← Акыда

Акыда · id 14031

آثار حجج التوحيد في مؤاخذة العبيد

مدحت آل فراج

Полный текст (218 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

آثَار حجج التَّوْحِيد فِي مُؤَاخذَة العبيد تأليف مدحت حسن الفراج تَقْدِيم فَضِيلَة الشَّيْخ الْعَلامَة عبد الله بن عبد الرَّحْمَن الجبرين - حفظه الله - دَار الْكتاب وَالسّنة - مكتبة دَار الحميضي

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تقديم فضيلة الشيخ العلامة عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين - حفظه الله - الحمد لله المنفرد بالخلق والإيجاد الذي توحيده على جميع العباد وأشهد أنه إله الحق المتعالي عن الأنداد وأنه أرسل الرسل لإقامة الحجج وختمهم بمحمد ﷺ وعم برسالته الحاضر والباد. أما بعد فقد تصفحت هذا الكتاب الذي بعنوان (آثار حجج التوحيد في مؤاخذة العبيد) فوجدته كتاباً قيماً في موضوعه: إقامة الحجة وقطع المعذرة وأن الله تعالى قد نصب له الآيات والبراهين ما تعرف به إلى عباده وأعطاهم من الأدلة والبينات ما يعرفون به ربهم وإلههم وما خلقوا له وما يجب أن يتعبدوا به ومع ذلك أرسل الرسل وأنزل الكتب لبيان ما خلق الخلق له بالتفصيل وبذلك قامت حجة الله على العباد وانقطعت المعذرة ومع أنه تعالى ما كلف العباد إلا بما يطيقون وما في وسعهم وما شهدت فطرهم وعقولهم بحسنه وملاءمته ولا شك أن من تأمل شرائع الأنبياء واعتبر ما جاؤوا به وأمعن النظر في الأحكام والأوامر والنواهي تحقق وتيقن أنها تنزيل من حكيم حميد وبعيدة عن أحكام البشر وقوانينهم واقتراحاتهم فلهذا صلحت للحاضر والماضي والمستقبل ولم تحتج إلى تغيير أو تجديد رغم طول الزمان وتتابع القرون وإنما أنكرها أو تركها من فسدت فطرهم وتغيرت عقولهم وتلوثت أفكارهم بالاقتراحات الغربية والقوانين الوضعية ولقد أحسن هذا الكاتب في استيفاء النقول التي انتقاها من كلام فحول العلماء من المفكرين والعقلاء والجهابذة المشهورين فكلل الله جهده ونفع بهذا الكلام وهذه الرسالة المسلمين. والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين عضو الإفتاء

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ). (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً). (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً). أما بعد: لا جرم أن الصراع الأبدي القائم بين معسكري الإيمان والكفر لم يكن صراعاً قط بين: أسماء بلا مسميات، ولا بين أشكال بلا مضامين، ولا بين انتساب مزور للمنتسب إليه ... وإنما حقيقة الصراع الأبدي الرهيب قائمة وسط: حقائق، ومسميات، ومضامين. فالصراع مشتعل بين: حقيقتي التوحيد والشرك؛ وملتهب بين: مضموني الإيمان والكفر؛ ومتأجج بين مسمى الحق والباطل. وبجلاء هذه الحقيقة الغائبة التائهة نلمس ونتيقن: علة استباحة دماء المسلمين وأعراضهم وأموالهم ومقدساتهم وسط جماهيره الغفيرة - والتي يُستعصى حصرها على العادّين - دون تحريك ساكن، أو تسكين متحرك، اللهم إلا الشجب والإدانة! تلك الألفاظ الرنانة التي تعرت عن معانيها

стр. 4

ولوازمها، والتي حرم عليها مجاوزة محلها من صفحات الجرائد والمجلات، وتمتمات رجال الإذاعة والتلفاز! قال ﷺ : "وإن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها، وسيصيب آخرها بلاء وأمور تنكرونها" (١). فأول هذه الأمة لما قاموا بحقائق التوحيد ومقتضياته: علماً، وعملاً، واعتقاداً، وسلوكاً؛ أظلتهم الرحمة، وغشيتهم العافية، وضمن لهم مولاهم ﵎: النصر، والعلو، والتمكين، ولو اجتمع عليهم من بأقطار المعمورة حتى يسبي بعضهم بعضاً، ويقتل بعضهم بعضاً. وآخر هذه الأمة لما غفل كثير من المنتسبين إليها عن: معنى التوحيد وأركانه وشروطه، وضاع فرقانه بينهم، واختلطت أعلامه بأعلام ضده ونقيضه من الشرك والإلحاد، ومن ثم عاد مختزلاً بينهم: تارة في النطق فقط، وتارة في الاعتقاد دون العمل، وتارة في الانتساب المزيف، وتارة في إرث موروث بلا بينة ولا برهان، وتارة في شهادات الميلاد وبطاقات الرشد وجوازات المرور ... وترتب على تلك الغفلة: * تسلط الأعداء ومعاينة البلاء حتى صار أمرنا كالغنم المائجة على وجهها هربا من ذئاب رعاتها وأعدائها، لا تدري لماذا الفرار ولا أين القرار. * ضياع الأمانة الملقاة على عاتق الأمة. * قلب الموازين والقيم. * تأمين الخائن والزنديق. * تخوين المؤمن الأمين. * ترئيس العتاة المتكبرين. * العمل على استئصال الموحدين المخلصين. * السعي على ظهور وعلو المفسدين الضالين. * رفع رايات الإلحاد والعلمانية.

стр. 5

* إخماد راية التوحيد والإيمان. * موالاة المشركين والكافرين. * البراءة من حزب الله الموحدين. * تنحية شرائع الرحمن. * تحكيم شرائع الشيطان. * الدعوة إلى التوحيد الصافي أصبحت جريمة يؤخذ عليها بالنواصي والأقدام. * الدعوة إلى الإلحاد والتشكيك في أصول الاعتقاد غدت مستندات الحياة الآمنة الرغدة الهنيئة ... إن في الأفق ملامحاً أكيدة، وقرائن عديدة، وخطوطاً عريضة: منذرة ومحذرة بقرب وقوع المعركة الفاصلة بين: المسلمين الموحدين، وبين قوى الكفر قاطبة على اختلاف مللهم ونحلهم وعقائدهم. إن كفار اليوم قد صفوا كافة حساباتهم بينهم، وغضوا الطرف جانباً عنها، ريثما يتم التخلص من المسلمين والقضاء على دينهم. إن كفار اليوم قد أعدوا العدة وشحذوا الهمم، وامتطوا الجياد، وسلوا السيوف، وصفوا الصفوف ... وما زال كثير من الدعاة والمربين والمصلحين مصرين: على وضع الغمامة على أعينهم، وعلى جعل أصابعهم في آذانهم، خشية تشخيص الداء القتال الذي يفتك بجسد الأمة، ويوهن صلبها، ويسلمها صيداً ثميناً لأعدائها، ينهشون لحمها، ويقطعون أوصالها، ويرتوون من دمائها، ويجتمعون على موائد المكر والفتك بدينها. وبعد هذه المقدمة أضع نصب أعين الدعاة والمربين والمصلحين: حقيقة راسخة ناطقة بأنه لا عود لهذا الدين مسيطراً ومهيمناً ومتحدياً، إلا بتجريد التوحيد والتربية عليه، والقضاء على الشرك بكافة صورة وألوانه. * إن التوحيد هو الحبل الوحيد الممدود بين الأمة وربها. * إن التوحيد هو المستمسك الرصين الكفيل بالقضاء على كافة ألوان الشرك

стр. 6

والإلحاد المتمثلة في الوطنية، والقومية العربية، والعلمانية، والحداثة ... * إن التوحيد هو الشعار الخالص والعلم الفريد الذي يضمن للأمة وحدتها وتفردها وعلوها. * إن التوحيد هو الفرقان الفارق، والحد الفاصل بين المسلمين والمشركين. * إن التوحيد هو ثمن الجنة، ومهر الزحزحة عن النيران ولا سبيل للنجاة بدونه. * إن التوحيد هو الحصن الحصين والمأمن الأمين من مكائد وفتن مردة الطغاة والشياطين. * إن التوحيد هو المطهّر الفعال لصفوف المسلمين من آفات المنافقين والزنادقة. * إن التوحيد هو السبيل المعصوم للبراءة من البدع ومحدثات الأمور. * إن التوحيد هو البيان العملي والتجسيد الفعلي لدعوة الكتب الربانية ولرسالة الرسل الإلهية. * إن التوحيد هو حائطة الصد الشامخ الذي تتهاوى عليه كافة الضربات المتلاحقة من سائر الكفار والملاحدة. ولعظم هذه القضية - التي تطابقت وتصادقت عليها: الكتب الربانية، والرسالات الإلهية - جاء هذا المؤلف، وأعد لها. وقد قمت في هذه الرسالة ببيان: بعض الحجج المأخوذة لإفراد الله بالعبادة والبراءة من عبادة ما سواه، والمتمثلة في: الميثاق، والفطرة، والعقل، والآيات الكونية؛ وهي الحجج المذكورة في كتابي الأول "العذر بالجهل تحت المجهر الشرعي" فقد عزمت مستعيناً بالله على إخراج كل باب منه في بحث مستفيض مستقل. والله المستعان، وعليه التكلان، وهو الهادي إلى سواء الصراط. وقد قسمت هذه الرسالة إلى أربعة فصول:

стр. 7

الفصل الأول: في حجية الميثاق. وتحدثت فيه عن: محتواه، وعلته، وأنه حجة مستقلة في: إفراد الله بالربوبية والألوهية، وكذا في بطلان الشرك، وأنه ليس بحجة مستقلة في وجوب العذاب في الدارين حتى تقوم الحجة الرسالية. الفصل الثاني: في حجية الفطرة. وذلك فيه على أن الفطر والإيجاد يوجب عبادة الفاطر، وأن الفطرة قد قطعت: كافة الأسباب الداعية إلى الشرك، وأنها أسبق من سائر المعاذير الساقطة والحجج الداحضة التي يحتج بها المشركون على فعلتهم الخبيثة، المتشخصة في: عبادة غير الله. الفصل الثالث: في حجية العقل. وأوضحت فيه أن أوجب شيء في العقول هو: حسن التوحيد؛ وأن من أرسخ مرتكزاته؛ قبح الشرك؛ وكذا فيه البراهين الباهرة والأدلة الدامغة على مقتضى الفطرة والميثاق؛ وضمنته حديثاً عن: حجية الآيات الكونية، وشهادتها على إفراد الله بالتأله، وعلى بطلان تأله ما سواه. وختمته بمبحث عن: حكم التحسين والتقبيح العقلي للأفعال قبل بلوغ الشرائع، وحررت فيه مذهب أهل السنة وجماهير فحو سلف الأمة، وعريت فيه سوءات ومخازي كل من حاد عن الصراط في هذه المسألة الفاصلة بين براهين التوحيد وزيف الشرك والإلحاد. الفصل الرابع: وفيه "آثار حجج التوحيد في مؤاخذة العبيد". وبرهنت فيه على أن: حكم الشرك ثابت لمن عبد غير الله، وإن كان جاهلاً ولم تقم عليه حجة البلاغ؛ وأن الشرك والفواحش ذنوب ومعاصي ولو لم يأت الخبر بحرمتها، ويجب على أصحابها التوبة والانخلاع منها بعد بلوغ الخطاب وقيام البرهان. ثم إن الله الرحمن الرحيم لحبه العذر وقف إنزال العقوبة على فعل الشرك والفواحش حتى يبعث الرسل لتزيح علل الكفار؛ وانتفاء العقوبة لانتفاء شرطها، لا لانتفاء سببها. فسببها قبل الرسالة موجود ومقتضاها قائم، إلا أن العذاب عليها مشروط بقيام الحجة وبلوغ الخطاب.

стр. 8

وختاماً أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يرفع علم الجهاد بجحافل التوحيد، وأن يضع بهم أهل الشرك والفساد. اللهم تقبله مني، واغفر لي خطئي وزللي، واجعله ذخراً لي في الدنيا وعتقاً من النيران في الآخرة. والله من وراء القصد، وهو الهادي إلى سواء السبيل. وآخر دعواي أن الحمد لله رب العالمين. كتبه أبو يوسف مدحت بن الحسن آل فراج.

стр. 9

الفصل الأول حجية الميثاق وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: الميثاق في إفراد الله بالعبادة والبراءة من الشرك. المبحث الثاني: الميثاق حجة مستقلة في الإشراك وتلك علة أخذه. المبحث الثالث: عموم حجية الميثاق على كافة البشر.

стр. 10

بين يدي حجية الميثاق قال تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ، وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (١)، يخبر المولى جل في علاه عن استخراجه ولد آدم، من صلبه، ومن أصلاب آبائهم، وإقرارهم بتوحيده بالألوهية، وبطلان ألوهية ما سواه. وجعل الحكيم الخبير أثر هذا الميثاق ومقتضاه من لوازم النفوس وحقائقها التي لا انفكاك لها عنها ألبتة ما دامت باقية على استقامة خلقتها. "فالعلم الإلهي فطري ضروري وهو أشد رسوخاً في النفس من مبدأ العلم الرياضي كقولنا إن الواحد نصف الاثنين، ومبدأ العلم الطبيعي كقولنا: إن الجسم لا يكون في مكانين؛ لأن هذه المعارف أسماء قد تُعرض عنها أكثر الفطر وأما العلم الإلهي فما يتصور أن تعرض عنه فطرة" (٢). ولهذا كان علم التوحيد هو الحقيقة البديهة التي انبثقت منها كافة العلوم، وسائر القواعد والأصول، وعامة المعارف والأدلة. ومن ثم أصبج الشك في هذا العلم الشريف - فضلا من جحده وإنكاره - تشككا في أصل ذات الإنسان، وعلة وجوده وتكريمه وتشريفه على سائر المخلوقات، بل - والذي نفسي بيده - إنه ليؤول إلى التشكك في سائر حقائق الوجود بأسرها. وقد علل المولى ﵎ هذا الأخذ والميثاق، وذاك العلم الفطري

стр. 11

الضروري بقوله (أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ). فدل ذلك على احتجاج المشركين الغافلين والمقلدين بتلك الحجتين الساقطتين، وتعللهم بذينك العلتين الباطلتين، إن لم يؤخذ عليهم ذلك الميثاق مع وجود أثره ومقتضاه في فطرهم وعقولهم. وعليه أستطيع الجزم والحزم بأن: الميثاق، والفطرة، والعقل، حجج مستقلة في دفع وبطلان حجتين هما ركيزتا وساقا الشرك والمشركين على اختلاف نحلهم، وعقائدهم، ومشاربهم دائماً وأبداً: - الأولى: الجهل والغفلة. وتلك حجة علية القوم والملأ والسادة الذين أخذوا على عاتقهم سن المعتقدات، وتقويم السبل - بزعمهم -، وإحداث النظم والدساتير، وحد الحدود ونسبتها إلى الله افتراء عليه. قال تعالى في حقهم: (وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ، مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلاقٌ) (١). الثانية: الاتباع والتقليد (٢) وتلك حجة الخلوف والأتباع فاقدي البصائر والعاجزين عن تحديد المصائر، القائلين بلا حياء ولا استخزاء: (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ) (٣).

стр. 12

وبهذا تكون حقيقة الميثاق وعلته قد بدت جلية لذوي العقول، وحصحصت لذوي الأبصار، فهو حجة مستقلة لدحض ومحق مرضي التعطيل والشرك. فالقول بإثبات الصانع: علم فطري ضروري لا تنفك عنه أي نفس، وهذا العلم الفطري الضروري يبين بطلان الشرك في التأله، وهو التوحيد الذي شهدت به الذرية. ومن المعلوم أن مقتضى الطبيعة العادية أن يحتذي الرجل حذو أبيه في كل شيء؛ إذ كان هو الذي أنشأه ورباه، ولهذا كان أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه ويشركانه. فإذا احتج المشركون بهذا، ولم يكن في فطرهم وعقولهم ما يناقضه ويبطل تقوله، لقالوا: إنما الذنب ذنب آبائنا المشركين ونحن ذرية لهم بعدهم اتبعناهم على جهل منا بسوء طريقتهم، ولم يكن عندنا ما يبين خطأهم ... فإذا كان في فطرهم ما شهدوا به: من وحدانية الله في ربوبيته وألوهيته، وقامت عقولهم شاهدة بصحته، وناطقة بجرم ضده، كان معهم: ما يبين بطلان الشرك. فإذا احتجوا بالعادة الطبيعية من اتباع الآباء؛ كانت الحجة عليهم الفطرة الطبيعية السابقة لهذه العادة الأبوية. وهذا يقتضي أن العقل الذي به يعرفون التوحيد حجة في بطلان الشرك؛ لا يحتاج ذلك إلى بلوغ الرسالة وإقامة الحجة، فإن الله جعل ما تقدم حجة عليهم بدونها. وبنقض الميثاق يكون قد قام بصاحبه ما يستوجب العذاب، إلا أن الله لكمال رحمته، وسمو إحسانه قضى أن لا يعذب أحداً إلا بعد قيام الحجة الرسالية، وإن كان قد قام بناقضه ما يستحق به الذم والعقاب.

стр. 13

فلله على عباده حجتان قد أعدهما عليه، لا يعذبه إلا بعد قيامهما: إحداهما: ما فطره وجبله عليه، وصبغ عقله بصحته وبرهانه من أن: الله وحده هو ربه ومعبوده، وحقه عليه لازم. ثانيتهما: إرسال رسله إليه للتذكير بذلك وتفصيله وتقريره: فيقوم عليه شاهدا الفطرة والشرعة، ويقر على نفسه بأنه كان من الكافرين: قال تعالى: (وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ) (١). وهذا هو فصل الخطاب في تلك المسألة التي صال وجال حولها كثير من اللغط والمنازعات، وإلى الله المآب للفصل بين العباد بميزان لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، والله المستعان. قوله تعالى (وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (٢). أي: "إلى الحق، ويتركون ما هم عليه من الباطل، وقيل: يرجعون إلى الميثاق الأول فيذكرونه ويعملون بموجبه ومقتضاه، والمآل واحد." (٣). وقوله تعالى (يَرْجِعُونَ) دل على أن مرض الشرك محدث وطارئ على الفطرة ودخيل عليها، وليس بمحل للعبد لكي يحط رحله فيه؛ بل محل العبد وقراره في تجريد العبودية لفاطره ومالكه. فأولى وأحرى بكم أيها المشركون أن تحلوا في محلكم، وتقطعوا غربتكم، وتقروا في قراركم. * * *

стр. 14

تنبيهات * للعلماء في تفسير هذه الآية - آية الميثاق - مذهبان: أحدهما: وهو مذهب جمهور المفسرين وعامة أهل الأثر: أن الله تعالى أخرج ذرية آدم من صلبه وأصلاب أولاده وهم صور كالذر، وركب فيهم عقولاً تعقل بها ما يعرض عليها، وأخذ عليهم الميثاق بأنه ربهم المعبود، وحقه عليهم لازم، وأنهم عبيده المربوبون؛ فأقروا بذلك، ووقعت الشهادة عليهم به، ثم أخرجهم إلى الدنيا بفطرة مجبولة على مقتضى الميثاق ولازمه، وبعقل يقيم برهانه، ويجاهد دونه. وهو الحق الذي لا ينبغي العدول عنه لمجيء الآثار الصحيحة عن الصحابة مرفوعة وموقوفة عليه. وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل. الثاني: أن المراد بهذا الإشهاد: هو فطر ذرية بني آدم على التوحيد مع الشهادة به - حالاً، لا مقالاً - بما ركب الله فيهم من العقول، وبما نصب لهم من عظيم خلقه، وغرائب صنعه، ودلائل وحدانيته التي تضطرهم اضطرار إلى العلم بأن للكون خالقاً لا يعبد إلا إياه. قال الشيخ حافظ بن أحمد الحكمي تعليقا على التفسيرين: "قلت: ليس بين التفسيرين منافاة ولا مضادة ولا معارضة، فإن هذه المواثيق كلها ثابتة بالكتاب والسنة. الأول: الميثاق الذي أخذه الله تعالى عليهم حين أخرجهم من ظهر أبيهم آدم ﵇، وأشهدهم على أنفسهم (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى) (١)، وهو الذي قاله جمهور المفسرين ﵏ في هذه الآيات، وهو نص الأحاديث الثابتة في الصحيحين وغيرهما.

стр. 15

الميثاق الثاني: ميثاق الفطرة، وهو أنه ﵎ فطرهم شاهدين بما أخذه عليهم في الميثاق الأول كما قال تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ) (١). وهو الثابت في حديث أبي هريرة وعياض بن حمار والأسود بن سريع ﵃ وغيرها من الأحاديث في الصحيحين وغيرهما. الميثاق الثالث: هو ما جاءت به الرسل، وأنزل به الكتب تجديداً للميثاق الأول وتذكيراً به (رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً) (٢). فمن أدرك هذا الميثاق وهو باق على فطرته - التي هي شاهدة بما ثبت في الميثاق الأول - فإنه يقبل ذلك من أول مرة ولا يتوقف؛ لأنه جاء موافقا لما في فطرته وما جبله الله عليه، فيزداد بذلك يقينه، ويقوى إيمانه فلا يتلعثم ولا يتردد. ومن أدركه وقد تغيرت فطرته عما جبله الله عليه من الإقرار بما ثبت في الميثاق الأول؛ بأن كان قد اجتالته الشياطين عن دينه، وهوّده أبواه، أو نصراه، أو مجساه؛ فهذا إن تداركه الله تعالى برحمته: فرجع إلى فطرته، وصدق بما جاءت به الرسل، ونزلت به الكتب؛ نفعه الميثاق الأول والثاني، وإن كذب بهذا الميثاق كان مكذبا بالأول فلم ينفعه إقراره به يوم أخذه الله عليه حيث قال: (بَلَى) جوابا: لقوله تعالى (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ) وقامت عليه حجة الله، وغلبت عليه الشقوة، وحق عليه العذاب، ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء" (٣) أ. هـ. * يذكر كثير من العلماء ساعة التحدث في تأويل هذه الآية: حجية

стр. 16

الرسالة، وما ترتب عليها من تذكير العباد بمقتضى ما أخذ عليهم من الميثاق، ثم يتبعون هذا بانقطاع الحجة وحلول النقمة واستحقاق العذاب. وعليه ظن البعض: أن الميثاق لا يستقل بحجة في بطلان الشرك. وفي هذا الظن الخاطئ من الفساد ما الله به عليم. إذ يلزم من هذا: أن كل من مات مشركاً قبل نزولها لم تقم عليه حجتها، وكذا كل من عبد غير الله ومات على ذلك دون أن يقرع أذنه خبرها بعد نزولها؛ ولكان لزاماً على النبيين التحدث بها مع أقوامهم توّ تكليفهم بالبلاغ؛ ليقيموا حجتها، ويقطعوا عذر المتلبسين بنقيضها!!! والحق الذي لا ينبغي العدول عه ولا تعدي حده: أن الميثاق حجة مستقلة في بطلان الشرك، وليس بحجة مستقلة في استحقاق العذاب. والأخير على الراجح من أقوال أهل العلم، وهو الذي تقتضيه القواعد الكلية والنصوص الشرعية. * أخذ الميثاق وإرسال الرسل قطعا الاحتجاج وأوجبا العذاب. * بعض أهل العلم ينص على أن الميثاق كان في الربوبية، ولا يذكر مقام الألوهية؛ وذلك لأن الربوبية تستلزمها، وهي حجتها وبرهانها. فالرب لا بد أن يكون، إلها، ومن فقد الربوبية بطل تألهه واستحال. قال تعالى مبرهناً على استحقاقه التأله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (١)، وقال تعالى مبرهنا على بطلان تأله كل ما يعبد من دونه: (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ) (٢).

стр. 17

وتارة لا يذكرون مقام الألوهية لأن "الربوبية والألوهية يجتمعان ويفترقان كما في قوله تعالى: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ، مَلِكِ النَّاسِ، إِلَهِ النَّاسِ) (١) وكما يقال: رب العالمين وإله المرسلين، وعند الإفراد يجتمعان كما في قول القائل: من ربك ... إذا ثبت هذا فقول الملكين للرجل في القبر: من ربك؟ معناه من إلهك لأن الربوبية التي أقر بها المشركون ما يمتحن أحد بها، وكذلك قوله: (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ) (٢). وقوله: (قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبّاً) (٣)، وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا) (٤)، فالربوبية في هذا هي الألوهية وليست قسيمة لها كما تكون قسيمة لها عند الاقتران، فينبغي التفطن لهذه المسألة" (٥). دليل ما سبق - وهو على سبيل المثال لا الحصر - يراجع قول الإمام القرطبي في آية الميثاق، وقوله في قوله تعالى (فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) (٦). تجده في الأولى ذكر أن الميثاق في الربوبية، وفي الثانية نص على أنه في الربوبية والألوهية. وسيأتي ذكر ذلك في فصل "حجية الميثاق" بمشيئة الله وعونه. * اتفق العلماء - بلا خلاف بينهم - على ثبوت حجة مستقلة عن الرسالة توجب وصف الشرك وحكمه لمن عبد غير الله تعالى.

стр. 18

فمنهم من جعلها: الميثاق، ومنهم من جعلها: الفطرة، ومنهم من جعلها: العقل، ومنهم من قال بجميعهم: وهو الحق الذي لا ينبغي العدول عنه، ولا مجاوزة عَلَمَه. ودليل ما سلف: إطباقهم على ثبوت وصف الشرك وحكمه لمن تلبس بعبادة غير الله ولو لم يأته نذير في الدنيا ولم يسمع للرسالة بخبر. قال الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: "بل أهل الفترة الذين لم تبلغهم الرسالة والقرآن وماتوا على الجاهلية لا يسمون مسلمين بالإجماع، ولا يستغفر لهم، وإنما اختلف أهل العلم في تعذيبهم" أ. هـ. (١). وقال الإمام الشنقيطي: "اعلم أولا أن من لم يأذته نذير في دار الدنيا وكان كافراً حتى مات، اختلف العلماء فيه. هل هو من أهل النار لكفره، أو هو معذور لأنه لم يأته نذير" أ. هـ (٢). وبهذا وجب ثبوت حجة مستقلة بذاتها عن الرسالة توجب وصف الشرك وحكمه لأهله، وإلا كان تكليفاً بما لا يطاق. وقد اتفق العلماء عن بكرة أبيهم على عدم وقوع التكليف به لأنه ظلم والله منزه عنه. وعدم التكليف بما لا يطاق "هو قول الجماهير من جميع طوائف المسلمين وإجماع العترة، والشيعة، والمعتزلة، ورواه ابن بطال في شرح البخاري عن الفقهاء أجمعين" (٣).

стр. 19

الفصل الأول حجية الميثاق قال تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ، أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ، وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (١). المبحث الأول: الميثاق في إفراد الله بالعبادة والبراءة من الشرك: قال الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا حجاج حدثني شعبة عن أبي عمران الجوني عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: "يقال للرجل من أهل النار يوم القيامة: أرأيت لو كان [لك] ما على الأرض من شيء أكنت مفتدياً به؟ قال: فيقول نعم. قال فيقول: قد أردت منك أهون من ذلك؛ أخذت عليك في ظهر آدم أن لا تشرك بي شيئا فأبيت إلا أن تشرك بي" (٢) متفق عليه. وقال الإمام السيوطي (٣): "أخرج عبد بن حميد وعبد الله بن أحمد بن حنبل في زوائد المسند وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن منده في كتاب الرد على الجهمية واللالكائي وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات وابن عساكر في تاريخه عن أبي بن كعب في قوله (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ - إلى قوله - بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ). قال: جمعهم جميعا فجعلهم أرواحا في صورهم، ثم استنطقهم فتكلموا،

стр. 20

ثم أخذ عليهم العهد والميثاق، وأشهدهم على أنفسهم: ألست بربكم؟ قالوا: بلى قال: فإني أشهد عليكم السموات السبع، وأشهد عليك أباكم آدم؛ أن تقولوا يوم القيامة إنا لم نعلم بهذا، اعلموا: أنه لا إله غيري، ولا رب غيري، ولا تشركوا بي شيئاً، إني سأرسل إليكم رسلي يذكرونكم عهدي وميثاقي، وأنزل عليكم كتبي. قالوا: شهدنا بأنك ربنا وإلهنا، لا رب لنا غيرك، ولا إله لنا غيرك، فأقروا، ورفع عليهم آدم ينظر إليهم، فرأى الغني والفقير، وحسن الصورة ودون ذلك، فقال: يا رب لولا سويت بين عبادك. قال: إني أحببت أن أُشكر. ورأى الأنبياء فيهم مثل السرج عليهم النور، وخصوا بميثاق آخر في الرسالة والنبوة أن يبلغوا وهو قوله: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ) (١). وهو قوله: (فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) (٢). وفي ذلك قال: (وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ) (٣). وفي ذلك قال: (فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ) (٤). قال: فكان في علم الله يومئذ من يكذب به ومن يصدق به؛ فكان روح عيسى من تلك الأرواح التي أخذ عهدها وميثاقها في زمن آدم فأرسله الله إلى مريم في صورة بشر فتمثل لها بشرا سويا. قال أبي: فدخل من فيها" (٥).

стр. 21

وقال الإمام الطبري: حدثني علي بن سهل قال: حدثنا ضمرة بن ربيعة قال، حدثنا أبو مسعود، عن جويبر قال: مات ابن للضحاك بن مزاحم، ابن ستة أيام قال فقال: يا جابر، إذا أنت وضعت ابني في لحده، فأبرز وجهه، وحل عنه عقده، فإن ابني مجلس ومسئول! ففعلت به الذي أمرني، فلما فرغت قلت: يرحمك الله، عم يسأل ابنك؟ قال: يسأل عن الميثاق الذي أقر به في صلب آدم ﵇. قلت: يا أبا القاسم، وما هذا الميثاق الذي أقر به في صلب آدم؟ قال: حدثني ابن عباس أن الله مسح صلب آدم فاستخرج منه كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة، وأخذ منهم الميثاق: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً؛ فلن تقوم الساعة حتى يولد من أعطى الميثاق يومئذ، فمن أدرك منهم الميثاق الآخر فوفى به، نفعه الميثاق الأول، ومن أدرك الميثاق الآخر فلم يف به، لم ينفعه الميثاق الأول، ومن مات صغيرا قبل أن يدرك الميثاق الآخر، مات على الميثاق الأول: على الفطرة" (١) أ. هـ. وقال الإمام مجاهد: "أخذ الله ميثاقكم حين أخرجكم من ظهر آدم ﵇ بأن الله ربكم لا إله لكم سواه" (٢) أ. هـ. وقال إمام المفسرين الإمام الطبري: "يقول تعالى ذكر لنبيه محمد ﷺ :

стр. 22

واذكر يا محمد ربك إذ استخرج ولد آدم من أصلاب آبائهم فقررهم بتوحيده، وأشهد بعضهم على بعض شهادتهم بذلك وإقرارهم به" (١) أ. هـ. وتحدث ﵀ عن حد الميثاق وماهيته عند تأويل قوله تعالى (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ، وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (٢)، قال: "حدثني المثنى قال: حدثنا علي بن الهيثم قال: أخبرنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب في قوله (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ) قال: صاروا يوم القيامة فريقين، فقال لمن اسود وجهه، وعيّرهم: (أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ) قال: هو الإيمان الذي كان قبل الاختلاف في زمان آدم، حين أخذ منهم عهدهم وميثاقهم، وأقروا كلهم بالعبودية، وفطرهم على الإسلام، فكانوا أمة واحدة مسلمين ... وقال أبو جعفر: وأولى الأقوال (٣) التي ذكرناها في ذلك بالصواب، القول الذي ذكرناه عن أبي ابن كعب أنه عني بذلك جميع الكفار، وأن الإيمان الذي يوبّخون على ارتدادهم عنه، هو الإيمان الذي أقروا به يوم قيل لهم: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا). وذلك أن الله جل ثناؤه جعل جميع أهل الآخرة فريقين: أحدهما سوداء، وجوهه، والآخر بيضاء، وجوهه. فمعلوم - إذ لم يكن هنالك إلا هذان

стр. 23

الفريقان - أن جميع الكفار داخلون في فريق من سُود وجهه، وأن جميع المؤمنين داخلون في فريق من بُيض وجهه. فلا وجه إذا لقول قائل: "عني بقوله: (أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ)، بعض الكفار دون بعض، وقد عم الله جل ثناؤه الخبر عنهم جميعهم، وإذا دخل جميعهم في ذلك، ثم لم يكن لجميعهم حالة آمنوا فيها ثم ارتدوا كافرين بعد إلا حالة واحدة، كان معلوماً أنها المرادة بذلك. فتأويل الآية إذاً: أولئك لهم عذاب عظيم في يوم تبيض وجوه قوم وتسود وجوه آخرين (فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ). فيقال: أجحدتم توحيد الله وعهده وميثاقه الذي واثقتموه عليه، بأن لا تشركوا به شيئا، وتخلصوا له العبادة ... (وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ). فمن ثبت على عهد الله وميثاقه، فلم يبدل دينه، ولم ينقلب على عقبيه بعد الإقرار: بالتوحيد، والشهادة لربه بالألوهية: وأنه لا إله غيره" (١). وقال الإمام القرطبي - في معرض الاحتجاج على دخول جميع الأطفال الجنة إن ماتوا صغاراً -: لأن الله تعالى لما أخرج ذرية آدم من صلبه في صورة الذر أقروا بالربوبية وهو قوله تعالى (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهُمْ (٢) وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا) (٣) ثم أعادهم في صلب آدم بعد أن: أقروا له بالربوبية، وأنه لا إله غيره، ثم يكتب العبد في بطن أمه شقياً أو سعيداً على الكتاب الأول، فمن كان في الكتاب الأول شقياً عُمّر حتى يجري عليه القلم فينقض الميثاق

стр. 24

الذي أخذ عليه في صلب آدم بالشرك" (١) أ. هـ (٢). "وقال أيضاً: وقال ابن عباس وأبي بن كعب: قوله (شَهِدْنَا) هو من قول بني آدم والمعنى: شهدنا أنك ربنا وإلهنا" (٣) أ. هـ. وقال الحافظ ابن كثير: "قد فطر - أي: الله جل ثناؤه - الخلق كلهم على: معرفته وتوحيده والعلم بأنه لا إله غيره، كما أخذ عليهم بذلك الميثاق، وجعله في غرائزهم وفطرهم" (٤) أ. هـ. وقال ﵀ في الآية موضع الاحتجاج: "يخبر تعالى أنه استخرج ذرية بني آدم من أصلابهم شاهدين على أنفسهم أن الله ربهم ومليكهم، وأنه لا إله إلا هو، كما أنه تعالى فطرهم على ذلك وجبلهم عليه" (٥) أ. هـ. وقال السيد صديق حسن خان: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟) فأقر الجميع بأنك ربنا، واعترفوا بربوبيته سبحانه، فأخذ عليهم الميثاق: أن لا يعبدوا إلا إياه، ولا يعتقدوا أحداً الحاكم والمالك سواه، وأن لا يؤمنوا إلا به. فاعترفت الذرية كلها بذلك، وأشهد الله - تبارك وتقدس - السموات كلها، والأرضين كلها، وآدم أباهم، على هذا الميثاق تقوية للعهد، وتوثيقا للإقرار وقال لهم: إن رسلنا يأتونكم بالكتب من جهتنا، لتذكير هذا الاعتراف منكم؛ فأقرّت كل جماعة على حدة، بتوحيد الألوهية والربوبية، وأنكرت الشرك به تعالى" (٦). وقال الشيخ حافظ بن أحمد الحكمي:

стр. 25

أخرج فيما قد مضى من ظهر ... آدم ذريته كالذر وأخذ العهد عليهم أنه ... لا رب معبود بحق غيره (١) أ. هـ وقال الإمام الخازن: "أخذ الله ميثاقكم حين أخرجكم من ظهر آدم ﵇ بأن: الله ربكم لا إله لكم سواه" (٢) أ. هـ. وقال السيد صديق حسن خان: "باب في إقرار بني آدم بالتوحيد في عالم الذر، والاجتناب من الإشراك بالله تعالى، والنهي عنه وما يليه. وقال تعالى في سورة الأعراف: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ) (٣) أ. هـ. وقال أبو حيان: وتقدير الكلام: وإذ أخذ ربك من ظهور ذريات بني آدم ميثاق التوحيد وإفراده بالعبادة" (٤) أ. هـ. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فالنفس بفطرتها إذا تركت كانت مقرة له بالإلهية، محبة له، تعبده لا تشرك به شيئا. ولكن يفسدها ما يزين لها شياطين الإنس والجن بما يوحى بعضهم إلى بعض من الباطل. قال تعالى (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى ....) " (٥) أ. هـ. قلت: ونظم الآية يقتضي أن الإشهاد كان في الإقرار لله بالإلهية وإفراده بالمحبة والعبادة له وحده بلا شريك. قال تعالى (وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (٦) وقد اتفق

стр. 26

المفسرون على أن الرجوع المنشود: هو المآب من الشرك إلى التوحيد. فإن لم يكن كذلك عاد الأمر (وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) من الإقرار بالربوبية إلى الإقرار بالربوبية، ولعلهم يثوبون من الحالة التي هم فيها إلى صنوها ومثيلها! وبهذا تنتفي حجية الميثاق، وهذا كلام يصان عن التحدث به آحاد العقلاء، فضلاً عن رب الأرباب. وقد يقول قائل: إن حجية المآب من الشرك إلى التوحيد قائمة بخبر الرسول ﷺ وليس للميثاق ودلالته؟ فالجواب: أن المكذبين من المشركين يكذبون به وبغيره مما جاءت به الرسل، وهو قد جعل حجة مستقلة في بطلان الشرك، فدل على أنه في التوحيد وإلا انتفت استقلالية برهانه. وقد يسوغ هذا الاعتراض إذا كان هناك بين يدي الخبر: معجز قاهر خارج عن مقدور الثقلين ملزم لكل من بلغه بالانقياد لصاحبه. كيف والأمر بخلاف ذلك، فإن الإشهاد في طي النسيان لدى الأنبياء والمؤمنين فضلاً عن المشركين، ولذلك حمله فريق من السلف والخلف على الفطرة (١)، تلك العلوم الضرورية التي لا انفكاك لأي نفس عنها. ويلزم قائل هذه المقالة: أن حجية الميثاق لا تلزم من مات قبل نزول آيتها، وكذا كل من لم تقرع أذنه من المشركين بعد نزولها، ولكن لزاما على النبيين وأتباعهم الحث على ذكرها في نوادي المشركين وطرقهم: جماعات وفرادى حتى يقيموا حجتها وبرهانها على رؤوسهم؛ امتثالاً لقوله تعالى (لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ) (٢). فلما لم يكن كذلك دل على بطلان الاعتراض، واستقلالية حجية الميثاق.

стр. 27

المبحث الثاني: الميثاق حجة مستقلة في الإشراك، وتلك علة أخذه: قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ) (١)، ذكر لهم حجتين، يدفعهما هذا الإشهاد. إحداهما: (أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ) (٢). فبين أن هذا علم فطري ضروري، لا بد لكل بشر من معرفته. وذلك يتضمن حجة الله في إبطال التعطيل، وأن القول بإثبات الصانع علم فطري ضروري وهو حجة على نفي التعطيل. والثاني: (أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ)، فهذا حجة لدفع الشرك، كما أن الأول حجة لدفع التعطيل. فالتعطيل: مثل كفر فرعون ونحوه، والشرك: مثل شرك المشركين من جميع الأمم. وقوله: (أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ): وهم آباؤنا المشركون، وتعاقبنا بذنوب غيرنا؟ وذلك لأنه لو قدر أنه لم يكونوا عارفين بأن الله ربهم، ووجدوا آباءهم مشركين، وهم ذرية من بعدهم، ومقتضى الطبيعة العادية أن يحتذي الرجل حذو أبيه حتى في الصناعات والمساكن والملابس والمظاعم، إذ كان هو الذي رباه، ولهذا كان أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه ويشركانه، فإذا كان هذا مقتضى العادة الطبيعية، ولم يكن في فطرتهم وعقولهم ما يناقض ذلك، قالوا: نحن معذورون، وآباؤنا هم الذين أشركوا، ونحن كنا ذرية لهم بعدهم، اتبعناهم بموجب الطبيعة المعتادة، ولم يكن عندنا ما يبيّن خطأهم. فإذا كان في فطرتهم ما شهدوا به: من أن الله وحده هو ربهم، كان

стр. 28

معهم ما يبين بطلان هذا الشرك، وهو التوحيد الذي شهدوا به على أنفسهم، فإذا احتجوا بالعادة الطبيعية من اتباع الآباء، كان الحجة عليهم الفطرة الطبيعية العقلية السابقة لهذه العادة الأبوية. كما قال ﷺ : "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه"، فكانت الفطرة الموجبة للإسلام سابقة للتربية التي يحتجون بها. وهذا يقتضي أن نفس العقل الذي به يعرفون التوحيد، حجة في بطلان الشرك، لا يحتاج ذلك إلى رسول، فإنه جعل ما تقدم حجة عليهم بدون هذا. وهذا لا يناقض قوله تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) (١)

стр. 29

فإن الرسول يدعو إلى التوحيد. لكن إن لم يكن في الفطرة دليل عقلي يعلم به إثبات الصانع، لم يكن في مجرد الرسالة حجة عليهم. فهذه الشهادة على أنفسهم التي تتضمن إقرارهم بأن الله ربهم، ومعرفتهم بذلك، وأن هذه المعرفة والشهادة أمر لازم لكل بني آدم، به تقوم حجة الله تعالى في تصديق رسله، فلا يمكن أحداً أن يقول يوم القيامة: إني كنت عن هذا غافلا، ولا أن الذنب كان لأبي المشرك دوني، لأنه عارف بأن الله ربه لا شريك له، فلم يكن معذوراً في التعطيل والإشراك بل قام به ما يستحق به العذاب. ثم إن الله - سبحانه - بكمال رحمته وإحسانه - لا يعذب أحداً إلا بعد إرسال رسول إليهم، وإن كانوا فاعلين لما يستحقون به الذم والعقاب، كما كان مشركو العرب وغيرهم ممن بعث إليهم رسول، فاعلين للسيئات والقبائح التي هي سبب الذم والعقاب، والرب تعالى مع هذا لم يكن معذبا لهم حتى يبعث إليهم رسولا" (١) أ. هـ.

стр. 30

وقال الإمام ابن القيم: (أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ، أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ). فذكر سبحانه لهم حجتين يدفعهما هذا الإشهاد: إحداهما أن يقولوا: إنا كنا عن هذا غافلين؛ فبين أن هذا علم فطري ضروري لا بد لكل بشر من معرفته، وذلك يتضمن حجة الله في إبطال التعطيل، وأن القول بإثبات الصانع علم فطري ضروري وهو حجة على نفي التعطيل. والثاني أن يقولوا: (إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ) وهم آباؤنا المشركون: أي أفتعاقبنا بذنوب غيرنا؟ فإنه لو قدر أنهم لم يكونوا عارفين بأن الله ربهم، ووجدوا آباءهم مشركين وهم ذرية من بعدهم، ومقتضى الطبيعة العادية أن يحتذي الرجل حذو أبيه حتى في الصناعات والمساكن والملابس والمطاعم؛ إذ كان هو الذي رباه، ولهذا كان أبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، فإذا كان هذا مقتضى العادة والطبيعة، ولم يكن في فطرهم وعقولهم ما يناقض ذلك، قالوا: نحن معذورون وآباؤنا الذين أشركوا، ونحن كنا ذرية لهم بعدهم، ولم يكن عندنا ما يبين خطأهم. فإذا كان في فطرهم ما شهدوا به من أن الله وحده هو ربهم، كان معهم ما يبين بطلان هذا الشرك وهو التوحيد الذي شهدوا به على أنفسهم، فإذا احتجوا بالعادة الطبيعية من اتباع الآباء كانت الحجة عليهم الفطرة الطبيعية الفعلية السابقة لهذه العادة الطارئة، وكانت الفطرة الموجبة للإسلام سابقة للتربية التي يحتجون بها. وهذا يقتضي أن نفس العقل الذي به يعرفون التوحيد حجة في بطلان الشرك لا يحتاج ذلك إلى رسول، فإنه جعل ما تقدم حجة عليهم بدون هذا. وهذا لا يناقض قوله تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) (١). فإن الرسول يدعوإلى التوحيد ولكن الفطرة دليل عقلي يعلم به إثبات الصانع (٢) لم يكن في مجرد الرسالة حجة عليهم. فهذه الشهادة على أنفسهم التي تتضمن بأن الله ربهم، ومعرفتهم أمر لازم لكل بني آدم، به تقوم حجة الله في تصديق رسله؛ فلا يمكن أحداً أن يقول يوم القيامة: إني كنت عن هذا غافلا، ولا أن الذنب كان لأبي المشرك دوني؛ لأنه عارف بأن الله ربه لا شريك له؛ فلم يكن معذوراً في التعطيل والإشراك بل قام به ما يستحق به العذاب. ثم إن الله - سبحانه - لكمال رحمته وإحسانه - لا يعذب أحداً إلا بعد إرسال الرسول إليه - وإن كان فاعلاً لما يستحق به الذم والعقاب - فلله على عبده حجتان قد أعدهما عليه لا يعذبه إلا بعد قيامهما: إحداهما: ما فطره وخلقه عليه من الإقرار بأنه ربه ومليكه وفاطره وحقه عليه لازم. والثاني: إرسال رسله إليه بتفصيل ذلك وتقريره وتكميله؛ فيقوم عليه شاهد الفطرة والشرعة، ويقر على نفسه بأنه كان كافرا كما قال تعالى: (وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ) (٣). فلم ينفذ عليه الحكم إلا بعد إقرار وشاهدين، وهذا غاية العدل" (٤) أ. هـ. وقال ابن كثير: في معرض التدليل على أن المراد بالإشهاد هو فطر العباد على التوحيد: "قالوا: ومما يدل على أن المراد بهذا (٥) هذا (٦)، أن جعل هذا الإشهاد حجة عليهم في الإشراك، فلو كان قد وقع هذا (٧) - كما قاله من قال - لكان

стр. 31

كل أحد يذكره ليكون حجة عليه. فإن قيل: إخبار الرسول به كاف في وجوده فالجواب: أن المكذبين من المشركين يكذبون بجميع ما جاءت به الرسل من هذا وغيره. وهذا جعل حجة مستقلة عليهم، فدل على أنه الفطرة التي فطروا عليها من الإقرار بالتوحيد، ولهذا قال: (أَنْ تَقُولُوا) أي: لئلا يقولوا يوم القيامة: (إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ)، أي: عن التوحيد غافلين. (أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا) الآية" (١) أ. هـ. وقال الفخر الرازي: (أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ) قال المفسرون: المعنى أن المقصود من هذا الإشهاد أن لا يقول الكفار: إنما اشركنا لأن آباءنا أشركوا، فقلدناهم في ذلك الشرك، وهو المراد من قوله (أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ) والحاصل: أنه تعالى لما أخذ عليهم الميثاق امتنع عليهم التمسك بهذا العذر. وأما الذين حملوا الآية على أن المراد منه مجرد نصب الدلائل، قالوا: معنى الآية أنا نصبنا هذه الدلائل، وأظهرناها للعقول كراهة أن يقولوا يوم القيامة (إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ)، فما نبهنا عليه منبه، أو كراهة أن يقولوا: إنما أشركنا على سبيل التقليد لأسلافنا، لأن نصب الأدلة على التوحيد قائم معهم، فلا عذر لهم في الإعراض عنه، والإقبال على التقليد والاقتداء بالآباء" (٢).أ. هـ. وقال القرطبي: (أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ)، بمعنى لست تفعل هذا، ولا عذر للمقلد في التوحيد" (٣) أ. هـ. وقال القاسمي: "تنبيهات - الثاني - تدل الآية على فساد التقليد في

стр. 32

الدين، وتدل على أنه تعالى أزال العذر وأزاح العلة، وبعدها لا يعذر أحد. ذكره: الجشمي" (١) أ. هـ. وقال الإمام الطبري: (أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ). يقول تعالى ذكره: شهدنا عليكم أيها المقرون بأن الله ربكم كيلا تقولوا يوم القيامة (إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ) إنا كنا لا نعلم ذلك، وكنا في غفلة منه. (أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ) اتبعنا منهاجهم. أفتهلكنا بإشراك من أشرك من آبائنا، واتباعنا منهاجهم على جهل منا بالحق". (٢) أ. هـ. وقال الإمام الشوكاني: "والمعنى: كراهة: أن يقولوا، أو لئلا يقولوا: أي فعلنا ذلك الأخذ والإشهاد كراهة أن يقولوا (يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ) أي عن كون الله ربنا وحده لا شريك له. قوله (أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ) معطوف على (تَقُولُوا) الأول. أي فعلنا ذلك كراهة أن تعتذروا بالغفلة؛ أو تنسبوا الشرك إلى آبائكم دونكم، و (أَوْ) لمنع الخلو دون الجمع، فقد يعتذرون بمجموع الأمرين (مِنْ قَبْلُ) أي: من قبل زماننا. (وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ) لا نهتدي إلى الحق، ولا نعرف الصواب (أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ) من آبائنا ولا ذنب لنا لجهلنا وعجزنا عن النظر، واقتفائنا آثار سلفنا. بين الله سبحانه في هذه الحكمة التي لأجلها أخرجهم من ظهر آدم وأشهدهم على أنفسهم. وأنه فعل ذلك بهم لئلا يقولوا هذا المقالة يوم القيامة، ويعتلوا بهذه العلة الباطلة، ويعتذروا بهذه المعذرة الساقطة. (وَكَذَلِكَ) أي:

стр. 33

ومثل ذلك التفصيل (وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) إلى الحق ويتركون ما هم عليه من الباطل" (١) أ. هـ. وقال ابن الوزير اليماني: "ومن ذلك (٢) قوله تعالى حاكيا عن الأشقياء: (لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ) (٣). وقوله في غير آية: (وأنتم تعقلون) (٤)!، (وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ) (٥). فإنها وأمثالها تدل على معرفتهم بعقولهم: قبح ما هم عليه وبطلانه معاً. إذ لو عرفوا بطلانه بها دون قبحه لم تقم عليهم الحجة، وإنما أرسلت الرسل لقطع عذرهم لكيلا يقولوا: ما حكى الله تعالى عنهم، وذلك لزيادة الإعذار، لأنه لا أحد أحب إليه العذر من الله تعالى، لا لأنه لا حجة عليهم قبل الرسل أصلاً. ولذلك صح عند أهل السنة: أن تقوم حجة الله بالخلق الأول في عالم الذر على ما سيأتي بيانه، وذلك قبل الرسل ولم يختلفوا في صحته، وإنما اختلفوا في وقوعه (٦) ". (٧) أ. هـ. اللهم منك، البيان. وعلى رسولك، البلاغ. ومنا: التسليم والقبول. * * *

стр. 34

المبحث الثالث: عموم حجية الميثاق على كافة البشر: في بداية هذا المبحث أذكر القارئ مرة أخرى بأثر أبي بن كعب ﵁ والذي جاء فيه: "قال جمعهم جميعاً فجعلهم أرواحاً في صورهم، ثم استنطقهم فتكلموا، ثم أخذ عليهم العهد والميثاق وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم؟ قالوا: بلى: قال: فإني أشهد عليكم السموات السبع، وأشهد عليكم أباكم آدم أن تقولوا يوم القيامة: إنا لم نعلم بهذا، اعلموا أنه لا إله غيري، ولا رب غيري، ولا تشركوا بي شيئا، إني سأرسل إليكم رسلي يذكرونكم عهدي وميثاقي، وأنزل عليكم كتبي. قالوا: شهدنا بأنك ربنا وإلهنا لا رب لنا غيرك، ولا إله لنا غيرك؛ فأقروا ... (١). قال الإمام السيوطي: "وأخرج أحمد والنسائي وابن جرير وابن مردوية والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم بنعمان يوم عرفة؛ فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها، فنثرها بين يديه كالنذر، ثم كلمهم قبلا قال: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا - إلى قوله - الْمُبْطِلُونَ) " (٢). وقال الإمام الطبري: "حدثنا أبو كريب قال: حدثنا ابن علية، عن

стр. 35

شريك، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: قال: "مسح الله ظهر آدم فاستخرج منه كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة" (١). وقال الإمام السيوطي: "وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الضحاك قال: إن الله أخرج من ظهر آدم يوم خلقه ما يكون إلى يوم القيامة فأخرجهم مثل الذر ثم قال: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى) قالت الملائكة: شهدنا. ثم قبض قبضة بيمينه فقال: هؤلاء في الجنة. ثم قبض قبضة أخرى فقال: هؤلاء في النار ولا أبالي. وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن جريج في قوله (أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ) قال: عن الميثاق الذي أخذ عليهم. (أَوْ

стр. 36

تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ) فلا يستطيع أحد من خلق الله من الذرية أن يقولوا: إنما أشرك آباؤنا ونقضوا الميثاق، وكنا نحن ذرية من بعدهم أفتهلكنا بذنوب آبائنا، وبما فعل المبطلون" (١). أ. هـ. قلت: ويراجع أثر أبي بن كعب في قوله تعالى (أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) (٢) الذي قال فيه: "هو الإيمان الذي كان قبل الاختلاف في زمان آدم، حين أخذ منهم عهدهم وميثاقهم، وأقروا كلهم بالعبودية وفطرهم على الإسلام، فكانوا أمة واحدة مسلمين" (٣). وقال ابن كثير: "قد فطر - أي الله جل ثناءه - الخلق كلهم على: معرفته وتوحيده، والعلم بأنه لا إله غيره، كما أخذ عليهم بذلك الميثاق، وجعله في غرائزهم وفطرهم (٤) ". وقال السيد صديق خان: "فأقر الجميع بأنك ربنا، واعترفوا بربوبيته سبحانه فأخذ عليهم الميثاق أن لا يعبدوا إلا إياه، ولا يعتقدوا أحداً الحاكم والمالك سواه، وأن لا يؤمنوا إلا به. فاعترفت الذرية كلها بذلك" (٥). وبهذا القدر يكون قد تم هذا الفصل بفضل الله وعونه. * * *

стр. 37

أهم نتائج الفصل الأول - حجية الميثاق -: * الميثاق كان في إفراد الله بالعبادة والبراءة من الشرك. وفطرت الفطر على أثره ومقتضاه. * حجية الميثاق عامة على كافة البشر وسائر الأمم. * الميثاق حجة مستقلة في بطلان الشرك وتلك علته التي حصل من أجلها؛ وعليه لا يستطيع أحد من البشر الاعتذار من نقضه ولو كان على سبيل الغفلة والجهل، أو التقليد والاتباع. * فطر الله جل في علاه خلقه جميعا على: معرفته، وتوحيده، والعلم بأنه لا إله غيره. وجعل العلم الإلهي من أرسخ العلوم الضروريه في الأنفس على الإطلاق، بحيث لو ترك النفس بلا فساد لما كان صاحبها إلا موحداً لله بالألوهية، محباً له، يعبده لا يشرك به شيئاً (١). * العقل الذي به يعرف التوحيد حجة مستقلة في بطلان الشرك، ولو لم تقم حجة البلاغ (٢). * لو لم تقم حجة الله على خلقه قبل البلاغ، لاستحال مؤاخذتهم بإرسال الرسل، وإنزال الكتب. * إرسال الرسل وإنزال الكتب لتذكير العباد: بمقتضى العهد والميثاق. * من أدرك ميثاق الرسالة فوفى به نفعه الميثاق الأول؛ ومن لم يف به لم ينفعه الميثاق الأول. ومن مات صغيراً - قبل إدراك ميثاق الرسل - مات على فطرة الميثاق الأول.

стр. 38

* العذاب والهلاك متوقف على سبب وشرط. السبب يتمثل في: نقض حجج التوحيد بالشرك. والشرط يتمثل في: بلوغ الرسالة وقيام الحجة. فنفي العذاب عن المشركين قبل الرسالة لنفي شرطه، لا لنفي سببه ومقتضيه. وبالله التوفيق.

стр. 39

الفصل الثاني حجية الفطرة وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: الفطرة في الإقرار بالإلهية والبراءة من الشرك. المبحث الثاني: الفطرة تقتضي بذاتها الإسلام والخروج عنه خلاف مقتضاها. المبحث الثالث: الفطرة حجة مستقلة في وجوب عبادة الله والبراءة من الشرك.

стр. 40

الفصل الثاني حجية الفطرة لقد خلق الله جل في علاه عباده حنفاء مسلمين موحدين لرب العالمين بالألوهية، ومتبرئين من تأله ما سواه. وجعل ذلك من لوازم فطرهم بحيث لو تركوا ودواعيها لما كانوا إلا عارفين بالله، وبتوحيده، وبأسمائه الحسنى وصفاته العلى القائم عليها والمنيثق منها: وحدانية تألهه. وبذلك شهدت فطر الموحدين وعقولهم: بأن الله أهل أن يُعبد، ولو لم يرسل بذلك رسولاً، ولم ينزل به كتاباً. وعليه أصبحت الفطرة بينة التوحيد وشاهده في أنفس الموحدين. فلا جرم أن الفطر يقتضي: عبادة الفاطر، وأن من كان مفطوراً مخلوقاً فحري به أن يتفرغ لعبادة فاطره وخالقه، لا سيما إذا كان أمره بيده ومنتهاه إليه. قال سبحانه (وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (١). ومن هنا استحال جواز الشرك في الفطر السليمة والعقول المستقيمة ولو لم يرد بذلك خبر، كيف وقد أرسلت الرسل، وأنزلت الكتب لتقرير ما استودع سبحانه في فطر خلقه من: حسن التوحيد وحل الطيبات، ومن قبح الشرك وحرمة الخبائث. فاطمأنت قلوب الموحدين، وثلجت صدورهم وعلموا: أن الفطرة والعقل والوحي خرجوا جميعا من مشكاة واحدة؛ فعبدوا ربهم ووحدوه وعظموه ومجدوه بداعي الفطرة، وداعي العقل، وداعي النقل.
следующие страницы →