، فلا بد من رجلين، وبلفظ الشهادة في كل ما تقدم، ومشافهة فلا تكفي الكتابة. والترجمة: هي تفسير الكلام بلسان آخر، والمراد باللسان: اللغة، قال تعالى: ﴿واختلاف ألسنتكم﴾ [الروم، ٢٢]، أي: لغاته. المطلع.стр. 727
وَمن ادَّعى على غَائِبٍ مَسَافَةَ قَصْرٍ (١) ، أو مُسْتَتَرٍ فِي البَلَد (٢) ، أو ميِّتٍ، أو غيرِ مُكَلَّفٍ وَله بَيِّنَةٌ، سُمِعتْ وَحُكمَ بهَا فِي غير حقِّ الله تَعَالَى (٣) ، الحواشي
(١) والمراد: الغائب عن البلد مسافة قصر فأكثر، وظاهر كلام الماتن: أن الحاكم يسمع الدعوى على الغائب مسافة قصر فأكثر عن البلد - إن كانت ببينة - ولو كان المدعى عليه في عمل القاضي، أي: المكان الذي يحكم فيه القاضي، وهو ما ذهب إليه الإقناع، وتابعه الغاية، وهو ظاهر إطلاق التنقيح والمقنع، وذهب المنتهى: إلى أن الدعوى إن كانت في عمل القاضي المدعى عنده فلا يسمعها القاضي ولا يحكم فيها؛ لإمكانه أن يحضر المدعى عليه ويكون الحكم عليه مع حضوره، ولعل المذهب ما في الإقناع، والله أعلم. (مخالفة الماتن)(٢) والمراد به - كما قال الشيخ عثمان -: (الممتنع عن حضور مجلس الحكم)، فهو موجود في البلد - ولو دون مسافة قصر -، لكنه لا يريد حضورَ مجلس الحكم، فيسمع الحاكم هذه الدعوى على الممتنع إذا كان عند المدعي بينة، ويحكم بها، قال ابن النجار في شرحه: (لأنه لو لم يحكم على المستتر لجُعِل الاستتارُ وسيلة إلى تضييع الحقوق).(٣) فمن ادعى على أحد هؤلاء الأربعة - الغائب عن البلد، والممتنع عن الحضور، والميت، وغير المكلف - فإن الدعوى تسمع ويحكم بها بشرطين: (الشرط الأول) أن تكون عند المدعي بينة، (الشرط الثاني) أن تكون في غير حق الله تعالى، كالأموال وغيرها، أما حقوق الله تعالى كالزنا والسرقة فلا تسمع الدعوى بها؛ لأنها مبنية على المسامحة إلا أنه يُقضى في سرقة ثبتت على غائب بالمال فقط لا الحد.стр. 728
وَلَا تُسمعْ على غَيرِهِم (١) حَتَّى يحضُرَ أو يمْتَنِعَ.
وَلَو رُفِع إليه حكمٌ لا يلزمُهُ نقضُهُ ليُنَفِّذَه لزمَه تنفيذُه (٢) .
وَيُقبَلُ كتابُ قَاضٍ إِلى قَاضٍ فِي كُلِّ حقِّ آدميٍّ، وَفِيمَا حَكَمَ بِهِ ليُنَفِّذَه لَا فِيمَا ثَبَتَ عِنْدَه لِيَحْكُم بِهِ، إلا فِي مَسَافَةِ قصرٍ (٣) . الحواشي
(١) أي: غير هؤلاء الأربعة.(٢) الحكم الذي يلزم نقضه: ما خالف نصاً من كتاب الله، أو سنة صحيحة - ولو آحاداً -، أو إجماعاً قطعياً لا ظنياً، فإذا حكم قاضٍ في قضيةٍ بحكمٍ مختلفٍ فيه - كنكاح المرأة بلا ولي أو بلا شهود - فرُفع الحكم إلى قاضٍ آخر لينفذه - وكان الحكم المرفوع مما لا يلزم نقضه؛ لكونه لم يخالف كتاباً ولا سنة ولا إجماعاً -، فإنه يلزم القاضي المرفوع إليه تنفيذُ ذلك الحكم، وإن لم يكن الحكم صحيحاً عند القاضي المرفوع إليه؛ لأنه حكم ساغ الخلاف فيه فلا يجوز نقضه، واشترط الخلوتي: أن يثبت حكم القاضي الأول عند القاضي المرفوع إليه ببينة.(٣) تناول الماتن هنا ما يتعلق بكتاب القاضي إلى القاضي: فيجوز أن يكتب قاض إلى قاض آخر في حق آدمي كالبيع والشراء والرهن، وحد القذف، لا في حقوق الله المحضة كحد الزنى والشرب، والعبادات، فيكتب إليه بأحد أمرين: (الأمر الأول) فيما حكم به في قضية لينفذها القاضي المكتوب إليه ولو كانا في بلد واحد، (الأمر الثاني) أو يكتب له فيما ثبت عنده ولم يحكم به ليحكم به القاضي المكتوب إليه بشرط: أن يكون بينهما مسافة قصر، كما بين الأحساء والرياض، ولا يجوز في ما دونها كما ذكر الماتن.
(تتمة) يشترط لقبول كتاب القاضي إلى القاضي ثلاثة شروط: (الشرط الأول) أن يكون في غير حقوق الله تعالى، وتقدم، (الشرط الثاني) أن يقرأ القاضي الكاتبُ كتابَه على عدلين، ثم يقول: اشهدا أن هذا كتابي إلى فلان ابن فلان، أو إلى من يصل إليه من قضاة المسلمين، ويدفعه إليهما، والأَولى ختمه، (الشرط الثالث) أن يصل الكتابُ إلى القاضي المكتوب إليه وهو في موضع ولايته؛ لأنه لا يسمع الشهادة في غير موضع حكمه.стр. 729
فصل (في القسمة) (١)
وَالقِسمَةُ نَوعَانِ:
قسمَةُ ترَاضٍ، وَهِي فِيمَا لَا يَنقَسِمُ إلا بِضَرَرٍ أو رَدِّ عوضٍ (٢) كحمامٍ الحواشي
(١) القِسمة - بكسر القاف - لغة: النصيب، واصطلاحاً: تمييز بعض الأنصباء عن بعض وإفرازها عنها، وهي نوعان: قسمة تراض، وقسمة إجبار.(٢) (النوع الأول) قسمة تراض: فلا تصح إلا بالتراضي؛ لأنها كالبيع، وتكون في: ما لا ينقسم إلا بضرر أو رد عوض. ومثالها: أن يرث اثنان مزرعة كبيرة فيها بئر ونخيل وبنيان، فلا يمكن قسمتها بينهما إلا بضرر عليهم، أو على أحدهم؛ لأن البئر سيحصل في حصة أحدهما، وكذا النخيل والبنيان، وربما حصل فيها رد عوض من أحد الشركاء على الآخر بأن يطلب من لم يحصل البئرُ في نصيبه مثلاً عوضاً عن البئر.стр. 730
ودورٍ صغَارٍ (١) .
وَشُرِط لَهَا رِضَا كُلِّ الشُّرَكَاءِ (٢) وَحكمُهَا كَبيعٍ (٣) ، وَمن دَعَا شَرِيكَه فِيهَا وَفِي شرَكِةِ نَحْوِ عبدٍ وَسيفٍ وَفرسٍ إلى بيعٍ أو إجارةٍ أُجْبِرَ (٤) ، فإن أبى بِيع أو أُوجِرَ عَلَيهِمَا، وَقُسِمَ ثمنٌ أو أُجرةٌ (٥) .
الثَّانِي: قسمَةُ إِجبارٍ، وَهِي مَا لَا ضَرَرَ فِيهَا وَلَا رَدَّ عوضٍ كمكيلٍ الحواشي
(١) أي: غرفاً صغيرة.(٢) يشترط في صحة قسمة التراضي: رضا كل الشركاء؛ لأن فيها إما ضرراً أو رد عوض، وكلاهما لا يُجبر عليه الإنسان.(٣) لأن البيع سيحصل فيها؛ وذلك أن صاحب الزائد بذل المال عوضاً عمَّا حصل له من حق شريكه، وهذا هو البيع، فيشترط فيها ما يشترط في البيع.(٤) أي: من دعا شريكه في قسمة التراضي إلى البيع أو الإجارة أُجبر الآخر، كما لو كانا شريكين في عبد أو سيف أو فرس ونحو ذلك، فدعا أحدُهما الآخرَ إلى البيع أو الإجارة أُجبر، ومن ذلك أن يرث جماعة عمارة مثلاً ويرفض بعضهم قسمتها، فإنهم يبيعونها، أو يؤجرونها ويقتسمون الثمنَ أو الأجرةَ كالإرث.(٥) أي: إن أبى من دُعي إلى البيع أو الإجارة، فإن الحاكم يبيع أو يؤجر الشيء المشترك قهراً، ويقسم الثمن أو الأجرة على الشريكين.стр. 731
وموزونٍ من جنسٍ وَاحِدٍ ودورٍ كِبارٍ، فَيُجبرُ شريكٌ أو وليُّهُ عَلَيهَا (١) . وَيَقْسِمُ حَاكمٌ على غَائِبٍ بِطَلَبِ شريكٍ (٢) أو وليِّه وَهَذِه إفرازٌ (٣) .
وَشُرِط كونُ قَاسمٍ مُسلماً، عدلاً، عَارِفاً بِالقِسمَةِ مَا لم يرضَوا بِغَيرِهِ (٤) ، وَيَكفِي وَاحِدٌ الحواشي
(١) (النوع الثاني) قسمة إجبار: وهي ما لا ضرر فيها ولا رد عوض، ومثالها: أن يشترك اثنان- مثلاً - في مكيل كمئة صاع من بُرٍّ، فيطلب أحدُهما نصيبَه، فإن صاحبه يجبر على القسمة؛ لعدم وجود ضرر في القسمة ولا رد عوض. وكذلك الشركاء في أرض جرداء إذا طلب أحدهم قسمتها أُجبر البقية؛ للعلة السابقة. وقوله: فيجبر شريك أو وليه - أي: ولي الشريك إن كان الشريك محجوراً عليه - عليها، أي: على القسمة.(٢) ففي قسمة الإجبار، لو كان الشريك غائباً وطلب صاحبُه الحاضرُ قسمةَ الشيء المشترك بينهما، فإن الحاكم يقسم له نصيبه؛ لعدم وجود الضرر.(٣) أي: حقيقة قسمة الإجبار: إفرازُ حقِّ أحدِ الشريكين عن حق الآخر، وليست بيعاً.(٤) فيشترط في القاسم - الذي يقسم ما كان مشتركاً مشاعاً بين شركاء - إن كان الذي نصبه الحاكم: ١ - الإسلام، ٢ - والعدالة؛ ليقبل قوله في القسمة، ٣ - وكونه عارفاً بالقسمة، بأن يكون عنده خبرة ودراية، ٤ - زاد في الإقناع والغاية عن الموفق: أن يكون عارفاً بالحساب. ويلزم القاسم أن يتحرى العدل، قال في الغاية: (قال الشيخ - تقي الدين -: لا أعلم خلافاً أن من قسم شيئاً يلزمه أن يتحرى العدل، ويتبع ما هو أرضى لله ورسوله). فإن اختل شرط من هذه الشروط: فلا تلزم القسمة إلا برضاهم، قال في الإقناع وشرحه: ((إن كان) القاسم (كافراً أو فاسقاً أو جاهلاً بالقسمة لم تلزمه إلا بتراضيهم بها) كما لو اقتسموا بأنفسهم).стр. 732
وَمَعَ تَقوِيمٍ اثنَانِ (١) .
وتُعدَّلُ السِّهَامُ بالأجزاءِ إن تَسَاوَتْ (٢) ، وإلا بِالقيمَةِ (٣) أو الرَّدِّ إن اقتَضَته (٤) ،
ثمَّ يُقْرَعُ وَتلزَمُ القِسمَةُ بهَا (٥) ، وإن خَيَّر أحدُهما الآخرَ صَحَّتْ ولَزِمَتْ برضاهما وتفرُّقِهما (٦) . الحواشي
(١) يكفي قاسم واحد ما لم يكن في القسمة تقويم، فإن كان فيها تقويم فلا بد فيه من اثنين؛ لأنه شهادة بالقيمة فاعتبر النصاب كباقي الشهادات.(٢) أي: يعدل القاسم الذي يقسم شيئاً مشتركاً مشاعاً سهامَ القسمة بالأجزاء إن تساوت كالمكيلات، والموزونات، والأراضي التي ليس بعضها أجودَ من بعض، فلو اشترك اثنان في مئة صاع بر مثلاً، فإنها تقسم بينهما نصفان، لكل واحد خمسون صاعاً.(٣) أي: فإن لم تتساو الأجزاء بل اختلفت عُدِّلَتْ السهامُ بالقيمة، فيُجعل السهم من الرديء أكثر من الجيد بحيث تتساوى قيمتها.(٤) أي: فإن لم تتعدل السهامُ بالأجزاء ولا بالقيمة، فإنها تُعَدَّلُ بالرد: بأن يجعل لمن يأخذ الرديء أو القليل دراهمَ يأخذها ممن سيأخذ الجيد أو الأكثر.
فالتعديل يكون بالأجزاء إن تساوت، فإن لم تتساو فبالقيمة، وإلا فبالرد، ثم يُقرع بين الشركاء، فمن خرج له سهم صار له، وكيف اقترعوا جاز.(٥) أي: تلزم القسمة بأحد طريقين: (الطريق الأول) بالقرعة سواء كانت قسمة إجبار أو قسمة تراض.(٦) (الطريق الثاني) أن يخير أحدهما الآخر: فلو قسم القاسمُ، وعدَّل، وساوى بين السهمين؛ فقال أحدُ الشريكين للآخر: اختر أيَّ السهمين شئتَ، فاختار أحدَ السهمين صح ذلك، وتلزم القسمةُ برضاهما وتفرقهما بأبدانهما كالمتبايعين، فلا يمكن فسخُها، أما قبل التفرق، فإنها لا تكون لازمة.стр. 733
كتاب الشهادات (١)
تحَمُّلهَا فِي غيرِ حقِّ اللهِ فرضُ كِفَايَةٍ، وأداؤها فرضُ عين (٢)
مَعَ الحواشي
(١) الشهادات لغة: جمع شهادة، وهي مشتقة من المشاهدة، يقال: شهد الشيء، إذا رآه، وهي اصطلاحاً: الإخبار بما علمه - أي: الشاهد - بلفظ خاص. والأصل فيها قوله تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ [البقرة، ٢٨٢]، وقوله ﷺ : «شاهداك أو يمينه»، رواه مسلم.(٢) تحمُّلُ الشهادة - كما قال الشيخ ابن عثيمين، والشيخ عبد الله الفوزان في شرح التسهيل -: الْتِزَامُ الإنسانِ بها. أما أداؤها: فهو أن يشهد بها عند القاضي، وقال السامري في المستوعب: (تحمل الشهادة: هو حالة حفظ الشاهد ما يشهده أو يسمعه، ولا تختص مجالسَ الحكام، وأداؤها: هو الإتيان بها - أي: بالشهادة -، وتختص مجالسَ الحكام)، فلا يظهر أثر الأداء إلا في مجالس الحكام. وفي المنتهى والإقناع: تطلق الشهادة على التحمل والأداء، وفي المطلع: (الشهادة خبر قاطع، والمشاهدة: المعاينة، وتحمل الشهادة وأداؤها: بمعنى المشهود به، .. فالشهادة تطلق على التحمل، والأداء، والمشهود به). وفي الإقناع: (وإذا تحملها وجبت كتابتها؛ لأنه قد يكون رديء الحفظ - أي: الشاهد -، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب).
فتحمل الشهادة فرض كفاية في غير حق الله، أي: في حق الآدمي كالبيع والشراء وحد القذف، فإن قام بها من يكفي سقطت عن غيره، وأداؤها فرضُ عين على من تحملها. وقد تابع الماتنُ الإقناعَ في جعل الأداء فرض عين، وهو ما قدمه في التنقيح، وهو المذهب، كما قال في الإنصاف، وكما ذكر البهوتي في الكشاف، وظاهر المنتهى - ومثله الغاية، وصريح المعونة - أن أداءها: فرض كفاية، لكن الصحيح الأول، وهي من المسائل النادرة جداً التي جعل فيها البهوتي المذهب ما في الإقناع لا ما في المنتهى. (مخالفة الماتن)
(تتمة) تحمل الشهادة في حقوق الله تعالى: تحمل الشهادة وأداؤها في حق الله تعالى كحد الزنا أو السرقة أو الردة مباحٌ وليس بواجب؛ لأنه مبني على المسامحة، واستحب القاضي والموفق تركها، أما إقامة الدعوى بذلك - وتسمى دعوى الحسبة -، فلا تجوز ولا يسمعها القاضي، لكنه يسمع البينة في حقوق الله تعالى، وهي الشهادة، وفي الإقناع: (فشهادة الشهود به دعوى)، أي: يكفي أن يشهد الشهود ويكون ذلك في ذاته دعوى، ويجب على القاضي إذا قامت عنده بينة على شخص أنه ارتد، أو زنى مثلاً أن يعمل بتلك الشهادة.стр. 734
القُدرَة بِلَا ضَرَرٍ (١) . الحواشي
(١) فيشترط لوجوب الأداء والتحمل: ١ - كونه قادراً عليهما، أي: التحمل والأداء، ٢ - وأن لا يلحقه بهما ضرر في بدنه أو ماله أو أهله، ٣ - وأن يُدعى إليهما، فلا يجب عليه قبل ذلك، لكن يستحب لمن شاهَدَ أمراً أن يُعْلِمَ ربَّ الشهادة أن عنده شهادة له، ٤ - وكون الشاهد ممن يقبل الحاكمُ شهادتَه، فلا تجب على الفاسق مثلاً، ٥ - وكونها لدون مسافة قصر في التحمل والأداء، وإلا لم تجب.стр. 735
وَحَرُم أخذُ أُجرةٍ وَجُعلٍ عَلَيهَا، لَا أُجرةُ مركوبٍ لمتأذٍّ بمشي (١) ، وأن يشهدَ إلا بِمَا يَعلمُه بِرُؤيَة، أو سَماعٍ، أو استفاضةٍ (٢) عَن عددٍ يَقَعُ بِهِ العلمُ فِيمَا يتَعَذَّرُ علمُهُ غَالِباً بغَيرهَا، كنسبٍ، وَمَوتٍ، وَنِكَاحٍ، وَطَلَاقٍ، ووقفٍ، ومصرفِه (٣) . الحواشي
(١) فيحرم أخذ الأجرة، أو الجُعل على تحمل أو أداء الشهادة، لكن لا يحرم أخذ أجرة مركوب من رب الشهادة لتحملها أو أدائها لمتأذٍ بمشي أو عاجز عنه.(٢) أي: يحرم أن يشهد إلا بما يعلمه. وطرق العلم التي يجوز أن يشهد بها: ١ - الرؤية: وهي مختصة بالأفعال، كالقتل، والسرقة، وشرب الخمر، وكمن يرى شخصاً يغصب مالاً، أو يضرب أحداً ونحو ذلك، ٢ - السماع، وهو ضربان: إما أن يسمع الشاهدُ من المشهود عليه أمراً كالطلاق والعتاق والعقود، وإما بالاستفاضة: وهي أن يشتهر المشهودُ به بين الناس بإعلام بعضهم بعضاً.(٣) فيشترط لقبول الشهادة المبنية على الاستفاضة شرطان: ١ - أن يسمع الشاهدُ ما يشهد به عن عدد يقع العلمُ بخبرهم، ولا تحد بعدد معين، ٢ - وأن يتعذر علمُ المشهود به غالباً بغير الاستفاضة، ومثاله: الموت، والنسب بأن يشتهر كونُ فلانٍ ابناً لفلان، فتجوز الشهادة به بطريق علمه ذلك بالاستفاضة. وقوله: (ووقف ومصرفه): أي: يجوز أن يشهد بالاستفاضة أن هذا البستان وقفٌ على فلان، أو أن مصرف هذا الوقف للفقراء مثلاً؛ لأنه يتعذر غالباً على المرء أن يشاهد مثل هذه الأمور أو يشهد أسبابها أشبهت النسب.стр. 736
وَاعتُبِر ذكرُ شُرُوطِ مشهودٍ بِهِ (١) ، وَيجبُ إشهادٌ فِي نِكَاحٍ، وَيُسنُّ فِي غَيرِهِ (٢) .
وَشُرِطَ فِي شَاهدٍ إسلامٌ، وبلوغٌ، وعقلٌ، ونطقٌ، لَكِن تُقبَلُ من أخرسَ بِخَطِّهِ، وَمِمَّن يُفِيقُ حَال إفاقتِه، وعدالةٌ (٣) . الحواشي
(١) أي: يشترط على من شهد بعقد أو غيره كرضاع أن يذكر شروطَه لتصح شهادته، فمن شهد برضاع مثلاً ذكر عدد الرضعات المحرّمة وغيره من الشروط؛ للاختلاف فيها، فربما اعتقد الشاهد صحة ما لا يصح عند القاضي.(٢) فكل العقود كالبيع والإجارة وغير ذلك يسن فيها الإشهاد ولا يجب، إلا النكاح، فيجب فيه. (فرق فقهي)(٣) فيشترط في الشاهد: ١ - الإسلام؛ لقوله تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ [البقرة، ٢٨٢]، ٢ - والبلوغ، فلا تقبل شهادة الصغار ولو على بعضهم، ٣ - والعقل، فلا تقبل شهادة المجنون إلا ما سيأتي استثناؤه، ٤ - والنطق، أي: الكلام، ٥ - والحفظ، فلا تقبل من مغفل ومعروف بكثرة غلط وسهو، ٦ - والعدالة في الظاهر والباطن، والعدالة لغة: الاستقامة والاستواء، وشرعاً: استواء أحوال الشخص في دينه واعتدال أقواله وأفعاله.
واستثنى الماتن: قبولَ شهادة الأخرس بخطه لا بالإشارة، وإنما قُبلت إشارته المفهومة في بعض الأحكام كالنكاح والطلاق للضرورة. وكذلك تقبل شهادة المجنون جنوناً غير مطبق، أي: غير مستمر، وكذا المخرف الذي يفيق ويعقل في بعض أحيانه، فتقبل شهادته حال إفاقته.стр. 737
وَيعتَبرُ لَهَا شَيئَانِ:
الأول: الصّلاحُ فِي الدّين، وَهُوَ أداء الفَرَائِضِ برواتِبِها، وَاجتنَابُ المحَارِم بِأَن لَا يَأتِي كَبِيرَةً وَلَا يُدْمِنَ على صَغِيرَةٍ (١) . الحواشي
(١) أي: يشترط للعدالة شرطان: (الشرط الأول) الصلاح في الدين، وهو أمران كذلك: [الأمر الأول] أداء الفرائض برواتبها: أي: سُنَنها، فلا تقبل شهادة من داوم على ترك الرواتب، لكن تقبل ممن أتى بها في بعض الأيام وتركها في بعض، والمراد بأداء الفرائض: أداء الصلوات الخمس والجمعة، ويدخل هنا كذلك القيام بالفرائض من صيام وحج. [الأمر الثاني] واجتناب المحارم، بأن لا يأتي كبيرة ولا يدمن - أي: لا يداوم - على صغيرة، وإلا لم يكن عدلاً. والكبيرة على المذهب: ما فيه حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة، وزاد شيخ الإسلام: أو غضب أو لعنة أو نفي إيمان.
(تتمة) عدم الصلاح في الدين هو الفسق، سواء كان من جهة الأفعال كالزاني واللائط، أو من جهة الاعتقاد - ولو اعتقد صحة اعتقاده - كالرافضة المقلدين في سب الصحابة ﵃ وتفسيقهم، وتقديم علي ﵁ على أبي بكر ﵁ في الخلافة، وكذا المقلد في القول بخلق القرآن، والمقلد في نفي رؤية الله في الآخرة، فكل هؤلاء فسقة، أما المجتهد من هؤلاء الداعية إلى اعتقاده، فإنه يعتبر كافراً على المذهب، والقاعدة عند الحنابلة: أن كل بدعة مكفرة فإن المقلد فيها يكون فاسقاً.
أما الفروع الفقهية المختلف فيها: كالنكاح بلا ولي، وتأخير الحج مع القدرة، وغير ذلك مما هو محرم على المذهب، فمن فعلها مستدلاً على حله باجتهادٍ، أو مقلداً لإمام من الأئمة لم ترد شهادته، ومن فعلها معتقداً تحريمها وقت فعلها، فهو فاسق ترد شهادته، قال في شرح المنتهى: (ولعل المراد مع المداومة، كما يعلم مما سبق. انتهى).стр. 738
الثَّانِي: استِعمَالُ المرُوءَةِ بِفعلِ مَا يُزَيِّنُهُ ويجمِّلُه، وَتركِ مَا يُدَنِّسُه ويَشِينُهُ (١) .
وَلَا تُقبَلُ شَهَادَةُ بعضِ عمودَي نسبِهِ لبَعض (٢) ، وَلَا أحدِ الزَّوجَينِ الحواشي
(١) (الشرط الثاني) استعمال المروءة: والمروءة - كما قال الشيخ عثمان -: (هي: كيفية نفسانية تحمل المرء على ملازمة التقوى وترك الرذائل). والمراد باستعمال المروءة: أن يباشر المروءة، وذلك بفعل ما يزينه ويجمله في العادة كالكرم والسخاء وحسن الجوار، وترك ما يعيبه في العادة، ويذكرون: أنه لا تقبل شهادة الرقاص - وهو كثير الرقص -، ولا من يمد رجليه بحضرة الناس، ولا من يكشف من بدنه ما جرت العادة بتغطيته، وغير ذلك.
(تتمة) أما شيخ الإسلام فيخالف ما تقدم من تفصيل الحنابلة للعدالة، ويقول - كما في شرح البهوتي للمنتهى -: (يعتبر العدل في كل زمن بحسبه، حتى لا تضيع الحقوق)، فعلى ذلك، متى تعارف الناس أن فلاناً عدل، فإنه تقبل شهادته، وذلك أوسع من الشروط التي وضعها علماؤنا في المذهب، والله أعلم.(٢) موانع الشهادة: (المانع الأول) قرابة الولادة: فلا تقبل شهادة بعض عمودَيْ النسب لبعض كشهادة الابن لأبيه أو لجده وبالعكس، وعمودا النسب: هما الأصول والفروع.стр. 739
للآخَرِ (١) ، ولا من يجُرُّ بهَا إلى نَفسِهِ نفعاً (٢) أو يدفَعُ بهَا عَنهَا ضَرَراً (٣) ، وَلَا عَدوٍّ على عدوِّه فِي غيرَ نِكَاحٍ.
وَمن سَرَّه مساءةُ أحدٍ أو غَمَّهُ فرحُه فَهُوَ عَدُوُّه (٤) ، وَمن لَا تُقبَلُ لَهُ الحواشي
(١) (المانع الثاني) الزوجية، فلا تقبل شهادة أحد الزوجين للآخر ولو كان زوجاً له في الماضي، وذلك للتهمة.(٢) (المانع الثالث) أن يجر بشهادته نفعاً إلى نفسه، أي: ينتفع بالحكم بشهادته، فلا تقبل للتهمة - كما قال التنوخي -، فلا تقبل شهادة شريك لشريكه فيما هو شريك فيه.(٣) (المانع الرابع) أن يدفع بشهادته ضرراً عن نفسه، فلا تقبل للتهمة كشهادة العاقلة بجَرح شهود قتل الخطأ؛ لأنهم يسقطون بها دية القتل.(٤) (المانع الخامس) العداوة الدنيوية: فلا تقبل شهادة عدو على عدوه إلا في النكاح، فتقبل؛ لعدم الضرر. وضابط العداوة المعتبرة: أن يسره حدوثُ السوء لمن يشهد عليه، أو يغتم لفرحه. أما الشهادة مع العداوة في الدين كشهادة المسلم على الكافر أو المحق من أهل السنة على المبتدع، فإنها تقبل؛ لأن الدِّين يمنعه من ارتكاب المحظور، وقد عبّر صاحب المنتهى عن هذا المانع بقوله: (العداوة لغير الله تعالى).
(تتمة) (المانع السادس) العصبية: فلا تقبل شهادة لمن عُرف بها كالتعصب لقبيلة على أخرى وإن لم يبلغ رتبة العداوة. و (المانع السابع) الملك: بأن يكون المشهود له يملك الشاهد أو بعضه. و (المانع الثامن) الحرص على أدائها قبل استشهاد من يعلم بها، سواء كان ذلك قبل الدعوى أو بعدها إلا في عتق وطلاق ونحوهما. و (المانع التاسع) أن ترد شهادته لمانع كالفسق، ثم يتوب ويعيدها، فلا تقبل؛ للتهمة، فربما أظهر التوبة لتقبل شهادته، لكن من شهد وهو كافر أو غير مكلف أو أخرس فزال ذلك وأعاد الشهادة، فإنها تقبل؛ لعدم التهمة.стр. 740
الحواشي
(١) أي: كل من لم تقبل شهادته لشخص ممن تقدم كعمودَي النسب، فإنها تقبل عليه، فتقبل شهادة المرأة على زوجها والأب على ابنه، ويستثنى من ذلك: شهادة الزوج على زوجته بالزنا، فلا تقبل؛ لأنه يقر على نفسه بالعداوة لها؛ لإفسادها فراشه.следующие страницы →