وقد ذهب إلى ما استنبطه السمعاني جمع من المفسرين، قال القرطبي: " فإن قال قائل: كيف قال: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا﴾ ولم يذكر السهل، وقال: ﴿تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ ولم يذكر البرد؟ فالجواب أنهم كانوا أصحاب جبال ولم يكونوا أصحاب سهل، وكانوا أهل حر ولم يكونوا أهل برد، فذكر لهم نعمه التي تختص بهم كما خصهم بذكر الصوف وغيره، ولم يذكر القطن والكتان ولا الثلج ". (١)
وممن قال بنحو ذلك أيضا: الطبري، والماوردي، وابن عطية، وابن جزي، وابن كثير، والسيوطي، وابن عاشور، وغيرهم. (٢)
وهذه الحكمة والسر في مراعاة أحوال المخاطب، وتذكيره بنعمه سبحانه التي يعرفها العبد ويعيشها صباح مساء تجده في غير ما موضع في القرآن، قال الخازن في تفسيره لهذه الآية المذكور منها هذا الاستنباط بعد أن بين أن هذه النعم تناسب حالهم: " فلهذا السبب ذكر الله هذه المعاني في معرض الامتنان عليهم بها، لأن النعمة عليهم فيها ظاهرة ". (٣)
стр. 247
جواز اتباع الفاضل للمفضول .
قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾
[النحل ١٢٣].
• قال السمعاني ﵀: " قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ هذا دليل على أنه يجوز للفاضل أن يتبع المفضول ". (١)
الدراسة:
لما أمر الله سبحانه نبيه محمدا ﷺ أن يتبع ملة إبراهيم ﵇، استنبط السمعاني جواز إتباع الفاضل للمفضول، ووجه الاستنباط أن نبينا محمداً ﷺ أفضل من سيدنا إبراهيم ﵇، ومع هذا نجد المولى يأمره بإتباع ملة إبراهيم ﵉ جميعا.
ولم يكن إتباع محمد ﷺ لسيدنا إبراهيم ﵇ إلا لسبق إبراهيم ﵇ للقول بالحق، وتمييز الصواب، وتقدمه لمعرفة دين الإسلام على نبينا محمد ﷺ . قال ابن عطية: " قال ابن فورك (٢): وأمر الفاضل بإتباع المفضول، لما كان سابقا إلى قول الصواب والعمل به ". (٣)
стр. 248
وممن ذكر هذا أيضا من المفسرين: الماوردي، وأبو حيان، وابن الجوزي، وابن عادل الحنبلي، ومحمد أبو زهرة، والسعدي، وغيرهم. (١)
يؤيد هذا الاستنباط تعلم موسى وإتباعه للخضر مع تفاوت المراتب فيما بينهما، وما كان ذلك إلا لأن المفضول اختص بعلم لم يكن عند الفاضل هذا العلم، وهو علم بعض الغيب، ومعرفة بعض البواطن، لأن موسى ﵇ لم يكن على علم واطلاع به. (٢)
стр. 249
تخصيص البحر لأن الهلاك فيه آكد .
قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ [الإسراء ٦٧].
• قال السمعاني ﵀: " قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ﴾ أي: الشدة في البحر، وإنما خص البحر بالذكر، لأن اليأس عند وقوع الشدة فيه أغلب". (١)
الدراسة:
استنبط السمعاني من ذكر شدة وقوع اليأس في البحر دون غيره من الأماكن، لأن البحر تكون الشدائد فيه أكثر من غيره سواء في تلاطم أمواجه، وارتفاعها، وانخفاضها، وهيجان البحر، وطول المدة في السير فيه، وغير ذلك من أنواع وألوان الكرب والشدائد التي تفضي للغرق والهلاك، وانقطاع الحيل، مما لا يكون في غيره.
وقد ذهب إلى ما استنبطه السمعاني بعض المفسرين قال القرطبي: " فوقفهم الله
-أي المشركون - من ذلك على حالة البحر حيث تنقطع الحيل ". (٢)
وممن قال بنحو ذلك أيضا: القصاب (٣)، والرازي، والخازن، وجلال الدين المحلي، والنيسابوري، والشنقيطي، والسعدي، ومحمد أبو زهرة. (٤)
стр. 250
بقاء المسكين على مسكنته مع تملكه، إذا لم يقم ما يملك كفايته .
قال تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ [الكهف ٧٩].
• قال السمعاني ﵀: " وفيه دليل على أن المسكين وإن كان يملك شيئا فلا يزول عنه اسم المسكنة إذ لم يقم ما يملك بكفايته ". (١)
الدراسة:
لما قرر سبحانه بأن هذه السفينة كانت للمساكين الذين كانوا يتكسبون بها، استنبط السمعاني بأن المسكين لا ترفع مسكنته بكونه مالكا لآلة، أوغيرها مالم يكن عنده ما يكفيه ويسد حاجته، ووجه استنباطه أن الله وصفهم بالمساكين مع كونهم مالكين لهذه السفينة التي تساوي جملة من المال.
وقد كان استنباط السمعاني لكونه جعل اللام المضافة للمساكين لام ملكية، بمعنى أن السفينة ملكٌ لهؤلاء المساكين.
الموافقون:
وافق السمعاني على استنباطه هذا بعض المفسرين، قال الخازن: " وفيه دليل على أن المسكين وإن كان يملك شيئا لا يزول عنه اسم المسكنة إذا لم يقم ما يملكه
стр. 251
بكفايته، وإن حال الفقير في الضر والحاجة أشد من حال المسكين، لأن الله تعالى سماهم مساكين مع أنهم كانوا يملكون تلك السفينة ". (١)
وممن وافق السمعاني على ذلك أيضا: الشافعي في أحد قوليه (٢)، والثعلبي، والسجستاني، والبغوي، والبقاعي، والسيوطي، والشربيني، والألوسي. (٣)
المخالفون:
خالف السمعاني في استنباطه هذا جمع من الفقهاء والمفسرين، وقالوا بأنه ليس هناك دلالة تدل على أن المساكين هؤلاء ملاكا لهذه سفينة، وأن اللام المضافة للمساكين إنما هي لام تخصيص وتصرف، بمعنى أن السفينة لم تكن لهم إلا سوى عارية أو أجراء يعملون عليها للتكسب بها للحصول على الرزق يشهد بذلك ما قد أثر عنهم (٤).
قال الجصاص: " وقد روي أنهم كانوا أجراء فيها وأنهم لم يكونوا ملاكا لها وإنما نسبها إليهم بالتصرف والكون فيها ... كما يقال هذا منزل فلان وإن كان ساكنا فيه غير مالك له، وهذا مسجد فلان ولا يراد به الملك ". (٥)
وممن قال بذلك من الفقهاء والمفسرين: ابن العربي، وأبو حيان، وابن عاشور، والشوكاني، والشهاب الخفاجي. (٦)
стр. 252
النتيجة:
بعد النظر في أدلة الفريقين، واستشهاداتهم فإنه لا يستطيع أحد الجزم والقطع بصحة قول وإبطال القول آخر، لكنه في حقيقة الأمر يمكن تقريب الصواب حول ما ذكره السمعاني والموافقون له، لما يستشهد فيه بأن النبي صلى الله عليه، بين بأن المسكين ليس الذي يسأل الناس فحسب، وإنما هو الذي لا يجد ما يغنيه، فقال ﵊ من حديث أبي هريرة ﵁: «ليس المسكين الطوَّاف الذي يطوف على الناس فترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان، قالوا: فما المسكين يا رسول الله؟ قال: الذي لا يجد غنىً يغنيه ولا يُفطن إليه فيُتصدَّق عليه، ولا يسأل الناس شيئاً» (١)، والله أعلم.
وقد ذكر بعض المفسرين وجها آخر في الاستنباط بأن ذكر لفظ المساكين في هذه الآية إضافة لما تقدم فإنه أيضا يقتضي الرقة عليهم والرأفة بهم ومدى الاستعفاف عندهم. (٢)
стр. 253
تخصيص السلام حال الولادة، والموت، والبعث لأنها أشد الأحوال وحشة .
قال تعالى: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم ١٥].
• قال السمعاني ﵀: " وقوله تعالى: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ خص هذه الأحوال بهذه الأشياء، لأن هذه الأحوال أوحش شيء فإنه عند الولادة يخرج من بطن الأم على وحشة شديدة، ويموت على وحشة شديدة، ويبعث على وحشة شديدة (١) ". (٢)
الدراسة:
استنبط السمعاني من سبب تخصيص الرب سبحانه هذه الأحوال بالسلام على عيسى ﵇ فيها، والتي هي حال الولادة، وحال الموت، وحال البعث، وأنها تعد من أشد الأحوال، وأوحشها، التي يمر عليها الإنسان مذ أوجده ربه وخلقه، وبه يكون المرء في محل عناية من ربه سبحانه، حيث سلمه في أوحش الأحوال.
وقد ذهب إلى ما استنبطه السمعاني جملة من المفسرين، قال ابن عاشور: " وهذه الأحوال الثلاثة المذكورة هنا أحوال ابتداء أطوار: طور الورود على الدنيا،
стр. 254
وطور الارتحال عنها، وطور الورود على الآخرة، وهذا كناية على أنه بمحل العناية الإلهية في هذه الأحوال ". (١)
وممن قال بذلك أيضا: الطبري، والبغوي، والرازي، وابن كثير، والنيسابوري، والسعدي، والشنقيطي. (٢)
стр. 255
دلالة ورود البر والفاجر على النار .
قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم ٧٢].
• قال السمعاني ﵀: قوله تعالى ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ استدل بهذا من قال: إن الورود (١) هو الدخول، لأن التنجية إنما تكون بعد الدخول. وقال أيضا: ﴿وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ وهذا دليل على أن الكل قد دخلوها ". (٢)
الدراسة:
لما بين الله سبحانه الإنجاء للمتقين بعد الورود، استنبط السمعاني أن هذا الإنجاء إنما كان بعد دخول المؤمنين للنار، مرتضيا لهذا القول، وأيضا استنبط من بقاء الكفار فيها، أن المتقين كانوا معهم فأنجاهم الله، وأبقى الكافرين الظالمين فيها.
الموافقون:
وافق السمعاني على القول بالدخول بعض المفسرين أمثال: البغوي، والخازن، والألوسي، والشنقيطي (٣)، وحجتهم ما ذكره السمعاني في استنباطه
стр. 256
وتفسيره لهذه الآيات، ومستدلين أيضا بحديث النبي ﷺ : (لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها، فتكون على المؤمنين بردا وسلاما، كما كانت على إبراهيم، حتى إن للنار ضجيجا من بردهم، ثم ينجي الله الذين اتقوا، ويذر الظالمين فيها جثيا). (١)
المخالفون:
خالف السمعاني جمع من علماء العقيدة والتفسير لمن قال بأن المراد بالورود هو الدخول، وقالوا بأن المراد بالورود إنما هو عبور الصراط الذي هو فوق متن جهنم، لما صح عن النبي ﷺ من حديث حفصة أنه قال ﵇: (والذي نفسي بيده لا يلج النار أحد بايع تحت الشجرة) فقلت: يا رسول الله أليس الله يقول: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ فقال: ألم تسمعيه قال: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ (٢)، فأشار ﷺ إلى أن ورود النار لا يستلزم دخولها وأن النجاة من الشر لا تستلزم حصوله بل تستلزم انعقاد سببه.
وهذا القول هو الذي رجحه الطبري في تفسيره، وابن كثير، وشيخ الإسلام، وابن القيم، وابن أبي العز، والشهاب الخفاجي، والزرقاني، وابن عاشور، وغيرهم كثير. (٣)
стр. 257
النتيجة:
يظهر من أدلة الفريقين قوة أدلة الفريق المخالف للسمعاني وصحتها لما ورد من الأحاديث الصحيحة التي أوردها الطبري بعد ترجيحه لهذ القول ولما أثر عن ابن مسعود ﵁، عندما سئل عن هذه الآية فبين أن المراد بالورود هو عبور الصراط. (١)
أما ما ذكره القائلون بأن الورود هو الدخول فحديثهم لايلزم منه الدخول، وإنما المراد العبور كما بين سلفا.
وقد ذكر بعض المفسرين أن سبب إنجاء المتقين، فيه إدماج ببشارة المؤمنين في أثناء وعيد المشركين. (٢)
تحريم الاستمناء باليد .
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون ٧].
• قال السمعاني ﵀: " وقوله: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ أي: الظالمون المتجاوزون عن الحلال إلى الحرام، واستدل العلماء (٣) بهذه الآية على أن الاستمناء باليد حرام ". (٤)
стр. 258
الدراسة:
استنبط السمعاني من هذه الآية أن الاستمناء باليد محرم شرعا، ووجه الدلالة أن الله ذكر من صفات المؤمنين أنهم يحافظون على فروجهم إلا في ما أحل الله لهم من النوعين المذكرين (الأزواج - ملك اليمين)، فلزم أن ما سواهما محرم، ويتأكد ذلك عندما وصف الله أن من تعدى هذين النوعين فهو من العادين على حرمات الله، ولقد كان هذا الاستنباط بدلالة مفهوم المخالفة، وذلك بمعنى أن ما سوى هذين النوعين فهو حرام.
الموافقون:
وافق السمعاني على القول بحرمة الاستمناء باليد جل الفقهاء والمفسرين بنص هذه اللآية.
قال ابن كثير مؤيدا القول بالتحريم: " وقد استدل الإمام الشافعي، ﵀، ومن وافقه على تحريم الاستمناء باليد بهذه الآية الكريمة ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ قال: فهذا الصنيع خارج عن هذين القسمين". (١)
وممن قال بالتحريم أيضا: ابن العربي، والبغوي، والقرطبي، وأبو حيان، والخازن، والشوكاني، والشنقيطي، وإبراهيم بن ضويان، والعثيمين، وغيرهم كثير. (٢)
стр. 259
المخالفون:
ورد أثرٌ أن عطاء بن أبي رباح عندما سئل عن حكمه قال: مكروه ولم يحرمه، ثم قال بعدها: " سمعت أن قوما يحشرون وأيديهم حبالى فأظن أنهم هؤلاء ". (١)
وجوزه الإمام أحمد بحكم القياس فقال: " هو إخراج فضلة من البدن تدعو الضرورة إلى إخراجها، فجاز قياساً على الفصد والحجامة ". (٢)
النتيجة:
مما لا شك فيه أن ما ساقه السمعاني والموافقون له هو عين الصواب، لما دل عليه ظاهر الآية، ولما ورد في بعض الآثار التي وردت في تحريم هذه العادة السيئة، من ورود اللعنة على الناكح ليده (٣)، ولعدم مخالفته نص أو إجماع، وأيضا لما يترتب عليها من مفاسد ومضار تعود على الفرد والمجتمع، من أن هذا الصنيع المحرم - الاستمناء باليد - ذريعة إلى ترك النكاح، وانقطاع النسل وغير ذلك من المفاسد.
وما ذكر عن الإمام أحمد مع جلالة قدره مخالف لظاهر الآية، وقياسه يرد بالقادح المسمى فساد الاعتبار، قال الشنقيطي رادًّا على استدلال الإمام أحمد: "وظاهر عموم القرآن، لا يجوز العدول عنه، إلا بدليل من كتاب أو سنة، يجب الرجوع إليه، أما القياس المخالف له فهو فاسد الاعتبار " (٤).
وبهذا يتبين أن استنباط السمعاني هو عين الصواب، والله أعلم.
стр. 260
تخصيص النخيل والأعناب كونها أكثر قوت وفاكهة للعرب .
قال تعالى: ﴿فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [المؤمنون ١٩].
• قال السمعاني ﵀: " وخص النخيل والأعناب بالذكر، لأنهما كانتا أكثر فواكه العرب ". (١)
الدراسة:
استنبط السمعاني مناسبة تخصيص النخيل والأعناب بالذكر مع دخولهما في عموم الجنات، وقال إن مناسبة هذا التخصيص هو كونها أكثر فواكه العرب.
وقد أشار بعض المفسرين إلى نحو ذلك، من أن النخيل والأعناب هي أكثر فواكه العرب وأكثر قوتهم. قال أبو بكر الجزائري: " وذكر النخيل والأعناب دون غيرهما لوجودهما بين العرب، فهم يعرفونها أكثر من غيرها، فالنخيل بالمدينة، والعنب في الطائف" (٢).
وممن أشار إلى ذلك أيضاً: السيوطي، وابن عاشور. (٣)
وذكر بعض المفسرين وجهاً آخر وهو أن مناسبة التخصيص لما فيهما من النفع والفضيلة على سائر ما ينبت في الجنات، قال ابن القيم مبينا سبب تخصيص هاتين الفاكهتين: " خص هذين النوعين من الثمار بالذكر لأنهما أشرف أنواع الثمار
стр. 261
وأكثرها نفعا فإن منهما القوت والغذاء والدواء، والشراب، والفاكهة، والحلو، والحامض، ويؤكلان رطباً يابساً، ومنافعهما كثيرة جداً ". (١)
وممن أشار إلى ذلك أيضاً: البيضاوي، والبقاعي، والشوكاني، وأبو السعود، والشهاب الخفاجي، والشوكاني، والسعدي. (٢)
وكلا المناسبتين وارد، سواء كونه فاضلاً لنفعه، وأيضا لكونه قوت أكثر العرب فالتخصيص بالذكر لكونه الأنفع فيعظم الامتنان به، ولفضله على سائر النباتات التي في الجنات، وأيضا عندما يكون معروفا عند العرب والخلق عموما لكثرته وكونه يقتات منه، فيجتهدوا لنيل هذا النعيم مع الفارق بين نعيم الدنيا ونعيم الآخرة، وإلا ليس في الآخرة شيء من الدنيا إلا الأسماء، حتى تدرك العقول هذا النعيم. والله أعلم.
стр. 262
تخصيص شجرة الزيتون لأنها شجرة مأكولة، ولا تحتاج لمعاهدة .
قال تعالى: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾ [المؤمنون ٢٠]
• قال السمعاني ﵀: " قوله تعالى: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ﴾ وإنما خصها بالذكر، لأنها لا تحتاج إلى معاهد، فالمنة فيها أكثر، ولأنها مأكول ومستصبح بها ". (١)
الدراسة:
استنبط السمعاني من سبب تخصيص وإفراد هذه الشجرة المباركة دون غيرها من أنواع الأشجار، أن هذه الشجرة لا تحتاج لحفر، أو سقيا، أو متابعة ومعاهدة، ولأنها تصلح للاصطباغ (٢)، والادهان، قال الماوردي: " وخصت بالذكر لكثرة منفعتها وقلة تعاهدها ". (٣)
وزاد بعض المفسرين أن من منافع هذه الشجرة مع ماتستخدم بالادهان عند المداواة، وثمرة منفعتها، أن أعواده أيضا تستخدم للوقود، قال ابن عاشور: "وتخصيصها بالذكر مع كون الناس منها يأكلون، تنويه بشأنها، وإيماء إلى كثرة منافعها لأن من ثمرتها طعاما وإصلاحا ومداواة، ومن أعوادها وقود وغيره، وفي الحديث: (كلوا الزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة) (٤). (٥)
стр. 263
وممن أشار إلى ما استنبطه السمعاني أيضاً: البغوي، والقرطبي، والخازن، وابن جزي، والسعدي. (١)
وأضاف محمد أبو زهرة ما يعضد هذا الاستنباط، ببيان أن التنكير لهذه الشجرة، إنما يدل على فضلها، وكثرة خيراتها (٢).
وبهذا يظهر صحة استنباط السمعاني، إضافة إلى ما في هذه الشجرة المباركة من فضيلة، كون الربّ - سبحانه - قد أقسم بها، عند قوله تعالى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ إضافة إلى العديد من الآيات التي خصص فيها هذه الشجرة عند وصفه - سبحانه - لألوان نعمه على خلقه، والعديد من نصوص السنة المطهرة في بيان فضلها - أيضاً - والله أعلم.
стр. 264
عظم ذنب الاستهزاء بالناس لكونه من كبائر الذنوب .
قال تعالى: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧) قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨) إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾ [المؤمنون ١١٠].
• قال السمعاني ﵀: " وفي الآية دليل على أن الاستهزاء بالناس كبيرة". (١)
الدراسة:
لما وصف تعالى هؤلاء الكفار وبما بسببه عذبوا، وأبعدوا عن الخير، وهو ما عاملوا به المؤمنين من استهزاء وسخرية، استنبط السمعاني عظم الاستهزاء ووصفه بأنه من كبائر الذنوب، وذلك لأن الله أخسأهم، وأخلدهم في نار جهنم جرَّاء استهزائهم وسخريتهم.
قال القرطبي: " ويستفاد من هذا: التحذير من السخرية والاستهزاء بالضعفاء والمساكين والاحتقار لهم، والإزراء عليهم والاشتغال بهم فيما لا يغني، وأن ذلك مبعد من الله ". (٢)
وممن أشار إلى ذلك أيضا: شيخ الإسلام، وابن القيم، وابن عادل الحنبلي، والألوسي، والسعدي، وابن عاشور. (٣)
стр. 265
ولا يخفى على ذي لب وعقل أن الاستهزاء بشيء مما جاء به محمدٌ ﷺ أو بأصحابه سبب لحبوط العمل، وهو من نواقض الإسلام المتفق عليها، يؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ فعاقبهم الله بأن وصفهم بالكفر الموجب للخلود جراء استهزائهم. (١)
стр. 266
البدأ بذكر الزانية قبل الزاني عند ذكر حدهما لئلا يرق عليهن عند الحد أو لأن الشهوة عندهن أكثر .
قال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور ٢].
• قال السمعاني ﵀: " إنما بدأ بالمرأة، لأن رقة القلب عليهن أكثر، فبدأ بهن لئلا يترك إقامة الحد عليها، ويكون أمرها لهم، ومنهم من قال: لأن الشهوة فيهن أكثر، والزنا نتيجة الشهوة وهذا قول حسن ". (١)
الدراسة:
استنبط السمعاني من هذه الآية استنباطين، وذلك في سبب تقديم خبر حد الزانية على حد الزاني، وذكر أن في ذلك سرًّا، ثم ساق ﵀ أسباب تقديم الزانية على الزاني على قولين، وحسَّن القول الثاني وارتضاه.
القول الأول: ذكر أن سبب تقديم حكم الحد للمرأة قبل الرجل، أن المرأة يشفق عليها، ويرفق بها، فيرق القلب لضعفها أمام هذا الحد الصعب.
وقد وافق السمعاني على هذا بعض المفسرين، قال صاحب زهرة التفاسير: " ونقول في تعليل ذلك - أي تقديم الزانية على الزاني - أن العقوبة قاسية، وقد قدمت المرأة لكيلا يمتنع أحد عن إقامة الحد بدعوى ضعفها، والشفقة عليها والرفق بها، لأنها من القوارير". (٢)
стр. 267
القول الثاني: وهذا القول هو الذي ارتضاه السمعاني، وحسنه، وهو أن سبب تقديم المرأة على الرجل أن المرأة تكون فيها الشهوة أكثر من الرجل فلهذا ابتدأ بها حتى ترتدع.
وقد وافق السمعاني على هذا جمع من المفسرين مع زيادة بعضهم أن المرأة هي التي بيدها الحل والربط في تمكين الرجل منها أو عدمه، من تعرضها له، قال السمرقندي: "بدأ بالنساء، لأن الزنى في النساء أكثر، وهنَّ الفاتنات للرجال " (١). وقال في موضع آخر: " إنما بدأ بالمرأة، لأنها أحرص على الزنى من الرجال، ويقال: لأن الفعل ينتهي إليها، ولا يكون إلا برضاها ". (٢)
وقد أشار إلى ذلك من المفسرين: الماوردي، وابن العربي، وابن عطية، والزمخشري، والبيضاوي، والنسفي، وابن جزي، وابن عاشور، وغيرهم. (٣)
ومما سبق يتبين أنه لا منافاة بين ما استنبط، فالمرأة ضعيفة بحيث أنه قد يرق عليها عند إقامة الحد عليها، وأيضا تعرضها للرجل أكثر لكون شهوتها أشد فلهذا قدمت على الرجل، والله أعلم.
وقد ذكر ابن القيم أيضا أوجها أخرى في سبب تقديم المرأة على الرجل غير ما ذكر قال ﵀: " وهذا في غاية المناسبة - أي تقديم الزانية على الزاني- لأن الزنى من المرأة أقبح منه بالرجل، لأنها تزيد على هتك حق الله إفسادَ فراش بعلها، وتعليق نسب من غيره عليه، وفضيحة أهلها وأقاربها والجناية على محض حق
стр. 268
الزوج وخيانته فيه وإسقاط حرمته عند الناس، وتعييره بإمساك البغي، وغير ذلك من مفاسد زناها، فكان البدأ بها في الحد أهم " (١).
وبالاستنباطات التي ذكرها السمعاني وأيدها المفسرون من بعده ومن قبله، والاستنباطات الأخرى التي ذكرها بعض المفسرين، تبيَّن من بعد ذلك سلامة استنباط السمعاني، والله أعلم.
стр. 269
وجوب إجابة دعوة القاضي عند الحكم بين المتخاصمين .
قال تعالى: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [النور ٤٨ - ٥٠]
• قال السمعاني ﵀: " والآية تدل على أن القاضي إذا دعا إنسان ليحكم بينه وبين خصمه، وجبت عليه الإجابة ". (١)
الدراسة:
لما ذم الله هؤلاء الظالمين عند إعراضهم عن حكم الله ورسوله بأقبح الصفات وأشنعها، استنبط السمعاني أنه يجب على من دعي للحكم بينه وبين خصمه الذي طلبه عن طريق القاضي، أو الحاكم، أو غيره، أن يستجيب ولا يتردد أو يرفض.
قال ابن العربي عند تفسيره لهذه الآية: " هذه الآية دليل على وجوب إجابة الدعوى إلى الحاكم، لأن الله سبحانه ذم من دعي إلى رسول الله ليحكم بينه وبين خصمه فلم يجب بأقبح المذمة ". (٢)
وممن ذكر ذلك وأغلظ في عظيم هذا الفعل، وهذا الصنيع، من عدم الإجابة عند دعوة القاضي، أو الحاكم، أو الخصم، ليصل الحق لصاحبه، من الفقهاء والمفسرين أيضا: الجصاص، والكيا الهراسي، والبغوي، والقرطبي، وأبو حيان، والخازن، والشوكاني. (٣)
стр. 270
تخصيص الأوقات الثلاثة بالاستئذان لتكشف الناس فيها .
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ﴾ [النور ٥٨]
• قال السمعاني ﵀: " خص هذه الأوقات الثلاثة بالأمر بالاستئذان، لأنها أوقات ينكشف فيها الناس، ويبدو منهم ما لا يحبون أن يراه أحد، فإن قبل الفجر ينتبهون من النوم فينكشفون، وعند الظهيرة يلقون ثيابهم ليقيلوا، وبعد العشاء الأخير ينكشفون للنوم، فأمر الله تعالى بالاستئذان في هذه الأوقات الثلاثة لهذا المعنى". (١)
الدراسة:
استنبط السمعاني من هذه الآية الحكمة من تخصيص وقت ما قبل صلاة الفجر، ووقت الظهيرة، ووقت ما بعد صلاة العشاء دون غيرها حال الاستئذان من الصبيان والعبيد، وذلك لأنها ساعات الخلوة ووضع الثياب، وربما يبدو من الإنسان ما لا يحب أن يراه فيه أحد.
قال البقاعي: " وخص هذه الأوقات لأنها ساعات الخلوة، ووضع الثياب، وأثبت "من" في الموضعين - أي ما بعد صلاة الفجر وبعد صلاة العشاء - دلالة
стр. 271
على قرب الزمن من الوقت المذكور لضبطه، وأسقطها في الأوسط دلالة على استغراقه لأنه غير منضبط - أي وقت الظهيرة - ". (١)
وممن أشار إلى ذلك من المفسرين: الثعلبي، والكيا الهراسي، وابن العربي، والبغوي، والخازن، وابن جزي، ومحمد أبو زهرة. (٢)
فيتضح بعد ذلك وجاهة وسلامة استنباط السمعاني، والله أعلم.
стр. 272
استعمال الأدب في نسبة ابراهيم ﵇ المرض لنفسه، ونسبة الشفاء إلى الله .
قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء ٨٠]
• قال السمعاني ﵀: " ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ﴾ هو استعمال أدب، وإلا فالممرض والشافي هو الله تعالى بإجماع أهل الدين ". (١)
الدراسة:
استنبط السمعاني من هذه الآية، الأدب في الخطاب، وذلك بدلالة ما اطرد من أسلوب وفصاحة القرآن، عندما أسند الله على لسان نبيه إبراهيم ﵇ المرض إلى نفسه، وأسند فعل الشفاء إلى الله، قال ابن كثير: " أسند المرض إلى نفسه، وإن كان عن قدر الله وقضائه وخلقه، ولكن أضافه إلى نفسه أدبا ". (٢)
وقال الزركشي: " فأسند الفعل قبل وبعد إلى الله وأسند المرض إلى نفسه إذ هو معنى نقص ومعابة وليس من جنس النعم المتقدمة وهذا النوع مطرد في فصاحة القرآن كثيرا ". (٣)
وقد ذكر ابن القيم هذا الاستنباط، وساق بعضا من نظائره الكثيرة في القرآن، والتي مصبها كلها يدور حول حفظ الأدب مع الله. (٤)
стр. 273
وقد أشار إلى هذا الاستنباط أيضا: البغوي، والبيضاوي، وابن جزي، والبقاعي، وأبو السعود، والشنقيطي، وغيرهم كثير. (١)
стр. 274
إتيان موسى ﵇ بما يصطلون أهله به دليل أنهم في زمن الشتاء .
قال تعالى: ﴿أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ [النمل ٧].
• قال السمعاني ﵀: " وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ فيه دليل على أنهم كانوا شاتين، وإنه أصابه البرد، والعرب تقول: هلم إلى الصلى والقرى ". (١)
الدراسة:
استنبط السمعاني من ظاهر الآية، أن موسى وأهله قد أصابهم البرد كونهم في فصل الشتاء، ووجه الدلالة ذهاب موسى ﵇ ليأتي أهله بما يتوقدون، ويصطلون به من النار، ليتقوا به من هذا البرد، قال الرازي: " وذلك يدل على حاجة بهم إلى الاصطلاء وحينئذ لا يكون كذلك إلا في حال برد ". (٢)
وممن أشار إلى ذلك من المفسرين: البغوي، وابن كثير، والسيوطي، والألوسي. (٣)
стр. 275
كراهية قتل النمل .
قال تعالى: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل ١٨]
• قال السمعاني ﵀: " وقوله: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ في الآية دليل على أن النمل يكره قتلها". (١)
الدراسة:
استنبط السمعاني من اعتذار النملة لسليمان وجنوده حين أخبرت بأحسن ما تقدر عليه بأن سليمان ﵇ وجنوده لا يشعرون إن حطموكم، ولا يفعلون ذلك عن عمد منهم، ونفيها عنهم تسلطهم عليهم، بأنه ينهى عن قتل النمل. ووجه الاستنباط هنا، أن النملة نفت الجور عن سليمان والعمد على قتلهم ما لو قدر ذلك، بقولها ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ فثبت من ذلك أنه منهي عن قتل النمل لو كانوا يشعرون ويعلمون، وذلك لعدم وجود الأذى من النمل، وإنما كانوا في طريقه ﵇.
قال ابن عاشور: " .. وأنها قالت ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ فوسمته وجنده بالصلاح والرأفة وأنهم لا يقتلون ما فيه روح لغير مصلحة، وهذا تنويه برأفته وعدله الشامل بكل مخلوق لا فساد منه أجراه الله على نملة ليعلم شرف العدل ولا يحتقر مواضعه". (٢)
стр. 276
وقد اتفق العلماء من الفقهاء والمفسرين على عدم جواز قتل النمل لما استنبط من هذه الآية ولما ورد في الصحيح من حديث أبي هريرة: " أن النبي ﷺ نهى عن قتل أربع من الدواب: الهدهد، والصرد، (١) والنملة، والنحلة (٢) ". (٣)
وذلك النهي يتحقق في حال كون النمل وغيره من الحشرات لم يصدر منها أذى، لكن أجاز العلماء قتل النمل لو كان يبدر منه أذى من قرص أو إتلاف لطعام أو ملابس أو غير ذلك من أنواع الأذى المعروف.
قال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ حينما سئل عن قتل بعض الحشرات وذكر منها النمل فأجاب ﵀ بقوله: " هذه الحشرات إذا حصل منها الأذى تقتل لكن بغير النار من أنواع المبيدات. لقول النبي ﷺ : (خمس من الدواب كلهن فواسق يقتلن في الحل والحرم الغراب والحدأة والفأرة والعقرب والكلب العقور) (٤) يدل على شرعية قتل هذه الأشياء المذكورة وما في معناها من المؤذيات كالنمل والصراصير والبعوض والذباب والسباع دفعا لأذاها، أما إذا
стр. 277
كان النمل لا يؤذي فإنه لا يقتل، لأن النبي ﷺ نهى عن قتل النملة والنحلة والهدهد والصرد، وذلك إذا لم يؤذ شيء منها. أما إذا حصل منه أذى فإنه يلحق بالخمس المذكورة في الحديث. والله ولي التوفيق. " (١)
يخلص الأمر على سلامة ما استنبطه السمعاني، من كراهة وعدم جواز قتل النمل لنص النهي الوارد عن النبي ﷺ ، ولأن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يجد ما يخالفه، بل ما أثر عن النبي ﷺ يؤيد ذلك ويقويه.
стр. 278
وجوب تثبت الإنسان فيما يخبر به .
قال تعالى: ﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النمل ٢٧].
• قال السمعاني ﵀: " قوله تعالى: ﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ فيه دليل على أن الملوك يجب عليهم التثبت فيما يخبرون به ". (١)
الدراسة:
لما كان من سيدنا سليمان ﵇ من عدم استعجاله في تصديق الهدهد أو تكذيبه، في خبره عن ملكة سبأ وقومها أنهم يعبدون غير الله، بسجودهم للشمس من دون الله، استنبط السمعاني ﵀ أن في ذلك دلالة على أنه يجب التثبت والتأمل عندما يخبر الإنسان بأي خبر، فلا يستعجل في تصديق أو تكذيب، وقد ذكر السمعاني الملوك هنا لمناسبة السياق والتي كانت تدور حول سيدنا الملك سليمان ﵇، وإلا فإنه يقاس وجوب التثبت من كل أحد.
قال حقي: " وفيه دليل على أن لا يطرح بل يجب أن يتعرف هل هو صدق أو كذب فإن ظهرت أمارات صدقه قبل وإلا لم يقبل ". (٢)
وممن أشار إلى ذلك من المفسرين أيضاً: الزمخشري، والنسفي، والشنقيطي، وابن عاشور. (٣)
стр. 279
وقد ذكر الزركشي استنباطاً لطيفاً آخر، يحوي الأدب في الخطاب، وذلك من جهة تقديم الصدق وإفراده للهدهد على جملة الكذابين ودمجه معهم في حال كونه غير صادق، قال: " خاطبه بمقدمة الصدق مواجهة ولم يقدم الكذب لأنه متى أمكن حمل الخبر على الصدق لا يعدل عنه، ومتى كان يحتمل ويحتمل، قدم الصدق ثم لم يواجهه بالكذب، بل أدمجه في جملة الكذابين، أدباً في الخطاب ". (١)
стр. 280
تخصيص حال المضطر دون سواه لشدة خضوعه ورغبته في إجابة الدعاء .
قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل ٦٢]
• قال السمعاني ﵀: " قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ إنما ذكر المضطر (١)، وإن كان يجيب دعاء المضطر وغير المضطر، لأن رغبة المضطر أقوى، ودعاؤه أخضع ". (٢)
الدراسة:
استنبط السمعاني من تخصيص المضطر دون غيره من السائلين عند إجابة الدعاء له، لكون المضطر أحوج للإجابة، ورغبته أقوى رجاء تحصيلها، ودعاؤه قد حوى الخشوع والخضوع وحضور القلب.
قال القرطبي: " ضمن الله تعالى إجابة المضطر إذا دعاه، وأخبر بذلك عن نفسه، والسبب في ذلك أن الضرورة إليه باللجأ ينشأ عن الإخلاص، وقطع القلب عما سواه، وللإخلاص عنده سبحانه موقع وذمة، وجد من مؤمن أو كافر، طائع أو فاجر ". (٣)
стр. 281
وممن أشار إلى ذلك من المفسرين أيضا: الماوردي. (١)
جواز موافقة الهوى للحق .
قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص ٥٠]
• قال السمعاني ﵀: " وفي الآية دلالة على أنه يجوز أن يكون الهوى (٢) موافقًا للحق، وإن كان نادرًا ". (٣)
الدراسة:
استنبط السمعاني من تقييد إتباع الهوى المسبب للضلال حال كون الهوى على غير هدى من الله، بأن هذا يدل على أنه قد يكون الهوى أحيانًا موافقًا للحق، لأن الله قيَّد في الآية ونسب الضلال عندما يكون الهوى على غير الهدى، وقد كان استنباط السمعاني بدلالة مفهوم المخالفة من نوع الاشتراط.
стр. 282
الموافقون:
وافق السمعاني بعض المفسرين، على القول بأن سبب تقييد إتباع الهوى بأنه يكون على غير هدى من الله أن في ذلك احتراز في أنه يكون الهوى في بعض الأحيان موافقًا للحق.
قال الألوسي: " وتقييد الإتباع للاحتراز عما يكون فيه هدى منه تعالى فإن الإنسان قد يتبع هواه ويوافق الحق ". (١)
وممن ذكر ذلك من المفسرين: البيضاوي، والشربيني. (٢)
المخالفون:
خالف السمعاني بعض المفسرين على من قال أنه قد يكون هناك هوى موافقا للحق، وقالوا أن هذا يستحال أبدا، وذكروا بأن ما ورد في الآية من التقييد إنما هو على سبيل التقريع والتشنيع، وإلا فليس ذلك دالا على وجود هوى موافق لهداية الله.
قال أبو السعود: " وتقييد إتباع الهوى بعدم الهدى من الله لزيادة التقريع والإشباع في التشنيع والتضليل وإلا فمقارنته لهدايته تعالى بينة الاستحالة ". (٣)
وممن أشار إلى ذلك وأيده: القرطبي، وابن عاشور. (٤)
стр. 283
النتيجة:
يخلص الأمر على سلامة استنباط السمعاني بدلالة الآية المستنبط منها هذا الاستنباط، وبما دلت عليه بعض النصوص الشرعية، فالآية تدل على ماهية الحالة التي يكون فيها الهوى ضالا وهو متى ما كان مخالفا للحق والهدى، وأما القائلون بأن الهوى لا يوافق الحق فيرد عليهم بما ورد في الأثر من حديث عبد الله ابن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ قال: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به) (١). فذلك من أقوى الأدلة على جواز أن يكون الهوى موافقا للحق متى ما كان على هدي الله وهدي نبيه ﷺ ، والله أعلم.
стр. 284
تخصيص أوقات التسبيح فيه إشارة إلى الصلوات الخمس .
قال تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم ١٧ - ١٨].
• قال السمعاني ﵀: " وفي الآية إشارة إلى أوقات الصلاة الخمس، فقوله: ﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾ إشارة إلى صلاة المغرب والعشاء، وقوله: ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ إشارة إلى صلاة الصبح، وقوله: ﴿وَعَشِيًّا﴾ إشارة إلى صلاة العصر. وقوله: ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ إشارة إلى صلاة الظهر ". (١)
الدراسة:
استنبط السمعاني من هذه الآيات التي نزه الله نفسه فيها، أن فيها إشارة إلى الصلوات الخمس حيث أن تنزيهه لذاته في المساء قد شمل صلاتي المغرب والعشاء، وتنزيهه لذاته في وقت الصبح قد شمل صلاة الصبح، وتنزيهه لذاته وقت العشي شمل صلاة العصر، وتنزيهه لذاته وقت الإظهار يشمل صلاة الظهر.
وقد أشار بعض المفسرين إلى ذلك قال ابن عاشور: " وقوله: ﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾ إلى آخره إشارة إلى أوقات الصلوات وهو يقتضي أن يكون الخطاب موجها إلى المؤمنين" (٢)، ويتبين - والله أعلم - أن المناسبة مع سابقها - وعده للمؤمنين أنهم
стр. 285
في روضة يحبرون - أنه لما وعدهم بحسن مصيرهم لقنهم شكر نعمة الله بإقامة الصلاة في أجزاء اليوم والليلة.
وممن أشار إلى استنباط السمعاني من المفسرين: الطبري، والماوردي، والكيا الهراسي، وابن عطية، وابن الجوزي، والسعدي، وغيرهم. (١)
بيد أن الرازي ذكر أن التسبيح في الآية قد يكون على ظاهره وأن المراد به تنزيهه سبحانه وقد ذكر عين ما استنبطه السمعاني ولم يخالفه، بل قوى القول بالتنزيه (٢)، والصحيح أنه ليس هناك ثمة مشاحة، فالصلاة كلها تنزيه لذاته سبحانه، وما في قراءة سورة الفاتحة في الصلاة، وأداء ركني الركوع والسجود، وما يقال فيها من التسبيح والثناء للذات الإلهية، إلا هو عين التنزيه، وأيضا مما يقوي استنباط السمعاني، كون هذه الآيات نزلت بالمدينة، مع أن السورة مكية (٣)، وفي المدينة فرضت الصلاة، وأيضا ما ورد في الأثر: " أن ابن عباس ﵄ لما سأله نافع بن الأزرق (٤): هل تجد الصلوات الخمس في القرآن قال: نعم، فقرأ ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ صلاة المغرب ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ صلاة الصبح ﴿وَعَشِيًّا﴾ صلاة العصر ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ صلاة الظهر وقرأ (ومن بعد صلاة العشاء) ". (٥) والله أعلم.