← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 14032

رسوخ الأحبار في منسوخ الأخبار

الجعبري

Полный текст (556 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

رسوخ الأحبار في منسوخ الأخبار تأليف أبي إسحاق برهان الدين إبراهيم بن عمر الجعبري المتوفى سنة ٧٢٣ هـ دراسة وتحقيق الدكتور حسن محمد مقبولي الأهدل لنيل درجة العالمية العالية «الدكتوراه» إشراف فضيلة الدكتور محمد أحمد ميرة مؤسسة الكتب الثقافية

стр. 2

الحمد لله خاتم الأديان بدين الإسلام الحنيف، الذي جعل رسوله محمدًا ﷺ خاتم الأنبياء والمرسلين صلاة الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين وبعد. فإن -هذه الرسالة- نوقشت بالجامعة الإِسلامية بالمدينة المنورة بإشراف الدكتور محمود أحمد ميرة رئيسًا وعضوية كل من الدكتور الأستاذ عجمي خليفة دمنهوري والدكتور الأستاذ حسن أحمد مرعي رئيس قسم الأصول جامعة أم القرى، بقاعة المحاضرات الكبرى يوم الخميس الموافق ٣٠/ ٦ / ١٤٠٥ هـ.

стр. 3

رُسُوخُ الأَحْبَار في مَنسُوخ الأَخْبَار

стр. 4

مُلتَزِم الطَبع وَالنَشْر وَالتَوزيع مؤسَسَة الكتب الثقافيَة فقط الطبعَة الأولى ١٤٠٩ هـ - ١٩٨٨ م مَكتبة الجيل الجَدِيد هَاتف: ٧٢٠٣٨/ ٧١٣٦٣ صُندوق البَريد: ٥٤٤ صَنعاء الجمهورية العَربية اليمنية مُؤسَّسَة الكُتُب الثقَافِيَّة هَاتف: ٣١٢٠١٧ - ٣١٥٧٥٩ صُندوق البريد: (٥١١٥) - ١١٤ بَرقيًا: الكُتُبْكو بَيروت - لبنان

стр. 5

-[شُكر]- الحمد للهّ الواحد الأحد الفرد الصمد المعبود وحده لا شريك له، وأصلي وأسلم على من لا نبي بعده، المرسل للناس كافة بشيرًا ونذيرًا، سيدنا محمد عبد الله ورسوله صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. .. وبعد ... فإن من حق اللهّ عليّ أن أحمده وأشكر نعمه الظاهرة والباطنة التي لا تحصى، ومن تلك النعم إتمام هذا الكتاب وإنجازه بإخراجه للناس في هذه الصورة، وأرجو من الله أن أكون قد وفقت في عملي هذا، وأن يكون خالصًا لوجهه الكريم، وابتغاء لمرضاته، كما أسأله السداد في القول والعمل، وأن يجنبني الخطأ والزلل، وأسأله التوفيق والإِخلاص في العمل إنه سميع مجيب وهو على ذلك قدير. ثم إنه من تمام الحقوق الاعتراف لأهل الفضل والجميل بحقهم ومكافأتهم على ما قدموا لي من مساعدة وجهد في إنجاز هذا العمل. وعملًا بقوله ﷺ : "من صنع إليه معروف فقال لفاعله: جزاك الله خيرًا، فقد أبلغ في الثناء" (١). ولقوله ﷺ : "من لم يشكر الناس لم يشكر الله" (٢).

стр. 6

والآن وقد انتهيت من إعداد هذه الرسالة لا يسعني إلَّا أن أتقدم بجزيل الشكر وعظيم التقدير لأستاذي الفاضل الدكتور محمود أحمد ميرة حفظه الله الذي لم يأل جهدًا في توجيهي ومساعدتي بالإشراف عليّ وأتاح لي الفرصة وأعطاني من وقته الثمين ما يفيدني وفتح لي بابه للإِشراف، ومكتبته للاستفادة من مخطوطاتها ومطبوعاتها ولم يقتصر على الوقت المحدد للإِشراف فحسب، فجزاه الله خيرًا وأثابه على ما قدم، وأنني لأعتز بملازمتي له طيلة السنوات الدراسية التي قضيتها في هذه الجامعة العامرة حتي إعداد رسالتي "الماجستير" و"الدكتوراه" وأسأل الله له الصحة والعافية وأن يبارك لي في وقته وينفع به أبناء المسلمين. ثم إنني أتقدم أيضًا بالشكر إلى هذه المؤسسة العلمية والصرح العظيم العملاق والذي ظهر أثره في العالم اليوم ألا وهي الجامعة الإِسلامية أدامها الله قاعدة للإِسلام وأبنائه، ينهلون منها العلم النافع والعقيدة السليمة، ثم يعودون دعاة هداة مهديين ينهجون طريق سلف هذه الأمة في نشر العلم والدعوة منطلقين من هذه الأرض المقدسة التي نشأت فيها المدرسة الأولى على يد قائد هذه الدعوة ﵊. كما أشكر جميع القائمين عليها من العاملين بها من مدرّسين وإداريين وموظفين وعلى رأسهم صاحب المعالي رئيس الجامعة الدكتور عبد الله بن صالح العبيد، ثم صاحب الفضيلة رئيس قسم الدراسات العليا الشيخ عبد الله بن محمد الغنيمان، وإلي كافة المدرسين بقسم الدراسات العليا من مشايخي الكرام الذين استفدت منهم فجزاهم الله خيرًا. كما أشكر جميع العاملين بالمكتبات الذين يسروا لي الاطّلاع على المراجع والمصادر. وأشكر كافة زملائي الطلبة الذين ساعدوني أيضًا في تجميع وترتيب هذه الرسالة. وجزى الله الجميع خيرًا، ونسأله التوفيق والهدى وهو حسبنا ونعم الوكيل. د. حسن محمد مقبولي الأهدل

стр. 7

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي ختم الأديان السماوية بدين الإِسلام الحنيف، وجعله عاماً وشاملًا لجميع القضايا والأحكام، مستوعبًا شؤون الحياة في كل زمان ومكان، فما أحلاه من دين قويم محكم، وما أجوده من تشريع ونظام مبرم عرفته البشرية على مر العصور والأزمان. وأشهد أن لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ (١) سبحانه ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ (٢) ﴿لا يسئل عما يفعل, وهم يسئلون﴾ (٣). وأشهد أن سيدنا محمدًا عبد الله ورسوله ﷺ ، أرسله ربه خاتمًا للأنبياء والمرسلين، ومبعوثًا إلى كافة الناس أجمعين هاديًا إلى الحق وطريق مستقيم، مبلغًا بشريعة سمحة ومحجة بيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلَّا هالك، وعلى آله وصحبه أجمعين والتابعين لهم من أئمة الهدى والدين الذين شغفوا بحب هذا الدين والنور الذي سطع عليهم، ففتحت له صدورهم، وسهرت عليه أعينهم، فكانوا له حراسًا أمناء، وحماة أوفياء، حفظوا كتاب ربنا وسنّة نبينا، من تحريف المفترين وشبه الزائفين، ومكايد الظالمين، فرضي الله عنهم أجمعين. وبعد: فإن موضوع النسخ من الموضوعات الدقيقة والخطيرة التي شغلت أفكار كثير من العلماء قديمًا وحديثًا, لأنه من الموضوعات التي كثر الجدال والنزاع فيها، فتجرأت فرق من اليهود والنصارى والروافض على إنكار وقوعه، وتأوله بعض أفراد هذه الأمة -كما سيأتي في محله مبينًا إن شاء الله - في ص: ٨٤ - ٨٦. وبما أن هذا الكتاب الذي أحققه وأقدمه، هو في نفس الموضوع فقد كان لزامًا عليّ أن أضع له مقدمة، وقد اخترت ترتيبها على النحو الآتي:

стр. 8

أولًا: الباب الأول: ترجمة المؤلف - وفيه أربعة فصول: الفصل الأول: دراسة وتحليل لموارد ومصادر ترجمة المؤلف. الفصل الثاني: عصره. الفصل الثالث: سيرته. الفصل الرابع: آثاره ومؤلفاته. ثانيًا: الباب الثاني: دراسة موضوع النسخ وخاصة ناسخ الحديث ومنسوخه، وفيه أربعة فصول: الفصل الأول: الحث على تعلم الناسخ والمنسوخ وما ورد فيه عن السلف. الفصل الثاني: تعريف النسخ اللغوي والشرعي عند الأصوليين، وحكم التشريع فيه والرد على من أنكره. الفصل الثالث: المؤلفون في ناسخ الحديث ومنسوخه. الفصل الرابع: مقارنة بين الكتب الموجودة من كتب ناسخ الحديث ومنسوخه. ثالثًا: الباب الثالث: دراسة الكتاب - وفيه ثلاثة فصول: الفصل الأول: دراسة منهج المؤلف وأسلوبه في هذا الكتاب. الفصل الثاني: توثيق نسبة الكتاب، ووصف النسخة الموجودة منه. الفصل الثالث: عملي في التحقيق في هذا الكتاب. رابعًا: الخاتمة: وهي في نتائج البحث التي استفدتها من خلال دراسة موضوع النسخ، وخاصة ناسخ الحديث ومنسوخه. خامسًا: وضعت فهارس متعددة في آخر الكتاب لتيسير البحث للقراء على محتويات مواضيع ومسائل الكتاب.

стр. 9

البَابُ الأوّل ترجَمَة المؤلف وفيهِ أربعَة فصُول: دِراَسَة وَتحليل لمواَرِد وَمصَادر ترجَمَة المؤلف عَصْره سِيرَته آثَاره وَمؤلّفَاَته

стр. 10

الفصل الأول دِراَسَة وَتحليل لمواَرِد وَمصَادر ترجَمَة المؤلف لقد ترجم لعالمنا برهان الدين الجعبري كثير من معاصريه وتلامذته، وتناوله جماعة من المؤرخين ممن اعتنوا بوفيات العلماء الأعيان، وتلاهم جملة من المتأخرين الذين جمعوا تراجم المصنفين والأعلام. وقد دوّنت ترجمته في مجموعة ضخمة من كتب الطبقات, ودواوين التاريخ والفهارس وغيرها، وامتد تاريخ تلك التراجم منذ بداية الثلث الثاني من القرن الثامن الهجري حتى هذا العصر. وقد تناولت هذه المراجع ترجمة الجعبري تناولًا متفاوتًا من حيث الاختصار والتفصيل، فبعضها أدق وأوضح من بعض في تدوين تلك المعلومات الواردة عن حياته. ويتمثل هذا النوع في تراجم تلامذته الذين شاهدوه وسمعوا منه، ثم كذلك أقرانه ومعاصروه الذين عاشوا في زمنه، وتم لبعضهم الاجتماع به. ثم يليهم بعد ذلك من حيث دقة المعلومات تلامذتهم الذين استمدوا غالب معلوماتهم في ترجمة الجعبري عنهم، وهكذا تناقل المتأخرون ترجمته حتى أصبح معظمها تكرارًا لما ذكره المتقدمون، ولكن ربما انفرد بعض هؤلاء المتأخرين بذكر فائدة عثر عليها أو استنبطها من مصدر متقدم لم نعثر عليه. والآن ابتدئ بذكر قائمة تلك المصادر والمراجع التي ترجمت له مرتبة على حسب تاريخ وفيات أصحابها، مشيرًا إلى مواضع الترجمة فيها مع تحليل بسيط لمواردها: ١ - ترجم للجعبري تلميذه ومعاصره الحافظ مؤرخ الشام، علم الدين القاسم (١) بن محمد

стр. 11

البرزالي الإِشبيلي الدمشقي المتوفى سنة ٧٣٩ هـ في كتابه (تاريخ دمشق المسمى بالمقتفى). وترجمته في حوادث سنة ٧٣٢ هـ ق ٥٠٤/ ب (١). وخرج أيضًا (مشيخة) (٢) للجعبري مستقلة، وللأسف بعد البحث لم أعثر عليها. وتعتبر هذه الترجمة مصدرًا لكل من جاء من المتأخرين بعد البرزالي وتناول حياة الجعبري، فقد أفاد منها ابن كثير وابن حجر وغيرهما. وتشمل هذه الترجمة: اسم الجعبري، ونسبه ونسبته، ولقبه، وكنيته، ومولده، ورحلاته، وبعض شيوخه وتلامذته، وتحديد تخصصه في فن القراءات، وعلوم القرآن، ومشاركته في باقي العلوم والفنون، ومقدمه دمشق، وتوليه مشيخة بلدة (الخليل) وإقامته بها، ثم وفاته فيها. ٢ - وترجم للجعبري أيضًا تلميذه الحافظ الكبير المؤرخ الناقد شمس الدين أبو عبد الله محمد (٣) بن أحمد بن عثمان بن قايماز الذهبي التركماني الدمشقي الشافعي المتوفى سنة ٧٤٨ هـ، في كثير من كتبه، فترجم له في "معجمه المختص بمحدثي العصر" (٤) ق

стр. 12

٢٠/ ب، وفي "معجم شيوخه" (١) في ٣٣/ ٩، وفي "معرفة القرّاء الكبار" ٢/ ٥٩١ وفي "مختصر دول الإِسلام" ٢/ ٢٣٦، وفي "ذيل العبر" ص ١٧٤، ١٧٥. وقد شملت هذه التراجم اسم الجعبري ونسبه ومكانته العلمية وتخصصه في فن القراءات وعلوم القرآن وسماعه وتلاوته القراءات بالسبع وبالعشر على كثير من الشيوخ، وذكر مولده ووفاته ومؤلفاته، وأثنى عليه وعلى مؤلفاته بالتحرير والإِتقان في الفقه والأصول والتفسير والحديت والتاريخ واللغة وغيرها. وتعتبر ترجمته هذه مصدرًا للمتأخرين من بعده، فقد أفاد منها الصفدي وابن حجر وابن قاضي شهبة وابن تغري بردي والسيوطي وغيرهم. ٣ - وترجم للجعبري تلميذه العلّامة الأديب المحدث المؤرخ شمس الدين محمد (٢) بن جابر الوادي آشي القيسي التونسي المالكي المتوفى سنة ٧٤٩ هـ في "برنامجه" في مواضع في ص ٥١, ٥٢, ١٨٦, ١٩٩, ٢٩٥, فقد ذكر اسمه ونسبته وكنيته وألقابه، وبعض شيوخه الذين أخذ عنهم في (بغداد) وأثنى على الجعبري ووصفه بالعلم والمشاركة في كافة الفنون، ومدح مجلس إقرائه الفقه والحديث والتفسير وغيرها في بلد (الخليل)، وذكره بشيخ (الخليل) وقاضيها. ولابن جابر إجازة من الجعبري بجميع مؤلفاته. ٤ - وأرخ وفاة الجعبري وترجم له ترجمة مختصرة العلّامة الأديب والفقيه المؤرخ أبو حفص عمر (٣) بن مظفر المعروف بابن الوردي الشافعي المتوفى سنة ٧٤٩ هـ في كتابه "تتمة المختصر في أخبار البشر" ٢/ ٤٢٦ في وفيات سنة ٧٣٢ هـ وأثنى على الجعبري ووصفه بشيخ القرّاء. ٥ - وترجم للجعبري العلّامة الأديب المؤرخ صلاح الدين (٤) خليل بن أيبك الصفدي

стр. 13

الشافعي المتوفى سنة ٧٦٤ هـ في كتابه "الوافي بالوفيات" ٦/ ٧٤ - ٧٦، وفي كتابه الآخر "أعوان النصر في أعيان المحصر" (١) ق ٢٧/، وأثنى على الجعبري بسعة العلم والاطلاع وقوة الذكاء والحفظ والقدرة التامة على الاختصار، وذكر مباحثاته ومناظراته، وقدومه إلى (دمشق) بالفضائل والخيرات، وإقامته بها مدة، ثم توليه مشيخة بلد (الخليل) وإقامته فيها أكثر من أربعين عامًا، وأورد مقطوعة من شعره، وذكره عنه نكتة، وبين أوصافه الخلقية وأخلاقه، وحدد مولده ووفاته، وذكر بعض مؤلفاته، وقال: رأيته غير مرة في بلد (الخليل) ونقل أشياء من ترجمة الذهبي المتقدمة للجعبري. ٦ - وترجم للجعبري العلّامة المؤرخ صلاح الدين أبو عبد الله (٢) محمد بن شاكر الكتبي الدمشقي المتوفى سنة ٧٦٤ هـ في كتابه "فوات الوفيات" ١/ ٣٩ - ٤٠، وترجمته لا تزيد على ترجمة زميله الصفدي، فهما متقاربتان. ٧ - وترجم له العلّامة المؤرخ أبو محمد (٣) عبد الله بن أسعد بن علي اليافعي اليمني المكي المتوفى سنة ٧٦٨ هـ في كتابه (مرآة الجنان) ٤/ ٢٨٤ - ٢٨٦، ووصف الجعبري بالأخلاق والفضائل الحميدة، وذكر تخصصه وساق نماذج من شعره في تحديد مولده ومؤلفاته، وأثنى عليه ثناءً جميلًا. ٨ - وترجم له العلاّمة الأصولي الأديب المؤرخ قاضي قضاة (دمشق) تاج الدين عبد (٤)

стр. 14

الوهاب بن علي بن عبد الكافي بن تمام السبكي الشافعي المتوفى سنة ٧٧١ هـ في كتابه (طبقات الشافعية الكبرى) ٩/ ٢٩٨ - ٢٩٩. وقد أثنى على الجعبري بالتفنن في القراءات، وفي الفقه، ووصفه بمعرفة الحديث وعلومه ورجاله، وذكر تكملته لشرح كتاب (التعجيز) وسماعه من ابن البخاري، وذكر تاج الدين السبكي بأن والده تقي الدين السبكي المتوفى سنة ٧٥٦ هـ أخذ عن الجعبري واستجاز لأولاده ومنهم المذكور صاحب الطبقات له إجازة من الجعبري. ٩ - وترجم له العلّامة الفقيه الأصولي جمال الدين (١) عبد الرحيم بن الحسن الإسنوي الشافعي المتوفى سنة ٧٧٢ هـ في كتابه (طبقات الشافعية) ١/ ٣٥٨، وأثنى على الجعبري بالذكاء والحفظ والفقه بمعرفة القراءات، وذكر مولده ووفاته وتكملته لشرح كتاب (التعجيز) من كتاب الجنايات. ١٠ - وترجم له تلميذه الحافظ المؤرخ تقي الدين أبي المعالي (٢) محمد بن رافع السّلّامي الشافعي المتوفى سنة ٧٧٤ هـ في كتابه (تاريخ علماء بغداد) (٣)، وقد رجعت إلى (المنتخب المختار منه) (٤) لتقي الدين محمد (٥) بن أحمد بن علي أبو الطيب الفاسي المكي المتوفى سنة ٨٣٢ هـ وفي ص ١٢ منه ترجمة الجعبري، وقد أثنى ابن رافع على الجعبري ووصفه بسعة العلم والاطّلاع وذكر أوصافه الخَلقية والخُلقية فقال: كان ساكنًا وقورًا بشوشًا منور الشيبة، سلفي العقيدة، ثم ذكر شيوخه الذين تلا عليهم القراءات، وذكر رحلاته ومولده ووفاته وإقامته في بلد (الخليل).

стр. 15

١١ - وترجم له الحافظ المفسر المؤرخ عماد الدين (١) إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي القرشي الشافعي المتوفى سنة ٧٧٤ هـ في كتابه (البداية والنهاية) ١٤/ ١٦٠ في وفيات سنة ٧٣٢ هـ، وامتدح الجعبري بالفضائل وقال: كان من كبار المشايخ المشهورين بالديانة والصلاح والعفة، وذكر مولده وإقامته بالخليل ووفاته بها وموضع قبره فيها، وذكر أنه عمّر اثنتان وتسعون سنة. ١٢ - وترجم له خاتمة الحفاظ المقرئين شمس الدين محمد (٢) بن محمد بن محمد بن محمد بن علي بن يوسف الجزري الشافعي المتوفى سنة ٨٣٣ هـ في كتابه (غاية النهاية في طبقات القراء) ١/ ٢١، وانفرد بتحديد شيوخ الجعبري الذين سمع منهم وتلا عليهم القراءات بالسبع وبالعشر أو أجازوا له، ثم ذكر الآخذين عنه القراءات سماعًا وتلاوة أو إجازة، ووصفه بالأستاذ المحقق الثقة الحاذق المقرئ الكبير السلفي، وانفرد فذكر في مولد الجعبري ووفاته قولًا غير ما اتفق عليه المترجمون للجعبري أشرت إليه في محله من هذه الترجمة. ١٣ - وأرخ وفاته وترجم له ترجمة مختصرة تقي الدين الحافظ المؤرخ أحمد (٣) بن علي المقريزي الشافعي المتوفى سنة ٨٤٥ هـ في كتابه (السلوك لمعرفة دول الملوك) في حوادث سنة ٧٣٢ هـ القسم الثاني من المجلد ٢/ ٣٥٤ ووصفه بشيخ القرّاء. ١٤ - ترجم له العلّامة المؤرخ الحافظ أبو بكر (٤) بن أحمد بن محمد بن عمر الأسدي

стр. 16

المعروف بابن قاضي شهبة الشافعي المتوفى سنة ٨٥١ هـ في كتابه (طبقات الشافعية) ٢/ ٣١٨، وترجمته مستمدة من ترجمة الذهبي وابن كثير للجعبري. ١٥ - وترجم له العلّامة الحافظ الناقد الكبير شهاب الدين أبو الفضل شيخ الإِسلام أحمد (١) بن علي بن حجر العسقلاني المتوفى سنة ٨٥٢ هـ في كتابه (الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة) ١/ ٥٠ - ٥١، وقد جمع معظم تراجم المتقدمين ورتبها ولخصها وأضاف إليها ما ظهر له أو استنبظه من مصادر أخرى، فذكر اسم الجعبري ونسبه ونسبته ومولده ورحلته إلى (بغداد) وبداية طلبه في منطقته الأولى قلعة جعبر وسماعه من المشايخ، وذكر بعض الكتب التي قرأها وسمعها، وذكر إجازته من يوسف بن خليل حافظ الشام، وإقامته في (بغداد) ثم رحلته إلى (دمشق) ثم الخليل، واستيطانه بها، ووفاته، ثم وصفه بشيخ القرّاء وذكر أوصافه الخلقية والخلقية. ١٦ - وترجم له أبو المحاسن الحافظ المؤرخ جمال الدين (٢) يوسف بن تغري بردي الحنفي المتوفى سنة ٨٧٤ هـ في كتابه (النجوم الزاهرة) ٩/ ١٩٦ في وفيات سنة ٧٣٢ هـ، وفي كتابه (المنهل الصافي) ١/ ١١٢ - ١١٥ وفي (الدليل الشافي على المنهل الصافي) ١/ ٢٤، وترجمته في المنهل أوسع وهي جامعة كلام الذهبي والصفدي. ١٧ - وترجم له العلّامة المؤرخ يحيى بن (٣) أبي بكر العامري الحرضي المتوفى سنة ٨٩٣ هـ في كتابه (غربال الزمان) (٤) في حوادث سنة ٧٣٢ هـ. ص ٥٩٨ - ٥٩٩.

стр. 17

١٨ - وترجم له الحافظ الناقد المؤرخ شمس الدين محمد (١) بن عبد الرحمن السخاوي الشافعي المصري ثم المدني المتوفى سنة ٩٠٢ هـ في كتابه (وجيز الكلام في ذيل دول الإِسلام ٢/ ١٨٦ (٢). ٢٠ - وترجم له العلّامة الحافظ جلال الدين عبد (٣) الرحمن بن أبي بكر السيوطي الشافعي المتوفى سنة ٩١١ هـ في كتابه (بغية الوعاة في تراجم اللغويين والنحاة) ١/ ٤٢٠، وأثنى على الجعبري وعلى مؤلفاته وعدّه في النحاة والقرّاء والفقهاء والمحدثين، وذكر بعض مؤلفاته، وترجمته مستمدة من كتب الذهبي. ٢١ - وترجم له العلّامة المؤرخ أبو اليمن (٤) مجير الدين عبد الرحمن بن محمد العليمي الحنبلي المتوفى سنة ٩٢٨ هـ في كتابه (الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل) ٨/ ١٥٤، ووصفه بشيخ القرّاء وشيخ الخليل وذكر مولده وشيوخه وإقامته في بلد الخليل بضعًا وأربعين عامًا، وامتدحه بالعلم وتولّي مشيخة الخليل، ثم ترجم لأولاده وأحفاده من بعده. ٢٢ - وترجم له العلّامة أحمد (٥) بن مصطفى بن خليل أبو الخير عصام الدين طاشكبرى زاده

стр. 18

المتوفى سنة ٩٦٨ هـ في كتابه (مفتاح السعادة) ١/ ٣٢، ٢/ ٥٤. ٤٨٥، فأورد بعض مؤلفاته ونماذج من شعره. ٢٣ - وترجم له العلّامة المؤرخ أبو العباس (١) أحمد بن المكناسي الشهير بابن القاضي المالكي المتوفى سنة ١٠٢٥ هـ في كتابه (درة الحجال في أسماء الرجال) (٢) ١/ ١٨٥ وترجمته للجعبري منقولة عن ابن جابر الوادي آشي المتقدم. ٢٤ - وترجم له العلّامة مصطفى (٣) بن عبد الله كاتب حلبي الشهير بالحاج خليفة المتوفى سنة ١٠٦٧ هـ في كتابه (كشف الظنون في أسامي الكتب والفنون) في عدة مواضع منه في ٢/ ١٩٠، وبقية المواضع سيأتي ذكرها في فصل مؤلفات الجعبري - إن شاء الله تعالى-. ٢٥ - وترجم له العلّامة المؤرخ الفقيه الأديب أبي الفلاح عبد الحي (٤) بن العماد الحنبلي المتوفى سنة ١٠٨٩ هـ في كتابه (شذرات الذهب في أخبار من ذهب) ٦/ ٩٨، في وفيات سنة ٧٣٢ هـ، وترجمته مستمدة من ترجمة الذهبي وابن كثير والصفدي وابن حجر والسيوطي وغيرهم. ٢٦ - وترجم للجعبري العلّامة الأديب المؤرخ إسماعيل (٥) باشا بن محمد أمين المتوفى سنة ١٣٣٩ هـ في كتابه (إيضاح المكنون ذيل كشف الظنون) ٣/ ٧٥٢ وفي كتابه (هدية العارفين) ١١/ ١٤ - ١٥ فذكر بعض مؤلفاته.

стр. 19

٢٧ - وترجم له يوسف بن (١) اليان بن موسى سركيس المتوفى سنة ١٣٥١ هـ في كتابه (معجم المطبوعات) وذكر كتابين من مؤلفات الجعبري المطبوعة في (مصر) وسيأتي ذكرها في فصل مؤلفات المصنف إن شاء الله. ٢٨ - وترجم له العلّامة محمود (٢) بن حسن خان التونكي المولوي المتوفى سنة ١٣٦٦ هـ في كتابه (معجم المصنفين) ٣/ ١٢٧ - ١٣٢ وترجمته جامعة لما ورد في طبقات الشافعية للسبكي، وفي مرآة الجنان لليافعي، وما في فوات الوفيات لابن شاكر، وما في الأنس الجليل، وما في بغية الوعاة للسيوطي، وما في كشف الظنون، وقد ذكر كثيرًا من مؤلفات المصنف. ٢٩ - وترجم له المؤرخ الأديب العلّامة عباس بن (٣) محمد بن تامر بن محمد بن جابر اليايزيد الغزاوي المتوفى سنة ١٣٩١ هـ في كتابه (تاريخ العراق بين احتلالين). وفي تاريخ الأدب العربي ١/ ٣٩ - ٤٠. ٣٠ - وترجم له العلّامة الأديب المؤرخ خير الدين (٤) الزركلي المتوفى سنة ١٣٩٦ هـ في كتابه (الأعلام) ١/ ٥٦، وذكر بعض مصادر الترجمة ثم بعض أماكن المخطوطات الموجودة من كتب الجعبري. ٣١ - وترجم له كل من: بروكلمان في كتابه (تاريخ الأدب العربي) (٥) ٢/ ١٣٤ وفؤاد سزكين في كتاب (تاريخ التراث العربي) وذكرا بعض مؤلفات المصنف المخطوطة الموجودة في المكتبات العالمية. ٣٢ - وترجم له العلّامة عمر رضا كحالة في كتابه (معجم المؤلفين) ١/ ٦٩ - ٧٠، وذكر بعض مصادر ترجمة الجعبري وبعض مؤلفاته. ٣٣ - وقد تُرجم للجعبري في كثير من فهارس المكتبات العالمية منها في (فهرس مخطوطات المكتبة الظاهرية) ليوسف العش تاريخ ص ٢٨ وفي (فهرس مكتبة الأوقاف العامة

стр. 20

ببغداد) ١/ ١٤ - ١٦، وفي (فهرس مكتبة الأزهر) ١/ ٨١، وفي (فهرس المكتبة التيمورية) ٣/ ٦١، وفي (فهرس مكتبة الأسكوريال) وفي (فهرس مكتبة برلين) بألمانيا، وفي (فهرس المكتبة الوطنية بباريس) وفي (فهرس ولي الدين بتركيا)، وفي (الفهرس التمهيدي لمعهد جامعة الدول العربية)، وفي (فهرس مكتبة خدا بخش بتنه بالهند) وفي غيرها من فهارس المكتبات العامة في العالم. ٣٤ - وأخيرًا كتب الدكتور عبد الهادي الفضلي ترجمة مختصرة عن الجعبري في مقدمته (لشرح الواضحة في تجويد الفاتحة) ص ١١ - ١٦، وهذا الشرح هو لابن أم قاسم المرادي النحوي المتوفى سنة ٧٤٩ هـ، شرح به الواضحة للجعبري، وهي قصيدة تقع في اثنين وعشرين بيتًا تتضمن تجويد الفاتحة. وبعد أن اطّلعت على معظم هذه التراجم واستفدت منها، إلى جانب الاستفادة من كتب المصنف الموجودة والتي سيأتي ذكرها في فصل مؤلفاته -إن شاء الله- وهي من أهم المراجع في تدوين هذه المعلومات عن حياة المصنف، وقد تيسر لي الاطّلاع على بعضها، ومنها: ١ - رسالة تسمى (الهبات الهنيات في المصنفات الجعبريات) ذكر فيها المصنف مؤلفاته في جميع الفنون والعلوم المختلفة التي ألّفها حتى عام ٧٢٥ هـ. ٢ - رسالة أخرى تسمى (عوالي مشيخة برهان الدين الجعبري) وقد سجّل فيها المصنف أسماء شيوخه العوالي سندًا ممن أخذ عنهم العلم سماعًا وقراءة أو إجازة وعددهم واحد وعشرون شيخًا. ٣ - ومن مؤلفاته أيضًا التي استفدت منها في عقيدته كتابه (الجميلة شرح العقيلة). وقد عشت مع جملة أخرى من مصنفاته وأهمها هذا الكتاب الذي أقوم بدراسته وتحقيقه، وسيأتي ذكر مصنفاته في فصل آثاره من هذا البحث إن شاء الله. وفي رأيي أن دراسة المؤلفات تتم الصورة الحقيقية للمؤلف، وتبرز جوانب الإِبداع لديه، وتظهر شخصيته العلمية. وبعد هذا فقد رأيت أنه من حقّ المصنّف عليّ أن أوفيه حقه فأكتب عنه ترجمة موسعة تكون هي أجمع ما كتب عنه, لأنني لم أعثر على ترجمة كاملة صدرت عن أحد من المُحْدثين المعاصرين من أهل التخصص.

стр. 21

وأود أن أكون قد وفيت في هذا البحث بحق المصنف، وتكون هذه هي الترجمة الواسعة والشاملة المستوعبة لجوانب حياته العلمية والثقافية والتربوية والاجتماعية التي شملت عصره، وسيرته، ومؤلفاته، في أسلوب مناسب.

стр. 22

الفصل الثاني عصره عاش برهان الدين الجعبري حياته في آخر النصف الأول من القرن السابع الهجري إلى آخر الثلث الأول من القرن الثامن ما بين ٦٤٠ - ٧٣٢ هـ فأدرك آخر عهد الدولة العباسية بالعراق، وشاهد معظم الحروب والأحداث التي حلت في بلاد الإِسلام على أيدي التتار والمغول والصليبيين. وما حلّ بالمسلمين من تلك النكبات والأحداث، هو نتيجة لأسباب متقدمة بدأت جذورها تنمو مع ابتداء ضعف الدولة العباسية الكامن في ضعف خلفائها المتأخرين الذين تقلص نفوذ سلطان الدولة في عهدهم عن كثير من البلاد الإِسلامية شيئًا فشيئًا، حتى لم يبق لهؤلاء الحكام سوى الحكم الاسمي في بعض المناطق والسيطرة على بعض نواحي العراق وعاصمة الخلافة (بغداد) فقط حتى آلت النتيجة بعد ذلك إلى سقوط عاصمة الخلافة في أيدي التتار في عام ٦٥٦ هـ، وبهذا انتهى سلطان الدولة العباسية. ومما ساعد أيضًا على ذلك خيانة وزير الدولة محمد (١) بن أحمد بن محمد بن علي المعروف بابن العلقمي المتوفى سنة ٦٥٦ هـ، وهو رجل شيعي رافضي حاقد، فهو الذي رغب التتار في دخول (بغداد) انتقامًا من أهل السنّة وتعصبًا لنحلته الخبيثة (٢). وبعد ذلك كله، سقطت عاصمة الخلافة وقلعة الإِسلام (بغداد) في أيدي التتار وعاثوا فيها فسادًا، فقتلوا النساء والأطفال والشيوخ والعلماء والأعيان، وأحرقوا التراث الإِسلامي، وطمسوا معالم بغداد الحضارية، ولم يسلم من بطشهم إلَّا من داراهم أو أعانهم على هذه الفعلة الشنيعة القبيحة من الشيعة (٣).

стр. 23

وقد شاهد برهان الدين الجعبري هذه الأحداث المؤلمة عن كثب وهو في بلده (قلعة جعبر) (١) وهو في الثالثة عشرة من عمره. ومن جانب آخر فقد أدرك آخر عهد الدولة الأيوبية في الشام، وعاش معظم حياته في ظل دولة المماليك التي قامت على أنقاض دولة بني أيوب سنة ٦٤٨ هـ وهؤلاء المماليك هم من الشراكسة الأتراك الذين دام ملكهم على بلاد الشام ومصر أكثر من ثلاثة قرون، وقد كان يمتد سلطانهم إلى جنوب شبه الجزيرة العربية في بعض الأحيان. ولهم دور هام كبير في صد حملات التتار ومنعهم من دخول مصر ومطاردتهم عن بلاد الشام، ودارت عدة معارك وحملات خلدها التاريخ لهؤلاء المماليك بقيادة كثير من زعماءهم ضد التتار والصليبيين الغاصبين. وقد كانت أول معركة وقعت في (عين جالوت بفلسطين) (٢) في شهر رمضان عام ٦٥٨ هـ بقيادة الملك المظفر قطز (٣) بن عبد الله، المتوفى سنة ٦٥٨ هـ وقد حقق الله على يديه النصر المؤزر للمسلمين على التتار فصدهم وقهر جيوشهم (٤). ثم تتابعت حملات التتار بعد ذلك على بلاد الشام، وكان قائد جيوش المسلمين في هذه المعارك هو السلطان الظاهر بيبرس (٥)، المتوفى سنة ٦٧٦ هـ الذي قهر التتار في سنة

стр. 24

٦٧٠ هـ (١)، وفي سنة ٦٧٥ هـ (٢)، وطارد الصليبيين أيضًا من جانب آخر في عام ٦٦٤ هـ (٣) حينما احتلوا (حلب)، وكانوا قد أنشأوا مدنًا على شاطئ البحر الأبيض المتوسط، ثم قاد المعارك ضدهم أيضًا في عام ٦٦٦ هـ (٤)، وفي عام ٦٧٥ هـ (٥)، وجاء بعده السلطان المنصور قلاوون (٦)، المتوفى سنة ٦٨٩ هـ فتابع الحملات على الفرنجة والتتار في عام ٦٨٨ هـ (٧)، وجاء بعده السلطان أشرف خليل (٨) قلاوون المتوفى سنة ٦٩٣ هـ وهو الذي طارد الصليبيين عن بلاد الشام ومصر وفتح مدينة عكا (٩) عام ٦٩٠ هـ (١٠)، وأجلى منها جيوش الفرنجة الصليبيين وقهرهم. وبهذه الحملات والانتصارات التي حققها المماليك ضد أعداء الإِسلام من التتار والصليبيين في هذه المواطن وغيرها، استطاعوا أن يبددوا شمل الأعداء ويشتتوهم ويقهروا جيوشهم ويطاردوهم حتى لم يبق لهم أثر في بلاد الشام ومصر. ثم استطاعوا أيضًا بأن يغرسوا المودة، ويوصدوا الحب لأنفسهم في نفوس عامة المواطنين والعلماء والأعيان في بلاد الشام ومصر.

стр. 25

فعند عودة التتار مرة أخرى إلى بلاد الشام عام ٦٩٩ هـ، وعام ٧٠٠ هـ (١) انضم العلماء والأعيان وكثير من المواطنين إلى جيش أهل الشام ومصر إلى جانب الملك الناصر (٢) محمد بن قلاوون بن عبد الله المتوفى سنة ٧٤١ هـ وذلك عند توليه الملك وهو صغير السن، فوقف معه أهل الشام لمواجهة التتار، وخرج جمع كثير من العلماء وعلى رأسهم شيخ الإِسلام أحمد (٣) بن عبد الحليم بن عبد السلام المعروف بابن تيمية المتوفى سنة ٧٢٨ هـ، وخاض بنفسه المعركة مع الجيوش، وحثّ الناس على الجهاد والإِنفاق في سبيل الله والخروج للقتال، وكانت له مشاركة فعّالة ودور كبير في حثّ السلطان وتشجيعه على الخروج والمواجهة للأعداء وحماية البلاد، وقابل هو بنفسه ملك التتار وأغلظ له في القول (٤). وبعد هذه الفتوحات التي تحققت على أيدي المماليك وجهود العلماء الذين شاركوهم في معظم المعارك، ساد الأمن والاستقرار كافة البلاد وأمن الناس من بطش التتار وعدوانهم، ومن أطماع الصليبيين الحاقدين، بعد أن ساءت الأحوال واضطربت أمور الدولة وسياستها وخاف الناس على أنفسهم وأموالهم، وشاع فيهم الخوف والقلق، وأرهبهم ما جرى في (بغداد) من القتل وسفك الدماء، وعادت الأمور إلى مجراها الطبيعي، واتجه بعد ذلك حكام البلاد إلى إنشاء وتعمير المدارس ودور القرآن والحديث والربط، وإحياء المساجد والجوامع، إلى جانب العناية بالمرافق والخدمات العامة والمباني العمرانية والحضارية وحصل العلماء على تشجيع واسع النطاق، وعكف الكثير منهم على الاشتغال

стр. 26

بالعلم والتأليف واستيعاب الكتب، وحصل الطلبة على كثير من أنواع البر بما يعينهم على طلب العلم، فرصدت الأوقاف الواسعة عليهم، ونشطت الحركة العلمية والتربوية والفكرية، ورحل كثير من العلماء حفّاظ الحديث، ومن الفقهاء والأدباء والشعراء وغيرهم من أصحاب التخصصات المختلفة عن (بغداد) إلى بلاد الشام، فاستوطن معظمهم (دمشق)، وتولى كثير منهم المناصب في الدولة. كالقضاء والإِشراف على الحسبة وعلى أدوار التعليم المختلفة، وكان لهم مقام ورفعة عالية عند المماليك يأخذون بآرائهم، ويشاورونهم في أمور الحرب وغيرها من شؤون الدولة. ومن هؤلاء عالمنا برهان الدين الجعبري الذي تولى مشيخة بلد الخليل والقضاء بها والخطابة (١) فيها بالمسجد الإِبراهيمي. وقد عاش في عصره نخبة من كبار العلماء في هذا العصر من شيوخه وأقرانهم الذين أدركوا دولة بني أيوب، ثم دول المماليك، ومن هؤلاء: العلّامة الفقيه الأصولي الأديب النحوي أبو عمرو جمال الدين (٢) عثمان بن عمر ابن الحاجب المالكي المتوفى سنة ٦٤٦ هـ، وقد أعجب المصنف به وبمؤلفاته، فنحا نحوه في التأليف من حيث الاختصار والإِيجاز، وتأثر به واعتنى بمؤلفاته واختصر بعضها -كما سيأتي الإِشارة إلى ذلك في فصل آثار المؤلف ومؤلفاته - إن شاء الله. وأدرك محدث حلب والشام الحافظ أبا الحجاج يوسف (٣) بن خليل بن عبد الله الآدمي الدمشقي الحنبلي المتوفى سنة ٦٤٨ هـ، وله منه إجازة، فقد حضر مجلسه مع والده، وقيل بأنه سمع منه.

стр. 27

وقد أدرك عمر الحافظ عبد (١) العظيم بن عبد القوي المنذري الدمشقي المصري الشافعي المتوفى سنة ٦٥٦ هـ. وأدرك عصر سلطان العلماء الداعية إلى الله أبي محمد (٢) عبد العزيز بن عبد السلام المعروف بالعز بن عبد السلام الشافعي المتوفى سنة ٦٦٠ هـ وعاصر الحافظ المقرئ المُؤرخ أبي شامة، شهاب الدين أبي محمد (٣) عبد الرحمن بن إسماعيل المتوفى سنة ٦٦٥ هـ، وعاصر القاضي شمس الدين أبي العباس أحمد بن (٤) محمد بن إبراهيم بن خلكان الحجة المؤرخ الأديب المتوفى سنة ٦٨١ هـ، وغير هؤلاء ممن عاشوا في طبقة شيوخه، ولكنه أدرك عصرهم وعاش في زمنهم وإن لم يجتمع ببعضهم فهو قد عاصرهم. وكان من أقرانه في هذا العصر الشيخ العلّامة الحافظ الفقيه محيي الدين أبو زكريا يحيى (٥) بن شرف النووي الشافعي المتوفى سنة ٦٧٦ هـ، والإِمام المجتهد الحافظ الفقيه

стр. 28

الأصولي أبو الفتح تقي الدين محمَّد (١) بن علي بن وهب القشيري المعروف بابن دقيق العيد الشافعي المتوفى سنة ٧٠٢ هـ، والعلّامة الأديب كمال الدين محمَّد (٢) بن علي الزملكاني الشافعي المتوفى سنة ٧٢٧ هـ، والعلّامة شيخ الإِسلام وحيد دهره وفريد عصره، تقي الدين أحمد (٣) بن عبد الحليم بن عبد السلام المعروف بابن تيمية الحنبلي المتوفى سنة ٧٢٨ هـ. والحافظ أبو الفتح محمَّد بن (٤) محمَّد المعروف بابن سيد الناس الشافعي المتوفى سنة ٧٣٤ هـ والحافظ المؤرخ الحجة أبو الحجاح جمال الدين (٥) يوسف المزّي الشافعي الدمشقي المتوفى سنة ٧٤٢ هـ، والعلّامة شيخ النحاة في عصره، المؤرخ الأديب المفسر الحافظ أثير الدين أبو حيان محمَّد (٦) بن يوسف بن علي الأندلسي المتوفى سنة ٧٤٥ هـ،

стр. 29

وشمس الدين الحافظ الفقيه محمَّد (١) بن أبي بكر بن قيم الجوزية الحنبلي المتوفى سنة ٧٥١ هـ. ومن تلامذته الذين أدركوا عصره وتأخرت وفياتهم عن وفاته: علم الدين (٢) البرزالي المتوفى سنة ٧٣٩ هـ، وشمس الدين (٣) الذهبي المتوفى سنة ٧٤٨ هـ، وتقي الدين قاضي القضاة بدمشق الفقيه الحافظ الأصولي علي بن (٤) عبد الكافي بن تمام السبكي الشافعي المتوفى سنة ٧٥٦ هـ والحافظ صلاح الدين أبي سعيد (٥) خليل بن كيكلدي العلائي عالم بيت المقدس المتوفى سنة ٧٦١ هـ، والحافظ علاء الدين مغلطاي (٦) بن قليج بن عبد الله الحنفي المتوفى سنة ٧٦٢ هـ، والأديب المؤرخ صلاح الدين (٧) الصفدي المتوفى سنة ٧٦٤ هـ، وتقي الدين أبو المعالي (٨) ابن رافع السلامي المتوفى سنة ٧٧٤ هـ، والحافظ عماد الدين (٩) أبو الفداء إسماعيل بن كثير المتوفى سنة ٧٧٤ هـ وغيرهم. ومعظم هؤلاء تلامذته وكفاه فخرًا بذلك، فقد عاش بين هؤلاء العلماء وعاصرهم في

стр. 30

بلاد الشام والعراق ومصر، وقد امتلأ هذا العصر في آخر القرن السابع وأول الثامن بهؤلاء الأعلام الحفاظ والمؤرخين النقاد والفقهاء الجهابذة، والقرّاء والمتخصصين والمشاركين في أنواع العلوم والفنون. وقد لاحظ الباحثون في هذا العصر أن هذه النخبة من العلماء كانوا خاتمة الحفاظ، فلم يجتمع بعدهم مثلهم في أي عصر، حتى إن الحافظ ابن حجر أفردهم بكتاب الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة وجعله خاصًا بهم. وقد عرفت هذه النخبة بسعة الاطّلاع والأصالة والابتكار في التأليف والإِنتاج والإِبداع، فقد خلفوا تراثًا ضخمًا شاركوا به في تدوين العلم ونشره، فهم لا يقلون عن نظرائهم من المتقدمين، فظهرت في عهدهم أمهات الكتب العلمية والدواوين في مختلف العلوم وأنواع الفنون، فألفت الجوامع وكتب الأطراف وكتب الشروح والتخريجات، وكتب التاريخ, واتسعت دائرة العلوم، وزخرت المكتبات بجميع الكتب، وجدد ما فقد وأتلف من التراث الإِسلامي في بغداد على أيدي التتار. وعرف بعض هؤلاء بالتجديد والاجتهاد، وخرج بعضهم عن حد التقليد المحض إلى الأخذ بالكتاب والسنّة والتمسك بنصوصهما مع احترام مذاهب الأئمة الأعلام، والأخذ بها، والانتساب إليها بما وافق الدليل من أقوال الأئمة في ذلك، وعرفوا مخرج الأحاديث وعلل الأحكام وحاولوا رد الفروع إلى أصولها، وساروا على بينة من الأمر، فجمعوا بين الروايات والآثار, ورجحوا فيما بينها، وكانت لهم مواقف صلبة في بيان الحق وإظهاره والدلالة عليه رغم ما واجهتهم التحديات والصعوبات التي قابلتهم واعترضتهم. وإلى جانب نشاطهم العلمي والثقافي والفكري كان لهم دور كبير في الجهاد والتضحية، فجمعوا بين العلم والجهاد فشاركوا وبذلوا جهدًا في خطين متوازيين، واستطاعوا أن يملكوا زمام الأمرين وسيرتهم خير شاهد على ذلك. فقد ساروا مع الحروب في المعارك، فلم يتأثر نشاطهم الفكري بذلك. ولا ننسى أن نشير أنه انتشر أيضًا في هذا العصر وفي هذه الفترة علماء آخرون، كان جلّ اهتمامهم هو العكوف على كتب المتقدمين دراسة وشرحًا وتلخيصًا وزيادة وتوضيحًا بما وسعه جهدهم. وقد كان عالمنا برهان الدين الجعبري قد أسهم في هذين الخطين المتوازيين، فهو من

стр. 31

البارزين بين تلك الشخصيات الأولى جمع بين الأصالة والابتكار، وحمل راية العلم والمعرفة، فشارك في شتى العلوم والفنون، وتخصص في القراءات وعلوم القرآن، وكانت له القدرة التامة على الشرح والتلخيص والاختصار وتحرير مؤلفات المتقدمين. * * *

стр. 32

الفصل الثالث سِيرَته ١ - اسمه ونسبه ونسبته ومولده: ولد برهان الدين أبو محمَّد أو أبو إسحاق إبراهيم بن عمر بن إبراهيم بن خليل بن أبي العباس الربعي الجعبري السلفي الشافعي في (قلعة جعبر) (١) في حدود سنة أربعين وستمائة للهجرة تقريبًا. وقد قال عن مولده: وخذ مولدي في أربعين مقربًا ... وست مئات أو معين على الرسم (٢) وبهذا البيت الذي يروى عنه في تحديد مولده على وجه التقريب، استطعنا من خلاله أن نحدد مولده، وهو الذي اتفق عليه غالب من ترجم له وأرخ مولده (٣). وقد اتفق معظم من ترجم له على رفع نسبه إلى هذا القدر المذكور ولم أر من زاد عليه أكثر مما ذكرته من سلسلة نسب أجداده الآخرين التابعين في النسب. وقد كني بأبي محمَّد بولده محمَّد (٤) شيخ الخليل بعد والده، وكني بأبي إسحاق جريًا

стр. 33

على عادة الناس فيمن اسمه إبراهيم، كما أنه أيضًا كني بأبي العباس، ودعي بابن السراج وابن مؤذن جعبر (١). أما ألقابه: فقد لقب ببرهان الدين، وهو الغالب عليه، وبه اشتهر واستمر عليه، ولقب في بغداد خاصة بتقي الدين (٢). أما نسبه: فهو ينسب إلى قبيلة ربيعة القبيلة العربية المشهورة، وقد اتفقت المراجع على ذلك، فهو عربي الأصل، ينحدر نسبه الأعلى من عائلة عربية، فجده الأعلى الذي نزل منطقة (دوسر) قديمًا في آخر القرن الخامس الهجري والتي سميت فيما بعد بـ (قلعة جعبر) باسمه هو جعبر بن سابق بن مالك، رجل من بني قشير بن كعب بن ربيعة، نزل هذه المنطقة المذكورة، واستولى عليها ولقب نفسه بالأمير سابق الدين الجعبري -كما تقدم- (٣). وينتسب إلى (قلعة جعبر) جماعة كثيرون من العلماء والفضلاء، ومنهم صاحب الترجمة. ونسب إلى بلد (الخليل) بفلسطين, لأنها موطنه الأخير الذي استقرّ فيه فيما بعد، وعاش فيه بضعًا وأربعين عامًا حتى الوفاة (٤). ونسب إلى طريقة السلف أيضًا لأنه سلفي المعتقد، ونسب إلى مذهب الإمام الشافعي لكونه من فقهاء الشافعية (٥). نشأته: نشأ برهان الدين الجعبري نشأة علمية، وربي تربية سليمة في أسرة عريقة مشهورة بالعلم والصلاح والمعرفة، ونبت منبتًا حسنًا منذ طفولته بين العلماء، فعاش تحت رعاية والده وعنايته. وكان والده عمر بن إبراهيم من أعيان ووجهاء (قلعة جعبر) والبارزين بها، وقد اشتهر بمؤذن جعبر (٦)، وسمع الحديث عن جماعة منهم: أبو الحجاج (*) يوسف بن خليل بن

стр. 34

عبد الله المتوفى سنة ٦٤٨ هـ بحلب قرأ عليه جزء الإِمام ابن عرفة (١)، وأجازه لعالمنا عندما حضر مع والده مجلس هذا العالم، وقد وصفه الجعبري في (عوالي مشيخته) (٢) بأنه محدث مجيد. وقرأ والده أيضًا على كمال الدين أبي عبد الله محمَّد بن الحسن المنجي قاضي جعبر المعروف بابن البواري، الذي كان حيًا في سنة ٦٤٨ هـ وقد شارك عالمنا والده في السماع من هذا الشيخ أيضًا فقال: كنت أحضر مجلسه وأنا ذو عشر (٣). وقد شارك أيضًا في غير هذين من المشايخ الذين كان يحضر مجالسهم مع والده (٤). وقد ذكر المصنف بأن والده سمع من الحافظ مسجد الدين أبي البركات عبد السلام (٥) بن عبد الله بن الخضر المعروف بالمجد ابن تيمية المتوفى سنة ٦٥٢ هـ وقرأ عليه كتابه (المحرر) (٦) و (المنتقى في الأحكام) (٧)، ولعالمنا إجازة بهذه الكتب عن مؤلفها المذكور. وقد كان لبرهان الدين أخ يدعى أبا عبد الله محمد (٨) بن عمر بن إبراهيم الجعبري، ولد في حدود سنة اثنتين وأربعين وستمائة للهجرة، وكان مقيمًا بمشهد جعفر الطيار بالقرب من الكرك (٩)، أكثر من عشرين سنة، وكان بها حيًا في سنة ٧٢٨ هـ، روى عنه علم الدين

стр. 35

البرزالي وذكره في معجمه. وله إجازة أيضًا من يوسف بن خليل، فقد شارك أخاه برهان الدين وأبا المذكورة (١). ويبدو أن والدهما قد عني بهما معًا، واهتم بتوجيههما وتربيتهما وتنشئتهما على العلم وحبه والاشتغال به، فبذل جهدًا في ذلك من خلال ما لمسناه منه من إحضارهما معه مجالس العلماء وأخذ الإِجازات لهما. وقد عاش برهان الدين في (قلعة جعبر) برهة من الزمن بين أسرته يتلقى العلم عن علماء بلده، ويحضر مجالس العلماء الأفذاذ أكثر من عشرين عامًا، ولم نعرف إلى متى ظلت رعاية والده له في هذه المدة. وقد صرح برهان الدين بأنه بدأ بالقراءة والسماع وهو في التاسعة من عمره، أي في عام ٦٤٩ هـ (٢)، فعاش بعدها حياة حافلة بالعلم والمعرفة والنشاط العلمي والتربوي والثقافي المتواصل، وبرز حتى توفرت لديه عوامل التفوق، وظهر نبوغه وذكاؤه، وكان يتمتع بذاكرة قوية وحفظ ونباهة، فقد حفظ القرآن الكريم وهو في هذا السن, واستظهر عددًا من المتون في الفقه والحديث والقراءات وغيرها، فحفظ كتاب (التيسير في القراءات) (٣)، وحفظ (غاية الاختصار في الفقه) (٤) وكتاب (التعجيز في مختصر الوجيز) وعرضه حفظًا على مؤلفه تاج الدين ابن يونس المتوفى سنة ٦٧١ هـ (٥)، ثم قرأه بحثًا عليه مرة أخرى في بغداد وأعجب به

стр. 36

ابن يونس، ويقول برهان الدين: وقربني منه وأجاز لي إجازة مالك للشافعي (١). وأعجب به أيضًا شيخه منتجب الدين التكريتي فقال المصنف: فلما رأى نجابتي حثني على تحصيل الفقه (٢). أما أخبار هذه المنطقة التي عاش بها برهان الدين في أول طلبه العلم ونشأته بها، وهي "قلعة جعبر"، فإن لها تاريخًا حافلًا مجيدًا لما تميزت به من الموقع الجغرافي والسياسي الهامين، وقد كان بها جماعة من العلماء ساهموا في دفع عجلة العلم في هذه الرقعة من البلاد الإِسلامية، ورحل منها جماعة إلى الأمصار والمدن والبلدان الأخرى واشتهر ذكرهم، فمنهم من استوطن (دمشق) ومنهم من استوطن (القاهرة) ومنهم من استوطن (بغداد) ومنهم من نزل بلد (الخليل) و (القدس)، وغيرها, ولها على عالمنا فضل كبير في تكوينه أولًا، فقد جمع فيها زاده العلمي والثقافي، واصطبغ بالصبغة العلمية الصافية ونهل من معينها العلم والمعرفة، وبذل جهده حتى تمكن من الطلب والاشتغال، وتوفرت لديه عوامل النمو العلمي والثقافي (٣)، حتى تطلّع فيما بعد إلى المزيد من العلم، واستعد بعد ذلك للقيام بالرحلات إلى المدن الهامة، كـ (بغداد) و (دمشق) وغيرهما -كما سيأتي (٤). وقد احتلت هذه المنطقة مكانة سياسية في عهد دولة السلاجقة فقد اتخذها السلطان جلال الدين ملكشاه (٥) بن ألب أرسلان السلجوقي المتوفى سنة ٤٨٥ هـ حصنًا، وهو الذي انتزعها من الأمير سابق الدين الجعبري في آخر القرن الخامس الهجري، ثم صارت من بعده لنور الدين محمود (٦) بن زنكي المتوفى سنة ٥٦٩ هـ الذي لقب بالملك العادل، ثم

стр. 37

ملكها بعده بنو أيوب، ثم صارت أخيرًا في دولة المماليك وتحت سلطانهم (١). ٢ - رحلاته: رحل برهان الدين الجعبري إلى كثير من البلدان والمدن والأمصار الإِسلامية طلبًا للعلم والاستزادة من الثقافة والمعرفة والاطّلاع على أنواع العلوم ومختلف الفنون، وللاجتماع بأشهر الحفاظ والقرّاء من شيوخ العلم والأخذ عنهم والسماع المباشر منهم، فاقتفى في ذلك أثر المحدثين وسنّتهم في الرحلة, لأنهم أكثر اهتمامًا بها من غيرهم من بقية الفقهاء والعلماء الآخرين. وقد كانت رحلته الأولى إلى بغداد عاصمة الخلافة العباسية التي كانت من أهم مراكز العلم في العالم، ومحط أنظار أفذاذ العلماء يقصدونها من أقصى الشرق والغرب. وقد توجه إليها عالمنا بعد عام ٦٦٠ هـ، وذلك عقب غزو التتار لها، بعد أن جمع حصيلة علمية من بلده. وهذه الرحلة هي أعظم رحلة قام بها، واستفاد منها كثيرًا، وإلَّا فقد قام قبلها برحلة بمرافقة والده إلى حلب إلى مجلس يوسف بن خليل -كما تقدم- (٢) ثم إلى الموصل للأخذ عن ابن يونس، وهو في سن الطفولة قبل أن يتجاوز الثامنة من عمره. واشتغل بالعلم في بغداد على كبار الحفاظ والمقرئين، واكتسب فيها المعارف والعلوم، وتخصص بالقراءات. وقد كانت (بغداد) في هذه الفترة قد ساءت الأحوال بها، واضطربت الأمور فيها، وتدهورت أوضاعها، واختل أمنها بسبب غزو التتار لها بعد أن تبوأت السيادة والمكانة العلمية في العالم الإِسلامي، فكانت ذات أهمية حضارية وسياسية واجتماعية وثقافية عامرة بالعلم ورجاله. وقد التحق بالمدرسة النظامية (٣)، وحضر دروس المشايخ بالمدرسة المستنصرية (٤)،

стр. 38

وحضر مجالس كبار العلماء وتلا عليهم القراءات بالسبع وبالعشر، وأخذ حظه وقسطه عن علماء (بغداد) ممن ظل ملازمًا معتكفًا بها رغم ما حدث بها. وتحمل الجعبري الصعوبات، وتجشم العقبات في سبيل تحصيل العلم، ونال ما كان يصبو إليه بهمة عالية، وأخذ الفقه عن أبي العز محمَّد بن عبد الله البصري الشافعي المدرس بالمدرسة النظامية والذي كان حيًا في (بغداد) قبل عام ٦٧١ هـ (١). وأصبح بعد ذلك من الأعلام المشار إليهم بالبنان، وعد من علماء (بغداد) وبها تخرج، وفاق الأقران، ولقب بتقي الدين، فأدرك الفوائد العلمية، واتسع أفقه العلمي، وارتفع مستواه، واطلع على أكثر الكتب، وبذل الجهد، وجرّد ساعد الجد والاجتهاد، وبدأ مرحلة التأليف، وبرع في القراءات، فكتب فيها كتابه (نزهة البررة في قراءات الأئمة العشرة)، وكتابه (عقود الجمان في تجويد القرآن) (٢)، وعرضهما على شيخه منتجب الدين التكريتي أبو علي الحسين (٣) بن الحسن المقرئ الفقيه الحنبلي المتوفى سنة ٦٨٨ هـ، وهو الذي تخرج عليه في القراءات وسمع منه وقرأ عليه بعض الكتب (٤). وفي هذه الفترة عمل ردًا على المآخذ الواردة على كتاب التعجيز من قبل شيخه سراج الدين عبد الله بن (٥) عبد الرحمن بن عمر الشارمساحي المالكي المتوفى سنة ٦٦٠ هـ الذي كان معيدًا بالمدرسة المستنصرية، وقد عرض الرد على صاحب (التعجيز) ابن يونس وهو

стр. 39

شيخه (١) أيضًا -كما تقدم-. ثم بعد عام ٦٧١ هـ (٢)، وبعد أن توفي تاج الدين ابن يونس لم يمكث الجعبري كثيرًا في (بغداد) فاتجه بعدها إلى الشام، فقام برحلة جديدة، فنزل (دمشق) عاصمة الدولة الأموية، طالبًا للمزيد من العلم والاطّلاع، ولما احتلت (دمشق) من سيادة ومكانة علمية في عصر المماليك بعد أن تضاءلت أهمية (بغداد) بسبب تدهور أوضاعها وأمنها وقلّ العلماء بها، وتقدم أن ذكرنا ذلك في عصر المؤلف أن كثيرًا من العلماء وجدوا العناية من قبل حكام (دمشق)، ولعل هذا هو السبب الذي دعا عالمنا إلى القيام بهذه الرحلة إلى (دمشق)، فنزل فيها بالخانقاه السميساطية (٣)، وأعاد بالغزالية (٤)، وسمع من كبار الحفاظ منهم: الفخر ابن البخاري (٥) المتوفى سنة ٦٩٠ هـ، والفخر ابن الفخر البعلبكي (٦) المتوفى سنة ٦٩٩ هـ، وباحث وناظر، وأفاد الطلبة (٧). ثم انتقل بعد ذلك إلى بلد الخليل (بفلسطين) وأقام بها بضعًا وأربعين (٨) عامًا، ولم أر

стр. 40

من حدد بداية هذه الرحلة إلى (الخليل) ولكنها كانت قبل عام ٦٨٨ هـ, لأنه في هذا العام قد كان بالمدينة المنورة كما صرح المؤلف بذلك في آخر كتابه (خلاصة الأبحاث في شرح نهج القراءات الثلاث) (١) الذي أملاه بالمدينة المنورة في هذا العام، وكان قد اتجه من الخليل إلى المدينة قبل هذا العام للحج، ثم أقام بها مدة يسيرة. ومن جانب آخر فقد صرح أيضًا في كتابه (الجميلة شرح العقيلة) (٢) بأنه رحل إلى مصر، ولم أجد من ذكر هاتين الرحلتين ممن ترجم له. ولكنهم اتفقوا بأنه أقام في بلد (الخليل) بضعًا وأربعين عامًا، وفي عام ٦٩٠ هـ ولد ابنه محمَّد بن إبراهيم في بلد (الخليل) (٣)، وفي عام ٦٩٥ هـ (٤) رحل إليه شمس الدين الذهبي من (دمشق) وهو في طريقه إلى مصر، وفي عام ٧٢٢ هـ أخذ عنه ابن جابر الوادي آشي في أثناء رحلته إلى الشرق من تونس (٥). ثم أخيرًا عكف برهان الدين الجعبري في بلد (الخليل) متوليًا بها الإِفتاء والقضاء والخطابة ونشر العلم لطلابه بالتأليف والتدريس، وانقطع إلى عبادة ربه بفعل الطاعات والخدمات الجليلة النافعة مفيدًا للطلاب، وعمّر عمرًا طويلًا حتى أدركه الأحفاد، واستمرت شهرته في بلد (الخليل) وفي عقبة من بعده، ولم يمح أثرهم من المنطقة حتى اليوم، فأسرة آل جعبر ما زالت بالخليل تدعى بهذا الاسم. ٣ - شيوخه: لقد تتلمذ برهان الدين الجعبري على جملة من المشايخ، بلغوا مائتين، كما صرح
следующие страницы →