Полный текст (374 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
المقدس، القائم فيها "كالمجاهد" في سبيل اللَّه تعالى، وليأتين على الناس زمان يقول أحدهم: ليتنى في لبنة في في بيت المقدس".
وأحب الشام إلى اللَّه تعالى بيت المقدس، وأحب جبالها إليه الصخرة وهي آخر الأرضين خرابا بأربعين عاما، قال: وهي روضة من رياض الجنة. قال: ويقول اللَّه تعالى لصخرة بيت المقدس: "وعزتي وجلالي لأضعن عليك عرشي ولأحشرن إليك خلقي ولأجرين أنهارك نهرا من لبن ونهرا من عسل ونهرا من خمر أنا يومئذ ربهم وداود ملكهم".
قال: وأخبرنا المشرف وأنبأنا أبو الفرج أنبانا أحمد بن خلف الهمداني حدثني أبو عبد اللَّه بن محمد الخزري وكان يعد من الأبدال. قال: رأيت ليلة عاشوراء سنة
خمس وثلاثين وثلاثمائة فيما يرى النائم، كأن في صحن مسجد بيت المقدس وأنا مقابل قبة الصخرة، فإذا هى قبة عظيمة، من نور بيضاء عالية وعلى رأسها درة ثم دخلت إلى القبة حتى يلي المسجد وباب من حديد مما يلي الوادي ثم قيل لي: إن لكل نبي من الأنبياء -صلوات اللَّه عليهم- سهما من هذا المسجد، وكذلك لكل مؤمن ثم دخلت المسجد نحو الصف الأول فقيل لي: انظر فإذا قوم قد ابتلعتهم الأرض ورؤوسهم خارجة. فقلت: من هؤلاء؟ فقيل لي: من يبغض السلف ثم كلمني أربع، فقلت في سري: ملائكة فقيل لي: هم جبريل "وميكائيل" وإسرافيل
стр. 37
ولم أعرف الرابع وهم يقولون لي "أقرئ" أبا محمد السلام يعنون إمام المسجد الجامع المقدس وقل: له اجعل الخطب التي تخطبها للَّه "تعالى" وكذلك سائر عمله، فإذا تم له ذلك وضعنا له سريرا من نور في الجنة، حتى يرتفع عليه ويرتفع على الناس وكذلك أبو بكر بن علاوة وأبو أحمد محمد بن عبد الرحيم القيسراني وليدوموا على ما هم عليه وفي هذا الوقت سبعة من المؤمنين أوتاد الأرض ببيت المقدس "وفيه" سهام المؤمنين باللَّه فقلت فسهام أهل البدع؟ فقيل لى: في وادي جهنم. فأشرقت على الوادي قلت أشتهي أنظر فإذا فيها نار ترمي "بشرر" مثل النخلة إذا قطعت بالمنشار كبارا أعاذنا اللَّه منها بمّنه وكرمه واللَّه أعلم.
стр. 38
الباب الثاني
في مبدأ وضعه وبناء داود إياه وبناء سليمان ﵇ على الصورة التى كانت من عجائب الدنيا، وذكر دعائه الذي دعا به بعد إتمامه "لمن دخله" ومكان "الدعاء ".
روى عن ابن مبارك عن عثمان بن عطاء عن أبيه عن سعيد بن المسيب ﵁ قال: لما أمر اللَّه تعالى داود ﵇ أن يبني مسجد القدس قال: يارب وأين أبنيه؟ قال: حيث ترى الملك شاهرا سيفه، قال: فرآه داود في ذلك المكان فأخذ داود وأسس قواعده ورفع حائطه فلما ارتفع انهدم فقال داود "﵇": يا رب أمرتني أن أبني لك بيتا فلما ارتفع هدمته فقال يا داود إنما جعلتك خليفتي في خلقي، فلم أخذت المكان من صاحبه بغير ثمن؟ إنه سيبنيه رجل من ولدك.
وقيل إن معنى الهدم بعد "ارتفاع" البناء أن المكان كان لجماعة من بني إسرائيل
ولكل واحد منهم فيه حق فطلبه داود منهم
стр. 39
فانضم به البعض "باللفظ" والبعض بالسكوت ففهم داود "﵇" من الساكنين الرضا، وكان بعضهم غير راض في "الباطن" فحمل داود "﵇" الأمر على ظاهره فبناه فجاء بعض أصحاب الحق إلى بني إسرائيل فقال لهم: إنكم تريدون أن تبنوا على حقي وأنا مسكين وإنه موضع "بيدي" أجمع فيه طعامي فأرتفق بحمله إلى منزلي لقربه، فإن بنيتم عليه أضررتم (بحالي)، فانظروا في أمري "فقال" له: كل من بني إسرائيل له مثل حقك وأنت أبخلهم "بالخير" فإن أعطيت طوعا وإلا أخذناه على كره منك. فقال: أتجدون هذا في حكم داود؟ ثم انطلق وشكاهم إليه، فدعاهم وقال لهم: تريدون أن تبنوا بيت اللَّه تعالى بالظلم! ما أراكم يا بنى إسرائيل تشتكون للَّه ولا أرى إلا أمن "البلاء" يضعفكم ثم قال: له داود ﵇ أتطب نفسك عن حقك فتبيعه بحكمك؟ فقال: وما تعطيني فيه؟ قال: أملؤه لك إن شئت غنمًا، وإن شئت بقرًا، وإن شئت إبلًا فقال: يا نبي اللَّه زدني فإن ما تشريه للَّه تعالى، فلا تبخل علي فقال له داود ﵇ احتكم فإنك لا تسألني إلا أعطيتك فقال: ابن عليه حائطًا قدر قامتي ثم املأه لي ذهبا فقال له داود ﵇ نعم وهو في اللَّه قليل، فالتفت
стр. 40
الرجل إلى بني إسرائيل وقال: هذا واللَّه التائب الصادق المخلص. ثم قال: يا نبي اللَّه قد علم اللَّه " مني" لمغفرة ذنب من ذنوبي "هؤلاء" أحب إلي من ملء الأرض ذهبا فكيف يظن هؤلاء أني أبخل عليهم وعلى نفسي؟ بما أرجو به المغفرة لذنوبي وذنوبهم ولكني جزيتهم رحمة لهم وشفقة عليهم، وقد جعلته للَّه تعالى.
فأقبلوا على عمل بيت المقدس، وباشر داود العمل بنفسه، وجعل ينقل الحجر على عاتقه، ويصنعه بيده "في مواضعه" ومعه أحبار بني إسرائيل، والسبب في بناء داود ﵇ بيت المقدس ما رواه ابن إسحاق أن اللَّه تعالى أوحى إلى داود ﵇ لما كثر طغيان بني إسرائيل: (إني أقسمت بعزتي لأبتلينهم بالقحط سنين أو أسلطن عليهم العدو شهرين أو الطاعون ثلاثة أيام. قال: فجمعهم داود، وخيرهم بين إحدى الثلاث فقالوا له: أنت نبينا وأنت أنظر لنا من أنفسنا. فاختر لنا فقال: أما الجوع فإنه "بلاء" فاضح لا يصبر عليه أحد، وأما العدو والموت فإني أخيركم إن أخذت تسليط" العدو فإنه لا يبقي لكم والموت بيد اللَّه -تعالى- تموتون بآجالكم في
بيوتكم ففوضوا "كل ذلك" إلى اللَّه تعالى فهو أرحم بكم فاختار لهم الطاعون وأمرهم أن يتجهزوا ويلبسوا أكفانهم ويخرجوا نساءهم وأموالهم وأولادهم وهم خلفهم على الصخرة والصعيد الذي بني عليه بيت المقدس وهو يومئذ صعيد واحد ففعلوا ثم نادى يا رب أنت أمرتنا بالصدقة وأنت تحب المتصدقين فتصدق علينا برحمتك.
اللهم إنك أمرتنا بعتق الرقاب فنسألك
стр. 41
برحمتك أن تعتقنا اليوم اللهم وقد أمرتنا أن لا نرد "السائل" إذا وقف بأبوابنا وأنت تحب من لا يرد السائل وقد جئناك سائلين فلا تردنا "ثم" خروا سجدا من حين طلع الصبح فسلط اللَّه عليهم الطاعون في ذلك الوقت إلى أن زالت الشمس، ثم رفعه عنهم، ثم أوحى إلى داود ﵇ أن ارفعوا رؤوسكم فقد شفعتك فيهم. فرفعوا رؤوسهم وقد مات منهم مائة ألف وسبعون ألفا أصابهم الطاعون وهم سجود فنظروا إلى الملائكة يمشون بينهم بأيديهم الخناجر ثم عمد داود ﵇ فارتقى الصخرة رافعا يديه يحدث اللَّه شاكرا ثم إنه جمع بنى إسرائيل بعد ذلك وقال إن اللَّه -تعالى- قد رحمكم وعفا عنكم "فاسجدوا" للَّه شكرا بقدر ما أبلاكم فقالوا له: مرنا بما شئت قال: إني لا أعلم أمرا أبلغ في شكركم من بناء مسجد نعبد اللَّه تعالى فيه ونقدسه أنتم ومن بعدكم قالوا نفعل وسأل داود ربه فأذن له فأقبلوا على بنائه.
وكذلك قال النبي ﷺ : "الطاعون رجس أرسله اللَّه على بني إسرائيل وعلى من كان قبلكم" الحديث أخرجه البخاري ومسلم وقال "غير" ابن إسحاق أصاب بني إسرائيل طاعون في زمن داود ﵇ وهو داود بن أبشا من ذرية يهود بن يعقوب فخرج بهم إلى موضع بيت المقدس يدعون اللَّه تعالى ويسألون كشف البلاء عنهم، فاستجاب اللَّه لهم فاتخذوا ذلك الموضع مسجدا وذلك لإحدى عشرة سنة خلت من ملكه، وتوفي قبل أن يتم بناؤه فأوصى إلى سليمان ﵇ فبناه فى ثماني سنين ولما فرغ من بنائه أطعم فيه بنى إسرائيل اثني عشر ألف ثور قيل: إن سببه أن داود ﵇ رأى الملائكة سالين سيوفهم يغمدونها ويرتقون في سلم من ذهب من الصخرة إلى السماء فقال داود ﵇: هذا مكان ينبغي أن يبنى فيه مسجد
للَّه تعالى قاله
стр. 42
وهب بن منبه.
وقول ابن المسيب حيث قال لما أمر اللَّه داود ﵇: أن يبني مسجد بيت المقدس قال: رب وأين أبنيه؟ قال: حيث ترى الملك شاهرا سيفه ويمكن الجمع بين هذه الأقوال أن يكون داود هَمَّ ببنائه لما كشف عن بني إسرائيل البلاء ورفع عنهم الطاعون ورأى الملائكة عقب ذلك وقال لهم عن البناء وسأل اللَّه تعالى أن يبني مسجدا. فأوحى اللَّه تعالى إليه أن يبنيه فسأله ﷺ وقال: يا رب أين أبنيه؟ قال حيث ترى الملك شاهرا سيفه فبناه ثم توفي قبل إتمامه فأوصى سليمان ﵇ ببنائه فبناه وأتمه.
وكان من أمر سليمان ﵇ في بنائه ما رواه عبد اللَّه بن الزبير الحميدي عن سفيان عن بشر بن عاصم عن كعب قال: إن اللَّه تعالى لمَّا أوحى إلى سليمان ﵇ أن ابن بيت المقدس جمع حكماء الإنس والجن وعفاريت الأرض وعظماء الشياطين وجعل منهم فريقا يبنون وفريقا يقطعون الصخور والعمد من معادن الرخام وفريقا يغوصون في البحر، يخرجون منه الدر والمرجان وكان في الدر ما هو مثل بيضة النعامة وبيضة الدجاجة وأخذ في "بناء" بيت المقدس فلم يثبت البناء فأمر بهدمه. ثم حفر الأرض حتى بلغ الماء، فأسسه على الماء وألقوا فيه الحجارة فكان الماء "يلفظها" فدعا. سليمان ﵇ الحكماء الأخيار ورئيسهم أصف
стр. 43
بن برخيا وقال لهم: أشيروا علي. فقالوا: إنا نرى أن نتخذ قلالا من نحاس ثم نملؤها حجارة، ثم تكتب عليها "الكتاب" الذي في خاتمكم، ثم تلقى القلال في الماء ففعلوا فثبتت القلال في الماء، فألقوا المون والحجارة عليها، وبني حتى ارتفع بناؤه وفرق الشياطين في أنواع العمل، فدأبوا في عمله وجعل فرقة منهم يقطعون معادن الياقوت بأنواع الجواهر وجعل الشياطين صفًّا مرصوصا من معادن الرخام إلى حائط المسجد، فإذا قطعوا من المعادن حجرا أو أسطوانة تلقاه الأول منهم "ثم الذي يليه" ويلقيه بعضهم إلى بعض حتى ينتهي إلى المسجد، وجعل فرقة لقطع الرخام الأبيض الذي منه ما هو مثل بياض اللبن بمعدن يقال له السامور ليس هو هذا السامور الذي هو في يدي الناس الآن ولكن هذا به يسمى.
والذي دلهم على معدن السامور عفريت من الشياطين كان في جزيرة من جزائر
البحر فذكره سليمان ﵇ "عليه"، فأرسل إليه بطابع من حديد وكان خاتمه يرسخ في الحديد والنحاس فيطبع إلى الجن بالنحاس وإلى الشياطين بالحديد وكأن خاتما نزل عليهم من السماء حلقته بيضاء وطابعه كالبرق الخاطف، لا يستطيع أحد أن يملأ بصره منه فلما وصل الطابع إلى العفريت وجيء به قال له: هل عندك من حيلة أقطع بها "الصخور"؟ فإني أكره صوت الحديد في مسجدنا هذا فقال له العفريت: إني لا أعلم في السماء طيرا أشد من العقاب، ولا أكثر حيلة منه. وذهب يبتغي "وكر" عقاب فوجد وكرا "فيه أفراخ العقاب" فغطى عليه بترس "غليظ من حديد"، فجاء
стр. 44
العقاب "إلى وكره فوجد الترس الحديد" فنفخه برجله ليزيحه أو ليقطعه فلم يقدر عليه، فحلق في السماء ولبث يومه وليله ثم أقبل ومعه قطعة من السامور فتفرقت عليه الشياطين حتى أخذوها منه وأتوا بها إلى سليمان ﵇ فكان يقطع بها "الصخرة العظيمة".
وقال وهب: لما أراد سليمان ﵇ أن يبني بيت المقدس قال للشياطين: إن اللَّه ﵎ أمرني أن أبني بيتا لا يقطع فيه حجر بحديدة. فقالوا: لا يقدر على هذا إلا شيطان في بحر له مشربة يردها. قال: فانطلقوا إلى مشربته، فأخرجوا ماءها، واجعلوا مكانه خمرا ففعلوا "فجاء ذلك الشيطان يشرب". فوجد ريحا فقال: شرا. ولم يشرب، فلما اشتد ظمؤه جاء وشرب فأخذ فبينما هم في الطريق إذا هم برجل يبيع الفوم بالبصل، فضحك "ثم مر بامرأة تكهن بقوم فضحك" فلما انتهي به إلى سليمان ﵇ أخبر بضحكه فسأله فقال: مررت برجل يبيع الدواء ومررت "بامرأة" تكهن وتحتها كنز لا تعلم به. قال: فذكر له شأن البناء فأمر أن يؤتى بقدر من نحاس لا تعملها النفس، فأتي بها فقال: اجعلوها على أفراخ النسور، ففعلوا ذلك فأقبلت النسور إلى أفراخها فلم تصل إليها فارتفعت وعلت في جو السماء ثم نزلت فأقبلت بعود في منقارها فوضعته على القدر، فانشق فعمدوا إلى ذلك العود فأخذوه وجعلوا يقطعون به الحجارة.
قال: وكان عدد من عمل معه في بناء بيت المقدس ثلاثين ألف رجل؛ عشرة
آلاف منهم عليهم قطع الخشب وكان الذين يعملون في الحجارة سبعين ألف رجل، وعدد الأمناء عليهم ثلاثمائة غير المسخرين
стр. 45
من الجن والشياطين، قال: وعمل فيه سليمان ﵇ عملا يوصف ولا يبلغ كنهه أحد وزينه بالذهب والفضة والدر والياقوت والمرجان وأنواع الجواهر في سمائه وأرضه وأبوابه وجدرانه وأركانه، مما لا يرى مثله وأسقفه بالعود إلا ليخرج وصنع له ما يضيء سكرة من الذهب زنة كل سكرة منها عشرة أرطال وأولج فيه تابوت موسى وهارون.
قال الكلبي: ولما فرغ سليمان ﵇ من بناء بيت المقدس أنبت اللَّه تعالى شجرتين عن باب الرحمة "إحداهما" تنبت الذهب والأخرى "تنبت" الفضة. فكان كل يوم ينزع من كل واحدة مائتي رطل ذهبا وفضة.
قال: وفرش المسجد بلاطة من ذهب وبلاطة من فضة وروى
стр. 46
النسائي بسننه صحيح عن عبد اللَّه بن عمر -رضى اللَّه "عنهما"- عن النبي ﷺ :"أن سليمان ﵇ بن داود ﵇ لما بنى "مسجد" بيت المقدس سأل اللَّه تعالى خلال "ذلك" ثلاثًا سأل اللَّه حكما يصادف حكمه فأوتيه وسأل اللَّه تعالى مُلكًا لا ينبغي لأحد من بعده فأوتيه وسأل اللَّه حين فرغ من بناء المسجد أن لا يأتيه أحد إلا للصلاة فيه أن يخرجه من خطيئته كيوم ولدته أمه" وزاد ابن ماجه على هذه الرواية فقال النبي ﷺ : "أما الاثنتين فقد أعطيهما وأرجو أن يكون أعطي الثالثة" وأخرجه الحاكم في المستدرك وقال على شرط الشيخين البخاري ومسلم ويوافق الحديث في دعائه بالملك الذي لا ينبغي لأحد من بعده القرآن العظيم في قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [ص: ٣٥]، والحديث الآخر الصحيح
стр. 47
وهو قوله ﷺ في حديث العفريت الذي تغلب عليه في الصلاة وقال: "فأمكنني اللَّه تعالى منه وأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى تصبحوا وتنظروا إليه كلكم فذكرت قول أخي سليمان رب اغفر لي وهب لي
ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي".
ولما رفع سليمان ﵇ يده من البناء بعد الفراغ منه وإحكامه، جمع الناس وأخبرهم أنه مسجد للَّه -تعالى- وهو أمره ببنائه وإن كل شيء فيه للَّه تعالى من انتقصه أو شيئًا منه فقد خان اللَّه تعالى وإن داود عهد إليه ببنائه وأوصاه بذلك من بعده ثم اتخذ طعاما وجمع الناس جمعا لم ير مثله قط ولا طعام أكثر منه ثم أمر بالقرابين فقربت إلى اللَّه تعالى وجعل القربان في "رحبة" المسجد وميز ثورين وأوقفهما قريبا من الصخرة "ثم قام على الصخرة" فدعا بدعائه المقدم ثم قام على الصخرة ذكره أو زاد عليه زيادة هي (اللهم أنت وهبت لى هذا الملك منًّا منك وطولا علي وعلى والدي من قبلي وأنت ابتدأتني وإياه بالنعمة والكرامة وجعلته حكما بين عبادك وخليفة في أرضك وجعلتني وارثه من بعده وخليفة في قومه وأنت الذي خصصتني بولاية مسجدك "هذا" وكرمتني به قبل أن تخلقني ذلك فلك الحمد على ذلك، ولك المن ولك "الفضل" ولك الطول "اللهم وأسألك" لمن دخل هذا المسجد خمس خصال أن لا يدخل إليه مذنب لا يعمده إلا لطلب التوبة أن تتقبل منه توبته وتغفر له ولا يدخله خائف لا يعمده إلا
стр. 48
لطلب الأمن أن تؤمنه من خوف وتغفر له ولا يدخله مقحط لا يعمده إلا لطلب الاستسقاء أن تسقي بلاده وأن لا تصرف بصرك عمن دخله حتى يخرج منه اللهم إن أجبت دعوتي وأعطيتني مسألتي فاجعل علامة ذلك أن تقبل قرباني فتقبل القربان (وروي أن أبا العوام سئل ما كان "يقال" في الصلاة في بيت المقدس قال ذكر لنا أن نبي اللَّه سليمان ﵇ لمَّا فرغ من بنائه ذبح ثلاثة آلاف بقرة وسبعة آلاف شاة ثم أتى المكان الذي في مؤخر المسجد مما يلي باب الأسباط وهو الموضع الذي يقال له كرسي سليمان وقال: "اللهم من آتاه من ذي ذنب فاغفر له" وذي ضرٍ فاكشف ضره "قال فلا يأتيه أحد إلا أصاب من دعوة سليمان ﵇ وهذا الذي هو معروف بكرسي سليمان من الأماكن المعروفة بإجابة الدعاء.
"وروي" عن ابن المسيب أنه قال: إن سليمان ﵇ لما بنى مسجد بيت المقدس وفرغ منه تغلقت أبوابه فعالجها سليمان ﵇ ليفتحها فلم تنفتح
حتى قال في دعائه بصلوات أبي داود إلا انفتحت فانفتحت الأبواب، قال: وفرغ له سليمان ﵇ عشرة آلاف "نفر" من قراء بني إسرائيل حفسة آلاف بالليل وخمسة آلاف بالنهار حتى لا يأتي ساعة من ليل ولا نهار إلا واللَّه تعالى يعبد فيه. وروي عن زيد بن أسلم أنه قال:
стр. 49
إن مفتاح بيت "المقدس" كان يكون عند سليمان ﵇ لا يأمن عليه أحد فقام ذات ليلة ليفتحه فعسر عليه فاستعان عليه بالإنس فعسر عليهم فجلس "حزينا" يظن أن ربه قد منعه "منه فهو كذلك إذا أقبل شيخ يتكئ على عصى له وقد طعن في السن وكان من جلساء داود ﵇ فقال: يا نبي اللَّه أراك حزينا فقال قمت إلى هذا الباب لأفتحه فعسر علي فاستعنت عليه بالإنس والجن فلم يفتح فقال الشيخ: ألا أعلمك بكلمات كان أبوك يقولهن عند كربه فيكشف اللَّه عنه. قال: بلى قال: قل "اللهم بنورك اهتديت وبفضلك استغنيت "وبفضلك" أصبحت وأمسيت. ذنوبي بين يديك، أستغفرك وأتوب إليك يا حنان يا منان. فلما قالها فتح له الباب.
قال المشرف: فيستحب أن يدعو الزائر وغيره بهذا الدعاء إذا دخل من باب الصخرة وكذلك من باب المسجد قال: وكان فراغ "بناء" بيت المقدس لمضي إحدى عشرة سنة من ملك سليمان ﵇ لمضي خمسمائة سنة وست وأربعين "سنة" من وفاة موسى ﵇ ومن هبوط آدم إلى ابتداء سليمان في بيت المقدس أربعة آلاف وأربعمائة وست وسبعون سنة ولم يزل المسجد الأقصى على تلك الهيئة التي كانت من العجائب إلى أن "خربه" بخت نصر في ستمائة ألف فدخل بيت المقدس
стр. 50
بجنوده ووطئ الشام وقتل بني إسرائيل حتى أفناهم، وخرب بيت المقدس واحتمل منه ثمانين عجلة ذهبا وفضة فطرحه برومية وأمر جنوده أن يملأ كل رجل منهم ترسه
ترابا ويقذفه بيت المقدس وكان خروجه بعد قتل شيعا.
وفي زمن أرميا وبعد موت بخت نصر رجع عزير "إلى الشام ووضع لبني إسرائيل التوراة من حفظه ثم قبض. قالوا وكان من بناء داود ﵇ المسجد "بيت" الأقصى إلى وقت تخريب بخت نصر إياه وانقطاع دولة بني إسرائيل أربعمائة سنة وأربع وخمسون سنة. قال أبو عبد اللَّه البكري: ولم يزل بيت المقدس خرابا إلى أن بناه ملك من ملوك الفرس يقال له كوشك.
стр. 51
وقال البغوي بناه كوشك بن كوشك بن أخورش بعد تخريب بخت نصر بسبعين سنة ثم تغلبت ملوك غسان على الشام بتمليك ملوك الروم لهم ودخولهم في نصرانيتهم إلى أن جاء اللَّه تعالى بالإسلام وملك الشام منهم جبلة بن الأيهم ففتح اللَّه تعالى الشام على المسلمين في زمن عمر بن الخطاب ﵁ ثم كان فتح المقدس صلحا على يد عمر ﵁ واستمر في أيدي المسلمين بيت المقدس من حين الفتح العمري إلى أن تغلب عليه الفرنج واقتلعوه من أيدي المسلمين واستولوا عليه في دولة الفاطميين إلى أن فتحه اللَّه على يد سلطان الإسلام والمسلمين صلاح الدنيا والدين أبي المظفر يوسف بن أيوب -رحمه اللَّه تعالى- على ما سنذكره إن شاء اللَّه من الفتحين العزيزين في بابه من هذا الكتاب.
стр. 52
الباب الثالث
في فضل الصخرة الشريفة والأوصاف التي كانت بها في زمن سليمان ﵇ وارتفاع القبة المبنية عليها يوم ذلك وذكر أنها من الجنة وأنها تحول يوم القيامة مرجانة بيضاء وما في معنى ذلك قال محمد بن منصور بن ثابت: كانت صخرة بيت المقدس أيام سليمان ﵇ ارتفاعها اثنى عشر ذراعًا وكان
الذراع ذراع الأمان ذراع وشبر وقبضة وكان عليها من اليلنجوج ارتفاعها ثمانية عشر ميلا وفوق
стр. 53
القبة غزال من ذهب بين عينيه درة أو ياقوتة حمراء تغزل نساء أهل البلقاء على نورها بالليل وهي على ثلاثة أيام منها وكان أهل عمواس يستظلون بظل القبة إذا طلعت الشمس وإذا غربت استظل أهل بيت الرامة وغيرهم من الغور بظلها.
وروى المشرف عن كعب مثله فقال: كانت صخرة بيت المقدس طولها في السماء اثنى عشر ميلا فكان أهل أريحا وأهل "عمواس" يستظلون بظلها وكان عليها ياقوتة تضئ بالليل كضوء الشمس وإذا كان النهار طمس ضوءها، ولم تزل كذلك حتى خربها بخت نصر وأخذ ما أخذ منها وحمله إلى رومية وروي أيضا عن عطاء بن رباح أنه قال: كانت صخرة بيت المقدس طولها في السماء اثنا عشر ميلا "ويقال: إنه ليس بينها وبين السماء إلا ثمانية عشر ميلا" وكان أهل أريحا يستظلون بظلها وكان عليها ياقوتة تغزل نساء البلقاء على ضوئها بالليل. قال: ولم تزل كذلك حتى غلب عليها الروم بعد أن خربها بختنصر، فلما صارت في أيديهم قالوا: تعالوا لنبني عليها أفضل من البناء الذي كان عليها على قدر طولها
стр. 54
في السماء، وزخرفوه بالذهب والفضة "ودخلوا إليها" وأشركوا فيها فانقلبت عليهم فما خرج منها أحد فلما رأى ملك الروم ذلك جمع البطارقة والشمامسة ورؤساء الروم، وقال لهم: ما ترون؟ قالوا: نرى أنا لم نرض إلهنا فلذلك لم يقبل منا. فأمر الثانية فبنوا فيها وأضعفوا النفقة فلما فرغوا من البناء الثاني دخلها سبعون ألف مثل ما دخلوا أول مرة وفعلوا كفعلهم أولا فلما أشركوا انقلبت عليهم ولم يكن الملك معهم فلما رأى ذلك جمعهم ثالثة وقال لهم: ما ترون؟ قالوا: إنا لم نرض ربنا كما ينبغي لذلك هدم ما فعلناه ونحن نحب أن نبني ثالثة حتى إذا أرادوا أن قد أتقنوها وفرغوا منها جمع النصارى وقال لهم: هل ترون من العيب شيئًا؟ قالوا: لا نكللها بصلبان الذهب والفضة. ودخلها قوم اغتسلوا وتطيبوا فلما دخلوا أشركوا كما أشرك أصحابهم من قبل فخربت عليهم ثالثة فجمعهم رابعة ملكهم واستشارهم فيما يفعل، وكثر خوضهم في ذلك فبينما على
ذلك إذا أقبل عليهم شيخ كبير عليه برانس سود وعمامة سوداء قد انحنى ظهره وهو متوكئ على عصاه فقال لهم: يا معشر النصارى إليّ فإني أكبركم سنًّا، وقد خرجت من معبدي لأخبركم أن هذا المكان قد لعن أصحابه وأن القدس نزع منه وتحول إلى هذا الموضع وأشار إلى الموضع الذي بنوا فيه كنيسة قمامة فيه قال: وأنا أريكم الموضع "الذي ذكرت" ولستم تروني بعد هذا اليوم أبدًا فاقبلوا مني ما أقول لكم وأغواهم وزادهم طغيانا وأمرهم أن يقطعوا الصخرة ويبنوا بحجارتها الموضع الذي أمرهم به فبينما هو يكلمهم ويقول ذلك إذ خفي فلم يروه فازدادوا كفرا وقالوا فيه قولا عظيما ثم إنهم خربوا المسجد واحتملوا العُمُد والحجارة وغيرها وبنوا بهما كنيستهم القمامة والكنيسة التي في وادي جهنم وكان الشيخ الملعون قد قال لهم:
стр. 55
وإذا فرغتم من بناء هذا الموضع فاتخذوا ذلك الموضع الذي لعن أصحابه ونزع القدس منه مزبلة لقذراتكم وبذلك ترضون ربكم ففعلوا ذلك حتى كانت المرأة ترسل بخرق حيضها وأوساخها من القسطنطينية وتطرحها عليها ومكثوا على ذلك مدة حتى بعث اللَّه نبينا محمد ﷺ وأسري به إليها وذلك من أجل خصائصها وعظيم فضلها.
وعن ميمون بن مهران عن ابن عباس ﵁ أنه قال: "صخرة بيت المقدس من صخور الجنة". وعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ "الصخرة صخرة بيت المقدس على نخلة والنخلة على نهر من أنهار الجنة وتحت النخلة آسيا امرأة فرعون ومريم بنت عمران ينظمان سموط أهل الجنة إلى يوم القيامة".
وعن أبي إدريس الخولاني أنه قال: يحول اللَّه يوم القيامة صخرة بيت المقدس مرجانة بيضاء كعرض السماء والأرض ثم يصيرون منها إلى الجنة والنار فكذلك قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨]، تبدل أرضًا بيضاء عفراء من فضة لم يعمل عليها خطيئة قط قالت عائشة ﵂ يا رسول اللَّه: يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات أين الناس يومئذ؟ قال: "على
الصراط".
وعن ثور
стр. 56
بن يزيد وعن ابن عبد اللَّه بن بشر عن كعب قال في التوارة يقول اللَّه لصخرة بيت المقدس: (أنت عرشي الأدنى ومنك ارتفعت إلى السماء ومن تحتك بسطت الأرض وكلما يسيل من ذروة الجبال من تحتك من مات فيك فكأنما مات فيك في سماء الدنيا ومن مات حولك فكأنما مات فيك لا تنقضي الأيام والليالي حتى أرسل عليك نارًا من السماء فتأكل آثار أكف بني آدم وأقدامهم منك، وأرسل عليك ماء من تحت العرش فأغسلك حتى أتركك كالأمهات وأضرب عليك سورا من غمام غلظه اثنا عشر ميلًا وسياجًا من نار وأجعل عليك قبة وحبلها بيدي وأنزل فيك روحي وملائكتي يسبحون فيك لا يدخل أحد من بني آدم يوم القيامة فمن يرى ضوء تلك القبة من بعيد يقول: طوبى لوجه يخر فيك ساجدا وأضرب عليك حائطا من نار وسياجا من الغمام بخمس حيطان من ياقوت ودر وزبرجد أنت البدء وإليك المحشر ومنك المنشر" وقال اللَّه تعالى صخرة بيت المقدس من أحبك أحببته ومن أحبك أحببني ومن مذ بشناك شنأته عيني عليك من السنة إلى السنة لا أنساك حتى أنسى يميني ومن صلى فيك ركعتين أخرجته من الخطايا كما أخرجته من بطن أمه إلا أن يعود إلى خطايا مستأنفة نكتب عليه لا تذهب الأيام والليالي حتى يحشر إليك كل مسجد يذكر فيه اسم اللَّه يحفون بك حفيف الركب بالعروس إذا أهديت إلى أهلها أنزل عليك نارًا من السماء
стр. 57
تأكل ما داست أقدام الناس وما مسته أيديهم).
وهذا حديث طويل ذكره الحافظ أبو محمد القاسم وفيه (ضمنت لمن سكنك أن لا تعوزه أيام حياته خبز البر والزيت) وفيه (لا تنقضي الأيام والليالي حتى أنزلك في ذروة كرامتي منك المحشر وإليك المنشر).
وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "سيد البقاع بيت المقدس وسيد الصخور، صخرة بيت المقدس" وقال ابن عباس ﵁: (صخرة بيت المقدس من صخور الجنة). وعن كعب قال: (الكعبة بإزاء البيت المعمور في السماء السابعة الذي تحجه ملائكة اللَّه ولو وقعت منه أحجار لوقعت على أحجار البيت والجنة في السماء السابعة بإزاء بيت المقدس، والصخرة لو وقع منها حجر لوقع على الصخرة ولذلك "أوسلم" ودعيت الجنة دار السلام وعن الزهري عن وهب قال رسول اللَّه ﷺ : "قال: قال اللَّه تعالى لصخرة بيت المقدس فيك جنتي وناري جزائي وعقابي فطوبى لمن زارك أو رآك" وعن الوليد بن مسلم عن ابن جابر قال سمعت عمير بن هانئ العبسي يقول: "يحول اللَّه تعالى صخرة بيت المقدس يوم القيامة مرجانة بيضاء فيكون هو عليها ومن أحب من خلقه" وفي رواية "يحول اللَّه تعالى صخرة بيت المقدس مرجانة كعرض السماء والأرض ثم يضع عليها عرشه ويضع ميزانه ويقضي بين عباده ويصيرون منها إلى الجنة وإلى النار".
وعن إبراهيم بن أبي عبلة
стр. 58
قال: سئل عبادة بن الصامت ﵁ ورافع بن خديج وكانا عقبيين بدريين فقيل لهما: أرأيتما ما يقول الناس في هذه الصخرة أحقًّا هو فنأخذ به أو هو شيء أصله من أهل الكتاب فندعه.
فقالا، سبحان اللَّه ومن يشك في أمرهما إن اللَّه لما استوى إلى الماء قال: لصخرة بيت المقدس: (هذا مقامي وموضع عرشي يوم القيامة ومحشر عبادي وهذا موضع جنتي عن يمينها وموضع ناري عن يسارها وفيه أنصب ميزاني أمامها وإن اللَّه ديّان يوم الدين ثم استوى إلى علّيين).
وعن عبد الرحمن بن منصور قال: سمعت أبي قال: قدم مقاتل بن سليمان إلى بيت المقدس وصلى عند باب الصخرة القبلي فاجتمع إليه خلق كثير من الناس فكتب
عنه وسمع منه فأقبل على أبي بدوي يطأ بنعلين على البلاط وطأً شديدا فسمعه فغمه ذلك وقال لمن حوله: انفرجوا على انفراج الناس عنه، وأهوى بيده يشير إليه، ويزجره أيها الواطئ ارفع بوطئك فوالذي نفس مقاتل بيده ما تطأ إلا على أساطين الجنة وأما هذا الذي عليه الحائط مديرا. أو قال: السور ما فيه موضع شبر إلا وصلى عليه نبي مرسل وملك مقرب. وعن أم عبد اللَّه ابنة خالد بن معدان عن أمها (لا تقوم الساعة حتى تزف الكعبة إلى الصخرة فيتعلق بها جميع من حجّها واعتمرها فإذا زارتها الصخرة قالت مرحبا بالزائرة
стр. 59
والمزور إليها).
وحكى صاحب مثير الغرام أنه رأى في "شرح الموطأ" للإمام أبي بكر بن العربي قال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ﴾ [المؤمنون: ١٨] فذكر أربعة أقوال رابعها قيل: إن مياه الأرض كلها تخرج من تحت صخرة بيت المقدس وهي من عجائب اللَّه تعالى في أرضه؛ فإنها صخرة في وسط المسجد انقطعت من كل جهة لا يمسكها إلا الذي يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه في أعلاها من جهة الغرب قدم النبي ﷺ حين ركب البراق وقد مالت من تلك الجهة لهيئته وفي الجهة الأخرى أثر أصابع الملائكة التي أمسكتها إذ مالت به ومن تحتها الغار الذي انفصلت عنه من كل جهة عليه باب يفتح للناس للصلاة والاعتكاف تهيبتها مدة أن أدخل تحتها خوفا من سقوطها عليّ بالذنوب التى اجترحتها ثم رأيت الظلمة والمجاهرين بالمعاصي ثم قلت لعلهم أمهلوا وأعاجل أنا فتوقفت مدة ثم عزم علي فدخلتها فرأيت العجب العجاب يمشي في حواشيها من كل جهة فرأيتها "متعلقة" منفصلة عن الأرض لا يتصل بها شيء من الأرض بعض الجهات أشد انفصالا من بعض وموضع القدم الشريف اليوم في حجر منفصل عن الصخرة محاذٍ لها آخر جهة الغرب من جهة القبلة وهو على أعمدة والصخرة اليوم على جدران المغارة متصلة بها خلا الموضع الذي عند باب المغارة من جهة القبلة؛ فإنها منفصلة هناك عن الجدار القبلي وبينهما فضاء تحت باب المغارة سلَّم حجر ينزل منه إلى المغارة وعند وسطها
стр. 60
صفة صغرى متصلة به من جهة شرقه وطرفه الأخر الأعلى مستند إلى طرف الصخرة كأنه مانع لها من الميل إلى جهة القبلة أو لغير ذلك وبقية الصخرة تحتها بناء وموضع أصابع الملائكة من الصخرة من جهة الغرب منفصل عن موضع القدم الشريف المذكور قريبا من محاذاة باب الصخرة الغربي انتهى.
стр. 61
الباب الرابع
في فضل الصلاة في بيت المقدس ومضاعفتها وهل المضاعفة فى فضل الصلاة تعم الفرض والنفل أم لا؟ وهل المضاعفة تشتمل الحسنات والسيئات؟ وفضل الصدقة والصوم والأذان فيه والإهلال بالحج والعمرة منه وفضل إسراجه وأنه يقوم مقام زيارته عند الفجر، عن قصده . عن كعب الأحبار قال "شكا بيت المقدس" إلى ربه الخراب فأوحى اللَّه تعالى إليه لأملأنك خدودا سجدا يدفون إليك دفيف النسور إلى أوكارها يحنون إليك حنين الحمام إلى بيضها فقال رجل لكعب: اتق اللَّه يا كعب! وإن له لسانا؟ قال: نعم وقلبا كقلب أحدكم، قال: شكى بيت المقدس إلى ربه فقال له رجل من أهل الشام: وهل له لسان يا كعب؟! فقال: نعم، وأذنان فقال له اللَّه "سأملؤك": خدودا سجدا يدفون إليك دفيف النسور إلى أوكارها ويحنون إليك حنين الحمام إلى بيضها.
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال
стр. 62
- ﷺ : "من زار بيت المقدس محتسبًا أعطاه اللَّه أجر ألف شهيد" وعنه أن رسول اللَّه ﷺ قال: "من زار عالما فكأنما زار بيت المقدس ومن زار بيت المقدس محتسبا حرم اللَّه لحمه وجسده على النار".
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من صلى في بيت المقدس غفرت له ذنوبه كلها" وقال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ [البقرة: ٢١٠].
وعن مكحول عن كعب "من أتى بيت المقدس فصلى عن يمين الصخرة وعن شمالها ودعا عند موضع السلسلة وتصدق بما قلَّ أو كثر استجيب دعاؤه وكشف اللَّه
تعالى حزنه وخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه وإن سأل اللَّه الشهادة أعطاه اللَّه إياها" وقال مكحول: "من صلّى في بيت المقدس ظهرًا وعصرًا ومغربا وعشاء ثم صلّى الغداة خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه" وقال "من خرج إلى بيت المقدس بغير حاجة إلا الصلاة فيه فصلى فيه خمس صلوات صبحا وظهرا وعصرا ومغربا وعشاء خرج من خطيئته كيوم ولدته أمه.
وعن عبد اللَّه بن يزيد عن مكحول "قال من زار بيت المقدس شوقا إليه دخل الجنة مدللا وزاره جميع الأنبياء في الجنة وغبطوه بمنزلته من اللَّه وأيما رفقة خرجوا يريدون بيت المقدس إلا شيعتهم عشرة آلاف من الملائكة يستغفرون اللَّه لهم ويصلون عليهم ولهم مثل أعمالهم إذا انتهوا إلى بيت المقدس فلهم بكل يوم يقيمون فيه صلاة سبعين ملكا. ومن دخل بيت المقدس
стр. 63
طاهرا من الكبائر تلقاه اللَّه -تعالى- بمائة رحمة "ما منها رحمة" إلا لو قسمت على جميع الخلائق لوسعتهم ومن صلى في بيت المقدس ركعتين يقرأ فيهما بفاتحة الكتاب و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه وكان له بكل شعرة من جسده حسنة، ومن صلى ببيت المقدس أربع ركعات مر على الصراط كالبرق الخاطف وأعطي أمان من الفزع الأكبر يوم القيامة، ومن صلى ببيت المقدس ست ركعات أعطي مائة دعوة مستجابة أدناها براءة من النار ووجبت له الجنة ومن صلى في بيت المقدس ثماني ركعات كان رفيق إبراهيم الخليل ﷺ ومن صلى في بيت المقدس عشر ركعات كان رفيق داود وسليمان ﵉ في الجنة ومن استغفر للمؤمنين والمؤمنات في بيت المقدس كان له مثل حسناتهم ودخل على كل مؤمن ومؤمنة من دعائه سبعون مغفرة وغفرت له ذنوبه كلها. وعن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ثلاثة أملاك ملك موكل بالكعبة وملك موكل بمسجدي وملك موكل بالمسجد الأقصى. فأما
الملك الموكل بالكعبة: فينادي كل يوم: من ترك فرائض اللَّه خرج من أمان اللَّه، وأما الملك الموكل بمسجدي: فهو ينادي في كل يوم من ترك سنة محمد ﷺ يرد الحوض لم تدركه شفاعة محمد ﷺ أما الملك الموكل بالمسجد الأقصى: فينادي كل يوم من كان مطعمه حراما كان عمله مضروبا
стр. 64
به في وجهه" وعن قتادة عن أنس ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من صلى في بيت المقدس خمس صلوات نافلة كل صلاة أربع ركعات تقرأ في الخمس الصلوات عشرة الآف ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] فقد اشترى نفسه من اللَّه تعالى وليس للنار عليه سلطان" وعن أبي الزاهرة جدير بن كريب قال: أتيت بيت المقدس أريد الصلاة فدخلت المسجد وغفلت عيني عن السدنة حين طفيت "المصابيح" وانقطعت الرجل وغلقت الأبواب فبينما أنا كذلك إذ سمعت حفيفا له جناحان قد أقبل وهو يقول: سبحان الدائم القائم، سبحان اللَّه القائم الدائم، سبحان اللَّه الحي القيوم، سبحان الملك القدوس رب الملائكة والروح سبحان اللَّه العظيم وبحمده سبحان العلي الأعلى ثم أقبل حفيف يتلوه وهو يقول مثل قوله ثم أقبل حفيف بعد حفيف يتجاوبون بها حتى امتلأ المسجد فإذا بعضهم قرب مني فقال: آدمي أنت؟ قلت: نعم قال: لا خوف عليك هذه الملائكة "فقال" سألتك باللَّه الذي قواكم على ما أرى من الأول؟
стр. 65
فقال: جبريل قلت: والذي يليه قال: ميكائيل فقلت: ومن يتلوها بعد ذلك؟ فقال: الملائكة فقلت: سألتك باللَّه الذي قواكم على ما أرى ما لقائلها من الثواب؟ قال: من قالها سنة في كل يوم مرة لم يمت حتى يرى مقعده في الجنة أو "يرى له" قال أبو الزاهرة فقلت: سنة كثير لعلّي لا أعيش فقلتها في يوم عدد أيام السنة يعنى ثلاثمائة وستين مرة فرأيت مقعدي في الجنة.
وأما مضاعفة الصلاة فمنها ما رواه قتادة عن عبادة بن الصامت ﵁ عن أبي ذر قال: قلت يا رسول اللَّه! الصلاة في مسجدك هذا أفضل من الصلاة في بيت المقدس؟ فقال: صلاة في مسجدي هذا أفضل من أربع صلوات في بيت المقدس
ولنعم المصلى هو أرض المحشر والمنشر وليأتين على الناس "زمان" ولبسطة قوس الرجل من حيث يرى منه بيت المقدس خيرًا له وأحب إليه من الدنيا جميعا.
وعن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من حجَّ البيت واعتمر وصلى ببيت المقدس وجاهد ورابط فقد استكمل جميع سنني" قال أحمد بن أنس عن حبيب المؤذن عن أبي زياد الشيباني وأبي أمية الصنعاني قال: كنا بمكّة فإذا رجل في ظل الكعبة
стр. 66
وإذا هو سفيان الثوري فسأله الرجل فقال: يا أبا عبد اللَّه ما تقول في الصلاة في هذه البلدة؟ فقال: بمائة ألف صلاة ففي مسجد رسول اللَّه ﷺ ؟ قال خمسين ألف صلاة. قال ففي بيت المقدس أربعين ألف صلاة" وعن أنس قال قال رسول اللَّه ﷺ : "صلاة الرجل في بيته بصلاة وصلاته في مسجد القبائل بخمس وعشرين صلاة وصلاته في المسجد الذي يجمع فيه بخمسمائة صلاة وصلاته في المسجد الأقصى بخمسين ألف صلاة وصلاته في مسجد الكعبة بمائة ألف صلاة وصلاته في مسجدي هذا بخمسين ألف صلاة" أخرجه الطبراني وابن ماجه.
وأما مضاعفة الحسنات ومضاعفة السيئات فمن ذلك ما رواه عاصم بن رجاء يريد
стр. 67
الصلاة في مسجد إيليات ببيت المقدس إذا انتهى إلى الميل من إيليا أمسك عن الكلام إلا تلاوة كتاب اللَّه والذكر ثم "يدخل من باب الأسباط ويستقبل القدس ثم يجمع في المسجد خمس صلوات فإذا انصرف إلى الميل تكلم وكلم أصحابه فقالوا له: يا أبا إسحاق ما حملك على ذلك "إني أجد في بعض الكتب أن الحسنات تضاعف في هذا المسجد وأن السيئات يفعل بها كذلك أو قال مثل ذلك، فأنا أحب أن لا يكون مني إلا حسنات حتى أنصرف وقال أبو القاسم إسماعيل بن عياش: سمعت
جرير بن عثمان وصفوان بن عمر يقولان: "الحسنة في بيت المقدس بألف والسيئة بألف".
وعن حمزة عن الليث بن سعد بن نافع قال: قال لي ابن عمر ونحن ببيت المقدس: يا نافع اخرج بنا من هذا البيت قال السيئات تضاعف فيه كما تضاعف الحسنات" فأحرم وخرج من بيت المقدس. وعن صفوان بن عمر عن شريح بن عبيد أن كعبًا كان يقول: صلاة في بيت المقدس
стр. 68
كألف صلاة وخطيئة فيه كألف خطيئة في غيره وعن المغيرة قال حدثتنا عبدة عن أبيها قال: من أتى بيت المقدس يستقر فيه بيعا، فإن الخطيئة فيه مثل ألف خطيئة والحسنة مثل ذلك أو قال الحسنة مثل ألف حسنة فمن صلى فيه خمس صلوات ولم يشر فيه بيعًا حتى يخرج منه خرج من خطيئته كيوم ولدته أمه.
وعن أزهر بن سعد بن كعب قال: اليوم فيه كألف يوم، والشهر كألف شهر والحسنة فيه كألف حسنة. والسيئة فيه كألف سيئة ومن مات فيه فكأنما مات في السماء ومن مات حوله فكأنما مات فيه.
وأما فضل الصدقة والصوم والأذان فيه فمنه ما روي عن الحسن البصري أنه قال: من تصدق في بيت المقدس بدرهم كان له براءة من النار، ومن تصدق فيه برغيف كان كمن تصدق "بمثاقيل ذهبا وفي رواية عنه من تصدق في بيت المقدس بدرهم كان فداؤه من النار ومن تصدق برغيف كان كمن تصدق" بجبال الأرض ذهبا. وعن إبراهيم بن أبي يعلى قال: كان الوليد بن عبد الملك يبعث معي بقصاع الفضة إلى أهل بيت المقدس أقسمها عليهم. رواه الطبراني وقال غير الطبراني: أقسمها على قراء بيت المقدس.
стр. 69
وعنه أيضا رحم الوليد وأين مثل الوليد فتح الهند والأندلس وهدم كنيسة مريم "وبنى مسجد دمشق وكان يعطيني قصاع الفضة فأقسمها على قراء بيت المقدس. وقال كعب: من صام يوما ببيت
стр. 70
المقدس أعطاه اللَّه براءة من النار، ومن استغفر للمؤمنين والمؤمنات في بيت المقدس ثلاث مرات كتب اللَّه له مثل جميع حسنات المؤمنين والمؤمنات ودخل على كل مؤمن ومؤمنة من دعائه في كل يوم
وليلة سبعون مغفرة وقال من أنفق في عمران ببيت المقدس وقاه اللَّه الموتلف أو قال المتالف "وأنسئ" في أجله وأحياه اللَّه حياة طيبة وقلبه متقلبا كريما ومن أنفق في بيت المقدس أجاب اللَّه دعاءه وكشف حزنه وخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، وقال: ما أكرم اللَّه عبدا قط إلا زاد البلاء عليه شدة، ولا أزكى عبدا قط فنقص من ماله، ولا حبسها عبدًا فزاد في ماله. ما سرق عبد قط إلا احتسب من رزقه، وحجة أفضل عمرة وعمرة مثل ركبه إلى بيت المقدس لأن المقام والميزان عنه بيت.
وقال مقاتل بن سليمان: من صام ببيت المقدس كان له براءة من النار وعنه عن السري إن إلياس والخضر كانا يصومان شهر رمضان ببيت المقدس ويوافيان الموسم كل عام وفي "أعلام الساجد" قال: ويستحب الصوم في بيت المقدس فقد روي صوم يوم في بيت المقدس براءة من النار قال هشام بن عمار: حدثنا ابن أبي سائب قال: سمعت أبي يذكر أن رجلا انتقل إلى بيت المقدس فقيل: ما نقلك إليها؟ قال: بلغني أنه لا يزال ببيت المقدس رجل يعمل بعمل أبي داود. وعن جابر أن رجلا
стр. 71
قال يا رسول اللَّه أي الخلق "أولى" دخولا إلى الجنة؟ قال: الأنبياء قال ثم قال: الشهداء قال: ثم قال: مؤذنوا بيت المقدس، قال: ثم قال مؤذنوا المسجد الحرام، ثم قال مؤذنوا مسجدي، قال: ثم قال: سائر المؤمنين.
وفي رواية "على قدر أعمالهم" قال العلاء بن بردن قال: بلغني أن الشهداء يسمعون أذان مؤذن بيت المقدس لصلاة الغداة يوم الجمعة. وعن كعب قال: لم يستشهد عبد قط في بر ولا بحر إلا وهو يسمع أذان "مؤذن" بيت المقدس "وأنه ليسمع أذان بيت المقدس من السماء. وعن أبي العوام مؤذن بيت المقدس إن كان يوذن لصلاة الصبح ثم ينصرف ويقول واللَّه الذي لا إله إلا هو ما على وجه الأرض شهيد إلا وقد "يسمع" أذاني وفي لفظ له ما على الأرض شهيد إلا يسمع أذاني لصلاة الغداة وإن كان بسمرقند أو غيرها تنبيه في معنى المضاعفة قال صاحب "مثير الغرام" في الباب الأول من كتابه المذكور ومضاعفة الصلاة يعني المسجد الأقصى ومضاعفة كل "بر" "حاصلة" إذ لا فرق بين الصلاة وبينه، ثم قال بعد ذلك: ومذهب الشافعي
وبعض أصحاب مالك أن المضاعفة في المساجد الثلاثة تختص بصلاة الفرض بل تعم صلاة النفل والمرجو من كرم اللَّه تعالى أن كل "حمل" بركة لك انتهى كلامه. وفي "المناسك الكبرى" للنووي رحمه اللَّه تعالى أن الصلاة،
стр. 72
"تتضاعف" الأجر فيها بمكة وكذا سائر أنواع الطاعات فالحق سائر الطاعات هناك بالصلاة فليكن هما ذلك إن شاء اللَّه تعالى.
وحكى المحب الطبري عن ابن عباس ﵁ أن حسنات المحرم كلها بمائة ألف ثم قال: وأقول بموجبه وأقره قاضي القضاة عز الدين بن جماعة في مناسكه الكبرى ثم حكى في فضل الصوم كلام ابن عباس وأقره لكن خالف في الباب العاشر من مناسكه فقال تقدم في الفضائل قول ابن عباس والحق أنَّ الحسنة فيها ألف والأكثرون على امتناع القياس في هذا الباب، إذ لا مجال للعقل فيه مطلقا بمائة ألف إنما ثبت ذلك في الصلاة بالمسجد الحرام خاصة انتهى.
فبمقتضى هذا لا مضاعفة هنا في غير الصلاة وقول صاحب "مثير الغرام" مذهب الإمام الشافعي ﵁: "إن المضاعفة في المساجد الثلاثة لا تختص بصلاة الفرض بل تعم صلاة النفل" كذا قاله النووي في "شرح مسلم" إنه المذهب. وحديث "إن فضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة" متفق عليه وغيره مما تقدم من أحاديث المضاعفة يقضي أن النافلة
стр. 73
تضاعف في المساجد الثلاثة وفي القوت الأوزاعي عقب قول صاحب المنهاج (وأفضله في بيته أي "التنفل" ما نصه "وسوى" فى ذلك مسجد مكة والمدينة وغيرهما) ثم حكى عن تعليق القاضي أبي الطيب (أنه استثنى ما إذا خفي صلاته في المسجد فإن نفل النافلة فيه أفضل وإطلاق الحديث والجمهور ينازعه لكن ما ذكره ظاهر من حيث المعنى إذ وثق بعدم ظهور ذلك) انتهى كلامه.
واعلم أن المراد بالنافلة التى تفضل في البيوت ما رواء ركعتي الطواف فإن فعلهما في المسجد الحرام أفضل، والتنفل يوم الجمعة قبل الزوال في المسجد قبل الجمعة "في المسجد" أفضل وحكاه الجرجاني في "الشافي" عن أصحابنا، لفضيلة البكور
في الشعائر الظاهرة كالعيدين والكسوفين والاستسقاء وكالتراويح على ما يقتضي كلام النووي ترجيحه ونازع بعض المتأخرين في التراويح فقال الذي يظهر من حيث الدليل أنها بالبيت أفضل وينبغي أن يكون هو الأصح لحديث أنه ﷺ اتخذ حجرة في رمضان
стр. 74
فصلى فيها ليالي فصلى بصلاته ناس من أصحابه فلما علم بهم جعل يقعد فخرج عليهم فقال قد عرفت الذي رأيته من صنيعكم فصلوا أيها الناس في بيوتكم فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة. متفق عليه ويستثنى ركعتي الإحرام ففي زيارة الروضة هناك قال أصحابنا: إذا كان في الميقات مسجد استحب أن يصليهما فيه. وأما تضاعف الحسنات والسيئات.
والمراد بتضعيف السيئات فدليله حديث ابن عمر السابق في قوله لنافع يا نافع اخرج بنا من هذا البيت وكان بيت المقدس، فإن السيئات تضاعف فيه كما تضاعف الحسنات وحديث كعب السابق وهو إنه إذا خرج من حمص يريد الصلاة في مسجد إيليا إلى آخره. وهو قوله: أنا أحب أن لا يكون مني إلا حسنات حتى أنصرف واعلم أن الحافظ أبا محمد القاسم حكى عن المشرف له قال عقب كلام كعب وغيره: الخطيئة فيه كألف خطيئة ونحو ذلك معناه أن من اقترف ذنبا في بيت المقدس أو في الحرم أو في مسجد الرسول ﷺ أعظم عقوبة ممن اقترف ذلك في غيرهم بشرفهم وفضلهم فالذنب الواحد في أحدهم أعظم من ذنوب كثيرة في غيرهم من المواضع فيكون "المكتب" لذنب واحد في إحدى هذه المواضع كالمكتب "لذنوب كثير في غيرها فلذلك قال: تضاعف فيه السيئات ومعناه تغلظ عقوبتها، إلا أن الإنسان يعمل ذنبا فيكتب عليه عشرة واللَّه تعالى يقول: "من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها".
وقد غلظ الفقهاء الدية على من قتل في الحرم ومن قتل ذا رحم لحرمتهم وعظم محلهم وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥]، لا يرى إلا من رأى المعاصي
стр. 75
في المسجد أعظم خطر من الذي يعملها في غير المسجد، والمقت إلى فاعلها في المسجد أسرع وإن كانا جميعا قد اشتركا في المعصية، لكن هذا في المعنى اكتسب ذنبين أحدهما هتك حرمة المسجد وقد حماه اللَّه تعالى عن ذلك بقوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور: ٣٦]،
(إلا منه) والذنب الآخر المعصية، فهذا معنى التضعيف.
وفي أعلام المساجد عقب أثر كعب السالف نصّه أن يزداد قبحا وفحشا لأن المعاصي في زمن أو مكان شريف أشد جرأة أو أقل خوفا من اللَّه تعالى انتهى. وأما فضائل الإهلال بالحج والعمرة من بيت المقدس فمنه ما رواه محمد بن إسحاق عن سليمان بن سحيم عن يحيى بن أبي سفيان عن أم حكيم بنت أمية عن أم سلمة أن النبي ﷺ قال: "من أهلَّ بعمرة من بيت المقدس غفر اللَّه له" وأخرجه أحمد عن يعقوب عن أبيه عن محمد بن إسحاق وزاد في آخره "فركبت أم حكيم إلى بيت المقدس حتى أهلت منه بعمرة.
وعن أم سلمة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "من أهل ببيت المقدس غفر اللَّه ما تقدم من ذنبه وما تأخر وأدخل الجنة". وروى أبو داود بسنده على أم سلمة ﵂ أنها سمعت رسول اللَّه ﷺ : يقول: "من أهل من بيت المقدس بحجة أو عمرة من المسجد الأقصى" "غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ووجبت له الجنة". وفىِ حديث آخر (من أحرم من بيت المقدس غفر "اللَّه" له) (وقد أحرم "منه") عمر بن الخطاب ﵁ بعمرة ثم قال: لوددت أني جئت بيت المقدس.
وعن نافع أن ابن عمر
следующие страницы →