← Акыда

Акыда · id 14031

آثار حجج التوحيد في مؤاخذة العبيد

مدحت آل فراج

Полный текст (218 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ) فلا يستطيع أحد من خلق الله من الذرية أن يقولوا: إنما أشرك آباؤنا ونقضوا الميثاق، وكنا نحن ذرية من بعدهم أفتهلكنا بذنوب آبائنا، وبما فعل المبطلون" (١). أ. هـ. قلت: ويراجع أثر أبي بن كعب في قوله تعالى (أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) (٢) الذي قال فيه: "هو الإيمان الذي كان قبل الاختلاف في زمان آدم، حين أخذ منهم عهدهم وميثاقهم، وأقروا كلهم بالعبودية وفطرهم على الإسلام، فكانوا أمة واحدة مسلمين" (٣). وقال ابن كثير: "قد فطر - أي الله جل ثناءه - الخلق كلهم على: معرفته وتوحيده، والعلم بأنه لا إله غيره، كما أخذ عليهم بذلك الميثاق، وجعله في غرائزهم وفطرهم (٤) ". وقال السيد صديق خان: "فأقر الجميع بأنك ربنا، واعترفوا بربوبيته سبحانه فأخذ عليهم الميثاق أن لا يعبدوا إلا إياه، ولا يعتقدوا أحداً الحاكم والمالك سواه، وأن لا يؤمنوا إلا به. فاعترفت الذرية كلها بذلك" (٥). وبهذا القدر يكون قد تم هذا الفصل بفضل الله وعونه. * * *

стр. 37

أهم نتائج الفصل الأول - حجية الميثاق -: * الميثاق كان في إفراد الله بالعبادة والبراءة من الشرك. وفطرت الفطر على أثره ومقتضاه. * حجية الميثاق عامة على كافة البشر وسائر الأمم. * الميثاق حجة مستقلة في بطلان الشرك وتلك علته التي حصل من أجلها؛ وعليه لا يستطيع أحد من البشر الاعتذار من نقضه ولو كان على سبيل الغفلة والجهل، أو التقليد والاتباع. * فطر الله جل في علاه خلقه جميعا على: معرفته، وتوحيده، والعلم بأنه لا إله غيره. وجعل العلم الإلهي من أرسخ العلوم الضروريه في الأنفس على الإطلاق، بحيث لو ترك النفس بلا فساد لما كان صاحبها إلا موحداً لله بالألوهية، محباً له، يعبده لا يشرك به شيئاً (١). * العقل الذي به يعرف التوحيد حجة مستقلة في بطلان الشرك، ولو لم تقم حجة البلاغ (٢). * لو لم تقم حجة الله على خلقه قبل البلاغ، لاستحال مؤاخذتهم بإرسال الرسل، وإنزال الكتب. * إرسال الرسل وإنزال الكتب لتذكير العباد: بمقتضى العهد والميثاق. * من أدرك ميثاق الرسالة فوفى به نفعه الميثاق الأول؛ ومن لم يف به لم ينفعه الميثاق الأول. ومن مات صغيراً - قبل إدراك ميثاق الرسل - مات على فطرة الميثاق الأول.

стр. 38

* العذاب والهلاك متوقف على سبب وشرط. السبب يتمثل في: نقض حجج التوحيد بالشرك. والشرط يتمثل في: بلوغ الرسالة وقيام الحجة. فنفي العذاب عن المشركين قبل الرسالة لنفي شرطه، لا لنفي سببه ومقتضيه. وبالله التوفيق.

стр. 39

الفصل الثاني حجية الفطرة وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: الفطرة في الإقرار بالإلهية والبراءة من الشرك. المبحث الثاني: الفطرة تقتضي بذاتها الإسلام والخروج عنه خلاف مقتضاها. المبحث الثالث: الفطرة حجة مستقلة في وجوب عبادة الله والبراءة من الشرك.

стр. 40

الفصل الثاني حجية الفطرة لقد خلق الله جل في علاه عباده حنفاء مسلمين موحدين لرب العالمين بالألوهية، ومتبرئين من تأله ما سواه. وجعل ذلك من لوازم فطرهم بحيث لو تركوا ودواعيها لما كانوا إلا عارفين بالله، وبتوحيده، وبأسمائه الحسنى وصفاته العلى القائم عليها والمنيثق منها: وحدانية تألهه. وبذلك شهدت فطر الموحدين وعقولهم: بأن الله أهل أن يُعبد، ولو لم يرسل بذلك رسولاً، ولم ينزل به كتاباً. وعليه أصبحت الفطرة بينة التوحيد وشاهده في أنفس الموحدين. فلا جرم أن الفطر يقتضي: عبادة الفاطر، وأن من كان مفطوراً مخلوقاً فحري به أن يتفرغ لعبادة فاطره وخالقه، لا سيما إذا كان أمره بيده ومنتهاه إليه. قال سبحانه (وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (١). ومن هنا استحال جواز الشرك في الفطر السليمة والعقول المستقيمة ولو لم يرد بذلك خبر، كيف وقد أرسلت الرسل، وأنزلت الكتب لتقرير ما استودع سبحانه في فطر خلقه من: حسن التوحيد وحل الطيبات، ومن قبح الشرك وحرمة الخبائث. فاطمأنت قلوب الموحدين، وثلجت صدورهم وعلموا: أن الفطرة والعقل والوحي خرجوا جميعا من مشكاة واحدة؛ فعبدوا ربهم ووحدوه وعظموه ومجدوه بداعي الفطرة، وداعي العقل، وداعي النقل.

стр. 41

وبهذا تكون الفطرة حجة مستقلة في بطلان الشرك. فهي أسبق من كافة الحجج الواهية، وسائر المعاذير الساقطة التي يتشبث بها المشركون. فالمشركون خرجوا عن: كافة دواعي الهدى، وتردوا في ظلمات الردى، واستبدلوا الحجج الدامغة بالحجج الداحضة، واستغنوا بالشبه الزائفة عن البينات البينة، واشتروا الأدلة المظلمة بالأدلة الساطعة. إلا أن الله لكمال حكمته وعظيم عفوه حكم: بأن لا يعذب أحداً وقع في عبادة غيره حتى تقوم عليه الحجة برسله، وإن كان قد دقام به ما يستحق به العذاب لنقضه: كافة حجج وعهود التوحيد؛ بتلبسه بالشرك، ولمخالفته العلم الضروري البديهي الذي لا تنفك عنه أي نفس، والمستقر في قرار فطر الخلائق، والذي يقضي: بأن الفاطر الخالق لا بد أن يعبد وحده لا شريك له، ويكفر بكل معبود لا يملك لأوليائه ضراً ولا نفعاً، ولا يملك موتا ولا حياة ولا نشوراً. قال تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ، مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (١). قال الإمام البخاري: حدثنا عبدان أخبرنا عبد الله أخبرنا يونس عن الزهري أخبرني: أبو سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء"؟ يقول أبو هريرة ﵁ (فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) متفق عليه (٢).

стр. 42

وفي رواية للإمام مسلم: "ويشركانه" (١) وفي رواية "إلا على هذه الملة، حتى يبين عنه لسانه". (٢) وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا هشام حدثنا قتادة عن مطرف عن عياض بن حمار أن النبي ﷺ خطب ذات يوم فقال في خطبته "إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني في يومي هذا. كل مال نحلته عبادي حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فأضلتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا. ثم إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عجمهم وعربهم إلا بقايا من أهل الكتاب ... " (٣). * * *

стр. 43

المبحث الأول: الفطرة في الإقرار لله بالإلهية والبراءة من الشرك: قال ابن شهاب الزهري: "يصلى على كل مولود متوفى وإن كان لغِيَّة (١) من أجل أنه ولد على فطرة الإسلام، يدعي أبواه الإسلام، أو أبوه خاصة وإن كانت أمه على غير الإسلام، إذا استهلّّ صارخا صلي عليه، ولا يصلى على من لا يستهلّ من أجل أنه سقط، فإن أبا هريرة ﵁ كان يحدث: قال النبي ﷺ "ما من مولود إلا يولد على الفطرة - ثم ذكر الحديث - ثم يقول أبو هريرة ﵁ (فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) (٢). وقال الإمام ابن القيم: "وقال الإمام أحمد في رواية الميموني: الفطرة الأولى التي فطر الناس عليها، فقال له الميموني: الفطرة الدين؟ قال: نعم. وقد نص في غير موضع أن الكافر إذا مات أبواه أو أحدهما حكم بإسلامه واستدل بالحديث "كل مولود يولد على الفطرة". ففسر الحديث بأنه يولد على فطرة الإسلام كما جاء ذلك مصرحا به في الحديث؛ ولو لم يكن ذلك معناه معناه عنده لما صح استدلاله" أ. هـ. (٣). وقال الإمام البخاري: "الفطرة: الإسلام" (٤) أ. هـ. وقال الإمام الطبري: حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله (فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) قال: الإسلام مذ خلقهم الله من آدم جميعاً يقرون بذلك، وقرأ (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا) (٥) قال:

стр. 44

فهذا قول الله (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ). وقال أيضاً: حدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا عيسى، وحدثني الحارث قال: حدثنا الحسن قال: حدثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح عن مجاهد: فطرة الله. قال: الإسلام (١). وقال: حدثنا ابن حميد قال: حدثنا بحيى بن وضح. قال: حدثنا يونس بن أبي صالح عن: يزيد بن أبي مريم قال: مر عمر بمعاذ بن جبل فقال: ما قوام هذه الأمة؟ قال معاذ: ثلاث وهن المنجيات: الإخلاص وهو الفطرة، (فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا)، والصلاة وهي الملة، والطاعة وهي العصمة فقال عمر: صدقت. وقال: حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا زيد بن حباب عن: حسين بن واقد عن: يزيد النحوي عن عكرمة (فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) قال: الإسلام. وقال الإمام الطبري في تأويل قوله تعالى (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) (٢)، يقول تعالى ذكره: فسدد وجهك نحو الوجه الذي وجّهك إليه ربك يا محمد لطاعته وهي: الدين (حَنِيفاً) يقول: مستقيما لدينه وطاعته. (فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) يقول: صنعة الله التي خلق الناس عليها. ونصبت "فطرة" على المصدر من معنى قوله: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً). وذلك أن معنى ذلك: فطر الله الناس على ذلك فطرة (٣) أ. هـ. وقال الحافظ: وأشهر الأقوال أن المراد بالفطرة: الإسلام.

стр. 45

قال ابن عبد البر: وهو المعروف عند عامة السلف. وأجمع أهل التأويل على أن المراد بقوله تعالى (فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا): الإسلام (١) " أ. هـ. وقال ابن القيم: "قال تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا). فبين سبحانه أن إقامة الوجه: وهو إخلاص القصد، وبذل لوسع لدينه المتضمن محبته وعبادته حنيفاً مقبلا عليه، معرضا عما سواه هو فطرته التي فطر عليها عباده، فلو خُلّوا ودواعي فطرهم لما رغبوا عن ذلك، ولا اختاروا سواه. ولكن غيرت الفطر وأفسدت، كما قال النبي ﷺ "ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء حتى تكونوا أنتم تجدعونها؟ ثم يقول أبو هريرة: اقرأوا إن شئتم (فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ، مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ). و"منيبين" نصب على الحال من المفعول أي: فطرهم منيبين إليه، والإنابة إليه تتضمن: الإقبال عليه بمحبته وحده، والإعراض عما سواه. وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار عن النبي ﷺ قال: "إن الله أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني في مقامي هذا، إنه قال: كل مال نحلته عبدا فهو له حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء فأتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً، وحرمت عليهم ما أحللت لهم" (٢) فأخبر سبحانه أنه إنما فطر عباده على الحنيفية المتضمنة لكمال حبه، والخضوع له، والذل له، وكمال طاعته وحده دون غيره، وهذا من الحق الذي

стр. 46

خلقت له، وبه قامت السموات والأرض وما بينهما، وعليه قام العالم، ولأجله خلقت الجنة والنار، ولأجله أرسل رسله، وأنزل كتبه، ولأجله أهلك القرون التي خرجت عنه وآثرت غيره، فكونه سبحانه أهلاً أن يعبد ويحب ويحمد ويثنى عليه أمر ثابت له لذاته، فلا يكون إلا كذلك. كما أنه الغني القادر الحي القيوم البصير فهو سبحانه الإله الحق المبين، والإله هو الذي يستحق أن يؤله: محبة وتعظيما وخشية وخضوعا وتذللاً وعبادة، فهو الإله الحق ولو لم يخلق خلقه، وهو الإله الحق ولو لم يعبدوه؛ فهو المعبود حقاً، الإله حقاً، المحمود حقاً، ولو قدر أن خلقه لم يعبدوه ولم يحمدوه ولم يألهوه فهو الله الذي لا إله إلا هو قبل أن يخلقهم، وبعد أن خلقهم، وبعد أن يفنيهم، لم يستحدث بخلقه لهم ولا بأمره إياهم استحقاق إلهية وحمد؛ بل إلهيته وحمده ومجده وغناه أوصاف ذاتية له يستحيل مفارقتها له لحياته، ووجوده، وقدرته، وعلمه، وسائر صفات كماله. فأولياؤه وخاصته وحزبه لما شهدت عقولهم وفطرهم أنه أهل أن يُعبد - وإن لم يرسل إليهم رسولاً، ولم ينزل عليهم كتاباً، ولو لم يخلق جنة أو ناراً - علموا أنه لا شيء في العقول والفطر أحسن من عبادته، ولا أقبح من الإعراض عنه، وجاءت الرسل وأنزلت الكتب لتقرير ما استودع سبحانه في الفطر والعقول من ذلك، وتكميله، وتفصيله، وزيادته حسناً إلى حسنه، فاتفقت شريعته وفطرته وتطابقا، وتوافقا، وظهر أنكما من مشكاة واحدة، فعبدوه، وأحبوه، ومجدوه، وحمدوه: بداعي الفطر، وداعي الشرع، وداعي العقل، فاجتمعت لهم الدواعي، ونادتهم من كل جهة، ودعتهم إلى وليهم وإلههم وفاطرهم" (١) أ. هـ. وقال ابن كثير: "يقول تعالى: فسدد وجهك، واستمر على الدين الذي شرعه الله من الحنيفية - ملة إبراهيم - الذي هداك الله لها، وكملها لك

стр. 47

غاية الكمال، وأنت مع ذلك لازم فطرتك السليمة التي فطر الله الخلق عليها، فإنه تعالى فطر خلقه على: معرفته، وتوحيده، وأنه لا إله غيره" (١) أ. هـ. وقال الشوكاني: (فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا). الفطرة في الأصل: الخلقة، والمراد بها هنا الملة، وهي: الإسلام والتوحيد .... والقول بأن المراد بالفطرة هنا: الإسلام هو مذهب جمور السلف". (٢) أ. هـ. وقال ابن تيمية: "قال تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ...). وفي الصحيحن عن النبي - صى الله عليه وسلم - أنه قال "كل مولود يولد على الفطرة ... ". والفطرة تستلزم: معرفة الله، ومحبته، وتخصيصه بأنه أحب الأشياء إلى العبد وهو التوحيد. وهذا معنى قول "لا إله إلا الله" كما جاء مفسراً "كل مولود يولد على هذه الملة". وروى "على ملة الإسلام". وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار أن النبي ﷺ قال: يقول الله: "إني خلقت عبادي حنفاء ... ". فأخبر أنه خلقهم حنفاء، وذلك يتضمن: معرفة الرب، ومحبته، وتوحيده. فهذه الثلاثة تضمنتها الحنيفية، وهي معنى قول "لا إله إلا الله". فإن في هذا الكلمة الطيبة التي هي (كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ) (٣)، فيها إثبات معرفته والإقرار به، وفيها إثبات محبته. فإن الإله هو المألوه الذي يستحق أن يكون مألوهاً؛ وهذا أعظم ما يكون من المحبة. وفيها أنه لا إله إلا هو. ففيها: المعرفة، والمحبة، والتوحيد. وكل مولود يولد على الفطرة، وهي الحنيفية التي خلقهم عليها؛ ولكن

стр. 48

أبواه يفسدان ذلك - فيهودانه، وينصرانه، ويمجسانه، ويشركانه، وكذلك يجهمانه - فيجعلانه منكراً لما في قلبه من معرفة الرب ومحبته وتوحيده. ولهذا كانت الرسل إنما تأتي بتذكير الفطرة ما هو معلوم لها، وتقويته وإمداده، ونفي المغيّر للفطرة. فالرسل بعثوا بتقرير الفطرة وتكميلها، لا بتغيير الفطرة وتحويلها. والكمال يحصل بالفطرة المكمّلة بالشرعة المنزلة" (١) أ. هـ. وقال ﵀ أيضاً: "فالله سبحانه فطر عباده على محبته وعبادته وحده؛ فإذا تركت الفطرة بلا فساد كان القلب عارفاً بالله، محباً له، عابداً له وحده. لكن تفسد فطرته من مرضه كأبويه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، وهذه كلها تغير فطرته التي فطره عليها، وإن كانت بقضاء الله وقدره - كما يغير البدن بالجدْع - ثم قد يعود إلى الفطرة إذا يسر الله تعالى لها من يسعى في إعادتها إلى الفطرة" (٢) أ. هـ. وقال أيضاً: "وأصل الدين الذي هو عبادة الله الذي أصله الحب والإنابة والإعراض عما سواه، وهو الفطرة التي فطر عليها الناس" (٣) أ. هـ. وقال ﵀: "الدلائل الدالة على أنه أراد على فطرة الإسلام كثيرة كألفاظ الحديث التي في الصحيح، مثل قوله "على الملة"، "وعلى هذه الملة" ومثل قوله في حديث عياض بن حمار: "خلقت عبادي حنفاء كلهم" وفي لفظ "حنفاء مسلمين"، ومثل تفسير أبي هريرة وغيره من رواة الحديث ذلك، وهم أعلم بما سنمعوا" (٤) أ. هـ. وقال ابن القيم: "قال شيخنا - أي ابن تيمية -: والإجماع والآثار المنقولة عن

стр. 49

السلف لا تدل إلا على القول الذي رجحناه؛ وهو أنهم على الفطرة، ثم صاروا إلى ما سبق في علم الله فيهم من سعادة وشقاوة، لا يدل على أنهم حين الولادة لم يكونوا على فطرة سليمة مقتضية للإيمان ومستلزمة له لولا العارض" (١) أ. هـ. وعرض ابن القيم اختلاف العلماء في ماهية الفطرة، ثم رجح المذهب الصحيح قائلاً: "والصحيح من هذه الأقوال: ما دل عليه القرآن والسنة أنهم ولدوا حنفاء على فطرة الإسلام بحيث لو تركوا لكانوا حنفاء مسلمين، كما ولدوا أصحاء كاملي الخلقة، فلو تركوا وخلقهم لم يكن فيهم مجدوع، ولا مشقوق الأذن. ولهذا لم يذكر النبي - صلى الله عليه وسلم٠ شرطاً مقتضياً (٢) غير الفطرة، وجعل خلاف مقتضاها من فعل الأبوين. وقال النبي ﷺ فيما يروى عن ربه "إني خلقت عبادي حنفاء. وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم". فأخبر أن تغيير الفطرة التي خلقوا عليها بأمر طارئ من جهة الشيطان، ولو كان الكفار منهم مفطورين على الكفر لقال: خلقت عباي مشركين فأتتهم الرسل فاقتطعتهم عن ذلك، كيف وقد قال: "خلقت عبادي حنفاء كلهم"؟ فهذا القول أصح الأقوال والله أعلم" (٣) أ. هـ. قلت: ولا يلزم من تحرير مقتضى الفطرة أن يكون الطفل ساعة خروجه من بطن أمه عالماً: بمعنى "لا إله إلا الله"، فإن الله أخرجنا من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئا. ولكن المقصود: سلامة القلب واستقامته على التوحيد وبراءته من الشرك بكافة صوره وألوانه، بحيث لو ترك صاحبه بلا مغير لصبغته - حتى تعقّله - لما كان إلا موحداً لربه بالألوهة، ومنخلعاً من تأله ما سواه. سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن قوله ﷺ "كل مولود يولد على الفطرة" فأجاب:

стр. 50

"الحمد لله. أما قوله ﷺ "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه" فالصواب أنها: فطرة الله لتي فطر الناس عليها يوم قال: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى). وهي السلامة من الاعتقادات الباطلة، والقبول للعقائد الصحيحة. فإن حقيقة "الإسلام" أن يستسلم لله، لا لغيره وهي معنى " لا إله إلا الله" ولا يلزم من كونهم مولودين على الفطرة أن يكونوا حين الولادة معتقدين للإسلام بالفعل. فإن الله أخرجنا من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئا، ولكن سلامة القلب، وقبوله، وإرادته للحق - الذي هو الإسلام - بحيث لو ترك بغير مغير لما كان إلا مسلماً. وهذه القوة العلمية العملية التي تقتضي بذاتها الإسلام ما لم يمنعها مانع هي: فطرة الله التي فطر الناس عليها" (١) أ. هـ. وذكر الإمام ابن القيم محاورة بين: الإمام محمد بن نصر، وبين الإمام ابن قتيبة في مقتضى آية المياق. قال: "قال محمد بن نصر: واحتج ابن قتيبة بقوله (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ ...) فأجابوا - بكلام - شاهدين مقرين على أنفسهم بأن الله ربهم، ثم ولدوا على ذلك. قال محمد بن نصر: فقوله "ثم ولدوا على ذلك" زيادة منه ليست في الكتاب، ولا جاءت في شيء من الأخبار. قلت - أي: ابن القيم - قوله "ثم ولدوا على ذلك" إن أراد به أنهم ولدوا حال سقوطهم وخروجهم من بطون أمهاتهم عالمين: بالله وبتوحيده وأسمائه وصفاته فقد أصاب - أي محمد بن نصر - في الرد عليه. وإن أراد أنهم: على حكم ذلك الأخذ، وأنهم لو تركوا لما عدلوا عنه إذا عقلوا فهو الصواب الذي لا يرد" (٢) أ. هـ.

стр. 51

المبحث الثاني: الفطرة تقتضي بذاتها الإسلام والخروج عنه خلاف مقتضاها: قال ابن تيمية ﵀: "والكتاب - والسنة - دل على ما اتفقت عليه من كون الخلق مفطورين على دين الله، الذي هو معرفة الله، والإقرار به، بمعنى أن ذلك موجب فطرتهم، ويمقتضاها يجب حصوله فيها؛ إذا لم يحصل ما يعوقها. فحصوله فيها لا يقف على وجود شرط، بل على انتفاء مانع. ولهذا لم يذكر النبي ﷺ لموجب الفطرة شرطا، بل ذكر ما يمنع موجبها، حيث قال: "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه، كما قال تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ، مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) (١)، فأخبر أن المشركين مفترقون. ولهذا قال ﷺ في الحديث الصحيح: "إن الله يرضى لكم ثلاثا: أن تعبدوه لا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا. وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم" (٢). وقد قال تعالى: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ) (٣). وقال تعالى: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ) (٤).

стр. 52

وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ، وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ، فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) (١). وأصل الدين الذي فطر الله عليه عباده. كما قال: "خلقت عبادي حنفاء، فاجتالتهم الشياطين، وحرّمت عليهم ما أحللت لهم. وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزِّل به سلطانا" فهو يجمع أصلين: أحدهما: عبادة الله وحده لا شريك له، وإنما يُعبد بما أحبه وأمر به. وهذا هو المقصود الذي خلق الله له الخلق، وضده الشرك والبدع. والثاني: حل الطيبات التي يستعان بها على المقصود. وهو الوسيلة، وضدها تحريم الحلال. والأول كثير في النصارى، والثاني - وهو تحريم الطيبات - كثير في اليهود، وهما جميعا في المشركين". (٢) أ. هـ. وقال الحافظ ﵀: "ويؤيد المذهب الصحيحح - أي أن المراد بالفطرة هو الإسلام - أن قوله "فأبواه يهودانه الخ" ليس فيه لوجود الفطرة شرط، بل ذكر ما يمنع موجبها؛ كحصول اليهودية مثلاً متوقف على أشياء خارجة عن الفطرة، بخلاف الإسلام" (٣) أ. هـ. وقال ابن القيم: "وإن كان المراد بهذا القول (٤) ما قاله طائفة من العلماء، أن المراد أنهم ولدوا على الفطرة السليمة التي لو تركت مع صحتها لاختارت المعرفة على الإنكار، والإيمان على الكفر، ولكن بما عرض لها من الفساد خرجت عن هذه الفطرة، فهذا القول قد يقال: لا يرد عليه ما يرد على القول

стр. 53

الذي قبله؛ فإن صاحبه يقول: في الفطرة قول تميل بها إلى المعرفة والإيمان، كما في البدن السليم قوة يحب بها الأغذية النافعة؛ وبهذا كانت محمودة وذم من أفسدها. لكن يقال: فهذه الفطرة التي فيها هذه القوة والقبول والاستعداد والصلاحية هل هي كافية في حصول المعرفة؛ أو تقف المعرفة على أدلة من خارج؟ فإن كانت المعرفة تقف على أدلة من خارج أمكن أن يوجد تارة ويعدم أخرى. ذلك السبب يمتنع أن يكون موجبا للمعرفة بنفسه، بل غايته أن يكون معرفا ومذكرا؛ فعند ذلك إن وجب حصول المعرفة كانت واجبة الحصول عند وجود ذلك الأسباب؛ وإلا فلا؛ وحينئذ فلا يكون فيها إلا قبول المعرفة والإيمان، وحينئذ فلا فرق فيها بين: الإيمان والكفر، والمعرفة والإنكار، إنما فيها قوة قابلة لكل منهما واستعداد له! لكن يتوقف على المؤثر الفاعل من خارج، وهذا هو القسم الأول الذي أبطلناه، وبينا أنه ليس في ذلك مدح للفطرة. وأما إن كان فيها قوة تقتضي المعرفة بنفسها - وإن لم يوجد من يعلمها أدلة المعرفة فيها بدون ما يسمعه من الأدلة - سواء قيل إن المعرفة ضرورية فيها، أو قيل إنها تحصل بأسباب تنتظم في النفس، وإن لم يسمع كلام مستدل؛ فإن النفس قد يقوم بها من النظر والاستدلال ما يحتاج معه إلى كلام الناس، فإن كان كل مولود يولد على هذه الفطرة؛ لزم أن يكون المقتضي للمعرفة حاصلا لكل مولود وهو المطلوب، والمقتضي التام مستلزم مقتضاه. فتبين أن أحد الأمرين لازم: إما كون الفطرة مستلزمة للمعرفة؛ وإما استواء الأمرين بالنسبة إليها، وذلك ينفي مدحها وتلخيص ذلك أن يقال: المعرفة والإيمان بالنسبة إليها ممكن بلا ريب؛ فإما أن تكون هي موجبة مستلزمة لذلك، وإما أن لا تكون مستلزمة له؛ فلا يكون

стр. 54

واجبا لها. فإن كان الثاني لم يكن فرق بين الكفر والإيمان بالنسبة إليها، أو كلاهما ممكن لها؛ فثبت أن المعرفة لازمة لها إلا أن يعارضها معارض. فإن قيل: ليست موجبة مستلزمة للمعرفة ولكن هيء إليها الميل مع قبولها للنكرة. قيل: فحينئذ إذا لم تستلزم المعرفة وجدت تارة، وعدمت تارة، وهي وحدها لا يحصلها؛ فلا تحصل إلا بشخص آخر كالأبوين فيكون الإسلام والتهويد والتنصير والتمجيس. ومعلوم أن هذه أنواع بعضها أبعد عن الفطرة من بعض كالتمجيس، فإن لم تكن الفطرة مقتضية للإسلام صار نسبتها إلى ذلك كنسبة التهويد والتنصير إلى التمجيس؛ فوجب أن يذكر كما ذكر ذلك، ويكون هذا كمكون الفطرة لا يقضى الرضاع إلا بسبب منفصل وليس كذلك، بل الطفل يختار مص اللبن؛ بنفسه فإذا مُكن من الثدي وجدت الرضاعة لا محالة؛ فارتضاعه ضروري إذا لم يوجد معارض، وهو مولود على أن يرضع؛ فكذلك هو مولود على أن يعرف الله؛ والمعرفة ضرورية لا محالة إذا لم يوجد معارض. وأيضا: فإن حب النفس لله، وخضوعها له، وإخلاصها له مع الكفر به، والشرك، والإعراض عنه، ونسيان ذكره إما أن يكون نسبتهما إلى الفطرة سواء، أو الفطرة مقتضية للأول دون الثاني. فإن كانا سواء لزم انتفاء المدح كما تقدم، وإن لم يكن فرق بين: دعائها إلى الكفر، ودعائها إلى الإيمان، ويكون تمجيسها كتحنيفها؛ وقد عرف بطلان هذا. وإن كان فيها مقتض لهذا: فإما أن يكون المقتضي مستلزماً لمقتضاه عند عدم المعارض، وإما أن يكون متوقفا على شخص خارج عنها؛ فإن كان الأول ثبت ذلك من لوازمها، وأنها مفطورة عليه، لا يفقد إلا إذا فسدت الفطرة؛ وإن قدر أنه متوقف على شخص فذلك الشخص هو الذي يجعلها حنيفية كما يجعلها مجوسية، وحينئذ فلا فرق بين هذا وهذا. وإذا قيل: هي إلى الحنيفية

стр. 55

أميل كان كما يقال: هي إلى غيرها أميل، فتبين أن فيها قوة موجبة لحب الله، والذل له، وإخلاص الدين له، وإنها موجبة لمقتضاها إذا سلمت من المعارض، كما أن فيها قوة تقتضي شرب اللبن الذي فطرت على محبته وطلبه. مما يبين هذا: أن كل حركة إرادية فإن الموجب لها قوة في المريد، فإذا أمكن في الإنسان أن يحب الله، ويعبده، ويخلص له الدين كان فيه قوة تقتضي ذلك، إذ الأفعال الإرادية لا يكون سببها إلا من نفس الحي المريد الفاعل، ولا يشترط في إرادته إلا مجرد الشعور بالمراد، فما في النفوس من قوة المحبة له إذا شعرت به تقتضي حبه إذا لم يحصل معارض، وهذا موجود في محبة الأطعمة، والأشربة، والنكاح، والعلم وغيرها، وقد ثبت أن في النفس قوة المحبة لله، والإخلاص والذل له والخضوع، وأن فيها قوة الشعور به، فيلزم قطعا وجود المحبة له والتعظيم والخضوع بالفعل لوجود المقتضي إذا سلم عن المعارض. وتبين أن المعرفة والمحبة لا يشترط فيهما وجود شخص منفصل؛ وإن كان وجودها قد يذكر ويحرك، كما لو خوطب الجائع أو الظمآن بوصف طعام، أو خوطب المغتلم بوصف النساء؛ فإن هذا مما يذكره، ويحركه ويثير شهوته الكامنة بالقوة في نفسه؛ لا أنه يحدث له نفس تلك الإرادة والشهوة بعد أن لم تكن فيه فيجعلها موجودة بعد أن كانت عدما. فكذلك الأسباب الخارجة عن الفطرة لا يتوقف عليها وجود ما في الفطرة من الشعور بالخالق ومحبته وتعظيمه والخضوع له؛ وإن كان ذلك مذكرا ومحركا ومنبها ومزيلا للعارض المانع؛ ولذلك سمى الله سبحانه ما كمل به موجبات الفطرة بذكر وذكرى، وجعل رسوله مذكرا فقال: (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ) وقال: (فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى) وقال: (وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ) وقال: (وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ) وقال: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ) وقال: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ

стр. 56

مُدَّكِرٍ) وقال: (فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ). وهذا كثير في القرآن يخبر أن كتابه ورسوله مذكر لهم بما هو مركوز في فطرهم من: معرفته، ومحبته، وتعظيمه، وإجلاله، والخضوع له، والإخلاص له، ومحبة شرعه - الذي هو العدل المحض - وإيثاره على ما سواه. فالفطر مركوز فيها: معرفته، ومحبته، والإخلاص له، والإقرار بشرعه، وإيثاره على غيره، فهي تعرف ذلك، وتشعر به مجملا، ومفصلا بعض التفصيل؛ فجاءت الرسل تذكرها بذلك، وتنبهها عليه، وتفصله لها وتبينه، وتعرفها الأسباب المعارضة لموجب الفطرة المانعة من اقتفائها أثرها. وهكذا شأن الشرائع التي جاءت بها الرسل فإنها: أمر بمعروف، ونهي عن منكر، وإباحة طيب، وتحريم خبيث، وأمر بعدل، ونهي عن ظلم. وهذا كله مركوز في الفطرة، وكمال تفصيله وتبيينه موقوف على الرسل، وهكذا باب التوحيد وإثبات الصفات فإن في الفطرة الإقرار بالكمال المطلق الذي لا نقص فيه للخالق سبحانه؛ ولكن معرفة هذا الكمال على التفصيل مما يتوقف على الرسل، وكذلك تنزيهه عن النقائص والعيوب هو أمر مستقر في فطر الخلائق خلافا لمن قال من المتكلمين إنه لم يقم دليل عقلي على تنزيهه عن النقائص، وإنما علم بالإجماع!! قبحا لهاتيك العقول فإنها ... عقال على أصحابها ووبالٌ فليس في العقول أبين ولا أجلى من: معرفتها بكمال خالق هذا العالم، وتنزيهه عن العيوب والنقائص. وجاءت الرسل بالتذكرة بهذه المعرفة وتفصيلها، وكذلك في الفطر الإقرار بسعادة النفوس البشرية وشقاوتها، وجزائها بكسبها في غير هذه الدار. وأما تفصيل ذلك الجزاء والسعادة والشقاوة فلا تعلم إلا بالرسل، وكذلك فيها: معرفة العدل ومحبته وإيثاره. وأما تفاصيل العدل الذي هو شرع الرب تعالى فلا يعلم إلا بالرسل.

стр. 57

فالرسل تذكر بما في الفطر وتفصله وتبينه؛ ولهذا كان العقل الصريح موافقا: للنقل الصحيح، والشرعة مطابقة: للفطرة يتصادقان ولا يتعارضان خلافا لمن قال: إذا تعارض العقل والوحي قدمنا العقل على الوحي!! فقبحا لعقل ينقض الوحي حكمه ... ويشهد حقا أنه هو كاذب والمقصود أن الله فطر عباده على فطرة فيها: الإقرار به، ومحبته، والإخلاص له، والإنابة إليه، وإجلاله وتعظيمه، وأن الشخص الخارج عنها لا يحدث فيها ذلك، ويجعلها فيها بعد أن لم يكن، وإنما يذكرها بما فيها، وينبهها عليه، ويحركها له، ويفصله لها ويبينه، ويعرفها الأسباب المقوية والأسباب المعارضة له والمانعة من كماله. كما أن الشخص الخارج لا يجعل في الفطرة شهوة اللبن عند الرضاع، والأكل والشرب والنكاح، وإنما تذكر النفس وتحركها لما هو مركوز فيها بالقوة. ومما يبين ذلك: أن الإقرار بالصانع مع خلو القلب عن محبته والخضوع له وإخلاص الدين له لا يكون نافعا، بل الإقرار به مع الإعراض عنه، وعن محبته وتعظيمه والخضوع له أعظم استحقاقا للعذاب، فلا بد أن يكون للفطرة مقتض للعلم، ومقتض للمحبة، والمحبة مشروطة بالعلم فإن ما لا يشعر به الإنسان لا يحبه، والحب للمحبوبات لا يكون بسبب من خارج بل هو جبلي فطري؛ فإذا كانت المحبة جبلية فطرية فشرطها وهو المعرفة أيضاً جبلي فطري؛ فلا بد أن يكون في الفطرة: محبة الخالق مع الإقرار به وهذا أصل الحنيفية التي خلق الله خلقه عليها وفطرته فطرهم عليها. فعلم أن الحنيفية من موجبات الفطرة ومقتضياتها؛ والحب لله والخضوع له والإخلاص هو أصل أعمال الحنيفية، وذلك مستلزم: للإقرار والمعرفة، ولازم اللازم لازم، وملزوم الملزوم ملزوم، فالفطرة ملزومة لهذه الأحوال، وهذه الأحوال لازمة لها (١).

стр. 58

فقد تبين دلالة الكتاب والسنة والآثار واتفاق السلف على: أن الخلق مفطورون على دين الله - الذي هو معرفته، والإقرار به، ومحبته والخضوع له - وأن ذلك موجب فطرتهم ومقتضاها يجب حصوله فيها إن لم يحصل ما يعارضه ويقتضي حصول ضده، وأن حصول ذلك فيها لا يقف على وجود شرط بل على انتفاء المانع؛ فإذا لم يوجد فهو لوجود منافيه لا لعدم مقتضيه، ولهذا لم يذكر النبي ﷺ لوجود الفطرة شرطا بل ذكر ما يمنع موجبها حيث قال "فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه" فحصول هذا التهويد والتنصير موقوف على أسباب خارجة عن الفطرة، وحصول الحنيفية والإخلاص ومعرفة الرب والخضوع له لا يتوقف أصله على غير الفطرة؛ وإن توقف كماله وتفصيله على غيرها وبالله التوفيق". (١) أ. هـ.

стр. 59

المبحث الثالث: الفطرة حجة مستقلة في وجوب عبادة لله والبراءة من الشرك: النفس فقيرة بالذات ومريدة ضرورة، وفطرت على تأله إله ليسدّ فقرها ويلبي مرادها. فلا بد لكل أحد من إله يألهه ومعبود يعبده، وصمد يصمد إليه في: الرغبات والرهبات. فإن كان المعبود ميتاً فالحي أكمل منه؛ والنفس مفطورة على عبادة الكامل الذي لا نقص فيه. وإن كان المعبود من دون الله حيا لزم فقره وحاجته لغيره، وذلك طعن في تألهه. فلزم - منعاً للتسلسل الممتنع - تأله الناس لإله لا يأله، وصمد لا يصمد لغيره، ومعبود لا يعبد، غني بالذات، كامل الكمال المطلق الذي لا نقص فيه. ومن هنا لو تركت الفطر على صبغتها لتألهت الله وحده - ضرورة - وكفرت بكل معبود سواه. وهذا برهان قطعي وعلم ضروري ودليل كلي، وضده مكابرة وسفسطة لا يؤبه لها. قال ابن القيم: "فإن النفس لها مطلوب مراد بضرورة فطرتها، وكونها مريدة هو من لوازم ذاتها؛ فإنها حية، وكل حي شاعر متحرك بالإرادة؛ وإذا كان كذلك فلا بد لكل مريد من مراد والمراد: إما أن يكون مراداً لنفسه أو لغيره، والمراد لغيره لا بد أن ينتهي إلى مراد لنفسه قطعا للتسلسل في العلل الغائية فإنه محال كالتسلسل في العلل الفاعلة. وإذا كان لا بد للإنسان من مراد لنفسه فهو الله الذي لا إله إلا هو: الذي تألهه النفوس، وتحبه القلوب، وتعرفه الفطر، وتقرّ به العقول، وتشهد بأنه ربها ومليكها وفاطرها. فلا بد لكل أحد من إله يأله، وصمد يصمد إليه، والعباد مفطورون على محبة الإله الحق، ومعلوم بالضرورة أنهم ليسوا مفطورين على تأله غيره؛ فإذاً إنما فطروا على تألهه وعبادته وحده؛ فلو خُلّوا وفطرهم لما عبدوا غيره، ولا تألهوا سواه؛ يوضحه. الوجه الخامس عشر: أنه يستحيل أن تكون الفطرة خالية عن التأله

стр. 60

والمحبة، ويستحيل أن يكون فيها تأله غير الله لوجوه منها: أن ذلك خلاف الواقع. ومنها: أن ذلك المخلوق ليس أولى أن يكون إلها لكل الخلق من المخلوق الآخر، ومنها: أن المشركين لم ينفقوا على إله واحد بل كل طائفة تعبد ما تستحسنه. ومنها: أن ذلك المخلوق إن كان ميتا فالحي أكمل منه؛ فيمتنع أن يكون الناس مفطورين على عبادة الميت، وإن كان حيا فهو أيضا مريد فله إله تألهه؛ وحينئذ فلزم الدور الممتنع، أو التسلسل الممتنع، فلا بد للخلق كلهم من إله يألهوه، ولا يأله هو غيره. وهذا برهان قطعي ضروري" (١) أ. هـ. وقال ابن تيمية في معرض الاحتجاج على المشركين الجاهلين بالفطرة: "وذلك لأنه لو قدر أنهم - أي المشركين - لم يكونوا عارفين بأن الله ربهم، ووجدوا آباءهم مشركين، وهم ذرية من بعدهم، ومقتضى الطبيعة العادية: أن يحتذي الرجل حذو أبيه في الصناعات والمساكن والملابس والمطاعم، إذ كان هو الذي رباه، ولهذا كان أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه ويشركانه، فإذا كان هذا مقتضى العادة الطبيعية، ولم يكن في فطرتهم وعقولهم ما يناقض ذلك، قالوا: نحن معذورون، وآباؤنا هم الذين أشركوا، ونحن كنا ذرية لهم بعدهم، اتبعناهم بموجب الطبيعة المعتادة، ولم يكن عندنا ما يبين خطأهم. فإذا كان في فطرتهم ما شهدوا به من أن الله وحده هو ربهم، كان معهم ما يبين بطلان الشرك، وهو التوحيد الذي شهدوا به على أنفسهم، فإذا احتجوا بالعادة الطبيعية من اتباع الآباء، كانت الحجة عليهم الفطرة الطبيعية العقلية السابقة لهذه العادة الأبوية. كما قال ﷺ "كل مولود يولد على

стр. 61

الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه". فكانت الفطرة الموجبة للإسلام سابقة للتربية التي يحتجون بها" (١) أ. هـ. وقال ابن القيم في ذات المعنى: "فإنه لو قدر أنهم لم يكونوا عارفين بأن الله ربهم، ووجدوا آباءهم مشركين، وهم ذرية من بعدهم؛ ومقتضى الطبيعة العادية أن يحتذي الرجل حذو أبيه حتى في الصناعات والمساكن والملابس والمطاعم؛ إذ كان هو الذي رباه، ولهذا كان أبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، فإذا كان هذا مقتضى العادة والطبيعة، ولم يكن في فطرهم وعقولهم ما يناقض ذلك، قالوا: نحن معذورون، وآباؤنا الذين أشركوا، ونحن كنا ذرية لهم بعدهم، ولم يكن عندما ما يبين خطأهم. فإذا كان في فطرهم ما شهدوا به من أن الله وحده هو ربهم، كان معهم ما يبين بطلان هذا الشرك، وهو التوحيد الذي شهدوا به على أنفسهم. فإذا احتجوا بالعادة الطبيعية من اتباع الآباء كانت الحجة عليهم: الفطرة الطبيعية الفعلية السابقة لهذه العادة الطارئة، وكانت الفطرة الموجبة للإسلام سابقة للتربية التي يحتجون بها (٢) " أ. هـ. وقال ابن كثير: "وهذا جعل حجة مستقلة عليهم - أي الميثاق حجة مستقلة في بطلان الشرك - فدل على أنه: الفطرة التي فطروا عليها من الإقرار بالتوحيد" (٣) أ. هـ. وقال ﵀ في تأويل قوله تعالى: (وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ) (٤): (وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ) أي: لأكثر الأمم. (مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ) أي: لقد وجدنا أكثرهم

стр. 62

فاسقين خارجين عن الطاعة والامتثال. والعهد الذي أخذه هو: ما جبلهم عليه وفطرهم عليه، وأخذ عليهم في الأصلاب أنه ربهم ومليكهم، وأنه "لا إله إلا هو" وأقروا بذلك، وشهدوا على أنفسهم به، وخالفوه وتركوه وراء ظهورهم، وعبدوا مع الله غيره بلا دليل ولا حجة لا من عقل ولا شرع، وفي الفطر السليمة: خلاف ذلك، وجاءت الرسل الكرام من أولهم إلى آخرهم بالنهي عن ذلك كما جاء في صحيح مسلم يقول الله تعالى "إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم" وفي الصحيحين "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه" الحديث، وقال تعالى في كتابه العزيز (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) (١). وقوله تعالى (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ) (٢) وقال تعالى (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) (٣) إلى غير ذلك من الآيات". (٤) أ. هـ. الفطر والإيجاد يقتضي العبودية للفاطر: قال ابن القيم: قوله تعالى: حاكياً عن صاحب ياسين أنه قال لقومه محتجاً عليهم بما تقر به فطرهم وعقولهم: (وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (٥). فتأمل هذا الخطاب كيف تجد تحته أشرف معنى وأجله، وهو أن كونه سبحانه فاطراً لعباده يقتضي عبادتهم له، وأن من كان مفطوراً مخلوقاً فحقيق به

стр. 63

أن يعبد فاطره وخالقه، ولا سيما إذا كان مردّه إليه، فمبدأه منه، ومصيره إليه، وهذا يوجب عليه التفرغ لعبادته. ثم احتج عليهم بما تقر به عقولهم وفطرهم من قبح عبادة غيره، وأنها أقبح شيء في العقل وأنكره فقال: (أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ، إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) (١). أفلا تراه كيف لم يحتج عليهم بمجرد الأمر بل احتج عليهم بالعقل الصحيح ومقتضى الفطرة (٢). وقال القرطبي: (وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي) قال قتادة: قال له قومه: أنت على دينهم؟ فقال: (وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي) أي: خلقني. (وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) وهذا احتجاج منه عليهم. وأضاف الفطرة إلى نفسه، لأن ذلك نعمة عليه توجب الشكر، والبعث (٣) إليهم، لأن ذلك وعيد يقتضي الزجر؛ فكان إضافة النعمة إلى نفسه أظهر شكراً، وإضافة البعث إلى الكافر أبلغ أثراً". (٤) أ. هـ. وقال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي: " (يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ) فأمرهم باتباعهم، ونصحهم على ذلك، وشهد لهم بالرسالة. ثم ذكر تأييداً لما شهد به ودعا إليه، فقال: (اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْراً) أي: اتبعوا من نصحكم نصحا، يعود عليكم بالخير، وليس يريد منكم أموالكم، ولا أجراً على نصحه لكم، وإرشاده إياكم، فهذا موجب لاتباع من

стр. 64

هذا وصفه. بقي أن يقال: فلعله يدعو ولا يأخذ أجرة، ولكنه ليس على الحق. فدفع هذا الاحتراز بقوله: (وَهُمْ مُهْتَدُونَ) لأنهم لا يدعون إلا لما يشهد العقل الصحيح بحسنه، ولا ينهون إلا عما يشهد العقل الصحيح بحسنه، ولا ينهون إلا عما يشهد العقل الصحيح بقبحه. فكأن قومه لم يقبلوا نصحه، بل عادوا لائمين له، على اتباع الرسل، وإخلاص الدين لله وحده فقال: (وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ). أي: وما المانع لي، من عبادة من هو المستحق للعبادة، لأنه الذي فطرني، وخلقني، ورزقني، وإليه مآل جميع الخلق، فيجازيهم بأعمالهم. فالذي بيده الخلق والرزق، والحكم بين العباد، في الدنيا والآخرة، هو الذي يستحق أن يعبد، ويثنى عليه ويمجّد، دون من لا يملك نفعاً ولا ضراً، ولا عطاء ولا منعا، ولا موتا، ولا حياة، ولا نشوراً" (١). أ. هـ. وقال الإمام الشنقيطي: "قوله (فَطَرَنِي) معناه: خلقني وابتدعني، كما تقدم إيضاحه في أول سورة فاطر. والمعنى: أي شيء ثبت لي يمنعني من أن أعبد الذي خلقني، وابتدعني، وأبرزني من العدم إلى الوجود، وما دلت عليه هذه الآية الكريمة من أن الذي يخلق هو وحده هو الذي يستحق أن يعبد وحده، جاء موضحاً في آيات كثيرة من كتاب الله" (٢) أ. هـ. وبذلك جلت حجة الموحدين، وعلت رايتهم على رؤوس الأشهاد، ودحض برهانهم كافة الافتراءات والأباطيل التي أسس المشركون بنيانهم عليها. فكل من كان مفطوراً مخلوقاً، فحقيق به أن يعبد فاطره وخالقه ويتفرغ لعبادته. فتلك بينة الفطر السليمة التي فطر الله عباده عليها وصبغهم بها. الشرك تنقص بالخالق ويستحيل جوازه في الفطر والعقول: قال ابن القيم: "وقال تعالى: عن خليله إبراهيم أنه قال لقومه: (مَاذَا

стр. 65

تَعْبُدُونَ، أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ، فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ) (١). أي فما ظنكم أن يجازيكم به إذا لقيتموه وقد عبدتم غيره؟ وما ظننتم به حتى عبدتم معه غيره؟ وما ظننتم بأسمائه وصفاته وربوبيته من النقص حتى أحوجكم ذلك إلى عبودية غيره، فلو ظننتم به ما هو أهله من أنه بكل شيء عليم، وهو على كل شيء قدير، وأنه غني عن كل ما سواه، وكل ما سواه فقير إليه، وأنه قائم بالقسط على خلقه، وأنه المنفرد بتدبير خلقه، لا يشركه فيه غيره، والعالم بتفاصيل الأمور فلا يخفى عليه خافية من خلقه، والكافي لهم وحده، فلا يحتاج إلى معين، والرحمن بذاته فلا يحتاج إلى رحمته إلى من يستعطفه، وهذا بخلاف الملوك وغيرهم من الرؤساء؛ فإنهم يحتاجون إلى من يعرفهم أحوال الرعية وحوائجهم، ويعينهم إلى قضاء حوائجهم، وإلى من يسترحمهم ويستعطفهم بالشفاعة، فاحتاجوا إلى الوسائط ضرورة لحاجتهم وضعفهم وعجزهم وقصور علمهم. فأما القادر على كل شيء، الغني بذاته عن كل شيء، والعالم بكل شيء الرحمن الرحيم الذي وسعت رحمته كل شيء، فإدخال الوسائط بينه وبين خلقه تنقص بحق ربوبيته وإلهيته وتوحيده، وظن به ظن السوء، وهذا يستحيل أن يشرعه لعباده، ويمتنع في العقول والفطر جوازه، وقبحه مستقر في العقول السليمة فوق كل قبيح. يوضح هذا: أن العابد معظم لمعبوده، متأله له، خاضع ذليل له، والرب تعالى وحده هو الذي يستحق كمال التعظيم والإجلال والتأله والخضوع والذل، وهذا خالص حقه، فمن أقبح الظلم أن يعطى حقه لغيره، أو يشرك بينه وبينه فيه، ولا سيما إذا كان الذي جعل شريكه في حقه عو عبده ومملوكه (٢) أ. هـ. وقال عبد الرحمن السعدي: (فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ) أي: وما الذي

стр. 66

ظننتم برب العالمين من النقص حتى جعلتم له أنداداً وشركاء" (١) أ. هـ. وقال ابن القيم: "قال تعالى: (ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) (٢). "يحتج" سبحانه عليهم بما في عقولهم من قبح كون مملوك أحدهم شريكاً له، فإذا كان أحدكم يستقبح أن يكون مملوكه شريكه، ولا يرضى بذلك؛ فكيف تجعلون لي من عبيدي شركاء تعبدونهم كعبادتي!؟. وهذا يبين أن قبح عبادة غير الله تعالى مستقر في العقول والفطر، والسمع نبه العقول وأرشدها إلى معرفة ما أودع فيها من قبح ذلك" (٣). وقال القرطبي: قال بعض العلماء: هذه الآية أصل في الشركة بين المخلوقين لافتقار بعضهم إلى بعض ونفيها عن الله سبحانه، وذلك أنه لما قال جل وعز: (ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) (٤)، فيجب أن يقولوا: ليس عبيدنا شركاءنا فيما رزقتنا فيقال لهم: فكيف يُتصور أن تنزهوا نفوسكم عن مشاركة عبيدكم وتجعلوا عبيدي شركائي في خلقي، فهذا حكم فاسد، وقلة نظر، وعمى قلب! فإذا بطلت الشركة بين العبيد وساداتهم فيما يملكه السادة - والخلق كلهم عبيد الله تعالى - فيبطل أن يكون شيء من العالم شريكا لله تعالى في شيء من أفعاله، فلم يبق إلا أنه واحد يستحيل أن يكون له شريك، إذ الشركة تقتضي المعاونة، ونحن مفتقرون إلى معاونة بعضنا بعضا بالمال والعمل، والقديم الأزلي منزة عن ذلك جل وعز.

стр. 67

وهذه المسألة أفضل للطالب من حفظ ديوان كامل في الفقه؛ لأن جميع العبادات البدنية لا تصح إلا بتصحيح هذه المسألة في القلب، فافهم ذلك". (١) أ. هـ. وبهذا يظهر أن الفطرة السليمة قد قطعت: كافة الأسباب الداعية لعبادة أي معبود من دون الله؛ فالمشرك إنما يتخذ معبوده ليجلب به النفع، ويدفع به الضر، وشأن هذا لا يكون إلا فيمن اتصف بخصلة من هذه الأربع: إما أن يكون مالكاً لما يريده عبده منه، فإن لم يكن مالكاً كان شريكاً للمالك. فإن لم يكن شريكاً كان معيناً له وظهيرا. فإن لم يكن كذلك كان شفيعا عنده بغير إذنه، ولا ترد شفاعته لديه أبداً. ومن المعلوم أن ثبوت أي خصلة من تلك الخصال - فضلا عن جميعها - في نفس مشرك ما لأي واحد من الخلق يكون ذلك تنقصا بالله وربوبيته وألوهيته وتوحيده، وهضماً لهذه الحقوق جميعاً. والمولى جل في علاه قد جبل القلوب وفطرها على: محبته والإقرار به وإجلاله وتعظيمه مع ثبوت صفات الكمال له، وتنزيهه عن كافة النقائص والعيوب. وبذلك تكون الفطرة ينبوع التوحيد، والعقل برهانه، وبهما قطعت مواد الشرك وأصوله، وانهار بنيانه القائم على شفا جرف هار. قال تعالى (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ، وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ) (٢). قال ابن القيم فيها: "فالمشرك إنما يتخذ معبوده لما يعتقد أنه يحصل له به من النفع، والنفع لا يكون إلا ممن فيه خصلة من هذه الأربع: إما مالك لما يريده عابده منه. فإن لم يكن مالكا كان شريكا للمالك.

стр. 68

فإن لم يكن شريكاً له كان معيناً له وظهيراً. فإن لم يكن معيناً ولا ظهيراً كان شفيعاً عنده. فنفى سبحانه المراتب الأربع نفياً مترتباً، متنقلاً من الأعلى إلى ما دونه، فنفى الملك، والشركة، والمظاهرة، والشفاعة التي يظنها المشرك؛ وأثبت شفاعة لا نصيب فيها لمشرك وهي الشفاعة بإذنه. فكفى بهذه الآية نوراً، وبرهاناً ونجاة، وتجريداً للتوحيد، وقطعاً لأصول الشرك ومواده لمن عقلها، والقرآن مملوء من أمثالها ونظائرها؛ ولكن أكثر الناس لا يشعرون بدخول الواقع تحته وتضمنه له، ويظنونه في نوع وفي قوم قد خلوا من قبل ولم يعقبوا وارثاً. وهذا هو الذي يحول بين القلب وبين فهم القرآن" (١) أ. هـ. وقال ابن تيمية: "فبين سبحانه أن من دُعي من دون الله من جميع المخلوقات من الملائكة والبشر وغيرهم أنهم لا يملكون: مثقال ذرة في ملكه، وأنه ليس له شريك في ملكه، بل هو سبحانه له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، وأنه ليس له عون يعاونه كما يكون للمالك أعوان وظهراء وأن الشفعاء عنده لا يشفعون إلا لمن ارتضى، فنفى بذلك وجوه الشرك. وذلك أن من يدعون من دونه: إما أن يكون مالكا، وإما أن لا يكون مالكا، وإذا لم يكن مالكا فإما أن يكون شريكا، وإما أن لا يكون شريكا، وإذا لم يكن شريكاً فإما أن يكون معاوناً، وإما أن يكون سائلاً طالباً. فالأقسام الأول الثلاثة وهي: الملك، والشركة، والمعاونة منتفية؛ وأما الرابع فلا يكون إلا من بعد إذنه. كما قال تعالى: (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ) (٢) وكما قال تعالى: (وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى) (٣) وقال تعالى:

стр. 69

(أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ، قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) (١) وقال تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ) (٢) وقال تعالى (وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) (٣) وقال تعالى: (مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ، وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (٤) فإذا جعل من أخذ الملائكة والنبيين أربابا كافراً فكيف من اتخذ من دونهم من المشايخ وغيرهم أرباباً؟! وتفصيل القول (٥): أن مطلوب العبد إن كان من الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله تعالى: مثل أن يطلب شفاء مريضه من الآدميين والبهائم أو وفاء دينه من غير جهة معينة، أو عافية أهله، وما به من بلاء الدنيا والآخرة، وانتصاره على عدوه، وهداية قلبه، وغفران ذنبه، أو دخوله الجنة، أو نجاته من النار، أو أن يتعلم العلم والقرآن. أو أن يُصلح قلبه، ويحسن خلقه، ويزكي نفسه، وأمثال ذلك: فهذه الأمور كلها لا يجوز أن تطلب إلا من الله تعالى، ولا يجوز أن يقول لملك ولا نبي ولا شيخ - سواء كان حياً أو ميتاً -: اغفر ذنبي، ولا انصرني على عدوي، ولا اشف مريضي، ولا عافني أو عاف أهلي أو دابتي وما أشبه ذلك، ومن سأل ذلك مخلوقاً كائناً من كان فهو مشرك بربه، من جنس المشركين الذين يعبدون الملائكة

стр. 70

والأنبياء والتماثيل التي يصورونها على صورهم، ومن جنس دعاء النصارى للمسيح وأمه - ثم ذكر الآيات الدالة على ذلك إلى أن قال - وأما ما يقدر عليه العبد فيجوز أن يطلب منه في بعض الأحوال دون بعض" (١) أ. هـ. الفطرة بينة الشرعة والشرائع موافقة لموجبها: الفطرة نور الله وبينته في قلوب عباده الموحدين، الذين صبغت قلوبهم وجبلت على محبة الله وتوحيده، وعلى الكفر بما يعبد من دونه. فالموحدون عبدوا ربهم: بداعي العقل، وداعي الفطرة، وعلموا أن أنه لا شيء فيهما أوجب من عبادة الله وحبه؛ ولو لم ترسل بذلك الرسل، وتنزل به الكتب. كيف وقد جاءنا مؤكدتان: لمقتضاهما، وآمرتان بموجبهما؟! فاطمأنت قلوب الموحدين وثلجت صدورهم، وتيقنوا أن: الفطرة، والعقل، والوحي خرجوا جميعاً من مشكاة واحدة! والأخير منهم يستحيل أن يأتي بمجالات الأولين، وإن جاء بما يعجزا عن إدراكه، وهما الفرقان والبرهان بين وحي الرحمن، ووحي الشيطان قال تعالى (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَاماً وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ) (٢). قال ابن كثير: "يخبر تعالى عن حال المؤمنين الذين هم على فطرة الله تعالى التي فطر عليها عباده، من الاعتراف له بأنه لا إله إلا هو، كما قال تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) (٣) وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله

стр. 71

- ﷺ : "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه، كما تولد البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟ ". وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار، عن رسول الله ﷺ قال: "يقول الله تعالى: إني خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم"، وفي المسند والسنن: "كل مولود يولد على هذه الملة، حتى يعرب عنه لسانه .. " الحديث، فالمؤمن باق على هذه الفطرة. [وقوله: (وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ)، أي]: وجاءه شاهد من الله، وهو ما أوحاه إلى الأنبياء من الشرائع المطهرة المكمّلة المعظمّة المختتمة بشريعة محمد - صلوات الله وسلامه وعليهم أجمعين - ولهذا قال ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وأبو العالية، والضحاك، وإبراهيم النخعي، والسدي، وغير واحد في قوله تعالى: (وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ): إنه جبريل ﵇. وعن علي، والحسن، وقتادة: هو محمد ﷺ . وكلاهما قريب في المعنى، لأن كلا من جبريل ومحمد - صلوات الله عليهما - بلّغ رسالة الله تعالى، فجبريل إلى محمد، ومحمد إلى الأمة. وقيل: هو "علي". وهو ضعيف لا يثبت له قائل، والأول والثاني هو الحق، وذلك أن المؤمن عنده من الفطرة ما يشهد للشريعة من حيث الجملة، والتفاصيل تؤخذ من الشريعة، والفطرة تصدقها وتؤمن بها، ولذا قال تعالى: (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ) (١)، وهو القرآن بلغه جبريل إلى النبي ﷺ ، وبلغه النبي محمد إلى أمته" (٢) أ. هـ. وقال عبد الرحمن السعدي: "يذكر تعالى حال رسوله محمد ﷺ ، ومن قام مقامه، من ورثته القائمين بدينه وحججه الموقنين بذلك، وأنهم لا يوصف بهم

стр. 72

غيرهم ولا يكون أحد مثلهم. فقال: (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ) بالوحي الذي أنزل الله فيه المسائل المهمة، ودلائلها الظاهرة، فتيقن تلك البية. (وَيَتْلُوهُ) أي: يتلو هذه البينة والبرهان، برهان آخر (شَاهِدٌ مِنْهُ) وهو: شاهد الفطرة المستقيمة، والعقل الصحيح حين شهد حقيقة ما أوحاه الله وشرعه، وعلم بعقله حسنه، فازداد بذلك إيماناً إلى إيمانه". (١) أ. هـ. وقال ابن القيم في قوله تعالى (نُورٌ عَلَى نُورٍ) (٢). فأخبر سبحانه عن مثل نور الإيمان به وبأسمائه وصفاته وأفعاله، وصدق رسله في قلوب عباده، وموافقة ذلك لنور عقولهم وفطرهم التي أبصروا بها نور الإيمان بهذا المثل المتضمن لأعلى أنواع النور المشهود، وأنه نور على نور، نور الوحي ونور العقل؛ نور الشرعة ونور الفطرة؛ نور الأدلة السمعية ونور الأدلة العقلية" (٣). أ. هـ. وقال ابن تيمية: "الحادي عشر (٤)؛ أن النبي هو وسائر المؤمنين لا يخبرون إلا بحق، ولا يأمرون إلا بعدل؛ فيأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويأمرون بمصالح العباد في المعاش والمعاد، لا يأمرن بالفواحش، ولا الظلم، ولا الشرك، ولا القول بغير علم. فهم بعثوا بتكميل الفطرة وتقريرها لا بتبديلها وتغييرها، فلا يأمرون إلا بما يوافق المعروف في العقول الذي تتلقاه القلوب السليمة بالقبول، فكما أنهم هم لا يختلفون فلا يناقض بعضهم بعضاً، بل دينهم وملتهم واحد، وإن تنوعت الشرائع فهم أيضاً موافقون لموجب الفطرة التي فطر الله عليها عباده، موافقون للأدلة العقلية لا يناقضونها قط، بل الأدلة العقلية الصحيحة كلها توافق الأنبياء

стр. 73

لا تخالفهم، وآيات الله، السمعية والعقلية والعيانية السماعية كلها متوافقة متصادقة متعاضدة لا يناقض بعضها بعضا" (١) أ. هـ. وبعد ما حررت مقتضى الفطرة، وموجبها ولوازمها من خلال الأدلة الدالة عليها من الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة وأئمتها الذين هم: أئمة الهدى ومصابيح الدجى، وشموس الفلاح، ونجوم الحيارى، وبر النجاة. وتبين أن عامة السلف وجمهرة العلماء قائلون بأن الله فطر عباده وجبلهم على وجوب عبادته (٢)، وعلى الكفر والبراءة من كل معبود سواه. وبذلك تكون الأدلة قد اتضحت، والأعلام قد انتصبت، ولاح نور الفرقان. وعليه أذكر - على عجالة بمشيئة الله - الأقوال الأخرى في معنى الفطرة وبيان: التعقبات عليها. قال قوم: المولود على فطرة الإسلام من كان أبواه مسلمين دون غيره ممن نشأ بين أبوين كافرين، والجواب: قال الحافظ: "قوله (يولد على الفطرة) ظاهره تعميم الوصف المذكور في جميع المولودين، وأصرح منه رواية يونس المتقدمة بلفظ "ما من مولود إلا يولد على الفطرة"، ولمسلم من طريق أبي صالح عن أبي هريرة بلفظ "ليس من مولود يولد إلا على هذه الفطرة حتى يعبر عنه لسانه"، وفي رواية له من هذا الوجه "ما من مولود إلا وهو على الملة". وحكى ابن عبد البر عن قوم أنه لا يقتضي العموم، وإنما المراد: أن كل من ولد على الفطرة، وكان له أبوان على غير الإسلام، نقلاه إلى دينهما. فتقدير الخبر على هذا: كل مولود يولد على الفطرة وأبواه يهوديان مثلاً فإنهما يهودانه ثم يصير عند بلوغه إلى ما يحكم به عليه. ويكفي في الرد عليهم: رواية أبي صالح المتقدمة، وأصرح منها رواية

стр. 74

جعفر بن ربيعة بلفظ "كل بني آدم يولد على الفطرة" (١). أ. هـ. وقال قوم: ليس المراد بالفطرة: الفطر على التوحيد، وإنما المراد بها التهيئ لقبول الحق. والجواب قد مر فليراجع المبحث الثاني: الفطرة تقتضي بذاتها الإسلام والخروج عنها خلاف مقتضاها. ويقال لأرباب هذا القول: هل الفطرة بذاتها تقتضي الإسلام، أم الإسلام متوقف على شيء خارجها؟ فإن كان الأول ثبت المطلوب؛ وإن كان الثاني، لم يبق ثم فرق بين الإسلام، والتهويد، والتنصير، والتمجيس .. بالنسبة إليها، فهي لم تجبل على أي واحد منهم، وحصوله فيها متوقف على شيء دونها. فلما لم يأت ذكر (٢) للإسلام ساعة الأحداث والتغيير من قبل الأبوين، دل على أن الفطرة تقتضيه إذا خليت عن المعارض، وأن الكفر خلاف مقتضاها. وقال الحافظ مبطلاً لقول هؤلاء: "وقال ابن القيم: ليس المراد بقوله "يولد على الفطرة" أنه خرج من بطن أمه يعلم الدين، لأن الله يقول: (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً) (٣). ولكن المراد: أن فطرته مقتضيه: لمعرفة دين الإسلام، ومحبته؛ فنفس الفطرة تستلزم: الإقرار والمحبة، وليس المراد قبول الفطرة لذلك، لأنه لا يتغير بتهويد الأبوين مثلاً بحيث يخرجان الفطرة عن القبول، وإنما المراد: أن كل مولود يولد على إقراره بالربوبية، فلو خلي وعدم المعارض لم يعدل عن ذلك إلى غيره، كما أنه يولد على محبة ما يلائم بدنه من ارتضاع اللبن حتى يصرفه عنه الصارف، ومن ثم شبهت الفطرة باللبن بل كانت إياه في تأويل الرؤيا. والله أعلم" (٤) أ. هـ.

стр. 75

وأترك الحافظ ﵀ يعرض بقية الأقوال والتعقب عليها. قال ﵀: "وفي المسألة أقوال أخر ذكرها ابن عبد البر وغيره. منها قول ابن المبارك: إن المراد أنه يولد على ما يصير إليه من شقاوة أو سعادة، فمن علم الله أنه يصير مسلما ولد على الإسلام، ومن علم الله أنه يصير كافراً ولد على الكفر، فكأنه أول الفطرة: بالعلم. وتعقب بأنه لو كان كذلك لم يكن لقوله "فأبواه يهودانه الخ" معنى لأنهما فعلا به ما هو الفطرة التي ولد عليها فينافي في التمثيل بحال البهيمة. ومنها: أن المراد أن الله خلق فيهم المعرفة والإنكار، فلما أخذ الميثاق من الذرية قالوا جميعاً: (بَلَى)، أما أهل السعادة فقالوها طوعاً، وأما أهل الشقاوة فقالوها: كرهاً: وقال محمد بن نصر: سمعت إسحاق بن راهويه يذهب إلى هذا المعنى ويرجحه. وتعقب بأنه يحتاج إلى نقل صحيح. فإنه لا يعرف هذا التفصيل عند آخر الميثاق إلا عن السدي ولم يسنده، وكأنه أخذه من الإسرائيليات، حكاه ابن القيم عن شيخه. ومنها: أن المراد بالفطرة الخلقة أي: يولد سالماً لا يعرف كفراً ولا إيماناً، ثم يعتقد إذا بلغ التكليف، ورجحه ابن عبد البر وقال: إنه يطابق التمثيل بالبهيمة ولا يخالف حديث عياض لأن المراد بقوله (حَنِيفاً) أي على استقامة. وتعقب بأنه لو كان كذلك لم يقتصر في أحوال التبديل على ملل الكفر دون ملة الإسلام، ولم يكن لاستشهاد أبي هريرة بالآية معنى. ومنها: قول بعضهم إن اللام في الفطرة للعهد أي فطرة أبويه، وهو متعقب بما ذكر في الذي قبله. ويؤيد المذهب الصحيح أن قوله "فأبواه يهودانه الخ" ليس فيه لوجود الفطرة شرط، بل ذكر ما يمنع موجبها كحصول اليهودية مثلا متوقف على
следующие страницы →