قبل إنذاره إياهم (١)
وقال عن هود: (وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ، يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ، وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ) [هود: ٥٠ - ٥٢].
فأخبر في أول خطابه: أنهم مفترون. بأكثر الذي كانوا عليه، كما قال لهم في الآية الأخرى: (أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ) (٢).
وكذلك قال صالح: (يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ) (٣).
وكذلك قال لوط لقومه: (أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ) (٤). فدل على أنها كانت فاحشة عندهم قبل أن ينهاهم. بخلاف قول من يقول: ما كانت فاحشة، ولا قبيحة، ولا سيئة حتى نهاهم عنها؛ ولهذا قال لهم: (أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ) (٥). وهذا خطاب لمن يعرفون قبح ما يفعلون، ولكن أنذرهم بالعذاب.
وكذلك قول شعيب: (أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) (٦). بين أن ما فعلوه كان بخسا لهم أشياءهم، وأنهم كانوا عاثين في الأرض مفسدين قبل أن ينهاهم؛ بخلاف
стр. 177
قول "المجبرة" أن ظلمهم ما كان سيئة، إلا لما نهاهم، وأنه قبل النهي كان بمنزلة سائر الأفعال من الأكل والشرب، وغير ذلك. كما يقولون في سائر ما نهت عنه الرسل من: الشرك والظلم والفواحش ...
وقد قال سبحانه: (وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (١)(٢)
وقال: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ) (٣)(٤) وقال: (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) (٥)(٦).
فهذا وإن كان قال الصحابة والتابعون: إن كل عاص فهو جاهل. كما قد بسط في موضع آخر، فهو متناول لمن يكون (٧) علم التحريم أيضاً.
فدل على أنه يكون عاملاً سوءاً، وإن كان لم يسمع الخطاب المبين المنهي
стр. 178
عنه، وأنه يتوب من ذلك فيغفر الله له ويرحمه، وإن كان لا يستحق العقاب إلا بعد بلوغ الخطاب، وقيام الحجة.
وإذا كانت التوبة والاستغفار تكون من ترك الواجبات، وتكون مما لم يكن علم أنه ذنب، تبين كثرة ما يدخل في التوبة والاستغفار، فإن كثيراً من الناس إذا ذكرت التوبة والاستغفار يستشعر قبائح قد فعلها فعلم بالعلم العام أنها قبيحة: كالفاحشة، والظلم الظاهر. فأما ما قد يتخذ دينا فلا يعلم أنه ذنب - إلا من علم أنه باطل - كدين المشركين، وأهل الكتاب المبدل، فإنه مما تجب التوبة والاستغفار منه، وأهله يحسبون أنهم على هدى. وكذلك البدع كلها (١) أ. هـ.
وقد أطبق أهل العلم بلا خلاف بينهم على سوء أفعال المشركين من أهل الفترات، وعلى وجوب التوبة عليهم منها. إلا أنهم اختلفوا في الكافر منهم إذا أسلم، هل توبته من الشرك تجبه فقط، أم تجبه وسائر عمله السيء من الذنوب والمعاصي؟.
فالكلمة متفقة وملتئمة على قبح أفعالهم ووجوب البراءة منها - وهو محل الاستدلال - ومختلفة في ماهية المكفر وحده، هل هو الانخلاع من الشرك فقط؟ أم الانخلاع منه ومن سائر المعاصي؟.
عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رجل يا رسول الله ﷺ : أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية؟ قال: من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء أخذ بالأول والآخر) (٢) أخرجاه في الصحيحين واللفظ للبخاري.
قال ابن تيمية معلقاً عليه: "وحسن الإسلام" أن يلتزم فعل ما أمر الله به،
стр. 179
وترك ما نهى عنه. وهذا معنى التوبة العامة، فمن أسلم هذا الإسلام غفرت ذنوبه كلها.
وهكذا كان إسلام السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان؛ ولهذا قال النبي ﷺ : في الحديث الصحيح لعمرو بن العاص: "أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله" فإن اللام لتعريف العهد، والإسلام المعهود بينهم كان الإسلام الحسن.
وقوله: "ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر" أي: إذا أصر على ما كان يعمله من الذنوب فإنه يؤاخذ بالأول والآخر. وهذا موجب النصوص والعدل، فإن من تاب من ذنب غفر له ذلك الذنب، ولم يجب أن يغفر له غيره.
والمسلم تائب من الكفر، كما قال تعالى: (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ) (١) وقوله: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) (٢) أي: إذا انتهوا عما نهوا عنه غفر لهم ما قد سلف.
فالانتهاء عن الذنب هو التوبة منه. من انتهى عن ذنب غفر له ما سلف منه. وأما من لم ينته عن ذنب فلا يجب أن يغفر له ما سلف لانتهائه عن ذنب آخر. والله أعلم (٣) أ. هـ.
وقال الحافظ: قوله: (ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر) قال الخطابي: ظاهره خلاف ما أجمعت عليه الأمة أن الإسلام يجب ما قبله، وقال
стр. 180
تعالى: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) (١) قال: ووجه هذا الحديث أن الكافر إذا أسلم لم يؤاخذ بما مضى، فإن أساء في الإسلام غاية الإساءة وركب أشد المعاصي وهو مستمر الإسلام فإنه إنما يؤاخذ بما جناه من المعصية في الإسلام ويبكت بما كان منه في الكفر كأنه يقال له: ألست فعلت كذا وأنت كافر فهلا منعك إسلامك عن معاودة مثله؟ انتى ملخصا.
وحاصله أنه أول المؤاخذة في الأول بالتبكيت وفي الآخر بالعقوبة، والأولى قول غيره: إن المراد بالإساءة الكفر لأنه غاية الإساءة وأشد المعاصي فإذا ارتد ومات على كفره كان كمن لم يسلم فيعاقب على جميع ما قدمه، وإلى ذلك أشار البخاري بإيراد هذا الحديث بعد حديث "أكبر الكبائر الشرك" وأورد كلا في أبوب المرتدين، ونقل ابن بطال عن المهلب قال: معنى حديث الباب من أحسن في الإسلام بالتمادي على محافظته والقيام بشرائطه لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام أي في عقده بترك التوحيد أخذ بكل ما أسلفه، قال ابن بطال: فعرضته على جماعة من العلماء فقالوا لا معنى لهذا الحديث غير هذا، ولا تكون الإساءة هنا إلا الكفر للإجماع على أن المسلم لا يؤاخذ بما عمل في الجاهلية.
قلت: وبه جزم المحب الطبري. ونقل ابن التين عن الداودي معنى: من أحسن مات على الإسلام، ومن أساء مات على غير الإسلام. وعن أبي عبد الملك البوني: معنى من أحسن في الإسلام أي: أسلم إسلاماً صحيحاً لا نفاق فيه ولا شك، ومن أساء في الإسلام أي: أسلم رياء وسمعة، وبهذا جزم القرطبي، ولغيره معنى الإحسان: الإخلاص حين دخل فيه، ودوامه عليه إلى موته، والإساءة: بضد ذلك، فإنه إن لم يخلص إسلامه كان منافقاً فلا ينهدم
стр. 181
عنه ما عمل في الجاهلية، فيضاف نفاقه المتأخر إلى كفره الماضي فيعاقب على جميع ذلك.
قلت: وحاصله أن الخطابي حمل قوله: "في الإسلام" على صفة خارجة عن ماهية الإسلام، وحمله غيره على صفة في نفس الإسلام وهو أوجه.
تنبيه: حديث ابن مسعود هذا يقابل حديث (١) أبي سعيد الماضي في كتاب الإيمان معلقاً عن مالك، فإن ظاهر هذا أن من ارتكب المعاصي بعد أن أسلم يكتب عليه ما عمله من المعاصي قبل أن يسلم، وظاهر ذلك أن من عمل الحسنات بعد أن أسلم يكتب له ما عمله من الخيرات قبل أن يسلم، وقد مضى القول في توجيه الثاني عند شرحه، ويحتمل أن يجيء هنا بعض ما ذكره هناك كقول من قال: إن معنى كتابة ما عمله من الخير في الكفر: أنه كان سبباً لعمله الخير في الإسلام.
ثم وجدت في "كتاب السنة" لعبد العزيز بن جعفر - وهو من رءوس الحنابلة - ما يدفع دعوى الخطابي وابن بطال الإجماع الذي نقلاه، وهو ما نقل عن الميموني عن أحمد أنه قال: بلغني أن أبا حنيفة يقول: إن من أسلم لا يؤاخذ بما كان في الجاهلية، ثم رد عليه بحديث ابن مسعود ففيه: أن الذنوب التي كان الكافر يفعلها في جاهليته إذا أصر عليها في الإسلام فإنه يؤاخذ بها، لأنه بإصراره لا يكون تاب منها وإنما تاب من الكفر فلا يسقط عنه ذنب تلك المعصية لإصراره عليها، وإلى هذا ذهب الحليمي من الشافعية، وتأول بعض الحنابلة قوله: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) على أن المراد: ما سلف مما انتهوا عنه، قال: والاختلاف في هذه المسألة مبني على أن: التوبة هي الندم على الذنب مع الإقلاع عنه والعزم على عدم العود إليه.
стр. 182
والكافر إذا تاب من الكفر ولم يعزم على عدم العود إلى الفاحشة لا يكون تائبا منها فلا تسقط عنه المطالبة بها. والجواب عن الجمهور أن هذا خاص بالمسلم وأما الكافر فإنه يكون بإسلامه (١) كيوم ولدته أمه، والأخبار دالة على ذلك كحديث أسامة لما أنكر عليه النبي ﷺ : قتل الذي قال: لا إله إلا الله حتى قال في آخره "حتى تمنيت أنني كنت أسلمت يومئذ" (٢) أ. هـ.
فها هي نقول كبراء أهل العلم وفحول السلف شاهدة بسوء أعمال المشركين وقبح أفعالهم قبل البيان، وأنها معاصي وذنوب، ويجب على أصحابها التوبة منها، والانخلاع من شرها.
وبهذا البيان يمكننا الاهتداء إلى علة مقت الله لأهل الأرض عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب، قبل بعثة النبي ﷺ : - وقبل نزول القرآن.
أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن عياض بن حمار المجاشعي أن رسول الله ﷺ قال: " ... وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب" (٣).
قال الإمام النووي: "المقت: أشد البغض؛ والمراد بهذا المقت والنظر: ما قبل بعثة رسول الله صلى الله عليهم وسلم -. والمراد ببقايا أهل الكتاب: الباقون على التمسك بدينهم الحق من غير تبديل (٤) أ. هـ.
وهذا المقت والبغض للمشركين، والازدراء على أفعالهم المشينة، ومطالبتهم بوجوب التوبة منها والانخلاع عنها، كان في وقت فترت فيه
стр. 183
الرسالات، وطمست فيه السبل، ولم تكن لديهم بقايا ملة من الملل، أو آثارة من علم تقم بها الحجة عليهم.
قال الإمام الشنقيطي في هذا المعنى:
"قوله تعالى: (وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا) [آل عمران: ١٠٣]. هذه الآية الكريمة تدل على: أن الأنصار ما كان بينهم وبين النار إلا أن يموتوا مع أنهم كانوا أهل فترة، والله تعالى يقول: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً). ويقول: (رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) [النساء: ١٦٥]، وقد بين تعالى هذه الحجة بقوله في سورة طه: (وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى) [طه: ١٣٤].
والآيات بمثل هذا كثيرة، والذي يظهر في الجواب والله تعالى أعلم: أنه برسالة محمد ﷺ لم يبق عذر لأحد، فكل من لم يؤمن به فليس بينه وبين النار إلا أن يموت.
كما بينه تعالى بقوله: (وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ) [هود: ١٧]. وما أجاب به بعضهم من أن عندهم بقية من إنذار الرسل الماضين، تلزمهم بها الحجة فهو جواب باطل، لأن نصوص القرآن مصرحة: بأنهم لم يأتهم نذير كقوله تعالى: (لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ) [يس:٦] وقوله: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ) [السجدة: ٣]. وقوله: (وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ) [القصص: ٤٦] وقوله: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ) [المائدة: ١٩] وقوله تعالى:
стр. 184
(وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ) [سبأ: ٤٤] (١) أ. هـ.
"وبهذا تكون قد تقررت قاعدة من قواعد الأحكام، المستقاة من فهم دلالات النصوص وموجب مقتضى الأصول، ومن استقراء الأدلة. أنه يجب "الاستغفار والتوبة مما فعله وتركه في حال الجهل قبل أن يعلم أن هذا قبيح من السيئات، وقبل أن يرسل إليه رسول، وقبل أن تقوم عليه الحجة.
فإنه سبحانه قال: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) " (٢) أ. هـ.
* * *
стр. 185
أهم نتائج الفصل الرابع - آثار حجج التوحيد في مؤاخذة العبيد -:
* حسن التوحيد وقبح الشرك حقيقة ثابتة معلومة بالعقل.
* الشرك قبل البيان افتراء على الله وأصحابه مذمومون.
* ثبوت وصف الشرك لمن عبد غير الله، وإن كان جاهلاً ولم تقم عليه حجة البلاغ.
* فعل الشرك والفواحش ذنوب ومعاصي، ولو لم تقم حجة البلاغ على أصحابها، ويجب عليهم التوبة والاستغفار منها بعد بلوغ الخطاب وقيام الحجة.
* بعث الرسل إزاحة لعلل الكفار.
* الإسلام: هو توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، والإيمان به وبرسوله - صلى الله عليه سلم - واتباعه فيما جاء به؛ ومن ثم استحال ثبوت وصف الإسلام لمن عبد غير الله جاهلاً كان أو عامداً.
* من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما فعل في الجاهلية؛ ومن أساء أخذ بالأول والآخر.
* * *
стр. 186
تلخيص دقيق للبحث
* حجية الميثاق:
- لقد أخذ الله من بني آدم - وهم في عالم الذر قبل الخلق - ميثاقاً غليظاً على أن يعبدوه وحده لا شريك له، ويكفروا بكل معبود سواه؛ ثم فطر المولى جل في علاه كل مولود على: أثره ومقتضاه، وركز في عقولهم: أدلته وبرهانه.
- وعليه أصبح العلم الإلهي فطرياَ ضرورياً؛ وهو يبين: بطلان الشرك في التأله. فالإله لا بد أن يكون: رباً خالقاً منعماً؛ ومن فقد الربوبية بطل تألهه واستحال.
- ومن ثم كان الميثاق حجة مستقلة في بطلان الشرك على كافة البشر وسائر الأمم؛ وعليه لا يستطيع أحد من الذرية الاحتجاج بالغفلة والجهل، ولا بالاتباع والتقليد على جرم الشرك أو التعطيل.
- فنصب الأدلة على التوحيد قائم مع المشركين أينما كانوا، وبه انقطع عذرهم لغفلتهم عن آياته، وإقبالهم على التقليد، والاقتداء بالآباء.
- ولذا فقد صح عند أهل السنة: أن حجة الله قد قامت بالخلق الأول في عالم الذر، وذلك قبل الرسل، ولم يختلفوا في صحته، إنما اختلفوا في كيفية وقوعه.
* * *
стр. 187
* حجية الفطرة:
- لو تركت الفطر ودواعيها لما كانت إلا عارفة بالله، وتوحيده، وأسمائه وصفاته المنبثق منها: وحدانية ألوهيته.
- فالمولى جل في علاه - قد فطر عباده منيبين إليه بالطاعة والتأله، ومعرضين عن تأله كل ما سواه.
- والفطر فيها كذلك: الإقرار بسعادة النفوس البشرية وشقاوتها، وجزائها بكسبها في غير هذه الدار؛ وأما تفصيل ذلك الجزاء، وبيان مراتب السعادة والشقاوة فلا تعلم إلا بالرسل.
- وبذلك شهدت فطر وعقول الموحدين: بأن الله أهل لأن يعبد، ولو لم يرسل بذلك الرسل، وينزل به الكتب.
- وعليه أصبحت الفطرة هي: بينة التوحيد وشاهده في أنفس الموحدين. فلا جرم أن الفطر يقتضي عبادة الفاطر، لا سيما إذا كان المبدأ منه، والمصير إليه. فهذا يحتم على المفطور: التفرغ لعبادة فاطره.
- وبهذا تكون الفطرة حجة مستقلة في بطلان الشرك، وذلك لسبق حجيتها: كافة الحجج الداحضة، والمعاذير الساقطة، والعلل العليلة التي يتشبث بها المشركون لتسويغ: افترائهم وإفكهم.
- والدليل على أن الفطرة تقتضي بذاتها الإسلام، والخروج عنه خلاف مقتضاها، هو أن الرسول ﷺ لم يذكر للإسلام شرطاً مقتضياً له غيرها، وجعل ما دونه من الأديان والاعتقادات الباطلة من إحداث الأبوين - أو من يقوم مقامها في التربية والتنشئة -. والإجماع والآثار عن سلف الأمة وأئمتها لا تدل إلا على هذا القول الراجح في مقتضى الفطرة.
- ولا يلزم من تحرير مقتضى الفطرة أن يكون الطفل ساعة خروجه من
стр. 188
بطن أمه عالماً بمعنى: "لا إله إلا الله". فإن الله أخرجنا من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئا.
ولكن سلامة القلب واستقامته على التوحيد، وبراءته من الشرك بكافة صوره وألوانه، بحيث لو ترك صاحبه بلا مغير لصبغته - منذ ولادته حتى تعلقه - لما كان إلا موحداً لربه بالألوهية، وكافراً بكل معبود سواه.
- ثم أرسل الله الرسل، وأنزل الكتب بتقرير الفطرة وتكميلها، لا بتغييرها وتحويلها.؟ والكمال يحصل: بالفطرة المكملة بالشرعة المنزلة.
- إلا أن الكتب الربانية، والرسل والإلهية لا تنشئ في فطر الخلق: العلم بالله وتوحيده وأسمائه وصفاته ... ولكن تذكرها، وتنبهها، وتفصله لها، وتزيل العوارض عنها.
- وبذلك ظهر تطابق وتوافق: الفطر، والعقول، والسمع، وتبين خروجهم جميعاً من مشكاة واحدة. فأولياء الله وخاصته الموحدون المخلصون عبدوه، ووحدوه، وأحبوه، ومجدوه، وحمدوه .. بداعي الفطرة، وداعي العقل، وداعي النقل فاجتمعت لهم كافة الدواعي ونادتهم من كل جهة ودعتهم إلى: إلههم ووليهم وفاطرهم.
- أما المشركون الذين عبدوا مع الله غيره؛ فلم يكن لديهم قط - على تقوّلهم وباطلهم - دليل ولا حجة صحيحة من المعقول أو المنقول، بل وفي الفطر السليمة خلاف ذلك، هذا مع إعراضهم عن الأدلة والبراهين التي نصبها الله تعالى شاهدة على التوحيد، وناطقة بجرم المشركين وإفكهم.
- والمشرك قد ظن بالله وربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته من النقص والازدراء ما الله به عليم - شاء المشرك ذلك أم أبى - حتى أحوجه ذلك إلى عبودية غيره، وتأله سواه.
стр. 189
فلو ظن بالله ما هو أهله من أنه بكل شيء عليم، وأنه على كل شيء قدير .. ما وقع في عبودية غيره، ولا في تأله أحد سواه.
- وبهذا كان جواز الشرك في الفطر والعقول مستحيلا وممتنعاً، لاستلزامه التنقص بالرحمن، والهضم لحقوق ربوبيته وتوحيده وأسمائه وصفاته، مع الظن به - والحال هكذا - أسوأ الظن وأشنعه.
- وبذلك تكون الفطرة قد قطعت: كافة الأسباب الواهية الداعية إلى: الشرك، أو التعطيل والإلحاد.
- ومن ثم كانت جميع العبادات البدنية لا تصح - فضلا عن أن تقبل - حتى تصح وتستقيم مسألة التوحيد في القلوب فيظهر أثرها على الجوارح وفي السلوك.
* * *
стр. 190
* حجية العقل:
- لقد من المولى ﵎ على عباده بمنة العقل ليعرفوا به: معبودهم ويوحدوه، ويدركوا به أسماءه الحسنى وصفاته العلى المنبثق منها: وحدانية تألهه، وكذا ليتحقق لهم به: قبح الشرك، والفواحش، والخبائث.
- ومن ثم أصبح أوجب شيء في العقول: عبادة الفاطر الخالق المنعم، وكذا بطلان عبادة المفطور المخلوق، المربوب.
- فالعقل الصحيح قد عرفنا: وجوب الإقرار بالله، وربوبيته، وشكر نعمه، ومحبته، وطاعته.
وعرفنا: قبح الشرك بالله، والإعراض عنه، ونسبته إلى ما لا يليق به.
وعرفنا: وجوب المآب بعد الممات إلى الله الواحد القهار لتجزى كل نفس بما كسبت.
وعرفنا: قبح الظلم، والفواحش، والبغي، والعدوان ..
وعرفنا: أن العقول البشرية لا توجب على ربها شيئا، وأنه يتعالى ويتقدس عن ذلك؛ وأما ما كتبه وحرمه على نفسه بمقتضى علمه وعدله وحكمته ورحمته فإنه لا يخل به، ولا يقع منه خلافه. فهو إيجاب منه على نفسه بنفسه، وتحريم منه على نفسه بنفسه؛ فليس فوقه تعالى آمر ولا ناه، ولا موجب ولا محرم.
- وعليه أصبح من الممتنع والمستحيل عقلاً: جواز الشرك بالله، إذ قبح ذلك مركوز فيه، ولو لم يأت بذلك شرع.
- بل وغدا محض العقل كافياً باتفاق في: معرفة الله وتوحيده؛ ولا يتوقف ذلك على مجرد الخبر.
فصفات الكمال لله ووحدانيته، ووجوب عبادته وحده بلا شريك، مع نفي النقائص والعيوب، وتنزيهه عنها أمر ثابت (١) له سبحانه بمقتضى الأدلة
стр. 191
العقلية، والبراهين اليقينية، مع دلالة السمع عليه.
- ومن ثم أصبح العقل حجة مستقلة في بطلان الشرك، ولو لم يأت بحرمته سمع.
- ولهذا أنكر القرآن على المشركين: الوقوع في عبادة غير الله، واقتراف الفواحش والمنكرات، وذمهم على ذلك من قبل أن يقرع آذانهم بحكم من السمع يخالفونه.
- واحتج القرآن عليهم بما جبلت عقولهم، وصيغت به من: حسن عبادة الله وحده، وقبح الشرك به وعبادة غيره.
- فالوحي الرباني دلالته على المطالب الإلهية نوعان:
أحدهما: الخبر المحض.
والثاني: الأدلة العقلية، والبراهين اليقينية التي تقيم صحة مقتضى كافة الأخبار الدالة على أصول الدين.
وبذلك تكون دلالتها شرعية عقلية، شرعية: لأن الشرع دل عليها، وأرشد إليها؛ وعقلية: لأنه بالعقل يعلم صحتها، ويستقل بإدراكها، وليس لمجرد الخبر.
ومن هنا ندرك: أن الدليل الشرعي لا يقابل بالدليل العقلي، بل بالدليل البدعي. فالبدعة ضد الشرعة، والمعقول برهان المنقول وميزانه. وعلى الجملة فكل ما جاء به الرسول ﷺ من الأصول الاعتقادية، والمطالب الإلهية فقد تطابق على صحتها المعقول، والمنقول، مع قبول الفطر السليمة لها واستقامتها عليه.
- ومن ثم أصبحت الفطر والعقول من أقوى حجج، وبراهين النبيين، والمرسلين على المعطلة، والمشركين.
- وعليه نقطع بأنه: لا عذر لأحد في الكفر بالله ألبتة، إلا أن الله لحبه العذر وقف العقوبة عليه حتى تقوم الحجة الرسالية.
- ولقد قامت حجة عظيمة من حجج الله وبيناته - والمتمثلة في آيات الله
стр. 192
الكونية، ومخلوقاته المرئية - شاهدة: على صدق ما أخبرت به الرسل، وما لو تأمل العباد فيه لرأوه مركوزاً في فطرهم، ومستقراً في عقولهم من: وجوب عبادة الله وحده، ومعرفته، وضرورة المحيا بعد الممات للحساب والقصاص.
- وبهذا نتيقن: أنه لا عذر لأحد من الخلق في جهله بربه؛ وتوحيده لما يرى من خلق السموات والأرض، وخلق نفسه، وسائر ما خلق الله .
- فالرسل تخبر عن الله بكلامه الذي تكلم به وهو: آياته القولية؛ ويستدلون على ذلك بمفعولاته - التي تشهد على صحة ذلك - وهي آياته العيانية. والعقل يجمع بين هذه وهذه، فيجزم بصحة ما جاءت به الرسل، فتتفق شهادة السمع، والبصر، والعقل، والفطرة.
* * *
стр. 193
* آثار حجج التوحيد في مؤاخذة العبيد:
- بعد استعراض حجج الله وبيناته على وجوب التوحيد وحل الطيبات، وعلى حرمة الشرك والخبائث والمتمثلة في: الميثاق، والفطرة، والعقل، مع شهادة الآيات الكونية بصحة موجبها ومقتضاها، يمكننا الاهتداء إلى علة ثبوت وصف الشرك لمن عبد غير الله جاهلاً، ولو لم تقم عليه حجة البلاغ.
- وبذلك أسجل القرآن على المشركين: مخالفتهم لحجج التوحيد، وخرقهم لعهودها، ونبذهم للوفاء بها؛ ووصف أفعالهم القبيحة - من الشرك، واقتراف الموبقات - بأنها ذنوب - وسيئات من قبل أن يقرع آذانهم بحكم من السمع يخالفونه.
- ومن ثم أوجب - أي: الوجوب المستوجب للعقاب لمن لم يقم به - عليهم: التوبة والاستغفار مما اقترفت أيديهم من الشرك والفساد فور مجيء الرسل إليهم، وبلوغ الخطاب لهم.
- فلولا أن حسن التوحيد، وعبادة الله تعالى وحده لا شريك له، وقبح الشرك به أمر ثابت في نفسه معلوم بالفطر والعقول لم يخاطبهم القرآن بهذا، إذ كانوا لم يفعلوا شيئاً يُذمّون عليه.
- وبذلك ندرك المعنى الجليل لقوله تعالى (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) (الإسراء: ١٥)، ولقول المعصوم ﷺ "ولا أحد أحب إليه العذر من الله ومن أجل ذلك بعث المبشرين والمنذرين". فنفي العذاب في الآية برهان باهر على: اقتراف أفعال مذمومة من المشركين العصاة تستوجب العقوبة عليها، وكذلك عذر الله لعباده المتمثل في إرسال الرسل - مبشرين ومنذرين - يؤكد مدلول آية الإسراء؛ وإلا انتفى المقصود من نفي العذاب في الآية، وحب الله للعذر في الحديث.
стр. 194
- ومن ثم كان: إرسال الرسل والنبيين إزاحة لعلل الكفار والمشركين، وقطعاً لأعذارهم، لئلا يكون لهم حجة على ربهم بعد مجيئهم.
- وبهذا يكون قد تقرر: أن حكم الشرك ثابت قبل الرسالة لمن عبد غير الله، وعدل به غيره، وجعل له أنداداً، والعقاب عليه لا يكون إلا بعد قيامها.
- وقد وقع الخلاف بين العلماء في العبد الناقض لحجج التوحيد: بالشرك، وكان كافراً حتى مات، إلا أنه لم يأته نذير في الدنيا، ولا سمع للرسالة بخبر. هل يكون من أهل النار لكفره؟ أو معذوراً لعدم البلاغ؟.
والقول الراجح الذي تقتضيه الأصول، والنصوص هو: عدم وقوع العذاب في الدارين حتى تقوم الحجة الرسالية.
- إلا أن أهل العلم قد أجمعوا على: خروج هذا العبد عن مسمى الإسلام، ومباينته لزمرة أهله.
- لأن الإسلام هو: توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، والإيمان بالله وبرسوله ﷺ واتباعه فيما جاء به. فما لم يأت العبد بهذا فليس بمسلم، وإن لم يكن كافراً معانداً فهو كافر جاهل.
- وبهذا تكون قد تقررت قاعدة من قواعد الأحكام وهي: وجوب التوبة والاستغفار من فعل الشرك والخبائث، الشاهد على قبحها وذمها الفطر والعقول، ولو كان صاحبها جاهلاً، ومن أرباب الفترات الخالية عن ذكر الرسالات.
* * *
стр. 195
* مناقشة هادئة:
وكأني الآن ببعض الإخوة المخالفين في هذه المسألة يقول: يا أخي إن كل ما ذكرته خارج عن محل النزاع، والرسالة لم تحرر بعد موضع الخلاف. فمحل الخلاف بيننا ليس في الكافر الأصلي، وإنما هو فيمن نطق بالشهادتين مريداً للإسلام، ثم ألمت به مصيبة ما، فأراد الخلاص منها، فغرر به بعض أحبار الصوفية فوقع في علم من أعلام الشرك الأكبر جاهلاً بحرمته، وقاصداً للتقرب زلفى بين يدي الإله ..
والجواب:
أولاً: أرى من تحريركم موضع النزاع: موافقتكم، وإقراراكم لنا بأن من عبد غير الله جاهلاً من أهل الفترات الفاقدة للحجة والبرهان يكون مشركاً، ولا يعذر بجهله، وتخلف قصده. وهذا أمر مجمع عليه بين سلف الأمة وجمهرة العلماء.
قال إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: "بل أهل الفترة الذين لم تبلغهم الرسالة، والقرآن، وماتوا على الجاهلية لا يسمون مسلمين بالإجماع، ولا يستغفر لهم، وإنما اختلف أهل العلم في تعذيبهم" (١).
وقال ابن تيمية: "فاسم المشرك ثبت قبل الرسالة فإنه يشرك بربه، ويعدل به، ويجعل معه آلهة أخرى، ويجعل له أنداداً قبل الرسول" (٢)
وقال الإمام الشنقيطي ﵀: "اعلم أولاً أن من لم يأته نذير في دار الدنيا؛ وكان كافراً حتى مات، اختلف العلماء فيه هل هو من أهل النار لكفره، أو هو معذور لأنه لم يأته نذير؟." (٣).
стр. 196
ثانيا: وبعد ثبوت هذا الحكم المجمع عليه نكون بين احتمالين لا ثالث لهما:
إما أن تكون هناك حجج ومواثيق أخذت على العباد من ربهم، وفاطرهم توجب عليهم: التوحيد، والبراءة من الشرك، فمن خرقها، ولم يؤد حقوقها منهم ثبت له بها وصف الشرك وحكمه.
وإما أن يكون المولى جل في علاه قد كلف عباده بما لا يطاق، وأوجب عليهم ما ليس في وسعهم. وهذا ظلم تنزه ربنا عنه.
ولا شك أن أي إنسان صاحب دين لا يجد لنفسه خياراً إلا الاحتمال الأول.
إذاً فقد ثبت بإقراركم وجود حجج وبينات تفرض على العباد: الكفر بالطواغيت والأنداد، مع الإيمان بوحدانية الخالق الفاطر في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته.
فلو لم تؤخذ تلك الحجج والمواثيق (١)،
لساغ الاحتجاج للمشركين، وعنهم: بالغفلة والجهل، وبالتقليد واتباع الآباء.
إلا أن هذه الحجج والمواثيق الموجبة للتوحيد، والانخلاع من الشرك، سابقة لكافة الحجج الداحضة، والعلل الواهية التي يتشبث بها المشركون والملاحدة.
وقد مرت علينا الآيات والأحاديث الدالة على تلك العهود والمواثيق بفهم الصحابة، والتابعين، وتابعيهم بإحسان من أهل العلم العاملين قاضية وحاكمة: بعموم تلك الحجج لسائر البشر، وكافة القرون، ولم يوجد الاستثناء فيها ألبتة لأي واحد من الذرية، فضلاً عن أي أمة من الأمم.
ثالثاً: ثم أعود فأقول أريد منكم: وصفاً مناسباً منضبطا مؤثراً في التفريق
стр. 197
بين حال ما ذكرتموه، وبين حال الكافر الأصلي.
- فمنهم من يقول: لقد نطق بالشهادتين مريداً للإسلام، فثبت له عقده، ثم وقع في فعل مكفر لم يقصد به المروق، ولا الخروج من الملة ..
والجواب: نعم إن النطق بالشهادتين مع عدم التلبس بناقض حال التلفظ بها يكون دلالة على عصمة الدم، والمال، والحكم على صاحبها بالإسلام، مع افتراض توفر شروط عصمة الدم والمال لديه دون امتحان أو سؤال.
لكن هل التعويل في ذلك على النطق بألفاظ مبهمة، خفية الحقائق، والمعاني، واللوازم؛ أم المقصود إرادة المعاني، والمقاصد التي جعلت الألفاظ دلالة عليها، وعلى إرادة موجبها، حتى يتطابق ويتحقق المعنى الخارجي للألفاظ مع مراد المتكلم ومقصوده.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "والتعويل في الحكم على قصد المتكلم، والألفاظ لم تقصد لنفسها، وإنما هي مقصود للمعاني، والتوصل بها إلى معرفة مراد المتكلم." (١).
وقال أيضاً: "والألفاظ لم تقصد لذواتها، وإنما هي أدلة يستدل بها على مراد المتكلم" (٢).
وقال أيضاً: "وهذا الذي قلناه من اعتبار النيات والمقاصد في الألفاظ، وأنها لا تلزم بها أحكامها حتى يكون المتكلم بها قاصداً لها، مريداً لموجباتها، كما أنه لا بد أن يكون قاصداً للتكلم باللفظ مريداً له، فلا بد من إرادتين:
إرادة التكلم باللفظ اختياراً، وإرادة موجبه ومقتضاه؛ بل إرادة المعنى آكد من إرادة اللفظ، فإنه المقصود واللفظ وسيلة، هو قول أئمة الفتوى من علماء الإسلام" (٣).
وقال سلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام: "إذا نطق الأعجمي بكلمة
стр. 198
كفر، أو إيمان، أو طلاق، أو إعتاق، أو بيع، أو شراء، أو صلح، أو إبراء لم يؤاخذ بشيء من ذلك لأنه لم يلتزم مقتضاه، ولم يقصد إليه، وكذلك إذا نطق بما يدل على هذه المعاني بلفظ أعجمي لا يعرف معناه فإنه لا يؤاخذ بشيء من ذلك لأنه لم يرده. فإن الإرادة لا تتوجه إلا إلى معلوم أو مظنون، وإن قصد العربي بنطق شيء من هذه الكلم، مع معرفته بمعانيها نفذ ذلك منه." (١).
وقال الإمام الطحاوي معلقاً على حديث الحبريّن اللذين شهدا بنبوة النبي ﷺ ، دون الإقرار بفرضية اتباعه. قال ﵀:
"ففي هذا الحديث أن اليهود قد كانوا أقروا بنبوة رسول الله ﷺ مع توحيدهم لله، فلم يقاتلهم - أي لامتناعهم عن طاعته بعد الإقرار بصحة رسالته - رسولا لله ﷺ حتى يقروا: بجميع ما يقر به المسلمون.
فدل ذلك أنهم لم يكونوا بذلك القول مسلمين: وثبت أن الإسلام لا يكون إلا بالمعاني التي تدل على الدخول في الإسلام، وترك سائر الملل" (٢).
نعم إن المقصود من أعظم وأجل شهادة في الوجود هو: القيام بمعانيها، وإرادة موجباتها، وتحقيق مقتضياتها، مع حتمية النطق بألفاظها، إلا أن القيام بشروطها، وتحقيق أركانها، لا يقل بحال من الأحوال عن النطق بألفاظها.
فالعبد الذي يعلم معانيها، ويدرك مقتضياتها، إلا أنه يأبى مختاراً التلفظ بها فليس بمسلم باتفاق، وكذلك الذي ينطق بها، دون معرفة موجباتها، أو عدم القيام بأركانها لا يكون مسلماً سواء بسواء. وهذا أمر معلوم بالأدلة من الكتاب والسنة والإجماع والميزان.
قال عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: "أما النطق بها - أي الشهادتين - من غير معرفة لمعناها، ولا يقين، ولا عمل بما تقتضيه من البراءة من الشرك، وإخلاص القول والعمل: قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح فعير
стр. 199
نافع بالإجماع." (١).
وقال محمد بن إبراهيم: "فإن كثيراً من الناس ينتسبون إلى الإسلام، وينطقون بالشهادتين، ويؤدون أركان الإسلام الظاهرة، ولا يكتفي بذلك في الحكم بإسلامهم، ولا تحل ذكاتهم لشركهم بالله في العبادة بدعاء الأنبياء والصالحين ولاستغاثة بهم، وغير ذلك من أسباب الردة عن الإسلام" (٢).
كيف وقد جاءت الأدلة متواترة من الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة وأئمتها حاكمة، ومصرحة:
بشروط عصمة الدم والمال، والحكم بالإسلام مثل: النطق، والعلم، والانخلاع من الشرك، والكفر بالطواغيت، مع الانقياد والقبول لكافة أحكام الله ...
قال تعالى (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ) (٣). والتوبة باتفاق المفسرين تتمثل في: الانخلاع من الشرك، وقال تعالى (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ) (٤) وقال تعالى (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (٥) وقال تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) (٦) وقال تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) (٧).
стр. 200
وقال ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله" (١) وفي رواية: "حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به" (٢).وفي رواية "ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة" (٣) وفي رواية "من وحد الله" (٤) وفي رواية: "من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله" (٥)
قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب: "وهذا من أعظم ما يبين معنى "لا إله إلا الله" فإنه لم يجعل التلفظ بها عاصماً للدم والمال، بل ولا معرفة معناها مع لفظها، بل ولا الإقرار بذلك، بل ولا كونه لا يدعو إلا الله وحده لا شريك له، بل لا يحرم ماله ودمه حتى يضيف إلى ذلك: الكفر بما يعبد من دون الله؛ فإن شك أو توقف لم يحرم ماله ودمه. فيا لها من مسألة ما أعظمها، ويا له من بيان ما أوضحه، وحجة ما أقطعها للمنازع" (٦)
- ومنهم من يقول: لا نستطيع تكفيره لأن ما اقترفه كفر عملي، لا اعتقادي ...
وتلك سوءة المرجئة الذين هم أضر على الأمة من الخوارج - لقصرهم الإيمان على مجرد التصديق والاعتقاد، مع التلفظ بالشهادتين دون أعمال القلب والجوارح التي هي المعركة الكبرى بينهم، وبين أهل السنة في تلك القضية.
ومنهم من يقول: لا نجرؤ على التكفير حتى نعلم انشراح القلب بما صدر من الجوارح من دلالات الكفر، وأعلام الشرك، إذ الظاهر وحده لا تتكيف به الأحكام، ولا يصلح أن يكون بمفرده مناطاً لها.
وتلك سوءة التجهم التي جوزت - ظلماً وزوراً - إتيان كافة أبواب الكفر،
стр. 201
مع طمأنية القلب بالإيمان لعدم ارتباط الظاهر بالباطن لديهم، انطلاقاً من قولهم الفاسد في الإيمان أنه: مجرد الاعتقاد والتصديق دون الإقرار والقبول والانقياد المتمثل في: قول اللسان، وعمل القلب والجوارح، ومن ثم أصبحت كافة دلالات الكفر لديهم غير مؤثرة سلباً في الإيمان، ولا حتى التصريح بالكفر والإلحاد لأن اللسان قد يخبر بغير ما انطوى القلب عليه، إلا أن الشرع إذا حكم بالكفر على: قول، أو فعل، أو ترك حكموا بكفر من قام به في الظاهر دون الباطن، وفوضوا أمره في الآخرة إلى علام الغيوب، فلو كان مصدقا في الباطن نجا، وإلا هلك.
وأما الذين قد تبنوا قول الجهمية اليوم في هذا الأمر - وورثوه وورّثوه - فقد قطعوا بالنجاة لفاعل الشرك الأكبر جاهلاً في الظاهر والباطن، وفي الدنيا والآخرة!! وإنا لله وإنا إليه راجعون.
- وهناك من يقول: ليس لدينا باب إلى التكفير ألبتة، حتى نعلم القصد إليه وإرادة موجبة.
والجواب: لا بد في هذا المقام من التفريق بين إرادتين وقصدين:
فمن قال لا نحكم بالكفر حتى يقوم بصاحبه إرادة المعنى المؤثر فيه، مع قصد التلفظ به، أو فعله اختياراً. فهذا حق لا ريب فيه.
مثال لذلك: من قال: نحن نؤمن بالديمقراطية ظناً منه أنها مرادفة للشورى ومساوية لها. فهذا لا يكفر لعدم علمه بالمعنى المؤثر في الكفر لتلك اللفظة، ومن ثم عدم إرادة موجبه المتمثل في: حكم الشعب نفسه بنفسه وتنحية شرع الله، ورفض حكمه وقضائه.
وأما من قالها مع إدراكه لمعناها فهذا يكفر، ولو لم يقصد الكفر لإرادته المعنى المؤثر فيه مع قصده للتلفظ بلفظه اختياراً.
стр. 202
قال ابن تيمية: "وبالجملة فمن قال أو فعل ما هو كفر كفر بذلك، وإن لم يقصد أن يكون كافرا. إذ لا يقصد الكفر أحد إلا ما شاء الله" (١).
وسئل محمد بن عبد الوهاب عمن: نطق بكلمة كفر ولم يعلم معناها فلا يكفر بذلك. هل المعنى: نطق بها ولم يعرف شرحها، أو نطق بها ولم يعلم أنها تكفره؟
فأجاب: "إذا نطق بكلمة الكفر ولم يعلم معناها صريح واضح أنه يكون نطق بما لا يعرف معناه، وأما كونه أنه لا يعرف أنها تكفره فيكفي فيه قوله تعالى: (لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) (٢). فهم يعتذرون للنبي ﷺ ظانين أنها لا تكفرهم؛ والعجب ممن يحملها على هذا - أي أن الكفر لا يكون إلا مع العلم - وهو يسمع قوله تعالى (وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً) (٣) و (إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ) (٤) و (وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ) (٥). أيظن أن هؤلاء ليسوا كفاراً؟ لكن لا تستنكر الجهل الواضح لهذه المسائل لأجل غربتها" (٦).
فلو لم يكن ذلك كذلك لوجدنا أنفسنا مضطرين أن نلتزم بعدم تكفير عوام أهل الكتاب الذين ما زالوا في ظنهم على الجادة والصواب، وأكبر دليل على ذلك: الحرب الدينية التي يخوضونها مع المسلمين في كافة بقاع الأرض.
- وهنا قد يقول أحدهم: قدسية الكلمة - أي: "لا إله إلا الله" -
стр. 203
تشفع لمن قالها أياً كان حاله.
والجواب: هل النطق بالشهادتين وحده يكفي لتحقق النحاة؟
فمن قال: نعم فقد سوغ إيمان المنافقين، ومن شهد بها من أهل الكتاب مع إقامتهم على شركهم وتبديلهم.
ومن قال: لا. نقول له: لِمَ؟
والجواب المعلوم قبل إجابته: أنهم فقدوا شرطاً من شروطها.
إذاً فقد ثبت بإقراركم أن للشهادتين شروطاً لا تتحقق بالنجاة إلا بوجودها حال التلفظ بها.
قال الشوكاني: وأما من تكلم بكلمة التوحيد، وفعل أفعالاً تخالف التوحيد كاعتقاد هؤلاء المعتقدين في الأموات، فلا ريب أنه قد تبين من حالهم: خلاف ما حكته ألسنتهم من إقرارهم بالتوحيد.
ولو كان مجرد التكلم بكلمة التوحيد موجباً للدخول في الإسلام والخروج من الكفر، سواء فعل المتكلم بها ما يطابق التوحيد أو ما يخالفه، لكانت نافعة لليهود مع أنهم يقولون: عزير ابن الله، وللنصارى مع أنهم يقولون: المسيح ابن الله، وللمنافقين مع أنهم يكذبون بالدين، ويقولون: بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، وجميع هذا الطوائف الثلاث يتكلمون بكلمة التوحيد" (١).
- ومنهم من يقول: لا نستطيع أن نكفر من هذا شأنه لسبق عقد الإسلام له.
والجواب: أو ليس قد ثبت عقد الإسلام يوماً لجماهير أهل الكتاب، ثم مرقت العامة منهم من الملة - بسبب افتراء وتبديل أحبارهم ورهبانهم - مع اعتقادهم وجزمهم بأنهم ما زالوا على الجادة والصواب.
قال تعالى في حقهم: (وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ
стр. 204
نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ) (١) وقال تعالى: (وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ) (٢).
وهنا قد يصيح أحد الإخوة المخالفين قائلاً: لقد كفر هؤلاء لعدم إيمانهم بالنبي الخاتم ﷺ وعدم قبولهم لشرائعه.
والجواب: فماذا كان حكمهم قبل بعثة النبي ﷺ ، ونزول القرآن؟
- وقد يقول بعضهم: أنى لنا بتكفير من آمن بالله، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره، مع إتيانه بعلم من أعلام الشرك الأكبر جاهلاً ومتأولاً؟
والجواب: إن الذي يسوغ الإيمان لعبد من هذه الأمة بتلك الأصول الاعتقادية، مع تلبسه بعلم من أعلام الشرك الأكبر، يلزمه: الحكم بالإيمان لعوام اليهود والنصارى بتلك الأصول ذاتها لادعائهم الإيمان بها مع تلبسهم بعلم من أعلام الشرك الأكبر سواء بسواء.
- فقد يدلي أحدهم بوصف مفرّق - بزعمه - فيقول: الفرق بينهما يظهر في إيمان الأول بكافة النبيين والمرسلين، وفي كفر الثاني بخاتمهم أجمعين ﷺ . والجواب: أن عامة جمهور الثاني قد كفروا بسيد المرسلين ﷺ من باب الجهل والتأويل فقد افترى لهم أحبارهم ورهبانهم - الذين هم محل الثقة الدينية لديهم: أنه كاهن، أو ساحر، أو كاذب، وقومه وعشيرته وأقرب الناس به نسباً، وأقرهم به عيناً هم الذين قاتلوه وأخرجوه، وهم أعلم حالاً به، أو يزعمون الإيمان بنبوته للعرب خاصة إلا أن أتباعه حرفوا تراثه، وادعوا عموم رسالته، ويقولون: بيننا وبينهم كتابه الناطق بـ (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ
стр. 205
رَسُولاً مِنْهُمْ) (١) ولقوله تعالى (لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ). ونحن قد أنذر آباؤنا ...
والذي يعذر بالجهل في الكفر بالإله يلزمه لا محالة قبوله في الكفر بالرسالة من باب أولى.
- وقد يقول بعضهم نحن لا يلزمنا شيء من تلك اللوازم لأننا لا نعذر بالجهل في الشرك الأكبر لدى الأمم السابقة إلا أننا نقول به لهذه الأمة خاصة، دون من سبقها من الأمم.
والجواب: قد مرت علينا عموم حجج التوحيد لكافة البشر، وسائر العبيد، ولم يأت فيها الاستثناء لأي واحد من الذرية كان محلاً لإبرام تلك الحجج والمواثيق.
والرخص التي يتمتع بها أهل القبلة، لا تكون إلا لعبد موحد، متحنف، تارك للشرك على بصيرة وقصد، ومنخلع منه إلى توحيد ربه في ربوبيته وألوهيته، مع إيمانه برسالة نبيه ﷺ ، وقبوله واتباعه لكافة أحكامه.
قال تعالى: (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ) (٢).
قال القرطبي: (فَإِنْ تَابُوا) أي: عن الشرك، والتزموا أحكام الإسلام قال ابن عباس ﵄ حرمت هذه الآية دماء أهل القبلة" (٣).
فهذا وصف أهل القبلة: الانخلاع من الشرك مع التزام الشرائع، فهذا هو الذي يترخص برخص أهل القبلة، أما المشرك فقد بان عن وصف أهل القبلة فلا يتمتع برخصها.
قال ابن تيمية في قول النبي ﷺ "إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت بها
стр. 206
أنفسها ما لم تكلم به أو تعمل به". والعفو عن حديث النفس إنما وقع لأمة محمد، ﷺ المؤمنين بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. فعلم أن هذا العفو هو فيما يكون من الأمور التي لا تقدح في الإيمان. فأما ما نافى الإيمان فذلك لا يتناوله لفظ الحديث، لأنه إذا نافى الإيمان لم يكن صاحبه من أمة محمد، ﷺ ، في الحقيقة، ويكون بمنزلة المنافقين، فلا يجب أن يعفى عما في نفسه من كلامه أو عمله. وهذا فرق بيّن يدل عليه الحديث، وبه تأتلف الأدلة الشرعية. وهذا كما عفا الله لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان كما دل عليه الكتاب والسنة. فمن صح إيمانه عفي له عن الخطأ والنسيان وحديث النفس كما يخرجون من النار، بخلاف من ليس معه الإيمان، فإن هذا لم تدل النصوص على ترك مؤاخذته بما في نفسه وخطئه ونسيانه" (١). أ. هـ.
ثم أتى لقلب واحد أن يجمع بين النقيضين: الإسلام والشرك في آن واحد؟!!
قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: "اعلم أن من تصور حقيقة أي شيء على ما هو عليه في الخارج، وعرف ماهيته بأوصافها الخاصة عرف ضرورة ما يناقضه ويضاده، وإنما يقع الخفاء بلبس إحدى الحقيقتين، أو بجهل كلا الماهيتين؛ ومع انتفاء ذلك وحصول التصور التام لهما لا يخفى ولا يلتبس أحدهما بالآخر. وكم هلك بسبب قصور العلم، وعدم معرفة الحدود والحقائق من أمة، وكم وقع بذلك من غلط وريب وغمة.
مثال ذلك: أن الإسلام والشرك نقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان؛ والجهل
стр. 207
بالحقيقتين أو إحداهما أوقع كثيراً من الناس في الشرك، وعبادة الصالحين لعدم معرفة الحقائق وتصورها" (١).
وقال يحيى بن معاذ الرازي "اختلاف الناس كلهم يرجع إلى ثلاثة أصول فلكل واحد منها ضد، فمن سقط عنه وقع في ضده: التوحيد وضده الشرك، والسنة وضدها البدعة، والطاعة وضدها المعصية" (٢). أ. هـ.
وأرى الآن أن المقام سيحتم على البعض الهرولة إلى قضايا الأعيان والجواب: من المعلوم جلياً لدى المنصفين والمخلصين، الين تجردوا من حظوظ النفس وأهوائها ونجوا من تلبيس الشياطين: أن قضايا الأعيان لا تنهض على معارضة القواعد العامة، والأصول الكلية المقررة من استقراء أدلة كثيرة تفوت الحصر - قد ساقها الشارع متضافرة لبناء قاعدة كلية تحفظ بها دعائم الدين، ويفرق بها بين أهل السنة والمبتدعين في مناهج النظر، ويلجأ إليها الفقيه لاستنباط الأحكام، وتفريع الفروع، واستخراج العلل، وتنقيح المناطات، ورد الجزئيات لكلياتها. فالشارع الحكيم لم ينص على قضايا الأعيان إلا مع الحفاظ على القواعد الكلية، وعدم نقضها بإلغاء ما تقرر من مقاصدها.
قال الشاطبي: "إذا ثبتت قاعدة عامة أو مطلقة فلا تؤثر فيها معارضة قضايا الأعيان، ولا حكايات الأحوال. والدليل على ذلك أمور ...
(الثالث) أن قضايا الأعيان جزئية، والقواعد المطردة كليات، ولا تنهض الجزئيات أن تنقض الكليات.
ولذلك تبقى أحكام الكليات جارية في الجزئيات وإن لم يظهر فيها معنى الكليات على الخصوص" (٣). أ. هـ.
стр. 208
وسوف أسوق مثالاً واحداً من قضايا الأعيان التي هي جل رأس مال المخالفين، ليتبين به بطلان ما أصلوه، وصحة ما ذهبنا إليه وقررناه ولله الحمد والمنة.
حديث القدرة:
أخرج الإمام مسلم في صحيحه (١) عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "قال رجل لم يعمل حسنة قط لأهله إذا مات فحرقوه، ثم اذروا نصفه في البر ونصفه في البحر، فوالله لئن قدر الله علي ليعذبه عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين، فلما مات الرجل فعلوا ما أمرهم، فأمر الله البر فجمع ما فيه، وأمر البحر فجمع ما فيه، ثم قال: لم فعلت هذا؟ قال: من خشيتك يا رب وأنت أعلم، فغفر الله له".
واستدل الإخوة المخالفون بهذا الحديث على محل النزاع ظناً منهم أن الرجل قد جهل قدرة الله وعذر بجهله.
والرد على هذا الاستدلال الخاطئ من وجوه:
الوجه الأول: أن هذا الدليل من قضايا الأعيان التي ليست بمحل صحيح لاستنباط الأحكام لكثرة وجوه الاحتمال التي تعود بالفساد على دلالتها.
الوجه الثاني: أن هذا الدليل خارج عن محل النزاع، فهو في جهل الصفات، والجهل بالصفات لا يستلزم الجهل بالذات إلا أن يكون تصور الذات متوقفاً على العلم بها.
ونحن الآن بين أمرين لا ثالث لهما: إما أن نقول: إن الرجل قد جهل صفة يكون العلم بالذات متوقفاً عليها؛ ومن قال بهذا نلزمه بإعذار من جهل صفة الوجود، أو صفة الحياة، أو صفة العلم، أو صفة الإرادة، مع القطع بالنجاة له؛ ويتبع هذا الإلزام سؤال آخر: أيهما أكفر من قال: إن الله ثالث
стр. 209
ثلاثة، أو أثبت له الولد جاهلاً، أم من قال إن الله ميت، أو غير موجود، أو جاهل، أو منزوع الإرادة؟ تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً - وأترك للمخالفين حرية الاختيار في الرد.
وإما أن يكون الرجل قد وقع في جهل صورة من صور القدرة لا يستلزم الجهل بها الجهل بالذات. وعلى هذا يكون الاستدلال بالحديث خارجاً عن محل النزاع.
الوجه الثالث: أن للحديث تفسير على ظاهره وقد تحتم المصير إليه لدى طائفة من العلماء - فراراً من التأويل٠ يخرج به هذا الرجل عن: الجهل بالقدرة، وعن الشك في المعاد.
قال الشيخ محمد زكريا الكاندهلوي بعد أن ذكر تأويلات العلماء لظاهر هذا الحديث:
قلت: والأوجه عندي أنه حسب أن الله لو وجده في حاله لعذبه شديداً لكنه إذا وجده محترفاً مفترقا فلعله رحمه، لتحمله تلك المشاق والشدائد كما هو دأب الموالي الكرماء فإنهم إذا وجد أحدهم عبده المسيء في مرض أو شدة رحم عليه، وإن كان قبل ذلك غضبان عليه. ثم رأيت أن الطحاوي ذكر نحوه في مشكله وكذا النووي في شرح مسلم" (١).
الوجه الرابع: تأويل عامة العلماء لظاهر هذا الحديث يدل بيقين على مصادمة ظاهره لقاعدة كلية مقررة لديهم؛ وإلا لقالوا: هذا الرجل شك في قدرة الله، وفي البعث، وكان جاهلاً فعذر بجهله، وكفونا وأنفسهم مؤنة التأويل التي لا يذهبون إليها إلا في حالة الضرورة عندما يستحيل عليهم الجمع بين النصوص.
стр. 210
- وقد يقول قائل: أين مستندك على ما نسبته لجماهير العلماء من فرارهم إلى التأويل لظاهر هذا الحديث.
والجواب: مستندي في هذا مراجعة: صحيح مسلم بشرح النووي (٧/ ٧٠: ٧٤)، وفتح الباري (٦/ ٦٠٤)، والشفا بتعريف حقوق المصطفى (٢/ ١٠٨٤)، وشرح مشكل الآثار للإمام الطحاوي (٢/ ٢٧: ٣٨)، والتمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (١٨/ ٤٠: ٤٧) ....
قال أبو عمر بن عبد البر تعليقاً على حديث القدرة: "روي من حديث أبي رافع، عن أبي هريرة في هذا الحديث أنه قال: قال رجل لم يعمل خيراً قط إلا التوحيد. وهذه اللفظة إن صحت. رفعت الإشكال في إيمان هذا الرجل، وإن لم تصح من جهة النقل، فهي صحيحة من جهة المعنى؛ والأصول كلها تعضدها، والنظر يوجبها؛ لأنه محال غير جائز أن يغفر للذين يموتون - وهم كفار، (١) لأن الله قد أخبر أنه لا يغفر أن يشرك به لمن مات كافراً، وهذ ما لا مدفع له، ولا خلاف فيه بين أهل القبلة؛ وفي هذا الأصل ما يدلك على أن قوله في هذا الحديث: لم يعمل حسنة قط، أو لم يعمل خيراً قط لم يعذبه - إلا ما عدا التوحيد من الحسنات والخير؛ وهذا سائغ في لسان العرب، جائز في لغتها أن يؤتى بلفظ الكل، والمراد البعض؛ والدليل على أن الرجل كان مؤمناً، قوله حين قيل له: لم فعلت هذا؟ فقال: من خشيتك يا رب؛ والخشية لا تكون إلا لمؤمن مصدق، بل ما تكاد تكون إلا لمؤمن عالم - كما قال الله : (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ). قالوا: كل من خاف الله فقد آمن به وعرفه، ومستحيل أن يخافه من لا يؤمن به، وهذا
стр. 211
واضح لمن فهم وألهم رشده" (١).
- وأختم هذه المناقشة بسؤال محدد المعالم، واللوازم وهو:
هل من نطق الشهادتين بنية الدخول في الإسلام، ثم وقع في عبادة غير الله جاهلاً يكون قد حقق شرط الكفر بما يعبد من دون الله أم لا؟
فمن قال: نعم/ فقد سوغ الشرك بالله، وعليه يصبح التوحيد قضية هلامية غير محددة المعالم والمعاني، وتكون بحسب ما يكيفها كل إنسان في نفسه. فهذا نصراني: أنزلها في قلبه وعقله على أن المسيح ابن الله، وهذا صوفي: كيفها على أن عبادة الأموات قربة إلى الله، وذاك إباحي: فصلها على الانخلاع من ربقة العبودية والتكاليف، لغنى الخالق عن عبادة المخلوقين!! وعدم انتفاعه بإيمان الطائعين، ولا تضرره بكفر العاصين ....
وأما من قال: لا لم يحقق شرط الكفر بما يعبد من دون الله.
فتقول له: تبقى الإجابة على آخر سؤال:
هل يكون هذا العبد من زمرة المسلمين الموحدين؟؛ أم من المسلمين المشركين؟! أم من المشركين المشركين؟!!
وأخيراً: نحب أن نلفت نظر القارئ إلى أننا قد تجاوزنا في هذا المناقشة عن كثير من الشبهات التي لا يزال يثيرها البعض، واعتبرناها نوعاً من الشغب والتهويش، ولا علاقة لها من قريب أو بعيد. لا بشرع صحيح، ولا بعقل صريح.
فإذا كان البعض لا يزال يصر على أنه لا يصح في الأذهان شيء، وأنه لا فرق في نفس الأمر بين التوحيد والشرك، وبين الطيبات والخبائث - لعدم قيام حجج عليها - إلا بالرسالة والبلاغ.
стр. 212
فإننا في المقابل نُصرّ على أن أرباب هذا القول لا يملكون في الحقيقة الفرقان والبرهان على صحة التوحيد، والرسالة، والبعث: إمكاناً ووقوعاً، وأنه يلزمهم إلزاماً لا محيد عنه: التسوية بين الموحدين والمشركين قبل الرسالة، لأن كلاً منهما قد عبد الله بغير برهان، ويلزمهم مساواة التوحيد للتثليث في العقول، وكذا إثابة بعض المشركين على شركهم بعد بلوغ الرسالة.
فهذا عبد يظهر الانتساب إلى: دين سماوي، وكتاب رباني، ورسول إلهي، ثم جاءه بعض خواص أهل العلم - في ظنه - من أهل ملته فأخبره أن التوحيد لديهم يتمثل في: عبادة الأموات، والسجود للنيران، والاستغاثة بالنجوم والكواكب ساعة حلول النقم والكرب ...
ففعل امتثالاً لأمر نبيه كما أوهموه، ومن أجل التقرب زلفى بين يدي ربه.
وبناء على ما تقرر من هذا المعتقد الباطل الساقط يكون هذا الرجل مثاباً لا محالة؛ فهو لم يقع في مخالفة حجة!!!
وكلك فالتوحيد يختلف من شريعة إلى شريعة، ومداره على مجرد الخبر فقد جاءه وامتثله!!!
وإذا بلغ الأمر هذا الحد فإننا نقول لهم:
لا حجة بيننا وبينكم.
لنا أعمالنا ولكم أعمالكم.
الله يجمع بيننا وإياكم وإليه المصير
* * *
стр. 213
وبعد:
فليعلم القاصي والداني أن الباعث من وراء هذه الرسالة:
- إزالة الجهالة المضروبة عمداً على الشعوب لتكون مطية لمن يمتطيها من الطواغيت والفراعنة.
- إسقاط اللافتات المزيفة، والطعن في الشهادات المزوة، وكشف النقاب عن الوجوه الخبيثة التي تستتر بالأقنعة الوسيمة، مع إقامة الفرقان، وتعرية البطلان.
- توقيف الناس على الحد المنجي على الحقيقة من قبل لحوق الخسران والمكث في دار البوار.
- جلاء قضية التوحيد، وبيان حججها، مع التحذير والتنبيه من خطر الوقوع في توهينها، والطعن في حججها من أجل البحث والتنقيب عن التماس الأعذار الواهية لتبرير أسلمة المشركين، وتصحيح انتساب مزيف لهم.
- التركيز على رصيد الفطرة لحث الدعاة لإكمال المسيرة، واليقين بأن الجولة الحاسمة ستكون لهذا الدين المنبثق من الرصيد الهائل لفطر الخلائق.
- تذكير الدعاة والمربين بحقيقة أولية يقوم عليها، وينبثق منها: العود المنشود لهذا الدين، ألا وهي: وجوب تجريد العبودية لله، وتحرير الولاء له، مع حتمية الكفر والانخلاع من: كل العلائق والوشائج لكافة الأرباب والطواغيت والأنداد المعبودة من دونه. ويكون هذا هو الطريق الوحيد لإعداد وتربية الأمة عليه، حتى يتسنى لنا إعمار قلوبها بالاستعلاء الإيماني المفقود لدى أبنائها - الذي هو بداية الانخلاع من ربقة الهيمنة الغربية، والكفر بالريادة الصليبية، والتحلل من السيطرة اليهودية، ومن ثم رجوع الثقة والطمأنينة لأبناء هذه الأمة بمنبع عزهم، ومصدر وجودهم المتمثل في: الاعتصام بربهم وكتابهم وهدي نبيهم ﷺ .
стр. 214
- إعلام الناس بأن الله قد خلق الجنة والنار، وجعل لكل منهم أهلاً وأعمالاً.
فأعمال أهل الجنة تتمثل في: الالتزام بالتوحيد، وفعل الطاعات وفاءاً بالعهود والمواثيق التي كان العباد محلاً لإبرامها. وحجتهم في ذلك تنبثق من: براهين الميثاق، والفطرة، والعقل، والآيات الكونية، والتي جاءت الشرائع لتؤكد صحة دلائلها ومقتضياتها، وتشهد بخروجها جميعاً من مشكاة واحدة.
وأما أعمال أهل النار فتتمثل في: نقض التوحيد بالشرك، تلك الجريمة الكبرى الخارقة لكافة الحجج، وشتى العهود، وسائر المواثيق.
وهذا الطريق المؤدي إلى سخط الرحمن، والخلود في النيران يتميز بالانسلاخ والتعري من كافة الحجج الربانية، وسائر البراهين الإلهية، فرأس مال بضاعته المزجاة: الكذب، والإفك، والبهتان ...
ومن هنا انفتق سر المسألة: فالذي بين صراط أهل الجنة، وسبل أهل النار كالذي ما بين السماء والأرض، والبعد بينهما كبعد المشرقين، لا يلتقيان ولا يتقاربان ما دامت السماوات والأرض.
وبذلك يظهر جلياً: علة عدم مغفرة الشرك إلا بالتوبة والمآب إلى التوحيد والإخلاص من براثن الشرك ومخالب الإلحاد.
فلو لم يكن كذلك لاختلطت أعلام الطريقين، واشتبهت منارات السبيلين، وبطل الفرقان بينهما، وذابت حدودهما، ولزم المساواة بين نهايتهما.
والآن قد آن لنا أن نلجم القلم عن الاسترسال، فقد ظهر الصبح لذي عينين. وعلى الناصح لنفسه أن ينظر الراجح من المرجوح في كل مسألة من المسائل بعد أن يخلع الهوى الذي يعمي ويصم، وألا يعبأ بصوت المهاترات - الفاقدة للحجة والبرهان - وإن علا ضجيجها أياً كان الفم المهاتر بها،
стр. 215
والأيدي المصفقة لها، وأن يجعل نصب عينيه الدليل الصحيح الصريح من الكتاب والسنة، ثم يتفطن لوجه الاستدلال - المقرر بضوابطه - من كلام أهل العلم، ثم عليه بعد ذلك أن ينطرح بنفسه بين يدي ربه داعيا:
اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون؛ اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
كتبه
أبو يوسف مدحت بن الحسن آل فراج.