← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 140

دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين

ابن علان

Полный текст (2 250 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ اسم الكتاب / دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين لـ ﴿ابن علان الصديقى﴾ نبذة عن الشارح محمد علي بن محمد علان بن إبراهيم البكري الصديقي الشافعي: مفسر, عالم بالحديث, من أهل مكة. له مصنفات ورسائل كثيرة, منها " ضياء السبيل" في التفسير, و" الطيف الطائف بتاريخ وَجّ والطائف - خ" و" شرح قصيدة ابن المليق وقصيدة أبي مَديَن - ط" و" الفتح المستجاد لبغداد" " المنهل العذب المفرد في الفتح العثماني لمصر ومن ولي نيابة ذلك البلد" وثلاثة تواريخ في " بناء الكعبة" و" دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين - ط" ثمانية أجزاء, في شرح " رياض الصالحين" للنووي, و" المواهب الفتحية على الطريقة المحمدية - خ" في التصوف, و" التلطف في الوصول إلى التعرف - خ" في الأصول, و"الفتوحات الربانية على الأذكار النووية - ط" و" رفع الخصائص - خ" و" مثير شوق الأنام إلى حج بيت الله الحرام - خ" و" إتحاف الفاضل بالفعل المبني لغير الفاعل - ط" لغة.

стр. 2

مقدمة الشارح بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي جعل ذكره رياض الصالحين، ومناجاته غذاء أرواح الفالحين والخضوع بين يديه والتضرع إليه عزّ العارفين، والتخلق بالأخلاق المحمدية والأخلاق النبوية شأن العالمين العاملين. أحمده سبحانه على نعمه، وأسأله المزيد من فضله وكرمه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة تبلغ القاصد من فضله سؤله وأمله، وتنيله من بحر جوده ما قصده وأمله، ويعطيه بها من أنوار العرفان ما أشرق قلبه ونوره وكمله. وأشهد أن سيدنا ونبينا ووسيلتنا إلى ربنا محمداً عبده ورسوله، وصفيه وحبيبه، وخليله، المؤيد بأنواع المعجزات الباهرة، المكرم بالمكرمات الباطنة والظاهرة، الذي لا تحصى نعوته الشريفة ومناقبه، ولا تعدّ ولا تحصر آياته المنيفة ومواهبه. فإن فضل رسول الله ليس له ... حدّ فيعرب عنه ناطق بفم ﷺ ، وزاده فضلاً وشرفاً لديه، وعلى آله وأصحابه وأتباعه ووارثيه العلماء العاملين وأحزابه، صلاة وسلاماً دائمين متلازمين دائبين بدوام ملك الله تعالى وأمداده عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته، كلما ذكره ذاكر، وغفل عن ذكره غافل، أداء لبعض حقوق سيد عباده. آمين. وبعد: فهذا ما دعت إليه الحاجة من وضع تعليق لطيف، على نهج منيف، على كتاب «رياض الصالحين» تأليف شيخ الإسلام، علم الأئمة الأعلام، أوحد العلماء العاملين، والأولياء الصالحين، عين المحققين، وملاذ الفقهاء والمحدثين، وشيخ الحفاظ، وإمام أرباب الضبط المتقنين، شيخ الإسلام والمسلمين، الشيخ أبي زكريا يحيى محيي الدين بن شرف النووي الشافعي، تغمده الله برحمته، وأسكنه بحبوح جنته، وأعاد عليّ وعلى المسلمين من بركته، لما أنه قد جمع ما يحتاج إليه السالك في سائر الأحوال، واشتمل على ما ينبغي التخلق به من الأخلاق والتمسك به من الأقوال والأفعال. مغترفاً له من عباب الكتاب والسنة النبوية، ناقلاً لتلك الجواهر من تلك المعادن السنية. ولم أقف على كتابة عليه،

стр. 3

تكون كالدليل للسالك إليه، فاستخرت الله تعالى بالروضة الشريفة النبوية، عند سيد المرسلين، وحبيب رب العالمين، وخاتم الأنبياء والمرسلين، وإمام الخلائق أجمعين وزاده فضلاً وشرفاً لديه، في وضع هذا التعليق عليه، ليكون كالرامز إليه. والمسؤول من الله سبحانه أن يعين على إتمامه. والسداد في تحرير أحكامه، وأن يجعله مصوناً من الخطأ والخطل، محفوظاً من الزيغ والزلل، خالصاً لوجهه الكريم، ذخيرة معدة عند سيدنا ونبينا وشفيعنا سيد المرسلين، عليه أفضل الصلاة والتسليم، وهو المعين، وبه أستعين، وسميته: دليل الفالحين: لطرق رياض الصالحين قال المصنف رحمه الله تعالى:

стр. 4

(بسم الله الرحمن الرحيم) أي أؤلف، والاسم: مأخوذ من السمو، وهو العلو، وا علم على الذات الواجب الوجود المستحق لجميع المحامد، والرحمن الرحيم، صفتان بنيتا للمبالغة من رحم كعلم، بعد نقله إلى فعل كشرف، أو تنزيله منزلة اللازم، والمراد من الرحمة في حقه تعالى، لاستحالة قيام حقيقتها به من الميل النفساني غايتها، وهو إرادة الإحسان والتفضل، أو نفس الإحسان مجازاً مرسلاً، من إطلاق اللازم وإرادة الملزوم، فعلى الأول تكون صفة ذات، وعلى الثاني تكون صفة فعل. (الحمد) الحمد اللفظي لغة: الثناء باللسان على الجميل الاختياري على جهة التعظيم. وعرفاً: فعل ينبىء عن تعظيم المنعم لكونه منعماً على الحامد أو غيره، فبينهما عموم وخصوص وجهي، وجملة الحمد خبرية لفظاً، إنشائية معنى. وقيل: خبرية لفظاً ومعنى. وقيل: يجوز أن تكون موضوعة شرعاً لإنشاء الحمد، وهي مفيدة لاختصاصه با تعالى، سواء أجعلت أل فيه للاستغراق كما عليه الجمهور، أم للجنس كما عليه الزمخشري، أم للعهد كما أجازه بعضهم، واللام في للاختصاص. وبدأ بالبسملة ثم بالحمدلة اقتداء بالكتاب العزيز، وعملاً بمقتضى خبر «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم» وفي رواية: «بالحمد، فهو أبتر» ، وإشارة إلى أنه لا تعارض بين الابتداءين، إذ الابتداء حقيقي وهو ما لم يسبق بشيء البتة، وإضافي وهو ما سبق بغير ما التصنيف بصدده. أو يقال: الابتداء أمر عرفي يعتبر ممتداً إلى الشروع في المقصود، فيسع أمرين فأكثر (الواحد) أي ذاتاً وصفة وفعلاً، فلا شريك له في شيء منها (القهار) أي: الذي قهر الخلائق وقسرهم بقدرته الأزلية، فلا يكون سوى مراده، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن بوجه من الوجوه (العزيز) أي الذي لا يغالب في حكمه، ولا يدافع في أمره، ولا يمانع في مراده (الغفار) أي الستار على ذنوب العصاة بعدم المؤاخذة بها، وفي التصدير بهذه الأسماء إيماء إلى أنه ينبغي أن

стр. 5

يكون الرجاء والخوف للإنسان أي حال الصحة بمثابة جناحي الطائر، وذلك أنه أشار إلى مقام الخوف بذكر الأسماء الثلاثة، والرجاء بالاسم الأخير والحكمة في المبالغة في المقام الأول أن من شأن النفس - لا سيما عند عدم رياضتها - الميل إلى المخالفات والمنهيات، فصدّر بذكر ما يدل على مقام الخوف، والتحذير من بطشه سبحانه ليكون قائداً للعبد إلى أبواب مولاه وإحسانه وسبباً للانزجار عن المخالفات (مكور الليل على النهار) قال الواحدي في «الوسيط» : أي يدخل هذا على هذا، والتكوير: طرح الشيء على الشيء، واكتفى بذكر تكوير الليل عن ذكر مقابله وإنما اقتصر عليه لشرفه، لأنه موسم الخيرات للسالكين ومحل الاشتغال بالذكر والصلاة والمناجاة مع رب العالمين (تذكرة) مفعول له علة للتكوير أو حال منه (لذوي القلوب) أي لأصحاب القلوب العظيمة (والأبصار) في مفردات الراغب: البصر يقال للجارية الناظرة وللقوة التي فيها ولقوة القلب المدركة، ويقال لها بالمعنى الأخير بصيرة أيضاً اهـ. وعلى كل فالعاطف هنا من عطف المغاير: أما على الأولين فواضح، وأما على الأخير فإن البصر والبصيرة اسمان لقوة القلب المدركة لا للقلب، وأتى به دون البصائر ليكون اللفظ شاملاً لكل ذلك بناء على مذهب إمامنا الشافعي ﵁، من جواز استعمال المشترك في معانيه ومراعاة للسجع المستلذ في السمع (وتبصرة) هو كالتبصير مصدر لبصر المضاعف كقدم تقدمة وتقديماً (لذوي الألباب) جمع لب: أي العقول ويجمع على ألب كبؤس على أبؤس، ونعم على أنعم. قال في «القاموس» : ويجمع على ألبب. (والاعتبار) والمراد منهم الذين يتفكرون في الآلاء ويعرفون أنها لم تخلق عبثاً وأن له سبحانه في كل مغنى معنى، وما أحسن قول من قال: لا تقل دارها بشرقي نجد كل دار للعامرية دار ولها منزل على كل ماء وعلى كل دمنة آثار فيستدلون بالآثار على عظيم الاقتدار، ويعرفون بما يرد عليهم من الأحوال أنه لهم بذلك متعرف (الذي أيقظ) أي نبه من سنة الغفلة، ففيه استعارة مكنية يتبعها استعارة تخييلية شبه الغفلة بالنوم بجامع انتفاء الكمال في كل منهما، وقد ورد في الحديث: «مثل الذي يذكر الله والذي لا يذكر الله مثل الحي والميت» . والتشبيه المضمر في النفس استعارة مكنية وإثبات الإيقاظ الذي هو من لوازم المشبه به استعارة تخييلية (من خلقه) أي:

стр. 6

مخلوقاته، وهو بيان لمن في قوله: (من اصطفاه) من الصفوة بتثليث الصاد وهو الخلوص: أي اختاره (فزهدهم في هذه الدار) أي في الدنيا يعني: لما أيقظهم أدركوا حقيقة الدنيا وأنها كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء فزهدوا فيها وأعرضوا عن زهراتها، وأخذوا منها قدر الضرورة، وجعلوا ما وصل إليهم من ذلك من غير تطلع إليه مقدماً بين أيديهم وعند مولاهم ذخيرة (وشغلهم) بتخفيف الغين المعجمة وتشديدها للمبالغة (بمراقبته) أي بدوام نظر أنه ناظر لأعمالهم محيط بأقوالهم وأفعالهم فأقبلوا على إحسان العمل، وحفظوا أنفسهم من الزيغ والزلل، إذ لا يقع العصيان إلا مع الغفلة المعترية للإنسان (ومداومة) وفي نسخة وإدامة (الافتكار) أي: التفكر في مصنوعاته والاستدلال بذلك على ألوهيته وعظيم قدرته، قال تعالى: ﴿إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب * الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض﴾ (آل عمران: ١٩٠ - ١٩١) - الآية. وفي الحديث: «تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في ذات الله» وجاء بلفظ: «تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق، فإنكم لا تقدرون قدره» وفي الحديث أيضاً مرفوعاً كما في «الكشاف» : «بينما رجل مستلق في فراشه إذ رفع رأسه إلى النجوم وإلى السماء فقال: أشهد أن لك رباً وخالقاً، اللهم اغفر لي، فنظر الله إليه فغفر له» . فقال: «لا عبادة كالتفكر» وقيل: الفكرة تذهب الغفلة، وتحدث للقلب الخشية كما يحدث الماء للزرع والنبات، وما جليت القلوب بمثل الأحزان، ولا استنارت بمثل الفكرة» . وقد روي: «أن يونس ﵇ كان يرفع له في كل يوم مثل عمل أهل الأرض» قالوا: وإنما كان ذلك للتفكر في أمر الله الذي هو عمل القلب، لأن أحداً لا يقدر أن يعمل بجوارحه في اليوم مثل عمل أهل الأرض. انتهى ما في «الكشاف» . قال ابن عباس وأبو الدرداء: فكرة ساعة خير من قيام ليلة. قال السريّ السقطي: ساعة خير من عبادة سنة، ما هو إلا أن تحل أطناب خيمتك فتجعلها في الجنة، كذا في شرح رسالة ابن أبي زيد لداود: (وملازمة الاتعاظ) أصله الإيتعاظ بياء تحتية ساكنة بعد الهمزة المكسورة وبعدها تاء الافتعال فقلبت الياء تاء فوقية وأدغمت في تاء الافتعال على القاعدة في ذلك: أي: أنهم كلما نزل بهم فقد شيء من مال أو إنسان اتعظوا بذلك ونظروا إلى أن مآل الجمع الفناء، وأن ما نزل بأخيك كأنه قد نزل بك. فالسعيد من اتعظ بغيره وأقبل على ما فيه في المعاد أنواع خيره (و) ملازمة (الادكار)

стр. 7

بالمعجمة والمهملة وأصله اذتكار بمعجمة ثم فوقية، فأبدلت الفوقية لما في التلفظ بها بعد الذال المعجمة من الثقل ذالاً معجمة أو مهملة وأدغم فيها فاء الفعل، والاذكار هو الذكر بعد النسيان والتنبه بعد سنة الغفلة (ووفقهم) من التوفيق، وهو خلق القدرة على الطاعة في العبد، وهو عزيز ولذا لم يذكر في القرآن إلا في قوله تعالى: ﴿وما توفيقي إلا با﴾ (هود: ٨٨) وأما قوله تعالى: ﴿إن أردنا إلاّ إحساناً وتوفيقاً﴾ (النساء: ٦٢) وقوله تعالى: ﴿يوفق الله بينهما﴾ (النساء: ٣٥) فمن مادة الوفاق (للدءوب) أي: المداومة والاجتهاد (في) مزاولة (طاعته والتأهب) أي: الاستعداد (لدار القرار) أي: الدار الآخرة (والحذر) بالجر عطفاً على الدءوب أو على التأهب قولان في مثله، الراجح منهما الأوّل، ما لم تقم قرينة على خلافه (مما يسخطه) أي يكون سبباً لسخطه سبحانه من المخالفات والعصيان. وفي «مفردات الراغب» : السخط من الله تعالى إنزال العقوبة اهـ. وهو بيان للمراد منه إذا وصف به الباري سبحانه: (ويوجب دار البوار) كالمفسر للسخط، ثم الذي يوجب النار هو الموت على الكفر والعياذ با تعالى، وفي نسبة الإيجاب إليه تجوّز في الإسناد، إذ الموجب لذلك بذلك هو الله : أما في العصيان فالصغائر المتصلة بحقوق الله تعالى مكفرة بصالح العمل ومنه اجتناب الكبائر، والمتعلقة بحق العباد لا بد من إرضاء مستحقها، والكبائر لا يكفرها إلا التوبة أو فضل الله سبحانه (و) وفقهم لـ (لمحافظة على ذلك) أي: المذكور من الدءوب في الطاعة والحذر مما يوجب السخط (مع تغاير الأحوال) أي: اختلافها، ظرف وقع حالاً من المحافظة، يعني: أن تغاير الأحوال: أي اختلافها بالخصب والجدب والرخاء والشدة والفراغ والشغل بالتجارة ونحوها من مزاولة أعمال النفس والعيال لم يؤثر في سلوكهم وإقبالهم على عبودية مولاهم من امتثال أوامره واجتناب زواجره إجلالاً له سبحانه، قال الله تعالى: ﴿رجال

стр. 8

لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر ا﴾ (النور: ٣٧) وقال: «ليذكرنّ الله قوم على الفرش الممهدة» . وقال الشاعر: فلو قطعتني إرباً فإربا لما حن الفؤاد إلى سواكا والأحوال جمع حال يجوز تذكير لفظها وتأنيثه بأن يقال: حالة وتذكير معناها وتأنيثه، والأرجح تأنيث معناها فيقال: حال حسنة. قال الراغب في «مفرداته» : الحال ما يختص به الإنسان وغيره من أموره المتغيرة في نفسه وجسمه وشأنه والحول: ماله من القوة في أحد هذه الأصول الثلاثة (و) تغاير (الأطوار) أي: الاختلاف في الخلق والخلق كما يفهم من مفردات الراغب (أحمده) أي: أصفه بجميع صفاته إذ كل منها جميل، ورعاية جميعها أبلغ في التعظيم، قيل: وهو أبلغ من الأول لأنه حمد بجميع الصفات برعاية الأبلغية وذاك بواحد منها وهي المالكية وإن لم تراع الأبلغية بأن يراد الثناء ببعض الصفات فذلك البعض أعم من هذه الواحدة لصدقه بها وبغيرها على الكثير، فالثناء بهذا أبلغ في الجملة أيضاً، نعم الثناء بالأول من حيث تفصيله: أي تعيينه أوقع في النفس من هذا، وقيل: بل التحقيق أن الحمد بالأول أبلغ وأفضل ومن ثم قدم، بل أخذ البلقيني من إيثار القرآنـ الحمد ربّ العالمينـ بالابتداء به أنه أبلغ صيغ الحمد. وعلى الأول فآثر القرآن الجملة الإسمية لأن الحمد فيه لمقام التعليم، والتعيين فيه أولى، وجمع بين الحمد بالجملتين تأسياً بحديث: «إن الحمد نحمده» وليجمع بين ما يدل على دوام الحمد واستمراره وهو الأول وعلى تجدده وحدوثه وهو الثاني (أبلغ حمد) أي: أنهاه من حيث الإجمال لا التفصيل لعجز الخلق عنه حتى الرسل حتى أكملهم نبينا حيث قال: «لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك» (وأزكاه، وأشمله) أعمه (وأنماه) أكمله (وأشهد) أي: أعلم وأبين (أن لا إله) أي: لا معبود بحق (إلا ا) بالرفع وجوّز فيها النصب، وقد بسطت الكلام في ذلك في باب فضل الذكر من شرح الأذكار للمصنف رحمه الله تعالى، وأتى بها الحديث أبي داود والترمذي الصحيح «كل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء» أي: القليلة البركة (البر) بفتح الموحدة. قال في «النهاية» : هو العطوف

стр. 9

على عباده ببرّه ولطفه، والبرّ والبار بمعنى واحد، وإنما جاء في اسم الله تعالى البرّ دون البارّ (الكريم) . قال البيضاوي: هو من صفات الذات، وا تعالى لم يزل ولا يزال كريماً، ومعناه تقدسه عن النقائص والصفات المذمومة، والنفيس يقال له: كريم، ومنه كرائم الأموال. وقيل: الكريم الدائم البقاء، الجليل الذات الجميل الصفات. وقيل: هو من صفات الأفعال، وعليه فقيل: هو من ينعم قبل السؤال ولا يحوجك إلى وسيلة ولا يبالي من أعطى ولا ما أعطى، وقيل غير ذلك مما ذكرت بعضه ثمة (الرؤوف الرحيم) الرأفة شدة الرحمة فهو أبلغ من الرحيم وأخرـ والقياس يقتضي الترقي من الأدنى للأعلى - مراعاة للسجع، وقيل: الفرق بين الرأفة والرحمة أن الرأفة إحسان مبدؤه شفقة المحسن والرحمة إحسان مبدؤه فاقة المحسن إليه، ثم الرحمة لكونها عطفاً نفسانياً يستحيل قيامها به تعالى المراد بها غايتها كما تقدم قريباً. قال ابن حجر الهيتمي: وهو مرادي إذا أطلقت لفظ ابن حجر في «شرح المشكاة» : الرأفة باطن الرحمة، والرحمة من أخص أوصاف الإرادة بناء على أنها صفة ذات: أي: إرادة الإنعام، ومنه كشف الضرّ ودفع السوء بنوع من اللطف، والرأفة بزيادة رفق ولطف، وفي الإتيان بهذه الأسماء في هذا المقام إيماء إلى أن التوفيق إلى سلوك مقام العبودية والخروج عن أوصاف البشرية من محض عطاء وكرم البرّ الكريم، ورأفة ورحمة الرؤوف الرحيم قال تعالى: ﴿ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبداً ولكن الله يزكي من يشاء﴾ (النور: ٢١) وقال من قال: لولا تعرّفهم ما كنت تعرفهم (وأشهد أن سيدنا محمداً) علم منقول من اسم المفعول المضعف، سمي به نبينا - مع أنه لم يؤلف قبل أوان ظهوره بإلهام من الله لجدّه عبد المطلب، إشارة إلى كثرة خصاله المحمودة، ورجاء أن يحمده أهل الأرض والسماء وقد حقق الله تعالى رجاءه. يميل وكما اشتملت ذاته على كمال سائر الأنبياء والمرسلين اشتمل اسمه الشريف بحساب الجمل على عدة الرسل بناء على أنهم ثلاثمائة وأربعة عشر (عبده) قدم لأنه أسنى أوصافه، ومن ثم ذكر في أفخم مقاماتهـ أسرى بعبده. نزل الفرقان على عبده. فأوحى إلى عبدهـ قال: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر» أي: لا أفتخر بالسيادة، إنما فخري بعبوديته ، ذكره العارف أبو العباس المرسي (ورسوله) هو من البشر، ذكر

стр. 10

أوحى إليه بشرع وأمر بتبليغه، فإن لم يؤمر فنبي فحسب، وهو أفضل من النبيّ إجماعاً لتمييزه بالرسالة التي هي على الأصح خلافاً لابن عبد السلامـ أفضل من النبوّة فيه. وزعم تعلقها بالحق يرده إلى أن الرسالة فيها ذلك مع التعلق بالخلق فهو زيادة كمال فيها (وحبيبه) الأكبر كما يشهد به حديث: «ألا وأنا حبيب الله ولا فخر» إذ محبة الله للعبد المستفادة من قوله تعالى: ﴿يحبهم ويحبونه﴾ على حسب معرفته به، وأعرف الناس با تعالى نبينا، فهو أحبهم له وأخصهم باسم الحبيب، وسيأتي الكلام على المحبة إن شاء الله تعالى في قوله في الحديث القدسي: «قال الله تعالى: «ومن عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب﴾ ، ولا يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبه» الحديث. وحبيب فعيل بمعنى مفعول من أحبه فهو محب أو من حبه يحبه بكسر الحاء فهو محبوب (وخليله) الأعظم كما يؤذن به حديث: «لو كنت متخذاً خليلاً غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلاً» وهو فعيل بمعنى مفعول أيضاً، من الخلة بالفتح: وهي الحاجة، أو بالضم، وهي تخلل المودة في القلب لا تدع فيه خلاء إلا ملأته، وقد خالل قلبه من أسرار الهيبة ومكنون الغيوب والمعرفة والاصطفاء ما لم يدع أن يطرق قلبه نظر لغيره. هكذا قال ابن حجر. ثم اقتصاده على كون فعيل فيه بمعنى مفعول لعله لكونه أنسب بمقام الأدب وأشرف، لكونه المختار للخلة التي هي غاية الأرب، وإلا ففي «النهاية» : الخليل الصديق فعيل بمعنى فاعل، وقد يكون بمعنى مفعول من الخلة بضم أوله الصداقة والمحبة التي تخللت القلب فصارت في خلاله أي باطنه. وقيل: هي تخلل المودة في القلب بحيث لا تدع فيه خلاء إلا ملأته، أو من الخلة بالفتح: وهي الحاجة والفقر اهـ. ثم الذي رجحه جمع متأخرون كالبدر الزركشي وغيره أن الخلة أرفع لأنها نهاية المحبة وغايتها. قال ابن القيم: وظن أن المحبة أرفع من الخلة وأن إبراهيم خليل ومحمداً حبيب غلط وجهل، وما احتج به لأن المحبة أرفع من الخلة من نحو حديث البيهقي أنه تعالى قال له ليلة الإسراء: «يا محمد سل تعط فقال: يا ربّ إنك اتخذت إبراهيم خليلاً، فقال: ألم أعطك خيراً من هذا؟» إلى قوله: «واتخذتك حبيباً» وإن الحبيب يصل بلا واسطة بخلاف الخليل، قال تعالى في نبينا: ﴿فكان قاب قوسين أو أدنى﴾ (النجم: ٩) وفي إبراهيم: ﴿وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض﴾ (الأنعام: ٧٥) والخليل

стр. 11

قال: ﴿لا تخزني﴾ (الشعراء: ٨٧) والحبيب قيل له: ﴿يوم لا يخزي الله النبيّ﴾ (التحريم: ٨) وغير ذلك إنما يقتضي تفضيل ذات محمد ﵌ على ذات إبراهيم ﵇ مع قطع النظر عن وصفي المحبة والخلة، وهذا لا نزاع فيه، وإنما النزاع في الأفضلية المستندة إلى أحد الوصفين، والذي قامت عليه الأدلة أن استنادها إلى وصف الخلة الموجودة في كل من الخليلين أفضل، فخلة كل منهما أفضل من محبته، واختصا بها لتوفر معناها السابق فيهما أكثر من بقية الأنبياء ولكون هذا التوفر في نبينا أكثر منه في إبراهيم كانت خلته أرفع من خلة إبراهيم صلى الله عليهما وسلم اهـ. (الهادي) أي: الدالّ (إلى صراط) قال الراغب: الصراط الطريق المستقيم اهـ، فيكون قوله: (مستقيم) إما إطناباً أو جرّد لفظ الصراط وأريد منه مطلق الطريق، وفيه اقتباس من قوله تعالى: ﴿وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم﴾ (الشوى: ٥٢) وليس شرط الاقتباس إيراد اللفظ القرآني من غير تغيير، بل يحصل وإن وجد التغيير. نقله الحافظ السيوطي في أوائل حاشيته على «تفسير البيضاوي» . وقوله: (والداعي إلى دين قويم) هي الشريعة الحنيفية السمحة التي جاء بها إلى أمته أشرف الأمم إطناب لأن ما قبله بمعناه، أو من عطف العام على الخاص، لأن الهداية الدلالة بلطف والدعوة تشمل ذلك وغيره (صلوات الله وسلامه عليه) الصلاة منه تعالى رحمة مقرونة بتعظيم ولفظها مختص بالمعصوم من نبي وملك تعظيماً لهم وتمييزاً لمراتبهم عن غيرهم، والسلام هو تسليمه إياه من كل آفة ونقص والجملة خبرية لفظاً إنشائية معنى، وأتى بالصلاة بعد الحمد لحبر «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله والصلاة عليّ فهو أقطع أبتر ممحوق من كل بركة» وسنده ضعيف لكنه في الفضائل وهي يعمل فيها بذلك، وخبر «من صلى على رسول الله ﷺ في كتاب صلت عليه الملائكة غدوة ورواحاً ما دام اسم رسول الله ﷺ في ذلك الكتاب» نازع ابن القيم في رفعه، قال: والأشبه أنه من كلام جعفر بن محمد لا مرفوع (وعلى سائر) أي: باقي من السؤر بالهمز بقية نحو الطعام (النبيين) من تعريف النبيّ وأنه أعم من الرسول (وآل كل) أي كل واحد من النبيين فحذف المضاف إليه لدلالة السياق عليه،

стр. 12

وأصل آل أول بفتح الواو تحركت الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألفاً. وقيل: أهل لتصغيره على أهيل. والصحيح جواز إضافته إلى الضمير. وآل نبينا عند الشافعي مؤمنو بني هاشم والمطلب، هذا بالنسبة لنحو الزكاة دون مقام الدعاء، ومن ثم اختار الأزهري وغيره من المحققين أنهم هنا كل مؤمن تقي لحديث فيه: «وآل إبراهيم» : إسماعيل وإسحاق وغيرهما من المسلمين من ذريته (وسائر الصالحين) وهم القائمون بحققوق الله وحقوق في العباد، فدخل الصحابة كلهم لثبوت وصف الصلاح والعدالة لجميعهم، ودخل غيرهم ممن اصنف بذلك جعلنا الله منهم. (أما بعد) كلمة يؤتى بها للانتقال من أسلوب إلى آخر، وأتى به تأسياً به فإنه كان يأتي بها في خطبه ونحوها كما يصح عنه بل رواها عنه اثنان وثلاثون صحابياً والمبتدىء بها قيل داود ﵇، فهي فصل الخطاب الذي أوتيه لأنها تفصيل بين المقدمات والمقاصد والخطب والمواعظ. قال العلقمي في حاشيته «الجامع الصغير» : وبهذا قال كثير من المفسرين وقيل: قس بن ساعدة، وقيل كعب بن لؤي، وقيل: يعرب بن قحطان، وقيل: سحبان بن وائل وعليها ففصل خطاب داود هو: «البينة على المدعى، واليمين على من أنكر» وقال المحققون فصل الخطاب: الفصل بين الحق والباطل. ويجوز في دالها الضم والفتح. منوّناً وغير منوّن ووجوه ذلك لا تخفى. لكنها منوّنا تكون على لغة من يقف على المنوّن المنصوب بالسكون وهم ربيعة، ولكون «أما» نابت عن اسم شرط هو مهما أجيبت بالفاء، إذ التقدير: مهما يكن من شيء بعد ما تقدم من الحمد والصلاة والسلام: (فقد قال الله تعالى) : عما لا يليق بشأنه، وهي جملة في محل الحال اللازمة إن أبقيت على خبريتها، وإلا فاستئنافية مسوقة لإنشاء الثناء عليه سبحانه ﴿وما خلقت الجنّ والإنس إلا ليعبدون﴾ . قال الكواشي في «تفسيره الكبير» : أومأ تعالى إلى أنه لم يخلق ولم يرسل رسله عبثاً، وإنما خلقهم لأمر عظيم هو توحيده وطاعته مع غناه عن ذلك تفضيلاً لهم وتشريفاً، ثم هذا خاص بأهل الطاعة من الفريقين، ويؤيده أنه قرىء: ﴿وما خلقت الجنّ والإنس من المؤمنين﴾ وقيل: عام معناه ما خلقتهم إلا لآمرهم بالعبادة لقوله: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾ (البينة: ٥) وقيل المعنى: ما خلقت السعداء

стр. 13

من الفريقين إلا لعبادتي والأشقياء منهما إلا لمعصيتي. وقيل إلا ليعبدون: ليعرفون، لأنه لو لم يخلقهم لم يعرفوا وجوده كقوله: ﴿ولئن سألتهم من خلقهم ليقولنّ ا﴾ وأصل العبادة الخضوع والتذلل، والمعنى: إلا ليخضعوا ويتذللوا، وكل مخلوق خاضع ذليل لقضاء الله تعالى، وقيل: إلا ليعبدون: ليوحدون، فالمؤمن يوحده في كل حال والكافر يوحده في الضراء لقوله تعالى: ﴿فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين﴾ (العنكبوت: ٦٥) وقال بعضهم: إلا ليعرفون ويعبدون على بساط المعرفة ليتبرّءوا من الرياء والسمعة. وقال ابن عطاء: إلا ليعرفون، وما يعرفه حقيقة من وصفه بما لا يليق به اهـ. وللزمخشري في «كشافه» في هذه الآية رمز إلى دسيسة اعتزالية نبهت عليها في «شرح الأذكار» ولما كلفهم خدمته أخبرهم أنه قد كفاهم مؤنة ما يحتاجون إليه فقال تعالى: ﴿ما أريد منهم من رزق﴾ أي: ما أريد أن يرزقوا أنفسهم ولا أحداً من خلقي «وما أريد أن يطعمون» يعني: أنفسهم ولا أحداً من خلقي، ونسب الإطعام إلى الله لأن الخلق عياله سبحانه، ومن أطعم عيال أحد فكأنما أطعمه (وهذا) أي القول المدلول عليه بقوله: قال الله تعالى: (تصريح بأنهم خلقوا للعبادة) أي: فقط كما يفيده الاستثناء: أي خلقوا لذلك لا لجمع الدنيا والأرزاق ونحوها مما يحتاج إليه، فإن الله تعالى قد كفاهم مؤنة ذلك، ولذا عقب هذه الآية بقوله كما تقدم: ﴿ما أريد منهم من رزق﴾ ﴿فحق﴾ أي: وجب وفي نسخة بتنوينه أي فواجب فيكون خبراً لقوله الاعتناء ﴿عليهم الاعتناء بما خلقوا له﴾ والاعتناء توجيه العناية إلى ما خلقوا له من معرفة الله تعالى وأداء حق العبودية ﴿والإعراض﴾ أي التولي، يقال: أعرض عن كذا ولي مبدياً عرضه، قال

стр. 14

تعالى: ﴿وأعرض عن الجاهلين﴾ (الأعراف: ١٩٩) كذا في «مفردات الراغب» (عن حظوظ الدنيا) أي: الترفهات المعتادة الزائدة على ما به القوام من دار تكنه وثوب يستر عورته وجريش الخبز والماء، قال: «لا حقّ لابن آدم إلا في ثلاثة: طعام يقيم به صلبه وثوب يواري به عورته، وبيت يكنه، فما زاد فهو حساب» أورده الغزالي في «الإحياء» . وقال العراقي في تخريج أحاديثه: رواه الترمذي، وقال: وجلف الخبز والماء بدل قوله: طعام يقوم به صلبه، وقال: صحيح. أما حقوق الدنيا مما ذكر فالإعراض عنه ليس بمطلوب، لكن من غير أن يشغله ذلك عن القيام بفريضة الوقت (بالزهادة) مصدر كالزهد وسيأتي تعريفه (فإنها) أي: الدنيا (دار نفاد) أي: فناء، قال الله تعالى: ﴿إن هذا لرزقنا ما له من نفاد﴾ (ص: ٥٤) (لا محل إخلاد) عدل إليه عن خلود للسجع (ومركب عبور لا منزل حبور) أي: إنها مركب يتوصل بها إلى الدار الآخرة، وليست منزل الفرح والسرور. قال: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل» وأخرج الترمذي وغيره حديثاً فيه أنه قال: «ما لي وللدنيا/ ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظلّ تحت شجرة ثم راح وتركها» (ومشرع انفصام) أي: انقطاع، (لا موطن دوام) ولا يخفى ما في عبارته من الاستعارات، وذلك أنه شبه الدنيا أولاً بالمركب الذي يتوصل به إلى المكان المراد بجامع أن كلاً منهما يتوصل لما بعده، فالدنيا لا يوصل بها إلى الآخرة إلا بالعبور فيها والمرور منها لسبقها عليها، والبلد المراد لا يوصل إليه إلا بركوب نحو الدابة. وثانياً بالمشرع: أي محل الماء بجامع الورود لكل، وأطلق عليها اسم المشبه به ففيه تشبيه بليغ (فلهذا) أي: ما ذكر (كان الأيقاظ) جمع يقظ بكسر القاف. في «النهاية» : رجل فطن ويقظ

стр. 15

ويقظان: إذا كان فيه معرفة وفطنة اهـ. (من أهلها) أي: الدنيا (هم العباد) وأعلاهم فيها أرباب العرفان با (وأعقل الناس فيها هم الزهاد) قال الدميري في «منظومة رموز الكنوز» : وأكيس الناس وأعقل الورى هم الذين زهدوا فيما ترى إذ نبذوا الدنيا لعلمهم بها ورغبوا في أختها لقربها (قال الله تعالى) : مبيناً حال الدنيا في زوالها وسرعة تحولها وانتقالها ﴿إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به﴾ أي اختلط بسبب المطر ﴿نبات الأرض﴾ واشتبك بعضه في بعض. ومحل ﴿مما يأكل الناس والأنعام﴾ حال من نبات أو صفة له ﴿حتى إذا أخذت الأرض زخرفها﴾ زينتها وحسنها وظهر الزهري ﴿وازينت﴾ بالزهر والنبات. وقرىء ﴿وأزينت﴾ مخففة «وازيانت» كابياضت ﴿وظن أهلها أنهم قادرون عليها﴾ متمكنون من تحصيل ثمارها ﴿أتاها أمرنا﴾ قضاؤنا ﴿ليلاً أو نهاراً﴾ أي في أحدهما ﴿فجعلناها﴾ أي فجعلنا زرعها ﴿حصيداً﴾ أي محصوداً ﴿كأن لم تغن﴾ لم تقم ﴿بالأمس﴾ بالزمان الماضي لا اليوم الذي قبل يومك فقط، وقرىء «يغن» بالتحتية ذكره الكواشي في «التفسير الصغير» ﴿كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون﴾ . قال البيضاوي: الآية في الأصل العلامة الظاهرة، وتقال للمصنوعات من حيث إنها تدل على وجود الصانع وعلمه وقدرته، ولكل طائفة من كلمات القرآن المتميزة عن غيرها بفصل، واشتقاقها من أي لأنها تبين أياً من أي، أو من أوى إليه وأصلها أية أو أوية كتمرة فأبدلت عينها على غير قياس، أو أيية أو أوية كرمكة

стр. 16

فأعلت، أو آئية كقاتلة فحذفت الهمزة تخفيفاً اهـ. (والآيات في هذا المعنى كثيرة) منها قوله تعالى: ﴿واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيماً تذروه الرياح﴾ (الكهف: ٤٥) (ولقد أحسن القائل) في بيان سرعة فناء الدنيا (إن عباداً) عظمين كما يؤذن به التنوين (فطنا) بضم الفاء وفتح الطاء المهملة جمع فطن: من له عقل ونظر في العواقب (طلقوا الدنيا) كناية عن الزهد فيها وترك الاشتغال بشأنها (وخافوا الفتنا) بكسر الفاء وفتح الفوقية جمع فتنة: وهي الامتحان والاختبار كما في «النهاية» . وفي «مفردات الراغب» : الفتنة تستعمل في إدخال الإنسان النار أو فيما يحصل عنه العذاب وفي الاختبار جعلت الفتنة كالبلاء في أنهما يستعملان فيما يعتري الإنسان من شدة ورخاء، وهما في الشدة أظهر معنى وأكثر استعمالاً اهـ. والحاصل أن الفتن المترتبة على الاشتغال بالدنيا ومخالطتها كثيرة كالشره وجمع المال من غير اعتبار حله والضنة به ومنع الحق الواجب فيه والتكبر والعجب (نظروا فيها) أي: نظروا في الدنيا يعين البصيرة فعرفوا سرعة زوالها وتحولها وانتقالها «كأنك بالدنيا ولم تكن وبالآخرة ولم تزل» (فلما علموا) بجلاء البصيرة أي شهدوا ذلك وصار لهم حالاً ومذاقاً، وإلا فكل عاقل يعلم أن الدنيا دار زوال وانتقال، لكن حجبت بصائرهم غشاوة الغفلة، فمالوا إلى لذاتها مع علمهم بحقيقة ذاتها (أنها ليست لحي وطناً) أي: داراً يتوطن فيها على الأبد، لأن الإنسان في هذه الدار كالمسافر المرتحل، وقد سبق حديث: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل» وقال الشاعر في المعنى: ألا إنما الدنيا كمنزل راكب أقام عشياً وهو بالصبح رائح والوطن الحقيقي هو الدار الآخرة التي لا نهاية لآخرها بإرادة الله تعالى وقدرته كما جاء في الحديث «يا أهل الجنة خلود بلا موت ويا أهل النار خلود بلا موت» . قال بعضهم: هذا هو المراد من حديث «حبّ الوطن من الإيمان» أي: فينبغي لكامل الإيمان أن يعمر وطنه

стр. 17

بالعمل الصالح والإحسان (جعلوها لجة) في «النهاية» : لجة البحر معظمه، والمراد أنهم جعلوها بمثابة البحر الذي يتوصل بالعبور فيه إلى المقصد، ففي العبارة تشبيه بحذف الأداة (واتخذوا صالح الأعمال) من إضافة الصفة لموصوفها (فيها) أي في اللجة (سفنا) فيه أن العمل الصالح بمثابة المركب الذي بعبر به لجة البحر، وقد جاء في الحديث أن صاحب العمل الصالح يركبه يوم القيامة قال تعالى: ﴿يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً﴾ (مريم: ٨٥) كما أن العمل السيء يركب صاحبه قال تعالى ﴿وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم﴾ (الأنعام: ٣١) (فإذا كان حالها ما وصفته) من الزوال وسرعة التحول والانتقال (وحالنا وما خلقنا له) عطف تفسير لما قبله. وفي نسخة بحذف العاطف قبل ما، فيكون حالنا مبتدأ أولاً. وما موصولاً اسمياً مبتدأ ثانياً، وقوله (ما قدمته) خبراً عنه وهو وما قبله خبر الأول، أو يكون «ما» تابعاً لحالنا وما بعده خبراً عما قبله، والمراد من قوله ما قدمته: أي من القيام بأعباء العبادة (فحق) أي: واجب بناء على تنوينه، وهو كذلك بالقلم بضبط محدث اليمن الشيخ «سليمان العلوي» أو فحق أي وجب وثبت (على المكلف) البالغ العاقل، سمي بذلك لأنه مأمور بما فيه كلفة (أن يذهب بنفسه مذهب الأخيار) وأن ومدخولها خبر أو فاعل حق، والأخيار: هم القائمون بما أمروا به والتاركون لما نهوا عنه جمع خير أو خير على الحذف للتخفيف كأموات جمع ميت أو ميت، كذا في إعراب «الهمداني» المسمى بـ «العقد الفريد» (ويسلك مسلك أولى) أي: أصحاب لا واحد له من لفظه بل من معناه وهو ذو، وكتبت الواو بعد همزته حال النصب والجرّ فرقاً بينه وبين إلى الجارة وحملت حالة الرفع عليهما (النهى) بضم النون جمع نهية بالضم: أي العقول والألباب، سميت بذلك لأنها تنهي صاحبها عن القبيح (والأبصار) جمع بصر بمعنى البصيرة: أي القلب. في «مفردات الراغب» يقال لقوة القلب المدركة بصيرة وبصر نحوـ ﴿فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد﴾ (ق: ٢٢) - وجمع البصر أبصار وجمع البصيرة بصائر، ولا يكاد يقال للجارحة بصيرة (ويتأهب) من الأهبة (لما أشرت إليه) من أداء العبودية، والإعراض عن أعراض الدنيا

стр. 18

الدينية (ويهتم) أي يعتني بهمته (لما نبهت عليه) من الذهاب مذهب الأخيار، وسلوك مسلك أُولي النهى والأبصار، (وأصوب طريق له في ذلك) أي: في تحصيل ذلك، وفيه رمز إلى أن طرق المشايخ وإن كان فيها بعض محدثات كالخلوات وبعض الأعمال هي صواب أيضاً لما فيها من رياضة النفوس ومجاهدتها حتى تدخل زمام العبودية وللوسائل حكم المقاصد (وأرشد ما يسلكه من المسالك) جمع مسلك مكان السلوك (والتأدّب بما صح عن نبينا) لو قال بما جاء لكان أعم، لأن الحديث الحسن كالصحيح في «الأحكام» وغيرها، والضعيف يتأدب به في فضائل الأعمال ويأخذ به في «الترغيب والترهيب» . ويمكن أن يقال ما ذكر من الضعيف وإن عمل به فيما ذكر أن العمل بما صح أصوب وأرشد. وتظهر ثمرة ذلك عند تعارض صحيح وضعيف، فالتعبد بالصحيح هو الأصوب والأرشد، والضعيف فيما يعمل به فيه من الصواب والرشاد. والحسن داخل فيما صح بأن يراد به ما يقابل الضعيف. والأدب. قال الحافظ السيوطي في «التوشيح» : هو استعمال ما يحمد قولاً وفعلاً. وقيل الأخذ بمكارم الأخلاق، وقيل الوقوف مع المستحسنات، وقيل تعظيم من فوقك والرفق بمن دونك يقال إنه مأخوذ من المأدبة وهي الدعوة إلى الطعام، سمي به لأنه يدعى إليه اهـ. والحديث الصحيح بالمعنى الشامل للحسن: ما اتصل سنده بنقل العدل الضابط له عن مثله وسلم من العلة والشذوذ، أو بنقل المغفل أو كثير الخطإ وجاء من طرق أخرى (سيد الأوّلين) حتى جميع الأنبياء والمرسلين (و) سيد (الآخرين وأكرم السابقين) من الخلق (واللاحقين) منهم: أي: أجمعهم لأنواع الخير والشرف والفضائل، فهو سيد الخلائق وأكرمهم كلهم بشهادة قوله: «أنا سيد الناس يوم القيامة» رواه البخاري، وقوله: «أنا سيد العالمين» رواه البيهقي. والعالمون وإن اختص بالعقلاء على الأصح فهم أفضل سائر الأنواع من المخلوقات، فإذا فضل هذا النوع فقد فضل سائر الأنواع بالضرورة، وقوله: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبيّ آدم فمن دونه إلا تحت لوائي» رواه الترمذي. ومن آخر هذا وصدر الأولين علمت أفضليته على آدم فقوله: «أنا سيد ولد آدم» إما للتأدب مع آدم أو لأنه علم فضل بعض بنيه عليه كإبراهيم ﵇، فإذا

стр. 19

فضل نبينا الأفضل من آدم فقد فضل آدم بالأولى، ولا ينافي التفضيل بين الأنبياء قوله تعالى: ﴿لا تفرّق بين أحد من رسله﴾ (البقرة: ٢٨٥) ولا ما في الأحاديث الصحيحة من قوله: «لا تفضلوني» . وفي رواية «لا تخيروني على الأنبياء» . وفي أخرى «لا تخيروا بين الأنبياء» ولا تفضيل نبينا عليهم قوله في الحديث المتفق عليه: «من قال أنا خير من يونس بن متى فقد كذب» وذلك لأن عدم التفرقة بينهم إنما هي في الإيمان بهم وبما جاءوا به. وأما النهي فإما عن تفضيل في ذات النبوّة أو الرسالة لأنهم فيها سواء، أو عن تفضيل يؤدي إلى تنقيص بعضهم أو إلى خصومة أو على التواضع منه أو قبل علمه بتفضيله عليهم وإن استبعد بأن رواية أبو هريرة وما أسلم إلا سنة سبع فيبعد أنه لم يعلمه إلا بعد هذا. وأجاب جمع كمالك وإمام الحرمين عن خبر يونس بما حاصله: إن تفضيل نبينا بالأمور الحسية كالشفاعة الكبرى وكونه تحت لوائه سائر الأنبياء والإسراء به إلى فوق سبع سموات مع النزول بيونس إلى قعر البحر معلوم بالضرورة، فلم يبق إلا النهي بالنسبة إلى القرب من الله تعالى لتوهم التفاوت فيه بين من هو فوق السموات ومن في قعر البحر، فبين أنهما حينئذٍ بالنسبة إلى القرب من الله تعالى على حد سواء لتعاليه تعالى عن الجهة والمكان علوّاً كبيراً ففيه أبلغ ردّ على الجمهوية والمجسمة. واعلم أن في حديث «أنا سيد العالمين» أبلغ رد على المعتزلة وإن وافقهم الباقلاني والحليمي في تفضيلهم الملائكة على الأنبياء، واستدلوا بما هو مردود. ومعنى تفضيل البشر عليهم أن خواصهم وهو الأنبياء أفضل من خواص الملائكة وهم جبريل وإسرافيل وميكائيل وعزرائيل وحملة العرش والمقربون والكروبيون والروحانيون، وخواصهم أفضل من عوام البشر إجماعاً بل ضرورة، وعوام البشر وهم الصلحاء دون الفسقة كما قال البيهقي وغيره أفضل من عوامهم، وقوله: (صلوات الله وسلامه عليه

стр. 20

وعلى سائر النبيين) فيه الصلاة على سائر الأنبياء لقوله: «صلوا على أنبياء الله ورسله فإنهم بعثوا كما بعثت» رواه الطبراني وقد قال الله تعالى: ﴿وتعاونوا على البر﴾ (المائدة: ٢) اتباع الأمر ﴿والتقوى﴾ اجتناب النهي قاله الكواشي (وصح عن رسول الله ﷺ أنه قال) أي: من جملة حديث رواه مسلم عن أبي هريرة مرفوعاً وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه وابن حبان في «صحيحه» وغيرهم، وما اعترض به على الحديث بأن في سنده من هو مردود غير مقبول: (وا في عون العبد ما كان) العبد أي مدة كونه (في عون أخيه) بقلبه أو بدنه أو ماله أو غيرها. قيل: وهذا إجمالاً لا تسع بيانه الطروس، فإنه مطلق في سائر الأحوال والأزمان، وفيه أن العبد إذا عزم على معاونة أخيه فينبغي ألا يجبن عن إنفاذ قوله وصدعه بالحق إيماناً بأن الله في عونه، وأن يأمل الإعانة بدوام هذه الإعانة، فإنه لم يقيدها بحالة خاصة، بل أخبر بأنها دائمة بدوام كون العبد في عون أخيه (و) صح أيضاً (أنه) (قال: من دل على خير فله مثل أجر فاعله) شك بعض رواته فقال: أو قال عامله.p رواه مسلم وأبو داود من حديث أبي مسعود البدري وابن حبان في «صحيحه» من حديث ابن مسعود. ورواه البزار من حديث أنس مختصراً بلفظ: الدالّ على الخير كفاعله، وا يحب إغاثة اللهفان. ذكره المنذري في «الترغيب والترهيب» (و) صح أيضاً (أنه) قال: (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً) رواه أحمد ومسلم وأصحاب السنن الأربعة كما في «الجامع الصغير» للسيوطي، وفي «مصباح الزجاجة» له أيضاً. قال البيضاوي: أفعال العباد وإن كانت غير موجبة ولا مقتضية للثواب والعقاب بذواتها إلا أن الله تعالى أجرى عادته الإلهية بربط الثواب والعقاب بها ارتباط المسببات بالأسباب، وليس للعبد تأثير في صدور الفعل عنه بوجه. فكما يترتبان على ما يباشره ويزاوله بترتب كل منهما أيضاً على ما هو سبب في فعله كالإرشاد إليه والحث عليه. ولما كانت الجهة التي بها استوجب المتسبب الأجر والجزاء غير الجهة التي استوجب بها المباشر لم ينقص أجره من أجره شيئاً. وقال الطيبي: الهدى في الحديث ما يهتدى به من الأعمال، وهو بحسب التنكير مطلق شائع في جنس ما يقال له هدى يطلق على القليل والكثير، فأعظمه هدى من دعا إلى الله وأدناه هدى من دعا إلى إماطة الأذى عن طريق المسلمين،

стр. 21

ومن ثم عظم شأن الفقيه الداعي المنذر حتى فضل واحد منهم على ألف عابد، لأن نفعه يعم الأشخاص والأعصار إلى يوم القيامة اهـ. وسيأتي في هذا المعنى مزيد إن شاء الله تعالى (و) صح أيضاً (أنه) (قال لعليّ) بن أبي طالب ﵁ يوم خيبر (فوا لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم) رواه الشيخان. وحمر النعم بفتح النون والمهملة: أي الإبل الحمر: أنفس أموال العرب. وهذا الخطاب باعتبار ما استقرّ عندهم من نفاسة ذلك وكرمه، وإلا فلا مناسبة بينه وبين الثواب المترتب على الهداية. وفي الحديث «لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها» (فرأيت) الفاء فصيحة أي إنه ورد الأمر بالتعاون على البرّ والتقوى في الكتاب والسنة. فرأيت (أن أجمع مختصراً) بوزن اسم مفعول أجمع، ويقال له الموجز، وهو ما قلّ لفظه وكثر معناه. ويجوز أن يقرأ بصيغة اسم الفاعل فيكون حالاً من فاعل أجمع ويكون قوله (من الأحاديث الصحيحة) ظرفاً لغواً متعلقاً بأجمع، وعلى الأوّل فهو ظرف مستقرّ صفة مختصراً: أي مختصراً كائناً من الأحاديث. والأحاديث قال في «المفاتيح» جمع أحدوثة، وهو ما يحدث به والحديث مثله، ويجوز أن يكون جمع حديث على غير قياس. وفي «الكشاف» : الأحاديث تكون اسم جمع للحديث، ومنه أحاديث رسول الله ﷺ اهـ. وتعقبه أبو حيان في النهر بأن أفاعيل ليست من صيغ اسم الجمع وإنما ذكرها أصحابنا فيما شذّ من الجمع كقطيع وأقاطيع، وإذا حكموا على عباديد بأنه جمع تكسير لا اسم جمع وهو لم يلفظ له بواحد فأحاديث أخرى، فالصواب أنه جمع تكسير لما ذكرنا: أي من أحدوثة، وهو ما يتحدث به الناس على جهة الغرابة والتعجيب اهـ. والحديث المراد هنا ما يسمى بعلم الحديث رواية، وحدّه كما في «شرح البخاري» للكرماني: علم يعرف به أقوال رسول الله ﷺ وأفعاله وأحواله. قلت: وكذا تقريره وما أضيف إليه من وصف ككونه

стр. 22

ليس بالطويل ولا بالقصير، وأيامه كاستشهاد عمه حمزة ﵁ بأحد، وكذا تعرف به أقوال وأفعال من دونه من صحابيّ وتابعيّ كما ذكره شيخ الإسلام زكريا وغيره، فكان عليه ذكره لأن الحديث يطلق على ذلك فهو غير جامع. وتعقب السيوطي هذا التعريف أيضاً بأنه غير مانع لشموله علم الاستنباط اهـ. قال الكرماني: وموضوعه ذات النبيّ من حيث أنه نبيّ. قال الشيخ زكريا: هذا مبني على تعريفه المقتضي لحصر الحديث في المرفوع. أما على القول بأنه أعمّ منه ومن الموقوف، فينبغي أن يعمم الموضوع ليشمل ذلك. وغايته الفوز بسعادة الدارين، ومراده من الصحيحة المقبولة فتشمل الحسن ولو لغيره، والضعيف المقبول في مواطنه (مشتملاً على ما) أي الذي (يكون طريقاً) أي موصلاً (لصاحبه) أي المختصر (إلى) تحصيل نعيم (الآخرة) إن لاحظته العناية وذلك هو الهدى (ومحصلاً لآدابه) أي: الصاحب، والآداب جمع أدب وسبق تعريفه قريباً: أي محصلاً لما ينبغي له استعماله مما يحمد قولاً وفعلاً (الباطنة) من نحو الإخلاص والصدق وسائر الأخلاق الحميدة (والظاهرة) من نحو إقامة الشرائع وترك المحرّمات والإتيان بالمندوبات (جامعاً للترغيب) في الأعمال الصالحة بذكر ما جاء في فضلها وثوابها من كتاب أو سنة ويعبر عنها بالتبشير (والترهيب) من الأعمال المحرمة والأخلاق الرديئة بذكر ما جاء فيها من وعيد أو ذم أو نحوه ويعبر عنه بالنذارة (وسائر أنواع آداب السالكين) من قطع العلائق وترك العوائق والإقبال على الخالق (من أحاديث الزهد) أي: الواردة بطلبه، وبيان فضله (ورياضات النفوس) أي: ما ترتاض وتنخلع بمزاولته عن طبعها الذميم، ووصفها القبيح من المجاهدات وقطع المألوفات والمعتادات من الحظوظ والشهوات، فإن النفس قبل رياضتها بمثابة الدابة الحرون لا تزداد بالعلف إلا إباء وامتاعاً عن مراد سيدها، وبعد تأديبها وتهذيبها لا تزداد بذلك إلا انقياداً للمراد ووفاقاً على سلوك طريق السداد (وتهذيب الأخلاق) أي: تنقيتها واختيار جيدها من رديئها. والأخلاق، جمع خلق بضم الخاء المعجمة واللام وبإسكانها أيضاً اسم للمعاني المدركة بالبصيرة. وعرّف بأنه ملكة تصدر عنها الأفعال بسهولة. فإن كانت حسنة فخلق حسن وإلا فسيء (وطهارات القلوب) من أدناسها كالعجب والكبر ونحوهما من الأخلاق المذمومة (وعلاجها) من أمراضها من نحو الغفلة وغلبة الاهتمام بشأن الدنيا (وصيانة الجوارح) أي: صونها عما لا يجوز لها

стр. 23

مزاولته ومحاولته من الأعمال (وإزالة اعوجاجها) وذلك لأن القلب إذا صلح صلح سائر الجسد، وصلاح الظاهر عنوان صلاح الباطن فمن تحلى ظاهره بحلى الشريعة، وتطهر باطنه بمياه الطريقة، فقد فاز بالحقيقة (وغير ذلك من مقاصد العارفين) كالإقبال على الخالق وقطع العلائق وترك العوائق والاشتغال به في كل حال وطلب مرضاته في سائر الأحوال، فمن وجد مولاه لم يفقد شيئاً (وألتزم فيه) أي: في هذا المختصر (أن لا أذكر إلا حديثاً صحيحاً) أي: مقبولاً فشمل الحسن ولو لغيره كما تقدم (من) الأحاديث (الواضحات) المعنى أي في الجملة، ووضوحها، لأن المصنف قصد عموم النفع بكتابه حتى للعوامّ (مضافاً إلى الكتب الصحيحة المشهورات) وهي الصحيحان وأكثر ما هنا منهما، والسنن لأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وكذا «مستدرك الحاكم» (وأصدّر الأبواب) أي: أجعل صدرها وبدءها (من القرآن العزيز) هو كلام الله تعالى المنزل على نبيه محمد بقصد الإعجاز بقدر أقصر سورة منه المتعبد بتلاوته، ومن عزّته العجز عن الإتيان بقدر أقصر سورة منه (بآيات كريمات) أي: يجيء بها مناسبة للباب لتكون كالدليل وتعود بركتها على باقي مسائل الباب، والآيات جمع آية بالمد؛ لغة بمعنى العلامة. واصطلاحاً؛ طائفة من كلمات القرآن المتميزة بفصل أي هو آخر الآية الذي يقال فيه الفاصلة، وفي أصل آية ستة أقوال قيل إنه بفتحات، وقيل بوزن كلمة تحركت الياء فيهما وانفتح ما قبلها فقبلت ألفاً، وقيل غير ذلك وقد بسط ذلك ابن الصائغ في «شرح البردة» . وكريمات، أي نفيسات ومنه كرائم الأموال (وأوشح ما يحتاج) من الكلمات (إلى ضبط) لحروفه نحو «بالفوقية» أو «بالتحتية» وبيان ما قد يشتبه من الحركات (أو شرح معنى) للفظ (خفي) لغموض دلالة اللفظ عليه، بأن يكون ذلك اللفظ مصروفاً عن ظاهره لمقتض، أو بأن يكون فيه غموض بحيث يعسر فهم معناه من مبناه إلا للعارف أو نحو ذلك (بنفائس) جمع نفيسة، وهو ما يرغب فيه من علم أو مال أو نحو ذلك، والظرف متعلق بأوشح، وقوله: (من التنبيهات) جمع تنبيه، وهو لغة: الإيقاظ، واصطلاحاً؛ إعلام بما يؤخذ مما قبله

стр. 24

إجمالاً، وهو في محل الصفة لنفائس. وفي العبارة تشبيه ما يعقب به متن الحديث من ضبط مبني أو بيان معنى بالوشاح، وهو كما في «النهاية» : شيء ينسج عريضاً من أديم، وربما رصع بالجواهر والخرز تشد به المرأة بين عاتقها وكشحها اهـ ففي العبارة استعارة تبعية مصرحة، وذكر النفائس ترشيح. وقوله من التنبيهات تجريد (وإذا قلت في آخر حديث) أي عقبه (متفق عليه فمعناه رواه البخاري ومسلم) لا اتفاق الأئمة، قال ابن الصلاح؛ لكن يلزم من اتفاقهما اتفاق الأئمة عليه، لأن الأمة اتفقت على تلقيهم لما روياه بالقبول (وأرجو) من الرجاء ضد اليأس، فهو تجويز وقوع محبوب على قرب واستعماله في غيره كما في ﴿مالكم لا ترجون وقارا﴾ (نوح: ١٣) أي: لا تخافون عظمته مجاز يحتاج إلى قرينة (إن) عبر بها مع أن المناسب للرجاء «إذا» إشارة إلى أنه مع رجائه ملاحظ لمقام الخوف المقتضي للتردد في التمام اللازم للمرجو (تم هذا الكتاب) الحاضر ذهناً وإن تقدم على وضع الخطبة كما ذكره المحققون وتقدمها يدل عليه صنيعه في مواضع وقد تم والحمد (أن يكون سائقاً) اسم فاعل من السوق (للمعتني) أي: لصاحب العناية (به إلى الحيرات) وهي فعل العبادات والتقرب إليه سبحانه بأنواع الطاعة (حاجزاً له) أي مانعاً للمعتنى به (عن أنواع القبائح) والرذائل كالسرقة وإخلال المروءة (والمهلكات) أي: الموقعة لصاحبها في الهلاك والعذاب كالعجب والكبر والرياء ونحو ذلك، لما اشتمل عليه هذا الكتاب من «الترغيب والترهيب» ، ومن أحاديث طهارات القلوب وعلاجها (وأنا سائل أخاً انتفع بشيء منه أن يدعو لي ولوالديّ) سأل المصنف من الإخوان وهم المؤمنون الدعاء له ولمن ذكر معه ليفوزوا بالقيام بسنة الدعاء للأخ بظهر الغيب وليحصل لهم من الفضل مثل ما دعوا به كما ورد في حديث أبي الدرداء المرفوع، وفي قوله: «سائل» ما لا يخفى من مزيد التواضع والتنزل، وفي حذف الموعود به تعميم. وأهم ما يدعي به غفران الذنوب ورضاء علاّم الغيوم (ومشايخي) جمع واحده شيخ، والمراد بالشيوخ هنا

стр. 25

من أخذ عنهم المصنف وإن لم يبلغوا سن الشيخوخة ويجمع شيخ على شيوخ وشيخان وشيخه بكسر الشين المعجمة وفتح التحتية وسكونها ومشيخة بوزن مسبعة وقد نظم ابن مالك بعض هذه الجموع وزاد غيرها فقال: شيخ شيوخ ومشيوخاء مشيخة شيخان أشياخ أيضاً شيخة شيخه وزاد في «القاموس» شيوخ ومشيخة بكسر الشين فيهما ومشيخاء وفي «النوادر» للحياني هؤلاء مشيخة بفتح الياء وضمها وبه يصير له اثنا عشر جمعاً. واختلف في أشاييخ فقيل جمع شيخ وقيل جمع أشياخ كأنابيب جمع أنباب. وقد بسطت الكلام في هذا المقام في حاشيتي على شرح الشيخ خالد الأزهري على «الآجرومية» (وسائر أحبابنا) أي: باقيهم. والأحباب بتكرير الموحدة جمع حبيب كشريف وأشراف، وضبطه نفيس الدين سليمان بن إبراهيم العلوي بالقلم بتشديد الموحدة بعدها مدة ثم همزة مكسورة؛ أي من أحبنا ومن أحببناه في الله تعالى بناء على جواز إطلاق المشترك على معنييه معاً (و) سائر (المسلمين) تعميم لأن الدعاء كلما كان أعم كان أتم. وقوله: (أجمعين) تأكيد للإحاطة والشمول (وعلى الله الكريم) أي: لا على غيره كما يؤذن به تقديم ما حقه التأخير (اعتمادي) هذا. وقد جعل الرضيّ الاستعلاء في نحو هذا من الاستعلاء المجازي، واللائق بالأدب عدم التعبير بالاستعلاء مطلقاً، وأن يقال معنى على في ذلك ونحوه لزوم التفويض إلى الله سبحانه فمعنى عليه اعتمادي لزمت تفويض أمري إلى الله تعالى، واللفظ قد يخرج بشهرته في الاستعمال في الشيء عن مراعاة أصل المعنى، ذكره بعض المحققين (وإليه) لا إلى غيره (تفويضي واستنادي) . في «النهاية» يقال: فوض إليه الأمر: إذا رده إليه وجعله الحاكم فيه اهـ (وحسبي ا) أي محسبي وكافي خبر قدم على مبتدئه وهو الاسم الكريم لإفادة ما ذكر وللاهتمام. وقوله: (ونعم الوكيل) معطوف إما على حسبي الخبر من باب عطف الجملة على المفرد والمخصوص على هذا بالمدح هو الإسم الكريم. أو على جملة حسبي الله من غير تقدير شيء في الجملة المعطوفة، بناء على كون تلك إنشائية معنى إذ هي لإنشاء التوكل فيكون من عطف إنشائية على مثلها، أو مع تقدير مبتدإ هوـ هو، حذف اختصاراً ولا حاجة على هذا التقدير «مقول» في جانب الخبر لأن الأصح كما قال ابن مالك جواز وقوع الجملة الطلبية خبراً من غير إضمار قول. وتقدير المبتدإ في الجملة

стр. 26

المعطوفة بناء على بقاء جملة حسبي الله على وضعها وهي الخبرية لفظاً ومعنى فيكون من عطف خبرية على مثلها، والمخصوص على هذا محذوف كما علم مما ذكر (ولا حول) بفتح اللام ويجوز الرفع على إهمال «لا» لتكررها (ولا قوة) بهما أو بالنصب عطفاً على محل حول إذا عملت لا فيه. والمعنى كما جاء في حديث ابن مسعود مرفوعاً «لا حول عن معصية الله ولا قوة على طاعة الله إلا بعون ا» أخرجه البزار (إلا با العزيز الحكيم) هذا هو الوارد في ختم هذه الكلمة في «الصحيح» دون ما اشتهر من ختمها بالعلي العظيم وإن جاء في رواية كما يؤذن به بعض نسخ الحصن الحصين، والعزيز: الذي لا يغالب في مراده، والحكيم من يضع الأشياء في مواضها على ما سبق في علمه.

стр. 27

بسم الله الرحمن الرحيم أي أشرع في مقصود الكتاب مستعيناً باسم الله الواجب الوجود المنعم الوهاب. ١ - باب الإخلاص الباب لغة: الفرجة التي يتوصل بها من خارج إلى داخل وبالعكس، والوجه، قيل: هو أنسب لأن الباب لا يناسب بالمعنى الأوّل إلا إن كان اسماً للجزء الأول من الطائفة المخصوصة من الكلام وليس كذلك، بل هو اسم للجميع وكونه بمعنى الوجه أوجه للاختلاف بين معنى كل باب وغيره كاختلاف الوجوه، لكن يصد عنه جمعهم له على أبواب دون بابات الذي هو جمع باب بمعنى الوجه. وعرفاً: طائفة مخصوصة من الكتاب مشتملة على فصول ومسائل غالباً، وسيأتي أنه يجوز فيه الرفع والنصب بل والجرّ على وجه الأصح خلافه. (والإخلاص) بكسر الهمزة مصدر أخلص. قال الراغب في «مفرداته» : الإخلاص التعرّي عما دون الله تعالى، اهـ. وقال الأستاذ أبو القاسم القشيري: الإخلاص إفراد الحقّ في الطاعات بالقصد، وهو أن يريد بطاعته التقربّ إلى الله تعالى دون شيء آخر من تصنع لمخلوق واكتساب محمدة عند الناس أو محبة مدح من الخلق أو معنى من المعاني سوى التقرّب إلى الله تعالى. قال: ويصح أو يصلح أن يقال: الإخلاص تصفية العمل عن ملاحظة المخلوقين (وإحضار النية في جميع الأعمال والأقوال والأحوال البارزة) أي: الظاهرة (و) الأعمال والأقوال والأحوال (الخفية) . والنية واجبة أول كل فعل شرعي لتوقف صحته عليها، ودوام استحضارها إلى آخره سنة محبوبة، وأما التروك كترك نحو الزنى فلا يتوقف عليها، نعم لا بد في حصول الثواب من قصد الترك على وجه الامتثال، وإنما وجبت النية في الصوم مع أنه من باب التروك لأنه ملحق

стр. 28

بالأفعال إذ القصد منه قمع النفس عن معتاداتها وقطعها عن عاداتها. (قال الله تعالى) أي: عما لا يليق بشأنه سبحانه ﴿وما أمروا﴾ أي: اليهود والنصارى في التوراة والإنجيل ﴿إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾ أي: موحدين لا يعبدون سواه. قال بعضهم: الإخلاص تصفية العمل عن شوائب الكدر ﴿حنفاء﴾ مائلين عن جميع الأديان إلى دين الإسلام، أو حنفاء حجاجاً ﴿ويقيموا الصلاة﴾ أي: المكتوبة في أوقاتها ﴿ويؤتوا الزكوة﴾ عند وجوبها، ومخلصين وحنفاء حالان من الضمير في يعبدوا، والمعنى: وما أمروا في كتابهم إلا ليعبدوا الله بهذا الوصف ﴿وذلك دين القيمة﴾ أي: الملة المستقيمة أو دين الجماعة القيمة أو الهاء للمبالغة. وعن الخليل أن القيمة جمع القيم، والقيم والقائم واحد، أو المراد بدين القيمة دين الملائكة أو ملة إبراهيم، وقرىء ﴿وذلك الدين القيمة﴾ على تأويل الدين بالملة كذا في «التفسير الكبير» للكواشي. وقال الحافظ السيوطي في «الإكليل» : قوله تعالى: «وما أمروا إلخ» استدل به على وجوب النية في العبادات لأن الإخلاص لا يكون بدونها اهـ. (وقال تعالى) : ﴿لن تنالوا البر﴾ أي: لن تبلغوا حقيقة البرّ الذي هو كمال الخير، ولن تنالوا برّ الله الذي هو الرحمة والرضى والجنة، وقوله: ﴿حتى تنفقوا مما تحبون﴾ أي: من المال أو ما يعمه وغيره كبذل الحياة ومفاداته للناس والبذل في طاعة الله والمهجة في سبيله، روي «أنها لما نزلت جاء أبو طلحة فقال: يا رسول الله إن أحبّ أموالي بيرحاء فضعها حيث أراك الله تعالى. فقال: بخ بخ، ذاك مال رابحـ أو رائحـ وإني أرى أن تجعلها في الأقربين» . «وجاء زيد بن حارثة بفرس كان يحبها فقال: هذه في سبيلالله، فحمل عليها رسول الله أسامة، فقال زيد: إنما أردت أن أتصدق بها، فقال ﵊: إن الله تعالى قد قبلها منك» وذلك يدل على أن إنفاق أحبّ الأموال على أقرب الأقارب أفضل وأن الآية تعمّ الإنفاق الواجب والمستحب. وقوله: ﴿وما تنفقوا من شيء﴾ محبوب أو غيره ﴿فإن الله به عليم﴾ فيجازيكم بحسبه. وقال تعالى: ﴿لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله

стр. 29

التقوى منكم﴾ قال القرطبي: قال ابن عباس: كان أهل الجاهلية يلطخون البيت بدماء البدن فأراد المسلمون أن يفعلوا ذلك فنزلت هذه الآية، والنيل لا يتعلق بالبارىء تعالى لكنه عبر به تعبيراً مجازياً عن القبول، والمعنى لن يصل إليه. وقال ابن عباس: لن يصعد إليه. وابن عيسى: لن يصل إليه لحومها ولا دماؤها ولكن يصل إليه التقوى منكم، أي ما أريد به وجه الله فذلك الذي يقبله ويرفع إليه ويسمعه ويثيب عليه ومنه الحديث «إنما الأعمال بالنيات» اهـ. (وقال تعالى) : ﴿قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه ا﴾ فهو العالم بخفيات الصدور وما اشتملت عليه قال تعالى: ﴿وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور * ألا يعلم من خلق﴾ (الملك: ١٣، ١٤) (فلا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء) ولا يغيب عنه شيء سبحانه لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة. وفي الآيات تنبيه للموفق على الإخلاص وتحذير له من الرياء ولا يغترّ بخفائه ظاهراً فإن الله تعالى عالم بخفيات الأمور، لا تخفى عليه وساوس الصدور. ١١ - (وعن أمير المؤمنين) أول من لقب به من الخلفاء، أما أول من لقب به مطلقاً فعبد الله بن جحش في سرية وقد بينت مستند ذلك في «أواخر شرح الأذكار» (أبي حفص) بالحاء المهملة وهو الأسد، كناه به كما في «الفتح المبين» ، وكني به لكمال شجاعته ومزيد صلابته (عمر بن الخطاب بن نفيل) بضم النون وفتح الفاء وسكون التحتية (ابن عبد العزى) بضم المهملة وتشديد الزاي بعدها ألف مقصورة (ابن رياح) بكسر الراء بعدها تحتية وبعد الألف حاء مهملة (ابن عبد ا) كذا هو في «أسد الغابة» ، وفي نسخة من التهذيب للمصنف بدل عبد اهذا عدّي (ابن قرط) بضم القاف وسكون الراء وبالطاء المهملة (ابن رزاح) بفتح الراء قيل وقد تكسر، وبعدها زاي وبعد الألف حاء مهملة (ابن

стр. 30

عدي) بفتح المهملة وكسر الثانية وتشديد التحتية (ابن كعب) بسكون المهملة بعدها موحدة (ابن لؤي) بضم اللام وفتح الهمزة تصغير اللأى.c قال في «المواهب اللدنية» : وهو الثور. وفي كعب يجتمع نسبه مع نسب رسول الله ﷺ (ابن غالب القرشي العدوي ﵁ أشار المصنف إلى طريق النسبة إلى القبائل، وذلك أنه يبدأ بالأعم قبل الأخص فيقال القرشيّ الهاشميّ، ليحصل بالثاني فائدة، إذ لو ذكر الأول بعد الثاني بأن قيل الهاشميّ القرشيّ لخلا عن الفائدة إذ يلزم من كونه هاشمياً كونه قرشياً بخلاف العكس، ذكره المصنف في «تهذيبه» وغيره، قال: فإن قيل كان ينبغي ألا يذكر الأعم بل يقتصر على الأخص. فالجواب أنه قد يخفى على بعض الناس كون الهاشمي قرشياً، ويظهر هذا الخفاء في البطون الخفية كالأشهلي من الأنصار، إذ لو اقتصر على الأشهلي لم يعرف كثير من الناس أنه من الأنصار أم لا، فذكر العام ثم الخاص لدفع هذا. توهم، قال: وقد يقتصرون على الخاص وقد يقتصرون على العام، وهذا قليل اهـ روي لعمر ﵁ عن رسول الله ﷺ خمسمائة وسبعة وثلاثون حديثاً، وقال أبو نعيم: أسند عن رسول الله ﷺ من المتون سوى الطرق مائتي حديث ونيفا كذا في «التلقيح» لابن الجوزي، اتفق الشيخان منها على ستة وعشرين، وانفرد البخاري بأربعة وثلاثين، ومسلم بأحد وعشرين، وقد أعرضنا عن بسط تراجم الرجال في هذا الكتاب طلباً للإيجاز، وحذراً من الإسهاب (لا) سيما وقد ترجمنا معظم من ذكر من الصحابة هنا في «شرح الأذكار» ، واقتصرنا هنا على ذكر عدة مروياته وزمن وفاته وبعض يسير من بيان حالاته لعموم حاجة المحدث لذلك وا الموفق (قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول) : الجملة المضارعية بدل اشتمال من مفعول سمعت أو حالية تبين المضاف المحذوف وقبله أي كلامه. وأتى به مضارعاً بعد سمع الماضي: إما حكاية لحالة وقت السماع، أو لإحضار ذلك في ذهن السامع. وما ذكر من أن ثمة مضافاً محذوفاً، والجملة بعده تبين المحذوف هو المشهور. وقيل إن سمع يتعدّى لمفعولين فلا محذوف، بل أولهما رسول وثانيهما الجملة. واعترض بأن محل تعديتها لهما إذا كانت فيما يظن، وأجيب بمنع الحصر. ثم الحديث المذكور لم يرو من طريق صحيح عنه إلا من حديث عمر ﵁ وإن رواه نحو عشرين صحابياً، فهو وإن أجمعوا على صحته غريب باعتبار أوله مشهور باعتبار آخره، وليس بمتواتر لفقد عدد التواتر في بعض طبقاته (إنما) هي لتقوية الحكم المذكور بعدها إتفاقاً،

стр. 31

ولذا وجب كونه معلوماً للمخاطب أو في منزلته، ولإفادة الحصر وضعاً حقيقة على الأصحّ عند جمهور الأصوليين خلافاً لجمهور النحاة. والحصر وبمعناه القصر: إثبات الحكم لما بعدها ونفيه عما عداه لورودها لذلك في كلامهم غالباً، والأصل الحقيقة وجواز غلبة المجاز خلاف الأصل، والقصر في الخبر من قصر المسند إليه ويعبر عنه بالموصوف في «المسند» ويعبر عنه بصفته، وهو إضافي لخروج بعض الأعمال عن اعتبار النية فيها، وفي الخبر حصر آخر هو عموم المبتدإ، إذ هو جمع محلى بأن التي للاستغراق لا للماهية، إذ المفتقر للنية إفراد العمل لا ماهيته من حيث هي ماهية إذ لا وجود لها في الخارج، ورواية «إنما العمل» المبتدأ فيها مفرد محلى بأل المذكورة فيفيد العموم وخصوص الخبر على حد صديقي زيد لعموم المضاف لمعرفة، وعلى هذا فجمع بينهما في هذه تأكيداً وسقطت إنما في رواية صحيحة إكتفاء عنها بهذا الحاصر (الأعمال) هي حركات البدن فتدخل فيها الأقوال ويتجوّز بها عن حركات النفس وأوثرت على الأفعال لئلا تتناول فعل القلب غير المحتاج للنية، كالتوحيد والإجلال والخوف لصراحة القصد به، والنية لئلا يلزم التسلسل أو الدور المحال، وأل في الأعمال قيل للعهد الذهني: أي: غير الأعمال العادية لعدم توقف صحتها على النية؛ وقيل للاستغراق كما تقدم إلا أنه إضافي، والعموم مخصوص لخروج جزئيات من الأعمال عن الاحتياج إلى النية بأدلة مقرّرة كالواجب غير المتوقف على النية من نحو قضاء دين وكفّ عن محرم، والمتوقف على النية حصول الثواب في ذلك، وهو غير ما الكلام فيه، إذ هو هل تلزم النية في صحة الترك بحيث يعصى بتركها. والتحقيق كما تقدم أنه لا تلزم النية فيه وأن المجرّد منها لاثواب فيه. وإنما يحصل بالكفّ الذي هو فعل النفس، وهو أن يقصد الترك بقصد امتثال أمر الشارع فيه. ولا تجب النية في عمل اللسان من نحو قراءة وذكر وأذان، إذ ليس شيء عادي من ذلك حتى يميز بالنية عنه، وصرّح الغزالي بحصول ثواب الذكر اللساني ولو مع الغفلة، نعم تجب في قراءة منذورة ومثلها كل ذكر نذره ليتميز الفرض من غيره (بالنيات) الباء فيه قيل للسببية والتقدير وجود الأعمال شرعاً مستقرّ أو ثابت بسببها، ويصح كونها للملابسة وكونها للمصاحبة. قال بعض المحققين: فعلى الأول هي جزء من العبادة وهو الأصح. وعلى الثاني شرط، وفيه نظر، بل كل منهما محتمل للشرطية والركنية إذ كل منهما يقارن المشروط والماهية ويكون سبباً في وجودهما، وإيضاحه أن ركن الماهية لكونه جزأها مغاير لها مغايرة الجزء للكل فتصدق عليه المصاحبة كما تصدق عليه السببية. وأما السببية

стр. 32

فصادقة مع الشرطية وهو واضح لتوقف المشروط على الشرط ومع الركنية لأنه بترك جزء من الماهية تنتفي الماهية اهـ. إلا أنها إذا كانت للمصاحبة تشعر باعتبار وجوب استصحابها إلى الآخر لأنه الظاهر من المعية وهذا حال الشروط، بخلافها على الملابسة فإن هذا الإشعار منتف عندها، وقال الكازروني في «شرح الأربعين» : الباء فيه للاستعانة اهـ ثم قيل لا بد من تقدير مضاف للمحصور وهو المسند إليه فقدره الأكثرون بالصحة: أي: إنما صحة الأعمال بالنيات وقدره آخرون بالكمال وقالوا تقديره إنما كمال الأعمال وقد بينت دليل القولين ورد الثاني وتأييد القول الأول في «شرح الأذكار» والأقرب كما قال بعض المحققين وقال: إنه التحقيق أنه لا حاجة لتقدير في الخبر وليس في دلالة اقتضاء بل اللفظ باق على مدلوله من انتفاء الأعمال حقيقة بانتفاء النية لكن شرعاً إذ الكلام فيه، والتقدير إنما وجودها كائن بالنية فإذا انتفت انتفى العمل ونفي الحقيقة إنما ينتفي بانتفاء شرطها أو ركنها فيفيد مذهبنا من وجوبها في كل عمل إلا ما قام الدليل على خروجه، والعام المخصوص حجة في غير ما خص منه اهـ. والنية بالتشديد مصدر أو اسم مصدر لغة: القصد. وشرعاً وهو المراد هنا خلافاً لبعض المحققين: قصد الشيء مقترناً بفعله إلا في الصوم والزكاة للعسر، فإن تراخى الفعل سمي عزماً، ثم هي بالجمع في هذه الرواية عند الشيخين. قال الحافظ السيوطي في «التوشيح» : في معظم الروايات بالنية مفرداً قيل: ووجهه أن محلها القلب وهو متحد فناسب إفرادها بخلاف الأعمال فإنها متعلقة بالظواهر فناسب جمعها اهـ. وهذه حكمة للإفراد. وإلا فهو الأصل لأنها مصدر وجمعت في هذه الرواية باعتبار أنواعها من الوجوب تارة وغيره أخرى. (وإنما لكل امرىء ما نوى) الجملة السابقة لبيان أن الأعمال لا يعتد بها شرعاً إلا بالنية الموحدة لها، وهذه الحملة لبيان أن جزاء العامل على عمله بحسب نيته من خير أو شر، وبيان أن العمل لا يجزي إلا إن عينت نيته. قلت فتختص حينئذٍ بما يعتبر في نيته التعيين من نحو صلاة الفرض والنفل المرتب، أو تعم مطلق العبادة المعتبر فيها النية ويراد أن الذي له من عمله الموجود شرعاً بالنية هو ما قصده به من وجه الله سبحانه فيثاب أو الرياء للعباد فيمنع الثواب. وقيل مفاد هذه الجملة امتناع النيابة في النية الشامل لها الجملة الأولى، وصحة نية الولي عن الصبي والأجير عن المحجوج عنه لمعنى يخصه هو عدم تأهل المنوي عنه لها فيهما، وقيل هذه الجملة مؤكدة للأولى تنبيها على سر الإخلاص وفيه أن تنبيهها على ذلك يمنع إطلاق كونها مؤكدة فعلم سر تأخير هذه الجملة، أنهما متغايرتان وأنه لولا تعقيب تلك بهذه

стр. 33

لأوهمت تلك صحة النية بلا تعيين وأنه يلزمها الثواب. و «ما» في ما نوى إما موصولة أو موصوفة أو مصدرية أي ما يحصل لكل امرىء أي إنسان إلا الذي نواه أو شيء نواه أو منويه، والقصر في هذه الجملة عكسه في الأولى أي قصر المسند في المسند إليه. (لطيفة) قد لمح العلامة تاج الدين السبكي إلى معنى هذه الجملة بقوله في مدح المصنف نفع الله بهما: لقيت خيراً يا نوى ووقيت من ألم النوى فلقد نشا بك عالم أخلص ما نوى وعلا سواه فضله فضل الحبوب على النوى (فمن كان هجرته) هو تفصيل لبعض الإجمال فيما قبله، والتقدير؛ إذا تقرر أن لكل امرىء منويه من طاعة وغيرها فلا بد من مثال يجمع الأعمال كلها أمرها ونهيها وذلك الهجرة إذ هي متضمنة لذلك؛ أما الكف عن المنهي فظاهر، ومن ثم قال: «المهاجر من هجر ما نهى الله عنه» وأما الأمر فلأنه لا يتم بل لا يمكن الإتيان به إلا بهجرة دواعي النفس والهوى. ولتضمن الهجرة هذا الأمر العام آثر ذكرها مفرداً لها بالفاء الداخلة على الجزاء إن جعلت من شرطية أو الخبر إن جعلت موصولة لمشابهة الموصول للشرط في العموم أو تضمنه له. والهجرة لغة؛ الترك، وشرعاً؛ مفارقة دار الكفر إلى دار الإسلام خوف الفتنة، ووجوبها باق وخبر «لا هجرة بعد الفتح» المراد لا هجرة بعد فتح مكة منها لأنها صارت دار الإسلام. وحقيقتها مفارقة ما يكرهه الله إلى غيره للحديث المذكور، وكانت أول الإسلام إما من مكة إلى الحبشة أو منها ومن غيرها إلى المدينة، والمراد بها هنا مفارقة الوطن إلى غيره سواء مكة وغيرها، ولا يضر في التعميم كون الحديث له سبب خاص كما سيأتي بيانه لأن صورة السبب لا تخصص لكنها داخلة قطعاً (إلى الله ورسوله) أي: قصداً ونية، فهو كناية عن الإخلاص، والظرف هنا وفيما يأتي متعلق بهجرة إن جعلت كان تامة أو بمحذوف هو خبرها إن قدرت ناقصة (فهجرته إلى الله ورسوله) ثواباً وخيراً، فالجزاء كناية عن شرف الهجرة وكونها بمكانة عنده تعالى أو كونها مقبولة مرضية، فلا اتحاد بين الشرط والجزاء لأنهما وإن اتحدا لفظاً اختلفا معنى، وهو كاف في اشتراط تغاير الجزاء والشرط والمبتدإ والخبر وذكرت وجوهاً أخر لهذا التكرار في «شرح الأذكار» ، والمراد بكان هنا وفيما يأتي أصل الكون لا بالنظر لزمن مخصوص أو وضعها الأصلي من المضي

стр. 34

أو هنا من الاستقال لوقوعها في حيز الشرط، وهو يخلص الماضي للاستقبال ويقاس به الآخر للإجماع على استواء الأزمنة في الحكم التكليفي إلا لمانع (ومن كانت هجرته لدنيا) اللام للتعليل أو بمعنى إلى لقوله: «فهجرته إلى ما هاجر إليه» واستظهر الأول وحكمة التغاير في التعبير هنا باللام وثمة بإلى إفادة أن من كانت هجرته لأجل تحصيل ذلك كان هو نهاية هجرته لا يحصل له غيره. والدنيا بضم أولها وحكى كسره جمعها دنى من الدنوّ أي القرب لسبقها على الآخرة أو لدنوها إلى الزوال. قال المصنف: الأظهر أنها كل المخلوقات من الجواهر والأعراض الموجودة قبل الدار الآخرة وقد تطلق على كل جزء منها مجازاً، ثم المراد منها عرضها ومتاعها، فالتعبير بها مجاز مرسل من تسمية الشيء باسم محله كقوله تعالى: ﴿فليدع ناديه﴾ (العلق: ١٧) (يصيبها) حال مقدرة: أي: قاصداً إصابتها، وفي ذكر المصيبة عند ذكر الدنيا لطيفة ونصيحة (أو) كانت هجرته (لـ) أجل (امرأة ينكحها) أي: يتزوجها كما في رواية، من باب عطف الخاص على العام إشعاراً بأن النساء أعظم ضرراً، قال: «ما تركت بعدي فتنة أضرّ على الرجال من النساء» وتنبيهاً على سبب الحديث وإن كان لا يخصص كما تقدم. وسببه كما في «التوشيح» للحافظ السيوطي ما رواه سعيدبن منصور في «سننه» بسند على شرطهما عن ابن مسعود قال: «من هاجر يبتغي شيئاً فإنما له مثل أجر رجل هاجر ليتزوج امرأة يقال لها أم قيس فقيل له مهاجر أم قيس» : وفي «فتح الإله» : السبب ما رواه الطبراني بسند رجاله ثقات عن ابن مسعود قال: «كان فينا رجل خطب امرأة يقال لها أم قيس، فأبت أن تتزوجه حتى يهاجر، فهاجر فزوجها فكنا نسميه مهاجر أم قيس» قيل: واسمها قتيلة بوزن قبيلة، ولم يعين اسمه ستراً عليه وإن كان ما فعله مباحاً لما يأتي. وعلى هذا فذكر الدنيا إما زيادة على السبب تحذيراً من قصدها، أو لأن أم قيس انضم لجمالها المال فقصدهما مهاجرها، أو لأن السبب قصده نكاحها، وقصد غيره دنيا (فهجرته إلى ما هاجر إليه) الظرف متعلق بمحذوف خبر المبتدإ ويصح تعلقه بنفس المبتدإ فيكون خبره محذوفاً أي فهجرته قبيحة إذ ليست من الله في شيء وذلك حظه ولا نصيب له في الآخرة، وإيراد الموصول لإفادة التحقير وذم فاعل ما ذكر كما يشعر به السياق مع كونه مطلوبه مباحاً لأنه أظهر قصد الهجرة إلى الله وأبطن خلافه وهذا ذميم. والحكمة في

стр. 35

اتحاد الشرط والجزاء لفظاً في الأولى التبرّك بذكر الله ورسوله والتعظيم لهما بتكراره وبكونه أبلغ في الهجرة إليهما، إذ من سعى لخدمة ملك تعظيماً له أجزل عطاء ممن سعى لينال كسرة من مأدبة، وتركه في الثانية إظهار عدم الاحتفال بأمرهما والتنبيه على أن العدول عن ذكرهما أبلغ في مزجر عن قصدهما، فكأنه قال: إلى ما هاجر إليه، وهو حقير مهين لا يجدي. وأيضاً فأعراض الدنيا لا تنحصر فأتى بما يشملها وهو ما هاجر إليه، بخلاف الهجرة إلى الله ورسوله فإنه لا تعدد فيها، فأعيدا بلفظهما تنبيهاً على ذلك. وقال أرباب الإشارات من العارفين «إنما الأعمال بالنيات» يتعلق بما وقع في القلوب من أنوار الغيوب. والنية جعل الهمّ في تنفيذ العمل للمعمول له، وألا يسنح في السرّ ذكر غيره * وللناس فيما يعشقون مذاهب * فنية العوام في طلب الأعراض مع نسيان الفضل، ونية الجهال التحصن عن سوء القضاء ونزول البلاء، ونية أهل النفاق التزين عند الله وعند الناس، ونية العلماء إقامة الطاعات لحرمة ناصبها لا لحرمتها، ونية أهل التصوّف ترك الاعتماد على ما يظهر منهم من الطاعات، ونية أهل الحقيقة ربوبية تولد عبودية «وإنما لكل امرىء ما نوى» من مطالب السعداء، وهي الخلاص عن الدركات السفلى والفوز بالدرجات العليا، وهي المعرفة والتوحيد والعلم والطاعة والأخلاق المحمودة وجذبات الحق والفناء عن أنانيته والبقاء بهويته، أو من مقاصد الأشقياء، وهي ما يبعد عن الحق «فمن كانت هجرته» أي: خروجه من مقامه الذي هو فيه سواء كان استعداده الذي جبل عليه أو منزلاً من منازل النفس «إلى ا» لتحصيل مراضيه «ورسوله» باتباع أمره وأخلاقه «فهجرته إلى الله ورسوله» فتخرجهم العناية الإلهية من ظلمات الحدوث والفناء إلى نور الشهود والبقاء «ومن كانت هجرته إلى دنيا» أي: لتحصيل شهوة الحرص على المال والجاه والخيلاء وغيرها، فيبقى مهجوراً عن الحق في أوطان الغربة، له نار الفرقة، نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة لا نار الجحيم التي لا تحرق إلا الجلد ولا تخلص إلى القلب، انتهى كلامهم. نقله الكازروني في «شرح الأربعين» للمصنف (متفق على صحته) ثم فسره بقوله رواه إلى آخره، وكذا

стр. 36

رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وأبو عوانة وابن حبان في «صحيحه» وابن خزيمة وابن الجارود والطحاوي في «شرح معاني الآثار» والبيهقي في «السنن» . ووهم ابن دحية في زعمه أن مالكاً أخرجه في «الموطإ» ، كذا في «شرح عمدة الأحكام» للقلقشندي ومن خطه نقلت (رواه إماما المحدثين) بإثبات ألف التثنية خطاً وحذفها لفظاً لالتقاء الساكن أي المقتدي بهما ورعاً وزهداً واجتهاداً في «تخريج الصحيح» وإيداعه دون غيره كتابيهما، حتى ائتمّ بهما في ذلك الأئمة الذين حذوا حذوهما (أبو عبد الله محمدبن إسماعيلبن إبراهيمبن المغيرة) بضم الميم وكسرها (ابن بردزبه) بموحدة مفتوحة فراء ساكنة فمهملة مكسورة بعدها زاي ساكنة فموحدة فهاء تأنيث وهو بالعربية الزراع. قال في «فتح الباري» : كان بردزبه المذكور مجوسياً، وكان في بخارى والٍ يقال له اليمان الجعفي، فأسلم المغيرة بن بردزبه على يديه فمن ثم قيل للبخاري الجعفي، وأما إبراهيمبن المغيرة فلم نقف على شيء من أحواله، والظاهر أنه لم ينظر في العلم، وأما إسمعيل فذكر له ابنه ترجمة في «تاريخه» وقال: إنه سمع من مالك وحمادبن زيد وابن المبارك، وذكره كذلك ابن حبان في «الطبقة الرابعة» من ثقاته، وزاد: روى عنه العراقيون اهـ (الجعفي) أي: مولاهم لما ذكر من أن جده المغيرة أسلم على يد اليمان ابن أخنس الجعفي فنسب إليه ولاء فأشار المصنف إلى أنه يقدم النسب إلى القبيلة ولو ولاء على النسب إلى البلاد عند الجمع. وعبارة «التهذيب» للمصنف: إذا جمع بين النسب إلى القبيلة والبلد قدم النسب إلى القبيلة. انتهت (البخاري) ولد ثالث عشر شوال سنة (١٩٤) أربع وتسعين ومائة، وكتب عن ابن حنبل ويحيىبن معين وخلائق يزيدون على ألف. وروى عنه مسلم خارج صحيحه وأبو زرعة والترمذي وابن خزيمة والنسائي. ومناقبه نعمة ذكرت جلة منهم في «شرح الأذكار» . توفي ليلة عيد الفطر سنة ٢٥٦ ست وخمسين ومائتين، ودفن يخرتنك قرية على فرسخين من سمرقند. ومن مناقبه ما حكي عنه أنه عمي صبياً فرأى في نومه إبراهيم الخليل على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام، فتفل في عينيه أو دعا له فأبصر، فمن ثم لم يقرأ كتابه. في كرب إلا فرج. ثم الحديث المذكور في سبعة مواضع من

стр. 37

«صحيح البخاري» (أبو الحسين مسلمبن الحجاجبن مسلم القشيري) نسبة إلى قشيربن كعببن ربيعةبن عامر ابن صعصعة قبيلة كبيرة، وقشير أيضاً بطن من أسلم، منهم سلمة بن الأكوع ﵁ (النيسابوري) نسبة إلى نيسابور أحسن مدن خراسان وأجمعها للخيرات. قال الأصفهاني في «لبّ الألباب» : قيل لها ذلك لأن سابور لما رآها قال: يصلح أن يكون ها هنا مطينة. وكانت قصبا فأمر بقطع القصب وأن تبنى مدينة، فقيل نيسابور، والنيّ: القصب اهـ. ولد الإمام مسلم سنة (٢٠٤) أربع ومائتين، ومات في رجب سنة (٢٦١) إحدى وستين ومائتين. وأخذ عن أحمد وحرملة وخلائق. روي عنه ساعة منهم من هو في درجته كأبي حاتم الرازي والترمذي فروى عنه حديثاً واحداً وابن خزيمة وخلائق ﵄ في كتابيهما) المشهورين بالصحيحين المعروفين بذلك كنار على علم (اللذين) بلامين وفتح الذال المعجمة مثنى الذي وكتب بلامين فرقاً بينه وبين الذين الجمع (هما أصحّ الكتب) بلا شك ولا مرية كما أطبق عليه من بعدهما لا سيما المحدثوند حيث جعلوا الصحيح سبعة أقسام: أعلاها ما خرجاه، فما انفرد به البخاري فما انفرد به مسلم، فما كان على شرطهما، فما كان على شرط البخاري، فما كان على شرط مسلم، فما صححه معتبر وسلم من المعارض. وقول الشافعي: لا أعلم كتاباً بعد كتاب الله أصحّ من «موطإ» مالك إنما كان قبل ظهورهما. فلما ظهرا كانا بذلك أحق، والجمهور على أن ما أسنده البخاري في «صحيحه» دون التراجم والتعاليق وأقوال الصحابة والتابعين أصحّ مما في مسلم، لأنه كان أعلم منه بالفن اتفاقاً مع كون مسلم تلميذه وخريجه، ومن ثم قال الدارقطني: لولا البخاري ما راح مسلم ولا جاء، هذا وإن لم يلزم منه أرجحية المصنف إلا أنها الأصل. قال الحافظ ابن حجر في «نكته» على كتاب ابن الصلاح بعد ذكر نحو ما ذكرنا: هذا من حيث الجملة، أما من حيث التفصيل فيترجح كتاب البخاري على كتاب مسلم بأن الإسناد الصحيح مداره على اتصاله وعدالة الرواة، وكتاب البخاري أعدل رواة وأشد اتصالاً، وبيانه أن الذين انفرد لهم بالإخراج دون مسلم أربعمائة وخمسة وثلاثون رجلاً، المتكلم فيه بالضعف منهم نحو الثمانين، والذين انفرد مسلم بهم ستمائة وعشرون رجلاً، المتكلم فيهم بالضعف منهم مائة وستون رجلاً، ولا شك أن من سلم من التكلم فيه رأساً أقوى ممن تكلم فيه وإن لم يعول على ما تكلم به فيه، على أن المتكلم فيهم في

стр. 38

البخاري لم يكثر من تخريج أحاديثهم، بخلاف مسلم، وأيضاً فأكثرهم شيوخه الذين هو أعرف بهم من غيره لكونه لقيهم وخبرهم وخبر حديثهم، وأما المتكلم فيهم في مسلم فأكثرهم من المتقدمين الذين لم يخبرهم، وأيضاً فالبخاري غالباً إنما يخرج للمتكلم فيه في المتابعات والشواهد بخلاف مسلم. وأما ما يتعلق بالاتصال فمسلم كان مذهبه بل نقل الإجماع في أول صحيحه أن الإسناد المعنعن له حكم الاتصال إذ تعاصر المعنعن والمعنعن عنه وإن لم يثبت اجتماعهما، والبخاري لا يحمله على الاتصال حتى يثبت اجتماعهما ولو مرة واحدة، ومن ثم قال النووي: وهذا المذهب مما يرجح به كتاب البخاري قال: وإن كنا لا نحكم على مسلم بعمله بهذا المذهب في «صحيحه» لكونه يجمع طرقاً كثيرة يبعد معها وجود هذا الحكم الذي جوّزه اهـ. وجمعه لتلك الطرق هو الغالب، وفيما لم يجمع فيه طرقاً جلالته قاضية بأنه إنما جرى على الأحوط من ثبوت الاتصال انتهى ملخصاً مع يسير زيادة. وقوله: (المصنفة) اقتفى به أثر الإمام الشافعي ﵁ في قوله: بعد كتابالله، ليحترز بذلك عنه أيضاً. ٢٢ - (وعن أم المؤمنين) أي: في الاحترام والتعظيم وحرمة النكاح، دون نحو النظر والخلوة، وكذا سائر أمهات المؤمنين، وهو أب للمؤمنين في الرأفة والرحمة والمراد من نفي أبوته في الآية أبوة النسب والتبني (أم عبد ا) كناها بابن أختها أسماء «عبد ابن الزبير» وقيل بسقط لها منه، واستبعد (عائشة) الصديقة بنت أبي بكر الصديق عبد ابن أبي قحافة عثمان ﵂ وعن أبيها وجدها، تزوّجها بمكة وهي بنت ست سنين، بعد تزوّجه بسودة بشهر، وقبل الهجرة بثلاث سنين ودخل بها في شوّال منصرفة من بدر سنة ثنتين من الهجرة، وهي بنت تسع سنين، وتوفي وهي بنت ثمان عشرة سنة، وعاشت بعده أربعين سنة، وتوفيت سنة سبع أو ثمان وخمسين لثلاث عشرة بقيت من رمضان بعد الوتر، وصلى عليها أبو هريرة لإمارته على المدينة حينئذٍ من قبل مروان، روي

стр. 39

لها ألفا حديث ومائتان وعشرة وقيل ألف وعشرة. اتفقا على مائة وأربعة وسبعين، وانفرد البخاري بأربعة وستين ومسلم بثمانية وستين (قالت: قال رسول الله: يغزو جيش الكعبة) في رواية مسلم: «عبث رسول الله ﷺ في منامه، فقلنا له: صنعت شيئاً لم تكن تفعله؟ قال: العجب أن أناساً من أمتي يؤمون هذا البيت لرجل من قريش» وزاد في رواية أخرى: أن أم سلمة قالت ذلك أيام ابن الزبير، وفي أخرى: أن عبد ابن صفوان أحد رواة الحديث عن أم سلمة قال: وا ما هو هذا الجيش. قال القرطبي: وقد ظهر ما قال، فإن الجيش المرسل إلى ابن الزبير لم يخسف به اهـ. قال العاقولي: والأولى إجراء الحديث على إطلاقه وعدم تقييده بأحد، والكعبة مأخوذة من كعبته: ربعته، والكعبة: كل بيت مربع كذا في «القاموس» . وفي كلامهم أن إبراهيم بنى الكعبة مربعة، ولا ينافيه اختلاف بعد ما بين أركانها لأنه قليل لا ينافي التربيع، وهذا أعني كون سبب تسميتها كعبة تربيعها أوضح من جعل سببها ارتفاعها. كما سمي كعب الرجل بذلك لارتفاعه، وأصوب من جعله استدارتها إلا أن يريد قائله بالاستدارة التربيع مجازاً، أو يكون أخذ الاستدارة في الكعب سبباً لتسميته، لكنه مخالف لكلام أئمة اللغة (فإذا كانوا ببيداء) في رواية مسلم: بالبيداء. قال القرطبي: والبيداء: أرض ملساء لا شيء فيها. وفي «الصحاح» : البيداء المفازة والجمع بيد، وهل هي بيداء المدينة أو لا؟ فيه خلاف (من الأرض) في محل الصفة لبيداء (يخسف بأولهم وآخرهم) زاد الترمذي في حديث ضعيف «ولم ينج أوسطهم» . وزاد مسلم في حديث حفصة: «يخسف بأوسطهم ثم ينادي أولهم آخرهم ثم يخسف بهم فلا يبقى إلا الشريد الذي يخبر عنهم» واستغني بهذا عن تكلف الجواب عن حكم الأوسط بأن العرف يقضي بدخوله فيمن هلك، ولكونه آخراً بالنسبة للأول وأولاً بالنسبة للأخير فيدخل (قالت) عائشة متعجبة من وقوع العذاب على من لا إرادة له في القتال الذي هو سبب العقوبة (قلت: يا رسول الله كيف يخسف بأولهم وآخرهم) أي: بجملتهم (وفيهم أسواقهم) كذا للبخاري بالمهملة والقاف جمع، والمعنى: أهل أسواقهم أو السوقة منهم (و) فيهم (من ليس منهم) أي: ممن خرج بقصد القتال وإنما وافقهم في صحبة الطريق (قال) مجيباً عما سألت عنه: بأن العذاب يقع عاماً لحضور آجالهم، ثم يبعثون على نياتهم. وقد روى الشيخان عن ابن عمر مرفوعاً ﵄ «إذا أنزل الله بقوم عذاباً أصاب العذاب من كان فيهم ثم بعثوا على

стр. 40

نياتهم» (يخسف بأولهم وآخرهم) أي: بجملة القوم تابعهم ومتبوعهم لشؤم الأشرار (ثم يبعثون) ويعاملون عند الحساب (على نياتهم) فيعامل كل بقصده من الخير أو الشر. وفي الحديث: أن من كثر سواد قوم في المعصية مختاراً أن العقوبة تلزمه معهم. وفيه أن الأعمال تعتبر بنية العامل، وفيه التحذير من مصاحبة أهل الظلم ومجالستهم وتكثير سوادهم إلا لمن اضطرّ إلى ذلك (متفق عليه) ورواه أيضاً غيرهما، و (هذا) المذكور (لفظ البخاري) ولمسلم ألفاظ وهي بنحو ما ذكر، فمن ألفاظه. فقلنا: إن الطريق تجمع الناس. قال: «نعم فيهم المستنصر لذلك» أي: للمقاتلة «والمجبور» بالجيم الموحدة: أي المكره «وابن السبيل» أي: سالك الطريق معهم وليس منهم. فقال «يهلكون مهلكاً واحداً ويصدرون مصادر شتى، يبعثهم الله على نياتهم» . ٣٣ - (وعن عائشة ﵂ قال قالت النبيّ: لا هجرة) أي: من مكة (بعد الفتح) أي: فتحها، وجاء في حديث للبخاري مرفوعاً «لا هجرة بعد فتح مكة» وكان في رمضان سنة ثمان من الهجرة. وذلك أن الهجرة: أي مفارقة دار الكفر إلى دار الإسلام كانت واجبة على من بمكة فيجب على من أسلم بها أن يهاجر منها إلى المدينة لكونها كانت دار كفر فلما فتحت صارت دار إسلام، أما الهجرة من المواضع التي لا يتأتى إقامة أمر الدين فيها فهي واجبة اتفاقاً، وعلى ذلك يحمل حديث «لا تنقطع الهجرة ما قوتل الكفار» قال الخطابي: كانت الهجرة على معنيين: أحدهما أنهم إذا أسلموا وأقاموا بين قومهم أو ذوا، فأمروا بالهجرة ليسلم لهم دينهم ويزول عنه الأذى. والآخر الهجرة من
следующие страницы →