لهاجر أم إسماعيل، وقال غيره لمارية القبطية أم ولده إبراهيم لأنها منهم، وعاش إسماعيل مائة وسبعًا وثلاثين سنة، وقيل مائة وثلاثون سنة، ومات ودفن بالحجر عند قبر أمه هاجر، وكان إبراهيم ﵇ إذا أراد زيارة هاجر وإسماعيل حمل على البراق فيغدوا من الشام ويقبل بمكة ويروح من مكة فيبيت عند أهله بالشام، ذكره محمد بن إسحاق قال: وكان لإسماعيل لما مات أبوه إبراهيم ﵉ تسع وثمانون سنة. قال ابن عباس: ولد إبراهيم إسماعيل ﵉ وهو ابن تسع وتسعين سنة، وكان بين وفاة إسماعيل ومولد نبينا محمد ﷺ نحوا من ألفين وستمائة سنة واليهود ينقصون من ذلك نحوًا من أربعمائة سنة، انتهى واللَّه أعلم.
стр. 317
الباب الخامس عشر
في قصة لوط ﵇ وموضع قبره، وذكر مسجد اليقين والمغارة التي في شرقيه ، وعلى ما تضمنه هذا الباب أقول: هو لوط نبي اللَّه ورسوله بن هاران بن نارخ وهو
أزو، ولوط ابن أخ إبراهيم الخليل ﷺ قال الثعلبي: وإنما سمي لوط لأن حبه ليط بقلب إبراهيم ﵇ أي تعلق ولصق، وكان إبراهيم ﵇ يحبه حبًا شديدًا.
وقال الثعلبي أيضًا: قال وهب بن منبه خرج لوط من أرض بابل من العراق مع عمه إبراهيم تابعًا له على دينه مهاجرًا معه إلى الشام ومعهما سارة امرأة إبراهيم فخرج معها آزر أبو إبراهيم مخالفًا لإبراهيم في دينه مقيمًا على كفره حتى وصلوا إلى حران فمات آزر ومضى إبراهيم ولوط وسارة إلى الشام ثم مضوا إلى مصر، ثم عادوا إلى الشام فنزل إبراهيم ﵇ فلسطين، ونزل لوط الأردن وأرسله اللَّه إلى أهل سدوم وما يليها وكانوا كفارا يأتون الفواحش كما أخبر اللَّه تعالى عنهم قال: وكان عمر وابن دينار يقولان ما نرى ذكر على ذكر حتى كان قوم لوط وقوله : ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ [العنكبوت: ٢٩]، فكان قطعهم السبيل فيما ذكر أهل التأويل، إتيانهم الفاحشة على من ورد بلدهم، وأما إتيانهم المنكر في
стр. 318
ناديهم.
قال المفسرون: هو أنهم كانوا يجلسون في مجالسهم بالطريق فيحذفون من مر بهم بالحجر والمدر، ويتضارطون في مجالسهم، وينكح بعضهم بعضا في مجالسهم، وروى أبو صاع عن أم هانئ قالت: سألت رسول اللَّه ﷺ عن هذه الآية فقال: كانوا يجلسون في الطريق فيحذفون من مر بهم ويسخرون منهم فهو المنكر الذي كانوا يأتون به، وكان لوط ينهاهم عن ذلك ويدعوهم إلى عبادة اللَّه تعالى ويتوعدهم على إصرارهم على ما كانوا عليه وتركهم التوبة من العذاب الأليم، فلا يزيدهم زجره ووعظه إلا تماديًا وعتوًا واستكبروا استكبارًا واستعجالًا لعذاب اللَّه وإنكارًا وتكذيبًا ويقولون إتنا بعذاب اللَّه إن كنت من الصادقين حتى سأل لوط ربه تعالى أن ينصره عليهم فقال: رب انصرني على القوم المفسدين، فأجاب اللَّه دعاءه وبعث جبريل وميكائيل وإسرافيل ﵈ لإهلاكهم وبشارة إبراهيم ﵇ فأقبلوا مشاة في صورة رجل أمرد حسان حتى نزلوا على إبراهيم وبشروه بإسحاق ويعقوب ولما فرغوا من ذلك أخبروا إبراهيم أن اللَّه أرسلهم لإهلاك قوم لوط، فناظرهم إبراهيم،
وجادلهم في ذلك، كما أخبر اللَّه بقوله: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٤] وكان جداله إياهم على ما ذكر ابن عباس: ﴿إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ [العنكبوت: ٣١] فقال لهم إبراهيم: أتهلكون قرية فيها مائتا مؤمن؟، قالوا: لا قال: أفتهلكون قرية فيها أربعون مؤمنا؟ قالوا: لا قال: أفتهلكون قرية فيها أربعة عشر مؤمنا؟ قالوا: لا. قال: فكان إبراهيم بعدهم أربعة عشر مؤمنًا بامرأه لوط مسكت عنهم واطمأنت نفسه وروى سعيد بن جبير عن عبد اللَّه بن عباس ﵄ أنه قال:
стр. 319
لما علم إبراهيم ﵇ حال قوم لوط قال للرسل: إن فيها لوطا إشفاقا منه ﵇ فقالوا له: الرسل نحن أعلم بمن فيها لننجيه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود: ٧٥]، قال البغوي: قال ابن جريج: وكان في قرى لوط أربعة آلاف فقالت الرسل عند ذلك لإبراهيم أعرض عن هذا المقال ودع عنك الجدال ﴿إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ [هود: ٧٦] أي عذاب ربك ﴿وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ﴾ [هود: ٧٦] أي نازل بهم عذاب غير مردود، وغير مصروف عنهم، ولما جاءت رسلنا يعني هؤلاء الملائكة لوطا على صورة غلمان مرد حسان الوجوه سيء بهم أي حزن لوط لمجيئهم وضاق بهم ذرعا وذلك أن لوطا لما نظر إلى حسن وجوههم وطيب رائحتهم أشفق عليهم من قومه أن يقصدوهم بالفاحشة وعلم أنه سيحتاج إلى المدافعة عنهم، فقال: ﴿هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ [هود: ٧٧] أي شديد وكأنه عصيب به الشر والبلاء، قال: وقال قتادة: والسدي خرجت الملائكة من عند إبراهيم نحو القرى التي للوط فأتوها نصف النهار وهو في أرض لم يعمل فيها، وقيل: إنه كان يحتطب وقد قال اللَّه تعالى لهم: لا تهلكوهم حتى يشهد عليهم لوط أربع شهادات فاستطاقوا لوطا فانطلق بهم، فلما مشى ساعة قال: ما بلغكم أمر هذه القرية قالوا: وما أمرهم قال أشهد باللَّه أنها لشر قرية في الأرض عمل ذلك أربع مرات وجبريل ﵇ يقول للملائكة أشهدوا حتى أتى قومه وقد شهد عليهم أربع شهادات وروى أنّ الملائكة جاءوا إلى بيت لوط فوجدوه في دار ولم يعلم بذلك
стр. 320
إلا أهل بيت لوط فخرجت امرأته وأخبرت قومها وقالت
لهم في بيت لوط رجال ما رأيت مثلهم قط، وجاءه قومه يهرعون إليه، قال ابن عباس، وقتادة يسرعون، وقال مجاهد: يهرولون، وقال لهم لوط حين قصدوا أضيافه وظنوا أنهم غلمان يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم يعني بالتزويج وفدا أضيافه ببناته وكان في ذلك الوقت تزويج المسلمة من الكافر جائز كما زوج النبي ﷺ بنتيه من عقبة بن أبي لهب وبالعاص بن الربيع قبل الوحي وكانا كافرين، وقال الحسين بن الفضل عرض بناته عليهم بشرط الإِسلام، وقال مجاهد وسعيد بن جبير قوله: هؤلاء أراد نساءهم وأضافهم إلى نفسه لأن كل نبي أبو أمته فاتقوا اللَّه ولا تخزوني في ضيفي لا تسوؤني ولا تفضحوني في أضيافي ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ [هود: ٧٨] أي انضم إلى عشيرة مانعة لقاتلناكم وحُلنا بينكم وبينهم وروى البغوي، عن الأعرج عن أبي هريرة ﵃ أن النبي ﷺ قال: "يغفر اللَّه للوط إن كان ليأوي إلى ركن شديد" قال: قال ابن عباس: وأهل التفسير بأن الملائكة معه في الدار وهو يناصرهم ويناشدهم من وراء الباب وهم يعالجون تسور الجدار فلما رأت الملائكة ما يلقى لوط بسببهم قالوا: يا لوط إن ركنك لشديد وإنا رسل ربك لن يصلوا إليك وافتح الباب
стр. 321
ودعنا وإياهم ففتح الباب فدخلوا عليه فاستأذن جبريل، للَّه في عقوبتهم فأذن له فقام في الصورة التي يكون فيها فنشر جناحه وعليه وشاح من در منظوم وهو برَّاق الثنايا أجلا الجبين ورأسه حبك مثل الجمان كأنه الثلج بياضا وقدماه إلى الحضرة فضرب بجناحه وجوههم فطمس أعينهم فأعماهم فصاروا لا يعرفون الطريق ولا يهتدون إلى بيوتهم فانصرفوا وهم يقولون النجاة النجاة فإن في بيت لوط أسحر قوم في الأرض سحرونا وجعلوا يقولون يا لوط، كما أنت حتى تصبح وسترى: "ما تلقى" منا غدا يتوعدونه فقال لهم لوط: متى موعد هلاككم قالوا: الصبح قال: أريد أسرع من ذلك فلو أهلكتموهم الآن؟ فقالوا: أليس الصبح بقريب؟ ثم قالوا يا لوط: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾ [هود: ٧٨] فإنها تلتفت فتهلك، وكان لوط قد أخرجها معه ونهى من تبعه ممن أسرى بهم أن يلتفت سوى
زوجته فإنها لما سمعت "هذا" العذاب التفتت وقالت: يا قوماه فأدركها حجر فقتلها ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ [هود: ٨٢] أي عذابنا ﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ [هود: ٨٢] ذلك أن جبريل ﵇ أدخل جناحه تحت قرى قوم لوط المؤتفكات وهي خمس مدائن، وفيها أربعمائة ألف وقيل أربعة آلاف ألف فرفع المدائن كلها حتى سمع أهل السماء صياح الديكة ونبيح الكلاب فلم يكفأ لهم إناء ولم ينتبه لهم نائم حتى قلبها فجعل عاليها سافلها ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [هود: ٨٢] قيل كان مكتوبًا على كل حجر اسم من رمي به، وقيل إن الحجر أتبع مسافريهم أين كانوا في البلاد، وروى الثعلبي، عن مقاتل بن سليمان قال: قلت لمجاهد: يا أبا الحجاج هل بقى من قوم لوط أحد؟ قال: لا إلا رجل تاجر بقي أربعين يومًا بمكة فجاءه حجر ليصيبه في الحرم فقام إليه ملائكة الحرم وقالوا للحجر ارجع من حيث جئت فإن الرجل في حرم اللَّه تعالى قال: فخرج الحجر ووقف خارج الحرم أربعين يومًا بين السماء والأرض حتى قضى الرجل تجارته فلما خرج أصابه الحجر خارج الحرم، عن أبي سعيد: قال: الذي عمل ذلك
стр. 322
من قوم لوط إنما كانوا ثلاثين رجلًا ونيفا لا يبلغون الأربعين فأهلكهم اللَّه جميعًا.
وأما قبره ﷺ فقد قال الفقيه الزاهد أبو عقبة عبد اللَّه بن محمد المروزي الحنفي رحمه اللَّه تعالى قرأت في بعض سير الأنبياء ﵈ فرأيت أن لوطً مقبورًا في قرية تسمى كفر "تبعد" عن مسجد الخليل ﵇ نحوًا من فرسخ، وأن في المغارة القريبة تحت المسجد العتيق ستون نبيًا منهم عشرون مرسلا، وقد كان قبر لوط يُزار ويُقصد من قديم الزمان بنقل الخلف عن السلف قال صاحب كتاب البديع في تفضيل مملكة الإِسلام: وعلى فرسخ من (حبرى) جبل صغير مشرف على بحيرة زغرد موضع قريات لوط منهم مسجد بناه أبو بكر الصباحى فيه مرقد إبراهيم ﵇، قد غاص في القف نحوا من ذراع يقال إن إبراهيم لما رأى قريات لوط في الهواء وقف هناك أو رقد ثم قال: أشهد أن هذا لهو الحق اليقين فسمي ذلك المسجد مسجد اليقين.
قال الترمذي: ولم أر أحدًا تعرض لوفاة لوط ولا لعمره ولا لموضع قبره من
أصحاب التواريخ فيما وقفت عليه انتهى واللَّه أعلم.
стр. 323
الباب السادس عشر
في ذكر موسى بن عمران ﵇ وصفته التي وصفه بها النبي ﷺ ورأفته بهذه الأمة وشفقته عليهم وذكر شيء من معجزاته وذكر السبب في تسميته موسى ، وذكر عمره، وصلاته في قبره وفائدة بوابه وأن يعرص الأرض المقدسة ريين حجر.
روى الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول اللَّه ﷺ : "ليلة أسري بي رأيت موسى فإذا هو رجل ضرب كأنه من رجال شنوءة، ورأيت عيسى فإذا هو رجل ربعه أحمر كأنما خرج من ديماس وأنا أشبه ولد إبراهيم به ﷺ " كذا رواه البخاري في صحيحه.
وروي من حديث جابر بن عبد اللَّه وابن عباس، وغيرهما أيضًا عن النبي ﷺ قال: "عرض عليَّ الأنبياء، فإذا موسى رجل ضرب من الرجال كأنه من رجال شنوءة، ورأيت عيسى ابن مريم فإذا أقرب من رأيت به شبيها صاحبك يعني نفسه ﷺ ، ورأيت جبريل فإذا أقرب من رأيت به شبهًا وحيه" أخرجه مسلم في صحيحه.
قال قتادة عن أبي العالية قال: حدثنا ابن عم نبيكم عبد اللَّه بن عباس رضي
стр. 324
اللَّه عنهما قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "رأيت ليلة أسري بي موسى بن عمران رجلًا أدم طوال كأنه من رجال شنوءة، ورأيت عيسى رجل مربوع إلى العمرة والبياض سبط الرأس، ورأيت مالكًا خازن النار، ورأيت الدجال في آيات أرانيهن اللَّه تعالى" أخرجه مسلم أيضًا من طريق قتادة والأدم الأسمر الشديد السمرة مأخوذ من أدمة الأرض وهو لونها ومنه سُمي آدم ﵇، والضرب من الرجال هو الذي له
جسم ليس بالضخم ولا الضئيل قال ابن الأثير في النهاية الضرب الخفيف اللحم الممشوق المستبدق وقوله ﷺ : "كأنه من رجال شنوءة" فهي قبيلة من العرب اليمانيين سموا بذلك لأنهم كانوا يتباعدون عن الأنجاس يقال رجل فيه شنوءه بفتح الشين المعجمة وضم النون وهمزة مفتوحة بعد الواو إذا كان فيه نفور وتباعد عن الأنجاس حكاه الجوهري، وقيل سمو بذلك لأنهم تشانوا أي تباغضوا وتباعدوا والنسبة إلى أردشنوه شناي بالهمزة ومنهم من لم يهمز شنوه فيقول في النسبة شنوي، وجاء عن النبي ﷺ رؤيته لموسى بن عمران ﵇ من طريق ابن عباس ﵄ أيضا قال: سرنا مع رسول اللَّه ﷺ بواد فقال: أي واد هذا؟ قالوا: وادي الأزرق قال: كأني انظر إلى موسى ﵇ فذكر من لونه وشعره شيئًا لم يحفظه داود أحد رواة الحديث واضعًا أصبعيه بأذنيه له حوار إلى اللَّه تعالى بالتلبية بهذا الوادي ثم أتى على ثنية هرشا فقال: أي ثنية هذه؟ قالوا: ثنية هرشا فقال: كأني انظر إلى يونس بن متى على ناقة حمراء جعد عليه جبة من صوف حطام ناقته حنبه يعني ليفا والجوأر بضم الجيم وبالهمزة رفع الصوت وقد اختلف العلماء ﵃ في هذه الرؤية التي رآها نبينا ﷺ للأنبياء ﵈ فقيل إن ذلك كان في المنام بدليل ما جاء في بعض الروايات في الصحيح.
стр. 325
عن ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: بينما أنا نائم رأيتنى أطوف بالكعبة وذكر في الحديث قصة رؤيته عيسى ابن مريم ﵇.
وقال كثير من المحققين: إن ذلك رؤيا عين لا منام على الصحيح، وهذا هو القول الراجح، وعلى هذا فاختلفوا في معنى الحديث الآخر الذي ذكر فيه كيفية حج موسى ﵇، فذكر فيه وجوها: أحدها: أن هذا على ظاهره كان الأنبياء ﵈ أحياء بعد موتهم كالشهداء بل أفضل، وإذا كانوا أحياء فلا يبعد أن يحجوا ويصلوا ويتقربوا إلى اللَّه تعالى بما استطاعوا؛ لأنهم وإن كانوا قد توفوا فهم في هذه الدنيا التي هي دار العمل، حتى إذا فنيت مدتها وتعقبها الدار الآخرة التي هي دار الجزاء
انقطع العمل، وقد يقال أيضًا: إن هذه الأعمال تحبب إليهم فيتعبدون بما يجدون من دواعي أنفسهم لا بما يلزمون كما يحمده ويسبحه أهل الجنة كما جاء في الحديث أنهم يلهمون التسبيح، كما يلهمون النفس، وهو معنى قوله تعالى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠]، وإن كانت ليست بدار تكليف، ولكن يكون ذلك على الوجه الإلهامي الذي ذكرناه فكذلك حج الأنبياء ﵈ وصلاتهم، وثانيها: أنه ﷺ رأى حالهم التي كانت في حياتهم ومثلوا له في حال حياتهم كيف كانوا، وكيف حجتهم، وتلبيتهم وثالثها: أن يكون النبي ﷺ أخبر عن ما جاء به وحي إليه من أمرهم، وما كان منه إن لم يرهم، لكن جاء به وحي من اللَّه تعالى إليه في هذا النسق لقوة اليقين بصدق ذلك، إذا كان عن وحي، والذي تقضيه الأحاديث الصحيحة من أنهم صلوات اللَّه عليهم أجمعين أحياء في قبورهم، كما رواه أنس بن مالك ﵁ قال: "قال رسول اللَّه ﷺ : رأيت موسى يصلي في قبره عند الكثيب الأحمر" أخرجه مسلم عن هدبة بن خالد، وشيبان بن فروح
стр. 326
كلاهما عن حماد بن سلمة به ولفظه مررت على موسى ليلة أسري بي عند الكثيب الأحمر، وهو قائم يصلي في قبره، وهذه الرواية ظاهرة في حياة موسى ﵇ في قبره، ويدل عليه أيضا حديث المعراج المتقدم وترديده النبي ﷺ في أمر الصلوات، وقد تقدم أن الإسراء كان بجسده ﷺ ، وعن أبي هريرة ﵁ قال: استب رجل من المسلمين، ورجل من اليهود، فقال المسلم: والذي اصطفى محمدا ﷺ على العالمين في قسم يقسم به، فقال اليهودي والذي اصطفى موسى على العالمين، فرفع المسلم عند ذلك يده ولطم اليهودي، فذهب اليهودي إلى النبي ﷺ وأخبره الذي كان من أمره وأمر المسلم، فقال ﷺ : "لا تخيروني فإن الناس يصعقون
فأكون أول من يصعق فإذا موسى باطش بجانب العرش فلا أدري أكان فيمن صعق فأفاق قبلي؟ أم كان ممن استثنى اللَّه " وفي لفظ أن النبي ﷺ قال: "الناس يصعقون يوم القلب من فأكون أول من يفيق فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدري أفاق قبلي؟ أم جزي بصعقته"، وفي رواية بصعقة الطور، فإذا الحديث دليل ظاهر قوي في حياة موسى ﵇، وحياة نبينا ﷺ ، وحياة غيرهما من الأنبياء صلوات اللَّه عليهم، ووجه ذلك أن وفاة موسى ﵇ من المعلوم قطعا، وإذا كان كذلك فالصعق عند النفخ في الصور إنما يكون لمن هو حي في الدنيا، فأما من مات قبل ذلك فلا يصعق لأن تحصيل الحاصل محال وإنما يصح ذلك في حق موسى ﵇ إذا كان حيا فيتحصل من ذلك أنه حي كالشهداء بل أفضل وأولى بهذه الكرامة، وينضم إلى ذلك رؤية نبينا محمد ﷺ له قائمًا يصلي في قبره واجتماعه به ليلة الإسراء في السموات العلا وقوله ﷺ : "إن اللَّه حرم على الأرض أن تأكل
стр. 327
أجساد الأنبياء" لما قيل له: كيف تعرض صلاتنا عليك؟ وقد أرمت أي بليت إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة التي يفيد مجموعها العلم بأن موت الأنبياء صلوات اللَّه عليهم أجمعين ليس عدمًا محضًا كموت غيرهم بل هو انتقال من حالة إلى أخرى وغيبوا غيبا بحيث لا تدركهم وإن كانوا موجودين أحياء، وذلك كالحال في الملائكة فإنهم أحياء موجودون ولا يراهم أحد من نوعنا إلا من خصه اللَّه بكرامته من أوليائه وأصفيائه فإن قيل قد صح أن اللَّه تعالى توفاهم من الدنيا وذاقوا الموت كما قال أبو بكر الصديق ﵁ لنبينا ﷺ : أما الموتة التي كتب اللَّه عليك ذقتها فإذا كانوا أحياء، فقد أقامهم اللَّه تعالى بعد موتهم ذلك فيلزم من ذلك أنهم يموتون موتة ثانية عند النفخ في الصور، فيذوقون الموت أكثر من غيرهم فالجواب عن ذلك أنه إذا نفخ في الصور فصعق من في السموات، ومن في الأرض فلا شك أن صعق غير الأنبياء بالموت وأما صعق الأنبياء فالظاهر أنه غشية وزوال استشعار لا موت كغيرهم كيلا يلزم أنهم يموتون مرتين -
وهذا ما اختاره الإِمام البيهقي، والقرطبي، وغيرهما أن صعقتهم يومئذٍ ليس موتًا بل غشي أو نحوه، ويدل لصحته قوله ﷺ في الحديث "فلا أدري، أكان فيمن صعق فأفاق قبلي"، ولم يقل حي قبلي فإن هذا يقتضي أنه إذا نفخ النفخة الثالثة، وهي نفخة البعث يفيق من كان مغشيًا عليه، ويحيا من كان ميتا، والحاصل أن نبينا محمد ﷺ تحقق أنه أول من يفيق، وأول من يخرج من قبره قبل الناس كلهم الأنبياء وغيرهم إلا موسى ﵇ فإنه حصل له تردد هل بعث قبله أو بقي على حاله التي كان عليها قبل النفخة والصعق، وهذا الوجه أول ما يحمل عليه هذا الحديث، وهو الذي لا يتجه غيره واللَّه أعلم.
أما قوله ﷺ "لا تفضلولني على موسى"، فقد ذكر العلماء ﵃ فيه وجوها كثيرة منها أن هذا كان قبل أن يعلمه اللَّه تعالى بأفضليته فلما أعلمه اللَّه تعالى بذلك صرح به وقال ﷺ : أنا سيد ولد آدم، منها أن المنهي عنه هو التفاضل بينهم في النبوة فإنها درجة واحدة لا تفاضل
стр. 328
فيها، ومنها أن هذا كان منه ﷺ من باب الأدب والتواضع وفي هذه الوجوه نظر، وأقوى منها وجهان: أحدهما: أنه ﷺ لا يعطه حقه إلا من يفرق بين الفاضل والأفضل، والكامل والأكمل، وكثير من الناس يعتقد في المفضول نقصًا بالنسبة إلى الفاضل، وفضل بعض الأنبياء على بعض إلى هو من باب الفاضل ولا يقض بالحق أحدا منهم فحمى النبي ﷺ من ذلك لئلا يودي إلى نقص من مرتبتهم وفي التنقص بين مرتبتهم من المحذور ما لا يخفى، والثاني: أن النبي ﷺ لم يمنع من اعتقاد ذلك، وإنما منع من قوله والخوض فيه يودي إلى خصومة وفتنة، كما وقع في الحديث المتقدم من قصة المسلم واليهودي واللَّه أعلم.
وعن ابن عباس ﵁ قال: أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم والكلام لموسى، والرؤية لمحمد ﷺ ، وكلام اللَّه تعالى لموسى مقطوع به قال: للَّه تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى
تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤].
وسماع موسى لكلام اللَّه تعالى جائز، وإن كان كلامه منزهًا عن الحروف والأصوات كما أن المؤمنين يرون اللَّه تعالى يوم القيامة وهو منزه عن الجهة وعن التحيز فإذا ثبت ذلك تحيز الصادق المصدوق وجب اعتقاده والتصديق به واللَّه أعلم.
وأما رأفته ﷺ على هذه الأمة وشفقته عليهم فمنها قوله لنبينا ﷺ ليلة الإسراء ما فرض ربك على أمتك؟ قال خمسين صلاة في كل يوم وليلة، وقال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف فإن أمتك لا يطيقون ذلك، وإني قد بلوت بني إسرائيل واختبرتهم إلى أن قال فلم أزل أرجع بين يدي ربي وبين موسى حتى قال: يا محمد إنهن خمس صلوات كل يوم وليلة لكل صلاة عشرة فتلك خمسون الحديث بطوله في الصحيحين وقد تقدم.
стр. 329
وأما معجزاته ﷺ فمنها أنه لما جاء حزب بني فرعون الموكلون بذبح ذكور بني إسرائيل إلى أمه، قالت أخته: يا أماه الحرس بالباب فلفته أمه في خرقة، ووضعته في التنور وهو مسجور، ولم تعقل ما تصنع فجاء الحرس فوجدوا التنور مسجورا، فلم يتغير لون أمه ولا ظهر لها لبن، فخرجوا من عندها، فرجع لها عقلها، وقالت لأخته: أين الصبي؟ قالت: لا أدري فسمعت بكاءه من التنور فانطلقت إليه وقد جعل اللَّه النار المحرقة عليه بردًا وسلامًا إلى غير ذلك من الكرامات الباهرة والمعجزات الظاهرة والمعدودة في معجزاته الباهرة المعدودة، في معجزات الأنبياء صلوات اللَّه وسلامه عليهم، وسمي موسى لأنه ﷺ وجد بعد ما ألقته أمه في اليم في ماء وشجر في دار فرعون فقيل لآسية امرأة فرعون: سميه، فقالت: سميته موسى لأن مويا بالقبطة اسم للماء وسى اسم للبحر.
روى صاحب كتاب الإنس بسنده إلى قتادة عن حسن قال: مات موسى فلم يدر أحد من بني إسرائيل أين قبره ولا أين توجه فماج الناس في أمره ولبثوا لذلك
ثلاثة أيام لا ينامون الليل فلما كان ثالثة غشيتهم سحابة على قدر محلة بني إسرائيل، وسمعوا منها مناديًا يقول بأعلى صوته مات موسى، وأي نفس لا تموت مكررًا القول حتى فهمه الناس كلهم، وعلموا أنه قد مات، ولم يعرف أحد من الخلائق أين قبره.
وبسنده إلى محمد بن إسحاق يرفعه إلى النبي ﷺ قال: ما طلع أحد على قبر موسى إلا الرحمة فنزع اللَّه عقلا كي لا تدل عليه أحدا، قال القرطبي في كلامه على قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ [الأحزاب: ٦٩] , أي بقولهم قتل موسى أخاه هارون فتكلمت الملائكة بموته، ولم نعرف قبره إلا الرحمة ولذلك جعله اللَّه أبكم أصم، وكذلك رواه الحاكم في مستدركه في كتاب تاريخ الأنبياء، روى بسنده إلى قتادة قال الحسن: مات موسى وهو
стр. 330
ابن عشرين ومائة سنة، ومات هارون قبل موسى بثلاث سنين، وهو ابن ثمانية عشرة سنة ومائة، وهو أكبر من موسى بسنة، وكذا ذكر أبو جعفر الطبري في تاريخه أن عمر موسى مائة سنة وعشرون سنة، قال غيره: مات موسى وهو ابن مائة وسبع عشرة سنة، ومات في سابع آذار ودفن في الوادي من الأرض التي مات فيها قال وهارون ولد قبل موسى بسنة في عام الذبح وذلك أنه وقع في مشيخة بني إسرائيل موت، فقال رؤوس القبط لفرعون: قد وقع الموت في هؤلاء القوم ويوشك أن تفنى الكبار وأنت تذبح الصغار، وأمر أن يذبحوا سنة ويتركوا سنة فولد هارون في سنة الترك وموسى بعدها في سنة الذبح ومات هارون قبل موسى بثلاث سنين، فموسى أكبر من هارون، وقول صاحب كتاب الإنس: حكايه عن الأنس حكاية الحسن هو أكبر من موسى بسنة مراده أسبق منه في الوجود سنة لأنه أسن منه. قال وهب: لما قبض هارون كان عمر موسى مائة وسبع عشرة سنة وعاش بعده ثلاثين سنة، أما فائدة الدنو من الأرض المقدسة رمية بحجر وذكر موضع قبره في الصحيحين أن موسى ﵇: قال يا رب أدنني من الأرض المقدسه رمية بحجر. قال رسول اللَّه ﷺ : "لو أني عنده لأريتكم قبره إلى جنب الطريق عند الكثيب الأحمر"، فإن قيل: لم لم يسأل موسى ﵇ نفس الأرض المقدسه ولا مكانا مخصوصًا معروفًا عند الناس وإنما
سأل الدنو من الأرض المقدسة رمية بحجر فالجواب نحو ذلك بها رواه القرطبي في تفسيره أنه إنما سأل الدنو منها لشرفها؟ ولم يسأل مكانًا معروفًا خوفًا من أن يعبد وتكثر الأحداث عنده ولا يتنافى سؤاله الدنو منها القول بأن قبره ببيت المقدس فإنه ﵇ سأله شيئًا عطاه اللَّه فوقه، وهذا شأن الكريم يعطي فوق المسئول وعمل الناس اليوم من أهل بيت المقدس، وغيرهم على القول الثالث المتقدم وهو أنه دفن شرقي
стр. 331
بيت المقدس وقبره مقصود بالزيارة في القبة التي تقدم ذكرها والناس يتحملون مشقة الذهاب إليه فيبيتون عنده مشقة الإياب ويبذلون الأموال في عمل المأكل والمشرب، وتأجير الدواب يفعل ذلك الرجال والنساء من أهل بيت المقدس، وغيرهم الواردين عليه بقصد الزيارة لا يخلون بذلك حتى الآن، قال الحافظ ضياء الدين المقدسي: يقال إن ذلك القبر الذي اشتهر أنه قبره في الأرض المقدسة بالقرب من أريحا كان عنده كثيب أحمر إلى جانبه طريق مسلوك. انتهى واللَّه أعلم.
стр. 332
الباب السابع عشر
في فضل الشام وما ورد في ذلك من الآيات والآثار والأخبار وسبب تسميتها بالشام وذكر حدودها، وما ورد من حديث النبي ﷺ على مكانها وما تكفل اللَّه تعالى لها ، وأنها غصن دار المؤمنين، وعمود الإِسلام بها، وأن الشام صفوة اللَّه من بلاده يسكنها خيرته من عباده. ودعا النبي ﷺ لها بالبركة، وذكر بناء مسجد دمشق وعمارته، ومبدأ أمره وما بها من المساجد والمشاهد المقصودة بالزيارة المعروفة بإجابة الدعوات والتنبيه عليها، وما في معناها أما الفضل فقد تقدم في الباب الأول من الآيات الورادة في فضل الأرض المقدسة ما يغنى عن الإعادة ههنا فليراجع منه، وفي ترغيب أهل الإِسلام عقب الكلام على قوله تعالى: ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٠]، قال عبد اللَّه بن سلام هي دمشق، وقال ابن عباس ﵁ هي بيت المقدس وروى أبو أمامة الباهلي رضي اللَّه تعالى عنه عن النبي ﷺ أنه قال: "أتدرون أين هي يعني إلى الربوة قال اللَّه ورسوله أعلم. قال: هي بالشام بأرض يقال
لها الغوطة مدينة يقال لها دمشق هي آخر مدائن الشام" وكذا قال ابن عباس، وعبد اللَّه بن سلام، وسعيد بن المسيب والحسن البصري.
стр. 333
وقوله عن معمر عن قتادة في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [الأعراف: ١٣٧] قال: هي مشارق الشام ومغاربه، وفيه عن قتادة أيضًا في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ [يونس: ٩٣]، الصدق يعبر به عن الحسن استعارة، ويجوز في قوله تعالى: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ [القمر: ٥٤] أي في مقعد حسن وقد يكون المبوأ حسنا لما فيه من البركات الدينية والخيرات، وذلك موجود وافر بالشام، وبيت المقدس أو يكون حسن لبركاته العاجلة بسعة الرزق والثمار والأشجار، قال صاحب مثير الغرام إن معنى قوله تعالى: مشارق الأرض ومغاربها تأويله جهات شرقها أرض الشام وجهات غربها أرض مصر واختلف المفسرون في الأرض المقدسة، فقال مجاهد الطور وما حوله، وقال الضحاك إليا وبيت المقدس، وقال ابن عباس، وعكرمة، والسدي أريحا، وقال الكلبي: دمشق، وفلسطين، وبعض الأردن، وقال قتادة: الشام كلها، ومجموع هذه الأقوال لا يخرج الأرض المقدسة عن الشام.
أما تسميتها بالشام قال: اللغويون: اسم بلاد تذكر وتؤنث يقال شام وشأم وسميت شأما لأنها عن شمال الكعبة، كما سمي كل ما عن يمين الكعبة من بلاد الغور يمنًا، وقيل سميت بذلك لأن أصحاب نوح ﵇ لما خرجوا من السفينة فمنهم من أخذ نحو يمين الكعبة ومنهم من أخذ نحو يسارها فسمي الموضع باسم الجهة المأخوذ منها، فقيل يمن وشأم، وقيل: سمي بذلك لجبال هناك بيض وسود كأنها شامات، وقيل سميت باسم سام بن نوح: لأنه أول من نزل بها فتطيرت العرب من سكناها وكرهت أن تقول سام لأنه اسم الموت، فقالت شام، وقيل: لكثرة قراها
وتداني بعضها من بعض فسميت بالشامات، وقيل لأن قومًا من بني كنعان بن حام خرجوا عند تفرقهم فتشاموا إليها، أي أخذوا ذات الشمال فسميت بذلك شامًا، وأما حدودها من الغرب البحر المالح
стр. 334
وعلى ساحله عدة مدائن ومن الجنوب، رمل مصر، والعريش ثم تيه بني إسرائيل وطور سيناء، ثم تبوك ثم دومة الجندل ومن الشرق برية السماوة وهي كبيرة ممتدة إلى العراق ينزلها عرب الشام، ومن الشمال ما يلي الشرق أيضًا الفرات إلى بلاد الجزيرة ومسافة طوله من العريش إلى الفرات عشرون يومًا أو أكثر، وقال في كتاب المسالك والممالك: خمسة وعشرون يومًا وعدة كل مسافة ما بين كل بلدين، وأما عرضه فيزيد على ذلك وينقص أكثره ثماينة أيام، وأقله ثلاثة أيام وهذا التحديد ذكره مؤرخ الشام الحافظ شمس الدين الذهبي في كتاب البلدان له، وحكاه صاحب كتاب مثير الغرام، وروى صاحب كتاب الإنس بسنده إلى حاتم بن حيان البسني أنه قال: أول الشام نابلس وآخره عريش مصر ذكره في آخر باب فضل الشام وأهله، وقال في مثير الغرام قسم الأوائل: الشام خمسة أقسام:
الأول: فلسطين سمي بذلك لأن أول من نزلها فلسطنى بكسر الفاء وفتح اللام ابن كوسجين بن مغطى بن يونان بن يافث بن نوح، وأول حدودها من طريق مصر رفح وهي العريش، ثم يليها غزة ثم الرملة فلسطين، ومن
стр. 335
مدن فلسطين إيليا وهي بيت المقدس بينها وبين الرملة ثمانية عشر ميلا، وكانت بيت المقدس دار ملك داود وسليمان ﵉ وعسقلان ومدينة الخليل ﵇ رملة ونابلس، وقال في كتاب المسالك والممالك، ومسافة فلسطين للراكب طولا يومان من رفح، إلى حد اللجون، وعرضا من يافا إلى أريحا كذلك.
الثاني: حوران مدينتها العظمى طبرية ولبحيرتها ذكر في حديث يأجوج
ومأجوج وقع في الشفاء للقاضي عياض ﵀ أن قال: في وقت ولادته ﷺ غاضت بحيرة طبرية وإنما هي بحيرة ساوه، ومن مدنها الغور واليرموك وبيسان فيما بين فلسطين والأردن وبيسان هذه التي سأل الرجال عن نخلها، والأردن بضم الهمزة وسكون الراء وضم الدال وتشديد النون هو النهر المعروف بالشريعة المذكور في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾ [البقرة: ٢٤٩].
الثالث: الغوطة ولها ذكر في آثار عديدة ومدينتها دمشق بكسر الدال وفتح الميم، وفي لغة ضعيفة كسر الميم قيل هي ذات العماد، وقيل كانت دار نوح ﵇، ومن سواحلها طرابلس وفي كتاب الأربعين البلدانية للحافظ أبي القاسم علي بن هبة اللَّه بن عساكر: أن دمشق أم الشام وأكبر بلدانها وهي من الأرض المقدسة.
стр. 336
الرابع: حمص قيل لا يدخلها حية ولا عقرب وقال قتادة: نزلها خمسمائة صحابي ومن أعمالها مدينة سلمية.
الخامس: قنسرين ومدينتها العظمى حلب ومن أعمالها مدينة سرمين وأنطاكية ويقال إن بها قبر حبيب النجار.
وذكروا لكل قسم من هذه الأقسام الخمسة بلاد ومعاملات، وفي بعض الأجزاء اتفق العلماء على أن الشام أفضل البقاع بعد مكة والمدينة، وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام ﵀ في تأليفه ترغيب أهل الإسلام في سكن الشام، وبعد فأحمد اللَّه تعالى على أن حبب إلينا الإيمان وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، وجعلنا من أهل الشام الذي بارك فيه للعالمين وأسكنه الأنبياء والمرسلين والأولياء المخلصين، وخصه بملائكته المقربين وجعله في كفالة رب العالمين وجعل أهله على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم
стр. 337
إلى يوم الدين، وجعله معقل المؤمنين، وملجأ اللاجئين سيما دمشق
الموصوفة في القرآن المبين بأنها ذات قرار ومعين، كذا روى عن سيد المرسلين وجماعة من المفسرين وبها ينزل عيسى ابن مريم لإعزاز الدين ونصر الموحدين، وقتل الكافرين وبغوطها تمتد الملاحم فسطاط المسلمين، ثم قال: وقد وفر اللَّه سبحانه خط دمشق بما أجراه فيها من الأنهار وسلسلة من مياهها خلال المنازل والديار وأنبته بظاهرها من الحبوب والثمار والأزهار، وجعلها موطنًا لعبادة الأخيار وساق إليها صفوته من الأبرار وما ذكره علماء السلف في تفسير آي كتابه العزيز المختار وما ورد في حب النبي ﷺ على سكناها وما تكفل به لها ولأهلها إلى غير ذلك من الأخبار والآثار, فمنه ما رواه الحافظ ابن عساكر بسنده إلى إدريس الخولاني، عن عبد اللَّه بن جوالة الأزدي، عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: (ستجدون أجنادًا، أو قال: جندًا بالشام، وجندا بالعراق وجندا باليمن، فقال الخولاني خبرني يا رسول اللَّه ﷺ فقال: عليكم بالشام فمن أبي فليلحق بيمنه وليبق من عذره فإن اللَّه قد تكفل لي بالشام وأهله) فكان أبو إدريس إذا حدث بهذا الحديث، التفت إلى ابن عامر، وقال: من تكفل اللَّه به فلا ضيعة عليه، وروى صاحب كتاب الأنس بسنده، إلى عبد اللَّه بن جوالة الصحابي قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "رأيت ليلة أسري بي عمودًا أبيض كأنه لؤلؤة تحمله الملائكة فقلت ما تحملون قالوا: عمود الإِسلام أمرنا ربنا أن نضعه بالشام وبينما أنا نائم رأيت عمودًا للكتاب اختلس من تحت وسادتي فظننت أن اللَّه تعالى قد تخلى من الأرض فأتبعته بصري، فإذا نور ساطع بين يدي حتى وضع بالشام فقال ابن جوالة: يا رسول اللَّه خبرني فقال: عليك بالشام" وبسنده إلى الحسن بن شجاع الربعي، إلى كعب أن رجلًا قال له: أريد الخروج أبتغي فضل اللَّه فقال: عليك بالشام، فإن ما نقص من بركة الأرضين يزاد بالشام، وبسنده إلى كعب أيضًا قال: تخرب الدنيا، أو قال الأرض.
стр. 338
قبل الشام بأربعين عامًا، وبسنده إلى ابن عباس ﵄
قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مكة آية الشرف، والمدينة معدن الدين، والكوفة فسطاط الإِسلام والبصرة فخر العابدين، والشام موطن الأبرار، ومصر عن إبليس وكهفه ومستقره، والزنا في الزنج، والصدق في النوبة، والبحرين وأهل اليمن أفئدتهم رقيقة ولا يعدوهم الرزق والأئمة من قريش، وسادة الناس بنو هاشم" وبسنده إلى ابن جوالة أيضًا عن النبي ﷺ أنه قال: "ستكون أجناد مجندة شام ويمن وعراق -واللَّه أعلم- بأيها بدأ ألا وعلكيم بالشام ألا وعليكم بالشام فمن كره فعليه بيمنه وليبق من عذره فإن اللَّه قد تكفل لي بالشام وأهله" وبسنده إلى واثلة بن الأسقع قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول لحذيفة بن اليمان، ومعاذ بن جبل، وهما يستشيرانه في المنزل فأومأ إلى الشام ثم سألاه، فأومأ إلى الشام ثم قال: "عليكم بالشام فإنها صفوة بلاد اللَّه يسكنها خيرته من عباده فمن أبي فليلحق بيمينه وليبق من عذره فإن اللَّه تعالى قد تكفل لي بالشام وأهله"، أو قال: "قد تكفل بالشام وأهله"، وبسنده إلى جبير بن نفير عن عبد اللَّه بن جوالة قال: كنا عند رسول اللَّه ﷺ فشكوا إليه الفقر والعُري وقلة الشيء فقال ﷺ : "بشروا فواللَّه لا نأمن كثرة الشئ أخوف عليكم من قلته" الحديث.
وفيه قال ابن جوالة قلت فاختر لي يا رسول اللَّه إن أدركني ذلك قال: "أختار لك الشام فإنها صفوة اللَّه من بلاده، وإليه تجيء صفوته من عباده يا أهل الإسلام، عليكم بالشام فإن صفوة اللَّه من الأرض الشام فمن أبي فليلحق بيمينه وليبق من عذره فإن اللَّه قد تكفل لي بالشام وأهله"، ورواه صاحب ترغيب أهل الإِسلام بلفظ آخر عن ابن جوالة قال يا رسول اللَّه اختر لي بلدا أكون فيها فلو أعلم أنك تبقى لي لم أختر على قربك شيئًا قال: "عليك بالشام" فلما رأى كراهتى
стр. 339
للشام قال: "أتدري ما يقول اللَّه تعالى في الشام؟ إن اللَّه يقول: يا شام أنت صفوتي من أرضى وبلادي أدخل فيك خيرتي من عبادي بأن اللَّه قد تكفل لي بالشام وأهله" وهذه شهادة
رسول اللَّه ﷺ باختيار الشام وتفضيلها، وباصطفائه ساكنيها واختياره لقاطنيها وقد رأينا ذلك بالمشاهدة وأن من رأى صالحي أهل الشام وبنسبتهم إلى غيرهم رأى بينهم من التفاوت ما يدل على اصطفائهم واجتبائهم، وقال عطاء الخراساني إني لما هممت بالنقلة شاورت من بمكة والمدينة والكوفة والبصرة وخراسان من أهل الكتاب فقلت أين ترون لي أن أنزل بعيالي فكلهم يقولون عليك بالشام؟ وروى صاحب كتاب الإنس بسنده إلى ابن عباس ﵄ قال: قال رجل لرسول اللَّه ﷺ إني أريد الغزو، فقال له ﷺ : "عليك بالشام وأهله، ثم الزم من الشام عسقلان فإنه إذا دارت الرحى في أمتي كان أهل عسقلان في راحة وعافية".
وبسنده إلى أبي أمامة قال: لا تقوم الساعة حتى يتحول خيار أهل العراق إلى الشام ويتحول أشرار أهل العراق إلى العراق، وقال رسول اللَّه ﷺ : "عليكم بالشام" قالها ثلاثًا، وبسنده إلى عبد اللَّه بن عمر ﵄ قال ﷺ : "صلاة الفجر"، ثم انتقل فأقبل على القوم فقال لهم: "بارك
стр. 340
لنا في مدينتا وبارك لنا في مدنا وصاعنا، اللهم بارك لنا في حرمنا وبارك لنا في شامنا ويمننا"، فقال رجل، والعراق يا رسول اللَّه، فقال: "من ثم يطلع قرن الشيطان وتهيج الفتن"، وذكره في مثير الغرام بأخصر منه، ثم قال: أخرجه البخاري في صحيحه, ورواه صاحب كتاب الإنس بزيادة لفظ بعد قوله شامنا اللهم اجعل مع البركة بركة، وبسنده إلى أبي مسلم في قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ [المائدة: ٢١]، قال: كان ستة رجال يحملون عنقودًا من عنب وأربعة رجال يحملون رمانة ورجلان تينة، وبسنده إلى أبي الحسن ابن شجاع الربعى عن كعب قال: إن اللَّه تعالى بارك في الشام من العريش إلى الفرات، وروى صاحب كتاب الأنس بسنده إلى حكيم بن حزام عن معاوية عن أبيه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "تحشرون ههنا وأومأ بيده نحو الشام مشاة وركبانا وعلى وجوهكم، وتعرضون على اللَّه وعلى أفواهكم القدام فأول من يعرب عن أحدكم فخُذه، وتلى رسول اللَّه ﷺ ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا
جُلُودُكُمْ﴾ [فصلت: ٢٢] " وبسنده إلى الحسن قال: الشام أرض المحشر والمنشر، وعن الوليد بن صالح الأزدي قال في الكتاب الأول: إن اللَّه تعالى يقول للشام، أنت إلا ندنوا ومنك المنشر وإليك المحشر، عن يحيى بن أيوب عن زيد بن ثابت قال: بينما نحن عند رسول اللَّه ﷺ نؤلف
стр. 341
القرآن من الرقاع إذ قال: "طوبي للشام" قيل: ولم يا رسول اللَّه؟ قال: "إن ملائكة الرحمن باسطة عليها"، وروى صاحب كتاب الأنس بسنده إلى واثلة بن الأسقع قال: إن الملائكة تغشى مدينتكم هذه يعني دمشق ليلة الجمحة، فإذا كانت بكرة النهار افترقوا على أبوابها براياتهم وبنودهم، ثم ارتفعوا وهم يدعون اللَّه اللهم اشف مريضهم ورد غائبهم، وعن عبد اللَّه بن عمير قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الخير عشرة أعشار تسعة بالشام وواحد في سائر البلدان وإذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم" وروى الطبراني في معجمه الكبير عن عبد اللَّه بن مسعود موقوفًا عليه قال: قسم اللَّه تعالى الخير عشرة أعشار، فجعل تسعة أعشار بالشام، وبقيته في سائر البلدان، وقسم الشر عشرة أعشار، فجعل جزءًا منه بالشام، وبقيته في سائر الأرض، وروى صاحب كتاب الإنس بسنده إلى عبد اللَّه بن عمر أن النبي ﷺ قال: "دخل إبليس العراق فقضى حاجته منها، ثم دخل الشام فطردوه حتى بلغ نساف، ثم دخل مصر فباض فيها وفرخ وبسط عبقريته" قال ابن وهب أحد رواته: كان ذلك في فتنة عثمان ﵁ لأن الناس افتتنوا فيه وسلم أهل الشام، وروى صاحب كتاب الإنس بسنده إلى أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أهل الشام وأزواجهم وذراريهم وعبيدهم وإماؤهم إلى منتهى الجزيرة يرابطون في سبيل اللَّه تعالى فمن اختار فيها مدينة من المدائن فهو في رباط ومن اختار فيها ثغرًا من
الثغور فهو في جهاد" وبسنده إلى معاوية بن قرة عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم ولا تزال طائفة من أمتي منصورين على الناس لا يضرهم من خذلهم إلى يوم القيامة" وبسنده إلى خزيم بن فائك الأسدي الضحاك أنه سمع رسول اللَّه ﷺ يقول: "أهل الشام سوط اللَّه في أرضه ينتقم بهم ممن يشاء من عباده"
стр. 342
وفي لفظ من رواية كعب أنه قال: أهل الشام سيف من سيوف اللَّه ينتقم بهم ممن عصاه في أرضه وعن عوف بن عبد اللَّه بن عتبة قال: قرأت فيما أنزل اللَّه تعالى على بعض الأنبياء الشام كفالتي، فإذا غضبت على قوم رميتهم منها بسهم، وروى صاحب كتاب الأنس بسنده إلى شهر بن حوشب قال: لما فتح معاوية بن أبي سفيان مصر جعل أهل مصر يسبون أهل الشام، فقال عوف: وأخرج وجهه من برنسة يا أهل مصر أنا عوف بن مالك لا تسبوا أهل الشام فإني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: فيهم الأبدال وبهم ترزقون وبهم تنصرون.
وبسنده إلى الزهري عن عبد اللَّه بن صفوان قال: قال رجل رسوم صفين: اللهم العن أهل الشام، قال: فقال له علي: لا تسب أهل الشام جما غفيرا فإن بها الأبدال.
وبسنده إلى عياش بن عباس القيتاني، أن علي بن أبي طالب ﵁ قال: الأبدال في الشام، والنجباء من أهل مصر، والأخيار من أهل العراق.
وفي مثير الغرام عن شريح بن عبيد قال: ذكر أهل الشام عند علي بن أبي طالب ﵁ فقالوا: العنهم يا أمير المؤمنين، فقال: لا إني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "الأبدال بالشام وهم أربعون كما مات رجل أبدل اللَّه مكانه رجلًا يستسقي بهم الغيث وينتصر بهم على الأعداء ويصرف عن الشام بهم العذاب" رواه أحمد في مسنده
وروى أبو الأسعد هبة الرحمن بن هوازن بسنده إلى أنس عن النبي ﷺ أنه قال: "بدلاء أمتي اثنان وعشرون بالشام وثمانية عشر بالعراق كما مات واحد أبدل اللَّه مكانه آخر إذا جاء الأمر قبضوا وأما مواطنهم فإنهم لا يبرحون في الغالب عنه".
стр. 343
وقال الفضل بن فضالة: الأبدال بالشام خمسة عشرون رجلًا بحمص، وثلاثة عشر بدمشق، ورجلان ببيسان، وقال الحسن بن يحيى سبعة عشر بدمشق وأربعة ببيسان، والشام مواطن أكثر الأنبياء ومواضع العباد والزهاد وبها الأبدال وسكناهم بجبل اللسكان ويقال اللكام وبجبل لبنان.
وأما كونها عقر دار المؤمنين فقد روى جبير بن نفير عن النواس بن سمعان قال: فتح اللَّه تعالى على رسول اللَّه ﷺ فتحًا فقالوا يا رسول اللَّه: سبيت الخيل ووضع السلاح فقد وضعت الحرب أوزارها وقالوا: لا قتال، فقال: كذبوا الآن جاء القتال لا يزال أمر اللَّه يزيغ قلوب قوم منهم حتى يأتي أمر اللَّه تعالى على ذلك وعقر دار المؤمنين بالشام يعني أصلها بفتح العين وضمها.
وقال ثابت: عظمها، وقال أبو زيد: عقر دار القوم وطنهم، وقال يعقوب العقر: البناء المرتفع، وعن سلمة بن نفيل قال: كنت جالسًا عند النبي ﷺ فقال: "يوحى إلى أني مقبوض غير ملبث وأنكم ستبغون إفسادا يضرب بعضكم رقاب بعض، ولا يزال من أمتي أناس يقاتلون على الحق ويزيغ اللَّه قلوب أقوام ويرزقهم اللَّه منهم حتى تقوم الساعة، وحتى يأتي وعد اللَّه والخيل معقودة في نواصيها الخير،
وعقر دار الإسلام بالشام" أخرجه النسائي في سننه والإمام أحمد في مسنده.
وروى عبد الرحمن بن جبير بن نفير أن يزيد بن أبي سفيان ومن معه
стр. 344
كتبوا إلى أبي بكر بن خالد بن الوليد وهو بالعراق ويقال: بناحية عين التمر وقد فتح اللَّه القادسية وجلولا وأمير الجيش يومئذٍ سعد بن أبي وقاص، وكتب إليه أن اصرف بثلاثة آلاف فارس فأنقذ إخوانك بالشام والعجل بالعجل إلى إخوانكم بالشام فواللَّه لقرية من قرى الشام يفتحها اللَّه تعالى على المسلمين أحب إلى اللَّه من رساتيق العراق ففعل خالد، وشق الأرض هو ومن معه حتى خرج إلى ضمير فوجد المسلمين معسكرين بالجابية فنزل خالد على شرحبيل بن حسنة، ويزيد بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، فاجتمع هؤلاء الأربعة يبرمون أمر الحرب، وقال رسول اللَّه ﷺ : ألا إن عقر دار المسلمين بالشام ألا إن اللَّه تكفل لي بالشام وأهله ألا إن صفوة اللَّه من بلاده يسير إليها صفوته من عباده لا ينزع إليها إلا مرحوم، ولا يرغب عنها إلا مفتون.
روي أن أبا بكر بن سليمان بن الأشعث، قال: بالشام عشرة آلاف عين رأت النبي ﷺ ، وكذا رواه صاحب كتاب الأنس عن الوليد بن مسلم، وقال في ترغيب أهل الإسلام لابن عبد السلام: لما علمت الصحابة ﵃ أجمعين تفضيل الشام على غيره رحل منهم إليه عشرة آلاف عين رأت النبي ﷺ ، وروي عن كعب الأحبار أنه قال عن التوراة في السفر الأول المحمد رسول اللَّه عبدي المختار لا فظ ولا غليط ولا صخاب في الأسواق ولا يجزي
стр. 345
السيئة بالسيئة ولكن يعفو ويغفر مولده مكة، وهجرته بطيبة، وملكه بالشام ومعظم أجناده من أهل البسالة والشجاعة بالشام" وقال كعب الأحبار: إن اللَّه بارك في الشام من الفرات إلى العريش، وقد أشار
كعب إلى أن البركة بالشام، وإن قوله تعالى ﴿الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: ١] لا يختص بمكان منه دون مكان وإنما هو عام مستوعب لجميع حدود الشام، وقال ابن عبد السلام، فإذا كان الشام وأهله عند اللَّه بهذه المثابة، وهذه المنزلة، وكانوا في حراسته، وكفالته، ودلت الأدلة على أن دمشق خير بلاد الشام، فكذلك خبر السلف، وشاهد الخلف، أن ملك دمشق خير ملوك الإسلام، فمن بسط منهم على أهله الفضل ونشر فيهم العدل، فإن النصر ينزل عليه من السماء مع ما يحصل من الود في قلوب الأبرار والأولياء الأخيار والعلماء مع ما يلقيه اللَّه من الرعب في قلوب الأضداد والأغيار والأشرار والفجار، ومن عاملهم من ملوك الإسلام بخلاف ذلك أحل اللَّه بهم الضر، وأنزل عليهم من البأساء، وأخذهم بالجبروت والكبرياء فإن اللَّه تعالى لا يهمله ولا يمهله، بل يعالجه باستلاب ملكه في حياته وبإلقائه في أنواع البلايا، وفتح أبواب الشقاء حتى يأخذه على غرة، وذلك لأنهم في كفالة رب الأرض والسماء، كما أخبر به خاتم الأنبياء وكيف لا يكون ذلك وقد اتصلت أذنيه بالأبدال وهم أكابر الأولياء، لقول علي بن أبي طالب ﵁: لا تسبوا أهل الشام وسبوا ظلمتهم وقال أبو هريرة ﵁: لا تسبوا أهل الشام فإنهم جند اللَّه المقدم، وقد قال ﷺ حكاية عن ربه : "من آذى لي وليًا فقد بارزني بالمحاربة ومن بارز اللَّه بالمحاربة كان جدير أن يأخذه اللَّه أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد" وقال ﷺ : "اللهم من ولي من أمر المسلمين شيئًا فرفق بهم فارفق اللهم به ومن ولي من أمرهم شيئًا فشق عليهم فاشقق اللَّه عليه، والمقسطون عند اللَّه على منابر من نور، عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في أنفسهم وأهليهم وما ولوا" وصح أنه ﷺ قال: "سبعة يظلهم اللَّه في ظله، يوم لا ظل إلا ظله:
стр. 346
إمام عادل. . . " الحديث بطوله بدأ به لأنه تجري على يديه مصالح عامة شاملة لجميع عباد اللَّه والخلق عيال اللَّه تعالى
وأحبهم إليه أنفعهم لعياله.
وقال موسى ﷺ لبنى إسرائيل: " ﴿وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٩] فيجب على ولاة الأمور أن يستحيوا من نظر اللَّه فصح أن دمشق أفضل بقاع الشام ما عدا بيت المقدس مما يدل على بركتها وأفضلية أهلها كثرة ما فيها من الأوقاف على أنواع القربات ومصارف الخيرات وأن مسجدها الأعظم لا يخلو في معظم الليل والنهار من قارئ لكتاب اللَّه أو مصلٍ أو ذاكر أو عالم أو متعلم.
ومما حكي عن ضيافة أهلها ودينهم ما رواه عبد الرحمن بن زيد بن جابر قال: باعت امرأة طستا في سوق الصفر بدمشق فوجده المشتري ذهبا فقال لها: لم أشتره؟ إلا على أنه صفر فإذا هو ذهب فهو لك فقالت ما ورثناه إلا على أنه صفر فإنه كان ذهبا فهو لك فاختصما إلى الوليد بن عبد الملك وأحضر رجاء بن حيوة، وقال له: انظر فيما بينهما فعرضه على الرجل فأبى أن يقبله فقال يا أمير المؤمنين إعطها ثمنه واطرحه في بيت المال. وقال زيد بن جابر، رأيت سوارًا من ذهب وزنه ثلاثون مثقالًا معلقًا في قنديل من قناديل مسجد دمشق أكثر من شهر لا يأتيه أحد فيأخذ كذا ذكره ابن عبد السلام في كتابه ترغيب أهل الإسلام.
واعلم أنه في دمشق وضواحيها أماكن فاضلة منها مسجدها الأعظم وقد تقدم في معناه عن قول اللَّه لجبل قاسيون سابني في صحنك أي وسطك بيتا أعبد فيه إلى آخره وتقدم أيضًا في الجبال المقدسة الكلام عليها عن قتادة أنه قال ﴿وَالتِّينِ﴾ [التين: ١] جامع دمشق، نقل ذلك عن الدرفس الغساني الدمشقي وفي تفسيره قوله تعالى: ﴿وَالتِّينِ﴾، قال القرطبي: ﴿وَالتِّينِ﴾، مسجد دمشق كان بستانا لهود ﵇ فيه تين، وعن عثمان بن أبي عاتكة قال قبلة مسجد دمشق قبر هود
стр. 347
عليه السلام وعلى ذكر مسجد دمشق الموعود بذكره وابتداء وصفه وذكر بانيه، وابتداء عمارته أقول: قال ابن شاكر الكتبي في تاريخه عيون التواريخ في السنة السادسة والتسعين من الهجرة تكامل بناء الجامع
الأموي بدمشق على يد بانيه الوليد بن عبد الملك بن مروان جزاه اللَّه تعالى خيرا عن المسلمين وكان ابتداء عمارته عشر سنين، وكان أصل موضع الجامع قديما معبد بنته اليونان وكانوا يعبدون فيه الكواكب السبعة، وهي القمر في سماء الدنيا، وعطارد في الثانية، والزهرة في الثالثة، والشمس في الرابعة، والمريخ في الخامسة، والمشتري في السادسة، وزحل في السابعة، وكانوا قد جعلوا أبواب دمشق سبعة على عدد الكواكب، وصوروا زحل على باب كيسان، والشمس على باب الصفر، والمريخ على باب الحبابية، وعطارد على باب الفراديس، والقمر على باب الثاني ويسمى اليوم باب السلامة، وأما باب النصر وباب الفرح، فإنهما مسجدان، وكان لهم على كل باب عيد في السنة، واليونان هم الذين وضعوا الأرصاد وتكلموا على حركات الكواكب واتصالاتها ومقارناتها، وبنوا دمشق في طالع سعيد واختاروا لها هذه البقعة إلى جانب الماء الوارد من بين الجبلين هذين، وصرفوه أنهارًا تجري إلى الأماكن المرتفعة والمنخفضة، وبنوا هذا المعبد، وكانوا يصلون إلى القطب الشمالي، فكانت محاربته تجاه الشمال، وبابه يفتح إلى جهة القبلة، حيث المحراب اليوم، كما شوهد عيانا لما نقضوا بعض الحائط القبلي وهو حسن مبني بالحجارة المنحوتة عن يمينه ويساره بابان صغيران بالنسبة إليه وكان بغربي معبد قصر منيف جدًا لخمل هذه الأعمدة التي بباب البريد وشرقيه قصر جيرون هو جيرون بن سعد بن عاد بن عوض، يقال: إنه هو الذي بني دمشق وهي إرم ذات العماد، وقيل إن جيرون وبريد، كانا أخوين، وهما: ولدا سعد بن عاد، وهما اللذان يعرف باب جيرون، وباب البريد بدمشق، بهما، وقال أهب بن منبه: دمشق بناها العازر غلام إبراهيم ﵇ وكان حبشيا وهبه له نمرود بن كنعان وكان اسم الغلام دمشق فبناها على اسمه، قال أبو الحسين الرازي: وحكى
стр. 348
الدمشقيون أنه كان في زمان معاوية بن أبي سفيان رجل صالح بدمشق وكان يقصده الخضر ﵇ في أوقات الزيارة فبلغ ذلك معاوية بن أبي سفيان فجاء إلى ذلك الرجل الصالح راجلًا وقال: له: بلغني أن الخضر يأتيك فأحب أن تجمع بيني وبينه، فقال له: نعم وجاء الخضر فسأله الرجل في ذلك فأبى عليه، وقال: ليس إلى ذلك سبيل
فعرف الرجل معاوية بذلك، فقال له معاوية قل له قد قعدنا مع من هو خير منك وحدثناه وخاطبناه وهو محمد ﷺ ولكن سله عن ابتداء دمشق كيف كان فسأله فقال صرت إليها فوجدت موضعها بحرا مستجمعا فيه المياه، ثم غبت عنها خمسمائة عام، ثم صرت إليها فرأيت قد ابتدأ فيها بالبناء، ونفر يسير فيها، وقيل إن باب جيرون من بناء سليمان بن داود ﵇ بنته الشياطين وإن اسم الشيطان الذي بناه جيرون فسمى به وقيل إن دمشق بناها دمشقش غلام كان مع الإسكندر، وذلك أنه لما رجع الإسكندر من المشرق وعمل السد بين أهل خراسان وبين يأجوج ومأجوج وسار يريد الغرب فلما بلغ الشام، وصعد على عقبه دمر أبصر هذا الموضع الذي فيه اليوم دمشق وكان هذا الوادي الذي يجري فيه شهر دمشق غيضه أرز فلما رآها ذو القرنين، وكان هذا الماء الذي في هذه الأنهار اليوم متفرقًا يجتمع في واد واحد، فأخذ الإسكندر يتفكر كيف يبنى فيه مدينة وكان أكثر فكره وتعجبه أن نظر إلى جبل يدور بذلك الموضع وبالغيضة كلها وكان له غلام يقال له دمشقش: وكان أمينه على جميع ملكه قال: فنزل الإسكندر في موضع القرية المعروفة ببلد من دمشق على ثلاثة أميال وأمر أن يحفر في ذلك حفرة فلما فعلوا ذلك أن يرد التراب الذي أخرج منها إليها فلما رد التراب إليها لم تمتلئ الحفرة فقال لغلامه دمشقش: ارحل فإني كنت نويت أن أسس في هذا الموضع مدينة فلما
стр. 349
أن كان لي مثل هذا مما يصلح أن يكون ههنا مدينة فقال له غلامه: ولم يا مولاي؟ فقال ذو القرنين: أن أبني هنا مدينة فلا يكفي أهلها زرعها، ثم رحل من هناك وسار حتى صار إلى الثنية وحوران، وأشرف على تلك السعة ونظر إلى تلك التوبة الحمراء فأمر ألا يتناول من ذلك التراب، فلما صار في يده أعجبه؛ لأنه نظر إلى تربة حمراء كأنها الزعفران فأمر أن ينزل هناك ثم أمر أن يحفر في ذلك الموضع حفرة، فلما حفروا أمر برد التراب إلى الحفرة فردوه ففضل منه تراب كثير فقال ذو القرنين لغلامه دمشقش: ارجع إلى الموضع الذي فيه الأرز إلى ذلك الوادي فاقطع ذلك الشجر وابنى على حافة الوادي مدينة واسمها على اسمك فهناك يصلح أن يكون مدينة وهذا الموضع بحرها ومنه مسيرتها يعني البنية قال: فرسم دمشقش المدينة
الداخلة وعمل لها ثلاثة أبواب باب جيرون، وباب البريد، والباب الحديد، الذي هو داخل باب الفراديس وهو الذي عند قراسنقر، وبناها دمشقش، ومات فيها، وكان قد بنى هذا الموضع الذي هو الجامع اليوم كنيسة يعبد اللَّه فيها، وقيل إن الذي بناها اليونان، وقال يحيى بن حمزة: قدم عبد اللَّه بن علي بن عبد اللَّه بن عباس دمشق وحاصر أهلها فلما دخلها هدم سورها فوقع منه حجر عليه مكتوب باليونانية فأرسلوا خلف راهب ليقرأه، فقال: آتوني به فطع على الحجر فإذا عليه مكتوب ربك أم الجبابرة من أرادك بسوء قصمه اللَّه تعالى ويلك من الخمسة أعين ينقض سورك على يديه بعد أربعة آلاف سنة قال: فوجدنا تاريخه ذلك وتعني الخمسة أعين عبد اللَّه بن علي بن عبد اللَّه بن عباس بن عبد المطلب، قال الحافظ ابن عساكر: لما فتح اللَّه تعالى على المسلمين الشام بكماله ومن ذلك مدينة دمشق بأعمالها وأنزل اللَّه رحمته فيها وساق بره إليها وكتب أمير الحرب إذ ذاك وهو أبو عبيدة بن الجراح، وقيل خالد بن الوليد ﵄ كتاب أمان وأقره بأيدي النصارى أربع
стр. 350
عشرة كنيسة (١) وهي كنيسة مري حنا بحكم أن البلد فتحه خالد بن الوليد ﵄ من الباب الشرقي بالسيف، وأخذت النصارى الأمان من أبي عبيدة وهو على باب الجابية بالصلح واختلفوا، ثم اتفقوا على أن جعلوا نصف البلد صلحا ونصفه عنوة فأخذوا نصف هذه الكنيسة الشرقي فجعله أبو عبيدة مسجدًا وكان قد صارت إليه إمرة الشام فكان أول من صلى فيه أبو عبيدة ثم الصحابة بعده في البقعة التي يقال لها: محراب الصحابة ولكن لم يكن الجدار مفتوقًا بمحراب محني وإنما كان الصحابة يصلون عند هذه البقعة المباركة، وكان المسلمون والنصارى يدخلون من باب واحد وهو باب المعبد الأصلي الذي كان من جهة القبلة مكان المحراب الكبير اليوم، فينصرفت النصارى إلى جهة الغرب إلى كنيستهم، ويأخذ المسلمون يمنه إلى المسجد، ولا يستطيع النصارى أن يجهروا بقراءة كتابهم، ولا يضربوا بناقوسهم إجلالا للصحابة، ومهابة وخوفا، وبنى معاوية في أيامه على الشام دار الإمارة قبلي المسجد الذي كان للصحابة، وبنى فيها قبة خضراء، فعرفت الدار بكمالها، سكنها
معاوية أربعين ثم لم يزل الأمر كما ذكرنا من سنة أربع عشرة إلى سنة ست وثمانين في ذي القعدة منها، وقد صارت الخلافة إلى الوليد بن عبد الملك في شوال منها فعزم على أخذ بقية هذه الكنيسة، وإضافتها إلى ما بأيدي المسلمين منها، ويجعل الجميع مسجدًا واحدًا وذلك لتأذي بعض المسلمين بقراءة النصارى فى الإنجيل، ورفع أصواتهم في صلاتهم، فأحب أن يبعدهم عن المسلمين، وأن يضيف ذلك المكان إلى هذا، فيكبر به المسجد الذي هو الجامع، فطلب النصارى وسألهم أن
стр. 351
يخرجوا له عن المكان الذي بأيديهم، ويعوضهم عنه إقطاعات كثيرة عرضها عليهم وأن يبقوا لهم أربع كنائس لم تدخل في العهد وهي كنيسة مريم وكنيسة المصلبة داخل باب شرقي، وكنيسة تل الجيف، وكنيسة أم حميد التي بدرب الصقيل، فأبوا ذلك أشد الإباء فقال: آتونا بعهدكم الذي بأيديكم من زمن الصحابة فأتوا به فقرأه بحضرة الوليد، فإذا كنيسة توما التي كانت خارج باب توما عند النهر لم تدخل في العهد، وكانت فيما يقال أكبر من كنيسة مري حنا فقال أن اهدمها واجعلها مسجدا فقالوا: بل يتركها أمير المؤمنين ما ذكر من الكنائس ونحن نرضى بأخذه بقية هذه الكنيسة فأقرهم على تلك الكنائس وأخذ منهم بقية هذه الكنيسة، ثم أمر بإحضار آلات الهدم، واجتمع إليه الأمراء والكبراء رؤوس الناس، وجاءت أساقفة النصارى وقساوستهم، فقالوا: يا أمير المؤمنين إنا نجد في كتبنا أن من يهدم هذه الكنيسة يجن، فقال: أنا أحب أن أجن في اللَّه واللَّه لا يهدم فيها أحد قبلي، ثم صعد المنارة الغربية ذات الأضالع المعروفة اليوم بالساعات وكانت صومعة، فإذا فيها راهب فأمره بالنزول منها فأكبر الراهب ذلك وتلكأ فأخذ الوليد بقفاه، ولم يزل يدفعه حتى أصدره منها، ثم صعد الوليد على أعلى مكان في الكنيسة فوق المذبح الأكبر الذي يسمونه الشاهد وأخذ أذيال قباه، وكان لونه أصفر سفرجليا فغرز بها في المنطقة، ثم أخذ بيده فأسا وضرب به في أعلى حجر هناك فألقاه فتبادر إليه الأمراء إلى الهدم وكبَّر المسلمون ثلاث تكبيرات وصرخت النصارى بالعويل والويل على درج جبرون وقد اجتمعوا هناك فأمر الوليد أمير الشرطة وهو أبو نائل رباح الغساني أن يضربهم حتى
стр. 352
يذهبوا من هناك ففعل، وهدم المسلمون
جميع ما جدده النصارى في تربيع هذا المكان من المذابح والأبنية والحنايا حتى بقي ساحة مربعة ثم شرع في بنائه بفكرة جيدة على صفة حسنة لم يسبق اليها، واستعمل الوليد في بناء هذا المسجد على الصورة التي اخترعها خلق من الصناع والمهندسين والفعلة، وكان المستحث على عمارته أخوه وولي عهده من بعده سليمان بن عبد الملك.
ويقال: إن الوليد بعث الى ملك الروم يطلب منه صنَّاعًا في الرخام وغير ذلك ليعمروا هذا المسجد على ما يريد وأرسل يتوعده إن لم يفعل ليغرُوَنَّ بلاده الجيوش، وليخربن كل كنيسة في بلاده حتى كنيسة القدس، وكنيسة الرها، وسائر آثار الروم، فبعث ملك الروم صناعا كثيرة، وكتب إليه يقول له: إن كان أبوك فهم هذا الذي تصنعه وتركه فإنه لوصمة عليك، وإن لم يكن فهمه وفهمته أنت فإنه لوصمة عليه، فلما وصل الكتاب إلى الوليد أراد أن يجيبه عن ذلك واجتمع الناس عنده لذلك فكان فيهم الفرزدق الشاعر فقال: أنا أجيبه يا أمير المؤمنين من كتاب اللَّه تعالى، فقال: وما جوابه من كتاب اللَّه، قال قوله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٨ - ٧٩] فأعجب ذلك الوليد وأرسل به جوابًا لملك الروم، وقال الفرزدق في ذلك شعرا:
فرقت بين النصارى في كنيستهم ... وبين أهل الهدى الصافين له في الظلم
نصبت في الحال بالتميز أسعدهم ... على شقيهم المجرور للنقم
راك ربك تحويلا لبيعتهم ... عن مسجد يتلى فيه طيب الكلم
وهم جميعا إذا صلوا وأوجههم ... شتى إذا سجدوا للَّه والصنم
وكيف يجتمع الناقوس يضربه ... أهل الصليب إذا القراء لم تنم
فهمت تحويلها عنه كما فهما ... إذا يحكمان له في الحرث والغنم
стр. 353
قال: ولما أراد الوليد أن يبنى القبة التي في وسط الرواقات ويقال لها: قبة النسر، وهو اسم حادث لها وكأنهم شبهوها بالنسر في شكله، لأن الرواقات عن يمينها وشمالها
كالأجنحة لها حفروا في أركانها حتى وصلوا إلى الماء وشربوا منه ماء عذبا زلالا، ثم إنهم وضعوا فيه جدار الكرم، وبنوا من فوقه بالحجارة، فلما ارتفعت الأركان بنوا عليها القبة فسقطت فقال الوليد لبعض المهندسين: وكان يعرف بالنسر، أريد أن تبني لى أنت هذه القبة، فقال على أن تعطنى عهد اللَّه وميثاقه أن لا يبنيها أحد غيري، ففعل له ذلك فبنى الأركان، ثم علقها بالبواري، وغاب سنة كاملة لا يدري الوليد أين ذهب، فلما كان بعد السنة حضر فَهَمَّ الوليد بقتله فقال يا أمير المؤمنين: لا تعجل، ثم أخذه ومعه رؤوس الناس وجاء إلى الأركان، وكشف البواري، فإذا هي هبطت بعد ارتفاعها حتى ساوت الأرض فقال له: من هذا هربت وأتيت، ثم بناها فانعقدت على أحسن هيئة.
وقال بعضهم: أن يجعل بيضة القبة من ذهب خالص ليعظم بذلك شأن المسجد، فقال له المعمار: إنك لا تقدر على ذلك فضربه خمسين سوطا، وقال له: ويلك أنا أعجز عن هذا فقال: له نعم تعجز، قال: يبين لي ذلك بطريق أعرفه فقال أحضر الذهب الذي عندك كله فأحضره فسبكت منه لبنة فإذا هي قد دخل فيها ألوف من الذهب، فقال: يا أمير المؤمنين إنا نريد من هذا اللبن كذا وكذا ألف لبنة، فإن كان عندك ما يكفي ذلك عملناه، فلما تحقق الوليد صحة قوله أطلق له خمسين دينارًا، أو لما سقف الوليد الجامع جعلوا سقفه جملونات وباطنها سطح مقرنص بالذهب، فقال له
стр. 354
بعض أهله: أتعبت الناس بعدك في تبطين أسطح هذا المسجد كل عام؟ فأمر الوليد بأن يجمع ما في بلاده من الرصاص ليجعل عوض الطين ويكون أخف على السقف وأصون له، فجمع من كل ناحية من الشام وغيره من الأقاليم فعازوا، فإذا عند امرأة منه قناطير مقنطرة فساوموها فيه فأبت أن تبيعه إلا بوزنه فضة فكتبوا إلى أمير المؤمنين بذلك فقال: اشتروه منها، ولو بوزنه فضة فلما بذلوا لها ذلك قالت أما إذا قبلتم ذلك ورضيتم ببذل ثمنه ووزنه فضة فهو صدقة للَّه يكون في سقف هذا المسجد، فكتبوا على ألواحها بطابع للَّه ويقال: إنها كانت إسرائيلية، وأنه كتب على
الألواح التي أعطتهم الإسرائيلية بطابع صدقة للَّه تعالى.
ويقال: إنهم طلبوا الرصاص من النواويس العادية فانتهوا الى قبر حجارة في داخله قبر من رصاص، فأخرجوا الميت الذي فيه ووضعوه على الأرض فوقع رأسه هوية إلى الأرض فانقطع عنقه فسال من فيه دم، فهالهم ذلك فسألوا عنه، فقال عبادة بن بشير الكندي: هذا قبر طالوت الملك قال محمد بن عابد سمعت المشايخ يقولون ما تم مسجد دمشق إلا بأداء الأمانة لقد كان يفضل عند الرجل، من الفعلة، والصناع الفلس، ورأس المسمار، فجيء به حتى يضعه في الخزانة.
قال بعض المشايخ الدماشقة: ليس في الجامع من الرخام شيء إلا الرخامتان اللتان في المقام من عرش بلقيس، والباقى كله مرمر، وقال بعضهم: اشترى الوليد بن عبد الملك أمير المؤمنين، العامودين الأخضرين اللذين تحت النسر من حرب خالد بن يزيد بن معاوية بألف وخمسمائة دينار، وقال رحيم كان في مسجد دمشق اثنى عشر ألف مرخم، وقال عمر بن مهاجر الأنصاري: حسبوا ما أنفقوا على الكهرمانة التي في قبلة المسجد فإذا هو سبعون ألف دينار.
وقال أبو قبيس: أنفق في مسجد دمشق أربعمائة صندوق في كل صندوق ثمانية وعشرون ألف دينار وذلك خمسة آلاف دينار وستمائة ألف دينار قال:
стр. 355
وأتي الخرس إلى الوليد أموال بيت المال في غير حقها فأمر أن ينادي في الناس الصلاة جامعة فاجتمعوا وصعد الوليد المنبر، وقال: إنه بلغني عنكم كذا وكذا ثم قال يا عمر بن مهاجر قم فأحضر أموال بيت المال؟ فحملت على البغال وبسطت الأنطاع تحت القبة وأفرغ المال عليها ذهبا وفضة حتى كان الرجل لا يرى الآخر من الجانب الآخر وجيء بالقبانين ووزنت، فإذا هي تكفي الناس ثلاث سنين مستقبلة لو لم يدخل للناس شيء بالكلية ففرح الناس وكبروا وحمدوا اللَّه على ذلك، ثم قال الخليفة: يا أهل دمشق إنكم تفخرون على الناس، بأربع: بهوائكم، ومائكم، وفاكهتكم وحماماتكم، فأحببت أن أزيدكم خامسة وهي هذا الجامع فحمدوا اللَّه وأثنوا عليه وانصرفوا شاكرين داعين.
وقال بعضهم: كان في قبلة المسجد ثلاث صحائف مذهبة باللازورد في كل
منها بسم اللَّه الرحمن الرحيم لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم لا إله إلا هو، وحده لا شريك له، ولا تعبدوا إلا إياه ربنا اللَّه وحده، وديننا الإسلام، ونبينا محمد ﷺ أمر ببناء هذا المسجد وهدم الكنيسة، التي كانت فيه عبد اللَّه أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك بن مروان، في ذي القعدة في سنة ست وثمانين للهجرة النبوية، وفي صحيفة أخرى من تلك الصحائف فاتحة الكتاب بكمالها، ثم والنازعات، ثم عبس، ثم إذا الشمس كورت، قالوا: ثم محيت بعد مجيء المأمون إلى دمشق، وذكر أن أرضه كانت مفضضة كلها وأن الرخام كان في جدرانه إلى قامات، وفوق ذلك كرمة عظيمة من ذهب، وفوقها فصوص مذهبة حمر وخضر وزرق وبيض قد صور بها سائر البلدان المشهورة، الكعبة فوق المحراب وسائر البلدان