← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 14045

إتحاف الأخصا بفضائل المسجد الأقصى - ت أحمد رمضان

المنهاجي الأسيوطي

Полный текст (374 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد للَّه الذي جلّت نعماؤه عن الإحصاء وعلت آلاؤه عن أن تعد أو تحد أو تستقصى، وبهرت حكمته وسبقت رحمته. فالسعيد من كان بها مختصا، فمن أجل نعمائه التي عم بها وخص إظهار مظهر الحلال وهو المخصوص مع زيادة الشرف بقضاء فرض الحج وما يتعلق به من المناسك مما به وصى، وإظهار مظهر الجمال المقدس عن دواعي الشوائب وتخصيصه من بين مساجد الإسلام إذ هو أكثرها من صلة بقول اللَّه : ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: ١]. أحمده وأشكره على ما منَّ به من حصول القصد وبلوغ المرام من زيارة بيت اللَّه الحرام، وقبر نبينا عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام. والمسجد الأقصى الشريف والصخرة المقدسة وما حولها "المشاهد"

стр. 2

والمعاهد المعروفة بإجابة الدعوات وخرق العادات، وهذا واللَّه ما كنت أرجوه قبل هجوم الحمام وأرجو من كرم اللَّه إتمام هذا القصد الجميل بحسن الختام والموت على الإسلام. وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له. إله عمت نعمته "فشملت" الداني والقاصي، وتوفرت منته فاستوى في قصد حصولها الطائع والعاصي. وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله الذي من كمال فضله عليه وزيادة شرفه لديه المعراج وإسرائه به ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى إلى السموات العلى على ظهر البراق في جنح ليل داج. وقدَّمه على الأنبياء إمامًا فصلى بهم في تلك الليلة عند قبة صخرة بيت المقدس. ومؤذنه وخادمه إذ ذاك جبريل المطوق بالنور الوهاج وأوحى إليه ما أوحى. وأعاده إلى مضجعه بمكة. وسحاب تلك الليلة ما انجاب وظاهر صبح غرتنا الميمون ما هاج. صلى اللَّه عليه وعلى آله وصحبه الذين آمنوا به وعزروه ونصروه وابتغوا النور الذي أنزل معه وعقدوا الخناجر على تمكين مقاعد عزه برفع لوائه وإظهار دينه الذي شرعه وجاهدوا في اللَّه حق جهاده ومازالوا على الوفاء بعهده، إلى أن عادت منارات جوامع الإسلام مرتفعة ومنابر خطبائها بجواهر التوحيد مرصعة، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين وذريته وأهل بيته الطيبين الطاهرين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا. وبعد فلما راق لى مشرع الحب وصفا، ورق لى ظل الغمام وصفا

стр. 3

ورد على عزمي الساكن مما حركه إلى أشرف الأماكن، فقلت من الواجب المبادرة، إلى أداء فرض الحج الواجب وعزمت بكلي على مجاهدة كلي، وركبت سفينة نجاة كنت أتمناها وقلت لما استويت عليها. باسم اللَّه مجراها ومرساها وساقني سائق الإنعام، والفضل الذي يحل عني الصفة إلى مكة المشرفة، فدخلتها في الثاني من شهر ربيع الأول سنة ثمان وأربعين وثمانمائة مهلا بعمرة وحللت من ذلك البيت الحرام محلا يتمنى أعظم ملوك الأرض أن لو قضى فيه عمره، واستمريت وللَّه الحمد بقية تلك السنة في ذلك المحل الشريف من العبادة والطواف على حالة حسنة ولما آن أوان الحج حججنا وقمنا من "أداء" الفرض بما يجب على كل حاج حسًّا ومعنى، وحين انقضت أيام مني وقع في العزم فتور في الحركة عن قصد العود إلى الديار المصرية إنشا (إن شاء اللَّه) فنويت المجاورة وقلت مجاورة بيت اللَّه الحرام، أفضل من الرجوع إلى القاهرة. (وفي أوائل ثمانمائة وتسع وأربعين سنة) من الهجرة النبوية حصل التوجه إلى المدينة الشريفة النبوية وزيارة قبر سيدنا محمد ﷺ وعلى أبيه آدم ومن بينهما من الأنبياء والمرسلين وسلم وشرف وكرم. وكان هذا القصد المبارك هو قصدي الثاني لما فيه من حصول عوارف الفضل ولطف المعاني، ووجوب الشفاعة لمن زار قبره

стр. 4

وانضمامه يوم القيامة إلى لوائه المعقود في المقام المحمود. وما أسعد من أدخله اللَّه -تعالى- في تلك الزمر وإبلاغ السلام إلى الذات الشريفة النبوية المصطفوية شفاها ورده عليه نفسه والتمتع بين قبره ومنبره الشريفين بما يجتنيه الزائر من ثمار العبادة في روضة أنسه المحفوفة من اللَّه بالأنوار المشعشعة من أنوار حضرة قدسه. وتلك علامات الرضا غير أنها من اللَّه لم تحصل لغير موفق وتم هذا القصد المبارك الجميل في تلك السنة بعون اللَّه تعالى وتوفيقه وتيسيره وعدنا إلى مكة المشرفة بقصد الحج ثانيا وكان ذلك مما لا يوافق بواعث النفوس على الانصراف إلى غيره. فحججت وقصدت الرجوع من حيث جئت، والنفس تأبى الموافقة على ما أردت، فلما رأيتها لا تنقاد ولا تلين، استخرت اللَّه الذي ما خاب من استخاره ولا ندم من استجاره، وأقمت بمن معي من أهلي في بلد اللَّه الأمين متوكلا في طلب الرزق على من هو يرزقنا من (حين) خلقنا وإلى أن يتوفانا ضمين تاليا قول اللَّه : ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ [فاطر: ٢]. وقوله: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ: ٣٩] وحصل الخير ودرت الأرزاق ونودينا من سر الغيب الكامن في مستودع اللطف الخفي ما عندكم ينفد وما عند اللَّه باق.

стр. 5

وصار الرزق علينا وعلى أهلينا ومن معنا في كل وقت يزيد وملبس السعة والسكون والدعة عند البيت العتيق في كل يوم جديد. وحصلت من فوائد عديدة، ومن ملازمة أنواع العبادة على أشياء ليس هذا موضع ذكرها، ولكن بديع الاستطراد أوجب التنبيه على ذكر المقاصد الحسنة بطريق العادة، بعد مضي تسع سنين في أوائل سنة سبع وخمسين عدت إلى القاهرة المحروسة جعلها اللَّه دار الإسلام إلى يوم الدين. وما رجعت حين رجعت من الحجاز الشريف وحصول ما حصلت عليه من بركته إلا وخاطري مشغول وقلبي متعلق برؤية بيت المقدس وقضاء الوطر من زيارته فلما صرت بالديار المصرية أشغلتني عن ذلك شواغل الخدمة التي من أجلها نقتات وعاقتني عن ذلك عوائق وحالت بيني وبينه من الأقدار الإلهية حالات. واتفق أن المخدوم الذي كنت في خدمته ولى نيابة حلب، فقلت الحمد للَّه حصل القصد ونجح الطلب وبلغت إن شاء اللَّه تعالى من زيارة المسجد الأقصى والصخرة المقدسة وما جاور من المعاهد والمشاهد التي هي على التقوى والرضوان مؤسسة، غاية الأرب. وفي الطريق حصلت أيضًا عوائق مانعة وتعذر الذهاب إلى ذلك المحل المقدس لأسباب لا يليق معها إلا المتابعة، ثم إني رجعت إلى عقلي وتمسكت من هذه الفاصلة بالسبب الأصلي

стр. 6

وقلت لو أن صاحب البيت الذي أذن أن يرفع ويذكر فيه اسمه، ليسر الغرض المطلوب ولكن الأمر أمره والحكم حكمه، ثم ثنيت عنان العزم عن قصد الزيارة، وترخيت، ولازمت الدعاء في مواطن الإجابة وتوخيت وشرعت أقول الأمور مرتهنة بأوقاتها. ومضت على ذلك مدة زمانية والردد كثير من المملكة الشامية إلى الديار المصرية والعزم العزم والشوق الشوق والنية النية، غير أني توهمت من نفسي أن ذلك حجب وطرد وحرمان، وخفت أن أموت ولم أحصل من الزيارة. على طائل، ثم قلت إن متُّ فلا حول ولا قوة إلا باللَّه العلي العظيم ولا يضر شيء مع الإيمان. وفي غضون ذلك التوهم الذي حصل جعلت للَّه تعالى على إن دخلت بيت المقدس وقضيت الوطر فيه من الزيارة وبلغت مع الزائرين فيه غاية التمني، واقتفيت فيه من نهج الهدى آثاره، لأؤلفن من فضائل بيت المقدس وعجائبه وما اشتمل عليه من الصفات القديمة والهيائب (الهيئات) التي سارت أحاديثها الحسنة في الآفاق، وهى إلى الآن على عهدها مقيمة. تأليفًا لطيفا أجمع فيه بين الطريف التالد وأقضي به الأرب من خدمة هذا البيت هو في شد الرحال، أحد الثلاثة المساجد، آتي فيه

стр. 7

بما يوفي بالغرض المقصود وأستوفي فيه التليد والطارف، من عجائب الوجود وأشير إلى ما هو مشهور في حرماته العظيمة البركات الطاهرة الكرامات. رجاء أن أجد ذلك مذخورا عند المولى الكريم الذي يضاعف لعبده الحسنات ويعفو عن السيئات وأنه هو القصد الجميل الذي ما عليه مزيد واللَّه هو الولى الحميد. فلما كان الثالث من شعبان الذي تنشعب فيه الأنوار، خرجت من الشام المحروسة إلى جهة الأغوار، فزرت من جملة الصحابة، معاذ بن جبل وشرحبيل بن حسنة وأبا عبيدة بن الجراح رضى اللَّه عنهم أجمعين وقد فعل. ومن هناك صممت العزم على المسير، فكانت علامة الإذن التيسير

стр. 8

وربك على كل شيء قدير وكان ممن أجرى اللَّه تعالى به قلم قدرته المحقق إطلاقي من قيد الحرمان المضيق إلى سعة منارة ذلك الفضاء المطلق. فدخلت القدس الشريف في يوم السبت المبارك الثامن والعشرين من شهر رمضان المعظم قدره وحرمته سنة ثمانمائة وأربع وسبعين من الهجرة النبوية. فحصل لى في أول وهلة من بقية العشر الأواخر من شهر رمضان ما حصل لأهل السعادة إن شاء اللَّه -تعالى- من جزيل الفضل ووافر الامتنان وحضرت العيد في ذلك الجمع الذي تفرد بخطيبه ومنبره وتوضح بشر فلاح الفلاح على قوس محرابه، وأوضح غوره وسطح لنا الملك العظيم من مطالع أفقه وحلية طرازه ومسرى سواريه وعضائد السهى. (هذا وقد أشرقت فيه الصخرة الشريفة على السها) وازدهرت مصابيح أنسها في سماء قدسها والصخرة قائمة بنفسها رفعها اللَّه الذي رفع السماء بغير عمد ترونها فأنشدت: بلغ الصدود المنتهى ... والقلب عنكم ما انتهى وإذا رضيتم حالتي ... فيكم فذاك المشتهى ها قد حللت بأرضكم ... متفيئا في ظلها مستمطرا من سحبكم ... أهنئ هواطل وبلها

стр. 9

فلئن سمحتم فهو من ... عاداتكم وأجلها وعوارف الحسنى لكم ... معروفة من أصلها ثم قلت: الآن تم القصد وحصل المراد وخلت سلمى بسليم فلا راد له عنها ولا صاد ومن ثم بادرت إلى وفاء نذري الذي تقدم (و) نظرت في الكتب الموجودة المتضمنة لما نحن فيه قال الشيخ الإمام العالم شهاب الدين أبو محمود أحمد بن محمد بن إبراهيم بن هلال بن تميم بن سرور المقدسي الشافعي صاحب مثير الغرام إلى زيارة القدس والشام -رحمه اللَّه تعالى- ممن سلك ونظم ونثر في حسن التأليف على المنهج الأقوم. والشيخ الإمام، العالم، العلّامة الحبر، البحر، الفهامة، سيد الأشراف وواسطة عقد المنتمين بالنسب المنيف إلى بنى عبد مناف شيخ الإسلام علّامة العلماء الأعلام تاج الدين أبو النصر عبد الوهاب الحسيني الشافعي الدمشقي جمل اللَّه الوجود بوجوده وأنار في أفق العلياء كواكب سعوده، صاحب الروض المغرس في فضائل بيت المقدس ممن تمنى وثمر وارتضى وانتقى وصبر واعتبر وأحاط واحتاط وتتبع المقاصد الحسنة من مظانها وصنف ما ألف على صفة لا تحاط بمكانها، ونقل ما نقل من كلام السابقين الأولين بنصه وصاغ في مبادئه وخواتمه، حديث الفضائل بقصة فياللَّه ما أحلى وباللَّه ما أجلى، ولقد أغناني بفوائده التي أهداها عن الافتقار إلى الاطلاع على أهل الصدر الأول فمن بعدهم من الكلام على ما نحن فيه بما يحصل يه كمال الانتفاع، فإنه أخبر في كتابه الكريم المبدئ من فاتحة (كل) كتاب، "بألم" أنه

стр. 10

وقف على فضائل القدس للشيخ الإمام أبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي ﵀، وهو جزء لطيف وأنه وقف على ما حضره من الجامع (المستقصى) -في فضائل المسجد الأقصى للإمام الحافظ بهاء الدين أبي محمد القاسم ابن الإمام الحافظ شيخ الإسلام أبي القاسم علي بن الحسن بن هبة اللَّه بن عساكر، وهو المجلد الأوسط وعلى بعض كراريس يتلوه فيها الجزء السادس عشر والسابع عشر، والمجلد المذكور مقروء على مؤلفه وهو أجزاء أوله الثاني عشر وطبقة سماع على مؤلفه مؤرخة بتاسع عشر شهر رمضان سنة ست وتسعين وخمسمائة بالمسجد الأقصى وطبقة أخرى على مؤلفه أيضًا مؤرخة بسابع ربيع الأول سنة ثمان وتسعين وخمسمائة وطبقة أيضا على غير مؤلفه وهو الشيخ الإمام العالم تقي الدين أبو محمد إسماعيل التنوخي سمع عليه الإمام

стр. 11

الحافظ العلامة تاج الدين عبد الرحمن بن ضياء الفزاري، والإمام أبو زكريا يحيى النووي وغيرهما بقراءة الفقيه العالم المحدث شرف الدين أحمد بن ضياء الفزاري وأنه وقف على مجلد أوله الجزء الأول، وآخره أوائل الجزء العاشر من كتاب الأنس في فضائل القدس لابن عم الحافظ شهاب الدين المذكور وهو القاضي الإمام الثقة أمين الدين أحمد بن محمد بن الحسن بن هبة اللَّه الشافعي. والمجلد المذكور مقروء على مؤلفه وعليه طبقات سماع عليه آخرها مؤرخ بيوم الخميس خامس عشر من شهر شوال سنة ثلاث وستمائة بجامع دمشق ومقروء على غيره، ثم قال القاضي أمين الدين أحمد المذكور. وقد جمعت هذا الكتاب واعتمدت فيه على كتاب ابن عمي الحافظ أبي محمد القاسم بن الحافظ أبي القاسم ﵀ يعنى المسمى "بالجامع المستقصى في فضائل المسجد الأقصى" وخرجت في مسموعاتي ورواياتي ما ساويته في إسناده وشاركته في روايته عن مشايخه وأفراده مع ما له من المقدمة والسبق وتفرد به من الحفظ والحذق

стр. 12

وكونه أعلى الجماعة سنًّا وأحسن في جميع الحديث فنًّا انتهى كلامه. قال السيد صاحب "الروض المغرس في فضائل بيت المقدس" ووقفت أيضا على كتاب "باعث النفوس إلى زيارة القدس المحروس" للشيخ برهان الدين الفزاري وقد قال في ديباجته: إنه منتخب في فضائل بيت المقدس وقبر الخليل ﵊ من اللَّه الجليل غالبا من كتاب "المستقصى" للحافظ بهاء الدين بن عساكر والقليل من كتاب أبي المعالي المشرف بن المرجا المقدسي وأعزو إليه ما نقلته منه والباقي من المستقصى. قال وحذفت الأسانيد من ذلك كله لما اقتضته المصلحة في ذلك انتهى كلامه. قال السيد: ووقفت على كتاب "إعلام الساجد بأحكام المساجد" للشيخ بدر الدين الزركشي قال: ووقفت أيضًا على تسهيل المقاصد لزيارة المساجد للشيخ شهاب الدين أحمد بن العماد الأقفهشي الشافعي بخطه قال: ووقفت أيضا على جزء لطيف فيه فضائل الشام ودمشق للشيخ أبي الحسن علي بن محمد

стр. 13

بن شجاع الربعي المالكي وسمع هذا الجزء بدمشق في المسجد الجامع سنة ٤٣٥ واختصره الشيخ برهان الدين الفزاري بحذف الأسانيد وحذفت ما قام غيره مقامه وسماه "الإعلام بفضائل الشام" قال السيد: ووقفت أيضا على تأليف بالمسجد الخليلي -على ساكنه أفضل الصلاة والسلام- لشخص متأخر عاصرناه يدعى إسحاق بن إبراهيم بن أحمد بن محمد بن كامل التدمري الشافعي الخطيب، والإمام بمقام سيدنا الخليل ﵇ سماه "مثير الغرام في زيارة الخليل ﵇" وحكى فيه عن الشيخين الإسنوي والبلقيني فوائد فقال فيه في مواضع وقال شيخنا عبد الرحيم الإسنوي وأفاد وقال شيخنا سراج الدين البلقيني وأجاد قلت: وهذا الذي وقف عليه السيد المشار إليه واعتمد النقل منه في تأليفه

стр. 14

المسمى "بالروض المغرس" أصل كبير لا يحتاج معه إلى زيادة نظر في شيء من كتب الفضائل وهو أدام اللَّه النفع به وبعلومه عمدة في الحديث حجة في النقل فيما عزمت عليه من إتمام هذا التأليف الذي قصدته وترتيبه على النحو الذي أردته وقد جعلته مشتملا على سبعة عشر بابا: الباب الأول: في أسماء المسجد الأقصى وفضائله وفضل زيارته وما ورد في ذلك على العموم والتخصيص والإفراد والاشتراك. الباب الثاني: مبدأ وضعه وبناء داود إياه وبناء سليمان ﵇ له على الصورة التي كانت من عجائب الدنيا وذكر دعائه الذي دعا به بعد تمامه لمن دخله ومكان الدعاء. الباب الثالث: في فضل الصخرة الشريفة والأوصاف التى كانت لها في زمن سيدنا سليمان ﵇ وارتفاع القبة المبنية عليها يوم ذاك وذكر أنها من الجنة ذاتها تحول يوم القيامة مرجانة بيضاء وما في معنى ذلك. الباب الرابع: في فضل الصلاة في بيت المقدس ومضاعفتها فيه وهل المضاعفة في الصلاة تعم الفرض والنفل أم لا وهل المضاعفة تشمل الحسنات والسيئات، وفضل الصدقة والصوم والأذان فيه، والإهلال بالحج والعمرة فيه وفضل إسراجه، وأنه يقوم مقام زيارته عند العجز عن قصده. الباب الخامس: في ذكر الماء الذي يخرج من أصل الصخرة المشرفة وأنها على نهر من أنهار الجنة وأنها انقطعت في وسط المسجد من كل جهة لا يمسكها إلا الذي يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، وفي آداب دخولها وما يستحب أن يدعى به عندها ومن أين يدخلها إذا أراد الدخول إليها وما يكره من الصلاة على ظهرها وذكر السلسلة التي كانت عندها وسبب رفعها وذكر البلاطة السوداء التي على باب الجنة واستحباب الصلاة عليها والدعاء بالدعاء المعين والمعين. الباب السادس: في ذكر الإسراء بالنبي

стр. 15

- ﷺ إلى بيت المقدس ومعراجه إلى السماء منه وذكر فضل الصلوات الخمس وذكر فضل قبة المعراج والدعاء عندها وفي مقام النبي ﷺ وفضل قبته وصلاته ﷺ بالأنبياء والملائكة ليلة الإسراء به عندها استحباب الوقوف في موضع العروج به في مقامه ﷺ والدعاء بالدعاء المعين. الباب السابع: في ذكر السور المحيط بالمسجد الأقصى وما في داخله من المعاهد والمشاهد والمحاريب المقصود بالزيارة والصلاة فيها كمحراب داود ومحراب زكريا ومحراب مريم ﵈ ومحراب عمر بن الخطاب ومحراب معاوية ﵄ وما يشرع إليه من الأبواب وعدتها، وذكر الصخور اللاتي في آخر باب المسجد وذكر ذرعه طولا وعرضا وحديث الورقات وذكر وادي جهنم الذي هو خارج السور من جهة الشرق من ذلك المحل. الباب الثامن: في ذكر عين سلوان والعين التي كانت عندها والبئر المنسوبة لسيدنا أيوب ﵇ وذكر البرك والعجائب التي كانت ببيت المقدس وما كان به عند قتل علي بن أبي طالب وولده الحسين ﵄ ومن قال: إنه كالأجمة ورغب عن أهله وذكر طلسم الحياة وذكر طورزيتا والساهرة والجبال

стр. 16

المقدسة وذكر جبل قايسون بخصوصه وما جاء فيه. الباب التاسع: في ذكر فتح أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ بيت المقدس وما فعله فيه من كشف التراب والرمل عن الصخرة الشريفة، وذكر بناء عبد الملك بن مروان وما صنعه فيه وذكر الدرة اليتيمة التي كانت في وسط الصخرة وقرنا كبش إبراهيم وتاج كسرى وتحويلهم منها إلى الكعبة الشريفة حتى صارت الخلافة لبني هاشم وذكر تغلب الفرنج على بيت المقدس وأخذه من المسلمين بعد الفتح العمري وذكر مدة مقامه في أيديهم وذكر فتح السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب -رحمه اللَّه تعالى- واستنقاذه من أيدي الفرنج وإزالة آثارهم منه وإعادة المسجد الأقصى إلى ما كان عليه واستمراره على ذلك حتى الآن وإلى يوم القيامة -إن شاء اللَّه تعالى-. الباب العاشر: في ذكر من دخل من الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- وأعيان الصحابة والتابعين رضوان اللَّه عليهم أجمعين وغيرهم ومن توفي منهم ودفن فيه وإجماع الطوائف كلها على تعظيم بيت المقدس ماخلا السامرة. الباب الحادي عشر: في فضل سيدنا الخليل ﵇ وفضل زيارته وذكر مولده، وقصته عند إلقائه في النار وذكر ضيافته وكرمه وذكر معنى الخلة واختصاصه بها، وذكر ختانه وتسروله وشفقته ورأفته بهذه الأمة وأخلاقه الكريمة وسنته المرضية التى لم تكن لأحد قبله، وأنها صارت من الشرائع والآداب لمن بعده، وذكر عمره وقصته عند موته

стр. 17

وكسوته يوم القيامة. الباب الثاني عشر: في ذكر ابتلائه ﷺ بذبح ولده ومن هو الذبيح وعمر إسحاق ﵇ وكم عمر أبيه وأمه حين ولد، وكرامة سارة والخلاف المذكور في نبوتها ونبوة غيرها من النساء وقصة يعقوب ﵇ وعمره، وشيء من قصة ولده يوسف ﵇ وصفته ومدة سنه عند فراقه لأبيه يعقوب ومدة غيبته عنه ومدفنه وذكر ما كان بينه وبين موسى ﵇. الباب الثالث عشر: في ذكر المغارة التي دفن فيها الخليل ﵊. هو وأبناؤه الأكرمون وذكر شرائها من ملك ذلك الموضع وهو عفرون وأول من دفن في تلك المغارة وذكر علامات القبور التي بها وما استدل به على صحتها وكم لبناء الحيز الذي بناه سليمان عليه الصلاة وذكر آداب زيارة القبور المشار إليها وبيان موضع قبر يوسف ﵊ وتسميته داخله الحيز وجواز دخوله وإثبات أحكام المساجد له وتسميته حرمًا وإقطاع تميم الداري ﵁ الذي أقطعه النبي ﷺ له ولمن وفد معه من الداريين ونسخه وما كتب به لهم في ذلك. الباب الرابع عشر: في ذكر مولد إسماعيل ﵇ ونقله إلى مكة المشرفة، وركوب سيدنا الخليل ﵊ البراق لزيارته وزيارة أمه هاجر وموتها ومدفنها وعمر إسماعيل ومدفنه وكم بين وفاته ومولد نبينا محمد ﷺ واللَّه أعلم. الباب الخامس عشر: في قصة لوط عليه الصلاة والسلام

стр. 18

وموضع قبره وذكر المغارة الغربية التي تحت المسجد العتيق تجاهه وذكر مسجد اليقين والمغارة التي في شرقيه. الباب السادس عشر: فيما قيل في قبر سيدنا موسى ﵊ وعمره وفائدة سؤاله الدنو من الأرض المقدسة، رميه بحجر وصلاته بقبره ورأفته بهذه الأمة وشفقته عليهم، وذكر شيء من بعض معجزاته وذكر السبب في تسميته موسى واللَّه أعلم. الباب السابع عشر: في فضل الشام وما ورد في ذلك من الآثار والأخبار وسبب تسميتها بالشام، وذكر حدودها وما ورد من حث النبي ﷺ "إسكانها" وما تكفل اللَّه "تعالى" به لها ولأهلها وأنها غير دار المؤمنين وعمود الإسلام بها وأن الشام صفوة اللَّه من بلاده يسكنها من يشاء من عباده ودعاء النبي ﷺ لها بالبركة وذكر ما بها من المعاهد والمشاهد المقصودة بالزيارة المعروفة بإجابة الدعوات والتنبيه عليها، وفي معنى ذلك مجملا ومفصلا وأضفت إلى هذا التأليف الحسن الأحسن فالأحسن مما انتقيته وانتخبته مما وقفت عليه من كتب المتقدمين والمتأخرين في الفضائل محذوفة الأسانيد وسميته "إتحاف الأخصا بفضائل المسجد الأقصى" واللَّه سبحانه أسأل وهو أجل مسئول أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم موصلا إلى ما لديه من الزلفى والنعيم المقيم وأن ينفع به مؤلفه وكاتبه وقارئه والناظر فيه، إنه قريب مجيب لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه أنيب.

стр. 19

الباب الأول في أسماء المسجد الأقصى وفضائله وفضل زيارته وما ورد في ذلك على العموم والتخصيص والإفراد والاشتراك ، اعلم أن كثرة الأسماء تدل على شرف المسمى قال صاحب إعلام الساجد بأحكام المساجد: جمعت في ذلك سبعة عشر اسمًا وهي من النفائس المهمة المسجد الأقصى وسمي الأقصى لأنه أبعد المساجد التي تزار ويبتغى بها الأجر من المسجد الحرام وقيل لأنه ليس وراءه موضع عبادة، وقيل لبعده عن الأقذار والخبائث وروي أن عبد اللَّه بن سلام قال للنبي ﷺ لما تلا قوله تعالى: ﴿إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء: ١] ولم سماه الأقصى قال: لأنه وسط الدنيا لا يزيد شيئًا ولا ينقص قال: صدقت ومسجد إيليا بهمزة مكسورة ثم ياء ساكنة ثم لام مكسورة ثم ياء آخر الحروف ثم ألف ممدودة ككبرياء وحكى البكري فيها القصر ومعناه بيت المقدس حكاه الواسطي في فضائله وحكى

стр. 20

صاحب الطوالع فيه لغة ثالثة حذف الياء الأولى وسكون اللام وبالمد وفي مسند أبي يعلى الموصلي عن ابن عباس الياء بألف ولام، واستغربه النووي. وبيت المقدس بفتح الميم وسكون القاف، أي المكان المطهر من الذنوب، واشتقاقه من القدس، وهي الطهارة والبركة. والقدس: اسم مصدر في معنى الطهارة والتطهير، وروح القدس: جبريل ﵇؛ لأنه روح مقدسة، والتقديس: التطهير، ومنه وتقدس لك: أي تنزهك عما لا يليق بك، وفيه قيل للسطل: قدس لأنه يتطهر منه فمعنى بيت المقدس المكان الذي يتطهر فيه من الذنوب، ويقال: المرتفع المنزه عن الشرك، والبيت المُقَدَّس: بضم الميم وفتح الدال المشددة، أي المطهر وتطهيره إخلاؤه من الأصنام، وبيت المقدس بضم الدال وسكونها لغتان، وسلم لكثره سلام الملائكة فيه. قال ابن موسى: وأصله شلّم بالمعجمة وتشديد اللام اسم بيت المقدس، ويروى بالمهملة وكسر اللام، كأنه عربه ومعناه بالعبرانية: بيت السلام، "وأرشلم" بضم الهمزة وفتح الشين المعجمة وكسر اللام المخففة قاله أبو عبيدة معمر بن المثنى والأكثرون بفتح الشين واللام وكوره الياء وأرشليم، وبيت آيل وصيهون، وقصرون بصاد مهملة وثاء مثلثة، وبابوش بموحدتين وشين معجمة، وكور شلاه وشليم وأزيزل وصلون. وقال في مثير الغرام: يقال: بيت المقدس بالتخفيف والتثقيل، والقدس بالسكون والتحريك، والأرض المقدسة والمسجد الأقصى وإليا وإيليا وشلم بالتشديد، وأورشلم أي بيت الرب وصهيون بصاد مهملة مكسورة، ويقال لبيت المقدس: الزيتون، ولا يقال له: الحرم. وأما فضائله فلا تحصى ولا تحصر ولا تستقصى، والذي يدل على فضله من كتاب اللَّه -تعالى-

стр. 21

قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء: ١] فلو لم يكن لبيت المقدس من الفضيلة غير هذه الآية لكانت كافية، وبجميع البركات وافية؛ لأنه إذا بورك حوله فالبركة فيه مضاعفة، ولأن اللَّه -تعالى- لما أراد أن يعرج بنبيه محمد ﷺ إلى سمائه جعل طريقه عليه تبينا لفضله، وليجعل له فضل البيتين وشرفهما، وإلا فالطريق من البيت الحرام إلى السماء كالطريق من بيت المقدس إليها، وسبحان اللَّه تنزيه عن السوء ومضاه يسبح اللَّه تعالى تسبيحا، والمسجدان المسجد الحرام والمسجد الأقصى، وبهما وقع التصريح في الآية الشريفة، وباركنا حوله: أجرى اللَّه حول بيت المقدس الأنهار وأنبت الثمار وأظهر البركة، والبركة: الثبات يراد به ثبات الخير، ومضى تبارك اللَّه: ثبت الخير عنده أو في خزائنه، وقيل: علا وتقدس من العظمة والجلال، وقيل: من البقاء والدوام، وقال خالد بن حازم: قدم الزهري بيت المقدس فجعلت

стр. 22

أطوف به في تلك المواضع فيصلي فيها، قال: فقلت له: إن ههنا شيخا يحدث عن الكميت يقال له: عقبة بن أبي زينب، فلو جلسنا إليه، قال: فجلسنا إليه فجعل يحدث عن فضائل بيت المقدس، فلما أكثر قال الزهري: أيها الشيخ إنك لن تنتهى إلى ما انتهى إليه قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: ١] ومنها قوله تعالى لبني إسرائيل ﴿ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٥٨] فلم يخص اللَّه تعالى مسجدا سوى بيت المقدس بأن وعدهم أن يغفر لهم خطاياهم بسجدة فيه دون غيره إلا بفضل خصه به، ومنها قوله تعالى لإبراهيم ولوط ﵉: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٧١] والمراد به بيت المقدس، ومنها قوله تعالى: ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٠] قال بعض المفسرين: المراد بيت المقدس، ومنها قوله تعالى لبني إسرائيل: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٢١] فسماه اللَّه تعالى مرة مباركا ومرة مقدسا ومنها قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [المعارج: ٤٣]

стр. 23

قيل: إلى صخرة بيت المقدس، ومنها قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ [يونس: ٩٣] قيل: بوأهم الشام وبيت المقدس خاصة، ومنها قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ [ق: ٤١] قيل: إنه ينادي من صخرة بيت المقدس، ومنها قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات: ١٤] والساهرة إلى جانب بيت المقدس. ومنها قوله تعالى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ [التين: ١] قال عقبة بن عامر التين دمشق والزيتون بيت المقدس، ومنها قوله تعالى: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد: ١٣] هو سور بيت المقدس؛ باطنه أبواب الرحمة وظاهره "واد" جهنم ومما يدل على فضله من السنة ما رواه أبو هريرة ﵁ يبلغ به قال: "تشد الرحال إلى ثلاثة مساجد:

стр. 24

المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا" وفي لفظ من رواية أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام وإلى مسجدي هذا وإلى بيت المقدس، ولا صيام في يومين: يوم الأضحى ويوم الفطر، ولا صلاة في ساعتين: بعد صلاة الغداة إلى طلوع الشمس وبعد صلاة العصر إلى غروب الشمس، ولا تسافر امرأة يومين إلا مع زوج أو ذوي رحم محرم". وفي لفظ آخر من رواية أبي سعيد الخدري وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵄ عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا، ولا تسافر امرأة مسيرة يومين إلا مع زوجها أو ذي رحم محرم من أهلها".

стр. 25

عن أبي ذر ﵁ قال: قلت يا رسول اللَّه أي مسجد وضع في الأرض أولا؟ قال: "المسجد الحرام" قلت: ثم قال: "المسجد الأقصى" قال: قلت: كم بينهما؟ قال: "أربعون سنة" قال: "فأيهما أدركت الصلاة فصل فهو مسجد" وعن عمران (بن حصين) قال: قلت: يا رسول اللَّه ما أحسن المدينة! قال: "كيف لو رأيت بيت المقدس وهو أحسن". فقال النبي ﷺ : "وكيف لا يكون وكل من بها يزار ولا يزور، وتهدى إليه الأرواح ولا يهدى روح بيت المقدس إلا إلى اللَّه، أكرم المدينة وطيبها بي وأنا فيها حي، وأنا فيها ميت، ولولا ذلك ما هاجرت من مكة، فإني ما رأيت القمر في بلد قط إلا وهو بمكة أحسن". وقال كعب: "لا تقوم الساعة حتى يزور البيت الحرام

стр. 26

بيت المقدس فيقادان إلى الجنة جميعا، وفيهما أهلهما والعرض والحساب ببيت المقدس) وقال سليمان: لقد يأتي مسجد اللَّه إلى بيت المقدس يعنى يؤتى بالكعبة إلى بيت المقدس، قال: وأنزل اللَّه بني إسرائيل الأرض المقدسة وكان منهم من الأنبياء داود وسليمان ﵉ ملكوا الأرض فسماها اللَّه -تعالى- مرة مباركة ومرة مقدسة. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] يقال: أرض الجنة يرثها العالمون بطاعة اللَّه -تعالى- وقيل: الأرض الدنيا، والصالحون أمة محمد ﷺ ، وقيل: هم بنو إسرائيل، وقيل: الأرض ههنا التي يجتمع عليها أرواح المؤمنين، يعني يكون البعث، ويقال: الأرض المقدسة يرثها محمد ﷺ . وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ١١٤] نزلت في منع الروم المسلمين من بيت المقدس فأذلهم اللَّه وأخزاهم ولا يدخله أحد منهم أبدا إلا وهو خائف متلفع ثوب الخزي والهوان والصغار، قال عبد اللَّه بن عمر ﵁:

стр. 27

إن الحرم المحرم في السموات السبع بمقداره في الأرض وإن بيت المقدس لمقدس في السموات السبع بمقداره في الأرض. وقال كعب: إن اللَّه ينظر إلى بيت المقدس كل يوم مرتين، وقال: باب مفتوح من السماء من أبواب الجنة ينزل منه الحنان والرحمة على بيت المقدس كل صباح حتى تقوم الساعة، وقال: ما مثل بيت المقدس عند اللَّه وسائر الأرضين، وللَّه المثل الأعلى، إلا كمثل رجل له مال كثير وفيه كنز وهو أحب ماله إليه فإذا أصبح لم يطلع على شيء من ماله قبل كنزه ذلك، كذلك رب العالمين في كل صباح لا يطلع في شيء من الأرض قبلها يدر عليها حنانه ورحمته ثم يدرها بعده على سائر الأرضين. عن ابن عباس ﵄ أنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من أراد أن ينظر إلى بقعة من بقع الجنة فلينظر إلى بيت المقدس" قال أنس بن مالك ﵁: إن الجنة لتحن شوقًا إلى بيت المقدس وبيت المقدس من جنة الفردوس والفردوس الأعلى هو ههنا ربوة في الجنة هي أواسط الجنة وأعلاها وأفضلها. وقال: من أتى البيت الحرام غفر له ورفع له ثماني درجات،

стр. 28

ومن أتى مسجد الرسول غفر له ورفع له ست درجات، ومن أتى بيت المقدس غفر له ورفع له أربع درجات قال: من استعفر للمؤمنين والمؤمنات ببيت المقدس في كل يوم خمسا وعشرين مرة؛ وقاه اللَّه المتالف وأدخله في البدلاء، وعن خالد بن سعدان أن حذو بيت المقدس باب من السماء يهبط اللَّه كل يوم منه سبعين ألف ملك يستغفرون لمن يجدونه يصلي فيه قال ﷺ : "إن للَّه بابا في سماء الدنيا نحو بيت المقدس ينزل منه كل يوم سبعون ألف ملك يستغفرون اللَّه لمن أتى بيت المقدس فصلى فيه". وعن وهب بن منبه: أهل بيت المقدس جيران اللَّه تعالى وحق على اللَّه -تعالى- أن لا يعذب جيرانه". وعن أبي جريج عن عطاء أنه قال: لا تقوم الساعة

стр. 29

حتى يسوق خيار عباده إلى بيت المقدس فيسكنهم اللَّه إياها. وقال عبد اللَّه بن عمر: بيت المقدس بنته الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- وعمرته، وما فيه موضع شبر إلا وقد سجد عليه ملك أو نبي، فلعل جبهتك أن توافي جبهة ملك أو نبي، وقال مقاتل بن سليمان: ما فيه موضع شبر إلا وقد صلى عليه نبي مرسل، أو قام عليه ملك مقرب. وذكر أن في كل ليلة ينزل سبعون ألف ملك إلى مسجد بيت المقدس، يهللون اللَّه ويكبرونه ويسبحونه ويحمدونه ويقدسونه ويمجدونه ويعظمونه ولا يعودون إلى أن تقوم الساعة ويروى عن معاذ أنه أتى بيت المقدس فأقام به ثلاثة أيام ولياليها يصوم ويصلي، فلما خرج منه وكان على الشرف ثم أقبل على أصحابه فقال: أما ما مضى من ذنوبكم فقد غفر اللَّه تعالى لكم، فانظروا ما أنتم صانعون ما بقي من أعماركم. "أقول ولبيت المقدس فضائل جمة نبه على غالبها بطريق العموم والإفراد والاشتراك الحافظ أبو محمد القاسم وذكرها في نسخة معتمدة مقروءة عليه وحكاها عنه في باعث النفوس في الفصل الثاني عشر فقال الحافظ بهاء الدين عن مقاتل وساق ما ذكره من جامع الفضائل وترجم

стр. 30

عليها صاحب كتاب "الأنس الجليل" فقال جميع أبواب فضائل القدس، ثم ذكر آيات تتعلق بالمسجد الأقصى وبيت المقدس، والأرض المقدسة وبعض أخبار ولم يزد على ذلك، ولم يعرج على ما ذكره ابن عمه الحافظ صاحب المستقصى "الشريف" وأسانيد ما ذكره الحافظ في جامع فضائل بيت المقدس متشعبة؛ منها ما هو بسنده إلى الهذيل عن مقاتل بن سليمان ومنها ما هو بسنده إلى محمد بن عبد اللَّه الإسكندراني قال: قال مقاتل بن سليمان: وبعضهم يزيد على بعض في التقديم والتأخير وقد جمع السيد صاحب الروض المغرس "بين" الروايتين لاتفاقها لفظا ومعنى وتواردهما وجامع الفضائل على محل واحد قال: قال محمد بن عبد اللَّه الإسكندراني وحده وقال مقاتل: صخرة بيت المقدس وسط الدنيا، "وإذا" قال العبد لصاحبه: انطلق بنا إلى بيت المقدس. يقول اللَّه تعالى: يا ملائكتي اشهدوا أني

стр. 31

قد غفرت لهما قبل أن يخرجا. هذا إذا كانا لا يصران على الذنوب. "يقال" قال: إن اللَّه -تعالى- تكفل لمن سكن بيت المقدس بالرزق وإن فاته المال، ومن مات مقيما محتسبا في بيت المقدس، فكأنما مات في السماء، ومن مات حول بيت المقدس فكأنما مات في بيت المقدس، وأول أرض بارك اللَّه فيها بيت المقدس ويجعل الرب ﷻ مقامه يوم القيامة في أرض بيت المقدس وجعل صفوته من الأرض كلها. أرض بيت المقدس، والأرض المقدسة التى ذكرها اللَّه -تعالى- في القرآن "العظيم" فقال: ﴿إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٧١] هي أرض بيت المقدس وقال تعالى لموسى ﵊ انطلق إلى بيت المقدس فإن فيه ناري ونوري وتنوري يعني وفار التنور وكلم اللَّه تعالى موسى "في الأرض المقدسة"، وتجلى اللَّه ﷻ للجبل في أرض بيت المقدس ورأى موسى ﵇ نور رب العزة ﷻ في أرض بيت المقدس، وصخرة بيت المقدس هي أوسط الأرض كلها وإذا قال الرجل لصاحبه انطلق بنا إلى بيت المقدس ففعلا، يقول اللَّه تعالى: طوبى للقائل والمقول له وقد تقدم بمعناه. وقال مقاتل: وتاب اللَّه على داود وسليمان ﵉ في أرض بيت المقدس ورد

стр. 32

اللَّه على سليمان ملكه في بيت المقدس، وبشر اللَّه زكريا بيحيى في بيت المقدس، وتسورت الملائكة على داود المحراب ببيت المقدس، وسخر اللَّه لداود الجبال والطير ببيت المقدس، وكانت الأنبياء -صلوات اللَّه وسلامه عليهم- يقربون القرابين ببيت المقدس، وتهبط الملائكة ﵈ كل ليلة ببيت المقدس، وأوتيت مريم ﵍ فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء ببيت المقدس، وأنبت "اللَّه تعالى" النخلة لها ببيت المقدس، وولد عيسى ﵇ ببيت المقدس، ورفعه اللَّه تعالى إلى السماء من بيت المقدس، وأنزلت عليه "المائدة" في أرض بيت المقدس، ويغلب يأجوج ومأجوج على الأرض كلها غير بيت المقدس، ويهلكهم اللَّه "تعالى" في أرض بيت المقدس وينظر اللَّه تعالى في كل يوم بخير إلى بيت المقدس، وأعطى اللَّه "تعالى البراق للنبي ﷺ فحمله إلى بيت المقدس، وأوصى إبراهيم وإسحاق ﵉ لما ماتا أن يدفنا في أرض بيت المقدس، وأوصى آدم ﵇ لما مات بأرض الهند أن يدفن في بيت المقدس، وماتت مريم ﵍ ببيت المقدس، وهاجر إبراهيم ﵇ من كوثا إلى بيت المقدس وتكون الهجرة في آخر الزمان إلى بيت المقدس، ورفع التابوت والسكينة من أرض بيت المقدس، وصلى النبي ﷺ زمانًا إلى بيت المقدس ورأى النبي ﷺ مالكا خازن النار ليلة أسري به ببيت المقدس، وركب

стр. 33

النبي ﷺ البراق إلى بيت المقدس وهبط به من السماء إلى بيت المقدس، وأسري به ﷺ إلى بيت المقدس، والمحشر والمنشر إلى بيت المقدس، ويأتي اللَّه في ظلل من الغمام والملائكة إلى بيت المقدس وينصب الصراط على جهنم إلى الجنة "بأرض" بيت المقدس، وتوضع الموازين يوم القيامة ببيت المقدس، وصفوف الملائكة يوم القيامة ببيت المقدس وينفخ إسرافيل "يوم القيامة" في الصور ببيت المقدس، ينادي: أيتها العظام البالية واللحوم المتمزقة والعروق المتقطعة، اخرجوا إلى حسابكم "وتنفخ" "فيه" أرواحكم وتجازون "على أعمالكم". ويتفرق الناس من بيت المقدس إلى الجنة والنار، فذلك قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم: ١٤] "الناس" ويومئذ يعرضون فريق إلى الجنة وفريق إلى السعير" كل ذلك ببيت المقدس. وكفل زكريا مريم ﵉ ببيت المقدس، وفهم اللَّه سليمان منطق الطير ببيت المقدس وسأل سليمان ربه مُلْكًا لا ينبغي لأحد من بعده فأعطاه ذلك ببيت المقدس، والحوت الذي على ظهره الأرضين رأسه في مطلع الشمس وذنبه في المغرب ووسطه تحت بيت المقدس، ومن سره أن يمشي في روضة من رياض الجنة فليمش في صخرة ببيت المقدس وشدد اللَّه لداود ملكه ببيت المقدس، وألان له الحديد ببيت المقدس،

стр. 34

وتقبل اللَّه من امرأة عمران نذرها ببيت المقدس ووهب اللَّه لدواد "ذنبه" ببيت المقدس وأيد اللَّه "تعالى" عيسى ﵇ بروح القدس ببيت المقدس، وآتى اللَّه الحكم ليحيى صبيا في بيت المقدس وكان عيسى ﵇ يحيي الموتى ويصنع العجائب في بيت المقدس، ومن صلى في بيت المقدس فكأنما صلى "في السماء" الدنيا، وتخرب الأرض كلها ويعمر بيت المقدس. ويحشر اللَّه الأنبياء كلهم إلى بيت المقدس، "ويحشر اللَّه محمدًا ﷺ إلى بيت المقدس"، وأول ما انحسر ماء الطوفان عن صخرة بيت المقدس، ويسر اللَّه الأنبياء كلهم لرسول اللَّه ﷺ فصلى بهم في بيت المقدس، وينفخ في الصور النفخة الثانية من بيت المقدس وينادي المنادي على صخرة المقدس، وتصف الملائكة حول بيت المقدس وتسجد النار في بيت المقدس وباب السماء مفتوح في بيت المقدس وهزت النخلة لمريم ﵍ رطبا جنيا ببيت المقدس، وتطير أرواح المؤمنين إلى أجسامهم في بيت المقدس. وقال ﷺ : "إن خيار أمتي تهاجر هجرة بعد هجرة إلى بيت المقدس، ومن صلى ببيت المقدس بعد أن يتوضأ ويسبغ الوضوء ركعتين أو أربعا غفر له ما كان قبل ذلك". وفي رواية: "من صلى ببيت المقدس خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، وكان له بكل شعرة من جسده مائة نور عند اللَّه يوم القيامة، وكانت له حجة مبرورة متقبلة، وأعطاه اللَّه قلبا شاكرًا، ولسانا ذاكرا، وعصمه من المعاصي، وحشره مع الأنبياء، صلوات

стр. 35

اللَّه عليهم أجمعين، ومن "عبر" ببيت المقدس سنة على "أذاها" وشدتها جاء اللَّه برزقه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن تحته ومن فوقه يأكل رغدا ويدخل الجنة إن شاء اللَّه تعالى". وأول بقعة بنيت من الأرض كلها موضع صخرة بيت المقدس. قال وينظر اللَّه تعالى بالرحمة كل يوم إلى بيت المقدس، وتظهر عين موسى في آخر الزمان في بيت المقدس وبشر اللَّه مريم بعيسى ﵇ في بيت المقدس. وفضل اللَّه مريم على نساء العالمين في بيت المقدس، ويمنع اللَّه عدوه الدجال من الدخول إلى بيت المقدس، ويغلب على الأرض كلها إلا بيت المقدس ومكة والمدينة وتاب اللَّه على آدم ببيت المقدس وفيها صفوة اللَّه من عباده ومنها بسطت الأرض ومنها تطوى. قال: ويطلع اللَّه كل صباح إلى سكان بيت المقدس فيدر عليهم من رحمته وحنانه، ثم يدره على "سائر" البلدان. قال: والطل الذي ينزل على بيت المقدس شفاء من كل داء؛ لأنه من حنان الجنة، وما يسكن أحد في بيت المقدس حتى يشفع له سبعون ألف ملك إلى اللَّه تعالى قال: ويقول اللَّه تعالى: "المقبور في بيت "المقدس" يجاورني في "داري" ألا وإن الجنة داري لا يجاورني فيها إلا السخاء والحلم" قال النبي ﷺ لأبي عبيدة بن الجراح ﵁: "النجاء النجاء إلى بيت المقدس إذا ظهرت الفتن" قال: يا رسول فإن لم أدرك بيت المقدس؟ قال: "فابذل مالك واحرز دينك" وكذلك قال علي ﵁ لصعصعة: نعم المسكن عند ظهور الفتن بيت

стр. 36

المقدس، القائم فيها "كالمجاهد" في سبيل اللَّه تعالى، وليأتين على الناس زمان يقول أحدهم: ليتنى في لبنة في في بيت المقدس". وأحب الشام إلى اللَّه تعالى بيت المقدس، وأحب جبالها إليه الصخرة وهي آخر الأرضين خرابا بأربعين عاما، قال: وهي روضة من رياض الجنة. قال: ويقول اللَّه تعالى لصخرة بيت المقدس: "وعزتي وجلالي لأضعن عليك عرشي ولأحشرن إليك خلقي ولأجرين أنهارك نهرا من لبن ونهرا من عسل ونهرا من خمر أنا يومئذ ربهم وداود ملكهم". قال: وأخبرنا المشرف وأنبأنا أبو الفرج أنبانا أحمد بن خلف الهمداني حدثني أبو عبد اللَّه بن محمد الخزري وكان يعد من الأبدال. قال: رأيت ليلة عاشوراء سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة فيما يرى النائم، كأن في صحن مسجد بيت المقدس وأنا مقابل قبة الصخرة، فإذا هى قبة عظيمة، من نور بيضاء عالية وعلى رأسها درة ثم دخلت إلى القبة حتى يلي المسجد وباب من حديد مما يلي الوادي ثم قيل لي: إن لكل نبي من الأنبياء -صلوات اللَّه عليهم- سهما من هذا المسجد، وكذلك لكل مؤمن ثم دخلت المسجد نحو الصف الأول فقيل لي: انظر فإذا قوم قد ابتلعتهم الأرض ورؤوسهم خارجة. فقلت: من هؤلاء؟ فقيل لي: من يبغض السلف ثم كلمني أربع، فقلت في سري: ملائكة فقيل لي: هم جبريل "وميكائيل" وإسرافيل

стр. 37

ولم أعرف الرابع وهم يقولون لي "أقرئ" أبا محمد السلام يعنون إمام المسجد الجامع المقدس وقل: له اجعل الخطب التي تخطبها للَّه "تعالى" وكذلك سائر عمله، فإذا تم له ذلك وضعنا له سريرا من نور في الجنة، حتى يرتفع عليه ويرتفع على الناس وكذلك أبو بكر بن علاوة وأبو أحمد محمد بن عبد الرحيم القيسراني وليدوموا على ما هم عليه وفي هذا الوقت سبعة من المؤمنين أوتاد الأرض ببيت المقدس "وفيه" سهام المؤمنين باللَّه فقلت فسهام أهل البدع؟ فقيل لى: في وادي جهنم. فأشرقت على الوادي قلت أشتهي أنظر فإذا فيها نار ترمي "بشرر" مثل النخلة إذا قطعت بالمنشار كبارا أعاذنا اللَّه منها بمّنه وكرمه واللَّه أعلم.

стр. 38

الباب الثاني في مبدأ وضعه وبناء داود إياه وبناء سليمان ﵇ على الصورة التى كانت من عجائب الدنيا، وذكر دعائه الذي دعا به بعد إتمامه "لمن دخله" ومكان "الدعاء ". روى عن ابن مبارك عن عثمان بن عطاء عن أبيه عن سعيد بن المسيب ﵁ قال: لما أمر اللَّه تعالى داود ﵇ أن يبني مسجد القدس قال: يارب وأين أبنيه؟ قال: حيث ترى الملك شاهرا سيفه، قال: فرآه داود في ذلك المكان فأخذ داود وأسس قواعده ورفع حائطه فلما ارتفع انهدم فقال داود "﵇": يا رب أمرتني أن أبني لك بيتا فلما ارتفع هدمته فقال يا داود إنما جعلتك خليفتي في خلقي، فلم أخذت المكان من صاحبه بغير ثمن؟ إنه سيبنيه رجل من ولدك. وقيل إن معنى الهدم بعد "ارتفاع" البناء أن المكان كان لجماعة من بني إسرائيل ولكل واحد منهم فيه حق فطلبه داود منهم

стр. 39

فانضم به البعض "باللفظ" والبعض بالسكوت ففهم داود "﵇" من الساكنين الرضا، وكان بعضهم غير راض في "الباطن" فحمل داود "﵇" الأمر على ظاهره فبناه فجاء بعض أصحاب الحق إلى بني إسرائيل فقال لهم: إنكم تريدون أن تبنوا على حقي وأنا مسكين وإنه موضع "بيدي" أجمع فيه طعامي فأرتفق بحمله إلى منزلي لقربه، فإن بنيتم عليه أضررتم (بحالي)، فانظروا في أمري "فقال" له: كل من بني إسرائيل له مثل حقك وأنت أبخلهم "بالخير" فإن أعطيت طوعا وإلا أخذناه على كره منك. فقال: أتجدون هذا في حكم داود؟ ثم انطلق وشكاهم إليه، فدعاهم وقال لهم: تريدون أن تبنوا بيت اللَّه تعالى بالظلم! ما أراكم يا بنى إسرائيل تشتكون للَّه ولا أرى إلا أمن "البلاء" يضعفكم ثم قال: له داود ﵇ أتطب نفسك عن حقك فتبيعه بحكمك؟ فقال: وما تعطيني فيه؟ قال: أملؤه لك إن شئت غنمًا، وإن شئت بقرًا، وإن شئت إبلًا فقال: يا نبي اللَّه زدني فإن ما تشريه للَّه تعالى، فلا تبخل علي فقال له داود ﵇ احتكم فإنك لا تسألني إلا أعطيتك فقال: ابن عليه حائطًا قدر قامتي ثم املأه لي ذهبا فقال له داود ﵇ نعم وهو في اللَّه قليل، فالتفت

стр. 40

الرجل إلى بني إسرائيل وقال: هذا واللَّه التائب الصادق المخلص. ثم قال: يا نبي اللَّه قد علم اللَّه " مني" لمغفرة ذنب من ذنوبي "هؤلاء" أحب إلي من ملء الأرض ذهبا فكيف يظن هؤلاء أني أبخل عليهم وعلى نفسي؟ بما أرجو به المغفرة لذنوبي وذنوبهم ولكني جزيتهم رحمة لهم وشفقة عليهم، وقد جعلته للَّه تعالى. فأقبلوا على عمل بيت المقدس، وباشر داود العمل بنفسه، وجعل ينقل الحجر على عاتقه، ويصنعه بيده "في مواضعه" ومعه أحبار بني إسرائيل، والسبب في بناء داود ﵇ بيت المقدس ما رواه ابن إسحاق أن اللَّه تعالى أوحى إلى داود ﵇ لما كثر طغيان بني إسرائيل: (إني أقسمت بعزتي لأبتلينهم بالقحط سنين أو أسلطن عليهم العدو شهرين أو الطاعون ثلاثة أيام. قال: فجمعهم داود، وخيرهم بين إحدى الثلاث فقالوا له: أنت نبينا وأنت أنظر لنا من أنفسنا. فاختر لنا فقال: أما الجوع فإنه "بلاء" فاضح لا يصبر عليه أحد، وأما العدو والموت فإني أخيركم إن أخذت تسليط" العدو فإنه لا يبقي لكم والموت بيد اللَّه -تعالى- تموتون بآجالكم في بيوتكم ففوضوا "كل ذلك" إلى اللَّه تعالى فهو أرحم بكم فاختار لهم الطاعون وأمرهم أن يتجهزوا ويلبسوا أكفانهم ويخرجوا نساءهم وأموالهم وأولادهم وهم خلفهم على الصخرة والصعيد الذي بني عليه بيت المقدس وهو يومئذ صعيد واحد ففعلوا ثم نادى يا رب أنت أمرتنا بالصدقة وأنت تحب المتصدقين فتصدق علينا برحمتك. اللهم إنك أمرتنا بعتق الرقاب فنسألك
следующие страницы →