يخرجوا له عن المكان الذي بأيديهم، ويعوضهم عنه إقطاعات كثيرة عرضها عليهم وأن يبقوا لهم أربع كنائس لم تدخل في العهد وهي كنيسة مريم وكنيسة المصلبة داخل باب شرقي، وكنيسة تل الجيف، وكنيسة أم حميد التي بدرب الصقيل، فأبوا ذلك أشد الإباء فقال: آتونا بعهدكم الذي بأيديكم من زمن الصحابة فأتوا به فقرأه بحضرة الوليد، فإذا كنيسة توما التي كانت خارج باب توما عند النهر لم تدخل في العهد، وكانت فيما يقال أكبر من كنيسة مري حنا فقال أن اهدمها واجعلها مسجدا فقالوا: بل يتركها أمير المؤمنين ما ذكر من الكنائس ونحن نرضى بأخذه بقية هذه الكنيسة فأقرهم على تلك الكنائس وأخذ منهم بقية هذه الكنيسة، ثم أمر بإحضار آلات الهدم، واجتمع إليه الأمراء والكبراء رؤوس الناس، وجاءت أساقفة النصارى وقساوستهم، فقالوا: يا أمير المؤمنين إنا نجد في كتبنا أن من يهدم هذه الكنيسة يجن، فقال: أنا أحب أن أجن في اللَّه واللَّه لا يهدم فيها أحد قبلي، ثم صعد المنارة الغربية ذات الأضالع المعروفة اليوم بالساعات وكانت صومعة، فإذا فيها راهب فأمره بالنزول منها فأكبر الراهب ذلك وتلكأ فأخذ الوليد بقفاه، ولم يزل يدفعه حتى أصدره منها، ثم صعد الوليد على أعلى مكان في الكنيسة فوق المذبح الأكبر الذي يسمونه الشاهد وأخذ أذيال قباه، وكان لونه أصفر سفرجليا فغرز بها في المنطقة، ثم أخذ بيده فأسا وضرب به في أعلى حجر هناك فألقاه فتبادر إليه الأمراء إلى الهدم وكبَّر المسلمون ثلاث تكبيرات وصرخت النصارى بالعويل والويل على درج جبرون وقد اجتمعوا هناك فأمر الوليد أمير الشرطة وهو أبو نائل رباح الغساني أن يضربهم حتى
стр. 352
يذهبوا من هناك ففعل، وهدم المسلمون
جميع ما جدده النصارى في تربيع هذا المكان من المذابح والأبنية والحنايا حتى بقي ساحة مربعة ثم شرع في بنائه بفكرة جيدة على صفة حسنة لم يسبق اليها، واستعمل الوليد في بناء هذا المسجد على الصورة التي اخترعها خلق من الصناع والمهندسين والفعلة، وكان المستحث على عمارته أخوه وولي عهده من بعده سليمان بن عبد الملك.
ويقال: إن الوليد بعث الى ملك الروم يطلب منه صنَّاعًا في الرخام وغير ذلك ليعمروا هذا المسجد على ما يريد وأرسل يتوعده إن لم يفعل ليغرُوَنَّ بلاده الجيوش، وليخربن كل كنيسة في بلاده حتى كنيسة القدس، وكنيسة الرها، وسائر آثار الروم، فبعث ملك الروم صناعا كثيرة، وكتب إليه يقول له: إن كان أبوك فهم هذا الذي تصنعه وتركه فإنه لوصمة عليك، وإن لم يكن فهمه وفهمته أنت فإنه لوصمة عليه، فلما وصل الكتاب إلى الوليد أراد أن يجيبه عن ذلك واجتمع الناس عنده لذلك فكان فيهم الفرزدق الشاعر فقال: أنا أجيبه يا أمير المؤمنين من كتاب اللَّه تعالى، فقال: وما جوابه من كتاب اللَّه، قال قوله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٨ - ٧٩] فأعجب ذلك الوليد وأرسل به جوابًا لملك الروم، وقال الفرزدق في ذلك شعرا:
فرقت بين النصارى في كنيستهم ... وبين أهل الهدى الصافين له في الظلم
نصبت في الحال بالتميز أسعدهم ... على شقيهم المجرور للنقم
راك ربك تحويلا لبيعتهم ... عن مسجد يتلى فيه طيب الكلم
وهم جميعا إذا صلوا وأوجههم ... شتى إذا سجدوا للَّه والصنم
وكيف يجتمع الناقوس يضربه ... أهل الصليب إذا القراء لم تنم
فهمت تحويلها عنه كما فهما ... إذا يحكمان له في الحرث والغنم
стр. 353
قال: ولما أراد الوليد أن يبنى القبة التي في وسط الرواقات ويقال لها: قبة النسر، وهو اسم حادث لها وكأنهم شبهوها بالنسر في شكله، لأن الرواقات عن يمينها وشمالها
كالأجنحة لها حفروا في أركانها حتى وصلوا إلى الماء وشربوا منه ماء عذبا زلالا، ثم إنهم وضعوا فيه جدار الكرم، وبنوا من فوقه بالحجارة، فلما ارتفعت الأركان بنوا عليها القبة فسقطت فقال الوليد لبعض المهندسين: وكان يعرف بالنسر، أريد أن تبني لى أنت هذه القبة، فقال على أن تعطنى عهد اللَّه وميثاقه أن لا يبنيها أحد غيري، ففعل له ذلك فبنى الأركان، ثم علقها بالبواري، وغاب سنة كاملة لا يدري الوليد أين ذهب، فلما كان بعد السنة حضر فَهَمَّ الوليد بقتله فقال يا أمير المؤمنين: لا تعجل، ثم أخذه ومعه رؤوس الناس وجاء إلى الأركان، وكشف البواري، فإذا هي هبطت بعد ارتفاعها حتى ساوت الأرض فقال له: من هذا هربت وأتيت، ثم بناها فانعقدت على أحسن هيئة.
وقال بعضهم: أن يجعل بيضة القبة من ذهب خالص ليعظم بذلك شأن المسجد، فقال له المعمار: إنك لا تقدر على ذلك فضربه خمسين سوطا، وقال له: ويلك أنا أعجز عن هذا فقال: له نعم تعجز، قال: يبين لي ذلك بطريق أعرفه فقال أحضر الذهب الذي عندك كله فأحضره فسبكت منه لبنة فإذا هي قد دخل فيها ألوف من الذهب، فقال: يا أمير المؤمنين إنا نريد من هذا اللبن كذا وكذا ألف لبنة، فإن كان عندك ما يكفي ذلك عملناه، فلما تحقق الوليد صحة قوله أطلق له خمسين دينارًا، أو لما سقف الوليد الجامع جعلوا سقفه جملونات وباطنها سطح مقرنص بالذهب، فقال له
стр. 354
بعض أهله: أتعبت الناس بعدك في تبطين أسطح هذا المسجد كل عام؟ فأمر الوليد بأن يجمع ما في بلاده من الرصاص ليجعل عوض الطين ويكون أخف على السقف وأصون له، فجمع من كل ناحية من الشام وغيره من الأقاليم فعازوا، فإذا عند امرأة منه قناطير مقنطرة فساوموها فيه فأبت أن تبيعه إلا بوزنه فضة فكتبوا إلى أمير المؤمنين بذلك فقال: اشتروه منها، ولو بوزنه فضة فلما بذلوا لها ذلك قالت أما إذا قبلتم ذلك ورضيتم ببذل ثمنه ووزنه فضة فهو صدقة للَّه يكون في سقف هذا المسجد، فكتبوا على ألواحها بطابع للَّه ويقال: إنها كانت إسرائيلية، وأنه كتب على
الألواح التي أعطتهم الإسرائيلية بطابع صدقة للَّه تعالى.
ويقال: إنهم طلبوا الرصاص من النواويس العادية فانتهوا الى قبر حجارة في داخله قبر من رصاص، فأخرجوا الميت الذي فيه ووضعوه على الأرض فوقع رأسه هوية إلى الأرض فانقطع عنقه فسال من فيه دم، فهالهم ذلك فسألوا عنه، فقال عبادة بن بشير الكندي: هذا قبر طالوت الملك قال محمد بن عابد سمعت المشايخ يقولون ما تم مسجد دمشق إلا بأداء الأمانة لقد كان يفضل عند الرجل، من الفعلة، والصناع الفلس، ورأس المسمار، فجيء به حتى يضعه في الخزانة.
قال بعض المشايخ الدماشقة: ليس في الجامع من الرخام شيء إلا الرخامتان اللتان في المقام من عرش بلقيس، والباقى كله مرمر، وقال بعضهم: اشترى الوليد بن عبد الملك أمير المؤمنين، العامودين الأخضرين اللذين تحت النسر من حرب خالد بن يزيد بن معاوية بألف وخمسمائة دينار، وقال رحيم كان في مسجد دمشق اثنى عشر ألف مرخم، وقال عمر بن مهاجر الأنصاري: حسبوا ما أنفقوا على الكهرمانة التي في قبلة المسجد فإذا هو سبعون ألف دينار.
وقال أبو قبيس: أنفق في مسجد دمشق أربعمائة صندوق في كل صندوق ثمانية وعشرون ألف دينار وذلك خمسة آلاف دينار وستمائة ألف دينار قال:
стр. 355
وأتي الخرس إلى الوليد أموال بيت المال في غير حقها فأمر أن ينادي في الناس الصلاة جامعة فاجتمعوا وصعد الوليد المنبر، وقال: إنه بلغني عنكم كذا وكذا ثم قال يا عمر بن مهاجر قم فأحضر أموال بيت المال؟ فحملت على البغال وبسطت الأنطاع تحت القبة وأفرغ المال عليها ذهبا وفضة حتى كان الرجل لا يرى الآخر من الجانب الآخر وجيء بالقبانين ووزنت، فإذا هي تكفي الناس ثلاث سنين مستقبلة لو لم يدخل للناس شيء بالكلية ففرح الناس وكبروا وحمدوا اللَّه على ذلك، ثم قال الخليفة: يا أهل دمشق إنكم تفخرون على الناس، بأربع: بهوائكم، ومائكم، وفاكهتكم وحماماتكم، فأحببت أن أزيدكم خامسة وهي هذا الجامع فحمدوا اللَّه وأثنوا عليه وانصرفوا شاكرين داعين.
وقال بعضهم: كان في قبلة المسجد ثلاث صحائف مذهبة باللازورد في كل
منها بسم اللَّه الرحمن الرحيم لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم لا إله إلا هو، وحده لا شريك له، ولا تعبدوا إلا إياه ربنا اللَّه وحده، وديننا الإسلام، ونبينا محمد ﷺ أمر ببناء هذا المسجد وهدم الكنيسة، التي كانت فيه عبد اللَّه أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك بن مروان، في ذي القعدة في سنة ست وثمانين للهجرة النبوية، وفي صحيفة أخرى من تلك الصحائف فاتحة الكتاب بكمالها، ثم والنازعات، ثم عبس، ثم إذا الشمس كورت، قالوا: ثم محيت بعد مجيء المأمون إلى دمشق، وذكر أن أرضه كانت مفضضة كلها وأن الرخام كان في جدرانه إلى قامات، وفوق ذلك كرمة عظيمة من ذهب، وفوقها فصوص مذهبة حمر وخضر وزرق وبيض قد صور بها سائر البلدان المشهورة، الكعبة فوق المحراب وسائر البلدان
стр. 356
يمنة ويسرة وما في البلدان من الأشجار الحسنة المثمرة والمزهرة وسقفه مقرنص بالذهب والسلاسل المعلقة فيه من الذهب والفضة وأنواع الشموع في أماكن متفرقة، وكان في محراب الصحابة حجر من بلود يقال: من جوهر وهي الدرة وكانت تسمى القليلة، كان إذا أطفئت القناديل تضئ لمن هناك بنورها فلما كان زمن الأمين بن الرشيد، وكان يجب البعث إلى سليم وإلى شرطة دمشق أن يبعث إليه فسرقها وسيرها إليه، فلما ولى المأمون أرسلها إلى دمشق ليشنع بذلك على أخيه الأمين، قال الحافظ ابن عساكر: ثم ذهبت بعد ذلك فجعل مكانها برنية من زجاج وكانت الأبواب الشارعة من الصحن إلى داخل المسجد ليس عليها أغلاق، وإنما عليها الستور مرخاة، وكذلك الستور على سائر جدرانه إلى حد الكرمة التي فوقها الفصوص المذهبة ورؤوس الأعمدة مطلية بالذهب الصبيب، وعملوا شرافات تحيط بها من الجهات الأربع وبنى الوليد المنارة الشمالية: وهي التي يقال لها مأذنة العروس، وأما الشرقية والغربية فكانتا قبل ذلك بزهور متطاولة، وكان في كل زاوية من هذا المعبد صومعة شاهقة جدا بنتها اليونان للرصد فسقطت الشماليتان، وبقيت القبليتان، وقد أحرق بعض الشرقية سنة أربعين وسبعمائة ونقضت وجدد بناؤها من أموال النصارى حيث اتهموا بحريقها فقامت على أحسن الأشكال وهي "اللَّه أعلم" المنارة الشرقية التي ينزل عليها عيسى بن مريم ﵇ قال في مثير الغرام
روى عبد الرحمن بن عابد قال حدثني جبير بن نفير أن النواس بن سمعان قال: قال رسول اللَّه ﷺ : رأيت عيسى ابن مريم يخرج من عند المنارة البيضاء شرقي المسجد واضعا يديه على أجنحة ملكين عليه ربطتين مشقوقتين عليه السكينة والربطة الملأة إذا كانت قطعة واحدة ولم تكن
стр. 357
لغتين والمشقوقة والمصبوغة بالمشق وهو المغر.
وعنه أيضًا قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: ينزل اللَّه عيسى ابن مريم عند المنارة البيضاء شرقي المسجد في دمشق في مهرودتين بهروزتين.
وعن سعيد بن عبد العزيز عن شيخ من أشياخه أنه سمع عباس الخضري يقول يخرج عيس ابن مريم عند المنارة البيضاء عند باب شرقي ثم يأتي مسجد دمشق وسيأتي الكلام على خروج عيسى ﵇ وقتله للدجال عند ذكر مدينة لدان إن شاء اللَّه تعالى.
قال: ولما اكتمل بناء الجامع الأموي لم يكن على وجه الأرض بناء أحسن ولا أبهى ولا أجمل منه, بحيث إذا نظر الناظر في أي جهة منه وإلى أي بقعة أو مكان منه تحير فيما نظر إليه من حسنه، وكانت فيه طلسمات من أيام اليونان فلا يدخل هذه البقعة شئ من الحشرات الكلية لا الحيات ولا العقارب ولا الخنافس ولا العناكب ويقالا ولا العصافير أيضًا تعشش فيه لا الحمام، ولا شيء مما يتأذى به الناس وأكثر هذه الطلسمات أو كلها احترقت لما وقع فيه الحريق وكان ذلك في ليلة نصف شعبان سنة إحدى وستين وأربعمائة، وكان الوليد كثيرًا ما يصلي في هذا المسجد.
وفي كتاب أبي الحسن أبي شجاع الربعي بسنده إلى المغيرة المقري أن الوليد بن عبد الملك، قال: ليلة من الليالي للقوام أريد أن أصلي الليلة في المسجد فلا تتركوا فيه أحدا حتى أصلي فيه فأتى باب الساعات! ستفتح الباب ففتح له فدخل من باب الساعات، فإذا رجل بين باب الساعات وباب الخضر الذي يلي المقصورة قائم يصلي، وهو أقرب من باب الساعات فقال للقوام: ألم آمركم أن لا تتركوا أحدًا يصلي الليلة
في المسجد؟ فقال بعضهم: يا أمير المؤمنين هذا الخضر يصلي كل ليلة في المسجد، وروى صاحب كتاب
стр. 358
الأنس عن سفيان الثوري أن الصلاة في مسجد دمشق بثلاثين ألف صلاة.
وبسنده إلى نافع مولى أم عمر بنت مروان عن رجل سماه أن واثلة بن الأسقع خرج من باب المسجد الذي يلى جيرون فلقي كعب الأحبار فقال له: أين تريد؟ فقال أريد بيت المقدس لأصلى فيه فقال له تعالى أريك موضعه أو قال موضعا في هذا المسجد من صلى فيه فكأنما صلى في بيت المقدس قال: نذهب فأراه ما بين الباب الأصفر الذي يخرج منه إلى الحنية يعنى القنطرة الغربية وقال: من صلى فيما بين هاتين فكأنما صلى في بيت المقدس، قال واثلة: واللَّه إن لمجلسي ومجلس قومى، ومن الأماكن المقصودة فيه بالزيارة الموضع الذي فيه رأس يحيى بن زكريا ﵉ من الجامع، وفيه روى أبو الحسن بن شجاع الربعي بسنده إلى القاسم بن عثمان قال: سمعت الوليد بن مسلم وسأله رجل يا أبا العباس أين بلغك رأس يحيى بن زكريا من هذا المسجد؟ قال: بلغني أنه ثم وأشار بيده إلى العمود المسقط الرابع من الركن الشرقي.
وعن زيد بن وافد قال: رأيت رأس يحيى بن زكريا حين أرادوا بناء مسجد دمشق أخرج من تحت ركن من أركان القبة وكانت الشعرة على رأسه لم تتغير، وعنه أيضًا قال: وكلنى
стр. 359
الوليد بن عبد الملك على العمارة في بناء جامع دمشق، فوجدنا فيه مغارة فَعَرَّفْنَا الوليد بذلك، ولما كان الليل جاء والشمع بين يديه، فنزل فإذا هي كنيسة لطيفة ثلاثة في ثلاثة وإن فيها صندوق ففتحه فإذا سفط، وفي السفط رأس يحيى بن زكريا، مكتوب عليه رأس يحيى بن زكريا ﵊ فأمر الوليد به فرد إلى مكانه وقالوا اجعلوا العمود الذي فوقه مغيرًا من الأعمدة كي يعرف وجعل عليه عمود مسقط الرأس.
وبسنده إلى أبي مسهر، ثم إلى سعيد بن المسيب قال: لما دخل بخت نصر دمشق سعد على الدرج حتى دخل الكنيسة التي هي اليوم المسجد الجامع، فرأى دم
يحيى بن زكريا يفور ويغلي فصلى عليه خمس وسبعون ألفًا حتى سكن الدم، فقال أبو مسهر: وإن رأس يحيى بن زكريا لتحت العمود المسقط شرقى المسجد وهو يعرف بعمود مسكاسك.
وبسنده إلى أبي مسهر أيضًا أن ملك دمشق بنى الحصن الذي حول المسجد داخل المدينة على ساحة مسجد بيت المقدس، وحمل أبواب بيت المقدس فوضعها على أبوابه، فهذه الأبواب التي على الحصن، هي أبواب بيت المقدس.
قال: ولما ولي عمر بن عبد العزيز ﵁ الخلافة، ورأى مسجد دمشق قال: إني أرى أموالًا أنفقت في هذا المسجد في غير حقها وأنا أستدرك منها فرده إلى بيت المال انزع هذه السلاسل، وأجعل مكانها حبالا، واقلع هذه الفسيفساء، واجعل مكانه الطين، واقلع هذا الرخام واجعل مكانه جصا قال: فبلغ ذلك أهل دمشق
стр. 360
فخرجوا إليه وهو بدير سمعان بأرض حمص فدخلوا عليه وقالوا: يا أمير المؤمنين بلغنا أنك تريد أن تصنع كذا وكذا قال: نعم، فقال له خالد بن عبد الملك القسري: ليس ذلك لك يا أمير المؤمنين قال: ولم لا يا ابن الكافرة وكانت أمه نصرانية رومية، فقال يا أمير: إن كانت نصرانية فقد ولدت رجلا مؤمنا قال صدقت واستحى عمر منه، وقال: لم تقل ذلك لي؟ قال: لأننا كنا معاشر أهل الشام نغزو بلاد الروم فنجعل على أحدنا حدا من فسس فيجيء به وذراع في ذراع من رخام أو أقل من ذلك أو أكثر مع قدر صاحبه فيكتري عليه أهل حمص إلى حمص وأهل دمشق إلى دمشق، وأهل فلسطين إلى فلسطين، وأهل الأردن إلى الأردن، وليس هو لبيت المال فأطرق عمر ﵁، واتفق قدوم جماعة من الروم رسلا من عند ملكهم فلما دخلوا من باب البريد وانتهوا إلى الباب الكبير الذي قبله قبة النسر ورأوا ذلك البناء العظيم الباهر، والزخرفة التي لم يسمع بمثلها على وجه الأرض ضعف كثيرًا وخر مغشيا عليه،
فحملوه إلى منزله فبقى أيامًا مدنفا، فلما تماثل سألوه عما عرض له، ما كنت أظن أن يبني المسلمون مثل هذا البناء، وكنت أعتقد أن مدنهم تكون, أقصر من هذه، فلما بلغ ذلك عمر بن عبد العزيز
стр. 361
قال: أو أن هذا ليغيظ الكفار، دعوه على حاله.
وسألت النصارى في أيام عمر بن عبد العزيز أن يعقد لهم مجلسًا فيما كان أخذه منهم الوليد بن عبد الملك فأدخله في المسجد، فحقق عمر القضية فرأى أن يرد عليهم ما أخذه الوليد منهم، فنظر فإذا الكنائس التي هي خارج البلد لم تدخل في الصلح الذي كتبه لهم الصحابة، مثل كنيسة دير مران وكنيسة الراهب التي بالعقبة، وكنيسة توما، وسائر الكنائس التي بقرى الحواضر فخيرهم في رد ما سألوه وأن يخرب هذه الكنائس كلها، أو يبقي تلك الكنائس، ويطيبوا نفسًا عن ذلك للمسلمين بهذه البقعة، فاتفقت آراؤهم بعد ثلاثة أيام على إبقاء تلك الكنائس ويكتب لهم كتاب أمان بها، ويطبوا نفسا بتلك البقعة، فكتب لهم عمر ﵁ كتاب أمان بذلك.
وقال الحافظ ابن عساكر: لم يكن للجامع الأموي نظير في حسنه وبهجته.
وقال الفرزدق لأهل الشام: في بلدهم قصر من قصور الجنة يعني به الجامع الأموي، قال أحمد بن أبي الحواري: ما ينبغي أن يكون أحد أشد تشوقًا إلى الجنة من أهل دمشق؟ لم يرو في حسن مسجدها.
قال: ولما دخل المهدي أمير المؤمنين العباسي دمشق يريد زيارة بيت المقدس، ونظر إلى جامع بدمشق قال: لكاتبه أبي عبيد اللَّه الأشعري سبقتنا بنو أمية بثلاث بهذا المسجد لا أعلم على
стр. 362
ظهر الأرض مثله وبنيل الموالي وبعمر بن عبد العزيز لا يكون
فينا واللَّه مثله أبدا، ثم لما أتى بيت المقدس، ونظر إلى قبة الصخرة، وكان عبد الملك قد بناها فقال لكاتبه: وهذه رابعة أيضًا، قد تقدم ذلك.
ولما دخل المأمون دمشق ونظر إلى جامعها، وكان معه أخوه المعتصم والقاضي يحيى بن أكثم قال: ما أعجب من بنيانه على غير مثال متقدم، وقال المأمون لقاسم التمار: أخبرني باسم حسن أُسمي به جاريتى هذه فقال: سمها مسجد دمشق فإنه أحسن شيء في الدنيا.
وقال عبد الرحمن بن عبد الحكم عن الشافعي ﵁ أنه قال: عجائب
стр. 363
الدنيا خمسة أحدها منارتكم هذه -يعنى منارة ذي القرنين التي بالإسكندرية-، والثانية: أصحاب الرقيم -وهم بالروم- والثالثة: مرآة بباب الأندلس على باب مدينتها يجلس الرجل عندها فينظر فيها صاحبه من مسيرة خمسمائة فرسخ، الرابعة: مسجد دمشق المتفق على حسنه وبهائه وبهجته، والخامسة: الرخام معجون والدليل على ذلك، أنه يذوب على النار.
وعلى ذكر جبل قاسيون، وما فيه من المشاهد المباركة والمعاهد التي لها معها في الفضل نوع مشاركة، وما حولها من الآثار المعروفة بإجابة الدعوات وخرق العادات، أقول قد تقدم في ذكر جبل قاسيون بخصوصه عند ذكر الجبال المقدسة وما شرحناه آنفا، وفيه ما روى أبو الحسن بن شجاج الربعي، بسنده إلى علي بن أبي طالب ﵁ قال سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: -وقد سأله رجل عن الآثار المباركة بدمشق- فقال: "بها جبل قاسيون فيه قتل ابن آدم أخاه، وفي أسفله من الغرب ولد إبراهيم، وفيه آوى عيسى ابن مريم وأمه، ومنعهما من اليهود من أي معقل روح اللَّه عيسى واغتسل وصلى ودعا
стр. 364
لم يرده اللَّه خائبا" فقال رجل: يا رسول اللَّه ﷺ صفه لنا. فقال: هو بالغوطة بمدينة يقال لها دمشق، قال: "وأزيدكم أنه جيل كلمه اللَّه تعالى، وفيه ولد إبراهيم الخليل ﵇، فمن أتى ذلك الموضع فلا يعجز عن الدعاء" فقال له رجل: يا رسول اللَّه أكان ليحيى بن زكريا معقلا؟ قال: "نعم اختبأ فيه" -هذار- رجل من عاد في المغار التي تحت دم المقتول، وفيه اختيأ إلياس
النبي من ملك قومه، وفيه صلى إبراهيم ولوط وموسى وعيسى وأيوب، فلا تعجزوا في الدعاء فيه، ومنها الموضع الذي يبرزه.
قال صاحب مثير الغرام: فيما رواه عن الوليد بن مسلم عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية، قال: أغار ملك هذا الجبل على لوط ﵇ فسباه وأهله، فأقبل عليه إبراهيم ﵇ في طلبه في عدة أهل برزة، فالتقوا في صخرة العقود فعبأ إبراهيم ميمنة وميسرة قلبا، كان أول من عبأ الحرب هكذا واقتتلوا، فهزمه إبراهيم فاستنقذ لوطًا وأهله، وأتى الموضع الذي برزه فصلى فيه واتخذه مسجدًا.
وعن مكحول عن ابن مسعود وابن عباس قالا، ولد إبراهيم بغوطة دمشق، قرية يقال لها برزة بقاسيون، قال في مثير الغرام: فيه انقطاع، والصحيح أن مولد إبراهيم ﵇ بكوتا من أرض بابل، وذكر هذا الأَثر أبو الحسن بن شجاع الربعي، بلفظه في عدة أهل بدر ثلاثمائة وعشرون، وزاد فقال: وعن الزهري أنه قال: مسجد إبراهيم ﷺ في قرية يقال لها: برزه، ومن صلى فيه أربع ركعات خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه ويسأل اللَّه ما يشاء فإنه لا يرد خائبًا ومنها المغارة التي في جبل قاسيون.
قال في مثير الغرام: قال الوليد: سمعت سعيد بن عبد العزيز
стр. 365
يقول صعدنا في خلافة هشام بن عبد الملك إلى موضع دم ابن آدم فسأل اللَّه تعالى شيئا فأتانا فأقمنا في الغار ستة أيام، وقال مكحول: صعدت مع عمر بن عبد العزيز إلى موضع دم ابن آدم فسأل اللَّه شيئا، فسمعت من يذكر أن معاوية خرج بالمسلمين إلى موضع آدم يسألون اللَّه تعالى أن يسقيهم، فلم يتوقف حتى جرت الأودية. وفي كتاب أبي الحسن بن شجاع الربعى، فسأل اللَّه سقيا، فسقانا، قال: مكحول: سمعت كعب الأحبار يذكر أنه موضع الحاجات والمواهب، ولا يرد اللَّه فيه سائلا، قال الوليد: سمعت ابن عباس يقول: كان أهل دمشق إذا قحطوا أو جاء عليهم سلطان، أو كان لأحدهم حاجة، صعدوا إلى موضع دم ابن آدم المقتول يسألون اللَّه تعالى فيعطهم ما سألوا، قال هشام: لقد صعدت مع أبي وجماعة نسأل اللَّه تعالى سقيا فأرسل علينا مطرا غزيرًا حتى أقمنا في الغار الذي تحت الدم ثلاثة أيام، ثم دعونا اللَّه تعالى أن يرفعه عنا، قد رفعت الأرض.
فرفعه بسنده إلى مكحول قال: قال كعب الأحبار: اتبعني فاتبعته، حتى إذا وصلنا إلى غار في جبل قاسيون فصلى وصليت معه فسمعته يجتهد في الدعاء، ثم خرج وسار حتى وصل إلى موضع قتل ابن آدم فيه أخاه، فصلى وصليت معه، وسمعته يجتهد في الدعاء، فقلت: سمعتك تدعو مجتهدا ففيما ذلك؟ قال، سألت اللَّه أن يصلح بين معاوية وعلي وأن يرزقني كنافا وولدا ذكرًا ثم لقيته بعد ذلك فسألته فقال قد استجاب اللَّه تعالى ورزقني اللَّه ولدا ذكرًا وبعث لي معاوية بألف درهم وكسوة، وكتب معاوية إلى علي يسأله الصلح وتكاتبا على ذلك، وبسنده.
إلى جبير السفياني، قال: كنت مع كعب الأحبار على جبل دير مران فرأى لمعة سائرة في الجبل فقال ههنا قتل ابن آدم أخاه، وهذا أثر دمه قد جعله اللَّه تعالى آية للعالمين ومصلى للمتقين، وبسنده إلى عبد الرحمن بن يحيى بن إسماعيل بن عبيد اللَّه بن أبي المهاجر قال: كان خارج باب الساعات صخرة يوضع عليها القربان، فما تقبل منها جاءت نار فأحرقته، وما لم يتقبل بقي على حاله، وكان هابيل
стр. 366
ذا غنم ومنزلة في قرى، وقابيل في قبيبه، وكان ذا زرع، وآدم في بيت أبيات، وحواء في بيت لهيا، فجاء هابيل بكبش سمين من غنمه فجعله على الصخرة فأخذته النار، وجاء قابيل بقمع غلت فوضعه على الصخرة فبقي على حاله فحسد أخوه وتبعه في هذا الجبل وأراد قتله فيه فصاحت حواء: فقال آدم: "عليك وعلى بناتك لا عليّ ولا على بني" وبسنده إلى أحمد بن كثير قال: صعدت إلى موضع الدم لي جبل قاسيون فسألت اللَّه الحج فحججت، وسألت الجهاد فجاهدت وسألته الرباط فرابطت، وسألته الصلاة في بيت المقدس فصليت فيه، وسألته يغنيني عن البيع والشراء فرزقت ذلك كله، ورأيت في المنام كأني في ذلك الموضع قائمًا أصلي، فإذا النبي ﷺ وأبو بكر وعمر وهابيل، فقلت: أسألك بحق الواحد الصمد وبحق أبيك آدم وبحق هذا النبي هذا دمك؟ قال: أي والواحد الصمد هذا دمي جعله اللَّه آية للناس، وإني دعوت اللَّه رب أبي آدم وأمي حواء، ومحمد النبي المصطفى صلوات اللَّه عليهم أن يجعل دمي مستغاث كل نبي وصدّيق، ومن دعى فيجيبه، ومن سأله فيعطه سؤاله، فاستجاب اللَّه تعالى، وجعله
ظاهرًا، وجعل هذا الجبل آمنا ومغيثًا، ثم وكل اللَّه به ملكان وجعل معه من الملائكة بعدد النجوم يحفظونه من أي موضعه لا يريد إلا الصلاة فيه أن يتقبل منه، فقال لي رسول اللَّه ﷺ : "قد فعل اللَّه ذلك إكرامًا وإحسانًا وإني آتيه كل خميس، وصاحباي وهابيل فيصلي فيه"، وبسنده إلى الزهري، أنه قال: "لو يعلم الناس ما في مغارة الدم من الفضل لما هنأ لهم طعام ولا شراب إلا فيها".
وبسنده إلى هشام بن عمار قال: سمعت من يذكر عن كعب قال: اختفى إلياس ﵇ من ملك قومه (١) وعرض
стр. 367
عليه الإسلام فأسلم، وأسلم من قومه خلق كثير، وبسنده إلى ابن عباس ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "اجتمع الكفار يتشاورون في أمري، فقال ﷺ ليتني بالغوطة -بمدينة يقال لها دمشق-، حتى آتي إلى مستغاث الأنبياء حيث قتل ابن آدم أخاه، فأسأل اللَّه تعالى يهلك قومي".
وبسنده إلى مكحول عن ابن عباس ﵁ قال: موضع الدم في جبل قاسيون موضع شريف، كان مخبأ ابن زكريا وأمه فيه أربعين عامًا، وصلى فيه عيسى ابن مريم والحواريون، فمن أتى ذلك الموضع فلا يقصد عن الصلاة والدعاء فيه فإنه موضع الإجابة ومن أراد أن يأتي إلى ربوة ذات قرار ومعين فيأتي النيرب الأعلى بين النهرين، وليصعد إلى الغار في جبل قاسيون فليصلي فيه، فإنه بيت عيسى وأمه، وكان معقلهم وحصنهم من اليهود، ومن أراد أن ينظر إلى إرم ذات العماد فليأت نهرًا في خضرة دمشق يسمى بردا ومنها الموضع الذي بسفح جبل قاسيون المعروف بالكهف.
أخبرنا الشيخ محمد الحايك البعلبكي من جماعة الشيخ محمد عبد الرحمن داود الدمشقي الساكن بصالحية دمشق، والمخبر المذكور ثقة من أهل الخير والصلاح، أن توجه إلى الكهف المذكور، فرأى خادمه وعنده جماعة فأخبره أن بعض الحاضرين ذكر أن الكهف المذكور مطلبا وأنهم عرفوا على حفرة قال: فطاوعتهم على ذلك فدخلوا
إلى المغارة التي عند الباب، وحفروا هناك فظهرت لهم بلاطة كبيرة فقلعوها، ونزلوا فوجدوا مغارة سعتها نحو خمسة أذرع أو أكثر، وفي شمالها إيوان عليه سبعة أنفس طوال مسجين بأكفانهم على هيئة العرب فتهيبوا أن يدنوا منهم ورجعوا وأعادوا البلاطة إلى موضعها.
وعلى الجملة فمدينة دمشق أكثر المدن أبدالًا وأكثرها أهلًا ومالًا ورجالًا وزهادًا وعبادًا ومساجدًا وهي لأهلها معقل، وعلى ذكر من توفي فيها وقبرها أقول: روى أبي الحسن بن شجاع الربعي بسنده إلى الإمام الشافعي -رضي اللَّه
стр. 368
عنه- وأرضاه أنه قال توفي عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بدمشق، ودفن بها وروي أن بلالًا مؤذن الرسول ﷺ مات بدمشق، ودفن بها أبا الدرداء واثلة بن الأسقع، وفضالة بن عبيد، وأسامة بن زيد، وحفصة بنت عمر بن الخطاب ﵁ أم حبيبة ابنة أبي سفيان زوجتى رسول اللَّه ﷺ ماتوا بدمشق ودفنوا بها.
قال الحافظ الأقشهري: وردت هذه الرواية بوفاة أم حبيبة ماتوا بالشام سنة اثنين وأربعين، وقال قبيل هذا: قالت عائشة ﵂: ودعتني أم حبيبة عند موتها وقالت: كان بيننا ما بين الضرائر، فاستغفري اللَّه لي، فقلت غفر اللَّه لك، وأرسلت إلى أم سلمة فقالت لها: مثل ذلك وتوفيت سنة أربع وأربعين في خلافة معاوية وهذا يدل على أنها توفيت بالمدينة، ودفنت حفصة بدار المغيرة، هذا كلام الحافظ الأقشهري يؤيد أنهما ليستا بالشام إطلاقا، وابن النجار أن أمهات المؤمنين بالبقيع كذا قال الطبري، والأقشهري، والمراغي، لكن قالوا: خلا خديجة وميمونة رضوان اللَّه عليهم أجمعين انتهى واللَّه أعلم.
خاتمة
في فضل مواضع مخصوصة بالشام منها فلسطين، روى صاحب كتاب الأنس بسنده إلى ابن جابر قال: حدثني عقبة بن رباح حديثًا بسنده قال: ما ينقص من الأرض يزاد في الشام، وما ينقص من الشام يزاد في فلسطين، وبسنده إلى عرومين رويم: أن رجلًا لقي كعب الأحبار فسأله كعب: ممن هو؟ قال: من أهل الشام قال: لعلك من الجند الذين يدخل الجنة معهم سبعون ألفًا بغير حساب قال: ومن هم؟ قال: أهل حمص. قال: لست منهم. قال: فلعلك من الجند الذين يعرفون في الجنة بالثياب الخضر؟. قال: من هم؟ قال: أهل دمشق. قال: لست منهم. قال: ولعلك من الجند الذين هم تحت ظل عرش الرحمن؟ قال: من هم؟ قال: أهل الأردن؟ قال: لست منهم. قال: فلعلك من الجند الذين ينظر اللَّه إليهم كل يوم مرتين؟ قال: ومن هم؟ قال: أهل فلسطين قال: نعم. ويقال: إن ذلك الرجل الذي لقي كعب الأحبار، وسأله هو مالك بن
стр. 369
عبد اللَّه الخثعمي.
وبسنده عن مكحول عن كعب قال بطرسوس: من قبور الأنبياء عشرة وبالمصيصة خمسة، وبالثغور من سواحل الشام من قبور الأنبياء ألف قبر، وبأنطاكية قبر حبيب النجار، وبحمص ثلاثون، وبدمشق خمسمائة قبر، وببلاد الأردن مثل ذلك، وبفلسطين مثل ذلك، وببيت المقدس ألف قبر وبالعريش عشرة، وقبر موسى بدمشق، هذا كلام صاحب كتاب الأنس ومثله في كتاب أبي الحسن بن شجاع الربعي، عن سعيد عن مكحول عن عبد اللَّه بن سلام قال بالشام: من قبر الأنبياء ألف قبر وسبعمائة قبر، وقبر موسى ﵇ بدمشق، قلت: والذي عليه الأكثرون أن قبر موسى ﵇ بالقرب من أريحا من الغور، وقد تقدم الكلام على ذلك في موضعه فليراجع منه.
وبسنده إلى سليمان بن عبد الرحمن إلى عبد الملك الجزري أنه قال: إذا كانت الدنيا في بلاء وقحط كانت فلسطين في رخاء وعافية، وقال: الشام مباركة، وفلسطين مقدسة، وقدس فلسطين بيت المقدس، بسنده إلى الوليد بن مسلم إلى ثور بن يزيد قال: قدس الأرض الشام، وقدس الشام فلسطين، وقدس فلسطين بيت المقدس،
وقدس بيت المقدس الجبل وقدس الجبل المسجد، وقدس المسجد القبة، ومنها دمشق. وقد تقدم من ذكر فضلها على سائر بقاع الشام ما عدا بيت المقدس ما فيه كفاية، ومنها له قال في مثير الغرام: ورد في صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: وقد ذكر عنده الدجال يقتله ابن مريم بباب له، وصححه أيضًا الترمذي وفيه فضيلة لأهل الأرض المقدسة فإنهم يقاتلون مع نبي اللَّه عيسى ابن مريم ﷺ الأعور الدجال وأن مكثه في تلك الأرض قليل.
وروى رجاء: أن بيت المقدس معقل من الدجال كما تقدم، وروى بشير ابن الزبير عن عبادة بن قيس: أن عيسى ﵇ يأخذ من حجارة بيت المقدس ثلاثة أحجار: الأول منها يقول: باسم اللَّه إله إبراهيم، والثاني: باسم إله إسحاق والثالث: باسم إله يعقوب، ثم يخرج بمن معه من المسلمين إلى الدجال،
стр. 370
فإذا رآه انهزم عنه فيدركه عند باب له فيرميه بأول حجر فيضعه بين عينيه، ثم الثاني، ثم الثالث، فيقع على الأرض فيقتله عيسى ابن مريم ﵇ ويقتل اليهود حتى إن الحجر والشجر ليقولان يا مؤمن هنا تحتي يهودي فأته فاقلته، ثم قال ﷺ : "يوشك أن ينزل فيكم ابن مريم إمامًا فقسطا عادلا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير"، ومنها الرملة والأردن.
عن صفوان بن عيسى عن بشر بن رافع عن أبي عبد اللَّه بن عم أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الزموا الرملة يعني فلسطين فإنها الربوة التي قال اللَّه تعالى: ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٠]، وبشر بن رافع هو: أبو الأسباط ضعفه أحمد وغيره، وعن أبي إدريس الخولاني، عن نهك، عن إبراهيم أو خزيم عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تزال طائفة من أمتى يقاتلون حتى يقاتل بينكم الدجال بالأردن أنتم على شرقيه، وهم على غربيه واللَّه ما أدري ذلك اليوم أين الأردن من بلاد اللَّه" فيه محمد بن أبان كوني ضعيف.
وروى أبو الحسن محمد بن عوف بسنده، إلى أبي الهيثم قال: سمعت جدي
يقول: أنزل اللَّه تعالى على موسى أنه قال: إبراهيم أسكنت ولدك أرضا تفيض عسلا ولبنا إن أعجز المسلمون منها المال فلن يعجزهم خبر شيع منه، قال هشام: أراد الأردن، ومنها غزة، عن مصعب بن ثابت، عن ابن الزبير يرفعه طوبى لمن سكن إحدى العروستين، عسقلان، وغزة، إسناده منقطع، وفيه ضعف ضعفه أحمد، وغيره منها عسقلان.
روى صاحب مثير الغرام عن أبي عقال قال: سمعت أنسا يقول: قال رسول اللَّه ﷺ : "عسقلان إحدى العروستين، يبعث اللَّه تعالى يوم القيامة منها سبعين ألف وفودًا شهداء إلى اللَّه تعالى بها ضفوف الشهداء، انقطعت رؤوسهم بأيديهم، وتنفخ أوداجهم دمًا يقولون: ربنا آتنا ما وعدتنا على رسلك فيقول: صدق
стр. 371
عبيدي اغسلوهم بنهر البيضاء، أو قال: البيضا فيخرجون منها بيضا يمرحون من الجنة حيث شاءوا" ليس بصحيح وأبو عقال اسمه هلال.
قال ابن حبان: روى أشياء موضوعة عن ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ صلى بمقبرة فقيل له: يا رسول اللَّه أي مقبرة هذه؟ قال: "مقبرة بأرض عسقلان يفتحها ناس من أمتي يبعث اللَّه منها سبعين ألف شهيد يشفع الرجل في مثل ربيعة، ومضر، وعروس الجنة، وعسقلان" هذا مكذوب ولعله من وضع شيخ حفص.
وقد ألف الحافظ ابن عساكر جزءًا في فضل عسقلان نبه فيه على الصحيح والسقيم والموضوع والمنقطع.
وروى عبد الرازق بإسناده عن محمد بن كعب قال: كان يذكر أن الأكل، والشرب والطعام، والنكاح، بها أفضل يعني عسقلان قال بعض أهل العلم: وسبب ذلك أنها كانت مرابطا وثغرا مخوفًا نزله العدو مرارا واستشهد فيه جمع من المسلمين، وأما الآن فالرباط بغيرها أفضل منها، لاستبعاد نزول العدو بها هذه الأيام، وقد روى في فضلها وفي فضل مقبرتها أحاديث ضعيفة لا تصح، وأمثل ما جاء ذكرها فيه من الأحاديث ما روي عن عبد الرزاق عن ابن جريج عن إسماعيل بن راجح قال: بلغنا
стр. 372
أن النبي ﷺ قال: "رحم اللَّه تعالى أهل المقبرة"، قالت عائشة ﵂: أهل
البقيع؟ حتى قالتها ثلاثا فقال: "مقبرة عسقلان" وكذلك روى سعيد بن منصور في سننه: عن إسماعيل بن عياش عن عطاء الخراساني قال: بلغني أن رسول اللَّه ﷺ قال: "يرحم اللَّه مقبرة تكون بعسقلان" فكان عطاء يرابط بها أربعين حتى مات، وفي هذين الإسنادين ما فيهما من الضعف والانقطاع ولكن يستأنس بهما مخرجين من هذين الكتابين.
وقال صاحب المغنى: روى الدارقطني في كتابه المخرج على الصحيحين بإسناده عن ابن عمر أن النبي ﷺ صلى على مقبرة فسئل يا رسول اللَّه أي مقبرة هي؟ قال: "مقبرة بأرض العدو يقال لها عسقلان": الحديث بطوله إلى قوله: وعروس الجنة عسقلان. ومنها بيت لحم في مثير الغرام، عن بريد بن أبي مالك الأنسي قال: أنت قال رسول اللَّه ﷺ في حديث ليلة الإسراء قال: "فقال لي جبريل: انزل فصلي؟ فنزلت فصليت، فقال: أتدري أين صليت؟ صليت ببيت لحم حيث ولد عيسى ابن مريم" حديث صحيح، أو حسن رواه النسائي والبيهقي في دلائل النبوة، ومنها حمص، في مثير الغرام، عن صفوان بن عمر وعن شريح بن عبيد، أنه كان يقول: في حمص: يربط اللَّه ثورة قيل ما هو يا أبا إسحاق؟ قال: الطاعون لا يكاد يفارقها.
قال الحافظ الذهبي: لعل هذا كان في زمن الصحابة، أما في عصرنا، وما قبله فما اعتورها طاعون لكن أكثر من يموت بها
стр. 373
النساء من الولادة، ومنها قنسرين في مثير الغرام، عن جرير بن عبد اللَّه عن النبي ﷺ ، أنه قال: "أوحى اللَّه تعالى إلي أي هذه الثلاثة نزلت فهي دار هجرتك المدينة أو البحرين أو قنسرين"، قال الترمذي: حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث الفضل بن موسى تفرد به أبو عمار.
وقال الحاكم في مستدركه: صحيح، ورواه البخاري في تاريخه، ومنها أنطاكية في مثير الغرام عن بشر الحافي قال: قال يوسف بن أسباط لامرأته: لما احتضر إذا مت فالحقي بأنطاكية، وليكن قبرك بها: وعن أبي صالح في قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾ [يس: ١٣]، قال أنطاكية. قال الذهبي: وفيه نظر انتهى واللَّه أعلم.
قال مؤلفه عامله اللَّه تعالى بلطفه الحفي رحمة وجعل الجنة مثواه هذا آخر ما تيسر جمعه في هذا التأليف المبارك، جعله اللَّه تعالى خالصًا لوجهه الكريم موصلا إلى ما لديه من الزلفى والنعيم المقيم، ونسأله بفضل رحمته أن يشركنا فيما قسم لأوليائه المؤمنين وعباده الصالحين من صالح العمل، وأن يغفر لنا ولهم جميع الخطأ والخطل والحوب، والزلل، اللهم عد برأفتك ورحمتك، فقديما سترت، وعظيما غفرت، وكثيرًا أمهلت، وأنت أحق من تمم وأولى من جاد وتكرم، وأكرم من تفضل، وأنعم. اللهم نسألك الزيادة والسلامة في الدين والصحة في البدن، والبركة في الرزق، وحسن اليقين، والتوبة قبل الموت، والمغفرة بعد الموت، والعافية في الدنيا والآخرة يا أرحم الراحمين، يا نور السموات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام يا صريخ المستصرخين يا غياث المستغيثين، يا منتهى رغبة الراغبين، يا مفرج عن المكروبين، يا مجيب دعوة المضطرين أسألك مسألة الضعيف الملهوف المسكين وأبتهل إليك ابتهال الذليل، وأدعوك دعاء الخائف الوجل دعاء من خضعت لك رقبته وفاضت من خشيتك عبرته، وذل لك جسده، ورغم لك أنفه لا تجعلني
стр. 374
اللهم بدعائك ربي شقيا، وكن بي رءوفًا رحيما يا خير المسؤولين، تولى أمري بيديك، لا تكلني إلى نفسي ولا إلى أحد سواك طرفة عين واجعلني حسنة من حسناتك ورحمة بين عبادك تهدي بها من تشاء إلى صراط مستقيم صراط اللَّه الذي له ما في السموات وما في الأرض ألا إلى اللَّه تصير الأمور.
قال ﵀ وعفى عنه وكان الفراغ من تأليفه وتغليفه في يوم الاثنين المبارك
الثالث والعشرين من صفر الأغر الميمون من شهور سنة خمس وسبعين وثمائمائة ببيت المقدس الشريف والحمد للَّه رب العالمين أولًا وآخرا وباطنا وظاهرا وصلى اللَّه على سيدنا محمد نبي الرحمة وشفيع الأمة وكاشف الغمة وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذريته والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين وحسبنا اللَّه ونعم الوكيل ونعم المولى ونعم النصير ولا حول ولا قوة إلا باللَّه العلي العظيم أستغفر اللَّه العظيم وأتوب إليه توبة عبد تكثر منه الذنوب وأسأله التوبة الحسنة والحمد للَّه وحده.