بهذه الآية على أن توبة القاتل عمدا مقبولة، فإن الله تعالى ذكر عزم القتل منهم وذكر التوبة ولم ينكر عليهم التوبة بعد القتل، دل أنها مقبولة ". (١)
- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب ٤٩].
قال السمعاني ﵀: في الآية دليلٌ على أن الطلاق لا يجوز قبل النكاح، لأنه رتب الطلاق على النكاح فدل على أنه لا يتقدمه. (٢)
- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات ١٠١].
قال السمعاني ﵀: " وفي الآية دليلٌ على أنه بشره بأنه يكبر، ويعمر حتى يوصف بالحلم والوقار ". (٣)
стр. 72
المبحث الرابع: الاستنباط بدلالة التضمن:
دلالة التضمن: هي دلالة اللفظ على جزءٍ مسمّاه في ضمن كله، لتضمنه إياه، بدليل أن يكون المعنى في ضمنه. (١)
وقد بين بعض علماء الأصول أن دلالة التضمن تكون لفظية، بخلاف دلالة الالتزام فإنها تكون عقلية، وقد سمّيت دلالة التضمن بذلك لتضمن المعنى لجزء المدلول. (٢)
وقد أشار السمعاني في بعض استنباطاته إلى هذه الدلالة، ولكن كان قليلاً، ومن الأمثلة على ذلك:
- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٣) إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٤) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات ١ - ٥].
قال السمعاني ﵀: " وفي هذه الآيات بيان استعمال الأدب في مجلس النبي ﷺ ، وعظم الجناية في ترك ذلك، وما يُؤدّي إلى حبوط العمل واستحقاق العقاب ". (٣)
стр. 73
- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر ١٠].
قال السمعاني ﵀: " وفي الآية دليل على أن الترحم للسلف، والدعاء لهم بالخير وترك ذكرهم بالسوء، من علامة المؤمنين ". (١)
- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [الممتحنة ١].
قال السمعاني ﵀: " قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في الآية دليل على أن حاطباً لم يخرج من الإيمان بفعله ذلك ". (٢)
стр. 74
المبحث الخامس: الاستنباط بدلالة الاقتران:
دلالة الاقتران: هي الجمع بين شيئين، أو أكثر في سياق واحد على اتحاد حكمهما. (١)
ولم أجد استخدام السمعاني لهذه الدلالة إلا في آيتين فقط ولم يلزم في الآية الأولى صحة الاقتران لأنه أعمل وجوب الاشتراك في الحكم والتفاصيل بحجة الاقتران، ... ومن الأمثلة على ذلك:
- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة ١٩٦]
قال السمعاني ﵀: " ثم اعلم أن العمرة واجبة، وهو قول ابن عمر، وعند أبي حنيفة ﵁ سنة، وهو مروي عن جابر، والدليل على وجوبها: ظاهر الآية، وهو قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وظاهر الأمر للوجوب ". (٢)
فقط استنبط السمعاني وجوب العمرة لاقترانها بالحج بحجة تساوي المعطوف والمعطوف عليه.
- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء ١١٥].
قال السمعاني ﵀: " واستدل بهذه الآية على أن الإجماع حجة ". (٣)
فقد استنبط السمعاني حجية الإجماع لاقتران وعيد مشاقة الرسول ﷺ باتباع سبيل غير المؤمنين.
стр. 75
المبحث السادس: الاستنباط بدلالة المطرد من أساليب القرآن .
المطرد من أسلوب القرآن: هو تتابع الأفعال، واختيار الألفاظ وتكررها، على نسق واحد، تجاه أمر ما في القرآن الكريم. (١)
وأسلوب القرآن - كما هو واضح - هو طريقته المعهودة، قال ابن القيم تقريراً لهذه القاعدة عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ «وفيها فوائد عديدة، إحداها أن هذا جاء على الطريقة المعهودة في القرآن الكريم، وهي أن أفعال الإحسان والرحمة والجود تضاف إلى الله ، فيذكر فاعلها منسوبة إليه ولا يُبنى الفعل معها للمفعول، فإذا جيء بأفعال العدل والجزاء والعقوبة حذف وبُني الفعل فيها للمفعول، أدباً في الخطاب، فقال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ﴾، وقال بإحسان: ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ونظيره قوله إبراهيم الخليل ﵊: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ فنسب الخلق والهداية والإحسان بالطعام والسقي إلى الله تعالى، ولما جاء ذكر المرض قال: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ﴾ ولم يقل (أمرضني) وقال: ﴿فَهُوَ يَشْفِينِ﴾» (٢).
ومن طريقة القرآن وعادته استنبط السمعاني مجموعة من الاستنباطات، ومن أمثلتها:
- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة ٢٨٣].
стр. 76
قال السمعاني ﵀: " وحكم الرهن معلوم، وليس ذكر السفر، وعدم الكاتب على سبيل الشرط في جواز الرهن، وإنما خرج الكلام على الأعم الأغلب ". (١)
- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء ١٦٥].
قال السمعاني ﵀: " وهذا دليل على أن الله تعالى لا يعذب الخلق قبل بعثه الرسل، وهذا معنى قوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ ". (٢)
- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء ٨٠].
قال السمعاني ﵀: " ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ﴾ هو استعمال أدب، وإلا فالممرض والشافي هو الله تعالى بإجماع أهل الدين ". (٣)
стр. 77
الفصل الرابع:
أساليب الاستنباط عند أبي المظفر السمعاني في تفسيره، ومميزاته ،
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: أساليب الاستنباط عند أبي المظفر السمعاني في تفسيره.
المبحث الثاني: مميزات الاستنباط عند أبي المظفر السمعاني في تفسيره.
стр. 78
المبحث الأول:
أساليب الاستنباط عند أبي المظفر السمعاني في تفسيره
سار السمعاني في استنباطاته على عدة أساليب ومنها:
- التنوع في صيغ الاستنباط: فقد ذكر السمعاني عند استنباطاته مجموعة من الصيغ التي توحي بأن ما يعقبها استنباطا ومن تلك الصيغ: (وفي الآية أو في الآية دليل (١) - استدل بهذه الآية (٢) - وخص بالذكر أو وخصها بالذكر (٣) - في هذه إشارة (٤) - فيه إجماع (٥)) إلى غير ذلك من الصيغ، وقد يذكر الاستنباط مباشرة من دون ذكر هذه الصيغ.
- سار السمعاني في أغلب استنباطاته وفق منهج بيان معنى الآية أولا، ثم الاستنباط ثانيا، مما يسهل للقارئ ويعينه على فهم الاستنباط مباشرة.
- سلك السمعاني في استنباطاته مسلكين وهما:
مسلك العرض، وهو الأكثر في استنباطاته وذلك بعرض الاستنباط فقط.
مسلك الرد، وهو أقل من الأول، وأكثر ما يكون في الاستنباطات العقدية، وذلك بالرد على القول المخالف لما عليه أهل السنة والجماعة، كما بيِّن سلفاً (٦).
- نهج السمعاني أسلوبا في استنباطاته يساعد على ترسيخ المعنى المستنبط لدى القارئ، وجمع ذهنه وأفكاره، وذلك بطرح الاستنباط على طريقة السؤال والجواب كقوله ﵀: (فإن قال قائل - فإن قيل) وهذا قلما تجده في استنباطات المفسرين الآخرين (٧).
- ومن الأساليب أيضا عدم التصريح بنوع الدلالة التي يستنبط بها، كما هو واضح في كثير من استنباطاته.
стр. 79
المبحث الثاني:
مميزات الاستنباط عند أبي المظفر السمعاني في تفسيره .
تميز السمعاني في تفسيره بالاهتمام بالاستنباط، يؤيد ذلك ما ذكره ﵀ من النصوص في كتابه قواطع الأدلة من بيانه أن التفقه هو أصل الاستنباط، ومن ذلك ما ذكره أيضا عند باب إثبات القياس أن للقياس أربعة طرق ثم قال في الطريقة الرابعة وهي الاستدلال بالكتاب والسنة: " قال تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ فأمر بالاعتبار والاستنباط ... وأما الاستنباط هو استخراج المعنى المودع من النص حتى يبرز ويظهر". (١) ومن هذا المنطلق كان السمعاني حريصا على الاستنباط وما أودعته الآية من معاني وحكم، وبهذا كان لاستنباطات السمعاني بعض المميزات، ومن أهم المميزات التي تميزت بها استنباطات السمعاني ما يلي:
- شمولية استنباطاته لجميع الفنون والموضوعات، فتارةً تجد أن استنباطه يختص بعلوم القرآن وبلاغته، وتارةً تجده يختص بالعقيدة أو الأصول، أو الفقه أو التربية والسلوك، أو نحو ذلك. (٢)
- التنوع في طرق الاستنباط وليس ذلك بغريب فهو إمام في الأصول، فقد يستنبط أحيانا بدلالة مفهوم الموافقة، أو المخالفة، أو بدلالة الاقتران أو دلالة الالتزام، ونحو ذلك. (٣)
стр. 80
- سلامة استنباطاته من التلوث العقدي، الذي قد يطرأ على بعض المفسرين خلال استنباطاتهم الفاسدة، بل قد تميزت استنباطات السمعاني العقدية، بالذب والذود عن عقيدة أهل السنة والجماعة، إضافة إلى ردوده القاصمة والقامعة بنصوص القرآن والسنة على القول المخالف من أصحاب البدع والأهواء خصوصاً القدرية والمعتزلة، حتى إنه قد قال عنه الذهبي " تعصب لأهل الحديث والسنة والجماعة، وكان شوكا في أعين المخالفين، وحجة لأهل السنة ". (١)
- عدم تعصبه في استنباطاته لمذهبه الفقهي الشافعي، أو أي مذهب من المذاهب الفقهية الأخرى.
- أمانته العلمية عند عزوه لبعض الاستنباطات إلى من سبقه، رغم تقدم عصره، وليس في ذلك دلالة على عدم طروِّ الاستنباط له (٢).
- تفرد السمعاني وسبقه لبعض الاستنباطات، حتى إنني في كثير من الاستنباطات لم أجد من سبق السمعاني عليها، وإنما وجدت من تبعه عليها (٣).
- المتمعن في استنباطات السمعاني يجد أنها جمعت بين سهولة العبارة وجزالتها، فأصبحت مختصرة وافية، وإن دل فإنما يدل على بلاغته، وتمسكه بالمنهج الذي سار عليه في تفسيره وهو الاختصار وعدم الإسهاب.
- الاستشهاد أحياناً عند استنباطاته بالقرآن والسنة تأييداً لصحتها، وتقويةً لها (٤).
стр. 81
الباب الثاني:
جمع ودراسة الاستنباطات عند أبي المظفر السمعاني
في تفسيره من أول سورة الفاتحة إلى آخر سورة الناس .
стр. 82
تخصيص ملك الله ليوم الدين بالذكر دون غيره لظهور ملكه وانقطاع أملاك الآخرين .
قال تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة ٤].
• قال السمعاني ﵀: " والمراد بيوم الدين: يوم القيامة، فإن قال قائل: لم خص يوم الدين بالذكر، والله تعالى مالك الأيام كلها؟ يقال: إنما خصه لأن الأمر في القيامة يخلص له، كما قال: ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾، وأما في الدنيا للملوك أمر، وللمسلمين أمر، وللأنبياء أمر ". (١)
الدراسة:
لما خصّ الله ملكه ليوم الدين دون سائر ما يملك، مع عظمة أملاكه سبحانه، وكثرتها، استنبط السمعاني من هذا التخصيص أن سببه إظهارٌ لملكه سبحانه وانقطاعٌ لأملاك الآخرين يوم القيامة.
قال السمرقندي: " فإن قيل ما معنى تخصيص يوم الدين وهو مالك لغيره؟ قيل له إن في الدنيا كانوا منازعين له في الملك، مثل فرعون، ونمرود، وغيرهما، وفي ذلك اليوم لا ينازعه أحد في ملكه". (٢)
وقد أشار البغوي في استنباطه لهذه الآية إلى عين ما استنبطه السمعاني وذلك بقوله ﵀: " وإنما خصّ يوم الدين بالذكر مع كونه مالكًا للأيام كلها لأن الأملاك يومئذ زائلة فلا ملك ولا أمر إلا له، قال الله تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ
стр. 83
لِلرَّحْمَنِ﴾ وقال: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ وقال: ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ ". (١)
وممن قال بذلك من المفسرين: ابن جرير، والقرطبي، وابن كثير، وابن عادل الحنبلي، وحقي (٢). (٣)
وقد ذهب بعض أهل التفسير إلى مجموعة من الاستنباطات من سبب هذا التخصيص، أهمها مسألة عقدية، وهو أن تخصيص يوم الدين فيه إثبات لبعث العباد من قبورهم، والقيام بحشرهم، ومجازاتهم، قال أبو حيان: "وفي قوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ إثبات المعاد، والحشر، والحساب، ولما اتصف تعالى بالرحمة انبسط
стр. 84
العبد، وغلب عليه الرجاء، فنبّه بصفة الملك أو المالك ليكون من عمله على وجل، وأن لعمله يوماً تظهر له فيه ثمرته". (١)
وذهب بعض المفسرين أن إضافة يوم الدين لملكه سبحانه لها أيضاً معنىً آخر وإن كان لا يعارض المعاني الأولى المستنبطة بقولهم أن تخصيص الملك ليوم الدين لعظمةِ ذلك اليوم وشدّةِ هوله وما يحصل فيه من بعث العباد وحشرهم ومحاسبتهم. قال ابن عطية: " لكن خصّصه بالذكر لعظمه في جمعه وحوادثه ". (٢)
وممن ارتضى هذا القول من المفسرين: أبو حيان، وأبو السعود. (٣)
وبعد النظر فيما ذكره المفسرون يمكن أن نجمع بين الاستنباطات فيكون تخصيص ملك الله ليوم الدين بالذكر من بابِ إظهارِ ملكه في ذلك اليوم وانقطاع أملاك الآخرين، كما قال تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾،وكذلك لما فيه من إثبات بعث العباد، ومجازاتهم، وحسابهم، وكذلك لعظم هذا اليوم وما يقع فيه من أمورٍ جسام، وأهوالٍ عظام، وعلى هذا فلا منافاة بين الاستنباطات، والله أعلم.
стр. 85
تأخير الاستعانة بعد العبادة دليل احتياجها أثناء العبادة وبعدها وليس قبلها فحسب .
قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة ٥].
• قال السمعاني ﵀: " وقدَّم العبادة على الاستعانة لأنه يلزم من يجعل الاستطاعة قبل الفعل، ونحن بحمد الله نجعل الاستعانة والتوفيق مع الفعل، سواء قرنه به أم أخره جاز ". (١)
الدراسة:
استنبط السمعاني من هذه الآية مسألةً عقديةً فيها إبطال لأصلٍ من أصول المعتزلة (٢)، والذي مضمونه يدل على أن الاستطاعة تكون قبل الفعل فحسب ولا استطاعة واستعانة مع الفعل أو بعده سواء كان هذا الفعل - العبادة - أمراً يؤمر به أو نهيا يزجر عن فعله.
стр. 86
وحجّة المعتزلة هؤلاء أن الله تعالى قد مكَّن الإنسان من الاستطاعة، وهذه الاستطاعة قبل الفعل وهي قدرته عليه وعلى ضده وهي غير موجبة للفعل، وإلا لكان المأمور بالإيمان غير قادرٍ عليه، فيلزم تكليف ما لا يطاق. (١)
ولا شك أن ما استنبطه السمعاني من هذه الآية من حيث طلب الاستعانة والتوفيق قبل ومع الفعل هو ما كان عليه مذهب أهل السنة والجماعة، وذلك لأن أهل السنة والجماعة يلزمون المخالفين بجعل الاستعانة مع الفعل لأن القادر إما أن يصير مأموراً بالفعل قبل حصول الداعي إلى الفعل، أو بعد حصولِه، أما قبل حصول الداعي فمحال، لأن قبل حصول الداعي يمتنع حصول الفعل، فيكون التكليف به تكليفاً بما لا يُطاق، وأما بعد حصولِ الداعي، فالفعل يصيرُ واجب الحصول، فلا يكون في التكليف به فائدةٌ، وإذا كانت الاستطاعة منفيةً في الحالتين، وجب ألا يتوجه التكليف. (٢)
كما أثبت أهل السنة والجماعة أن للعبد استطاعة بمعنى الوسع والقدرة وسلامة الآلات، وهذه قد تتقدم على الفعل أو تقارنه ولا يجب بها الفعل لكن خطاب الشرع مرتبط بها، وأما الاستطاعة التي يجب بها الفعل وهي بمعنى التوفيق فهذه بإرادة الله تعالى وحده وهي التي تقارن الفعل. (٣)
وبهذا يتبين صحة استنباط السمعاني مع سلامة معتقده في تأصيل أصول أهل السنة والجماعة، وإبطال المعتقدات الفاسدة عند الفرق والطوائف الضالة.
стр. 87
تأخير الاستعانة على العبادة لكونها أحد أنواع العبادة .
قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة ٥].
• قال السمعاني ﵀: " وقدم العبادة على الاستعانة لأن الاستعانة نوع تعبد، فكأنه ذكر جملة العبادة، ثم ذكر ما هو من تفاصيلها ". (١)
الدراسة:
استنبط السمعاني من سبب تقديم العبادة على الاستعانة بعد المفعول الثاني - إياك - لكونها أحد أنواع العبادة وهي من جملة تفاصيلها، بمعنى أن الله ذكر أحد أفراد العموم، وقد وافقه في ذلك البغوي، والخازن، وابن عادل الحنبلي، وجمع من المفسرين. (٢)
وقد اُسْتنبِط معنىً آخر من تخصيص الاستعانة دون سواها من سائر العبادات وذلك لاحتياج العبد لمعونة الله في سائر عباداته.
قال ابن القيم: " ولما كان حرص الإنسان وفعله إنما هو بمعونة الله، ومشيئته، وتوفيقه، أمره أن يستعين به ليجتمع له مقام ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فإن حرصه على ما ينفعه عبادة لله، ولا تتم إلا بمعونته، فأمره بأن يعبده، وأن يستعين به ". (٣)
وقد أشار إلى ذلك ابن بدران (٤)، والسعدي في تفسيريهما. (٥)
стр. 88
واستُنبِط أيضاً وجهاً آخر في تخصيص الإستعانة، وذلك بأنّها وسيلةٌ هامةٌ لتحقيق أعظم غاية، وذلك من باب تقديم الغايات على الوسائل.
قال ابن القيم: " وتقديم العبادة على الاستعانة في الفاتحة من باب تقديم الغايات على الوسائل إذ العبادة غاية العباد التي خلقوا لها والاستعانة وسيلة إليها ". (١)
ووافقه على ذلك الزمخشري، والبيضاوي والشوكاني. (٢)
ويتبين مما سبق صحّة وجه ما استنبطه السمعاني، وأنه لا يتعارض مع أوجه استنباطات المفسرين من بعده والتي قد جمعها ولخَّصها الخازن في تفسيره. (٣)
стр. 89
تكرار المفعول (إياك) للاختصاص والتفخيم .
قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة ٥].
• قال السمعاني ﵀: " وأما قوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ إنما كرره لأنه لو اقتصر على قوله: إياك نعبد ونستعين، ليعلم أنه المعبود، وأنه المستعان، وعلى أن العرب قد تتكلم بمثل هذا، وقد يدخل الكلام تجريدا أو تفخيما وتعظيما، ولا يعد ذلك عيبا، كما تقول العرب: هذا المال بين زيد وبين عمرو، وإن كان يفيد قولهم: المال بين زيد وعمرو، ما يفيد الأول، ولا يعد ذلك عيبا في الكلام بل عد تفخيما وتجزيلا في الكلام ". (١)
الدراسة:
استنبط السمعاني من هذه الآية استنباطاً بلاغياً في تكرار لفظ إياك بأن المراد من التكرار هنا هو الحصر وذلك بحصر الاستعانة له سبحانه، وذلك لأنه لو اقتصر سبحانه على ضمير واحد لتوهم أن العبادة لله والاستعانة لغيره، واستنبط بأن التكرار عند العرب يعد من تفخيم الشيء وأنه من جزالة الكلام.
قال القرطبي مؤيدا هذا الاستنباط: " وكرَّر الاسم لئلا يتوهم إياك نعبد ونستعين غيرك ". (٢)
стр. 90
وقد ذكر ذلك الكرماني (١) في أسراره (٢)، وممن وافقه أيضاً من المفسرين: الثعلبي، وأبو حيان، وابن كثير، وحقي، ومحمد رشيد رضا. (٣)
وزاد الثعلبي استنباطا آخر في سبب التكرار فقال: " وانما كرر إياك ليكون أدل على الإخلاص والإختصاص والتأكيد، لقول الله تعالى خبرا عن موسى: ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ ولم يقل: (كي نسبحك ونذكرك كثيرا) ". (٤)
وقد ذكر الألوسي وجها آخر في سبب تكرار المفعول إياك بتبيينه أنه في حال الاقتصار على مفعول واحد يفهم منه أنه لا يتقرب إليه سبحانه إلا بالجمع بين العبادة والاستعانة معا، بمعنى أنه لا يعبد بلا استعانة ولا يستعان بلا عبادة وإنما يعبد على وجه الاستقلال ويستعان على وجه الاستقلال، وقد يجتمعان، لذا وجب التكرار، بمعنى أن التكرار للضمير هنا قطع الاشتراك بين العبادة والاستعانة. (٥)
стр. 91
والصحيح والله أعلم أن ما ذكره الألوسي فيه نظر، بحيث أنه لا يمكن البتة من أي عبد كائنا من كان أن يعبد الله بغير معونة منه سبحانه، وأنه لا يطلب عون منه سبحانه إلا وهو في الوقت نفسه في عبادة محضة.
ويتبين مما سبق أن ما ذكره السمعاني وممن وافقوه في سبب تكرار المفعول - إياك - هو اختصاصه سبحانه أيضا بالاستعانه وقصرها وإخلاصها له سبحانه وتفخيم لذاته سبحانه، وما زاده الثعلبي في أن من أسرار التكرار هو التأكيد، يتبين بعد ذلك أن هذا هو عين الصواب، والله أعلم.
تخصيص المتقين بالذكر للتشريف ولانتفاعهم دون سواهم .
قال تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة ٢].
• قال السمعاني ﵀: " فإن قال قائل: لم خص المتقين بالذكر وهو هدى لجميع المؤمنين؟ قيل: إنما خصهم بالذكر تشريفا، أو لأنهم هم المنتفعون بالهدى، حيث نزلوا منزل التقوى دون غيرهم، فلهذا خصهم به ". (١)
الدراسة:
استنبط السمعاني ﵀ في سبب تخصيص المتقين بالذكر مع أن هذا القرآن هدى للعالمين أجمع، وذلك لشرف المتقين على من سواهم، أو لكونهم منتفعون من هذا الهدى دون غيرهم ممن ضل عن هذا النور المبين.
стр. 92
قال القرطبي: " وخص الله تعالى المتقين بهدايته وإن كان هدى للخلق أجمعين تشريفا لهم لأنهم آمنوا وصدقوا بما فيه ". (١)
وقد أشار إلى ذلك الاستنباط جل المفسرين لوضوحه وعدم الاختلاف فيه أمثال: السمرقندي، والقشيري (٢)، والكيا الهراسي (٣)، وابن الجوزي، وأبو حيان، وأبو السعود وغيرهم. (٤)
وزاد الرازي بأن سبب التخصيص لأنهم في معرض المدح والتشريف ولاعتبار سياق الآيات التي تلي هذا الوصف كانت في وصف بعض صفات هؤلاء المتقين، ليقتدى، ويتأسى بهم. (٥)
وقد ذكر بعض المفسرين لفتة رائعة بأن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي ما عداه، وفائدة التخصيص في هذه الآية إنما هي التشريف لا التفرد بالهدى دون من سواهم. (٦)
مما سبق يتبين أن هذا التخصيص تشريف لهذه الطائفة المباركة ولانتفاعهم من نهل القرآن والتأسي بما فيه من خلق كريم، والندب والشروع بأوامره، والانتهاء عن زواجره، جعلنا الله وإياكم من أوليائه وأصفيائه وأتقيائه، إنه ولي ذلك والقادر عليه سبحانه.
стр. 93
إبطال معتقد طائفة القدرية في القدر .
قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة ٥].
• قال السمعاني ﵀: " وقوله تعالى: ﴿عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾ فيه بيان أن الهداية من الله تعالى ومن كلامه كما هو مذهب أهل السنة ". (١)
الدراسة:
لما نسب الله سبحانه بأن جعل الهداية من عنده، بأن يوفق إليها من شاء ويحرمها ممن يشاء، استنبط السمعاني استنباطاً عقدياً، مضمونه الرد على مذهب المعتزلة، والقدرية (٢)، والذي يدور أصلهم تجاه أفعال العباد بأن العبد يخلق فعل نفسه، وأن الله ليس له مشيئة في أفعال خلقه.
قال القرطبي: " في قوله تعالى: ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾ رد على القدرية في قولهم: يخلقون إيمانهم وهداهم، تعالى الله عن قولهم ولو كان كما قالوا لقال: (مِنْ أَنْفُسِهِمْ). (٣)
стр. 94
وقال حقي: " وفي الآية دليل على أن العبد لا يهتدي بنفسه إلا بهداية الله تعالى ألا ترى أنه قال: ﴿عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾ وهو ردٌّ على المعتزلة فإنهم يقولون: العبد يهتدي بنفسه. (١)
وليس هناك ثمة اختلاف كبير بين القدرية والمعتزلة فالقدرية يقولون بأن الله لم يقدر هذه الأشياء وإنما الناس هم الذين يفعلونها ويستقلون بإيجادها وخلقها " كل يخلق فعل نفسه "، وبقولهم هذا يكونون ضلالا لأنهم أنكروا خلق الله، أما المعتزلة فقالوا بأن الله لم يخلق أفعال العباد وإنما هم الذين خلقوها ". (٢)
وقد كان طائفة الجبرية (٣) على النقيض الآخر حيث قالوا أن العبد مجبور على أفعاله وأنه ليس له حول ولا قوة.
قال الشيخ صالح الفوزان: " وأهل السنة والجماعة وسط في باب أفعال الله بين الجبرية والقدرية، فالجبرية: نسبة إلى الجبر لأنهم يقولون إن العبد مجبور على فعله، فهم غلوا في إثبات أفعال الله حتى نفوا أفعال العباد، وزعموا أنهم لا يفعلون شيئًا وإنما الله هو الفاعل والعبد مجبور على فعله فحركاته وأفعاله كلها اضطرارية كحركات المرتعش، وإضافة الفعل إلى العبد مجاز، والقدرية نسبة إلى القدر غلوا في إثبات أفعال العباد فقالوا: إن العبد يخلق فعل نفسه بدون مشيئة الله
стр. 95
وإرادته، فأفعال العباد لا تدخل تحت مشيئة الله وإرادته، فالله لم يقدرها ولم يردها وإنما فعلوها هم استقلالًا، وأهل السنة توسطوا، وقالوا: للعبد اختيار ومشيئة وفعل يصدر منه ولكنه لا يفعل شيئًا بدون إرادة الله ومشيئته وتقديره. قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾. فأثبت للعباد عملا هو من خلق الله تعالى وتقديره. وقال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ". (١)
وليس هناك غرابة فقد كان السمعاني ﵀ شوكا في أعين المخالفين الذين يخالفون ما يعتقده أهل السنة والجماعة وذلك في الرد على الطوائف الضالة وخصوصا القدرية فقد تكرر في تفسيره ﵀ عدة مواضع فيها في الرد على هذه الطائفة، ولعل السبب أنه مذهبه في الاعتقاد كان على القدرية قبل أن يكون على مذهب أهل السنة والجماعة، فأصبح بعد ذلك ذابا عن معتقد أهل السنة والجماعة، لكن نكتفي بهذه دون سواه لكثرة تكرر استنباطاته في هذا الأمر. (٢)
стр. 96
بطلان معتقد المرجئة، والكرامية في مسألة الإيمان .
قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة ٨].
• قال السمعاني ﵀: " قوله تعالى ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ نفى الإيمان عنهم، حيث أظهروا الإسلام باللسان ولم يعتقدوا بالجنان، وهذا دليل على من يخرج الاعتقاد من جملة الإيمان ". (١)
الدراسة:
استنبط السمعاني من هذه الآية ردًّا لمعتقد طائفة المرجئة (٢)، والكرامية (٣)، والتي تسلك مسلك أهل النفاق، الذي من جملة أصولهم الباطلة أن الإيمان إقرار
стр. 97
باللسان فحسب ولا يلزم مع ذلك إيمان القلب والجوارح والأركان فأبطل السمعاني معتقدهم هذا بهذه الآية ذات الدلالة الظاهرة.
قال القرطبي: " وفي هذا رد على الكرامية حيث قالوا: إن الايمان قول باللسان وإن لم يعتقد بالقلب، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا﴾، ولم يقل: بما قالوا وأضمروا، وبقوله ﵇: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دمائهم وأموالهم) (١)، وهذا منهم قصور وجمود، وترك نظر لما نطق به القرآن والسنة من العمل مع القول والاعتقاد ". (٢)
وبنحوه قال الرازي، والبيضاوي، والنسفي، وابن عادل الحنبلي. (٣)
وقال الرازي: " والإيمان ليس عبارة عن التصديق اللساني، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ نفى كونهم مؤمنين، ولو كان الإيمان بالله عبارة عن التصديق اللساني لما صح هذا النفي ". (٤)
стр. 98
وقد رد شيخ الإسلام على هذه الطائفة الضالة بنصوص القرآن والسنة والتي تخالف معتقدهم هذا. (١)
ومما سبق يتبين بطلان هذا المعتقد الضال ولا أصرح من هذه الآية في الرد عليهم، أو ما ذكره الله تعالى في الآية التي تناولت أركان الإيمان، سواء الإقرار القلبي والتصديق اللساني والعمل بالجوارح والأركان، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ فقصر الإيمان على من اتصف بتلك الصفات والأفعال الشاملة لأعمال القلب واللسان والجوارح، بمعنى أن من ترك أحدها فهو غير مؤمن، وكذلك العديد من الآيات المبثوثة في القرآن والسنة، وقد بوَّب الإمامان البخاري ومسلم في صحيحيهما أبواباً كثيرة تثبت أن الإيمان إقرار وتصديق وعمل.
стр. 99
عظمة النار كون وقودها الناس والحجارة .
قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة ٢٤].
• قال السمعاني ﵀: " وقوله تعالى ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ في هذا دليل على عظم تلك النار ". (١)
الدراسة:
استنبط السمعاني من ظاهر الآية عظمة النار التي أمرنا الله باتقائها، وذلك كون هذه النار وقودها من جنس البشر والحجارة، التي هي سبب لتخميد النار فإذا هي هنا سبب لإيقاد نار جهنم أعاذنا الله منها.
قال الزمخشري في بيان عظمة هذه النار: " وأنها نارٌ ممتازةٌ من النيران بأنها لا تتقد إلا بالناس والحجارة، وذلك يدلّ على قوَّتِها من وجهين: الأول: أن سائر النيران إذا أريد إحراق الناس بها أو إجماء الحجارة أوقدت أولاً بوقود ثم طرح فيها ما يراد إحراقه أو إحماؤه، وتلك أعاذنا الله منها برحمته الواسعة توقد بنفس ما تحرق، والثاني: أنها لإفراط حرها تتقد في الحجر ". (٢)
وممن أشار إلى ذلك من المفسرين: الرازي، والنسفي، وابن عادل الحنبلي. (٣)
стр. 100
وذكر بعض المفسرين في هذه الآية استنباطاً آخر وهو أن سبب تخصيص الحجارة بالذكر هنا لما اعتقده الكفار في حجارتهم المعبودة من دون اللَّه أنها الشفعاء والشهداء الذين يستشفعون بهم ويستدفعون المضارّ عن أنفسهم بمكانهم، جعلها اللَّه عذابهم، فقرنهم بها محماة في نار جهنم، إبلاغا في إيلامهم وإغراقا في تحسيرهم مستنبطين هذا من قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾. قال بهذا ابن عادل الحنبلي، والنيسابوري (١)، والقاسمي، وابن عاشور. (٢)
مما سبق يتبين صواب استنباط السمعاني في القول بعظمة نار جهنم، كون وقودها الناس والحجارة، وذلك لموافقة المفسرين له بجميع استنباطاتهم والتي تصب كلها في تهويل أمر هذه النار التي نسأل الله أن يعيذنا ووالدينا والمسلمين عامة منها ومن حرِّها. والله أعلم.
стр. 101
حقيقة أسبقية خلق النار وإبطال معتقد من خالف ذلك .
قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة ٢٤].
• قال السمعاني ﵀: " وهذا دليل على أن النار مخلوقة، لا كما قال أهل البدعة (١) ". (٢)
الدراسة:
من هذه الآية استنبط السمعاني كما هي عادته في إبطال المعتقدات الفاسدة فنجده هاهنا يبطل معتقد المعتزلة في قولهم أن الجنة والنار لم تخلقا بعد، وكان استنباطه من قوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ﴾ والتي بمعنى هيئت ورصدت، ولم يكن السمعاني في استنباطه هذا وغيره مسترسلا في بيان المعاني التي تؤول إلى معناه المستنبط، وذلك لأنه عاش ﵀ في زمان بسليقتهم تتضح لهم معاني المفردات والتي من جملتها لفظ " أعدت"، والذي يدل على سبق التهيئة.
وقد كان استنباط السمعاني هو المأثور عن جملة المفسرين لمدلول لفظ الإعداد في هذه الآية على ذلك.
قال ابن عطية: "وفي قوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ﴾ ردٌّ على من قال: إن النار لم تخلق حتى الآن". (٣) وبمثله قال أبو حيان، وأبو السعود. (٤)
стр. 102
وقال السعدي: " وفي قوله: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ ونحوها من الآيات، دليل لمذهب أهل السنة والجماعة، أن الجنة والنار مخلوقتان خلافا للمعتزلة ". (١)
وقال الشيخ ابن باز: " والجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان أبدا ولا تبيدان، وأن الله تعالى خلق الجنة والنار قبل الخلق وخلق لهما أهلا، فمن شاء منهم إلى الجنة فضلا منه، ومن شاء منهم إلى النار عدلا منه، وكل يعمل لما قد فرغ له وصائر إلى ما خلق له ". (٢) ووافقه ابن عثيمين في كلامه ﵀. (٣)
ولا شك أن معتقد أهل السنة والجماعة في مسألة خلق الجنة والنار واضح وبين في قولهم بأنها مخلوقتان وذلك لصراحة وقوة الأدلة من القرآن والسنة والتي من جملتها هذه الآية وقوله تعالى: ﴿عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾.
والسنة تؤيد ذلك فقد قال النبي ﷺ : (رأيت عمرو بن عامر بن لحي الخزاعي يجر قصبه في النار) (٤)، وأنه ﵇ قد قال أيضا: (عذبت امرأة في هرة لم تطعمها ولم تسقها ولم تتركها تأكل من خشاش الأرض) (٥)، إلى غير ذلك من الأدلة التي ليس لها حصر في إثبات خلق النار. (٦)
стр. 103
قال الطوفي (١) مؤيدا هذا الاستنباط: " وحجة الجمهور هذا النص - أعدت للكافرين - إذ المعدوم لا يقال له أعد، فهو معدوم، ولأنه ثبت أن آدم ﵇ دخل الجنة ثم أخرج منها، وأن النبي ﷺ رأى الجنة والنار ليلة الإسراء، وأن أرواح الشهداء في حواصل طير في الجنة ". (٢)
وعندما خالف المعتزلة معتقد أهل السنة والجماعة في قولهم بأسبقية خلق الجنة والنار، فإنه لم تكن لهم حجة إلا أنهم قالوا: أنه لا حاجة إليها، وإنما حاجتها في الآخرة، فإيجادها قبل الآخرة عبث. (٣)
وبهذا يتبين من صريح الأدلة السابقة واتفاق من سلمت معتقداتهم من أهل السنة والجماعة سلامة استنباط السمعاني ومن وافقه من جملة المفسرين، وبطلان قول المعتزلة القائلين بأن النار لم تخلق بعد.
стр. 104
تخصيص إعداد النار للكفار دليل على أن الموحدين لا يخلدون فيها .
قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة ٢٤]
• قال السمعاني ﵀: " وهذا دليل على أنها مخلوقةٌ للكافرين، وإن دخلها بعض المؤمنين تأديباً وتعريكاً ". (١)
الدراسة:
استنبط السمعاني من هذه الآية بدلالة مفهوم المخالفة أن الموحدين لا يخلدون في النار، ووجه استنباط ذلك من الآية أنه لما كانت هذه النار معدةً أصالةً للكفار، فإن المؤمنين إن دخلوها فإنما لتأديبهم لإسرافِهم في الذنوب التي قد نهاهم الله عنها، وإلاّ فخلق النار معدٌ للكافرين أصلاً.
قال القشيري عند تفسيره لهذه الآية " دليل الخطاب أن المؤمن لا يعذَّب بها، وإن عُذِّب بها مدة فلا يخلَّد فيها ". (٢)
وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين مؤيداً هذا الاستنباط: " ومن فوائد الآية: أنّ النارَ دارٌ للكافرين، لقوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ وأما من دخلها من عصاة المؤمنين فإنهم لا يخلدون فيها، فهم فيها كالزُّوار، لا بد أن يخرجوا منها، فلا تسمى النار دارًا لهم، بل هي دار للكافر فقط، أما المؤمن العاصي، إذا لم يعف الله
стр. 105
عنه، فإنه يعذّب فيها ما شاء الله، ثم يخرج منها إما بشفاعة، أو بمنة من الله وفضل، أو بانتهاء العقوبة ". (١)،
وممن ذكر ذلك وأيّده الهرري (٢)، وحقي في تفسيريهما. (٣)
فيكون بعد ذلك ما ذهب إليه السمعاني في الاستنباط من هذه الآية ومن وافقه من بعض أهل التفسير صحيح فالآية تدل على أن النار أُعدت أصالةً للكفار مما يُفهم منه أن غيرهم ليس بخالدٍ فيها، وإن دخلها تأديباً. والله أعلم.
стр. 106
تفضيل الأنبياء على الملائكة .
قال تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة ٣١].
• قال السمعاني ﵀: " وإنما علَّمه - أي تعليم الله لآدم - ذلك تكريماً وتشريفاً له، وذلك دليل على أن الأنبياء أفضل من الملائكة وإن كانوا رسلاً كما ذهب إليه أهل السنة". (١)
الدراسة:
استنبط أبو المظفر السمعاني من كون تعليم الله سبحانه لآدم الأسماء كلها، وعرض آدم هذه الأسماء على الملائكة، أفضليته على الملائكة، ومن ثم بنى عليها أفضلية الأنبياء على الملائكة، ووجه الاستنباط أن استثناء الله لآدم لتعليمه، وأمره سبحانه لآدم أن يعرض الأسماء على الملائكة فيه دليل على الأفضلية.
الموافقون:
بعد تتبع أقوال علماء العقيدة والمفسرين في كتبهم وتفاسيرهم، نجد أن السمعاني ﵀ قد وافقه جمهور أهل العلم من علماء السنة مستدلين بنصوص القرآن والسنة بل قالوا بأن صالحي البشر أفضل من الملائكة. (٢)
стр. 107
قال ابن القيم: " ومذهب أهل السنة أن صالحي البشر أفضل من الملائكة وإن كانت مادتهم نورًا ومادة البشر ترابًا فالتفضيل ليس بالمواد والأصول ولهذا كان العبيد والموالي الذين آمنوا بالله ورسوله خيرا وأفضل عند الله ممن ليس مثلهم من قريش وبني هاشم وهذه المعارضة الابليسية صارت ميراثًا في أتباعه في التقديم بالأصول والأنساب على الإيمان والتقوى ". (١)
وكان من جملة ما استدل به علماء السنة ظاهر هذه الآية المستنبط منها، وأيضا قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾. (٢) فسجود الملائكة لآدم دليل أفضليته عليهم.
المخالفون:
انقسموا إلى قسمين منهم المخالف ومنهم المتوقف:
القسم الأول: قسم يقول بتفضيل الملائكة على الأنبياء باستثناء نبينا محمد ﷺ فهو أفضل الخلق على الإطلاق وهو اختيار أبي بكر الباقلاني (٣) وأبي عبد الله الحليمي (٤).
стр. 108
ومن جملة ما استدلوا به قوله تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ فقالوا أن ذلك زيادة في الحجة وتقريب من الأذهان، أي ولا هؤلاء الذين هم في أعلى درجات المخلوقين، لا يستنكفون عن ذلك فكيف سواهم. وممن قال بهذا الاستنباط الزمخشري. (١)
ورد عليهم ابن كثير بقوله: " وليس في ذلك دلالة، لأنه إنما عطف الملائكة على المسيح، لأن الاستنكاف هو الامتناع، والملائكة أقدر على ذلك من المسيح، فلهذا قال: ﴿وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ ولا يلزم من كونهم أقوى وأقدر على الامتناع أن يكونوا أفضل ". (٢) وزاد الشوكاني بأنه لا يفهم من لغة العرب أن المعطوف أعظم شأنا من المعطوف عليه. (٣)
واحتج المخالفون أيضا بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾، لأن المراد من هذه العندية القرب، والشرف، وهذا حاصل لهم لا لغيرهم.
стр. 109
ورد أهل السنة عليهم بأنه تعالى أثبت هذه الصّفة في الآخرة لآحاد المؤمنين في قوله: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ (١).
واحتج المخالفون بأن عبادات الملائكة أدوم، لأن أعمارهم أطول، فكانت أفضل لقوله ﵊ عندما سأله الأعرابي يا رسول الله من خير الناس؟ قال (من طال عمره وحسن عمله) ". (٢)
ورد عليهم بأن نوحا ولقمان والخضر - عليهم الصلاة والسلام - كانوا أطول عمرا من محمد ﵊ فوجب أن يكونوا أفضل منه، فيصبح قولهم باطل بالاتفاق. (٣)
وقاموا بالرد على من فضل الأنبياء على الملائكة بقولهم بأن تعليم الله لآدم فيه فضلا، وليس أفضلية مطلقة، وأن سجود الملائكة كان امتثالاً لأمر ربهم ولأنهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، ولا يقتضي ذلك التفضيل، لأنهم إنما سجدوا امتثالاً وانقياداً وطاعة له سبحانه، وتكريماً لآدم وتعظيماً، وإظهاراً لما فيه من الفضل، لا على الأفضلية، ولا شك أن للملائكة وصالحي بني آدم أيضا فضلاً
стр. 110
عظيماً، بل وقالوا أنه لا يلزم أن يكون المسجود له أفضل من الساجد، ألا ترى أن الكعبة مسجود لها والأنبياء والخلق يسجدون نحوها، ثم إن الأنبياء خير من الكعبة باتفاق الأمة. (١)
القسم الثاني: قسم توقف في المسألة لوجود الأدلة من كلا الفريقين، ومنهم الكيا الهراسي (٢)، وأثر عن الإمام أبي حنيفة التوقف عن الخوض في هذه المسألة وأيضا أثر عن الطحاوي. (٣)
النتيجة:
بعد معرفة أدلة الموافقين والمخالفين يمكن الجمع بين الأدلة والتوسط بين الموافقين والمعارضين ولا أجمل مما قاله شيخ الإسلام عندما أراد التوسط بين القولين حيث قال: "وصالحي البشر أفضل باعتبار كمال النهاية، والملائكة أفضل باعتبار البداية، فإن الملائكة الآن في الرفيق الأعلى منزهون عما يلابسه بنو آدم، مستغرقون في عبادة الرب ولا ريب أن هذه الأحوال الآن أكمل من أحوال البشر، وأما يوم القيامة بعد دخول الجنة فيصير صالحو البشر أكمل من حال الملائكة