← Тафсир

Тафсир · id 13

استنباطات السمعاني في كتابه «تفسير القرآن» ومنهجه فيها

فهد بن سعد القويفل

Полный текст (349 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

تكرار؛ فإنه قد ذكره مرة. قلنا: أما الأول: كان في الأنبياء الذين سبق ذكرهم. وهذا الثاني: في اليهود والنصارى الذي سبق ذكرهم، أو كرَّره تأكيداً ". (١) - ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف ١٤٢]. - قال السمعاني ﵀: " فإن قيل: ذكر الثلاثين والعشر يغني عن ذكر الأربعين، فما معنى هذا التكرار؟ قيل: فائدة قوله: ﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ قطع الأوهام عن الزيادة، لأنه لما وقت الثلاثين أولاً، ثم زاد عليه عشرا، ربما يقع في الأوهام زيادة أخرى، فذكره لقطع الأوهام عن الزيادة ". (٢) أسرار مناسبات الألفاظ: وهذا النوع المستنبط من جملة علوم القرآن نجده كثيرا عند السمعاني، والأمثلة على ذلك كثيرة ومنها: - ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة ٤]. قال السمعاني ﵀: " وخصَّ يوم الدين بالذكر، والله تعالى مالك الأيام كلها لأن الأمر في القيامة يخلص له، كما قال: ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾. وأما في الدنيا للملوك أمر، وللمسلمين أمر، وللأنبياء أمر ". (٣) - ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام ١]. - قال السمعاني ﵀: " وقوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾

стр. 37

إنما خصهما بالذكر، لأنهما أعظم المخلوقات فيما يرى العباد، ولأن فيهما العبر والمنافع للعباد". (١) - ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ [النحل ٨١]. قال السمعاني ﵀: " فإن قيل: كيف ذكر هذه النعم من الجبال والظلال والسرابيل والقمص والأوبار والأصواف، ولله تعالى نعم كثيرة فوق هذا لم يذكرها؟ فما معنى تخصيص هذه النعم وترك ما فوقها؟ والجواب عنه: أن العرب كانوا أصحاب أنعام، وكانوا أهل جبال، وكانت بلادهم حارة، فذكر من النعم ما يليق بحالهم، وكانت هذه النعم عندهم فوق كل نعمة، فخصها بالذكر لهذا المعنى ". (٢) - ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ [الإسراء ٦٧]. قال السمعاني ﵀: " قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ﴾ أي: الشدة في البحر، وإنما خص البحر بالذكر، لأن اليأس عند وقوع الشدة فيه أغلب ". (٣) - ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم ١٥].

стр. 38

قال السمعاني ﵀: " ... خص هذه الأحوال بهذه الأشياء، لأن هذه الأحوال أوحش شيء فإنه عند الولادة يخرج من بطن الأم على وحشة شديدة، ويموت على وحشة شديدة، ويبعث على وحشة شديدة (١) ". - ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ [القيامة ٤]. قال السمعاني ﵀: " وقوله: ﴿عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ أي: على تسوية بنانه، وهي أطراف الأصابع، وفيها عظام صغار، وخصها بالذكر، لأنه تعالى إذا قدر على جمع العظام الصغار فعلى الكبار أقدر على جمعها وإحيائها ". (٢) والأمثلة في مناسبات الألفاظ كثيرة، ولكن لتجنب الإطالة اكتفيت بذكر هذه النماذج من باب التوضيح. • استنباط خصائص القرآن ومنها فضائل بعض السور: - ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر ٨٧]. قال السمعاني ﵀: " وأما قوله: ﴿وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ المراد منه سائر القرآن سوى الفاتحة، وفي هذا شرف عظيم للفاتحة، لأنه خصها بالذكر والإمتنان عليه بها، ثم ذكر سائر القرآن " (٣).

стр. 39

• استنباط جواز وقوع النسخ في القرآن: - ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة ١٠٦]. قال السمعاني ﵀: " والنسخ جائز في الجملة باتفاق الأمة. ونسخ القرآن على وجوه ..... ". (١) ثم ذكر السمعاني ﵀ جميع أنواع النسخ، مستنبطا هذه الأنواع من جملة ما نسخ من القرآن.

стр. 40

المبحث الثاني: الاستنباطات العقدية . لا يخفى أن عقيدة المفسر من أهم الأمور التي يجب أن يطلع عليها، خشية أن ينزل كل مفسر الآيات على ما يوافق مذهبه، ولقد كان أبو المظفر السمعاني في بداية نشأته على مذهب القدرية في الاعتقاد، فرجع إلى جادة الصواب، فانتقل إلى مذهب أهل السنة والجماعة، حتى أصبح إماما فيهم، فانتصر لهم، وذب وذاد عنهم، فأصبح سلفي المعتقد، رائده الدليل، وقدوته رسول الله ﷺ وصحبه الكرام، وسلف الأمة، حتى قال عنه الذهبي " تعصب لأهل الحديث والسنة والجماعة، وكان شوكا في أعين المخالفين، وحجة لأهل السنة ". (١) وبذلك كانت استنباطاته العقدية، تتمحور في جميع أمور العقيدة مابين إثبات لأسماء الله الحسنى وصفاته، ووعده ووعيده، ومابين مناقشة لأهل الفرق والضلال على تبيين باطلهم وضلالهم كون سلاح هذه الطوائف التأويل المذموم، والقياس الفاسد، ناهجةً تلك الاستنباطات مسلكين: المسلك الأول: استنباطات فيها تقرير مباشر لمسائل العقيدة عند أهل السنة والجماعة: ومن الأمثلة على ذلك: - ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة ١٧٨].

стр. 41

قال السمعاني ﵀: " وظاهره يقتضي أن أخوة الدين لا تنقطع بين القاتل والمقتول، حيث قال: من أخيه، وهو الذي نقول به ". (١) - قال تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ [آل عمران ١٥٤]. قال السمعاني ﵀: " ومعنى قوله: ﴿لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ أي: خرج الذين كتب عليهم القتال إلى مصارعهم للموت، وفي هذا دليل على أن الأجل في القتل والموت واحد، كما قال أهل السنة ". (٢) - ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا﴾ [النساء ١٦٨]. قال السمعاني ﵀: " وقوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ في هذا إشارة إلى أن الله - تعالى - لو غفر للكافرين أجمع، كان يسع ذلك رحمته، لكنه قطع القول بأن لا يغفر لهم". (٣) - ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ [يوسف ٩]. قال السمعاني ﵀: " وقوله: ﴿وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ يعني: توبوا بعد أن فعلتم هذا، ودوموا على الصلاح يعف الله عنكم. واستدل أهل

стр. 42

السنة بهذه الآية على أن توبة القاتل عمدا مقبولة، فإن الله تعالى ذكر عزم القتل منهم وذكر التوبة ولم ينكر عليهم التوبة بعد القتل، دل أنها مقبولة ". (١) - ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين ١٥]. قال السمعاني ﵀: " قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ في الآية دليل على أن المؤمنين يرون الله تعالى ". (٢) المسلك الآخر: وفيه الرد على الطوائف الضالة بنصوص القرآن المبطلة لاعتقاداتهم الفاسدة: ومن الأمثلة على ذلك: - ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة ٨]. قال السمعاني ﵀: " قوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ نفي الإيمان عنهم؛ حيث أظهروا الإسلام باللسان ولم يعتقدوا بالجنان، وهذا دليل على من يخرج الاعتقاد من جملة الإيمان ". (٣) - ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة ٢٤].

стр. 43

قال السمعاني ﵀: " وهذا دليل على أن النار مخلوقة، لا كما قال أهل البدعة ". (١) - ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود ٧٣]. قال السمعاني ﵀: وقوله: ﴿عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ هذا دليل على أن الأزواج يجوز أن يسمين أهل البيت، وزعمت الشيعة في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ أن الأزواج لا يدخلن في هذا. وهذه الآية دليل على أنهن يدخلن فيها ". (٢) - ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ [النجم ١٥]. • قال السمعاني ﵀: " وفي الآية دليل على أن الجنة في السماء وأنها مخلوقة، ومن زعم أنها غير مخلوقة فهو كافر بهذه الآية ". (٣)

стр. 44

المبحث الثالث: الاستنباطات الأصولية . فإنه بالرغم من كون الإمام السمعاني من علماء الأصول، وله في هذا الفن كتابه المشهور: " قواطع الأدلة في أصول الفقه " والذي يقع في خمسة مجلدات مع التحقيق، وقد وصفه الإمام السبكي (١) بقوله: " ولا أعرف في أصول الفقه أحسن من كتاب القواطع ولا أجمع ". (٢) كما وصف هذا الكتاب حفيده أبو سعد السمعاني بأنه يغني عما ألف في هذا الفن (٣)، غير أن تقرير أبي المظفر عند استنباطه للمسائل الأصولية تجده قليلا في تفسيره، وغالب حديثه عن الأصول إنما هو إشارات في عبارات موجزة عند بعض الآيات، بأن هذه الآية تدل على مسألة كذا، أو أن هذه لا دليل فيها على من استدل بها في تلك المسألة. وربما تعرض لشرح بعض المسائل الأصولية بشكل أطول، لكن هذا قليل جدا في تفسيره. وعند التأمل في مكانة السمعاني الجيدة في علم الأصول، مع قلة حديثه عن الأصول في تفسيره، يتبين بوضوح أن هذا الإمام يسير في تفسيره وفق منهج مدروس، اختاره عن قناعة ودراية لا عن ضعف وعجز، وذلك أن يقتصر في التفسير على ما يتعلق بالآيات تعلقا مباشرا، وأن لا يكون التفسير مسرحا لاستعراض القدرات العلمية، وملء صفحاته بما يجيد مؤلفه من الفنون سواء

стр. 45

أكان ذلك مما له علاقة بالتفسير أم لا، وقد كانت إشاراته عابرة وينسب في بعضها إلى من سبقه من أهل الأصول، وذلك من حسن أدبه، وأمانته العلمية. ومن الأمثلة على ذلك: - ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة ٢٨٦]. قال السمعاني ﵀: " في هذا دليل على أن الله تعالى يجوز أن يحمل العباد ما لا يطيقونه". (١) - ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء ١١٥]. قال السمعاني ﵀: " واستدل بهذه الآية على أن الإجماع حجة ". (٢) - ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة ١٢٢]. قال السمعاني ﵀: " واستدل أهل الأصول بهذه على وجوب قبول خبر الواحد ". (٣)

стр. 46

- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف ٢٣]. قال السمعاني ﵀: " وفي الآية دليل على ذم التقليد والرجوع إلى قول الآباء من غير حجة ". (١) - ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر ٢]. قال السمعاني ﵀: " وقد استدل بهذه الآية على جواز القياس في الأحكام، لأن القياس نوع اعتبار، إذ هو تعبير شيء بمثله، بمعنى جامع بينهما، ليتفقا في حكم الشرع". (٢)

стр. 47

المبحث الرابع: الاستنباطات الفقهية . تعد الاستنباطات الفقهية من أكثر المواضيع التي تطرق إليها السمعاني في تفسيره وما كان ذلك إلا لدرايته ﵀ بأن المسائل الفقهية هي أصل الاستنباط لأنها مرتبطة بأصول وقواعد فقهية ليس لكل أحد أن يستخرجها من نصوص القرآن أو السنة، قال السمعاني: " والفقه هو استنباط حكم المشكل من الواضح يقال فلان يتفقه إذا استنبط علم الأحكام وتتبعها من طريق الاستدلال، قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾، والدليل على أن التفقه أصل الاستنباط والاستدلال على الشيء بغيره حديث زياد بن لبيد (١) قال: ذكر رسول الله ﷺ شيئا وقال: " ذلك أوان ذهاب العلم " قلت: كيف يذهب العلم وكتاب الله عندنا نقرأه ونقرأه أبنائنا فقال (ثكلتك أمك يا زياد إن كنت لأراك من فقهاء المدينة أو من افقه رجل بالمدينة أو ليس اليهود والنصارى يقرؤون التوراة والإنجيل ولا يعلمون بشيء مما فيهما) (٢) فدل قوله (إن كنت أعدك من فقهاء المدينة) على أنه لما لم يستنبط علم ما أشكل عليه من ذهاب العلم مع بقاء الكتاب بما شاهده من زوال العلم عن اليهود والنصارى مع بقاء التوراة والإنجيل عندهم حرج عن الفقه فهذا يدل على ما ذكرناه من أن الفقه هو استنباط حكم المشكل من الواضح وعلى هذا قوله ﷺ (رب حامل فقه غير فقيه) (٣) أي غير مستنبط ومعناه انه يحمل الرواية من غير أن يكون له استدلال ولا استنباط فيها ". (٤)

стр. 48

ومما يؤيد أن السمعاني فاعل لما يخبر به ويحض عليه كونه ﵀ فقيها وله من المؤلفات في هذا الفن ما قد جمع مئات المسائل الفقهية فيها، حتى أنه قال حفيده أبو سعد عن كتابه (البرهان في الفقه): «وصنف في الخلاف البرهان، وهو مشتمل على قريب من ألف مسألة خلافية» (١). وقال عن كتابه «المختصر» والموسوم بالاصطلام: وصنف المختصر الذي سار في الآفاق والأقطار الملقب بالاصطلام (٢). ومن الأمثلة على الاستنباطات الفقهية: - ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة ١٧٣]. قال السمعاني ﵀: " ومعنى قوله تعالى: ﴿وَلَا عَادٍ﴾ ولا متعد، عاص في سفره. ففي هذا دليل على أن العاصي في سفره لا يترخص بأكل الميتة ". (٣) - ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة ١٩٦]. قال السمعاني ﵀: " ثم اعلم أن العمرة واجبة، وهو قول ابن عمر، وعند أبي حنيفة ﵁ سنة، وهو مروي عن جابر. والدليل على

стр. 49

وجوبها: ظاهر الآية، وهو قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وظاهر الأمر للوجوب ". (١) ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة ٢٢٣]. قال السمعاني ﵀: " واعلم أن الآية لا تدل على إباحة إتيان النساء في غير المأتي؛ لأنه قال: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ فخص الإتيان بموضع الحرث، وهو القبل". (٢) - ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة ٢٣٦]. قال السمعاني ﵀: " هذه الآية في المطلقة قبل الفرض والمسيس، وفي الآية دليل على جواز إخلاء النكاح عن تسمية المهر ". (٣) - ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ [الكهف ٧٩]. قال السمعاني ﵀: " وفيه دليل على أن المسكين وإن كان يملك شيئا فلا يزول عنه اسم المسكنة إذ لم يقم ما يملك بكفايته ". (٤) - ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ

стр. 50

يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [النور ٤٨ - ٥٠]. قال السمعاني ﵀: " والآية تدل على أن القاضي إذا دعا إنسان ليحكم بينه وبين خصمه، وجبت عليه الإجابة ". (١) - ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل ١٨]. قال السمعاني ﵀: " وقوله: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ وفي الآية دليل على أن النمل يكره قتلها". (٢) - ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب ٤٩]. قال السمعاني ﵀: في الآية دليل على أن الطلاق لا يجوز قبل النكاح، لأنه رتب الطلاق على النكاح فدل على أنه لا يتقدمه. (٣) - ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة ١١]. قال السمعاني ﵀: " وقوله: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ لأنه كان يخطب، وفيه دليل على أن السنة أن يخطب قائما ". (٤)

стр. 51

المبحث الخامس: الاستنباطات التربوية السلوكية . لم يخل تفسير السمعاني ﵀ من الاستنباطات التربوية والسلوكية، وذلك إن دل فإنما يدل على نبع جانب التربية والسلوك عند أبي المظفر واهتمامه بها. ومن الأمثله على ذلك: - ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام ٤٥]. قال السمعاني ﵀: " وقوله تعالى: ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ حمد الله نفسه على إهلاكهم واستئصالهم، وفيه تعليمنا الحمد لله على هلاك الكفار ". (١) - ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ [هود ٦٩]. قال السمعاني ﵀: " فهذا دليل على أن الضيف ينبغي أن يعجل له بشيء يأكله، وهو سنة إبراهيم صلوات الله عليه ". (٢) - ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود ٨٨]. - ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [ابراهيم ١٢].

стр. 52

قال السمعاني ﵀: "وقوله: ﴿وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا﴾ والآية تعليم المؤمنين وإرشادهم إلى الصبر على أذى مخالفي الحق ". (١) - ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء ٨٠]. قال السمعاني ﵀: " ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ﴾ هو استعمال أدب، وإلا فالممرض والشافي هو الله تعالى بإجماع أهل الدين ". (٢) - ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النمل ٢٧]. قال السمعاني ﵀: " قوله تعالى: ﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ فيه دليل على أن الملوك يجب عليهم التثبت فيما يخبرون به ". (٣)

стр. 53

الفصل الثاني: الاستنباط باعتبار ظهور المعنى وخفائه وباعتبار الإفراد والتركيب . وفيه مبحثان: المبحث الأول: الاستنباط باعتبار ظهور النص المستنبط، وخفائه. المبحث الثاني: الاستنباط باعتبار الإفراد والتركيب.

стр. 54

المبحث الأول: الاستنباط باعتبار ظهور النص المستنبط، وخفائه الاستنباط من النصوص ظاهرة المعنى . والمراد من النصوص الظاهرة المعنى: هي النصوص التي تكون بينة بنفسها، ولا تحتاج إلى بيان وتوضيح، بمعنى أنه يفهمها التالي العربي دون حاجة إلى تفسير (١)، ولقد كان هذا النوع من الاستنباط عند السمعاني أكثر من الخفي، ومن الأمثلة على ذلك: - ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة ٨]. قال السمعاني ﵀: " قوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ نفى الإيمان عنهم، حيث أظهروا الإسلام باللسان ولم يعتقدوا بالجنان، وهذا دليل على من يخرج الاعتقاد من جملة الإيمان ". (٢) - ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة ٢٤]. قال السمعاني ﵀: " وهذا دليل على أنها مخلوقة للكافرين، وإن دخلها بعض المؤمنين تأديبا وتعريكا ". (٣) - ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر ٨٧].

стр. 55

قال السمعاني ﵀: " وأما قوله: ﴿وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ المراد منه سائر القرآن سوى الفاتحة، وفي هذا شرف عظيم للفاتحة، لأنه خصها بالذكر والإمتنان عليه بها، ثم ذكر سائر القرآن ". (١) - ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾. قال السمعاني: في هذا إجماع، أن المسلمة لا تنكح من المشركين أجمع. (٢) - ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون ٧]. قال السمعاني ﵀: " وقوله: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ أي: الظالمون المتجاوزون عن الحلال إلى الحرام، واستدل العلماء بهذه الآية على أن الاستمناء باليد حرام ". (٣) - ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النمل ٢٧]. قال السمعاني ﵀: " قوله تعالى: ﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ فيه دليل على أن الملوك يجب عليهم التثبت فيما يخبرون به ". (٤)

стр. 56

الاستنباط من النصوص خفية المعنى: والمراد بالنصوص خفية المعنى: هي النصوص التي تحتاج إلى بيان وتفسير، إذ لا يخفى أنه يجب على المستنبط معرفة معنى الآية، وتفسيرها الصحيح قبل الاستنباط منها، قال القرطبي: " فمن لم يحكم ظاهر التفسير وبادر إلى استنباط المعاني بمجرد فهم العربية كثر غلطه ودخل في زمرة القرآن بالرأي، والنقل والسماع لابد له منه في ظاهر التفسير أولاً ليتقي به مواضع الغلط ثم بعد ذلك يتسع الفهم والاستنباط ". (١) وإن مما يؤيد أن هذه النصوص خفية المعنى، أنه يغلب الاختلاف في صحة المعنى المستنبط كما هو واضح عند استنباطات السمعاني بخلاف النصوص الظاهرة المعنى فإنه يقل الخلاف في المعاني المستنبطة منها، ولقد كان استنباط السمعاني في هذا النوع قليلاً، ومن الأمثلة على ذلك: - ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة ٢٨٣]. قال السمعاني ﵀: " وليس ذكر السفر، وعدم الكاتب على سبيل الشرط في جواز الرهن، وإنما خرج الكلام على الأعم الأغلب ". (٢) - ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء ١٤٥ - ١٤٦].

стр. 57

قال السمعاني ﵀: " قال تعالى ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، وإنما لم يقل: فأولئك هم المؤمنون، وسوف يؤتيهم الله أجرا عظيما، غيظا على المنافقين ". (١) - ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨]. قال السمعاني: " بدأ في حد السرقة بالرجل، لأن القوة والجراءة في الرجال أكثر، والسرقة نتيجة القوة والجراءة ". (٢) - ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل ١٨]. قال السمعاني ﵀: " وقوله: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ وفي الآية دليل على أن النمل يكره قتلها". (٣)

стр. 58

المبحث الثاني: الاستنباط باعتبار الإفراد والتركيب . مما لا شك فيه أن الاستنباط من الآية قد يكون له شاهد، أو معنى يقويه من آية أخرى، أو من حديث نبوي صحيح، أو قد يكون هذا المعنى المستنبط من هذه الآية فحسب، وكانت استنباطات السمعاني ﵀ في هذا الأمر على نوعين: النوع الأول: الاستنباط باعتبار الإفراد: وهذا المراد منه الاستنباط من نص واحد، وهو أن يستنبط من الآية استنباطاً لا يحتاج لآية أخرى أن تضم مع الآية المستنبط منها لاستكمال وتأكيد الاستنباط، وقد ذكر الزركشي هذا النوع من الاستنباط، والنوع الآخر وهو الاستنباط بالربط بين نصين أو أكثر - دلالة التركيب - فقال عند تقسيمه لأنواع معرفة أحكام القرآن: " والثاني: ما يؤخذ بطريق الاستنباط، ثم هو على قسمين: أحدهما: ما يستنبط من غير ضميمة إلى آية أخرى كاستنباط الشافعي تحريم الاستمناء باليد من قوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ واستنباط صحة أنكحة الكفار من قوله تعالى: ﴿امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ﴾ ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ ونحوه ..... والثاني: ما يستنبط مع ضميمة آية أخرى، كاستنباط علي وابن عباس ﵄ أن أقل الحمل ستة أشهر من قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ مع قوله: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾؛ وعليه جرى الشافعي واحتج بها أبو حنيفة على أن أكثر الرضاع سنتان ونصف ثلاثون شهرا". (١)

стр. 59

وهذا النوع الأول نجده كثيرا في استنباطات السمعاني ومن الأمثلة على ذلك: - ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة ١٧٨]. قال السمعاني ﵀: " وظاهره يقتضي أن أخوة الدين لا تنقطع بين القاتل والمقتول، حيث قال: من أخيه، وهو الذي نقول به ". (١) - ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة ٢٨٦]. قال السمعاني ﵀: " في هذا دليل على أن الله تعالى يجوز أن يحمل العباد مالا يطيقونه". (٢) - ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل ١٢٣]. قال السمعاني ﵀: " قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ هذا دليل على أنه يجوز للفاضل أن يتبع المفضول ". (٣) - ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ [الكهف ٧٩].

стр. 60

قال السمعاني ﵀: " وفيه دليل على أن المسكين وإن كان يملك شيئا فلا يزول عنه اسم المسكنة إذ لم يقم ما يملك بكفايته ". (١) - ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص ٥٠]. قال السمعاني ﵀: " وفي الآية دلالة على أنه يجوز أن يكون الهوى موافقا للحق، وإن كان نادرا ". (٢) - ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف ٢٣]. قال السمعاني ﵀: " وفي الآية دليل على ذم التقليد والرجوع إلى قول الآباء من غير حجة ". (٣) - ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات ١٠]. قال السمعاني ﵀: وقوله: " ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ ذكر الأخوين ليدل بوجوب الإصلاح بينهما على وجوب الإصلاح بين الجمع الكثير ". (٤)

стр. 61

النوع الثاني: الاستنباط باعتبار التركيب: وهذا المراد منه الاستنباط بالربط بين نصين أو أكثر، وذلك بضم نص إلى نص آخر، وهذا النوع يسمى بدلالة التركيب (١)، وهذا يعد من أدق أنواع الاستنباط، قال ابن القيم عن هذا النوع من الاستنباط: " فهذا من ألطف فهم النصوص وأدقه ". (٢) وهذا النوع من الاستنباط كان قليلا في استنباطات السمعاني، وقد وجدت مثالاً على ذلك وهو: - ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات ١١٢]. قال السمعاني ﵀: " وقوله: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ استدل به من قال إن إسماعيل كان هو الذبيح، فإنه ذكر قصة الذبيح بتمامه، ثم قال: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ دل أنه كان غير إسحاق ". (٣) فدلالة التركيب التي استنبط عن طريقها السمعاني أنّه لمّا أعقب الله سبحانه بعد ذكره لقصة الذبيح بشارتَه سبحانه بإسحاق استنبط السمعاني بدلالة تركيب الآيات السابقة مع هذه البشارة أن الذبيح ليس هو إسحاق ﵇، وإنما هو إسماعيل ﵇.

стр. 62

الفصل الثالث: دلالات وطرق الاستنباط عند أبي المظفر السمعاني في تفسيره . المبحث الأول: الاستنباط بدلالة النص (مفهوم الموافقة). المبحث الثاني: الاستنباط بدلالة المفهوم (مفهوم المخالفة). المبحث الثالث: الاستنباط بدلالة الالتزام. المبحث الرابع: الاستنباط بدلالة التضمن. المبحث الخامس: الاستنباط بدلالة الاقتران. المبحث السادس: الاستنباط بدلالة المطرد من أساليب القرآن.

стр. 63

المبحث الأول: الاستنباط بدلالة النص (١) (مفهوم الموافقة): مفهوم الموافقة: هو أن يكون المسكوت عنه موافقاً للمنطوق به، فإن كان أولى بالحكم من المنطوق به فيسمى فحوى الخطاب، وإن كان مساويا فيسمى لحن الخطاب. (٢) وقد بيَّن السمعاني ﵀ هذين النوعين فقال: " فأما فحوى الخطاب ما عرف به غيره على وجه البينة وطريق الأولى، مثل قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ وقوله تعالى ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ ومثل قوله تعالى: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾، وأما لحن الخطاب فقد قيل ما أضمر في أثناء اللفظ، وقيل لحن الخطاب ما يدل على مثله، والفحوى ما دل على ما هو أقوى منه ". (٣)

стр. 64

وقد استدلّ الآمدي على كون مفهوم الموافقة حجة بأنه: إذا قال السيد لعبده: لا تعطِ زيداً حبة ولا تقل له أفٍّ، ولا تظلمه بذرة، ولا تعبس في وجهه؛ فإنه يتبادر إلى الفهم من ذلك امتناع إعطاء ما فوق الحبة، وامتناع الشتم، وامتناع الظلم بالدينار وما زاد، وامتناع أذيته بما فوق العبوس من هجره الكلام وغيره (١). وقد حوت استنباطات السمعاني على النوع الأول من أنواع دلالات مفهوم الموافقة، وهو دلالة فحوى الخطاب، ومن الأمثلة على ذلك: - ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. قال السمعاني ﵀: " .. والذي عليه الأكثرون وهو مذهب أهل السنة: أن لقاتل المؤمن عمدا توبة، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾ وقوله: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ولأن القتل العمد ليس بأشد من الكفر، ومن الكفر توبة، فمن القتل أولى ". (٢) - ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات ١٠]. قال السمعاني ﵀: وقوله: " ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ ذكر الأخوين ليدل بوجوب الإصلاح بينهما على وجوب الإصلاح بين الجمع الكثير ". (٣)

стр. 65

- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ [القيامة ٤]. قال السمعاني ﵀: " وقوله: ﴿عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ أي: على تسوية بنانه، وهي أطراف الأصابع، وفيها عظام صغار، وخصها بالذكر، لأنه تعالى إذا قدر على جمع العظام الصغار فعلى الكبار أقدر على جمعها وإحيائها ". (١)

стр. 66

المبحث الثاني: الاستنباط بدلالة المفهوم (١) (مفهوم المخالفة): مفهوم المخالفة: هو أن يشعر المنطوق بأن حكم المسكوت عنه مخالف لحكمه إثباتا، ونفيا. (٢) وقد أقرّ السمعاني هذه الدلالة حتى تنوعت هذه الدلالة في استنباطاته، فتارةً بمفهوم الوصف، وتارةً بمفهوم الشرط، مستوفية شروط العمل بها (٣). قال السمعاني تقريرًا لهذه القاعدة: " ثم اعلم أن المخاطب بالاجتهاد أهله وهم العلماء دون العامة فإذا نزلت بالعالم نازلة وجب عليه طلبها في النصوص والظواهر في منطوقها إلى مفهومها ومن أفعال الرسول ﷺ وإقراره وفي إجماع علماء الأنصار فإن وجد في شيء من ذلك ما يدل عليه قضى به وإن لم يجده طلبه في الأصول والقياس عليها وبدأ في طلب لعلة بالنص فإن وجد التعليل منصوص عليه عمل به فإن لم يجد في النص عدل إلى المفهوم ". (٤)

стр. 67

وقد طبَّق السمعاني إعمال مفهوم المخالفة في استنباطاته خلال تفسيره، ومن الأمثلة على ذلك: - ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة ٢٤]. قال السمعاني ﵀: " وهذا دليل على أنها مخلوقة للكافرين، وإن دخلها بعض المؤمنين تأديباً وتعريكاً ". (١) - ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة ١٧٣]. قال السمعاني ﵀: " ومعنى قوله تعالى ﴿وَلَا عَادٍ﴾ ولا متعد، عاص في سفره. ففي هذا دليل على أن العاصي في سفره لا يترخص بأكل الميتة ". (٢) - ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء ٢٥]. قال السمعاني ﵀: " ومعنى الآية: ومن لم يقدر على مهر الحرة المؤمنة؛ فليتزوج بالأمة المؤمنة، وفيه دليل على أن نكاح الأمة الكتابية باطل ". (٣) - ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ

стр. 68

إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص ٥٠]. قال السمعاني ﵀: " وفي الآية دلالة على أنه يجوز أن يكون الهوى موافقاً للحق، وإن كان نادرا ". (١) - ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ [غافر ٧٥]. قال السمعاني ﵀: " قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ هذا دليل على أنه قد يكون فرح بحق ". (٢) - ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين ١٥]. قال السمعاني ﵀: " قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ في الآية دليل على أن المؤمنين يرون الله تعالى ". (٣)

стр. 69

المبحث الثالث: الاستنباط بدلالة الالتزام: دلالة الالتزام: هي دلالة المعنى الذي دل عليه اللفظ في غير ما وضع له، لازمٌ له لزوماً ذهنيًا. (١) وقد ذكر السمعاني هذه القاعدة في كتابه قواطع الأدلة، بعدما بين أن الخطاب الدال على وجوب الشيء يدل على ما يتوقف عليه أيضا، فقال ﵀: " وبذلك يكون الخطاب دالا على شيئين - أحدهما بطريق المطابقة - وهو وجوب الشيء - وثانيهما بطريق الالتزام - وهو وجوب ما يتوقف ذلك الشيء عليه من حيث الوجود واشترطوا لذلك شرطا هو أن يكون ما يتوقف وجود الشيء عليه مقدورا للمكلف بحيث يستطيع فعله". (٢) وقد استنبط السمعاني بهذه الدلالة عدداً من الاستنباطات، ومن الأمثلة على ذلك: - ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة ٢٣٦]. قال السمعاني ﵀: " هذه الآية في المطلقة قبل الفرض والمسيس، وفي الآية دليل على جواز إخلاء النكاح عن تسمية المهر ". (٣) - ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة ٢٦٧].

стр. 70

قال السمعاني ﵀: " قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ أي: من حلال ما كسبتم، وفي هذا دلالة على أن الكسب يتنوع إلى الطيب، والخبيث". (١) - ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ [الأعراف ٣٨]. قال السمعاني ﵀: " وفيه دليل على أن الجن يموتون كالإنس، خلافا لقول الحسن، حيث قال: لا يموتون ". (٢) - ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾ [الأعراف ١٤٨]. قال السمعاني ﵀: " وهذا دليل على أن الله متكلم لم يزل ولا يزال، لأنه استدل بعدم الكلام من العجل على نفي الإلهية ". (٣) - ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ [يوسف ٩]. قال السمعاني ﵀: " وقوله: ﴿وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ يعني: توبوا بعد أن فعلتم هذا، ودوموا على الصلاح يعف الله عنكم. واستدل أهل السنة

стр. 71

بهذه الآية على أن توبة القاتل عمدا مقبولة، فإن الله تعالى ذكر عزم القتل منهم وذكر التوبة ولم ينكر عليهم التوبة بعد القتل، دل أنها مقبولة ". (١) - ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب ٤٩]. قال السمعاني ﵀: في الآية دليلٌ على أن الطلاق لا يجوز قبل النكاح، لأنه رتب الطلاق على النكاح فدل على أنه لا يتقدمه. (٢) - ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات ١٠١]. قال السمعاني ﵀: " وفي الآية دليلٌ على أنه بشره بأنه يكبر، ويعمر حتى يوصف بالحلم والوقار ". (٣)

стр. 72

المبحث الرابع: الاستنباط بدلالة التضمن: دلالة التضمن: هي دلالة اللفظ على جزءٍ مسمّاه في ضمن كله، لتضمنه إياه، بدليل أن يكون المعنى في ضمنه. (١) وقد بين بعض علماء الأصول أن دلالة التضمن تكون لفظية، بخلاف دلالة الالتزام فإنها تكون عقلية، وقد سمّيت دلالة التضمن بذلك لتضمن المعنى لجزء المدلول. (٢) وقد أشار السمعاني في بعض استنباطاته إلى هذه الدلالة، ولكن كان قليلاً، ومن الأمثلة على ذلك: - ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٣) إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٤) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات ١ - ٥]. قال السمعاني ﵀: " وفي هذه الآيات بيان استعمال الأدب في مجلس النبي ﷺ ، وعظم الجناية في ترك ذلك، وما يُؤدّي إلى حبوط العمل واستحقاق العقاب ". (٣)

стр. 73

- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر ١٠]. قال السمعاني ﵀: " وفي الآية دليل على أن الترحم للسلف، والدعاء لهم بالخير وترك ذكرهم بالسوء، من علامة المؤمنين ". (١) - ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [الممتحنة ١]. قال السمعاني ﵀: " قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في الآية دليل على أن حاطباً لم يخرج من الإيمان بفعله ذلك ". (٢)

стр. 74

المبحث الخامس: الاستنباط بدلالة الاقتران: دلالة الاقتران: هي الجمع بين شيئين، أو أكثر في سياق واحد على اتحاد حكمهما. (١) ولم أجد استخدام السمعاني لهذه الدلالة إلا في آيتين فقط ولم يلزم في الآية الأولى صحة الاقتران لأنه أعمل وجوب الاشتراك في الحكم والتفاصيل بحجة الاقتران، ... ومن الأمثلة على ذلك: - ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة ١٩٦] قال السمعاني ﵀: " ثم اعلم أن العمرة واجبة، وهو قول ابن عمر، وعند أبي حنيفة ﵁ سنة، وهو مروي عن جابر، والدليل على وجوبها: ظاهر الآية، وهو قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وظاهر الأمر للوجوب ". (٢) فقط استنبط السمعاني وجوب العمرة لاقترانها بالحج بحجة تساوي المعطوف والمعطوف عليه. - ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء ١١٥]. قال السمعاني ﵀: " واستدل بهذه الآية على أن الإجماع حجة ". (٣) فقد استنبط السمعاني حجية الإجماع لاقتران وعيد مشاقة الرسول ﷺ باتباع سبيل غير المؤمنين.

стр. 75

المبحث السادس: الاستنباط بدلالة المطرد من أساليب القرآن . المطرد من أسلوب القرآن: هو تتابع الأفعال، واختيار الألفاظ وتكررها، على نسق واحد، تجاه أمر ما في القرآن الكريم. (١) وأسلوب القرآن - كما هو واضح - هو طريقته المعهودة، قال ابن القيم تقريراً لهذه القاعدة عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ «وفيها فوائد عديدة، إحداها أن هذا جاء على الطريقة المعهودة في القرآن الكريم، وهي أن أفعال الإحسان والرحمة والجود تضاف إلى الله ، فيذكر فاعلها منسوبة إليه ولا يُبنى الفعل معها للمفعول، فإذا جيء بأفعال العدل والجزاء والعقوبة حذف وبُني الفعل فيها للمفعول، أدباً في الخطاب، فقال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ﴾، وقال بإحسان: ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ونظيره قوله إبراهيم الخليل ﵊: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ فنسب الخلق والهداية والإحسان بالطعام والسقي إلى الله تعالى، ولما جاء ذكر المرض قال: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ﴾ ولم يقل (أمرضني) وقال: ﴿فَهُوَ يَشْفِينِ﴾» (٢). ومن طريقة القرآن وعادته استنبط السمعاني مجموعة من الاستنباطات، ومن أمثلتها: - ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة ٢٨٣].
следующие страницы →