وممن أشار إلى ذلك من المفسرين أيضا: الماوردي. (١)
جواز موافقة الهوى للحق .
قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص ٥٠]
• قال السمعاني ﵀: " وفي الآية دلالة على أنه يجوز أن يكون الهوى (٢) موافقًا للحق، وإن كان نادرًا ". (٣)
الدراسة:
استنبط السمعاني من تقييد إتباع الهوى المسبب للضلال حال كون الهوى على غير هدى من الله، بأن هذا يدل على أنه قد يكون الهوى أحيانًا موافقًا للحق، لأن الله قيَّد في الآية ونسب الضلال عندما يكون الهوى على غير الهدى، وقد كان استنباط السمعاني بدلالة مفهوم المخالفة من نوع الاشتراط.
стр. 282
الموافقون:
وافق السمعاني بعض المفسرين، على القول بأن سبب تقييد إتباع الهوى بأنه يكون على غير هدى من الله أن في ذلك احتراز في أنه يكون الهوى في بعض الأحيان موافقًا للحق.
قال الألوسي: " وتقييد الإتباع للاحتراز عما يكون فيه هدى منه تعالى فإن الإنسان قد يتبع هواه ويوافق الحق ". (١)
وممن ذكر ذلك من المفسرين: البيضاوي، والشربيني. (٢)
المخالفون:
خالف السمعاني بعض المفسرين على من قال أنه قد يكون هناك هوى موافقا للحق، وقالوا أن هذا يستحال أبدا، وذكروا بأن ما ورد في الآية من التقييد إنما هو على سبيل التقريع والتشنيع، وإلا فليس ذلك دالا على وجود هوى موافق لهداية الله.
قال أبو السعود: " وتقييد إتباع الهوى بعدم الهدى من الله لزيادة التقريع والإشباع في التشنيع والتضليل وإلا فمقارنته لهدايته تعالى بينة الاستحالة ". (٣)
وممن أشار إلى ذلك وأيده: القرطبي، وابن عاشور. (٤)
стр. 283
النتيجة:
يخلص الأمر على سلامة استنباط السمعاني بدلالة الآية المستنبط منها هذا الاستنباط، وبما دلت عليه بعض النصوص الشرعية، فالآية تدل على ماهية الحالة التي يكون فيها الهوى ضالا وهو متى ما كان مخالفا للحق والهدى، وأما القائلون بأن الهوى لا يوافق الحق فيرد عليهم بما ورد في الأثر من حديث عبد الله ابن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ قال: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به) (١). فذلك من أقوى الأدلة على جواز أن يكون الهوى موافقا للحق متى ما كان على هدي الله وهدي نبيه ﷺ ، والله أعلم.
стр. 284
تخصيص أوقات التسبيح فيه إشارة إلى الصلوات الخمس .
قال تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم ١٧ - ١٨].
• قال السمعاني ﵀: " وفي الآية إشارة إلى أوقات الصلاة الخمس، فقوله: ﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾ إشارة إلى صلاة المغرب والعشاء، وقوله: ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ إشارة إلى صلاة الصبح، وقوله: ﴿وَعَشِيًّا﴾ إشارة إلى صلاة العصر. وقوله: ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ إشارة إلى صلاة الظهر ". (١)
الدراسة:
استنبط السمعاني من هذه الآيات التي نزه الله نفسه فيها، أن فيها إشارة إلى الصلوات الخمس حيث أن تنزيهه لذاته في المساء قد شمل صلاتي المغرب والعشاء، وتنزيهه لذاته في وقت الصبح قد شمل صلاة الصبح، وتنزيهه لذاته وقت العشي شمل صلاة العصر، وتنزيهه لذاته وقت الإظهار يشمل صلاة الظهر.
وقد أشار بعض المفسرين إلى ذلك قال ابن عاشور: " وقوله: ﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾ إلى آخره إشارة إلى أوقات الصلوات وهو يقتضي أن يكون الخطاب موجها إلى المؤمنين" (٢)، ويتبين - والله أعلم - أن المناسبة مع سابقها - وعده للمؤمنين أنهم
стр. 285
في روضة يحبرون - أنه لما وعدهم بحسن مصيرهم لقنهم شكر نعمة الله بإقامة الصلاة في أجزاء اليوم والليلة.
وممن أشار إلى استنباط السمعاني من المفسرين: الطبري، والماوردي، والكيا الهراسي، وابن عطية، وابن الجوزي، والسعدي، وغيرهم. (١)
بيد أن الرازي ذكر أن التسبيح في الآية قد يكون على ظاهره وأن المراد به تنزيهه سبحانه وقد ذكر عين ما استنبطه السمعاني ولم يخالفه، بل قوى القول بالتنزيه (٢)، والصحيح أنه ليس هناك ثمة مشاحة، فالصلاة كلها تنزيه لذاته سبحانه، وما في قراءة سورة الفاتحة في الصلاة، وأداء ركني الركوع والسجود، وما يقال فيها من التسبيح والثناء للذات الإلهية، إلا هو عين التنزيه، وأيضا مما يقوي استنباط السمعاني، كون هذه الآيات نزلت بالمدينة، مع أن السورة مكية (٣)، وفي المدينة فرضت الصلاة، وأيضا ما ورد في الأثر: " أن ابن عباس ﵄ لما سأله نافع بن الأزرق (٤): هل تجد الصلوات الخمس في القرآن قال: نعم، فقرأ ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ صلاة المغرب ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ صلاة الصبح ﴿وَعَشِيًّا﴾ صلاة العصر ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ صلاة الظهر وقرأ (ومن بعد صلاة العشاء) ". (٥) والله أعلم.
стр. 286
تخصيص أولو العزم لأنهم كانوا هم أصحاب الشرائع .
قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب ٧].
• قال السمعاني ﵀: " وخص هؤلاء لأنهم كانوا أصحاب الشرائع وهم: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى ابن مريم، ومحمد ". (١)
الدراسة:
استنبط السمعاني من سبب تخصيص الأنبياء الخمسة ﵈ (محمد، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى) في هذه الآية، لكونهم أصحاب الشرائع، ولا يخفى أن هؤلاء الرسل ﵈ هم أولو العزم (٢) من الرسل، وإن كان من غير هؤلاء الخمسة رسل أتوا بشرائع، إلا أن أولو العزم هؤلاء هم مشاهير أرباب الشرائع.
ومما لا شك فيه أن هذه الخصلة جعلت لهم مزيد فضل وشرف، قال الشوكاني: "ووجه تخصيصهم بالذكر الإعلام بأن لهم مزيد شرف وفضل، لكونهم من أصحاب الشرائع المشهورة ومن أولي العزم من الرسل ". (٣)
стр. 287
وقد أشار إلى هذا الاستنباط جل المفسرين أمثال: الثعلبي، والبغوي، وأبو حيان، والبيضاوي، والخازن، والشنقيطي. (١)
وقد استنبط من هذه الآية أيضاً أن سبب تقديم رسولنا ﷺ على سائر الأربعة مع تقدمهم عليه في الرسالة، أن في ذلك تعظيماً وتشريفاً له، وتكريماً لشأنه، ﵊، قال ابن كثير: " بدأ بالخاتم لشرفه صلوات الله عليه، وبيانا لعظم مكانته، ثم رتبهم بحسب وجودهم في الزمان ". (٢) وممن قال بذلك أيضاً: البيضاوي، وأبو السعود، والشوكاني. (٣)
عدم جواز الطلاق قبل النكاح لدلالة الترتيب .
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب ٤٩].
• قال السمعاني ﵀: " في الآية دليل على أن الطلاق لا يجوز قبل النكاح؛ لأنه رتب الطلاق على النكاح فدل على أنه لا يتقدمه ". (٤)
стр. 288
الدراسة:
لما رتب الرب سبحانه الطلاق بعد النكاح، استنبط السمعاني بدلالة الالتزام أنه لا يكون هناك طلاق بدون نكاح، لأن يلزم من الطلاق وجود النكاح وذلك لعلة الترتيب والتراخي في الآية.
الموافقون:
وافق السمعاني على هذا الاستنباط الفقهي أكثر الفقهاء المفسرين بل هو منقول عن الإمامين الشافعي، وأحمد بن حنبل، وجمهور السلف (١)، بل وزادوا التعيين، بحيث لو عين امرأة قبل نكاحها بأن يطلقها لم يقع هذا الطلاق، فضلا أن يقول لو تزوجت أي امرأة فهي طالق.
قال السعدي: "ويستدل بهذه الآية، على أن الطلاق، لا يكون إلا بعد النكاح، فلو طلقها قبل أن ينكحها، أو علق طلاقها على نكاحها، لم يقع، لقوله: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ فجعل الطلاق بعد النكاح، فدل على أنه قبل ذلك، لا محل له". (٢)
وممن ذكر هذا الاستنباط الفقهي من قبل السعدي: الشافعي، والقرطبي، وابن القيم، وابن كثير، والعثيمين. (٣)
المخالفون:
خالف مالك وأبو حنيفة في القول بعدم وقوع الطلاق، وقالوا أنه يقع الطلاق حتى لو لم يكن هناك نكاح بعد، وحجتهم الدلالة الظاهرة في قول القائل:
стр. 289
إن تزوجت فلانة فهي طالق، وقالوا بوقوع الطلاق، لأنه ألزم على نفسه الطلاق شريطة النكاح. وقد ذكر الجصاص في أحكامه هذا القول، وقال بأن قوله، والقائلين به هو الصحيح، وأنكر القول المخالف له. (١)
النتيجة:
ما ذهب إليه السمعاني، والموافقون له من قبله، ومن بعده، من أن تعليق الطلاق قبل النكاح لا يصح، وهذا هو الصحيح لما دلت عليه الآية التي اقتضت التراخي للطلاق بعد النكاح، ولما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (لا طلاق إلا فيما تملك ولا عتق إلا فيما تملك ولا بيع إلا فيما تملك) (٢)، ولما أثر عن ابن عباس ﵄: أنه تلا قول الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾، ثم قال: فلا يكون طلاق حتى يكون نكاح" (٣). وهذان الحديثان بذاتهما يبطلان قول المخالف الذي ليس له أساس ولا دليل، والله أعلم.
стр. 290
الظن والشك في دين الله موجب للكفر .
قال تعالى: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ﴾ [سبأ ٥٤].
• قال السمعاني ﵀: " وفي الآية دليل على أن الشاك كافر بخلاف ما قاله بعض الناس، وهو غلط عظيم في الدين، وقد دلت هذه الآية على أن الشاك كافر وهو في النار، وكذلك دل على هذا قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ فقد أوجب لهم الكفر والنار بالظن (١)." (٢)
الدراسة:
استنبط السمعاني في هذه الآية استنباطا عقديا، بأن من شك في شيء من دين الله فهو كافر، سواء شك في بعث الله له، أو ثوابه، أوعقابه، أو ما قد قضى الله له، وقدر من خلق السموات والأرض وغير ذلك من الآيات التي لم توجد إلا لحكمة، واستشهد السمعاني بآية أخرى وهو أن ظن المشركين أن خلق السماوات والأرض ليس لحكمة، قد أودى بهم هذا الظن أن حكم عليهم بالكفر ومن ثم إلى التخليد في النار.
стр. 291
قال النسفي عند تفسيره لهذه الآية: " .. وفي هذا رد على من زعم أن الله لا يعذب على الشك ". (١)
وقد ذكر جمع من أهل العلم أن للكفر أنواع ومن جملة أنواعه كفر الشك والذي أصله يقوم على التردد وعدم الجزم بصدق الرسول ﷺ ، وما جاء به واستشهدوا بقصة صاحب الجنة المذكورة في سورة الكهف عند قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (٣٥) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (٣٦) قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (٣٧) لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ (٢).
وقد ذكر الشنقيطي بعد سوقه لهذه الآيات ونظائرها، بأن الشاك كافر، فقال ﵀: " ... وهذه النصوص القرآنية تدل على أن الكافر لا ينفعه ظنه أنه على هدى، لأن الأدلة التي جاءت بها الرسل لم تترك في الحق لبسا ولا شبهة، ولكن الكافر لشدة تعصبه للكفر لا يكاد يفكر في الأدلة التي هي كالشمس في رابعة النهار لجاجا في الباطل، وعنادا، فلذلك كان غير معذور ". (٣)
وممن ذكر هذا الاستنباط أيضا: الرازي، وابن عادل الحنبلي، والسيوطي، والشوكاني، وابن عاشور، والعثيمين. (٤)
стр. 292
البشارة بالغلام الحليم فيها دلالة على أنه سيكبر ويوصف بالحلم والوقار .
قال تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات ١٠١].
• قال السمعاني ﵀: " وفي الآية دليل على أنه بشره بأنه يكبر، ويعمر حتى يوصف بالحلم والوقار ". (١)
الدراسة:
لما جاءت البشارة لرسولنا إبراهيم ﵇ بأن الله سيهبه غلاما حليما، استنبط السمعاني بدلالة الالتزام أن ذلك يدل على أنه هذا الغلام - إسماعيل ﵇ سيكبر، ويعمر حتى يوصف بأن يكون حليما وذا وقار، وقد كان ذلك في وقت صباه حينما عرض عليه أبوه الذبح فما كان منه إلا أن قال: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾.
قال أبو حيان: " واشتملت البشارة على ذكورية المولود، وبلوغه سن الحلم، ووصفه بالحلم، وأي حلم أعظم من قوله، وقد عرض عليه أبوه الذبح: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ ". (٢)
وقد أشار إلى ذلك الاستنباط جمع من المفسرين أمثال: الواحدي، وابن جماعة (٣)، والبيضاوي، والنسفي، والنسيابوري، وأبو السعود، وغيرهم كثير. (٤)
стр. 293
البشارة الثانية بإسحاق ﵇ تدل على أن المبشر به الأول هو إسماعيل ﵇ .
قال تعالى: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات ١١٢].
• قال السمعاني ﵀: " وقوله: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ استدل به من قال إن إسماعيل كان هو الذبيح، فإنه ذكر قصة الذبيح بتمامه، ثم قال: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ دل أنه كان غير إسحاق ". (١)
الدراسة:
لما أعقب الله بعد ذكره لقصة الذبيح بشارته لإبراهيم ﵇ أن الله سيرزقه بإسحاق ﵇، استنبط السمعاني بأن الذبيح هو إسماعيل ﵇، ووجه الاستنباط أنه كيف يكون هناك تعقيب ببشارة وقد سبق ذكرها.
الموافقون:
وافق السمعاني جمهور العلماء والمفسرين وهو المروي عن ابن عباس ﵄، والإمام أحمد بن حنبل بدليل الاستنباط السابق وهو احتجاجهم بأن الله
стр. 294
تعالى ذكر البشارة بإسحاق بعد الفراغ من قصة المذبوح فقال: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ فدل على أن المذبوح غيره، وأيضًا قوله تعالى في سورة هود: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ فكما بشّره بإسحاق بشّره بابنه يعقوب، فكيف يأمره بذبح إسحاق وقد وعده بنافلة منه. (١)
وممن أيَّد هذه الاستنباطات والتي مصبها يرجع إلى القول بأن الذبيح هو إسماعيل: ابن أبي حاتم، والقصّاب، وشيخ الإسلام، وابن القيم، وابن كثير، وابن حجر، والنووي، وابن عاشور، والشنقيطي، والسعدي، وغيرهم كثير. (٢)
المخالفون:
كان ابن جرير الطبري على رأس القائلين من المفسرين بأن الذبيح هو إسحاق، وهذا القول مروي عن عبد الله بن مسعود وعمر بن الخطاب وبعض الصحابة، وحجتهم ودليلهم أنه ليس في القرآن دليل واحد على أن الله بشَّر إبراهيم بإسماعيل، وإنما المُبشَّر في القرآن هو نبيُّنا إسحاق ﵇ ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ﴾ فكل القرآن يدل على أن الذي بُشِّر به بشارة هو إسحاق، فعلم أن الذبيح هو من هو المبشَّر به لأن الله قال ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾، وقالوا أيضًا مما يؤيد أن
стр. 295
الذبيح هو إسحاق أن الله يقول: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ أي أنه عايش في كنف أبيه، وإسماعيل لم يعش في كنف أبيه، كان مع أمه في مكة. (١)
النتيجة:
ما ذهب إليه السمعاني وجمهور العلماء هو الأقرب للصواب، لصراحة أدلتهم، أما ما ذكره المخالفون بأنه ليس هناك مبشر به في القرآن سوى إسحاق، فهذا ليس بدليل أن إسماعيل لا يُبشَّر به أيضًا، بل إن قواعد القرآن قضت بأنه لا يمكن أن يعيد الله البشارة مرة ثانية، فالمبَشَّر به الأول غير المبَشَّر به الثاني، وأما قولهم بأن إسماعيل كان في كنف أمه، فقد ثبت أن إبراهيم ﵇ لقي ابنه إسماعيل في السن التي كتب الله وأمر أن يذبحه فيها، والله أعلم. (٢)
стр. 296
الظن الفاسد المبني على القياس الباطل .
قال تعالى: ﴿قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (٧٥) قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [ص ٧٥ - ٧٦].
• قال السمعاني ﵀: " قوله تعالى: ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ وإنما قال إبليس هذا لأنه ظن أن للنار فضلا على الطين، ولم يكن على ما ظن، بل الفضل لمن أعطاه الله الفضل ". (١)
الدراسة:
لما عاند إبليس واستكبر بعدم سجوده لآدم، عندما أمره ربه بذلك، واحتج بأفضليته من حال كون أصله من نار، وآدم من تراب، استنبط السمعاني ظنية إبليس الباطلة عندما اعتقد أن التفضيل من جهة الأصل والجوهر، وجهل أن الفضل كل الفضل لمن أعطاه الفضل، بأن يوفقه لطاعته، والسعي في مرضاته.
وما كان هذا القياس من إبليس إلا لجهله بذلك، وإلا فالقياس لو عارض نصا فإنه يصبح باطلا، والنص هو أمر الله له بالسجود.
قال السعدي عندما ذكر أوجه بطلان قياس إبليس: " .. ومنها: أنه في مقابلة أمر الله له بالسجود، والقياس إذا عارض النص، فإنه قياس باطل، لأن المقصود بالقياس، أن يكون الحكم الذي لم يأت فيه نص، يقارب الأمور المنصوص عليها،
стр. 297
ويكون تابعا لها. فأما قياس يعارضها، ويلزم من اعتباره إلغاء النصوص، فهذا القياس من أشنع الأقيسة ". (١)
وقد ذكر جمع من علماء التفسير، وعلى رأسهم إمام المفسرين، ابن جرير الطبري، بأنه لو سلم أن قياس إبليس لا يعارض نصا أو أمرا من الله. فإنه باطل أيضا، لأن ليس للنار فضلا على الطين من أي وجه من الوجوه، قال ﵀: " ظن الخبيث أن النار خير من الطين ولم يعلم أن الفضل لمن جعل الله له الفضل، وقد فضل الله الطين على النار من وجوه منها: أن من جوهر الطين الرزانة والوقار والحلم والصبر وهو الداعي لآدم بعد السعادة التي سبقت له إلى التوبة والتواضع والتضرع فأورثه الاجتباء والتوبة والهداية، ومن جوهر النار الخفة والطيش والحدة والارتفاع وهو الداعي لإبليس بعد الشقاوة التي سبقت له إلى الاستكبار والإصرار، فأورثه اللعنة والشقاوة، ولأن الطين سبب جمع الأشياء والنار سبب تفرقها ولأن التراب سبب الحياة، فإن حياة الأشجار والنبات به، والنار سبب الهلاك ". (٢)
من بعد ذكر هذه الأوجه والتي تصب على فساد القياس وخطئه، يتبين صحة استنباط السمعاني والاحتجاج بقوله، والله أعلم.
стр. 298
جواز أن يكون هناك فرح بحق .
قال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ [غافر ٧٥].
• قال السمعاني ﵀: " قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ هذا دليل على أنه قد يكون فرح بحق ". (١)
الدراسة:
لما عاتب الله الكفار بفرحهم المذموم بالشرك والطغيان، ووصفه بأنه فرح بغير حق، استنبط السمعاني بدلالة مفهوم المخالفة أنه يكون هناك فرح بحق. ويؤيد صحة ما استنبطه السمعاني دلالات وأنواع الفرح التي ذكرت في القرآن، والتي من جملتها أمر الله سبحانه للمؤمنين بالفرح ولا يأمر الله سبحانه بالفرح إلا لكونه حقا، من ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾، وهذا الفرح هو الفرح بالعلم النافع، والعمل الصالح ومنه أيضا قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ﴾.
стр. 299
قال السعدي مؤيدا هذا الاستنباط بعدما ساق أمثلة للفرح المحمود والمذموم: "فصار الفرح تبعا لما تعلق به، إن تعلق بالخير وثمراته فهو محمود، وإلا فهو مذموم". (١)
وممن أشار إلى ما استنبطه السمعاني: ابن القيم، والخازن، والشوكاني، وابن عاشور. (٢)
стр. 300
تحريم وذم التقليد للآباء وغيرهم بدون حجة .
قال تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف ٢٣].
• قال السمعاني ﵀: " وفي الآية دليل على ذم التقليد والرجوع إلى قول الآباء من غير حجة ". (١)
الدراسة:
استنبط السمعاني من هذه الآية استنباطا أصوليا في النهي عن التقليد (٢) والرجوع لقول الآباء في الدين من غير حجة، ولم يكن استنباط السمعاني إلا لما اقتضاه السياق القرآني عقيب الاستفهامات الإنكارية من الله لهؤلاء المشركين المحتجين بأقوال، وأفعال آبائهم الشركية.
وقد أجمع الفقهاء والأصوليون من السلف والأئمة الأربعة من على تحريم وذم من قلد بدون حجة. (٣)
قال الكيا الهراسي عند تفسيره لهذه الآية: " فيه دلالة على إبطال التقليد، لذمه إياهم على تقليد آبائهم، وتركهم النظر فيما دعاهم الرسول ﵊ إليه". (٤)
стр. 301
واستثنى بعض أهل العلم جواز التقليد في حال من خفي عليه بعض العلم واجتهد في تتبع ما أنزل الله، قال ابن القيم عند تفسيره لهذه الآية: "إن الله سبحانه ذم من أعرض عما أنزله إلى تقليد الآباء، وهذا القدر من التقليد هو مما اتفق السلف والأئمة الأربعة على ذمه وتحريمه، وأما تقليد من بذل جهده في اتباع ما أنزل الله وخفي عليه بعضه فقلد فيه من هو أعلم منه فهذا محمود غير مذموم ومأجور غير مأزور." (١)
وممن أشار إلى ذلك الفيروزآبادي، والجصاص، والآمدي، وشيخ الإسلام، والبيضاوي، والألوسي، وغيرهم. (٢)
стр. 302
وجوب لزوم الأدب في مجلس رسول الله ﷺ .
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٣) إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٤) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات ١ - ٥].
• قال السمعاني ﵀: " وفي هذه الآيات بيان استعمال الأدب في مجلس النبي ﷺ ، وعظم الجناية في ترك ذلك، وما يؤدي إلى حبوط العمل واستحقاق العقاب ". (١)
الدراسة:
استنبط السمعاني من هذه الآيات في صدر سورة الحجرات والمسماة بسورة الآداب، أن ذلك يوجب استعمال الأدب في مجلس رسول الله ﷺ ، ووجه استنباطه هنا أمر الله سبحانه بعدم التقديم بين يدي الله ورسوله بقول أو فعل يخالف أمرا إلهيا، أو هديا نبويا، وأيضا أمره سبحانه بعدم رفع الصوت فوق صوت النبي ﷺ إلى غير ذلك من الآداب السلوكية.
قال السعدي عند تفسيره لهذه الآيات: " هذا متضمن للأدب، مع الله تعالى، ومع رسول الله ﷺ ، والتعظيم له، واحترامه، وإكرامه، فأمر الله
стр. 303
عباده المؤمنين، بما يقتضيه الإيمان، بالله وبرسوله، من امتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه، وأن يكونوا ماشين، خلف أوامر الله، متبعين لسنة رسول الله ﷺ ، في جميع أمورهم، وأن لا يتقدموا بين يدي الله ورسوله، ولا يقولوا حتى يقول، ولا يأمروا حتى يأمر، فإن هذا حقيقة الأدب الواجب مع الله ورسوله، وهو عنوان سعادة العبد وفلاحه، وبفواته، تفوته السعادة الأبدية، والنعيم السرمدي ". (١)
وممن أشار من المفسرين إلى هذا الاستنباط السلوكي والتربوي: الرازي، وابن كثير، والبقاعي، والشوكاني، والألوسي، وابن عاشور، والعثيمين. (٢)
стр. 304
ذكر وجوب الاصلاح بين الأخوين يدل على أولوية الإصلاح بين الجمع الكثير .
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات ١٠]
• قال السمعاني ﵀: وقوله: " ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ (١) ذكر الأخوين ليدل بوجوب الإصلاح بينهما على وجوب الإصلاح بين الجمع الكثير ". (٢)
الدراسة:
استنبط السمعاني بدلالة مفهوم الموافقة، أن ذكر الأخوين بصيغة المثنى، دون صيغة الجمع، حال الإصلاح، فيه دلالة على وجوب الإصلاح بين الجمع الكثير، وذلك بمعنى أنه لو أوجب الإصلاح بين الاثنين، فمن باب أولى أن يصلح بين الجمع الكثير.
الموافقون:
وافق السمعاني على هذا الاستنباط جمع من المفسرين، على القول بأن ذكر الاثنين من باب أن ما سواهم فيما فوقهم أولى بالصلح،
стр. 305
قال الألوسي: "وتخصيص الاثنين بالذكر لإثبات وجوب الإصلاح فيما فوق ذلك بطريق الأولوية لتضاعف الفتنة والفساد فيه ". (١)
وممن أشار إلى عين ما استنبطه السمعاني: ابن عطية، والرازي، والبيضاوي، وابن جزي، وأبو حيان، والشوكاني، والعثيمين. (٢)
وزاد بعضهم على الاستنباط السابق أن التثنية فيها دليل على أقل ما يحدث فيه الإقتتال، والتشاجر، والإختلاف هو الاثنان. (٣)
المخالفون:
ذكر بعض المفسرين أن لفظ التثنية في هذه الآية إنما أريد به الكثرة، وعدم الاقتصار على الاثنين فقط، وذلك لأن الكلام كان في سياق الطائفتين المقتتلتين، والطائفة لا تخلو من أفراد كثر، قال ابن عاشور: " وأوثرت صيغة التثنية في قوله (أخويكم) مراعاة لكون الكلام جار على طائفتين من المؤمنين فجعلت كل طائفة كالأخ للأخرى ". (٤) وقد ذكر القرطبي هذا القول من قبل. (٥)
стр. 306
النتيجة:
يتبين مما سبق أن قول السمعاني والموافقين له هو الأقرب للصواب، مع عدم استبعاد القول الآخر، وذلك لأن أمر الله بالإصلاح قد ذكره الله في الآية التي قبل هذه الآية المستنبط منها هذا الاستنباط، وهي آية اقتتال الطائفتين عند قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾، فكيف يعود ذكر الإصلاح، وقد سبق ذكره، وليس الأمر مرتبط بالطائفتين المقتتلتين، وإنما أراد الله أن يبين أمرا تربويا بعد ذكره لحادثة الاقتتال، بأن الإصلاح يجب بين الاثنين فكيف بمن فوقهم، والله أعلم. (١)
стр. 307
تسمية الرجال بالقوم دون النساء لقوامتهم بالأمور .
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات ١١].
• قال السمعاني ﵀: " وإنما سُمِّي الرجال قوماً دون النساء، لأنهم الذين يقومون بالأمور ". (١)
الدراسة:
استنبط السمعاني من سبب تخصيص الرب سبحانه لفظ القوم للرجال دون النساء، عند نهيه سبحانه لهم عن السخرية، بأن الرجال هم الذين يقومون بالأمور ومتطلبات الحياة، بخلاف النساء، ووجه الاستنباط أن الله عطف النساء على القوم، وذلك يدل على عدم دخولهن فيه، قال الماوردي: "ويسمى الرجال قوماً لقيام بعضهم مع بعض في الأمور، ولأنهم يقومون بالأمور دون النساء ". (٢)
وممن ذكر ذلك من المفسرين أيضا: ابن الجوزي، والقرطبي، والبيضاوي، والنسفي، وأبو السعود، والألوسي. (٣)
ومما يؤيد هذا الاستنباط الاستشهاد بآية أخرى وهو قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾، فأثبت الله لهم القوامة على النساء لقيامهم بأمور النساء، وغيرها من الأمور، فهذه الآية معضدة لصحة هذا الاستنباط، والله أعلم.
стр. 308
دلالة وجود الجنة في السماء وأسبقية خلقها .
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ [النجم ١٣ - ١٥]
• قال السمعاني ﵀: " وفي الآية دليل على أن الجنة في السماء وأنها مخلوقة، ومن زعم أنها غير مخلوقة فهو كافر بهذه الآية ". (١)
الدراسة:
استنبط السمعاني من هذه الآية استنباطين كلاهما عقدية، الأول: وجود الجنة في السماء وذلك حينما عرج به ﵊ إلى السماء السابعة، والآخر: القول بسبق خلق الجنة وهو الذي عليه مصب حديثنا، وقد استدلَّ بهذا لإبطال معتقد فاسد من معتقدات المعتزلة، والقدرية، الذين قالوا بأن الجنة والنار لم تخلق بعد، ووجه استدلاله أنه لو كانت الجنة لم تخلق لم يكن النبي ﷺ رأى جبريل ﵇ عند سدرة المنتهى في الجنة، عندما أسري به ﵊، بل وفي هذا العروج إلى السماء، ورؤية جبريل في الجنة، دليل أن الجنة في السماء.
وما كان عليه السمعاني هو الموافق لمعتقد أهل السنة والجماعة، والذين قالوا بأسبقية خلق الجنة والنار لعموم النصوص الدالة على ذلك سواء من القرآن أو من السنة المطهرة كقوله تعالى عن الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾، وقوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾، وعن النار: قوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾، وقوله
стр. 309
تعالى: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (٢١) لِلطَّاغِينَ مَآبًا﴾، وفي السنة الأحاديث الكثر الدالة على أسبقية خلق الجنة والنار، ومنها ما في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار فمن أهل النار فيقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة). (١) وأيضا حديث: (اشتكت النار إلى ربها فقالت رب أكل بعضي بعضا فأذن لي بنفسين نفس في الشتاء ونفس في الصيف فأشد ما تجدون من الحر وأشد ما تجدون من الزمهرير (٢)). (٣)
قال ابن أبي العز: " فاتفق أهل السنة على أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن ولم يزل أهل السنة على ذلك حتى نبغت نابغة من المعتزلة والقدرية فأنكرت ذلك وقالت: بل ينشئهما الله يوم القيامة ". (٤)
وعندما خالف المعتزلة والقدرية معتقد أهل السنة والجماعة في قولهم بأسبقية خلق الجنة والنار، فإنه لم تكن لهم حجة إلا أنهم قالوا: أنه لا حاجة إليها، وإنما حاجتهما في الآخرة، فإيجادها قبل وقتها عبث، وقالوا أيضا بأنها لو كانت مخلوقة لوجب أن تفنى وينقطع أكلها لقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ فوجب أن لا تكون الجنة مخلوقة. (٥)
ومن صريح الأدلة السابقة واتفاق من سلمت معتقداتهم من أهل السنة والجماعة يتبين سلامة استنباط السمعاني ومن وافقه من جملة المفسرين، وبطلان قول المعتزلة وذلك بأسبقية خلق الجنة والنار.
стр. 310
جواز القياس في الأحكام .
قال تعالى: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر ٢].
• قال السمعاني ﵀: " وقد استدل بهذه الآية على جواز القياس في الأحكام، لأن القياس نوع اعتبار، إذ هو تعبير شيء بمثله، بمعنى جامع بينهما، ليتفقا في حكم الشرع ". (١)
الدراسة:
استنبط السمعاني من آية الاعتبار في هذه الآية جواز القياس في شرعنا الحنيف، ووجه استننباطه أن القياس نوع من الاعتبار، وأن الله أمر في آخر الآية بماهية الاعتبار، وهو أمر شامل لجميع أنواع الاعتبار ومن جملة أفراده القياس، فوجب أن يكون الاعتبار مأمورا به.
الموافقون:
أجاز الأئمة الأربعة وجمهور العلماء من الأصوليين والمفسرين وقوع القياس شرعا وجوازه عقلا، وكان من أعظم ما استدلوا به هذه الآية التي استنبط منها السمعاني، لأن لفظ الإعتبار يدل على العبور، وهو الانتقال من شيء إلى آخر والقياس فيه انتقال بالحكم من الأصل إلى الفرع فيكون مأموراً به. (٢)
стр. 311
قال الآمدي: " أمر بالاعتبار والاعتبار هو الانتقال من الشيء إلى غيره وذلك متحقق في القياس، حيث إن فيه نقل الحكم من الأصل إلى الفرع ". (١)
وممن ذكر ذلك من الأصوليين والمفسرين أيضا: الفراء، والسرخسي (٢)، والرازي، والسبكي، والبيضاوي، والشنقيطي. (٣)
المخالفون:
خالف بعض الأصوليين ما ذكره السمعاني والموافقون له، بحجة أنه لا يسلم بأن الاعتبار هو المجاوزة، بل المراد به الاتعاظ، ودليل ذلك أن القياس الشرعي لا يناسب صدر الآية، وهو قوله تعالى: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾، ومما يدل على أن المراد بالاعتبار هو الاتعاظ دلالة معنى الاعتبار في قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً﴾، فالمراد به هنا هو الاتعاظ، فأصبح لفظ الاعتبار في الآية المستنبط منها غير دال على القياس الشرعي، لا بلفظه ولا بمعناه. (٤)
стр. 312
النتيجة:
ما ذكره المخالفون من قولهم بأن المراد بالإتعاظ هو الإعتبار معنى قاصر على لفظ الإعتبار، بل في هذه الآية ما يدل على معنى العبور، والذي مراده الانتقال من شيء إلى آخر فطابق القياس فيه انتقال بالحكم من الأصل إلى الفرع فيكون مأموراً به.
ويؤيد ذلك ما أثر عن النبي ﷺ حين سأله عمر عن القبلة للصائم، فقال له: (أرأيت لو تمضمضت) (١) فهو قياس للقبلة على المضمضة، وغير ذلك من النصوص الواردة المأثورة. (٢)
стр. 313
الدعاء للسلف بالرحمة والخير من علامات المؤمنين .
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر ١٠].
• قال السمعاني ﵀: " وفي الآية دليل على أن الترحم للسلف والدعاء لهم بالخير وترك ذكرهم بالسوء من علامة المؤمنين ". (١)
الدراسة:
لما أقر سبحانه بأن السلف الذين جاءوا من بعد الصحابة سيدعون لمن سبقهم من الصحابة بالمغفرة، والرحمة، وسلامة صدورهم من الغل تجاهم، مع ما أثبته سبحانه من مشاركتهم للصحابة في الإيمان، استنبط السمعاني بدلالة التضمن أن تلك العلامات تتضمن إيمان هؤلاء السلف ومن جاء بعدهم على وفق نهجهم.
قال السعدي: " فوصف الله من بعد الصحابة بالإيمان، لأن قولهم: ﴿سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾، دليل على المشاركة في الإيمان، وأنهم تابعون للصحابة في عقائد الإيمان وأصوله، وهم أهل السنة والجماعة، الذين لا يصدق هذا الوصف التام إلا عليهم، ووصفهم بالإقرار بالذنوب والاستغفار منها، واستغفار بعضهم لبعض، واجتهادهم في إزالة الغل والحقد عن قلوبهم لإخوانهم المؤمنين، لأن دعاءهم بذلك مستلزم لما ذكرنا، ومتضمن لمحبة بعضهم بعضا ". (٢)
стр. 314
وممن أشار إلى ذلك من المفسرين: السمرقندي، والكيا الهراسي، وابن جزي، والألوسي، والعثيمين. (١)
واستنبط بعض المفسرين أن هذه الآية فيها دلالة على وجوب محبة الصحابة، لأن ذكر سبحانه لأوصاف هؤلاء من السلف فيه دلالة على أن المؤمنين ينبغي أن يكونوا كمثلهم، ولا يكون الاتباع إلا بدليل المحبة.
قال القرطبي: " هذه الآية دليل على وجوب محبة الصحابة، لأنه جعل لمن بعدهم حظا في الفيء ما أقاموا على محبتهم وموالاتهم والاستغفار لهم، وأن من سبَّهم أو واحدا منهم أو اعتقد فيه شرا إنه لا حق له في الفيء ". (٢)
стр. 315
دلالة عدم خروج حاطب ابن أبي بلتعة من الإيمان .
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [الممتحنة ١].
• قال السمعاني ﵀: " قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في الآية دليل على أن حاطباً لم يخرج من الإيمان بفعله ذلك ". (١)
الدراسة:
استنبط السمعاني بدلالة التضمن، حينما نادى سبحانه المؤمنين بعدم اتخاذهم أعداء الله أولياء، مع كون سبب نزول هذا النداء الرباني هو فعل حاطب حينما كاتب أهل مكة، بأن النبي ﷺ ومن معه من المؤمنين يريدون غزوهم، وذلك خشية أن يلحق أهله ضررا (٢)، ومع ذلك نودي حاطب باسم الإيمان، استنبط أن هذا النداء يُضمن منه عدم خروج حاطب من دائرة الإيمان.
стр. 316
وممن ذكر هذا الاستنباط من العلماء: ابن عطية، وشيخ الإسلام، وابن القيم، والنسفي، وأبو السعود. (١)
وقد بين العلماء بأن السبب الذي لم يخرج حاطبًا من الإيمان، هو كون موادته لأجل أمر من أمور الدنيا وهو الرحم، فيكون ناقص الإيمان، لا منتفِ الإيمان. (٢)
قال شيخ الإسلام ﵀: " وقد تحصل للرجل موادتهم لرحم أو حاجة، فتكون ذنباً ينقص به إيمانه، ولا يكون به كافراً كما حصل من حاطب بن أبي بلتعة، لما كاتب المشركين ببعض أخبار النبي ﷺ ". (٣)
تسمية المهاجرات بالإيمان لأنهن على قصد إليه .
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ [الممتحنة ١٠].
• قال السمعاني ﵀: " قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ سماهن مؤمنات قبل وصولهن إلى النبي ﷺ ، لأنهن على قصد الإيمان ". (٤)
стр. 317
الدراسة:
استنبط السمعاني من سبب تسمية المهاجرات ووصفهنَّ بالمؤمنات، وذلك لأن ظاهر أمرهن هو الإيمان وهن على قصد إليه، قال ابن عطية: "وسماهم مؤمنات قبل أن يتيقن ذلك إذ هو ظاهر أمرهن ". (١)
وزاد بعض المفسرين على ماذكر من السبب السابق في وصفهن بالمؤمنات، بأنهن أيضا قد نطقن بالشهادة، ولم يظهر ما ينافي ذلك، قال أبو حيان: "وسماهن تعالى مؤمنات قبل أن يمتحن، وذلك لنطقهن بكلمة الشهادة، ولم يظهر منهن ما ينافي ذلك، أو لأنهن مشارفات لثبات إيمانهن بالامتحان ". (٢)
وممن أشار إلى ما استنبطه السمعاني، والاستنباط الآخر من المفسرين: الزمخشري، والرازي، والنسفي. (٣)
مما سبق يتبين سلامة ما استنبطه السمعاني، وذلك مصداق حديث النبي ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) (٤). فنجد بأن المهاجرات سموا مؤمنات قبل وصولهن للنبي ﷺ لأن قلوبهنَّ قد انعقدت على الإيمان، لا لظاهر الأمر فحسب، والله أعلم.
стр. 318
سنية الخطبة لصلاة الجمعة في وضع القيام .
قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة ١١].
• قال السمعاني ﵀: " وقوله: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ لأنه كان يخطب، وفيه دليل على أن السنة أن يخطب قائما ". (١)
الدراسة:
استنبط السمعاني استنباطًا فقهيًا، وهو القول بسنِّية القيام حال الخطبة، ووجه استنباطه من هذه الآية وصفُ حالِ النبيِّ ﷺ وقت خطبته بحال القيام، وذلك عندما رأوا الصحابة القافلة التي قدمت للتجارة فتركوا النبي ﷺ قائما وهو يخطب.
قال ابن العربي: " في هذه الآية دليلٌ على أن الإمام يخطب قائمًا، كذلك كان يفعل النبي ﷺ . (٢)
وممن قال بسنية القيام حال الخطبتين من الفقهاء وأهل التفسير: أبو إسحاق (٣)، والكيا الهراسي، والجصاص، والقرطبي، وابن كثير، وابن جزي، والسيوطي، وغيرهم (٤). (٥)
стр. 319
وقد اشترط الشافعية القيام عند القدرة لصحة الخطبة مستدلين بظاهر الآية من ذكر القيام، والصحيح أن ظاهر الآية ليس فيه دليل على الاشتراط وإنما هو كما ذكر السمعاني والموافقون له بأنه سنة، والمخالف لها مخالف لفعل ما أثر عنه ﵇ عند أداء هذه الشعيرة الدينية، ولعدم وجود دليل يقتضي الأمر في ذلك، وقد ذكر الإمام أحمد ومالك وأبو حنيفة أنه لا يشترط القيام ولا القعود في الخطبتين، وإنما هو سنة. (١)
ومما يدل على قيامه ﵇ عند خطبتيه، ما رواه الإمام مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله (أن النبي ﷺ كان يخطب قائما يوم الجمعة). (٢)
وما قد رواه مسلم في صحيحه أيضاً، عن جابر بن سمرة قال: " كانت للنبي ﷺ خطبتان يجلس بينهما، يقرأ القرآن ويذكر الناس " (٣). فدليل جلوسه بين الخطبتين أنه كان قائما، والله أعلم.
стр. 320
تخصيص البنان بالذكر فيه دلالة على أن ماسواها أولى بالقدرة على التسوية والجمع .
قال تعالى: ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ [القيامة ٤]
• قال السمعاني ﵀: " وقوله: ﴿عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ أي: على تسوية بنانه، وهي أطراف الأصابع، وفيها عظام صغار، وخصَّها بالذكر، لأنه تعالى إذا قدر على جمع العظام الصغار فعلى الكبار أقدر على جمعها وإحيائها ". (١)
الدراسة:
استنبط السمعاني في هذه الآية بدلالة مفهوم الموافقة من نوع فحوى الخطاب أن السبب في تخصيص ذكر البنان دون سائر أعضاء الجسد من الأطراف والعظام وغيرها، أن في ذلك دلالة على أن جمع وإحياء ما سواها من العظام أقدر وأيسر، وذلك لدقتها ولطافتها وصغرها مع ما تشتمله من المفاصل والعروق والأظافر.
قال الشوكاني: " فنبه سبحانه بالبنان وهي الأصابع على بقية الأعضاء، وأن الاقتدار على بعثها وإرجاعها كما كانت أولى في القدرة من إرجاع الأصابع الصغيرة اللطيفة المشتملة على المفاصل والأظافر والعروق اللطاف والعظام الدقاق، فهذا وجه تخصيصها بالذكر ". (٢)
وممن أشار إلى ذلك أيضاً: البغوي، والزمخشري، والقرطبي، وأبو حيان، والبيضاوي، والنسفي، وأبو السعود، وغيرهم. (٣)