- ﷺ : "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه، كما تولد البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟ ". وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار، عن رسول الله ﷺ قال: "يقول الله تعالى: إني خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم"، وفي المسند والسنن: "كل مولود يولد على هذه الملة، حتى يعرب عنه لسانه .. " الحديث، فالمؤمن باق على هذه الفطرة.
[وقوله: (وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ)، أي]: وجاءه شاهد من الله، وهو ما أوحاه إلى الأنبياء من الشرائع المطهرة المكمّلة المعظمّة المختتمة بشريعة محمد - صلوات الله وسلامه وعليهم أجمعين - ولهذا قال ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وأبو العالية، والضحاك، وإبراهيم النخعي، والسدي، وغير واحد في قوله تعالى: (وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ): إنه جبريل ﵇.
وعن علي، والحسن، وقتادة: هو محمد ﷺ .
وكلاهما قريب في المعنى، لأن كلا من جبريل ومحمد - صلوات الله عليهما - بلّغ رسالة الله تعالى، فجبريل إلى محمد، ومحمد إلى الأمة.
وقيل: هو "علي". وهو ضعيف لا يثبت له قائل، والأول والثاني هو الحق، وذلك أن المؤمن عنده من الفطرة ما يشهد للشريعة من حيث الجملة، والتفاصيل تؤخذ من الشريعة، والفطرة تصدقها وتؤمن بها، ولذا قال تعالى: (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ) (١)، وهو القرآن بلغه جبريل إلى النبي ﷺ ، وبلغه النبي محمد إلى أمته" (٢) أ. هـ.
وقال عبد الرحمن السعدي: "يذكر تعالى حال رسوله محمد ﷺ ، ومن قام مقامه، من ورثته القائمين بدينه وحججه الموقنين بذلك، وأنهم لا يوصف بهم
стр. 72
غيرهم ولا يكون أحد مثلهم. فقال: (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ) بالوحي الذي أنزل الله فيه المسائل المهمة، ودلائلها الظاهرة، فتيقن تلك البية.
(وَيَتْلُوهُ) أي: يتلو هذه البينة والبرهان، برهان آخر (شَاهِدٌ مِنْهُ) وهو: شاهد الفطرة المستقيمة، والعقل الصحيح حين شهد حقيقة ما أوحاه الله وشرعه، وعلم بعقله حسنه، فازداد بذلك إيماناً إلى إيمانه". (١) أ. هـ.
وقال ابن القيم في قوله تعالى (نُورٌ عَلَى نُورٍ) (٢).
فأخبر سبحانه عن مثل نور الإيمان به وبأسمائه وصفاته وأفعاله، وصدق رسله في قلوب عباده، وموافقة ذلك لنور عقولهم وفطرهم التي أبصروا بها نور الإيمان بهذا المثل المتضمن لأعلى أنواع النور المشهود، وأنه نور على نور، نور الوحي ونور العقل؛ نور الشرعة ونور الفطرة؛ نور الأدلة السمعية ونور الأدلة العقلية" (٣). أ. هـ.
وقال ابن تيمية: "الحادي عشر (٤)؛ أن النبي هو وسائر المؤمنين لا يخبرون إلا بحق، ولا يأمرون إلا بعدل؛ فيأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويأمرون بمصالح العباد في المعاش والمعاد، لا يأمرن بالفواحش، ولا الظلم، ولا الشرك، ولا القول بغير علم.
فهم بعثوا بتكميل الفطرة وتقريرها لا بتبديلها وتغييرها، فلا يأمرون إلا بما يوافق المعروف في العقول الذي تتلقاه القلوب السليمة بالقبول، فكما أنهم هم لا يختلفون فلا يناقض بعضهم بعضاً، بل دينهم وملتهم واحد، وإن تنوعت الشرائع فهم أيضاً موافقون لموجب الفطرة التي فطر الله عليها عباده، موافقون للأدلة العقلية لا يناقضونها قط، بل الأدلة العقلية الصحيحة كلها توافق الأنبياء
стр. 73
لا تخالفهم، وآيات الله، السمعية والعقلية والعيانية السماعية كلها متوافقة متصادقة متعاضدة لا يناقض بعضها بعضا" (١) أ. هـ.
وبعد ما حررت مقتضى الفطرة، وموجبها ولوازمها من خلال الأدلة الدالة عليها من الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة وأئمتها الذين هم: أئمة الهدى ومصابيح الدجى، وشموس الفلاح، ونجوم الحيارى، وبر النجاة. وتبين أن عامة السلف وجمهرة العلماء قائلون بأن الله فطر عباده وجبلهم على وجوب عبادته (٢)، وعلى الكفر والبراءة من كل معبود سواه.
وبذلك تكون الأدلة قد اتضحت، والأعلام قد انتصبت، ولاح نور الفرقان. وعليه أذكر - على عجالة بمشيئة الله - الأقوال الأخرى في معنى الفطرة وبيان: التعقبات عليها.
قال قوم: المولود على فطرة الإسلام من كان أبواه مسلمين دون غيره ممن نشأ بين أبوين كافرين، والجواب:
قال الحافظ: "قوله (يولد على الفطرة) ظاهره تعميم الوصف المذكور في جميع المولودين، وأصرح منه رواية يونس المتقدمة بلفظ "ما من مولود إلا يولد على الفطرة"، ولمسلم من طريق أبي صالح عن أبي هريرة بلفظ "ليس من مولود يولد إلا على هذه الفطرة حتى يعبر عنه لسانه"، وفي رواية له من هذا الوجه "ما من مولود إلا وهو على الملة".
وحكى ابن عبد البر عن قوم أنه لا يقتضي العموم، وإنما المراد: أن كل من ولد على الفطرة، وكان له أبوان على غير الإسلام، نقلاه إلى دينهما.
فتقدير الخبر على هذا: كل مولود يولد على الفطرة وأبواه يهوديان مثلاً فإنهما يهودانه ثم يصير عند بلوغه إلى ما يحكم به عليه.
ويكفي في الرد عليهم: رواية أبي صالح المتقدمة، وأصرح منها رواية
стр. 74
جعفر بن ربيعة بلفظ "كل بني آدم يولد على الفطرة" (١). أ. هـ.
وقال قوم: ليس المراد بالفطرة: الفطر على التوحيد، وإنما المراد بها التهيئ لقبول الحق. والجواب قد مر فليراجع المبحث الثاني: الفطرة تقتضي بذاتها الإسلام والخروج عنها خلاف مقتضاها.
ويقال لأرباب هذا القول: هل الفطرة بذاتها تقتضي الإسلام، أم الإسلام متوقف على شيء خارجها؟ فإن كان الأول ثبت المطلوب؛ وإن كان الثاني، لم يبق ثم فرق بين الإسلام، والتهويد، والتنصير، والتمجيس .. بالنسبة إليها، فهي لم تجبل على أي واحد منهم، وحصوله فيها متوقف على شيء دونها. فلما لم يأت ذكر (٢) للإسلام ساعة الأحداث والتغيير من قبل الأبوين، دل على أن الفطرة تقتضيه إذا خليت عن المعارض، وأن الكفر خلاف مقتضاها.
وقال الحافظ مبطلاً لقول هؤلاء: "وقال ابن القيم: ليس المراد بقوله "يولد على الفطرة" أنه خرج من بطن أمه يعلم الدين، لأن الله يقول: (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً) (٣). ولكن المراد: أن فطرته مقتضيه: لمعرفة دين الإسلام، ومحبته؛ فنفس الفطرة تستلزم: الإقرار والمحبة، وليس المراد قبول الفطرة لذلك، لأنه لا يتغير بتهويد الأبوين مثلاً بحيث يخرجان الفطرة عن القبول، وإنما المراد: أن كل مولود يولد على إقراره بالربوبية، فلو خلي وعدم المعارض لم يعدل عن ذلك إلى غيره، كما أنه يولد على محبة ما يلائم بدنه من ارتضاع اللبن حتى يصرفه عنه الصارف، ومن ثم شبهت الفطرة باللبن بل كانت إياه في تأويل الرؤيا. والله أعلم" (٤) أ. هـ.
стр. 75
وأترك الحافظ ﵀ يعرض بقية الأقوال والتعقب عليها.
قال ﵀: "وفي المسألة أقوال أخر ذكرها ابن عبد البر وغيره.
منها قول ابن المبارك: إن المراد أنه يولد على ما يصير إليه من شقاوة أو سعادة، فمن علم الله أنه يصير مسلما ولد على الإسلام، ومن علم الله أنه يصير كافراً ولد على الكفر، فكأنه أول الفطرة: بالعلم.
وتعقب بأنه لو كان كذلك لم يكن لقوله "فأبواه يهودانه الخ" معنى لأنهما فعلا به ما هو الفطرة التي ولد عليها فينافي في التمثيل بحال البهيمة.
ومنها: أن المراد أن الله خلق فيهم المعرفة والإنكار، فلما أخذ الميثاق من الذرية قالوا جميعاً: (بَلَى)، أما أهل السعادة فقالوها طوعاً، وأما أهل الشقاوة فقالوها: كرهاً: وقال محمد بن نصر: سمعت إسحاق بن راهويه يذهب إلى هذا المعنى ويرجحه.
وتعقب بأنه يحتاج إلى نقل صحيح. فإنه لا يعرف هذا التفصيل عند آخر الميثاق إلا عن السدي ولم يسنده، وكأنه أخذه من الإسرائيليات، حكاه ابن القيم عن شيخه.
ومنها: أن المراد بالفطرة الخلقة أي: يولد سالماً لا يعرف كفراً ولا إيماناً، ثم يعتقد إذا بلغ التكليف، ورجحه ابن عبد البر وقال: إنه يطابق التمثيل بالبهيمة ولا يخالف حديث عياض لأن المراد بقوله (حَنِيفاً) أي على استقامة.
وتعقب بأنه لو كان كذلك لم يقتصر في أحوال التبديل على ملل الكفر دون ملة الإسلام، ولم يكن لاستشهاد أبي هريرة بالآية معنى.
ومنها: قول بعضهم إن اللام في الفطرة للعهد أي فطرة أبويه، وهو متعقب بما ذكر في الذي قبله.
ويؤيد المذهب الصحيح أن قوله "فأبواه يهودانه الخ" ليس فيه لوجود الفطرة شرط، بل ذكر ما يمنع موجبها كحصول اليهودية مثلا متوقف على
стр. 76
أشياء خارجة عن الفطرة. بخلاف الإسلام.
وقال ابن القيم: سبب اختلاف العلماء في معنى الفطرة في هذا الحديث أن القدرية كانوا يحتجون به على أن الكفر والمعصية ليسا بقضاء الله بل مما ابتدأ الناس إحداثة، فحاول جماعة من العلماء مخالفتهم بتأويل الفطرة على غير معنى الإسلام، ولا حاجة لذلك، لأن الآثار المنقولة عن السلف تدل على أنهم لم يفهموا من لفظ الفطرة إلا الإسلام، ولا يلزم من حملها على ذلك موافقة مذهب القدرية، لأن قوله "فأبواه يهودانه الخ" محمول على أن ذلك يقع بتقدير الله تعالى، ومن ثم احتج عليهم مالك بقوله في آخر الحديث "الله أعلم بما كانوا عاملين" (١) أ. هـ.
وبهذا القدر يكون قد تم هذا الفصل بعون الله وفضله.
* * *
стр. 77
أهم نتائج هذا الفصل - حجية الفطرة -:
* خلق الله جل في علاه عباده جميعاً حنفاء موحدين لله رب العالمين بالألوهية، وكافرين بألوهية كل معبود سواه.
* لو ترك الناس ودواعي فطرهم لما كانوا إلا عارفين بالله، وبتوحيده، يعبدونه وحده بلا شريك.
* الموحدون عبدوا ربهم: بداعي العقل، وداعي الفطرة، وداعي النقل.
* الفطرة تقتضي بذاتها الإسلام، والخروج عنه خلاف مقتضاها.
* الفطرة بينة الشرعة وشاهدها في أنفس الموحدين.
* الفطر يقتضي ويوجب: إخلاص العبادة للفاطر.
* الفطرة أبطلت كافة الأسباب الداعية لعبادة أي معبود من دون الله ﵎
* الشرك تنقص بالخالق، ويستحيل جوازه في الفطر والعقول، ولو لم يرد بذلك شرع.
* الفطرة حجة مستقلة في بطلان الشرك.
* المشركون خالفوا كافة الحجج والمواثيق، ولم يكن لديهم سلطان قط على فعلتهم الشنيعة النكراء.
* بعثت الرسل بتقرير الفطرة وتكميلها، لا بتغييرها وتحويلها، فالوحي جاء ليذكر النفوس ما استودع الله فيها من معرفته، وتوحيده، ومحبته، ووجوب إخلاص التوجه إليه، وليس ليبدع فيها هذا العلم بعد أن لم يكن لديها.
* الرسل لا يأمرون إلا بما يشهد العقل الصحيح والفطرة المستقيمة بحسنه، ولا ينهون إلا عما يشهدان بقبحه.
* جميع العبادات البدنية لا تصح - فضلاً عن أن تقبل - حتى تستقيم مسألة التوحيد في القلوب.
стр. 78
الفصل الثالث
حجية العقل
وفيه ستة مباحث:
المبحث الأول: العقل فيه وجوب التوحيد والبراءة من الشرك.
المبحث الثاني: العقل حجة مستقلة في بطلان الشرك.
المبحث الثالث: خصائص وسمات الأدلة العقلية.
المبحث الرابع: الشريعة جاءت بخلاصة الأدلة العقلية الدالة على أصول الدين وهي أول ما أنزل من التشريع.
المبحث الخامس: التحسين والتقبيح العقلي للأفعال.
المبحث السادس: اللوازم الشنيعة والمخازي المخزية التي تلزم النفاة.
стр. 79
الفصل الثالث
حجية العقل
إن الله جل في علاه قد منّ على عباده بمنة جليلة وبنعمة عظيمة، بها يَسمون على كافة المخلوقات إن عملوا بموجبها، وبها يردون إلى أسفل سافلين إن خرجوا عن موجها ونقضوا مقتضاها، ألا وهي نعمة العقل.
وقد حلّى المولى ﵎ عباده بالعقل ليعرفوا به: معبودهم ويوحدوه ويدركوا به: أسماءه الحسنى وصفاته العلى القائم عليها والمنشق منها: وحدانية تألهه، وكذا بطلان وقبح الشرك والفواحش والخبائث؛ ومن ثم كان العقل كافياً في معرفة الله وتوحيده ولو لم يرد بذلك شرع. فالإيمان بالله وحده والكفر بما يعبد من دونه مستقر في الفطر والعقول، بل هو أرسخ وأثبت مرتكزاتهما. وبهذا كان العقل حجة مستقلة في بطلان الشرك، ولو لم يأت بحرمته شرع.
فلما طال الأمد، وصالت شياطين الجن على عقول وفطر الإنس، فأفسدوا عليهم: تصوراتهما، وبدّلوا موازينهما، وحرفوا مرتكزاتهما، أرسل الله الرسل، وأنزل الكتب لتذكر العباد ما استودع سبحانه في فطرهم وعقولهم: من حسن عبادته وحده، وحل الطيبات، ومن قبح الشرك به، وحرمة الخبائث. وضرب لهم سبحانه الأمثال، وبين الأدلة العقلية الدالة على أصول الدين.
فالوحي الرباني دلالة على المطالب الإلهية نوعان:
أحدهما: الخبر المحض. والثاني: الأدلة العقلية والبراهين اليقينية التي تقيم صحة مقتضى كافة الأخبار. وبهذا قامت حجة الله - الموجبة للعذاب - على عباده بالمعقول والمنقول. فالعقل والنقل خرجا من مشكاة واحدة، وجاء الأخير ليخاطب العباد بمرتكزات الأول، ويقيم موجبه، ويفصل مجمله،
стр. 80
ويبين ما عجز عن إدراكه، ولم يأت قط بمحالاته، ولا بضد تصوراته وموازينه.
وإليك إخي القارئ براهين ما سبق: من الكتاب والسنة، بفهم فحول أهل العلم، ونظار أهل السنة.
* * *
стр. 81
المبحث الأول: العقل فيه وجوب التوحيد والبراءة من الشرك:
قال القرطبي في قوله تعالى (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً) (١)
"أجمع العلماء على أن: هذه الآية من المحكم المتفق عليه، ليس منها شيء منسوخ، وكذلك هي في جميع الكتب؛ ولو لم يكن كذلك لعرف ذلك من جهة العقل، وإن لم ينزل به الكتاب" (٢) أ. هـ.
وقال ابن القيم: "قال تعالى: (اعْبُدُوا رَبَّكُمُ) (٣). ولم يقل: إلهكم، والرب: هو السيد والمالك والمنعم والمربي والمصلح، والله تعالى هو الرب بهذه الاعتبارات كلها، فلا شيء أوجب (٤) في العقول والفطر من عبادة من هذا شأنه وحده لا شريك له (٥) أ. هـ.
وقال ﵀ في قوله تعالى (وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي) (٦):
"أخرج الحجة عليهم في معرض المخاطبة لنفسه تأليفاً لهم، ونبه على أن عبادة العبد لمن فطره أمر واجب في العقول، مستهجن تركها، قبيح الإخلال بها؛ فإن خلقه لعبده أصل إنعامه عليه، ونعمه كلها بعد تابعة لإيجاده وخلقه.
وقد جبل الله العقول والفطر على: شكر النعم، ومحبة المحسن. ولا يلتفت إلى ما يقوله نفاة التحسين والتقبيح في ذلك؛ فإنه من أفسد الأقوال وأبطلها في العقول والفطر والشرائع" (٧) أ. هـ.
стр. 82
وقال ﵀ في رده على نفاة التحسين والتقبيح الذاتي للأفعال (١):
"قولكم: فكيف يعرفنا العقل وجوباً: على نفسه بالمعرفة، وعلى الجوارح بالطاعة، وعلى الرب بالثواب والعقاب.
(فيقال): وأي استبعاد في ذلك؟ وما الذي يحيله؟ فقد عرفنا العقل من الواجبات عليه ما يقبح من العبد تركها. كما عرفنا، وعرف أهل العقول، وذوي الفطر التي لم تتواطأ على الأقوال الفاسدة: وجوب الإقرار بالله وربوبيته وشكر نعمته ومحبته، وعرفنا قبح الإشراك به، والإعراض عنه، ونسبته إلى ما لا يليق به. وعرفنا: قبح الفواحش والظلم والإساءة والفجور والكذب والبهت والإثم والبغي والعدوان، فكيف نستبعد منه أن يعرفنا وجوباً على نفسه بالمعرفة، وعلى الجوارح - بالشكر المقدور المستحسن في العقول التي جاءت الشرائع بتفصيل ما أدركه العقل منه جملة، وبتقرير ما أدركه تفصيلاً.
وأما الوجوب على الله بالثواب والعقاب فهذا مما تتباين فيه الطائفتان أعظم تباين. فأثبتت القدرية من المعتزلة عليه تعالى وجوباً عقلياً، وضعوه شريعة له بعقولهم، وحرموا عليه الخروج عنه، وشوّهوا (٢) في ذلك كله بخلقه، وبدّعهم في ذلك سائر الطوائف وسفهوا رأيهم فيه، وبينوا مناقضتهم وألزموهم بما لا محيد لهم عنه.
ونفت الجبرية أن يجب عليه ما أوجبه على نفسه، ويحرم عليه ما حرمه على نفسه، وجوّزوا عليه ما يتعالى ويتنزّه عنه، وما لا يليق بجلاله مما حرمه على نفسه، وجوّزوا عليه ترك ما أوجبه على نفسه مما يتعالى ويتنزه عن تركه وفعل ضدّه. فتباين الطائفتان أعظم تباين.
وهدى الله الذين آمنوا - أهل السنة الوسط - للطريقة المثلى التي جاء بها
стр. 83
رسوله ونزل بها كتابه، وهي أن العقول البشرية - بل وسائر المخلوقات - لا توجب على ربها شيئاً ولا تحرمه، وأنه يتعالى ويتنزه عن ذلك. وأما ما كتبه على نفسه وحرمه على نفسه فإنه لا يخل به، ولا يقع منه خلافه؛ فهو إيجاب منه على نفسه بنفسه وتحريم منه على نفسه بنفسه؛ فليس فوقه تعالى موجب ولا محرّم" (١) أ. هـ.
وقال الإمام ناصر الدين أحمد بن محمد ابن المنير المالكي - متعقباً الزمخشري في مسألة وجوب النظر العقلي في أدلة التوحيد: -
"وأما وجوب (٢) النظر في أدلة التوحيد فإنما يثبت بالسمع لا بالعقل، وإن كان حصول المعرفة بالله وتوحيده غير موقوف على ورود السمع، بل محض العقل كاف فيه باتفاق" (٣) أ. هـ.
وقال ابن تيمية: "وكثير من هؤلاء - أي الذين يظنون أن العقل غير مستقل بإدراك التوحيد - يعتقدون أن في ذلك ما لا يجوز أن يعلم بالعقل: كالمعاد وحسن التوحيد والعدل والصدق، وقبح الشرك والظلم والكذب.
والقرآن يبين الأدلة العقلية الدالة على ذلك، وينكر على من لم يستدل بها؛ ويبين أنه بالعقل يعرف: المعاد، وحسن عبادته وحده، وحسن شكره، وقبح الشرك وكفر نعمه، كما قد بسطت الكلام على ذلك في مواضع" (٤) أ. هـ.
وقال ﵀ في قوله تعالى (مَاذَا تَعْبُدُونَ، أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ، فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ - إلى قوله تعالى - أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ، وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ
стр. 84
وَمَا تَعْمَلُونَ) (١).
"فهذا كله يبين قبح ما كانوا عليه قبل النهي، وقبل إنكاره عليهم ولهذا استفهم استفهام منكر فقال: (أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ، وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) أي: وخلق ما تنحتون. فكيف يجوز أن تعبدوا ما تصنعون بأيدكم وتدعون رب العالمين؟ فلولا أن حسن التوحيد، وعبادة الله تعالى وحده لا شريك له، وقبح الشرك ثابت في نفس الأمر معلوم بالعقل لم يخاطبهم بهذا؛ إذ كانوا لم يفعلوا شيئاً يذمون عليه" (٢) أ. هـ.
وقال ابن القيم في قوله تعالى (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ) (٣):
"أي: لو كان في السموات والأرض آلهة تعبد غير الله لفسدتا وبطلتا. ولم يقل "أرباب" بل قال "آلهة" - والإله هو المعبود والمألوه - وهذا يدل على أنه من الممتنع المستحيل عقلا أن يشرع الله عبادة غيره أبداً، وأنه لو كان معه معبود سواه لفسدت السموات والأرض. فقبح عبادة غير الله قد استقر في الفطر والعقول وإن لم يرد بالنهي عنه شرع، بل العقل يدل على أنه أقبح القبيح على الإطلاق، ومن المحال أن يشرعه الله قط؛ فصلاح العالم في أن يكون الله وحده هو المعبود، وفساده وهلاكه في أن يعبد معه غيره. ومحال أن يشرع لعباده ما فيه فساد العالم وهلاكه؛ بل هو المنزه عن ذلك" أ. هـ.
إن حسن التوحيد وقبح الشرك من أثبت الثوابت وأركز المرتكزات في الفطر والعقول. ومن ثمّ استحال جواز الشرك فيهما ما دامت السماء سماء
стр. 85
والأرض أرضاً. فحسن التوحيد وقبح الشرك حقيقة ثابتة راسخة، ولو لم ترسل الرسل وتنزل الكتب. فالعقل قاطع بوجوب عبادة الفاطر الخالق، المربي المنعم، المالك لجلب النفع، ولدفع الضر، وكذا يقطع بحرمة عبادة كل مخلوق مربوب محدث.
وقد هيأ الله العقول للقيام بالبراهين الباهرة والحجج الدامغة والأدلة الدالة على تلك الحقيقة التي كانت سبباً لانبثاق كافة الحقائق؛ وبهذا كانت الفطر والعقول من أقوى مستندات النبيين والمرسلين على الملحدين والمشركين. وبذلك أصبح العقل حجة مستقلة في بطلان الشرك، ولو لم يرد بحرمته شرع.
* * *
стр. 86
المبحث الثاني: العقل حجة مستقلة في بطلان الشرك:
قال ابن تيمية: "وهذا يقتضي - أي فطر الذرية على التوحيد - أن نفس العقل الذي به يعرفون التوحيد حجة في بطلان الشرك، لا يحتاج ذلك إلى رسول، فإنه جعل ما تقدم حجة عليهم بدون هذا" (١) أ. هـ.
وقال ابن القيم: "وهذا يقتضي - أي فطر الذرية على التوحيد - أن نفس العقل الذي به يعرفون التوحيد حجة في بطلان الشرك لا يحتاج ذلك إلى رسول، فإنه جعل ما تقدم حجة عليهم بدون هذا" (٢) أ. هـ.
وقال ﵀ في قوله تعالى: (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (٣).:
"فهذا استدلال قاطع على أن الإيمان بالله أمر مستقر في الفطر والعقول، وأنه لا عذر لأحد في الكفر به ألبتة" (٤) أ. هـ.
وقال ﵀ في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ) (٥):
"فضرب لهم سبحانه مثلاً من عقولهم يدلهم على قبح عبادتهم لغيره، وأن هذا أمر مستقر قبحه وهجنته في كل عقل وإن لم يرد به الشرع، وهل في العقل أنكر وأقبح من عبادة من لو اجتمعوا كلهم لم يخلقوا ذباباً واحداً، وإن يسلبهم الذباب شيئا لم يقدروا على الانتصار منه واستنقاذ ما سلبهم إياه. وترك عبادة الخلاق العليم القادر على كل شيء الذي ليس كمثله شيء.
стр. 87
أفلا تراه كيف احتج عليهم بما ركّبه في العقول من حسن عبادته وحده، وقبح عبادة غيره؟ " (١) أ. هـ.
وقد حمل فريق من أهل العلم حجية الميثاق على: نصب الأدلة الدالة على وجوب التوحيد، وحرمة الشرك، والشاهد على صحتها العقول.
قال أبو حيان: "أي: فعلنا ذلك من نصب الأدلة الشاهدة على صحتها العقول؛ كراهة أن تقولوا يوم القيامة: إنا كنا عن هذا غافلين لم ننبه عليه، أو كراهة أن تقولوا: إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم فاقتدينا بهم؛ لأن نصب الأدلة على التوحيد وما نُبهوا عليه قائم معهم؛ فلا عذر في الإعراض عنه والإقبال على التقليد والاقتداء بالآباء، كما لا عذر لآبائهم في الشرك وأدلة التوحيد منصوبة لهم" (٢) أ. هـ.
قلت: وهو معنى صحيح متفق عليه بين عامة سلف الأمة، ولكن تبقى دلالة الآية عليه تحتمله أم لا؟ وقد ذكره جمهور المفسرين: وجها من وجهين في قوله تعالى: (وَمَا لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (٣).
قال الخازن: "يعني: وأي عذر لكم في ترك الإيمان بالله والرسول يدعوكم إليه، وينبهكم عليه، ويتلو عليكم الكتاب الناطق بالبرهان والحجج (وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ) أي: أخذ الله ميثاقكم حين أخرجكم من ظهر آدم ﵇ بأن الله ربكم لا إله لكم سواه. وقيل أخذ ميثاقكم حين ركب فيكم العقول، ونصب لكم الأدلة والبراهين والحجج التي تدعوا إلى متابعة الرسول (٤) أ. هـ.
стр. 88
وقال الشوكاني: (وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ) في محل نصب على الحال من فاعل يدعوكم على التداخل أيضاً: أي والحال: أن قد أخذ الله ميثاقكم حين أخرجكم من ظهر أبيكم آدم، أو بما نصب لكم من الأدلة الدالة على التوحيد ووجوب الإيمان. قرأ الجمهور (وَقَدْ أَخَذَ) مبنيا للفاعل، وهو الله سبحانه لتقدم ذكره. وقرأ أبو عمرو على البناء للمفعول. (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) بما أخذ عليكم من الميثاق، أو بالحجج والدلائل، أو إن كنتم مؤمنين بسبب من الأسباب؛ فهذا من أعظم أسبابه، وأوضح موجباته" (١) أ. هـ.
* * *
стр. 89
المبحث الثالث: خصائص وسمات الأدلة العقلية:
العقل حجة مستقلة في وجوب التوحيد والبراءة من الشرك، ولا أُبعد النجعة إن زعمت: أنه من أعظم وأجل آيات ودلائل الرسل على أقوامهم.
فالكتب الربانية دلالتها على المطالب الإلهية نوعان:
أحدهما: الخبر المحض.
الثاني: الأدلة العقلية والبراهين اليقينية والعلوم الضرورية الدالة على صحة مقتضى الأخبار، وبذلك تكون دلالتها شرعية عقلية؛ شرعية: لأن الشرع دل عليها وأرشد إليها؛ وعقلية: لأن بالعقل يُعلم صحتها، ويُستقل بإدراكها، وليس لمجرد الخبر.
"فالرسول ﷺ يخبر بالحق، ويقيم عليه الأدلة العقلية البرهانية الموصلة إلى معرفته، كالأقيسة العقلية، وهي الأمثال المضروبة" (١).
مثال ذلك: قوله تعالى (اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) (٢).
فهذا خبر محض يدل على وجوب إفراد الله بالعبادة، والبراءة من عبودية ما سواه؛ فإذا طعن المشركون في صحته محتجين بقولهم (مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلاقٌ) (٣) فعند ذلك تنتصب الأدلة العقلية، والبراهين اليقينية؛ والعلوم الضرورية - التي لا ينفك عن بداهة مدلولها اثنان من العقلاء - حكماً فصلاً بين: الموحدين والمشركين. فنقول لهم: من المعلوم ضرورة: أن الإله لا بد أن يكون مالكاً لجلب النفع، وقادراً على دفع الضر عن عابديه، والعقل قاطع بأن الذي لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً يكون أعجز عن ملكه لغيره. وهذا برهان ضروري يقيني ينسف به تأله كافة الآلهة المزعوم
стр. 90
عبادتها دون الله، ويعلو به برهان تأله الله الواحد القهار.
قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾ (١)
مثال آخر: قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ (٢)، فهذا الخبر يدل على بعث الناس من قبورهم لوقوفهم بين يدي ربهم للحساب والقصاص.
فإذا احتج المشركون بقولهم مثلاً: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ، لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ (٣)
فالجواب: من المعلوم ببداهة العقول: أن الذي يقول على حمل القنطار، يكون على حمل أوقية أقوى وأقدر. قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا﴾ (٥).
فقد يرد أحدهم متبجحًا: هذا دليل على الجواز، فأين الدليل على وجوب البعث؟
فالجواب: إن أفعال الله المتقنة، وصنعته الباهرة، وخلقه المحكم دلّ على حكمته، وحكمته دلت على إرادته، وإرادته مستلزمة لعلمه، وتلك صفاته الأزلية التي لم تفارق ذاته؛ فدل ذلك على أنه لا يفعل إلا بعلم ولحكمة مراده.
والحكمة تقتضي وضع الشيء في موضعه، والجمع بين المتماثلين والتفريق بين المتناقضين.
стр. 91
وإعطاء الله لعباده القدرة والإرادة والجوارح، دون تكليف، وضوابط، ومآل إليه لتجزى كل نفس بما تسعى، يقتضي كونه راضيًا: بسيء الأعمال وقبيح الأفعال!!! ومن ثم لا يوجد أدنى فرق بين المعروف والمنكر، ولا بين الطيبات والخبائث ...
ومن هنا استحال في هذه العقول الصحيحة والفطر المستقيمة: أن يترك الله الناس سدى: يتهارجون بينهم كتهارج الحمر، وينزو بعضهم كنزو الوحوش والذئاب على ضحاياها دون تكليف وشرع وضوابط وحدود، ثم مآل إليه للفصل بينهم حتى تعود الحقوق لأصحابها، ويفرق بين أوليائه وأعدائه.
فإلهيته سبحانه وربوبيته وحكمته وآثار أسمائه الحسنى وصفاته العلى تأبى أن يكون مآل المسلمين كالمجرمين، والظالمين كالمظلومين، والطائعين كالعاصين، بل وقد استقر في قرارة العقول قبح ترك الناس سدى؛ ولذا قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ (١)
قال ابن القيم: "أي: مهملاً معطلاً لا يؤمر ولا ينهى، ولا يثاب ولا يعاقب، وهذا يدل على أن هذا مناف لكمال حكمته، وأن ربوبيته وعزته وحكمته تأبى ذلك؛ لهذا خرج الكلام مخرج الإنكار على من زعم ذلك، وهو يدل على أن حسنه مستقر في الفطر والعقول، وقبح تركه سدى معطلاً أيضًا مستقر في الفطر. فكيف ينسب إلى الرب ما قُبحه مستقر في فطركم وعقولكم؟! " (٢)
وبذلك يجزم الموحدون بأن الله جلّ في علاه قد أقام الأدلة العقلية والبراهين اليقينية على صحة كافة الأخبار الدالة على أصول الدين، تلك
стр. 92
الأصول التي أخذ عليها الميثاق، وفطر عليها العباد، وركز في العقول أدلة صحتها، وبراهين استقامتها، وقامت الآيات الكونية ناطقة بمدلولها. وقد سجل القرآن على المشركين مخالفتهم للمعقول والمنقول، وضرب لهم الأمثال الدالة على حسن التوحيد، وعلى بطلان الشرك. فحصحصت بذلك حجة العقل في الدلالة على المطالب الإلهية، وسطع برهانه على بطلان الجريمة الكبرى والخيانة العظمى المتمثلة في الوقوع في عبادة غير الله العلي الكبير. والمستلزمة للتنقص به، وبربوبيته، وألوهيته، وأسمائه الحسنى وصفاته العلى - شاء المشرك ذلك أم أبى -. فإن لم يكن كذلك بطلت دلالة تلك الأمثال، وعادت أخباراً محضة، ومن المعلوم ضرورة أن الخبر لا يقيم صحة الخبر وبهذا تكون حجج التوحيد قد علت وسطع نورها، وأبادت ظلمات الشرك، وأحرقت زيفها، وقضت على أباطيلها.
فالموحدون عبدوا ربهم: بداعي العقل، وداعي الفطرة، وداعي الشرع، ووافقوا مقتضى الآيات الكونية. والمشركون: خرجوا عن كافة دواعي الهدى وخالفوا المعقول والمنقول، وغدوا صفر اليدين من كافة الحجج والبراهين.
قال تعالى: (وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ، فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ) (١).
ومن هنا ندرك: أن الدليل الشرعي لا يقابل: بالدليل العقلي، بل بالدليل البدعي. فالبدعة ضد: الشرعة، والمعقول برهان المنقول وميزانه.
قال تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) (٢).
قال ابن كثير: (وَالْمِيزَانَ) هو: العدل: قاله: مجاهد وقتادة وغيرهما، وهو
стр. 93
الحق الذي تشهد به العقول الصحيحة المستقيمة المخالفة للآراء السقيمة". (١) أ. هـ.
وقال ابن تيمية: "والميزان" التي أنزلها الله مع الكتاب ميزان عادلة تتضمن اعتبار الشيء بمثله، وخلافه، فتسوي بين المتماثلين، وتفرق بين المختلفين، بما جعله الله في فطر عباده وعقولهم من معرفة التماثل والاختلاف.
فإذا قيل: إن كان هذا مما يعرف بالعقل؛ فكيف جعله الله مما أرسل به الرسل؟
قيل: لأن الرسل ضربت للناس الأمثال العقلية التي يعرفون بها التماثل والاختلاف. فإن الرسل دلت الناس وأرشدتهم إلى ما به يعرفون العدل، ويعرفون الأقيسة العقلية الصحيحة التي يستدل بها على المطالب الدينية. فليست العلوم النبوية مقصورة على الخبر، بل الرسل صلوات الله عليهم بينت العلوم العقلية التي بها يتم دين الله علماً وعملاً، وضربت الأمثال فكملت الفطرة بما نبهتها عليها وأرشدتها، لما كانت الفطرة معرضة عنه، أو كانت الفطرة قد فسدت - بما يحصل لها من الآراء والأهواء الفاسدة - فأزالت ذلك الفساد.
والقرآن والحديث مملوءان من هذا، يبين الله الحقائق بالمقاييس العقلية والأمثال المضروبة. ويبين طريق التسوية بين المتماثلين، والفرق بين المختلفين. وينكر على من يخرج عن ذلك كقوله: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) الآية وقوله: (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ، مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) أي هذا حكم جائر لا عادل، فإن فيه تسوية بين المختلفين. ومن التسوية بين المتماثلين قوله: (أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ) وقوله: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ) الآية". (٢) أ. هـ.
стр. 94
ولست أعني بالأدلة العقلية: منطق اليونان، أو قوانين الفلاسفة، أو سراب حجج المتكلمين والمتهوكين ...
بل الميزان العقلي الصحيح العادل - لا العائل - الذي منّ الله به على الإنسان، والذي به سما على كافة المخلوقات، وعلا في أحسن تقويم، والذي بفقده يرد صاحبه إلى أسفل سافلين.
علة تكريم الإنسان بالعقل:
لقد منّ المنان الكريم على الإنسان الضعيف بنعمة العقل؛ ليدرك به الآثار الربانية والمطالب الإلهية، ومن ثم جعل حجة مستقلة عليه في بطلان الشرك، وكذا جعل مستنداً من مستندات السمع، وبهما قامت حجة الله على خلقه.
قال ابن القيم: "فإن الله سبحانه ركب العقول في عباده ليعرفوا بها: صدقه وصدق رسله، ويعرفوه بها، ويعرفوا: كماله وصفاته، وعظمته وجلاله، وربوبيته وتوحيده، وأنه الإله الحق وما سواه باطل. فهذا هو الذي أعطاهم العقل لأجله بالذات والقصد الأول، وهداهم به إلى مصالح معاشهم التي تكون عوناً لهم على ما خلقوا لأجله، وأعطوا العقول له، فأعظم ثمرة العقل: معرفته لخالقه وفاطره، ومعرفة صفات كماله، ونعوت جلاله وأفعاله، وصدق رسله والخضوع والذل والتعبد له" (١) أ. هـ.
وقال ﵀: "إن السمع حجة الله على خلقه، وكذلك العقل، فهو سبحانه أقام عليهم حجته بما ركب فيهم من العقل، وبما أنزل إليهم من السمع. والعقل الصريح لا يتناقض في نفسه، كما أن السمع الصحيح لا يتناقض في نفسه، وكذلك العقل مع السمع، فحجج الله وبيناته لا تتناقض ولا تتعارض، ولكن تتوافق وتتعاضد، وأنت لا تجد سمعاً صحيحاً عارضه معقول مقبول عند
стр. 95
كافة العقلاء أو أكثرهم، ولا تجده ما دام الحق حقاً والباطل باطلاً، بل العقل الصريح يدفع المعقول المعارض للسمع الصحيح ويشهد ببطلانه" (١) أ. هـ.
موافقة صحيح المعقول لصريح المنقول:
لا جرم أن العقل الصحيح موافق للنقل الصريح، وأن من خالف صريح المعقول لم تقم له حجة عقلية ولا سمعية لتطابقهما وتصادقهما وخروجهما من مشكاة واحدة؛ ومن ثم كان العقل شاهداً للنقل، ومحامياً دونه، وبرهاناً على صدقه، وآية من آيات طمأنينة الصدور والقلوب به.
قال ابن القيم في معرض التصدي للذين يزعمون وقوع التعارض بين النقل والعقل: "إن تجويز معارضة العقل للوحي يوجب وصف الوحي بضد ما وصفه الله به؛ فإن الله سبحانه وصفه بكونه هدى في غير موضع، وأخبر أنه يهدي للتي هي أقوم الطرق: وهي أقربها إلى الحق. فإن الطريق المستقيم هو أقرب خط موصل بين نقطتين، وكلما تعوج بعد.
وأخبر سبحانه أنه شفاء لما في الصدور، وهذا يتضمن أنه يشفي ما فيها من الجهل والشك والحيرة والريب، كما أن الهدى يتضمن أنه موصل إلى المقصود. فالهدى يوصلها إلى الحق المقصود من أقرب الطرق، والشفاء يزيل عنها أمراضها المانعة لها من معرفة الحق وطلبه، فهذا [يزيل] الجهل المقتضي، وهذا يزيل المانع، ومن المحال أن تكون هذه صفة كلام مخالف للعقل ومعارض له.
وكذلك أخبر أنه نور كما قال تعالى: (فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (٢).
وقال: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا) (٣).
стр. 96
فهو نور البصائر من العمى، كما هو شفاء الصدور من الجهل والشك، ومحال أن تتنور البصائر بما يخالف صريح العقل؛ فإن ما يخالف العقل موجب الظلمة.
وأخبر سبحانه أنه برهان فقال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً) (١). ومحال أن يكون ما يخالف صريح العقل برهاناً.
وأخبر سبحانه أنه علم كما قال: (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ) (٢). وما يخالف العقل الصريح لا يكون علماً.
وأخبر أنه حق، والعقل الصريح لا يخالف الحق فقال تعالى: (الم، اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ، نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ) (٣).
وقال: (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ) (٤).
وقال: (لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) (٥).
وقال: (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ) (٦).
وحينئذ فكونه حقاً يدل على أن ما خلافه مما يسمى معقول باطل، فإن كان ما خالفه حقاً لزم أن يكون باطلاً، وإن كان هو الحق فما خلافه باطل قطعاً.
وأخبر أنه آيات بينات، وما يخالف صريح العقل لا يكون كذلك.
وأخبر أنه أحسن القصص وأحسن الحديث، ولو خالف صريح العقل لكان موصوفاً بضد ذلك.
وأخبر أنه أصدق الكلام فقال: (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً) (٧) (وَمَنْ
стр. 97
أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً) (١).
ولو خالف العقل لم يكن كذلك، وكان كلام هؤلاء الضالين المضلين أصدق منه.
وأخبر أن القلوب تطمئن به أي: تسكن إليه من قلق الجهل والريب والشك كما يطمئن القلب إلى الصدق، ويرتاب بالكذب فقال تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) (٢).
وجعل هذا من أعظم الآيات على صدقه وأنه حق من عنده. ولهذا ذكره جواباً لقول الكفار (لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ) فقال: (قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ) (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ). أي: بكتابه الذي أنزله وهو ذكره وكلامه، ولو كان في العقل الصريح ما يخالفه لم تطمئن به قلوب العقلاء.
والعاقل اللبيب إذا تدبر القرآن، وتدبر كلام هؤلاء المعارضين له تبين: أن الريبة كلها في كلامهم، والطمأنينة في كلام لله ورسوله.
وأخبر سبحانه أن التوراة - التي هو (٣) أكمل وأجل منها - إمام للناس. فقال تعالى: (وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَاماً وَرَحْمَةً) (٤).
والإمام هو: القدوة الذي يؤتم به. وكيف يقتدى بكلام يخالف صريح العقل.
وسماه سبحانه فرقاناً؛ لأنه فرق بين الحق والباطل، فلو خالف صريح العقل لم يكن فرقاناً. ولكان الفرقان كلام هؤلاء الضالين المضلين.
стр. 98
وأخبر أنه كتاب مبارك، والمبارك: الكثير البركة والخير والهدى والرحمة، وهذا لا يكون فيما يرده العقل ويقضي بخلافه.
وأخبر أن الباطل لا يأتيه من بين يديه ولا من خلفه، ولو كان العقل يخالفه لأتاه الباطل من كل جهة.
وأخبر أنه كتاب أحكمت آياته، وأنه حكيم، وأنه فصل؛ وما يخالفه العقل لا يوصف بشيء من ذلك.
وأخبر أنه مهيمن على كل كتاب أي: أمين عليه وحاكم وشاهد وقيم، ولو خالفه العقل لكان مهيمناً عليه، وكانت معقولات هؤلاء الضالين المضلين هي المهيمنة عليه، ولم يكن هو المهيمن عليها.
وأخبر أنه لا عوج فيه، وأنه قيم فقال: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا، قَيِّماً) (١) وأي عوج أعظم من مخالفة صريح العقل له، وقال تعالى: (وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ، قُرْآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ) (٢).
ومن تدبره وتدبر ما خالفه؛ عرف أن القدح كله فيما خالفه. وعلمه بتعوج ما خالفه يعرف من طريقتين: من جهة الكلام في نفسه وأنه باطل، ومن جهة مخالفته للقرآن.
وجعله سبحانه حجة على خلقه، كما قال تعالى: (وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ، أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ، أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ
стр. 99
بِآياتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ) (١). وقال تعالى: (رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) (٢).
وكيف تقوم الحجة بكلام يخالف صريح العقل" (٣) أ. هـ.
وبذلك نعلم أن في العقل ثوابت ومرتكزات بها يعلم صحة النقل، وبموازينها يخاطب الوحي العباد، ويقيم عليهم حجته. ومن أرسخ وأثبت تلك المرتكزات: معرفة الرب ومحبته وعبادته وحده لا شريك له، وكذا العلم بصحة الرسالات والتصديق بها، وفي العقل كذلك: حب الطيبات، وبغض المنكرات، وفيه الاستمساك بالعدل والنفرة من الظلم ... ومن ثم جاءت الشرائع موافقة لموجب العقول ومفصلة لمجملاتها، ومبينة لما عجزت عن إدراكه، إلا أنه لم تات شرائع من الرحمن قط بمحالات العقول، وبضد موجبها.
* * *
стр. 100
المبحث الرابع: الشريعة جاءت بخلاصة الأدلة العقلية الدالة على أصول الدين وهي أول ما أنزل من التشريع:
قال ابن تيمية: في بيان أن الرسول ﷺ أول ما أنزل عليه بيان أصول الدين وهي: الأدلة العقلية الدالة على ثبوت الصانع وتوحيده وصدق رسوله ﷺ وعلى المعاد إمكاناً ووقوعاً:
"وقد ذكرنا فيما تقدم هذا الأصل غير مرة، وأن الرسول ﷺ بين الأدلة العقلية والسمعية التي يهتدي بها الناس إلى دينهم، وما فيه نجاتهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة، وأن الذين ابتدعوا أصولا تخالف بعض ما جاء به هي أصول دينهم، لا أصول دينه. وهي باطلة عقلاَ وسمعاً، كما قد بسط في غير موضع. وبين أن كثيراً من المنتسبين إلى العلم والدين قاصرون أو مقصرون في معرفة ما جاء به من الدلائل السمعية والعقلية.
فطائفة: قد ابتدعت أصولا تخالف ما جاء به من هذا وهذا.
وطائفة: رأت أن ذلك بدعة فأعرضت عنه، وصاروا ينتسبون إلى السنة لسلامتهم من بدعة أولئك. ولكن هم مع ذلك لم يتبعوا السنة على وجهها، ولا قاموا بما جاء به من الدلائل السمعية والعقلية. بل الذي يخبر به من السمعيات - مما يخبر به عن ربه وعن اليوم الآخر - غايتهم أن يؤمنوا بلفظه من غير تصور لما أخبر به. بل قد يقولون مع هذا: إنه نفسه لم يكن يعلم معنى ما أخبر به، لأن ذلك عندهم هو تأويل المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله.
وأما الأدلة العقلية فقد لا يتصورون أنه أتى بالأصول العقلية الدالة على ما يخبر به كالأدلة على التوحيد والصفات. ومنهم من يقر بأنه جاء بهذا - مجملا، ولا يعرف أدلته. بل قد يظن أن ما يستدل به كالاستدلال بخلق الإنسان على حدوث جواهره - هو دليل الرسول.
وكثير من هؤلاء يعتقدون أن في ذلك ما لا يجوز أن يعلم بالعقل:
стр. 101
كالمعاد، وحسن التوحيد والعدل والصدق، وقبح الشرك والظلم. والكذب. والقرآن يبين الأدلة العقلية الدالة على ذلك. وينكر على من لم يستدل بها. وييبن أنه بالعقل يعرف: المعاد، وحسن عبادته وحده، وحسن شكره، وقبح الشرك، وكفر نعمه، كما قد بسطت الكلام على ذلك في مواضع.
وكثير من الناس يكون هذا في فطرته، وهو ينكر تحسين العقل وتقبيحه إذا صنف في أصول الدين على طريقة النفاة الجبرية - أتباع جهم - وهذا موجود في عامة ما يقوله المبطلون: يقولون بفطرتهم ما يناقض ما يقولونه في اعتقادهم البدعي.
وقد ذكر أبو عبد الله - ابن الجد الأعلى - أنه سمع أبا الفرج بن الجوزي ينشد في مجلس وعظه البيتين المعروفين:
هب (ألبعث) لم تأتنا رُسْله ... وجاحمة النار لم تُضرمِ
أليس من الواجب المستحق ... حياء العباد من المنعم؟
فقد صح في هذا بأنه من الواجب المستحق حياء الخلق من الخالق المنعم. وهذا تصريح بأن شكره واجب مستحق، ولو لم يكن وعيد، ولا رسالة أخبرت بجزاء. وهو يبين ثبوت الوجوب والاستحقاق وإن قدر أنه لا عذاب. وهذا فيه نزاع قد ذكرناه في غير هذا الموضع، وبينا أن هذا هو الصحيح.
ونتيجة فعل المنهى: انخفاض المنزلة وسلب كثير من النعم التي كان فيها، وإن كان لا يعاقب بالضرر. ويبين أن الوجوب والاستحقاق يعلم بالبديهة. فتارك الواجب وفاعل القبيح وإن لم يعذب بالآلام كالنار فيسلب من النعم وأسبابه ما يكون جزاءه. وهذا جزاء من لم يشكر النعمه - بل كفرها - أن يسلبها. فالشكر قيد النعم، وهو موجب للمزيد. والكفر بعد قيام الحجة موجب للعذاب، وقبل ذلك ينقص النعمة ولا يزيد.
стр. 102
مع أنه لا بد من إرسال رسول يستحق معه النعيم أو العذاب، فإنه ما ثم دار إلا الجنة أو النار" (١) أ. هـ.
وقال ﵀: وكذلك "العقليات الصريحة" إذا كانت مقدماتها وترتيبها صحيحاً لم تكن إلا حقاً، لا تناقض شيئاً مما قاله الرسول، والقرآن قد دل على الأدلة العقلية التي بها: يعرف الصانع وتوحيده، وصفاته، وصدق رسله، وبها يعرف إمكان المعاد. ففي القرآن من بيان أصول الدين التي تعلم مقدماتها بالعقل الصريح ما لا يوجد مثله في كلام أحد من الناس، بل عامة ما يأتي به حذاق النظار من الأدلة العقلية يأتي القرآن بخلاصتها وبما هو أحسن منها.
قال تعالى: (وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً) وقال: (وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ) وقال: (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) (٢) أ. هـ.
وقال ﵀: "وقد بينا في غير هذا الموضع أن الأدلة العقلية والسمعية متلازمة، كل منهما مستلزم صحة الآخر. فالأدلة العقلية تستلزم صدق الرسل فيما أخبروا به، والأدلة السمعية فيها بيان الأدلة العقلية التي بها: يعرف الله، وتوحيده، وصفاته، وصدق أنبيائه.
ولكن من الناس من ظن أن السمعيات ليس فيها عقلي. والعقليات لا تتضمن السمعي. ثم افترقوا فمنهم من رجح السمعيات، وطعن في العقليات، ومنهم من عكس.
وكلا الطائفتين مقصر في المعرفة بحقائق الأدلة السمعية والعقلية. ثم تجد هؤلاء وهؤلاء في أتباع الأئمة: مالك، والشافعي، وأحمد، وغيرهم" (٣) أ. هـ.
стр. 103
وقد أفاض القرآن من ذكر الأدلة العقلية والبراهين اليقينية الدالة على: التوحيد، وإثبات الصفات، والمعاد، وصدق الرسالات، والتي تقيم صحة مقتضى الأخبار الدالة على أصول الدين. فالعقل المستقيم موافق للشرع القويم، وكلاهما قسيم الابتداع والإحداث.
قال ابن تيمية: "كون الدليل عقليا أو سمعيا ليس هو صفة تقتضي مدحا ولا ذما، ولا صحة ولا فسادا، بل ذلك يبين الطريق الذي به علم، وهو السمع أو العقل، وإن كان السمع لا بد معه من العقل، وكذلك كونه عقليا أو نقليا، وأما كونه شرعيا فلا يقابل بكونه عقليا، وإنما يقابل بكون بدعيا، إذ البدعة تقابل الشرعة، وكونه شرعيا صفة مدح، وكونه بدعيا صفة ذم، وما خلاف الشريعة فهو باطل.
ثم الشرعي قد يكون سمعيا وقد يكون عقليا، فإن كون الدليل شرعيا يراد به كون الشرع أثبته ودل عليه، ويراد به كون الشرع أباحه وأذن فيه، فإذا أريد بالشرعي ما أثبته الشرع، فإما أن يكون معلوما بالعقل أيضا، ولكن الشرع نبه عليه ودل عليه، فيكون شرعيا عقليا.
وهكذا كالأدلة التي نبه الله تعالى عليها في كتابه العزيز، من الأمثال المضروبة وغيرها الدالة على توحيده وصدق رسله، وإثبات صفاته، وعلى المعاد، فتلك كلها أدلة عقلية يُعلم صحتها بالعقل، وهي براهين ومقاييس عقلية، وهي مع ذلك شرعية.
وإما أن يكون الدليل الشرعي لا يُعلم إلا بمجرد خبر الصادق، فإنه إذا أخبر بما لا يُعلم إلا بخبره كان ذلك شرعياً سمعيا.
وكثير من أهل الكلام يظن أن الأدلة الشرعية منحصرة في خبر الصادق فقط، وأن الكتاب والسنة لا يدلان إلا من هذا الوجه. ولهذا يجعلون أصول
стр. 104
الدين نوعين: العقليات، والسمعيات، ويجعلون القسم الأول مما لا يعلم بالكتاب والسنة.
وهذا غلط منهم، بل القرآن دل على الأدلة العقلية وبينها ونبه عليها، وإن كان من الأدلة العقلية ما يعلم بالعيان ولوازمه، كما قال تعالى: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) (١).
وأما إذا أريد بالشرعي ما أباحه الشرع وأذن فيه، فيدخل في ذلك ما أخبر به الصادق، وما دل عليه ونبه عليه القرآن، وما دلت عليه وشهدت به الموجودات" (٢) أ. هـ.
وقال ابن القيم: "إن أدلة القرآن والسنة التي يسميها هؤلاء (٣) الأدلة اللفظية، نوعان:
أحدهما: يدل بمجرد الخبر.
والثاني: يدل بطريق التنبيه والإرشاد على الدليل العقلي.
والقرآن مملوء من ذكر الأدلة العقلية التي هي آيات الله الدالة عليه، وعلى ربوبيته، ووحدانيته، وعلمه، وقدرته، وحكمته، ورحمته.
فآياته العيانية المشهودة في خلقه تدل على صدق النوع الأول، وهو مجرد الخبر، فلم يتجرد إخباره سبحانه عن آيات تدل على صدقها، بل قد بين لعباده في كتابه من البراهين الدالة على صدقه وصدق رسوله، ما فيه شفاء وهدى وكفاية.
فقول القائل: إن تلك الأدلة لا تفيد اليقين، إن أراد به النوع المتضمن
стр. 105
لذكر الأدلة العقلية العيانية، فهذا من أعظم البهت والوقاحة والمكابرة، فإن آيات الله التي جعلها أدلة وحججاً على وجود ووحدانيته وصفات كماله، إن لم تفد يقيناً لم يفد دليل بمدلول أبداً.
وإن أراد به النوع الأول الدال بمجرد الخبر، فقد أقام سبحانه: الأدلة القطعية والبراهين اليقينية على ثبوته، فلم يُحل عبادة فيه على خبر مجرد، لا يستفيدون ثبوته إلا من الخبر نفسه دون الدليل الدال على صدق الخبر.
وهذا غير الدليل العام، الدال على صدقه، فيما أخبر به، بل هو الأدلة المتعددة الدالة على التوحيد وإثبات الصفات والنبوات والمعاد وأصول الإيمان، فلا تجد كتاباً قد تضمن من البراهين والأدلة العقلية على هذه المطالب ما تضمنه القرآن، فأدلته لفظية عقلية فإن لم يفد اليقين: (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ) " (١)(٢) أ. هـ.
وقال ابن تيمية: "إن الكمال ثابت لله، بل الثابت له هو أقصى ما يمكن من الأكملية، بحيث لا يكون وجود كمال لا نقص فيه إلا وهو ثابت للرب تعالى، يستحقه بنفسه المقدسة، وثبوت ذلك مستلزم نفي نقيضه؛ فثبوت الحياة يستلزم نفي الموت، وثبوت العلم يستلزم نفي الجهل، وثبوت القدرة يستلزم نفي العجز، وأن هذا الكمال ثابت له بمقتضى الأدلة العقلية والبراهين اليقينة، مع دلالة السمع على ذلك (٣):
стр. 106
ودلالة القرآن على الأمور (نوعان):
أحدهما: خبر الله الصادق، فما أخبر الله ورسوله به فهو حق كما أخبر الله به.
والثاني: دلالة القرآن يضرب الأمثال وبيان الأدلة العقلية الدالة على المطلوب. فهذه دلالة شرعية عقلية، فهي "شرعية" لأن الشرع دل عليها، وأرشد إليها؛ و"عقلية" لأنها تعلم صحتها بالعقل. ولا يقال: أنها لم تعلم إلا بمجرد الخبر.
وإذا أخبر الله بالشيء ودل عليه بالدلالات العقلية، صار مدلولاً عليه بدليله العقلي الذي يعلم به، فيصير ثابتاً بالسمع والعقل، وكلاهما داخل في دلالة القرآن التي تسمى: (الدلالة الشرعية) (١) أ. هـ.
وقال ﵀: "قد ذكرنا في غير موضع أن أصول الدين الذي بعث الله به رسوله محمداً ﷺ قد بينها الله في القرآن أحسن بيان، وبين: دلائل الربوبية، والوحدانية، ودلائل أسماء الرب، وصفاته، وبين دلائل نبوة أنبيائه، وبين المعاد وبين إمكانه وقدرته عليه في غير موضع، وبين وقوعه بالأدلة السمعية والعقلية. فكان في بيان الله: أصول الدين الحق، وهو دين الله، وهي أصول ثابتة صحيحة معلومة، فتضمن بيان العلم النافع، والعمل الصالح: الهدى ودين الحق.
وأهل البدع الذين ابتدعوا أصول دين يخالف ذلك ليس فيما ابتدعوه لا هدى ولا دين حق. فابتدعوا ما زعموا أنه أدلة وبراهين على إثبات الصانع وصدق الرسول. وإمكان المعاد أو وقوعه. وفيما ابتدعوه ما خالفوا به الشرع وكل ما خالفوه من الشرع فقد خالفوا فيه العقل أيضاً. فإن الذي بعث الله به محمداً وغيره من الأنبياء، هو حق وصدق. وتدل عليه الأدلة العقلية. فهو
стр. 107
ثابت بالسمع والعقل. والذين خالفوا الرسل ليس معهم لا سمع ولا عقل. كما أخبر الله تعالى عنهم بقوله: (كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ، قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ، وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ) (١).
وقال تعالى لمكذبي الرسل: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) (٢). ذكر ذلك بعد قوله: (وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ، وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ، وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ، فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ) (٣) ثم قال: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ) الآية. ثم قال: (وَكَأَيِّنْ مَنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ) (٤) فذكر إهلاك من أهلك وإملاءه لمن أملى لئلا يغتر المغتر فيقول: نحن لم يهلكنا. وقد بسط هذا في غير هذا الموضع.
والمقصود هنا: أن ما جاء به الرسول دل عليه السمع والعقل. وهو حق في نفسه كالحكم الذي يحكم به. فإنه يحكم بالعدل، وهو الشرع، فالعدل هو الشرع. والشرع هو العدل. ولهذا يأمر نبيه أن يحكم بالقسط، وأن يحكم بما أنزل الله. والذي أنزل الله هو القسط. والقسط هو الذي أنزل الله.
стр. 108
وكذلك الحق والصدق هو ما أخبرت به الرسل" (١) أ. هـ.
لقد شهدت العقول والفطر: بأن الله أهل أن يعبد، ولو لم يرسل بذلك رسولاً وينزل به كتاباً. كيف وقد أرسلت الرسل، وأنزلت الكتب لتقرير ما استودع سبحانه فيهما، وتذكير العباد بمقتضاهما؛ فالشرع لا يأتي بمحالاتهما وإن أتى بما يعجزان عن إدراكه.
فالشرك قبيح ذاتياً بضرورة العقل، وببداهة العلوم الضرورية. ومن ثم احتج القرآن على المشركين، وبين فساد مذهبهم بالأدلة العقلية، وبما ركبه في العقول من حسن عبادة الخالق، وقبح عبادة ما سواه، وضرب لهم الأمثال. ولو كانت حرمة الشرك متوقفة على النهي والخبر فقط لم يبق لتلك الأمثال معنى، وعادت أدلة الشرع منحصرة في: إن الله يأمركم بكذا، وينهاكم عن كذا ..
قال ابن القيم: "وكذلك إنكاره قبح الشرك به في إلهيته وعبادة غيره بما ضربه لهم من الأمثال، وأقام على بطلانه من الأدلة العقلية، ولو كان إنما قبح بالشرع لم يكن لتلك الأدلة والأمثال معنى. وعند نفاة التحسين والتقبيح: يجوز في العقل أن يأمر بالإشراك به وعبادة غيره، وإنما علم قبحه بمجرد النهي.
فيا عجباً أي فائدة تبقى في تلك الأمثال والحجج والبراهين الدالة على قبحه في صريح العقل والفطر؟ وأنه أقبح القبيح وأظلم الظلم؟ وأي شيء يصح في العقول إذا لم يكن فيه علم بقبح الشرك الذاتي، وأن العلم بقبحه بديهي معلوم بضرورة العقل، وأن الرسل نبهوا الأمم على ما في عقولهم وفطرهم من قبحه، وأن أصحابه ليست لهم عقول ولا ألباب ولا أفئدة ..
وكم في القرآن من مثل - عقلي وحسي - ينبه به العقول عل حسن ما أمر به وقبح ما نهى عنه. فلو لم يكن في نفسه كذلك لم يكن لضرب الأمثال
стр. 109
للعقول معنى، ولكن إثبات ذلك بمجرد الأمر والنهي، دون ضرب الأمثال، وتبين جهة القبح المشهودة بالحس والعقل" (١) أ. هـ.
وقال ﵀: "فأولياؤه وخاصته وحزبه لما شهدت عقولهم وفطرهم أنه أهل أن يعبد، وإن لم يرسل إليهم رسولا، ولم ينزل عليهم كتاباً، ولو لم يخلق جنة ولا ناراً، علموا أنه لا شيء في العقول والفطر أحسن من عبادته، ولا أقبح من الإعراض عنه، وجاءت الرسل وأنزلت الكتب لتقرير ما استودع سبحانه في الفطر والعقول من ذلك وتكميله وتفضيله وزيادته حسناً إلى حسنه" (٢) أ. هـ.
وقال ﵀: "ومما يدل على ذلك أيضاً (٣) أنه سبحانه يحتج على فساد مذهب من عبد غيره بالأدلة العقلية التي تقبلها الفطر والعقول، ويجعل ما ركبه في العقول من: حُسن عبادة الخالق وحده، وقبح عبادة غيره من أعظم الأدلة على ذلك. وهذا في القرآن أكثر من أن يذكر ها هنا، ولولا أنه مستقر في العقول والفطر: حسن عبادته وشكره، وقبح عبادة غيره وترك شكره؛ لما احتج عليهم بذلك أصلا، وإنما كانت الحجة في مجرد الأمر. وطريقة القرآن صريحة في هذا كقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ، الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (٤).
فذكر سبحانه أمرهم بعبادته، وذكر اسم الرب مضافاً إليهم؛ لمقتضى عبوديتهم لربهم ومالكهم، ثم ذكر ضروب إنعامه عليهم بإيجادهم، وإيجاد من قبلهم، وجعل الأرض فراشاً لهم يمكنهم الاستقرار عليها والبناء والسكنى،
стр. 110
وجعل السماء بناء وسقفاً فذكر أرض العالم وسقفه، ثم ذكر إنزال مادة أقواتهم ولباسهم وثمارهم، منبهاً بهذا على استقرار حسن عبادة من هذا شأنه وتشكره الفطر والعقول، وقبح الإشراك به وعبادة غيره" (١) أ. هـ.
وقال ابن تيمية: "وأيضاً: ففي القرآن في مواضع كثيرة يبين لهم قبح ما هم عليه من الشرك وغيره بالأدلة العقلية، ويضرب لهم الأمثال، كقوله تعالى (قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ) وقوله: (أَفَلا تَتَّقُونَ) وقوله: (فَأَنَّى تُسْحَرُونَ) فهذا يقتضي أن اعترافهم بأن الله هو الخالق يوجب انتهاءهم عن عبادتها، وأن عبادتها من القبائح المذمومة" (٢) أ. هـ.
العقل والفطرة حجة في بطلان الشرك، والرسالة حجة في بطلانه ووجوب العذاب عليه:
فلله الحجة البالغة على المشركين في كل زمان ومكان. فقد فطر الفطر وجبل العقول على: توحيد ربوبيته المستلزم لتوحيد إلهيته، وأنه يستحيل فيهما أن يكون معه إله سواه، وقامت حجة الله على عباده بما استودع في فطرهم وعقولهم، إلا أن حكمته ورحمته اقتضت أن لا يعذبهم حتى يقيم عليهم حجته برسله، وإن كانت قائمة على خلقه بما صبغ فطرهم وجبل عقولهم عليه من: حسن توحيده ووجوبه، وقبح الشرك به وحرمته.
قال ابن القيم: "فلله الحجة البالغة على المشركين في كل وقت، ولو لم يكن إلا ما فطر عباده عليه من توحيد ربوبيته المستلزم لتوحيد إلهيته، وأنه يستحيل في كل فطرة وعقل أن يكون معه إله آخر، وإن كان سبحانه لا يعذب بمقتضى هذه الفطرة وحدها، فلم تزل دعوة الرسل إلى التوحيد في الأرض معلومة لأهلها، فالمشرك يستحق العذاب بمخالفته دعوة الرسل. والله أعلم (٣) أ. هـ.