← Акыда

Акыда · id 14031

آثار حجج التوحيد في مؤاخذة العبيد

مدحت آل فراج

Полный текст (218 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

ذلك عندهم أنه يأمرهم بما يأمرهم، وينهاهم عما ينهاهم، ويحل لهم ما يحل لهم، ويحرم عليهم ما يحرم عليهم، بل الأمر والنهي والتحليل والتحريم ليس في نفس الأمر عندهم لا معروف ولا منكر ولا طيب ولا خبيث، إلا أن يعبر عن ذلك بما يلائم الطباع، وذلك لا يقتضي عندهم كون الرب يحب المعروف ويبغض المنكر. فهذا القول ولوازمه هو أيضاً قول ضعيف مخالف للكتاب والسنة. ولإجماع السلف والفقهاء، مع مخالفته أيضاً للمعقول الصريح؛ فإن الله نزه نفسه عن الفحشاء. فقال: (إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ) كما نزه نفسه عن التسوية بين الخير والشر فقال تعالى: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) (١) وقال: (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ، مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) (٢) وقال: (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ) (٣). وعلى قول النفاة: لا فرق في التسوية بين هؤلاء وهؤلاء، وبين تفضيل بعضهم على بعض، ليس تنزيهه عن أحدهما بأولى من تنزيهه عن الآخر، وهذا خلاف المنصوص والمعقول. وقد قال الله تعالى: (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) (٤) وعندهم تعلق الإرسال بالرسول كتعلق الخطاب بالأفعال لا يستلزم ثبوت صفة لا قبل التعلق ولا بعده. والفقهاء وجمهور المسلمين يقولون: الله حرم المحرمات فحرمت، وأوجب الواجبات فوجبت، فمعنا شيئان: إيجاب وتحريم، وذلك كلام الله وخطابه،

стр. 142

والثاني وجوب وحرمة وذلك صفة للفعل. والله تعالى عليم حكيم، علم بما تتضمنه الأحكام من المصالح. فأمر ونهى لعلمه بما في الأمر والنهي والمأمور والمحظور من مصالح العباد ومفاسدهم، وهو أثبت حكم الفعل، وأما صفته فقد تكون ثابتة بدون الخطاب. وقد ثبت بالخطاب والحكمة الحاصلة من الشرائع ثلاثة أنواع: (أحدها): أن يكون الفعل مشتملا على مصلحة أو مفسدة، ولو لم يرد الشرع بذلك، كما يعلم أن العدل مشتمل على مصلحة العالم، والظلم يشتمل على فسادهم، فهذا النوع هو حسن وقبيح، وقد يعلم بالعقل والشرع قبح ذلك لا أنه أثبت للفعل صفة لم تكن؛ لكن لا يلزم من حصول هذا القبح أن يكون فاعله معاقباً في الآخرة، إذا لم يرد شرع بذلك. وهذا مما غلط فيه غلاة القائلين بالتحسين والتقبيح؛ فإنهم قالوا: إن العباد يعاقبون على أفعالهم القبيحة، ولو لم يبعث إليهم رسولاً، وهذا خلاف النص قال تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) (١) وقال تعالى: (رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) (٢) وقال تعالى: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ) (٣) وقال تعالى: (كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ، قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ، وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ) (٤).

стр. 143

وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: "ما أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين" والنصوص الدالة على أن الله لا يعذب إلا بعد الرسالة كثيرة، ترد على من قال من أهل التحسين والتقبيح: إن الخلق يعذبون في الأرض بدون رسول أرسل إليهم. (النوع الثاني): أن الشارع إذا أمر بشيء صار حسناً، وإذا نهى عن شيء صار قبيحاً، واكتسب الفعل صفة الحسن والقبح بخطاب الشارع. و (النوع الثالث): أن يأمر الشارع بشيء ليمتحن العبد، هل يطيعه أم يعصيه! ولا يكون المراد فعل المأمور به، كما أمر إبراهيم بذبح ابنه، فلما أسلما وتله للجبين حصل المقصود ففداه بالذبح، وكذلك حديث الأبرص والأقرع والأعمى، لما بعث الله إليهم من سألهم الصدقة. فلما أجاب الأعمى قال الملك: أمسك عليك مالك، فإنما ابتليتم فرضي عنك، وسخط على صاحبيك. فالحكمة منشؤها من نفس الأمر لا من نفس المأمور به، وهذا النوع والذي قبله لم يفهمه المعتزلة؛ وزعمت أن الحسن القبح لا يكون إلا لما هو متصف بذلك، بدون أمر الشارع، والأشعرية ادعوا، أن جميع الشريعة من قسم الامتحان، وأن الأفعال ليست لها صفة لا قبل الشرع ولا بالشرع؛ وأما الحكماء والجمهور فأثبتوا الأقسام الثلاثة، وهو الصواب (١) أ. هـ. وأورد ابن تيمية سؤالاً مهماً في هذا المقام يظهر به أدق الفروق بين مذهب جماهير أهل السنة، وبين مذهب النفاة في تلك المسألة. قال ﵀: "فإن قيل: إذا لم يكن معاقباً عليها - أي: على فعل الشرك والفواحش قبل الرسالة - فلا معنى لقبحها. قيل: بل فيه معنيان:

стр. 144

أحدهما: أنه سبب للعقاب، لكن هو متوقف على الشرط وهو الحجة قال تعالى: (وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا) (١) فلولا إنقاذه لسقطوا، ومن كان واقفا على شفير فهلك، فهلاكه موقوف على سقوطه، بخلاف ما إذا بان وبعد عن ذلك فقد بعد عن الهلاك. فأصحابها كانوا قريبين إلى الهلاك والعذاب. الثاني: أنهم مذمومون منقصون معيبون. فدرجتهم منخفضة بذلك ولابد؛ ولو قدر أنهم لم يعذبوا لا يستحقون ما يستحقه السليم من ذلك من كرامته أيضاً وثوابه. فهذه عقوبة بحرمان خير، وهي إحدى نوعي العقوبة" (٢) أ. هـ. نعم إن من وقع في عبادة غير الله الواحد المتعال قد نقض حججاً وخرق مواثيقاً؛ ومن ثم لا يكون مسلماً ولا يدخل في عداد المسلمين. فإن كان فعله قبل بلوغ الخطاب وقيام الحجة فقد اتفقت كلمة العلماء على عقابه. فمنهم من حكم بخلوده في النيران لمخالفته لحجج الميثاق والفطرة والعقل ومقتضى الآيات الكونية. وهو وقول ضعيف مرجوح منابذ للأصول والنصوص. ومنهم من حكم ببطلان فعله وشنيع جرمه وأوجب عليه التوبة بعد البلاغ والبيان لمناقضته للحجج والمواثيق، وجعل عقوبته متمثلة في خروجه من عداد المسلمين، ولحوقه بعداد المشركين، وأن الجنة عليه حرام طالما ظل على حاله. وهذا الأخير هو المستقيم مع النصوص والأصول، فجماهير علماء الأمة اتفقوا على عقابه واختلفوا في درجته، ولم يقل أحد منهم بإسلامه. * * *

стр. 145

المبحث السادس: اللوازم الشنيعة والمخازي المخزية التي تلزم النفاة: إن من أدق وأحد الأمور المفرقة بين السنة والبدعة: النظر في لوازمها وتتبع مآلاتها. فالسنة مستقاة من صلب النصوص الصحيحة الصريحة لذلك فهي تسير وفق قواعدها ودلالاتها بسهولة ويسر بلا تمانع ولا تعارض ومن ثم استحال تضاربها مع بقية المقررات الشرعية، أو استلزامها للوازم باطلة. قال تعالى: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً) (١) أي: يشبه ويصدق بعضه بعضاً. وأما البدعة فهي مستقاة من نصوص صحيحة غير صريحة، أو من نصوص صريحة غير صحيحة. لذلك فهي أجنبية عن الشريعة ودائمة التصادم مع قواعدها ومقرراتها، ومن ثم كان التضارب والتدافع والتعارض وعدم التجانس سمتها الأساسية مع الشريعة الربانية، وأصولها يبطل بعضها بعضاً لقيامها على شفا جرف هار. قال تعالى: (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً) (٢) وقد أصل النفاة أصولاً سترى وتلمس - بمشيئة الله - عاقبة شؤمها، ومخازي لوازمها التي تؤول بأصحابها إلى: التنقص بالرحمن، والجهل به، وعدم تقرير أصول دينه. إلا أن القواعد الكلية والمقررات الشرعية قضت: بأن كفر المآل ليس بكفر في الحال، ولازم المذهب ليس بمذهب حتى يلتزمه صاحبه. أصول النفاة: * قالوا: إن الله لا يفعل شيئاً لشيء، نفياً لمقتضى حكمته وعدله، ويجوز عليه فعل كل شيء.

стр. 146

* قرروا: أن الأفعال متساوية بلا مرجحات بينها قط إلا السمع. ونفوا متعلق صفتي الحب والبغض لله تعالى المفرق بين ذوات الأفعال وكنه الأشياء انطلاقاً من أصولهم الفاسدة القائمة على: نفي الصفات. * نصوا على أن: الظلم المنزه عنه الرب والذي حرمه على نفسه هو: المحال لذاته الخارج عن نطاق. القدرة: كالجمع بين النقيضين، ووجود الإنسان في مكانين وما دون ذلك فجائز عليه فعله، ولا ينزه عن شيء منه .. ويلزم من تلك الأصول الخاوية على عروشها: التنقص بالرحمن وبربوبيته وألوهيته والتعدي على سلطانه، وملكه، ويستعصي على أصحابها إثبات أصول الدين، والتدليل على صحة الرسالات وإليك البيان: النفاة ليس لديهم فرقان بين النبيين والمتنبئين: إن الله جل في علاه قد نصب براهين باهرة، وأدلة ساطعة وحججاً دامغة على صحة الرسالات، وصدق النبوات، وجعلها حداً فاصلاً وفرقاناً فارقاً بين: وحي الرحمن، ووحي الشيطان. منها: حال النبي قبل الرسالة: لا شك أن من كان حاله الصدق والصلة والعفاف والبر، والحياء من سفاسف الأمور فضلاً عن جليلها، مع اجتناب المعايب والرائل والمنكرات التي تنكرها الفطر وتأباها الشيم المستقيمة. فهذا الحال يكون من القرائن الدالة على صدقه. ومن هنا ندرك: علة تقرير النبي ﷺ لقومه بصدقه من قبل أن يعرض دعوته عليهم عندما نزل عليه قوله تعالى (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) فجمع ﷺ بطون قريش وقال لهم: " ... أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقيّ؟ قالوا: نعم ما جربنا عليك إلا صدقاً.

стр. 147

قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد" (١). قال الحافظ: "أرأيتم لو أخبرتكم" أراد بذلك تقريرهم بأنهم يعلمون صدقه إذا أخبر عن الأمر الغائب (٢) أ. هـ. فلو لم تكن صفة الصدق قبل النبوة والوحي تدل وتبرهن على صدق صاحبها عند ادعائه الرسالة، ما احتج بها النبي ﷺ على قومه، ولا قررهم بصدقه قبل عرض دعوته. قال ابن القيم: "وكذلك استدلال الصديقة الكبرى أم المؤمنين خديجة بما عرفته من حكمة الرب تعالى وكمال أسمائه وصفاته ورحمته أنه لا يخزي محمداً ﷺ فإنه يصل الرحم، ويحمل الكل، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق، وإن من كان بهذه المثابة فإن العزيز الرحيم الذي هو أحكم الحاكمين وإله العالمين لا يخزيه، ولا يسلط عليه الشيطان. وهذا استدلال منها قبل ثبوت النبوة والرسالة، بل استدلال على صحتها وثبوتها في حق من هذا شأنه، فهذا معرفة منها بمراد الرب تعالى، وما يفعله من أسمائه وصفاته وحكمته وإحسانه ومجازاته بإحسانه، وأنه لا يضيع أجر المحسنين" (٣) أ. هـ. وقال ابن تيمية ﵀: "وما زال العقلاء يستدلون بما علموه من صفات الرب على ما يفعله كقول خديجة للنبي ﷺ لما قال لها: "لقد خشيت على نفسي" فقالت: "كلا والله لا يخزيك الله أبداً. إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتصدق الحديث، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق". فاستدلت بما فيه من مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال على أن الله لا

стр. 148

يخزيه. ومنه قوله تعالى: (هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ، تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ) (١) فإن الشيطان إنما ينزل على ما يناسبه ويطلبه وهو يريد الكذب والإثم، فينزل على من يكون كذلك، وبسط هذا له موضع آخر" (٢) أ. هـ. والنفاة قد أحكموا غلق هذا الباب دونهم في الاستدلال به على صحة الرسالات وصدق النبوات. فالمقرر لديهم أنهم لا فرق بين فعل وفعل إلا بالخبر، ويجوز على الله فعل كل ممكن مقدور، وعليه جوزوا من جهة العقل أن يرسل رسولا فاعلاً للكبائر والموبقات، ولا يشترط فيه إلا أن يكون عالماً بالصانع. وهذا احتراز غير محرز، وحد ليس بفاصل لوجوده في عامة الخلق. قال ابن تيمية: "وجوزوا من جهة العقل: ما ذكره القاضي أبو بكر أن يكون الرسول فاعلاً للكبائر، إلا أنه لا بد أن يكون عالماً بمرسله، لكن ما علم بالخبر أن الرسول لا يتصف به علم من جهة الخبر فقط. لا لأن الله منزه عن إرسال ظالم أو مرتكب للفواحش أو مكاس أو مخنث أو غير ذلك، فإنه لا يعلم نفي شيء من ذلك بالعقل لكن بالخبر، وهم في السمعيات عُمدتهم الإجماع. وأما الاحتجاج بالكتاب والسنة فأكثر ما يذكرونه تبعاً للعقل أو الإجماع. والعقل والإجماع مقدمان عندهم على الكتاب والسنة فلم يعتمد القاضي أبو بكر وأمثاله في تنزيه الأنبياء لا على دليل عقلي ولا سمعي من الكتاب والسنة، فإن العقل عنده لا يمنع أن يرسل الله من شاء إذ كان يجوز عنده على الله فعل كل ما يقدر عليه. وإنما اعتمد على الإجماع. فما أجمع المسلمون

стр. 149

عليه أنه لا يكون في النبي نزه عنه. ثم ذكر ما ظنه إجماعاً كعاداته وعادات أمثاله" (١) أ. هـ. * شرع النبي من أعلام نبوته وشواهد رسالته: إن شرائع الأنبياء والمرسلين من أعظم وأجل الآيات والبراهين لدى الكمل من المؤمنين على صدق النبوات وصحة الرسالات فهي موافقة لموجب عقولهم وفطرهم، فالمعروف والمنكر فيها معروف ومنكر لديهما. فما وجد المؤمنون في تنزيل رب العالمين أمراً قالت عقولهم وفطرهم: ليته ما أمر به، ولا ألفوا نهياً قالت: ليته ما نهى عنه. وهذه سبيل محجورة على جماهير أهل السنة القائلين بالتحسين والتقبيح العقلي للأفعال، وكونه حجة وبرهانا من حجج وبراهين العليم الخبير على عباده. وأما النفاة "فهؤلاء يجوزون أن يأمر الله بكل شيء، وأن ينهى عن كل شيء، فلا يبقى عندهم فرق بين النبي الصادق والمتنبي الكاذب، لا من جهة نفسه فإنهم لا يشترطون فيه إلا مجرد كونه في الباطن مقراً بالصانع، وهذا موجود في عامة الخلق، ولا من جهة آياته، ولا من جهة ما يأمر به" (٢). وقال ابن القيم: "وهل ركب الله في فطرة عاقل قط: أن الإحسان والإساءة والصدق والكذب والفجور والعفّة والعدل والظلم وقتل النفوس وإنجاءها بل السجود لله وللصنم سواء في نفس الأمر لا فرق بينهما، وإنما الفرق بينهما الأمر المجرد. وأي جحد للضروريات أعظم من هذا؛ وهل هذا إلا بمنزلة من يقول: إنه

стр. 150

لا فرق بين الرجيع والبول والدم والقيء ويبن الخبز واللحم والماء والفاكهة والكل سواء في نفس الأمر وإنما الفرق بالعوائد؟! فأي فرق بين: مدّعي هذا الباطل وبين: مدعي ذلك الباطل. وهل هذا إلا بهت للعقل والحس والضرورة والشرع والحكمة، وإذا كان لا معنى عندهم للمعروف إلا ما أمر به فصار معروفاً بالأمر ولا للمنكر إلا ما نهى عنه فصار منكراً بنهيه، فأي معنى لقوله: (يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ) وهل حاصل ذلك زائد على أن يقال: يأمرهم بما يأمرهم به، وينهاهم عا ينهاهم عنه. وهذا كلام ينزه عنه آحاد العقلاء فضلاً عن كلام رب العالمين. وهل دلت الآية إلا على أنه أمرهم بالمعروف الذي تعرفه العقول، وتقر بحسنه الفطر؟ فأمرهم بما هو معروف في نفسه عند كل عقل سليم، ونهاهم عما هو منكر في الطباع والعقول بحيث إذا عرض على العقول السليمة أنكرته أشد الإنكار كما [أن ما] أمر به إذا عُرض على العقل السليم قبله أعظم قبول وشهد بحسنه. كما قال بعض الأعراب وقد سئل: بما عرفت أنه رسول الله؟ فقال: ما أمر بشيء فقال العقل ليته ينهى عنه، ولا نهى عن شيء. فقال: ليته أمر به. فهذا الأعرابي أعرف بالله ودينه ورسوله من هؤلاء، وقد أقر عقله وفطرته بحسن ما أمر به، وقبح ما نهى عنه حتى كان في حقه من أعلام نبوته وشواهد رسالته؛ ولو كان جهة كونه معروفاً ومنكراً هو الأمر المجرد، لم يكن فيه دليل، بل كان يطلب له الدليل من غيره. ومن سلك ذلك المسلك الباطل لم يمكنه أن يستدل على صحة نبوته بنفس دعوته ودينه. ومعلوم أن نفس الدين الذي جاء به والملة التي دعا إليها من أعظم براهين صدقه وشواهد نبوته، ومن لم يثبت لذلك صفات وجودية أوجبت حسنه وقبول العقول له، ولضده صفات أوجبت قبحه ونفور العقل عنه فقد سد على نفسه باب الاستدلال بنفس الدعوة وجعلها مستدلاً عليه فقط.

стр. 151

ومما يدل على صحة ذلك قوله تعالى: (وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ) (١). فهذا صريح في أن الحلال كان طيباً قبل حله. وأن الخبيث كان خبيثاً قبل تحريمه. ولم يستفد طيب هذا وخبث هذا من نفس التحليل والتحريم لوجهين اثنين: أحدهما: أن هذا علم من أعلام نبوته التي احتج الله بها على أهل الكتاب فقال: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ) (٢). فلو كان الطيب والخبيث إنما استفيد من التحريم والتحليل لم يكن في ذلك دليل. فإنه بمنزلة أن يقال: يحل لهم ما يحل، ويحرم عليهم ما يحرم، وهذا أيضاً باطل. فإنه لا فائدة فيه وهو الوجه الثاني. فثبت أنه أحل ما هو طيب في نفسه قبل الحل، فكساه بإحلاله طيباً آخر، فصار منشأ طيبه من الوجهين معاً. فتأمل هذا الموضع حق التأمل، يطلعك على أسرار الشريعة، ويشرفك على محاسنها، وكمالها، وبهجتها، وجلالها. وأنه من الممتنع في حكمة أحكم الحاكمين: أن تكون بخلاف ما وردت به. وأن الله تعالى منزه عن ذلك، كما يتنزه عن سائر ما لا يليق به" (٣) أ. هـ. * معجزات النبوة: من المعلوم ضرورة: أن الله خلق المعجزات لتصديق الأنبياء، وجعلها فرقاناً

стр. 152

فارقاً بينهم، وبين المتقولين عليه. - وهذا يبطل ما أصله النفاة: من أن الله لا يخلق شيئاً لشيء - ويلزم من هذا أن تكون معجزات رسله: خارجة عن مقدور الثقلين، وما دونها في مقدورهم ووسعهم، وإلا بطل فرقانها واختلطت الأعلام، ولزم القدح في صحة الدلالة. قال ابن تيمية: "إن ما يأتي به السحرة والكهان، والمشركون وأهل البدع من أهل الملل، لا يخرج عن كونه مقدوراً للإنس والجن. وآيات الأنبياء لا يقدر على مثلها لا الإنس ولا الجن، كما قال تعالى: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً) " (١) أ. هـ. فمعجزات النبوة ودلائل الرسالة التي نصبها الله أعلاماً على صدق أصحابها، استحال ظهورها على أيدي غيرهم، وإلا انتفى أخص خصائص الدليل. "والدليل يجب أن يكون مختصاً بالمدلول عليه لا يوجد مع عدمه، لا يتحقق الدليل إلا مع تحقق المدلول" (٢) أ. هـ. ومن ثم استحال خلق تلك المعجزات على أيد المتقولين على الله لموجب حكمته ورحمته وعدله، وهو مقدور له سبحانه إلا أنه منزه عن فعله. والنفاة يجوزون حلقها على أيدي السحرة والكهان، ولا ينزهون ربهم عن فعلها إلا أن يأتي بذلك خبر. وبذلك يلزم الدور. فبرهان المعجزات متوقف على الخبر، والخبر متوقف على برهانها. قال ابن تيمية: "والجهمية المجبرة الذين قالوا: إن الله قد يفعل كل ممكن

стр. 153

مقدور لا ينزهونه عن فعل شيء، ويقولون: إنه يفعل بلا سبب ولا حكمة، وهو الخالق لجميع الحوادث، لم يفرقوا بين ما تأتي به الملائكة، ولا ما تأتي به الشياطين، بل الجميع يضيفونه إلى الله على حد واحد، ليس في ذلك حسن ولا قبيح عندهم، حتى يأتي الرسول. فقبل ثبوت الرسالة لا يميزون بين شيء من الخير والشر، والحسن والقبيح. فلهذا لم يفرقوا بين: آيات الأنبياء وخوارق السحرة والكهان، بل قالوا: ما يأتي به السحرة والكهان يجوز أن يكون من آيات الأنبياء، وما يأتي به الأنبياء يجوز أن يظهر على أيدي السحرة والكهان. لكن إن دل على انتفاء ذلك نص أو إجماع نفوه مع أنه جائز عندهم أن يفعله الله، لكن بالخبر علموا أنه لم يفعله" (١) أ. هـ. والكلام في النبوة ودلائلها فرع على إثبات حكمة الرب وتنزيهه عن السوء والسفه؛ والنفاة لا يملكون فرقاناً بين موجب الحكمة، وبين ضدها ونقيضها لاستواء الأفعال ونفي المرجحات مع قبول الفطر والعقول لكافة المقدورات في زعمهم. لذلك فهم لا ينزهون الله عن فعل مقدور إلا المحال لذاته الذي ليس فيه مدحة ولا تنزيه في نفيه. وأما أهل السنة فنزهوا معبودهم عن كل سوء ظلم، وعن كل نقيض لحكمته ومستندهم في ذلك موجب فطرهم وعقولهم. وبذلك تحررت لديهم: دلائل النبوة وأعلام الرسالة؛ واستحال تحريرها على أيدي النفاة لأصولهم الخاوية على عروشها. قال ابن تيمية: "وبيان ذلك أن يقال: ما خلقه على يد الصادق هو قادر على أن يخلقه على يد الكاذب أم لا؟ فإن قلت: (٢) ليس بقادر فقد أثبت عجزه، وإن قلت: هو قادر على ذلك، فالمقدور عندك لا ينزه عن شيء منه، وإن قلت: هذا المقدور أنزهه عنه لئلا يلزم عجزه، كان حقيقة قولك: أثبت

стр. 154

عجزه لأنفي عجزه، فجعلته عاجزاً لئلا تجعله عاجزاً، فجمعت بين النقيضين بين إثبات العجز ونفيه، وإنما لزمه هذا لأنه لا ينزه الرب عن فعل مقدور فاستوت المقدورات كلها في الجواز عليه عنده، ولم يحكم بثبوت مقدور إلا بالعادة (١) أو الخبر، والعادة يجوز انتقاضها عنده، والخبر موقوف على العلم بصدق المخبر. ولا طريق له إلى ذلك. فتعين أن كل من لم ينزه الرب عن السواء والسفه، ويصفه بالحكمة والعدل لم يمكنه أن يعلم نبوة نبي، ولا المعاد ولا صدق الرب في شيء من الأخبار" (٢) أ. هـ. وقال ﵀: "ولما أرادوا إثبات معجزات الأنبياء ﵈. وأن الله سبحانه لا يظهرها على يد كاذب. مع تجويزهم عليه فعل كل شيء فعوا معاً (٣). فقالوا لو جاز ذلك؛ لزم أن لا يقدر على تصديق من ادعى النبوة. وما لزم منه نفي القدرة كان ممتنعاً. فهذا هو المشهور عن الأشعري. وعليه اعتمد القاضي أبو بكر. وابن فورك والقاضي أبو يعلى وغيرهم. وهو مبني على مقدمات: أحدها: أن النبوة لا تثبت إلا بما ذكروه من المعجزات، وأن الرب لا يقدر على إعلام الخلق بأن هذا نبي إلا بهذا الطريق، وأنه لا يجوز أن يعلموا ذلك ضرورة، وأن إعلام الخلق بأن هذا نبي بهذا الطريق ممكن. فلو قيل لهم: لا نسلم أن هذا ممكن على قولكم فإنكم إذا جوزتم عليه فعل كل شيء، وإرادة كل شيء لم يكن فرق بين: أن يظهرها على يد صادق أو كاذب. ولم يكن إرسال رسول يصدقه بالمعجزات ممكناً على أصلكم. ولم يكن لكم حجة على جواز إرسال الرسول وتصديقه بالمعجزات إذ كان لا طريق عندهم إلا خلق المعجز. وهذا إنما يكون دليلاً إذا علم أنه إنما خلقه لتصديق

стр. 155

الرسول، وأنتم عندكم لا يفعل شيئاً لشيء، ويجوز عليه فعل كل شيء. وسلك طائفة منهم طريقاً آخر وهي طريقة أبي المعالي وأتباعه، وهو أن العلم بتصديقه لمن أظهر على يديه المعجز علم ضروري، وضربوا له مثلاً بالملك (١) وهذا صحيح إذا منعت أصولهم، فإن هذه تعلم إذا كان المعلم بصدق رسوله ممن يفعل شيئاً لحكمة، فأما من لا يفعل شيئاً لشيء، فكيف يعلم أنه خلق هذه المعجزة لتدل على صدقه لا لشيء آخر، ولم لا يجوز أن يخلقها لا لشيء على أصلهم. وقالوا أيضاً ما ذكره الأشعري: المعجز علم الصدق ودليله، فيستحيل وجوده بدون الصدق، فيمتنع وجوده على يد الكاذب وهذا كلام صحيح، لكن كونه علم الصدق مناقض لأصولهم، فإنه إنما يكون علم الصادق إذا كان الرب منزهاً عن أن يفعله على يد الكاذب. أو علم بالاضطرار أنه إنما فعله لتصديق الصادق، أو أنه لا يفعله على يد كاذب، وذا علم بالاضطرار تنزهه عن بعض الأفعال بطل أصلهم" (٢) أ. هـ. فمآل أصول النفاة وحقيقة قولهم: أن الله يرسل رسولاً ولا يقيم حجة على صدقه، ويلزم الناس باتباعه.

стр. 156

قال ابن تيمية: "ثم إنه لما أثبت النبوة - أي: أبو بكر الباقلاني - قال: إنه يجوز على النبي فعل كل شيء من الكبائر، إلا أن يمنع من ذلك سمع، كما قال: كل ما كان معجزة للأنبياء يجوز أن يأتي به الساحر، إلا أن يمنع منه سمع إذ كان في نفس الأمر لا فرق بين فعل وفعل، بل يجوز من الرب كل شيء، فيجوز أن يبعث كل أحد، ولا يقيم على نبوته دليلاً. هذا حقيقة قولهم: أنه يجوز أن يبعث كل أحد، وأنه إذا بعثه لا يقيم دليلاً على نبوته، بل يلزم العباد بتصديقه بلا دليل يدلهم على صدقه، فإن غاية هذا تكليف ما لا يطاق، وهم يجوزونه. وهذا الذي قالوه باطل من وجوه متعددة قد بسطت في غير هذا الموضع" (١) أ. هـ. "فينبغي أن يتدبر هذا الموضع وتعرف الفروق الكبيرة بين: آيات الأنبياء، وبين ما يشتبه بها، كما يعرف الفرق بين: النبي وبين المتنبي، وبين ما يجيء به النبي، وما يجيء به المتنبي. فالفرق حاصل في نفس صفات هذا، وصفات هذا، وأفعال هذا، وأفعال هذا، وأمر هذا، وأمر هذا، وخبر هذا وخبر هذا، وآيات هذا، وآيات هذا. إذا الناس محتاجون إلى هذا الفرقان أعظم من حاجتهم إلى غيره، والله تعالى يبينه وييسره" (٢) أ. هـ. ويلزم النفاة في هذه المسألة التنقص بالرحمن، ورفع متعلق التكليف وما ينبني عليه من الثواب والعقاب. قال ابن تيمية: "فهذه الطريقة وهو أن ما يستحقه المخلوق من الكمال الذي لا نقص فيه، فالخالق أولى به، وما ينزه عنه المخلوق من العيوب المذمومة، فالخالق تعالى أولى بتنزيهه عن كل عيب وذم، وهو سبحانه القدوس السلام الحميد المجيد من أبلغ الطرق البرهانية وهي مستعملة في القرآن في غير موضع،

стр. 157

فلذلك يقال: الواحد من الناس قادر على إرسال رسول، وعلى أن يرسل نشابة وعلامة يعرفه المرسل إليهم بها صدقه، فكيف لا يقدر الرب على ذلك؟ ثم إذا أرسله إليهم وأمرهم بتصديقه وطاعته ولم يعرفهم أنه رسوله، كان هذا من أقبح الأمور، فكيف يجوز مثل هذا على الله؟ ولو بعثه بعلامة لا تدلهم على صدقه كان ذلك عيباً مذموماً، فكل ما ترك من لوازم الرسالة، إما أن يكون لعدم القدرة، وإما أن يكون للجهل والسفه وعدم الحكمة، والرب أحق بالتنزيه عن هذا وهذا من المخلوق، فإذا أرسل رسولاً فلا بد أن يعرفهم أنه رسوله ويبين ذلك، وما جعله آية وعلامة ودليلاً على صدقه امتنع أن يوجد بدون الصدق فامتنع أن يكون للكاذب المتنبي، فإن ذلك يقدح في الدلالة، فهذا ونحوه مما يعرف به دلالة الآيات من جهة حكمة الرب، فكيف إذا انضم إلى ذلك أن هذه سننه وعادته، وأن هذا مقتضى عدله، وكل ذلك عند التصور التام يوجب: علماً ضرورياً يصدق الرسول الصادق، وأنه لا يجوز أن يسوى بين الصادق والكاذب، فيكون ما يظهره النبي من الآيات يظهر مثله على يد الكاذب، إذ لو فعل هذا لتعذر على الخلق التمييز بين الصادق والكاذب، وحينئذ فلا يجوز أن يؤمروا بتصديق الصادق، ولا يذموا على ترك تصديقه وطاعته، إذ الأمر بذلك بدون دليله تكليف ما لا يطاق، وهذا لا يجوز في عدله وحكمته، ولو قدر أنه جائز عقلاً فإنه غير واقع" (١) أ. هـ. وبهذا يتبين لك أخي القارئ: عجز النفاة عن إثبات صحة الرسالة وصدق النبوة، وهذا أيضاً يلزم خصومهم من المعتزلة. قال ابن القيم: "وأما طريق العلم بالنبوة: فإنهم أصلوا أنه سبحانه يجوز عليه كل ممكن، وأنه يجوز عليه تأييد الكذابين بأنواع المعجزات، وأنه لا فرق بالنسبة إليه

стр. 158

سبحانه بين ذلك وبين تأييد الصادقين بها، فإن العقل لا يقبل ذلك، ولا يحسن هذا، وليس إلا مجرد القدرة والمشيئة، فلما أورد عليهم العقلاء أن هذا يسد طريق العلم بالنبوة، عدلوا إلى نوع من المعارضة لخصومهم من المعتزلة، وقالوا: هذا يلزمنا ويلزمكم، فإن وجوب النظر في المعجزة عندكم، وإن وجب بالعقل، لكن وجوبه نظري؛ فالمكلف يقول: لا أنظر حتى يجب علي، ولا يجب علي حتى أنظر، فسددتم على أنفسكم طريق إثبات النبوة، فانظر كيف آل أمر الفريقين إلى الاعتراف بأن العلم بإثبات النبوة طريقه مسدودة عليهم، وماذا يفيدكم مشاركة خصومكم لكم في هذا الضلال المبين والكفر المستبين؟ فأبعد الله أصولاً وقواعد هذا حاصلها، ورأس مال أصحابها" (١) أ. هـ. وأختم هذا الفصل بنقل للإمام ابن القيم يفضح فيه قول النفاة ويعري أصولهم الزائفة، ويهدم قواعدهم الساقطة قال ابن القيم ﵀: "وحسبك بمذهب فساداً استلزامه: جواز ظهور المعجزة على يد الكاذب، وأنه ليس بقبيح، واستلزامه جواز نسبة الكذب إلى أصدق الصادقين، وأنه لا يقبح منه، واستلزامه التسوية بين: التثليث والتوحيد في العقل، وأنه قبل ورود النبوة لا يقبح التثليث ولا عبادة الأصنام ولا مسبة المعبود، ولا شيء من أنواع الكفر، ولا السعي في الأرض بالفساد، ولا تقبيح شيء من القبائح أصلاً. وقد التزم النفاة ذلك وقالوا: إن هذا الأشياء لم تقبح عقلاً، وإنما جهة قبحها السمع فقط، وأنه لا فرق قبل السمع بين: ذكر الله والثناء عليه وحمده وبين ضده، ولا بين الصدق والكذب والعفة والفجور والإحسان إلى العالم والإساءة إليهم بوجه ما، وإنما التفريق بالشرع بين متماثلين من كل وجه. وقد كان تصور هذا المذهب على حقيقته كافيا في العلم ببطلانه وأن لا

стр. 159

يتكلف رده، ولهذا رغب عنه فحول الفقهاء والنظار من الطوائف كلهم، فأطبق اصحاب أبي حنيفة على خلافه، وحكوه عن أبي حنيفة نصاً، واختاره من أصحاب أحمد: أبو الخطاب وابن عقيل وأبو يعلى الصغير، ولم يقل أحد من متقدميهم بخلافه، ولا يمكن أن ينقل عنهم حرف واحد موافق للنفاة. واختاره من أئمة الشافعية: الإمام أبو بكر محمد بن علي بن إسماعيل القفال الكبير، وبالغ في إثباته، وبنى كتابه (محاسن الشريعة) عليه، وأحسن فيه ما شاء. وكذلك الإمام سعيد بن علي الزنجاني بالغ في إنكاره على أبي الحسن الأشعري القول: بنفي التحسين والتقبيح وأنه لم يسبقه إليه أحد. وكذلك أبو القاسم الراغب، وكذلك أبو عبد الله الحليمي وخلائق لا يحصون" (١) أ. هـ. وبهذا يكون قد تم هذ الفصل ولله الحمد والمنة. * * *

стр. 160

أهم نتائج الفصل الثالث - حجية العقل -: * العقل فيه وجوب التوحيد، وحسن العدل والصدق، وفيه البراءة من الشرك، وقبح الفواحش والظلم والكذب. * من المستحيل عقلاً أن يشرع الله عبادة غيره أبداً. * العقل حجة مستقلة في بطلان الشرك. * الشرك سوء ظن بالله وتنقص بحق ربوبيته وألوهيته وتوحيده. * لا عذر لأحد في الكفر بالله ألبتة. * ما كتبه الله ﷻ على نفسه، وما حرمه عليها، لا يُخل به، ولا يقع منه سبحانه خلافه. * حكمة الله وربوبيته تأبى: خلق الناس عبثاً وتركهم سدى، وذلك مستقر في الفطر والعقول. * العقل فيه التصديق بالبعث إمكاناً ووقوعاً. * الآيات الكونية تدل على توحيد ربها، وأن الألوهة لا تنبغي إلا له. * السمع يأتي بما يعجز العقل عن إدراكه، ولا يأت بمحالاته وضد موجبة. * أول ما أنزل من التشريع الأدلة العقلية الدالة على أصول الدين. * أدلة السمع على المطالب الإلهية نوعان: الأول الخبر المحض. والثاني: الأدلة العقلية التي تقيم صحة مقتضى الأخبار. * حجة الله الموجبة للعذاب قامت على العباد بالسمع والعقل. * الموحدون وافقوا السمع والعقل، والمشركون خالفوا مقتضاهما. * * *

стр. 161

الفصل الرابع آثار حجج التوحيد في مؤاخذة العبيد وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: بعث الرسل إزاحة لعلل الكفار. المبحث الثاني: الشرك قبل البيان افتراء على الله وأصحابه مذمومون. المبحث الثالث: وجوب التوبة من فعل السيئات الواقعة قبل البيان.

стр. 162

الفصل الرابع آثار حجج التوحيد في مؤاخذة العبيد بعد استعراض حجج الله سبحانه على أعظم معنى في الوجود والقائم على: إفراد الله بالعبادة والطاعة، مع الكفر بكافة الأرباب والآلهة المغبودة من دونه. تلك الحجج المتمثلة في: الميثاق والفطرة والعقل مع شهادة الآيات الكونية بصحة موجبها ومقتضاها. يمكننا الجزم والحزم: بأن الشرك والظلم والفواحش ذنوب وسيئات، ولو لم يأت الخطاب بالنهي عنها، وتقم حجة البلاغ بحرمتها، وما ذلك إلا لقيام تلك الحجج: ببراهين قبحها وتحسين ضدها من: التوحيد والعدل والطيبات. وقد أسجل الوحي على المشركين مخالفتهم لحجج التوحيد ونقضهم لعهودها ونبذهم للوفاء بها. ووصم أفعالهم القبيحة بأنها ذنوب وسيئات من قبل أن يقرع آذانهم بحكم من السمع يخالفونه. وحكم المولى جل في علاه على كل من وقع في عبادة غيره: بالافتراء والإفك والبهتان، ووبخهم على أفعالهم الممقوتة، وطالبهم تعجيزاً وتبكيتاً: بالسلطان والبرهان على دينهم المفترى وعلى صراطهم المعوج. قال تعالى: (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ) (١) وقال سبحانه (قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ

стр. 163

لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (١). وقد أمر الله بالاستغفار والتوبة لكل ناقض لحجج التوحيد ومتعد على سلطانها، وإن كان جاهلاً ولم تأته رسالة، ولا سمع لها بخبر. قال تعالى (إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ، أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ، يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ) (٢). فلو كان الشرك والظلم والفحشاء: كالمباح المستوي الطرفين والمعفو عنه، وكفعل الصبيان والمجانين، أو لم يثبت لها حكم قبل البيان، ما أمر بالاستغفار والتوبة منها، وما عيّر أصحابها بالافتراء والإفك مع توبيخهم وذمهم عليها، إذ كانت لا حكم لها ولا فرق بينها وبين الطعام والشراب واللهو المباح، ولا توصف بالقبح والسوء والذم إلا بالخبر. وهذا دليل عزيز وبرهان باهر وحجة ساطعة على أن: حسن التوحيد والعدل والطيبات، وقبح الشرك والظلم والخبائث ثابت في نفس الأمر معلوم بالفطر والعقول، وإلا لزم استواؤها ونفي المرجحات بينها حتى يقوم الخبر بالبيان. وتلك سوءة النفاة التي آلت بهم إلى: المكابرة في الحقائق، وجحد ضروريات المعارف، والطعن في مسلمات العلوم، والسفسطة في أوليات النظر. * * *

стр. 164

المبحث الأول: بعث الرسل إزاحة لعلل الكفار: وعلى ضوء هذه المقدمة نعيد قراءة قوله تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) (١). فغير خاف على كل ذي لب بطلان المعاني الآتية: وما كنا معذبين: فاعلي المباحات حتى نبعث رسولا. وما كنا معذبين: ذوي الأفعال التي لا حكم لها ولا شيء على فاعلها حتى نبعث رسولا. وما كنا معذبين: أولي الطاعات حتى نبعث رسولا. فلم يبق إلا المعنى الذي يقتضيه نظم الآية، وتوجبه مقاصد الشريعة وكليات الأدلة، واستقراء النصوص. وما كنا معذبين: الكفار أصحاب الذنوب والمعاصي - الناقضين لحجج التوحيد وبينات الهدى حتى نبعث رسولا. قال الإمام الطبري في قوله تعالى: (رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً) (٢). (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) يقول: أرسلت رسلي إلى عبادي مبشرين ومنذرين لئلا يحتج من كفر بي وعبد الأنداد من دوني أو ضل عن سبيلي بأن يقول إن أردت عقابه: (لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى)، فقطع حجة كل مبطل ألحد في توحيده، وخالف أمره بجميع معاني الحجج القاطعة عذره، إعذارا منه بذلك إليهم، لتكون لله الحجة البالغة عليهم، وعلى جميع خلقه. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك حدثنا

стр. 165

محمد بن الحسين قال: ثنا أحمد بن المفضل قال: ثنا أسباط، عن السدي (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) فيقولوا: ما أرسلت إلينا رسلا (وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً) يقول: ولم يزل الله ذا عزة في انتقامه ممن انتقم من خلقه على كفره به ومعصيته إياه بعد تثبيته حجته عليه برسله وأدلته، حكيما في تدبيره فيهم ما دبره" أ. هـ. وما أظهر أجلى هذا المعنى في قول المعصوم إمام الهدى ﷺ "ولا أحد أحب إليه العذر من الله، ومن أجل ذلك بعث المبشرين والمنذرين" متفق عليه واللفظ للبخاري. فعلام يكون العذر، إن لم يكن من شيء يستوجب: عقوبة؟ قال الحافظ: "قوله (ولا أحد أحب إليه العذر من الله ومن أجل ذلك بعث المنذرين والمبشرين) (١) يعني: الرسل، وقد وقع في رواية مسلم "ولذلك أنزل الكتب والرسل" أي: وأرسل الرسل، قال ابن بطال: هو من قوله تعالى (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ) (٢) فالعذر في هذا الحديث: التوبة والإنابة كذا قال، وقال عياض: المعنى بعث المرسلين للإعذار والإنذار لخلقه قبل أخذهم بالعقوبة، وهو كقوله تعالى (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) " (٣) أ. هـ. وقال النووي: "المعنى: ليس أحد أحب إليه الإعذار من الله تعالى. فالعذر هنا بمعنى: الإعذار والإنذار قبل أخذهم بالعقوبة، ولهذا بعث المرسلين،

стр. 166

كما قال : (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) " (١) أ. هـ. وقال القرطبي: "وبعث الرسل إزاحة لعذر الكفار" (٢) أ. هـ. وهذا المعنى مستفيض ذكره في القرآن وهو أبلغ من ضوء الشمس في رابعة النهار على رؤوس الأعلام. وقد حكم المولى ﵎ على أهل الكتاب فضلا عن المشركين قبل بعثة النبي ﷺ بأنهم: أهل فترة بقوله تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (٣). قال ابن كثير: ... والمقصود أن الله بعث محمداً ﷺ على فترة من الرسل، وطموس من السبل، وتغير الأديان، وكثرة عبادة الأوثان والنيران والصلبان، فكانت النعمة به أتم النعمة، والحاجة إليه أمر عمم، فإن الفساد قد عم جميع البلاد، والطغيان والجهل قد ظهر في سائر العباد إلا قليلاً من المتمسكين ببقايا من دين الأنبياء ... ثم إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من بني إسرائيل ... رواه الإمام أحمد ومسلم والنسائي من غير وجه ... فكان الدين قد التبس على أهل الأرض كلهم حتى بعث الله محمداً، - صلى الله عليه ويلم - فهدى الخلائق، وأخرجهم الله به من الظلمات إلى النور، وتركهم على المحجة البيضاء والشريعة الغراء. ولهذا قال - تعالى -: (أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ). أي: لئلا تحتجوا وتقولوا يا أيها الذين بدلوا دينهم وغيروه: ما جاءنا من رسول يبشر بالخير وينذر من الشر، فقد جاءكم بشير ونذير يعني محمداً ﷺ (٤) أ. هـ.

стр. 167

وهذا الزمن الذي يتسم بانقطاع النبوات وفتور الرسالات، قال الله في حق أهله: (وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (١). قال الطبري: "يقول - تعالى - ذكره -: ولولا أن يقول هؤلاء الذين: أرسلتك يا محمد، ﷺ إليهم لو حلّ بهم بأسنا أو أتاهم عذابنا من قبل أن نرسلك إليهم على كفرهم بربهم واكتسابهم الآثام واجترامهم المعاصي: ربنا هلا أرسلت إلينا رسولا من قبل أن يحل بنا سخطك، وينزل بنا عذابك فنتبع أدلتك وآي كتابك الذي تنزله على رسولك ونكون من المؤمنين بألوهيتك المصدقين رسولك فيما أمرتنا ونهيتنا. لعاجلناهم العقوبة على شركهم من قبل ما أرسلناك إليهم، ولكنا بعثناك إليهم نذيراً بأسنا على كفرهم لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل (٢) أ. هـ. وقال ابن كثير: "أي وأرسلناك إليهم لتقيم عليهم الحجة ولينقطع عذرهم إذا جاءهم عذاب من الله بكفرهم فيحتجوا بأنهم لم يأتهم رسول ولا نذير" (٣) أ. هـ. وقال البغوي: (وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ). عقوبة ونقمة (بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ) من الكفر والمعصية. (فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلا) هلا (أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ). وجواب لولا محذوف أي: لعاجلناهم بالعقوبة يعني: لولا أنهم يحتجون بترك الإرسال إليهم لعاجلناهم بالعقوبة على كفرهم، وقيل: معناه لما بعثناك إليهم رسولا، ولكن بعثناك إليهم لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل" (٤) أ. هـ.

стр. 168

وقال الإمام القاسمي: "ولولا أن تصيبهم مصيبة "أي: عقوبة "بما قدمت أيديهم" أي من الكفر والفساد. (فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) أي: بها. وجواب (لولا) الأولى محذوف ثقة بدلالة الحال عليه. أي: ما أرسلناك لكن قولهم هذا عند عقوبتهم محقق. ولذا أرسلناك قطعاً لمعاذيرهم" (١) أ. هـ. وهذا من آثار حجج التوحيد في مؤاخذة العبيد: ثبوت وصف الشرك لمن عبد غير الله تعالى وإن كان جاهلاً ولم تقم عليه حجة البلاغ؛ لمخالفته للعلوم الضرورية التي فطره فاطره عليها، وركز في عقله حسنها ووجوبها وبرهانها وقامت الآيات الكونية ناطقة بصحتها، وشاهدة ببطلان ضدها. فتلك المسألة قد التأم شمل الأدلة عليها، ووقع عليها أعلام الموقعين عن رب العالمين. فاسم الشرك ثبت قبل الرسالة لمن عبد غير الله، وعدل به غيره، وجعل له أندادا؛ إلا أن الله العلي الكبير لكمال رحمته وحبه العذر وقف العذاب عليه حتى إيتان النذير وبلوغ الرسالة. فإرسال الرسل مبشرين ومنذرين إزاحة لعلل الكفار والمشركين، وقطعاً لمعاذيرهم وحججهم، إذا حل بهم بأس المنتقم الجبار، أو أتاهم عذابه الذي لا يرد عن القوم المجرمين. قال الإمام الشنقيطي: "اعلم أولاً: أن من لم يأته نذير في دار الدنيا وكان كافراً حتى مات، اختلف العلماء فيه: هل هو من أهل النار لكفره، أو هو معذور لأنه لم يأته نذير؟ كما أشار له في مراقي السعود بقوله:

стр. 169

ذو فترة بالفرع لا يراع ... وفي الأصول بينهم نزاع" (١) أ. هـ. وقال ﵀: "قوله تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً). ظاهر هذه الآية الكريمة: أن الله جل وعلا لا يعذب أحداً من خلقه لا في الدنيا ولا في الآخرة، حتى يبعث إليه رسولا ينذره ويحذره فيعصي ذلك الرسول، ويستمر على الكفر والمعصية بعد الإنذار والإعذار ... وها الخلاف مشهور بين أهل الأصول - هل المشركون الذين ماتوا في الفترة وهم يعبدون الأوثان في النار لكفرهم، أو معذورون بالفترة؟. قال مقيده عفا الله عنه: الظاهر أن التحقيق في هذه المسألة التي هي: هل يعذر المشركون بالفترة أو لا؟ هو أنهم معذورون بالفترة في الدنيا، وأن الله يوم القيامة يمتحنهم بنار يأمرهم باقتحامها، فمن اقتحمها دخل الجنة وهو الذي كان يصدق الرسل لو جاءته في الدنيا. ومن امتنع دخل النار وعذب فيها، وهو الذي كان يكذب الرسل لو جاءته في الدنيا، لأن الله يعلم ما كانوا عاملين لو جاءتهم الرسل" (٢). أ. هـ. وبهذا يكون قد انسل محل الاتفاق عن موضع النزاع. فثبوت وصف الشرك وحكمه لمن عبد غير الله قبل الرسالة أمر متفق عليه بين سلف الأمة وأئمتها، والعذاب عليه قبل الحجة موضع نزاع بينهم، وإن كان الراجح الذي تقتضيه الأصول والنصوص عدم وقوع العذاب في الدارين قبل قيام الحجة الرسالية. وقد أجمع أهل العلم على خروج هؤلاء عن مسمى الإسلام ومباينتهم لزمرة أهله. فالإسلام: "هو توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له والإيمان بالله

стр. 170

ورسوله واتباعه فيما جاء به؛ فما لم يأت العبد بهذا فليس بمسلم، وإن لم يكن كافراً معانداً فهو كافر جاهل" (١) أ. هـ. والمشرك لم يأت بهذا القدر من التوحيد والإيمان، فكيف يتحلى بوصف الإسلام؟!! قال إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: "بل أهل الفترة الذين لم تبلغهم الرسالة والقرآن، وماتوا على الجاهلية لا يسمون مسلمين بالإجماع ولا يستغفر لهم، وإنما اختلف أهل العلم في تعذيبهم" (٢) أ. هـ. * * *

стр. 171

المبحث الثاني: الشرك قبل البيان افتراء على الله وأصحابه مذمومون: ومن آثار حجج التوحيد في مؤاخذة العبيد: الحكم على المشركين بالافتراء والإفك، وعلى فعلتهم النكراء المتمثلة في اتخاذ آلهة من دون الله تقربهم إليه زلفى بأنها ذنب عظيم وسيئة قبيحة ويجب - أي: الوجوب المستوجب للعقاب لتاركه - على أصحابها التوبة منها، والمآب إلى التوحيد بعد البيان. قال تعالى: (وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ، يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ، وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ) (١). قال ابن تيمية: "فجعلهم مفترين قبل أن يحكم بحكم يخالفونه لكونهم جعلوا مع الله إلها آخر. فاسم المشرك ثبت قبل الرسالة؛ فإنه يشرك بربه، ويعدل به، ويجعل معه آلهة أخرى، ويجعل له أنداداً قبل الرسول" (٢) أ. هـ. وقال الإمام الطبري: القول في تأويل قوله تعالى (وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ). يقول تعالى ذكره: وأرسلنا إلى قوم عاد أخاهم هودا فقال لهم: يا قوم اعبدوا الله وحده لا شريك له دون ما تعبدون من دونه من الآلهة والأوثان، ما لكم من إله غيره يقول: ليس لكم معبود يستحق العبادة عليكم غيره؛ فأخلصوا له العبادة، وأفردوه بالألوهة (إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ) يقول: ما أنتم في إشراككم معه الآلهة والأوثان إلا أهل قرية مكذبون تختلقون الباطل لأنه لا إله سواه ...

стр. 172

القول في تأويل قوله تعالى: (وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ). يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل هود لقومه: ويا قوم استغفروا ربكم يقول: آمنوا به حتى يغفر لكم ذنوبكم. والاستغفار هو الإيمان بالله في هذا الموضع لأن هودا ﷺ إنما دعا قومه إلى توحيد الله ليغفر لهم ذنوبهم كما قال نوح لقومه: (اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ، يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً) وقوله (ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ) يقول ثم توبوا إلى الله من سالف ذنوبكم وعبادتكم غيره بعد الإيمان به (يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً) يقول: فإنكم إن آمنتم بالله وتبتم من كفركم به أرسل قطر السماء عليكم يدر لكم الغيث في وقت حاجتكم إليه، وتحيا بلادكم من الجدب والقحط" (١) أ. هـ. وقال الإمام البغوي: "قوله تعالى: (وَإِلَى عَادٍ) أي: وأرسلنا إلى عاد (أَخَاهُمْ هُوداً)، في النسب لا في الدين، (قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ): "وحدوا الله"، (مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ): ما أنتم في إشراككم إلا كاذبون. (يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ)، أي: على تبليغ الرسالة، (أَجْراً) جُعْلا، (إِنْ أَجْرِيَ): ما ثوابي (إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي)، خلقني، (أَفَلا تَعْقِلُونَ). (وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ)، أي: آمنوا به، والاستغفار ها هنا بمعنى الإيمان، (ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ)، من عبادة غيره ومن سالف ذنوبكم" (٢) أ. هـ. وقال تعالى في حق خليله إبراهيم: (إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا

стр. 173

يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً، يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً). قال ابن تيمية: "فهذا توبيخ على فعله قبل النهي" (١) أ. هـ. وقال الشوكاني: (لم تعبد) للإنكار والتوبيخ (٢) أ. هـ. وقال عبد الرحمن السعدي: (إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ) مهجناً له عبادة الأوثان (يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً) أي: لم تعبد أصناماً ناقصة في ذاتها، فلا تسمع ولا تبصر ولا تملك لعابدها نفعاً ولا ضراً، بل لا تملك لأنفسها شيئاً من النفع، ولا تقدر على شيء من الضر. فهذا برهان جلي دال: على أن عبادة الناقص في ذاته وأفعاله مستقبح عقلا وشرعاً" (٣) أ. هـ. فانظر إلى قول الخليل ﵇ وأمعن النظر فيه (لِمَ تَعْبُدُ) ولم يقل (لا تعبد). فثبت بهذا التوبيخ والذم للمشركين قبل البيان. فهل يكون هذا على فعل مباح، أو على فعل لا حكم له قبل الخبر؟!!! هذا مع قول الخليل لأبيه (يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً). قال ابن كثير: "يقول: وإن كنت من صلبك وتراني أصغر منك لأني ولدك فاعلم: أني قد اطلعت من العلم من الله على ما لم تعلمه أنت ولا اطلعت عليه ولا جاءك بعد" (٤). أ. هـ. وقال ابن تيمية: وكذلك قول الخليل لقومه أيضاً: (مَاذَا تَعْبُدُونَ، أَإِفْكاً

стр. 174

آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ، فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ) - إلى قوله - (أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ، وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) فهذا كله يبين قبح ما كانوا عليه قبل النهي، وقبل إنكاره عليهم، ولهذا استفهم استفهام منكر، فقال: (أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ، وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) أي: وخلق ما تنحتون، فكيف يجوز أن تعبدوا ما تصنعونه بأيديكم؟ وتدعون رب العالمين. فلولا أن حسن التوحيد، وعبادة الله تعالى وحده لا شريك له، وقبح الشرك ثابت في نفس الأمر، معلوم بالعقل، لم يخاطبهم بهذا إذ كانوا لم يفعلوا شيئا يذمون عليه، بل كان فعلهم كأكلهم وشربهم، وإنما كان قبيحاً بالنهي، ومعنى قبحه: كونه منهياً عنه، لا لمعنى فيه؛ كما تقوله المجبرة" (١) أ. هـ. وقال القاسمي: (أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ) أي: أتريدون بطريق الكذب، آلهة دون الله؟ القول في تأويل قوله تعالى: (فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ). "فما ظنكم برب العالمين" أي: بمن هو الحقيق بالعبادة، لكونه ربا للعالمين، حتى تركتم عبادته وأشركتم به غيره. والمعنى: لا يقدر في وهم ولا ظن ما يصد عن عبادته. لأن استحقاقه للعبادة أظهر من أن يختلج عرق شبهة فيه. فأنكر ظنهم الكائن في بيان استحقاقه للعبادة. وهو الذي حملهم على عبادة غيره. أو المعنى: فما ظنكم به؟ ماذا يفعل بكم وكيف يعاقبكم وقد عبدتم غيره؟ وعلى كل، فالاستفهام إنكاري. والمراد من إنكار الظن إنكار ما يقتضيه" (٢) أ. هـ. * * *

стр. 175

المبحث الثالث: وجوب التوبة من فعل السيئات الواقعة قبل البيان: وهذا أيضا من آثار حجج التوحيد في مؤاخذة العبيد. لا جرم أن الذي يواقع الفاحشة يستشعر قبحها وسوء منقلبها. دليل ذلك استخفاؤه بها، ونقمته على من يهم بفعلها في أهله وذويه. وكذلك الذين يطففون الميزان يعلمون يقينا جرم فعلتهم النكراء، وبرهانه أنهم: إذا اكتالوا على الناس يستوفون، وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون. وكذلك الذي يغتصب القناطير المقنطرة من الذهب والفضة والورق، يأبى ويأنف أنه يُغتصب درهم منه بغير وجه حق .. وبذلك ندرك علة اقتران الأمر بالاستغفار مع دعوة التوحيد على ألسنة الرسل الكرام لأقوامهم المشركين العصاة. قال ابن تيمية: "و"أيضاً" أمر الله الناس أن يتوبوا ويستغفروا مما فعلوه (١)، فلو كان كالمباح المستوي الطرفين والمعفو عنه، وكفعل الصبيان والمجانين، ما أمر بالاستغفار والتوبة، فعلم أنه كان من السيئات القبيحة، لكن الله لا يعاقب إلا بعد إقامة الحجة، وهذا كقوله تعالى: (الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ، أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ، وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ). وقوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ، الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ) وقال: (إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ، أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ، يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ). فدل على أنها كانت: ذنوباً

стр. 176

قبل إنذاره إياهم (١) وقال عن هود: (وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ، يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ، وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ) [هود: ٥٠ - ٥٢]. فأخبر في أول خطابه: أنهم مفترون. بأكثر الذي كانوا عليه، كما قال لهم في الآية الأخرى: (أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ) (٢). وكذلك قال صالح: (يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ) (٣). وكذلك قال لوط لقومه: (أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ) (٤). فدل على أنها كانت فاحشة عندهم قبل أن ينهاهم. بخلاف قول من يقول: ما كانت فاحشة، ولا قبيحة، ولا سيئة حتى نهاهم عنها؛ ولهذا قال لهم: (أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ) (٥). وهذا خطاب لمن يعرفون قبح ما يفعلون، ولكن أنذرهم بالعذاب. وكذلك قول شعيب: (أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) (٦). بين أن ما فعلوه كان بخسا لهم أشياءهم، وأنهم كانوا عاثين في الأرض مفسدين قبل أن ينهاهم؛ بخلاف

стр. 177

قول "المجبرة" أن ظلمهم ما كان سيئة، إلا لما نهاهم، وأنه قبل النهي كان بمنزلة سائر الأفعال من الأكل والشرب، وغير ذلك. كما يقولون في سائر ما نهت عنه الرسل من: الشرك والظلم والفواحش ... وقد قال سبحانه: (وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (١) (٢) وقال: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ) (٣) (٤) وقال: (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) (٥) (٦). فهذا وإن كان قال الصحابة والتابعون: إن كل عاص فهو جاهل. كما قد بسط في موضع آخر، فهو متناول لمن يكون (٧) علم التحريم أيضاً. فدل على أنه يكون عاملاً سوءاً، وإن كان لم يسمع الخطاب المبين المنهي

стр. 178

عنه، وأنه يتوب من ذلك فيغفر الله له ويرحمه، وإن كان لا يستحق العقاب إلا بعد بلوغ الخطاب، وقيام الحجة. وإذا كانت التوبة والاستغفار تكون من ترك الواجبات، وتكون مما لم يكن علم أنه ذنب، تبين كثرة ما يدخل في التوبة والاستغفار، فإن كثيراً من الناس إذا ذكرت التوبة والاستغفار يستشعر قبائح قد فعلها فعلم بالعلم العام أنها قبيحة: كالفاحشة، والظلم الظاهر. فأما ما قد يتخذ دينا فلا يعلم أنه ذنب - إلا من علم أنه باطل - كدين المشركين، وأهل الكتاب المبدل، فإنه مما تجب التوبة والاستغفار منه، وأهله يحسبون أنهم على هدى. وكذلك البدع كلها (١) أ. هـ. وقد أطبق أهل العلم بلا خلاف بينهم على سوء أفعال المشركين من أهل الفترات، وعلى وجوب التوبة عليهم منها. إلا أنهم اختلفوا في الكافر منهم إذا أسلم، هل توبته من الشرك تجبه فقط، أم تجبه وسائر عمله السيء من الذنوب والمعاصي؟. فالكلمة متفقة وملتئمة على قبح أفعالهم ووجوب البراءة منها - وهو محل الاستدلال - ومختلفة في ماهية المكفر وحده، هل هو الانخلاع من الشرك فقط؟ أم الانخلاع منه ومن سائر المعاصي؟. عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رجل يا رسول الله ﷺ : أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية؟ قال: من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء أخذ بالأول والآخر) (٢) أخرجاه في الصحيحين واللفظ للبخاري. قال ابن تيمية معلقاً عليه: "وحسن الإسلام" أن يلتزم فعل ما أمر الله به،

стр. 179

وترك ما نهى عنه. وهذا معنى التوبة العامة، فمن أسلم هذا الإسلام غفرت ذنوبه كلها. وهكذا كان إسلام السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان؛ ولهذا قال النبي ﷺ : في الحديث الصحيح لعمرو بن العاص: "أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله" فإن اللام لتعريف العهد، والإسلام المعهود بينهم كان الإسلام الحسن. وقوله: "ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر" أي: إذا أصر على ما كان يعمله من الذنوب فإنه يؤاخذ بالأول والآخر. وهذا موجب النصوص والعدل، فإن من تاب من ذنب غفر له ذلك الذنب، ولم يجب أن يغفر له غيره. والمسلم تائب من الكفر، كما قال تعالى: (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ) (١) وقوله: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) (٢) أي: إذا انتهوا عما نهوا عنه غفر لهم ما قد سلف. فالانتهاء عن الذنب هو التوبة منه. من انتهى عن ذنب غفر له ما سلف منه. وأما من لم ينته عن ذنب فلا يجب أن يغفر له ما سلف لانتهائه عن ذنب آخر. والله أعلم (٣) أ. هـ. وقال الحافظ: قوله: (ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر) قال الخطابي: ظاهره خلاف ما أجمعت عليه الأمة أن الإسلام يجب ما قبله، وقال

стр. 180

تعالى: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) (١) قال: ووجه هذا الحديث أن الكافر إذا أسلم لم يؤاخذ بما مضى، فإن أساء في الإسلام غاية الإساءة وركب أشد المعاصي وهو مستمر الإسلام فإنه إنما يؤاخذ بما جناه من المعصية في الإسلام ويبكت بما كان منه في الكفر كأنه يقال له: ألست فعلت كذا وأنت كافر فهلا منعك إسلامك عن معاودة مثله؟ انتى ملخصا. وحاصله أنه أول المؤاخذة في الأول بالتبكيت وفي الآخر بالعقوبة، والأولى قول غيره: إن المراد بالإساءة الكفر لأنه غاية الإساءة وأشد المعاصي فإذا ارتد ومات على كفره كان كمن لم يسلم فيعاقب على جميع ما قدمه، وإلى ذلك أشار البخاري بإيراد هذا الحديث بعد حديث "أكبر الكبائر الشرك" وأورد كلا في أبوب المرتدين، ونقل ابن بطال عن المهلب قال: معنى حديث الباب من أحسن في الإسلام بالتمادي على محافظته والقيام بشرائطه لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام أي في عقده بترك التوحيد أخذ بكل ما أسلفه، قال ابن بطال: فعرضته على جماعة من العلماء فقالوا لا معنى لهذا الحديث غير هذا، ولا تكون الإساءة هنا إلا الكفر للإجماع على أن المسلم لا يؤاخذ بما عمل في الجاهلية. قلت: وبه جزم المحب الطبري. ونقل ابن التين عن الداودي معنى: من أحسن مات على الإسلام، ومن أساء مات على غير الإسلام. وعن أبي عبد الملك البوني: معنى من أحسن في الإسلام أي: أسلم إسلاماً صحيحاً لا نفاق فيه ولا شك، ومن أساء في الإسلام أي: أسلم رياء وسمعة، وبهذا جزم القرطبي، ولغيره معنى الإحسان: الإخلاص حين دخل فيه، ودوامه عليه إلى موته، والإساءة: بضد ذلك، فإنه إن لم يخلص إسلامه كان منافقاً فلا ينهدم
следующие страницы →