Полный текст (1 180 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الكتاب: مَصَاعِدُ النَّظَرِ للإِشْرَافِ عَلَى مَقَاصِدِ السِّوَرِ
ويُسَمَّى: "المَقْصِدُ الأَسْمَى في مُطَابَقَةِ اسْمِ كُلِّ سُورَةٍ لِلمُسَمَّى"
المؤلف: الإمام الحافظ المفسر المؤرخ / برهان الدين أبو الحسن إبراهيم بن عمر البقاعي الشافعي (المتوفى ٨٨٥ هـ)
دار النشر: مكتبة المعارف - الرياض
الطبعة الأولى: ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٧ م
عدد الأجزاء: ٣
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة
(وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم)
الحمد للهِ الذي أعلم سور الكتاب، بما دل على مقاصدها أولو
الألباب ودل بمقاصدها على تناسب جميع أجزائها من الطلاب، من خاض
فنون العلوم وفتح عن كنوزها الأغلاق والأبواب.
وأشهد أن لا إله إلا الله، الكريم الفتاح، العلي الوهاب، وأشهد أن
سيدنا محمدًا عبده الأواب، ورسوله الذي بين للناس ما نزل إليهم من غير
شك ولا ارتياب، ونصب لهم على ذلك دلائل الصواب، فلم يدع لبساً ولا
غرب عنه معنى ولا غاب، وحمل ذلك عنه أنجاب الأصحاب، فأدوه إلى
من رغب فيه من جميع الأحزاب، من شيخ، أو كهل أو يافع أو شاب،
стр. 3
تتميماً للأسباب وتعميماً للدعاء المجاب، فكان من تلك الطبقات، من صدق
قوله ﷺ (الجامع) ، "رب مبلغ أوعى من سامع " فبين من دقائق المعاني، وجلائل المباني، ما أربى به على من تقدمه، فأجمل وأحسن وأطاب.
صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الأنجاب، خير آل وأكرم أصحاب
وسلم تسليماً يملأ السهول (والجبال) والشعاب، ويسهل الصعاب ويطيب
المبدأ ويكرم المآب، ما جلَل وجه السماء سحاب، أو انجلى عن أرجائها
البديعة وانجاب.
وبعد: فهذا كتاب، سميته: "مصاعد النظر، للِإشراف على مقاصد
السور". ويصلح أن يسمى: "المقصد الأسمى في مطابقة اسم كل
سورة للمسمى".
اصطنعته وغيره من مصنفاتي، واخترعته وما سواه من مبتدعاتي، رغبة
فيما ندب الله سبحانه إليه من قوله تعالى: (ربنا هب لنا من أزواجنا
وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماماً) ، وحث عليه رسولهيسمى: "المقصد الأسمى في مطابقة اسم كل
سورة للمسمى في عدة نشر العلم، فيما يدوم ثوابه، فيسعد به أصحابه.
روى البزار، وأبو نعيم في الحلية - وذكره صاحب
стр. 4
الفردوس - عن أنس بن مالك ﵁، أن النبي ﷺ قالَ: سبع يجري للعبد أجرها بعد موته وهو في قبره، من علَّم علماً، أو أجرى نهرأ، أو حفر بئرا، أو غرس نخلا، أو بنى مسجداً أو ورَّث مصحفاً، أو ترك ولداً يستغفر له بعد موته.
وقد روى هذا الحديث ابن ماجة في "فصل العلماء" أول سننه، وابن
خزيمة في صحيحه، من حديث أبي هريرة ﵁ بلفظ:
стр. 5
""إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته: علماً نشره.
وولداً صالحاً تركه، ومصحفا ورثه، ومسجداً بناه، وبيتاً لابن السبيل بناه.
ونهراً أجراه وصدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه بعد موته".
وقد نظمت ما اجتمع من الروايتين من الخصال، وهي عشرة إلا
واحدة فقلت: *. -
للعبد يجري الأجر في تسع كما قال النبي المصطفي
إجراء نهر، حفر بئر، غرس نخل نشر علم، والتصدق في الشفا
وبناء بيت لابن السبيل ومسجد وبتركه ابنا صالحاً، أو مصحفاً
(قال المنذري: ولم يذكر ابن خزيمة فيه المصحف، فقال: أو نهر أكراه.
يعني أجراه، أو حفره.
وأصل حديث أبي هريرة ﵁ في الوصايا من صحيح مسلم.
وسنن أبي داود والنَّسائي، والأحكام من الترمذي وقال: حسن صحيح
ولفظه:
стр. 6
"إذا مات الِإنسان، انقطع عمله، إلا من ثلاث: إلا من صدقة
جارية، أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له "
فلذا رأيت (أن أستودع ما وهبني الله من العلم بطون الدفاتر
وأستوضح ما منحني سبحانه من الفهم صدور أولى البصائر، فوضعت هذا
الكتاب، الحال من ذروة الصواب، وقمة الحق أعلى جناب، جعله الله
موضع الصواب، وموقع الأجر والِإرغاب، إنه الواسع الكريم الوهاب.
وذلك أنه لما منَّ الله - وله الحمد - علي بصوغي لكتاب "المناسبات بين
السور والآيات " بل الجمل والكلمات، الذي لم تسمح الأعصار بمثله حقيقة
غير غلو، ولا نسج ناسج على منواله وشكله، إخبارا بالحق من غير فخر ولا علو، فإنه أخرج من كتاب الله تعالى خفايا أسرار ما ظفر بها أحد، وأبدى غرائب أنوار ما عثر على بارق منها ولا وجد، وأجرى سوانح أنهار ما صدر
стр. 7
عن عذب ينابيعها ولا ورد، كان قلبي فيه مددا طوالاً أسير الواردات، وسمير الخفايا الشاردات، بينت فيه سرائر آيات، ما بيّن أحد ظاهر تفسيرها وأبديت أسرار سور ما كشف أحد خفي ضميرها، وعليّ عند المحاققة البيان
وعند الامتحان يكرم المرء أو يهان:
إذا اشتبكت دموع في خدود تبين من بكى ممن تباكي
فليست - لعمرو الله - النائحة الثكلى. مثل النائحة المستأجرة.
أرد فيه على أهل كل باطل وعناد، بما في كتبهم ولهم فيه اعتقاد، مع بيان ما فيه من غث أو سمين، أو مزلزل أو مكين، ركبت إلى بيدائه وفسيح أرجائه وفنائه مطايا ليال حالفت فيها السهاد، وخالفت وطىء المهاد، وشهي الاضطجاع
والرقاد، أدرس مسائل العلوم، وأسرد وسائل الفنون والرسوم، وأمنع جلائل الهموم، وأمعن النظر في دقائق الفهوم، وأبعد أماني الغرور وأعبد الرب الغفور، وأنفي وساوس الصدور، وأتقي دسائس اللذاذة والسرور.
أترقى مما عندي إلى غيره، وأتقوى أشكاله، فأزيل إشكاله، وأسيّره
بسيره..
ولم يزل ذلك دأبي واختياري لذلك، ودأب الله لي باضطراري إلى
طريقة السالك، حتى انجاب عن قلبي ديجور الشكوك، وامتلأ من نور
المعارف والسلوك، ففاضت علي جواهر المعاني، وأقبلت إليّ باختصاصها وجوه التهاني، فقذفت إلى صدري أمواج الأسرار صافية عن زبد، وعطفت إلى فكري أمواج الأنوار، خالية عن نكد رأى أهل العصر، أنه أمر يفوت
غالب القوى، ويقف دون عليائه ألباب العقلاء، فإني مهدت لكل جملة مهاداً
يدل على الحال الذي اقتضى حلولها بمحلها، وأوجب ترتبها على ما قبلها من شكلها، وما أوجب تأكيدها، أو أعراها وتقييدها، ونحو ذلك من أفانين
стр. 8
الكلام، وأساليب النظام، فأثنى عليه المصنفون، منهم العالمون أولو السجايا
الطاهرة، والمزايا الباهرة الزاهرة المتقون، وصوب إليه بالطعن الحاسدون
وبالازدراء والثلب الناقصون.
نعم. ولقد انتدب لهذا الكتاب البديع، والديوان العلي الرفيع أقوام
من الأغبياء، والأساة القساة الأعتياء، لا يفهمون معانيه ولا يدركون قواعده ومبانيه، ذكروا أنهم ظفروا فيه بما لا يليق فأخذوا يشنعون عليه، ويصوبون بالطعن إليه، وقسموا فيه الأقوال، وفرقوا وجوه الانتحال، ولم يذكروا شيئاً من محاسنه المحققة، ومعاليه العجبة المونقة، التي هي بالنسبة إلى ما رأوا وأثبتوا له النقص على ما ادعوا، كالبحر بالنسبة إلى صغير القطر.
فكانوا كما قال النبي ﷺ فيما أخرجه أبو داود الطيالسي وابن ماجة في الزهد من سننه، وأحمد بن منيع وأبو الشيخ ابن حبان في كتاب الأمثال عن أبي هريرة ﵁: مثل الذي يجلس فيسمع الحكمة ثم لا يحدث إلا بشر ما يسمع، كمثل رجل أتى راعياً، فقال: يا راعي أجزرني شاة من غنمك، فقال له: اذهب فخذ بأذني خير شاة فذهب فأخذ كلب المغنم.
وكالذين يتبعون المتشابه، ابتغاء الفتنة، وابتغاء تأويله.
على أن من الأمر المشهور الذي لم يخف على أحد أن الإِمام مالكاً
стр. 9
- ﵀ قال: كل أحد يؤخذ من كلامه ويترك، إلا صاحب هذا القبر.
يعني: النبي ﷺ .
وقال الِإمام الشافعي - رحمه الله تعالى - صنَفتُ هذه الكتب، وما آلوت
فيها جُهداً، وإني لأعلم أن فيها الخطأ، لأن الله يقول: "ولو كان من عند
غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً".
فكلام هذين الإمامين يدل على أن وجود الخطأ للمُصَنف، لا يوجب
ترك تصنيفه، ولا الغض عنه، لا سيما إن كان مشهوراً بالدين، غير مغموص عليه ولا مرتاب فيه.
اللهم إلا أن يكون الأمر الذي (فيه) أخْذٌ عليه أمراً محققاً لا جواب
عنه ويعرف به ولا يرجع عنه، ولا يحتج له بشيء يقبل، وقل أن يرى
مصنِّف إلا وهو يقول:
وإن تجد عيباً فسدا لخللا. . . فجل من لا عيب فيه وعلا
أو معنى ذلك.
وبعضهم يأذن في إصلاح الخطأ من كتابه للعالم المتحري، بعد التوقف
والتثبت.
وأنا لم أدَّع العصمة فيما قلت، وما تركت أحداً ممن يلم بي، إلا قلت
له: المراد: الوقوف على الحق من معاني كتاب الله تعالى، والمساعدة على ما
ينفع أهل الإسلام، فمن وجد لي خطأ، فليخبرني به لأصلحه.
ووالله الذي جلَّت قدرته، وتعالت عظمته، لو أن لي سعة تقوم بما
стр. 10
أريد لكنت أبذل مالًا لمن ينبهني على خطأي، فكلما نبهني أحد على خطأ.
أعطيته ديناراً.
ولقد نبهني غير واحد على أشياء (فيه) فأصلحتها، وكنت أدعو لهم.
وأثني عليهم، وأقول لهم هذا الكلام، ترغيباً في المعاودة إلى الانتقاد.
والاجتهاد في الِإسعاف بذلك والِإسعاد.
فكان طريق هؤلاء - لو أن كلامهم كان عن بصيرة، وكان للهِ بقصد
النصيحة - أن يأتوا إليَّ، أو يرسلوا، لينظروا ما عندي في ذلك الذي
ذكروه هل أبدي لهم، أو لذكرى إياه معنى صحيحاً، أو اعترف بالخطا، فإن أصلحته كنا قد تعاوناً على البر والتقوى، وإن أبقيته، وجب الطعن حينئذ على حسب ما يستحقه ذلك المعنى.
وحيث لم يفعلوا ذلك، كان طعنهم، إما عن جهل، لأن من
جهل شيئاً عاداه:
وكم من عائب معنى صحيحاً. . . وآفته من الفهم السقيم
وإما عن حسد لمن لا يحاسدهم، فصنيعهم صنيع من يريد التشنيع
على رجل مسلم، مقبل على ما يعنيه، تارك لما لا يعنيه، منقطع إلى الله تعالى
في بيت من بيوته، يتلو كتابه، ويقيم الصلاة، وينفق مما رزقه الله سراً
وعلانية، وقد قنع بما آتاه الله، ما زاحم أحداً منهم قط على دنيا، ولا ألحَّ
على أحد في سؤال ولا تصدى لعلو في الأرض، وأحواله في ذلك معروفة من
أربعين سنة فأكثر والشباب مقبل، والزمان غض، والأمل فسيح، وليس لهم
وجه في الكلام (فيمن) هذا حله، إلا تصديق قول النبي ﷺ ، الذي رواه
стр. 11
الطبراني في الأوسط، عن أنس ﵁: "لو كان المؤمن في جحر
ضب، لقيض الله له من يؤذيه.
ومالي (من) ذنب عندهم، إلا اعتزالي عنهم، وعدم مشاحنتهم في
دنياهمْ ورضائي بما قسم الله، ومحبتي لإِظهار الفائدة فيهم، وشمول الفضل
لهم.
فما أجدرهم بما أجاب به ابن عباس ﵄ بعض من صنع به
هذا الصنيع.
قال أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب "فضائل القرآن " حدثنا
стр. 12
يزيد - يعني ابن هارون - عن كهمس بن الحسن، عن عبد الله بن بريدة
قال: شتم رجل ابن عباس ﵄، فقال له ﵁، أما
إنك تشتمني وفيَّ ثلاث خصال إني لأسمع بالحاكم من حكام المسلمين يعدل
فأفرح، وعلى لا أقاضي إليه أبداً وإني لأسمع بالغيث يصيب البلد من بلدان
المسلمين فأفرح، ومالي به من سائمة وإني لآتي الآية من كتاب الله، فأود أن
الناس كلهم يعلمون منها ما أعلم.
وهو عند البيهقي - أيضاً - من هذا الوجه.
ولا ريب عند من له أدق إنصاف (أن) من شنَّع على من هذا
حالُه، فقد عرض نفسه للمقت من الله، واللعن والدعاء بالهلاك من خُلَّص
عباد الله، على مدى الأعصار، في كل ارتحال وقرار، وصار ممن قال فيه
الِإمام الرباني، أبو الحسن الحرالي، في تفسيره، عند قوله تعالى:
стр. 13
(ومن يبدل نعمة الله) ، قال: وأصل هذا التبديل: رد علم العالم عليه، ورد
صلاح الصالح إليه، وعدم الاقتداء بعلم العالم وصلاح الصالح، وذلك
هوالمتاركة التي تقع بين العامة، وبين العلماء والصالحين، وهو كفر نعمة الله
وتبديلها.
(من بعدما جاءته) .
في ضمنه إشعار باعتبار أمر الأمة، " بمبتدأ أمرها من أيام النبوة، وأيام
الخلافة، وسير الخلفاء الذين هم عقد أزِمَّة رسول الله ﷺ ، وحجته على أمته.
وأئمة الأزمان، القائمين بأمر الله، الظاهرين على الحق إلى يوم القيامة.
(فإن الله شديد العقاب) .
في إشعاره منال عقاب يقع بهم في الدنيا كفارة، وتأخير عقاب يقع
بطائفة منهم في الآخرة، انتهى.
والعجب منهم في أنهم أشد الناس خوفاً ونكوصاً، وكَفا عمن يتهددهم
بأن يصيبهم بعذاب، أو يمسهم بعقاب، من كل مكشوف العورة، أو مرتكب لبعض المناكير المشهورة، وهم يرون من يؤذيني يذهبون واحداً بعد واحد، على هيئات منكرة وصفات مستعظمة مستكبرة، وهم بذلك لا يعتبرون، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وقد قلت في حالي وحالهم، واعظاً لنفسي، حذار من حلول
رمسي، وهو من الطويل الأول، مطلق مرادف.
стр. 14
لسانَك عوّد "ذكر ربك لا تكن. . . بذي غفلة عنه - فديت - ولا لاغي
وإن سدد الأعداء إليك سهامهم. . . فإن نبال العدل تحمي من الباغي
فلا تخشى من كيد إذاكنت ذا تقي. . . فربك أخاذ لكل امرىء طاغي
على أن حالهم في تشنيعهم ظاهر، فإنه لو كان لهم علم، أو كان
كلامهم لله لبدأوا بما في مشاهير التفاسير، التي يتغالى فيها المفاليس منهم
والمياسير، من البلايا التي تعم الآذان، وتخرس ذَرِبَ اللسان، فنبهوا عليه.
وحذروا منه، وأزالوه من تلك التفاسير، بطريق من الطرق.
وذلك في تفسير قصة يوسف وداود، ﵉، وسورة الحاج.
والنجم في قوله تعالى: (إلا إذا تَمَنًى ألقى الشيطان في أمنئته) ، وقوله:
(أفرأيتم اللات والعُزى) .
وفي "الكشاف " من التصريح بخلق أفعال العباد، وذم أهل السنة
بمخالفة ذلك في نسبة الأمور كلها إلى الله، وجعلهم مبتدعة، وهجوهم
بالأشعار، وعدهم حمراً موكفة.
وفيه في آخر الزخرف عند قوله: "فأنا أول العابدين) .
стр. 15
وفي سورة براءة عند: "عفا الله عنك لم أذِنْتَ لهم ".
إلى غير ذلك مما أعمى الله أبصارهم، بل بصائرهم، حين تركوا
الكلام فيه وفي أمثاله، كسيرة البكري، التي لم تزل على غالب الأزمان تقرأ
стр. 16
في جامع الأزهر جهاراً، مع أن إجماع أهل النقل مُعْتَقَد على أنها مكذوبة
على رسول الله ﷺ ، ولا يجد قارئها من يزجره، ولا ينهاه ولا يأمره، وصوبوا إلى
كتابي الطعن بمجرد الظن، بل الوهم، من غير تحرير ولا فهم، وما ذاك إلا
داء عضال، سكن قلوبهم، فصارت كالحجارة قسوة والجبال.
وأما كتب أصول الدين، وكتب الملل والنحل، فملآنة من نقل
المذاهب الباطلة والَأقوال الزائفة المائلة.
وكان مما قال بعضهم: إن هذا الكتاب لا يحل إبقاؤه بين الناس، لأنه
قسمان:
أحدهما: نقل الكتب القديمة، وهي قد بدلت، فلا يحل نقلها.
والثاني: كلام من عنده، لا سلف له فيه، فهو كلام في القرآن
стр. 17
بالرأي، لا يحل، وهذا عناد منهم من الألد الفاضل، وتقليد من الشرير
الجاهل، ونحو هذا الكلام الذي لا يقوله من في قلبه رائحة من الدين، ولا
المروءة، وقد قال الله تعالى: (كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته
وليتذكروا أولوا الألباب) ، (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب) ، (قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم
صادقين) .
وقال ﷺ فيما صح عنه من رواية الشيخين وغيرهما، عن عبد الله بن عمرو ﵄: حدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ".
فعند ذلك عرضت الكتاب على قضاة القضاة وغيرهم، من علماء
стр. 18
من تقاريظ العلماء
تقريظ شرف الدين المناوي
فكتب عليه قاضي القضاة، شيخ الإسلام شرف الدين، يحيى بن
محمد المناوي الشافعي. أعلى الله درجته، ورفع منزلته، ومات ﵀
قبل فتنة ابن الفارض بعد الخطبة:
وبعد: فقد وقفت من هذا التأليف الحسن المستجاد، على ما أعرب
عن أن مؤلفه إمام علامة، في فنون العلم، فإنه قد أحسن وأجاد، وأظهر من
مجموع حسن، مجموعاً حسناً، في غاية من الصواب، ولا يقال: قد استوضح في بعض المناسبات بما جاء في التوراة والإنجيل، لأنه اقتدى في ذلك بأئمة الإسلام، أهل الأصول والتأصيل، كالسيد عبد الله بن عمر ﵄ في صفة سيد الأنام، محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، وبعده الأئمة
الأعلام، فتعين القول بالجواز، على من اتضح ذلك لديه، ولا منع على من
اشتبه ذلك عليه.
فحق لهذا التأليف أن يُتلقى بالقبول، ولا يُصغَى لقول حاسد فيه
стр. 19
ولا عذول، والله تعالى يبقى مؤلفه منهلا للواردين، ويديم النفع به، وبعلومه
للمسلمين. في تاسع عشر شعبان، عام ثمانية وستين وثمانمائة.
تقريظ ابن الشحنة
وكتب قاضي القضاة شيخ الإِسلام، محب الدين، محمد بن قاضي
القضاة، شيخ الإِسلام، محب الدين، محمد بن الشحنة، الحلبي الحنفي.
وثبت على نصر السنة في فتنة أهل الاتحاد، فأيد الله به الدين، أسبغ الله
ظلاله، وزكَّى أعماله مشيراً إلى أسماء الكتاب الثلاثة: (نظم الدرر من
تناسب الآي والسور، وفتح الرحمن في تناسب أجزاء آي القرآن، أو ترجمان
القرآن ومبدي مناسبات الفرقان:
الحمد للهِ ذي الحكم المتناسبة الدرر والنعم المتراكبة الدرر، نحمده
على ما فتح من الفيض الرحماني، ونشكره على ما أبدى من التناسب الترجماني ونشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، كلمة حق محققة الإِيمان، وقول صدق جاء به الدليل والبرهان، وشهادة عبد أخلص للهِ نيته ما استطاع، وأصفى طويته، فكشف له عن مخبات الخدود والقناع، ونشهد أن سيد البشر (محمداً) عبده ورسوله، الذي شرف به الأقطار والبقاع، وخصه بنهاية الأوج، وغاية الارتفاع.
صلى الله عليه، وعلى آله وأصحابه، الحائزين قصب السباق، بعزيز
حديثه وكريم صحبته، وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 20
أما بعد: فقد وقف العبد الفقير، الضعيف الحقير، على هذا المصنف
العديم النظير، المشتمل من الورد الصافي على العذب النمير، فوجد مؤلفه قد حلى فيه من أبكار أفكاره المقصورات في الخيام، على الأكفاء الكرام، من ذوي العقول والأفهام، كل خريدة بعيدة المرام، على من قعد عن طلب
المعالي ونام، وسلك مسلكاً قل من سلكه من الفحول قبله، وبحث بصائر
فكرهَ، عن تحرير ما أورده ونقله واستدل بقوة علمه، وجودة فهمه، بأدلة
برهانُها قاطع، وضياؤها ساطع، مقتدياً بما وقع في الكتاب المبين، من قوله
تعالى: (قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين) .
ولا ريب أن الاستدلال بغير المبدَّل منها، من أقوى الأدلة القاطعة.
وأعظم البراهين الساطعة، لا سيما إذا قص الله - أو رسوله - ذلك علينا.
مبينا من غير إنكار، على أنه شرع لنبينا.
وأي استدلال أمْيَزُ (وآمن) من كلام الله جل وعز؟.
وقد صرح أصحابنا: أن كلام الله القديم، المصون عن التحريف.
والتبديل إن عبر بالعربية فهو قرآن، وإن عبر بالعبرانية فتوراة، وإن عبر
بالسريانية فإنجيل وإن كلامه لا يختلف، وإنما تختلف العبارات، وتتفاوت
الأعمال بالنية، وإنما الأعمال بالنيات.
وهذا السيد عمر بن الخطاب، العظيم الشأن، ﵁، كان
يأتي اليهود ويسمع من التوراة، فيتعجب كيف تصدق ما في القرآن، كما
رواه الطبري من طريق الشعبي، في غير ما مكان.
стр. 21
وإنما ورد النهي عن تصديق أهل الكتاب وتكذيبهم، فيما يتطرق إليه
احتمال أحد الأمرين، إلا ما ورد في شرعنا ما يقضي بأحدهما، فيرفع
الخلاف من البين.
وقد استدل المؤلف على صنعه من الكتاب والسنة، بأدلة كان المبتكر
لها والسابق إليها، فلم أر التعرض لذكرها، ومزاحمته عليها، فالله تعالى يبقيه
لإبداء الفوائد، ويجزيه من ألطافه الخفية، على أجمل العوائد، بمنه وكرمه قال
ذلك مرتجلًا، وحشفة عجلاً، فقير لطف الله الخفي، محمد بن الشحنة
الحنفي، ستر الله ذلَلِه، ورحمه وغفر له، بتاريخ سابع عشر شعبان المذكور.
تقريظ حسام الدين الطهطاوي
وكتب قاضي القضاة، شيخ الِإسلام، الشريف حسام الدين، محمد
ابن أبي بكر ابن الشيخ الطهطاوي، الحسيني المالكي، الشهير بابن حريز.
ومات ﵀ قبل فتنة أهل الاتحاد، أعلى الله مناره، ورفع مقداره.
بعد الخطبة:
وبعد: فقد وقفت على جزء من الكتاب الموسوم ب "نظم الدرر من
تناسب الآي والسور" جمع الشيخ الِإمام، العلامة الرَّحالة الحافظ: برهان
الدين البقاعي، شرف الله به البقاع، ونشر من فوائده وفوائده، ما تلذ به
الخواطر وتتشنف به الأسماع، فرأيته فريداً في بابه، غريباً في إعرابه، بما أتى
стр. 22
على عجمه وأعرابه، فقد غاص في بحار العلوم، فاستخرج منها فرائد
الدرر، وسبر محاسنها فجمع منها أحاسن الغور، وتتبع شواذ الملح، فجمع
منها ما شَتَّ، وأرسل خيله في حلبتها، فحازت قصب السبق، فتصرف فيها
كيف شاء، فوهن عند ذلك عضد حاسده، وفيه فتر، أعاد الله من بركاته.
ونفعنا بصالح دعواته.
في الخامس من شهر رمضان المعظم قدره، عام ثمانية وستين.
تقريظ القاضي عز الدين الحنبلي
وكتب قاضي القضاة، شيخ الإسلام، عز الدين، أحمد ابن قاضي
القضاة برهان الدين: إبراهيم ابن قاضي القضاة ناصر الدين، نصر بن أحمد
الكناني العسقلاني الأصل، المصري الحنبلي، أدام الله نعمته، وفسح مدته.
وثبت على نصر السنة في فتنة أهل الاتحاد، وكان من خير الأنصار والأعضاد.
وبعد: فقد وقفت من هذا التأليف العجيب، والتصنيف الغريب، على
ما ذكرني بما أعلمه من غزارة علم مصنِّفه، وكثرة فضائله، وحسن إدراكه.
وجودة ذكائه ولا يعيب حسنه ما استشهد به من الكتب القديمة.
ففي القرآن والسنة، ونَقْلِ العلماء قديماً وحديثاً، ما يشهد بحسن فعله
لكن لكل حسن غائب، ونعوذ بالله من حسد يسد باب الإنصاف، والله
تعالى يديم لجامعه البقاء، ويطيل له في العلو والارتقاء.
وكُتب في عاشر شهر رمضان، سنة ثمان وستين.
стр. 23
تقريظ الشيخ الأقصرائي
وكتب شيخ الإسلام، بركة الأنام، الشيخ أمين الدين، يحيى بن محمد
الأقصرائي الحنفي، شيخ الديار المصرية غير منازَع، ومرجع الناس فيها
غير مدافَع أدام الله شمول الِإسلام والمسلمين ببركاته، وأعاد علينا جميعاً من
صالح دعواته لكنه مال على أهل السنة في فتنة ابن الفارض، وأغنى الله - ولد الحمد - عنه وما ضر إلا نفسه.
وبعد: فقد شرفت بوقوفي على مواضع من المؤلَّف البديع، المتوَّج
ب "نظم الدرر من تناسب الأي والسور تصنيف سيدنا ومولانا الإمامٍ
العلامة، الحبر الفهامة المدقق المحقق، ذي التآليف الرفيعة في الأنواح، فتوحا
من رب الأرباب، المستغني عن الإطناب في الألقاب، خالصة خلاصة
المتقدمين، ونخبة الأئمة المتأخرين، زاده الله علماً وعملاً، دلتني على علو
درجته في أنواع العلوم وأصنافها، وبراعته فيها وكفايته لطلابها وألَّافها.
وإذا كانت العلوم منحا إلهية، وعطايا ربانية، فلا يبعد أن يفتح الله
على بعض المتأخرين، ما عسرُ على كثير من المتقدمين.
ومن نظر في مؤلفه بعين الِإنصاف، وترك الاعتساف، علم مقدار ما
حازه من قصبات السبق في مضمار التحقيق والتوفيق، وما نقله من كلام
المخالف وأدلته، لفوائد كثيرة.
منها: لردها، والالتزام بها، وتبيين ما انغلق
стр. 24
منها، ولعدم فهمهم لها لقصور نظرهم، وسوء اعتبارهم، لما يتعلق بذلك.
وربما يظهر من ذلك مطابقتها للشريعة المطهرة، من أعظم الدلائل على براعته في العلوم، وقد وقع ذكر دلائلهم لما ذكر في الكتاب والسنة الشريفة، ولم تزل الكتب الكلامية مشحونة بدلائل المخالفين المعاندين، لما ذكر من الأمور، وغير ذلك من العلوم، ولا ينكر ذلك إلا معاند غير ناظر لطريق الصواب.
والله يجعل ما قاسه في تأليفه خالصاً لوجهه، موجباً للفوز لديه، إنه
البَر الجواد المتفضل على جميع العباد.
وكُتب في سادِس عَشَر شهر رمضانَ سنة ثمان وستين.
تقريظ سيف الدين السيرافي
وكتب الِإمام العلامة، الشيخ عضد الدين (الحنفي) عبد الرحمن بن
الإِمام العلامة، نادرة زمانه، الشيخ يحيى بن الإِمام العلامة، سيف الدين
السيرافي ثم المصري، الحنفي، شيخ البرقوقية، بارك الله في حياته
للإسلام، وأدام كونه ملاذاً للخاص والعام، وكان في فتنة ابن الفارض
ساكتاً.
وبعد: فقد وقفت على مواضع من المؤلَّف، الذي فاز - كمؤلِّفه -
بالقدح المعلى في رتب الكمال، واشتهر - كمصنِّفه - بالتفوق على الأكفاء
стр. 25
والأمثال، وإنه لأرفع قدراً من أن يفتقر إلى تعريف، أو أن يتوقف ظهور
مزيته على تكفُف إطراء وتوصيف، فلا زال عَلَمُ مصنفه مرفوعاً أبداً، وثناء
فضله منصوباً بخفض العدا.
بتاريخ سابع عشر شهر رمضان، سنة ثمان وستين وثمانمائة.
تقريظ محيي الدين الكافيجي
وكتب الإمام العلامة، محيي الدين، محمد بن سليمان الكافيجي
الحنفي، شد الله به أزر الدين، ثم كان كالأمن في فتنة ابن الفارض:
الحمد لله الذي جعل العلماء، ورثة الأنبياء، وبعث رسوله أفضل
الرسل والأصفياء، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه النجباء الأتقياء.
وبعد:
فأقول: هذه مقالة منوطة بأمور مقصودة ههنا.
الأمر الأول: أن تأليف الكتب مشروع، لقول الله تعالى: (والباقيات
الصالحات خير عند ربك ثواباً وخير أملاً) .
ولقول النبي ﷺ : "ما رآه المؤمنون حسناً، فهو عند الله حسن".
ولدلائل أخرى محررة في موضعها.
стр. 26
الأمر الثاني: أن نقل الأقوال والأخبار، المشتملة على العبرة والعظة.
جائز شرعاً سواء كانت الأقوال معلومة الصدق، أو لا.
أما نقل الأقوال المعلومة الصدق، فلا غنى عنها، لغاية ماس الحاجة إلى
معرفتها.
وأما نقل الأقوال الغير المعلومة الصدق، فليزداد ظهور الأقوال المعلومة
الصدق، المخالفة إياها في موجبها ومقتضاها، بسبب الاطلاع على بطلانها.
إما في الحال، وإما في الاستقبال.
ولما تقرر في العلوم: أن الأشياء تتبين بالأضداد، والاحتراز بذلك عن
الوقوع في الورطة والفساد.
ونظير ذلك: معرفة السموم، وسائر الأمور الضارة، كما قال الشاعر:
عرفت الشر لا للشر، لكن لتوقيه. . . ومن لم يعرف الشر من الناس يقع فيه
ولأجل هذا قال العلماء المحققون:
جلب جميع المنافع ليس بواجب
стр. 27
بالاتفاق ودفع المفاسد واجب بالاتفاق.
ومصداقه: عموم حاسة اللمس جميع أعماق البدن، سوى الكبد من
بين الحواس دون غيرها من الحواس، على ما فصل في موضعه.
ألا ترى: أن العلماء من الفقهاء وغيرهم ينقلون في مصنفاتهم المذاهب
المختلفة والآراء المناقض بعضها لبعض، سواء كانت حقة، أو باطلة.
يشهد به من يطالعها ويفهمها.
الأمر الثالث: أن نقل شيء من التوراة والإنجيل وغيرهما، يجوز في
التأليف في هذا الزمان، لغرض من الأغراض المعتبرة، كالاعتبار.
والاتعاظ، وإن لم يجز الاستدلال بها على الأحكام والأصول، على ما نص به
العلماء في الكتب.
ونظير ذلك: خبر المستور، الذي لم يظهر قبوله ولا رده، فيجوز العمل
به وإن لم يجب.
وقريب من هذا قول الحنفيين: شريعة من قبلنا (هي شريعتنا)
ابتداء إذا حكيت لنا بلا إنكار عليها، قال الله تعالى: (وكتبنا عليهم فيها
أن النفس بالنفس. . . الآية) .
стр. 28
والحاصل: أن نقل سفر من أسفار التوراة والإنجيل وغيرهما - على ما
ذكرنا - جائز شرعاً، لا شبهة قادحة فيه، وإن كانت منقدحة قي الأوهام.
ومعلوم عندك: أن لا اعتبار لها بالإجماع، على ما حُرِّر في أصول
الفقه.
. فكيف وقد روى في الصحيحين عن عبد الله بن عمرو رضي الله
عنهما، أنه قال: قال رسول الله ﷺ : بلغوا عني ولو آية، وحدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج".
وقال أهل التحقيق من المحدثين في بيان هذا الحديث: المراد منه ههنا:
هو الحديث عنهم بالقصص والحكايات، لأن في ذلك عبرة وعظة لأولى
الألباب، وأما النهي الوارد عن كتابة التوراة والِإنجيل، ففيما عدا القصص
والأخبار.
فحصل الجمع والتوفيق بينهما على ما تسمع وترى.
هذا وقيل: كان النهي عنها قبل اشتهار شأن القرآن، حذرا من
الالتباس والاشتباه، ولأجل هذا، نهى عن كتابة الحديث قبل اشتهاره، فلما
اشتهر شأنه أي اشتهار، رخص فيها، وكذلك الأمر الذي نحن بصدده.
وقال (البيضاوي) في تفسير قول الله تعالى:
стр. 29
(إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلاً ما) : مثل في الإنجيل عن الصدر بالنخالة، والقلوب القاسية بالحصاة، ومخاطبة السفهاء بإثارة الزنابير.
ومثل (هذا) وقع كثيراً في سائر كتب التفاسير، كالكشاف
للزمخشري، والتفسير الكبير للإمام الرازي.
وفي كتب الحديث كصحيح البخاري وغيره أيضاً، وفي كتب الكلام، كالصحائف والمواقف وغيرهما، وفي كتب أصول الفقه، كالبزدوي وغيره أيضاً يشهد بذلك كله من يطالعها ويتأمل فيها.
ولقد ذكر في التاريخ: أن القصص والأخبار العجيبة الغريبة كقصة عوج بن عنق وغيرها، يجوز كتابتها وحكايتها، وإن كانت غير معلومة الحال لتضمنها عبرة وعظة ومصالح، لقول الله تعالى: "لقد كان في قصصهم عبرة لأولى الألباب ".
ولما اشتهر عند الناس: أن ما لا يدرك كله، لا يترك كله، فإن العلم
بالبعض خير من الجهل بالكل.
قال الله تعالى: (وقل رب زدني علماً) .
стр. 30
ومن ههنا نشأ قول من قال:
فكل إنسان سوى ما استدركوا. . . يؤخذ من كلامه ويترك
الأمر الرابع: أن نقل القصص والأخبار من التوراة وغيرها، قد شاع
بين الناس شيوعا لاخفاء فيه، فقد حل محل الِإجماع السكوتي.
ولهذا وقع كثيرا في كتب السلف بلا إنكار عليه، كما وقع في هذا
العصر في هذا التأليف المسمى ب "نظم الدرر من تناسب الآي والسور". على ما حررنا فيما مر.
فإنْ قلت: فكيف تقبل هذه الدعوى منك ههنا، وقد ذكر في بعض
علم الكلام: أن الكتب السماوية قد نسخت تلاوتها وكتابتها؟.
قلت: لا استبعاد ههنا على ما ذكرنا فيما قبل من التفصيل والتحرير.
فيحمل ما ذكرنا ههنا على نسخ كتابة التوراة الدالة على الأحكام المناقضة
لأحكام شريعتنا لا على نسخ كتابة التوراة الخالية عن الدلالة عليها.
فحصل الجمع بينهما على ما ترى.
وأنت تعلم: أن العمدة والمدار في أمثال هذا، إنما هو قول الفقهاء
والمحققين، لا قول المتكلمين، لما تقرر: أن صاحب البيت أدرى بما فيه.
كما تعلم أن نسخ الوجوب، لا يستلزم نسخ الجواز، كصوم عاشوراء، فإنه جائز شرعاً وإن نسخ وجوبه.
وتعلم أيضاً: أن المثبت أولى من النافي.
الأمر الخامس: أن هذا الكتاب "نظم الدرر" كتاب عظيم الشأن،
стр. 31
ساطع البيان مؤسس بحسن ترتيب، وجودة نظام، على أحسن جواهر
القواعد، مرصع بأنواع فرائد الفوائد والعوائد، وأنه بحر لا تنقضى عجائبه.
ولا تنتهي غرائبه، وموصوف بما تراه محط دائرة الضبط والبيان، وعطية من
عطايا الجواد الرحمن.
كتاب في سرائره شرور. . . فناجيه من الأحزان ناجي
وكم معنى بديع تحت لفظ. . . هناك تزاوجا كل ازدواج
ولقد تأمل العبد الفقير فيه حق التأمل كما ينبغي، في مواضِع كثيرة.
فوجده ممتلئاً بأجناس درر نفيسة منظومة، متناسبة عالية، ومتوجا بأصناف
فصوص لامعة غالية، ومناسباً صدره عجزه، ومقروناً بلطائف دقائق المعاني
والفحوى، مع رعاية السياق والسباق، ولأجل هذا صار مثلا مشهوراً في
البلدان والآفاق ما عام أحد من الفضلاء والعلماء في بحره، سوى العالم
العلامة، والبحر الفهامة، الفائق على الأقران، أفصح من سحبان في البيان.
الألمعي، العظامي، العصامي بديع الزمان، وقَّاد الذهن، نقاد الطبع.
الأصمعي، منحة الرحمن، الرحالة في الرواية، العمدة في الدراية، إمام
الهدى، نوى التقى، شمس الضحى زين الورى فلك العلى، وهو المستحق
للمدحة بالوصف الجميل، على جهة التعظيم والتبجيل وليس يزيد الشمس
نوراً وبهجة، إطالة ذي وصف، وإكثار مادح، وأنشدت فيه:
وإني لا أستطيع كنه صفاته. . . ولو أن أعضائي جميعاً تكلم
стр. 32
وأقول: لا شك (أن) قول من قال:
هيهات لا يأتي الزمان بمثله. . . إن الزمان بمثله لبخيل
صادق في شأنه حقاً، وكذلك قول من قال:
ويا من لديه أن كل امرىء له نظير. . . وإن حاز الفضائل هل له
ونسبة جميع ما ذكرته في تعداد مناقبه ومحاسنه وفضائله، إلى ما لم يذكر
من سائر كمالاته الجمة، أقل من نسبة قطرة إلى قطران البحر المحيط.
فانظر إلى نظري إليك، فإن عنوان ما أخفيت في أحشائي.
نعني بذلك كله الشيخ الِإمام الهُمَام، شرف السلف، خير الخلف.
المدرس المؤلف المفتي، برهان الدين، أبو الحسن، إبراهيم، الشهير
بالبقاعي، خوله الله تعالى بالأبقيين: الذكر الجميل في الأولى، والأجر الجزيل
في الأخرى.
ولولا الخوف من سآمة الخواطر بالِإسهاب، لأوردنا ههنا أساليب
عجيبة، ومعاني نفيسة غريبة.
وكُتب يوم السبت، العشرين من شهر رمضان، سنة ثمان وستين.
تقريظ العلامة نقي الدين الشمني
وكتب الِإمام العلامة الصالح، تقي الدين محمد بن الشيخ الِإمام
العلامة كمال الدين محمد الشمني الحنفي، أدام الله النفع للمسلمين
стр. 33
بعلومه، والهناء للعالمين بالورود في بحور فهومه، وأعلى مناره، وجعل النجاح والفلاح في الدارين داره، بعد الخطبة البديعِة، ومات - رحمة الله - قبل الفتنة.
وبعد: فقد وقفت على هذا المصنَّف المعظم، والجوهر المنظم، فإذا هو
من الحسن في غاية، ومن التحقيق والتدقيق في نهاية، لم تكتحل عين بمثاله.
ولا نسج ناسج على منواله.
" وكيف لا، ومؤلفه قد حوى الفنون النقلية والعقلية، والعلوم الشرعية
الأصلية والفرعية، عالم عامل، سالك كامل، حافظ ضابط، مجاهد مرابط.
نفع الله به ذوي الحاجات والطلاب، وفتح لنا وله من الخير والأبواب، ونفعنا بدعواته، وأعاد علينا من بركاته، والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى.
وكتب في خامس عشر (من شهر) رمضان، سنة ثمان وستين.
تقريظ تقي الدين الحصني
وكتب العلامة الشيخ تقي الدين، أبو بكر، محمد (بن) شادي.
الحصنى الشافعي، بارك الله في حياته للمسلمين، وأدام كونه ملاذاً
للطالبين، بعد الخطبة البليغة، ثم مات مع أنصار ابن الفارض.
وبعد: فقد وقفت على المجلد الرابع للمناسبات، فرأيته شاملاً على
стр. 34
بدائع الآيات، محتوياً على فنون (من) الحجج والبينات، وهو - مع وجازة
لفظه - حاوٍ لمنتخب كل مديد وبسيط، جامع لخلاصة كل وجيز ووسيط.
مطلع على زبدة مطالب هي نتائج أنظار المتقدمين، مظهر لنخب مباحث.
هي أبكار أفكار المتأخرين، فهو بحر محيط بغرر درر الدقائق، وكنز أودع فيه نقود الحقائق، ألفاظه معادن جواهر المطالب الشرعية، وحروفه أكمام أزاهير النكات اللفظية، ففي كل لفظ منه روض من المنى، وفي كل شطر منه عقد من الدرر.
فلله در مؤلفه، قد أبرز ذخائر العلوم والمعارف، وافتلذ الأناسي من
عيون اللطائف، وسلك منهاجاً بديعاً في كشف أسرار التحقيق، واستولى على الأمد الأقصى من دفع منار التدقيق، أظهر غرائب مناسبات، ما مستها أيدي الأفكار وعجائب نكات، ما فتق رتقها أذهان أولى الأبصار.
فجزاه الله أفضل الجزاء، وجعل له في الدارين أطيب الثناء.
وكُتب في عاشر شوال، سنة ثمان وستين وثمانمائة.
وما كان لي غرض قبل ذلك في عرض الكتاب على أحد، فلما تكلم
فيه الحاسدون عرضته هذا العرض، فشهر - ولله الحمد - أمره، وفشا في
الفضلاء شأنه وذكره وحمدت عاقبته، وشرح صدره، فكان كما قيل:
وإذا أرد الله نشر فضيلة طويت. . . أتاح لها لسان حسود
لولا اشتعال النار في جزل الغضا. . . ما كان يعرف طيب عَرْفِ العود
ثم أظهرت ما كتب لي من قبلهم من العلماء على مصنفاتي، وغيرهم
من مدة من السنين، يزيد بعضها على الأربعين.
على أني كنت قليل الاعتناء بأخذ خطوط المشايخ، وكان أصحابي
стр. 35
يلومونني على ذلك، فكنت أقول لهم، إني إذا صرت إلى سن يؤخذ فيه عن
مثلي، فإن كنت أهلاً في نفسي، فأنا لا أحتاج إلى شهادة أحد، وإن لم أكن
أهلاً، لم تفدني إجازات المشايخ، كما قل التلعفري رحمه الله تعالى:
وعندهم أن الِإجازة غاية النـ. . . هاية للإِقراء ما فوقها اعتلا
فيا ليت شعري، هل رأيتم. . . إجازة تحج عن القارىء وتتلو إذا تلا
على أن أقول، إن الله تعالى إن كان يعلم أني لا أكون إذ ذاك أهلا
يؤخذ قولي مسلما، فلا أحياني الله إلى ذلك الزمان.
فأريتهم خط الِإمام العلامة، عماد الدين، ابن شرف الدين القدسي
الشافعي تلميذ ابن الهائم ﵀، على (مفردتي) في أول زياراتي
للقدس الشريف وكان سني إذ ذاك دون العشرين، (وذلك في سنة سبع
وعشرين وثمانمائة: "الشيخ الِإمام، المقرى المجيد.
وكتب لي شيخ الإسلام حافظ العصر، قاضي القضاة، أبو الفضل.
شهاب الدين، أحمد بن حجر المصري، ﵀ على مفردتي في قراءة أبي
стр. 36
عمرو بن العلاء البصري المسماة: "كفاية القارىء، وغنية المقرىء" وذلك
في أول ما أتى إلى القاهرة، سنة أربع وثلاثين، ما من جملته:
فهكذا هكذا تنظم اللآلى، وإلى هنا تنتهي رتب أولى المعالي، إن
الهلال إذا رأيت نموه، أيقنت أن سيصير بدراً كاملًا، ويا ليت شعري، ومن
هذه بدايته فما الذي بلحاق النجم ينتظر.
وكتب قاضي القضاة، شيخ الإسلام، سعد الدين بن الديري
الحنفي، ﵀:
وقفت على هذا المؤلَّف، الموسوم بالكفاية، الجامع بين صحيح الرواية.
وغريب الدارية، الشاهد لمصنفه ببلوغ رتبة النهاية في سن البداية.
وكتب قاضي القضاة، شيخ الإسلام، محب الدين، بن نصر الله
البغدادي الحنبلي، ﵀، وما كان رآني أصلاً، ما أشار إلى ذلك في
كتابته:
стр. 37
وقفت على هذا التصنيف المنيف، المشتمل على كل معنى فائق شريف.
فرأيته قد احتوى من علوم القرآن العظيم على معظمها، ومن فضائله على
أفضلها وأكرمها وهو مصنف فرد في معناه، لا يشبع من نظره من وقف
عليه أو رآه، لكثرة فوائده الغزيرة وعظم نوادره المنيرة، فدعوت لمصنفه -
شكر الله سعيه الكريم - دعاء فائقا، وأحببته على الغيب حباً صادقاً، فلقد
أجاد وأفاد، وارتفع قدره المنيف به وساد.
وكتب العلامة قاضي القضاة، كما الدين، محمد بن العلامة ناصر
الدين، محمد ابن البارزي، الحموي الشافعي، وهو كاتب السر بالديار
المصرية ﵀، على القطعة التي عملتها من كتابي: "جامع الفتاوى
لإيضاح بهجة الحاوي "وهو كتاب غريب، مزجت فيه كلام البهجة - على أنه نظم - بكلام الشرح مزجاً، صارا بحيث يظن أن الكلامين متن مستقل، مثل كتاب "الأنوار" للأردبيلي، وهو أكبر عمدى في هذا الشرح:
وقفت متاملًا في محاسن هذا الجامع، متفكراً في فصاحة خطيبه، وما
أبدعه فيه من إعجاب الناظر، وإطراب السامع، فألفيته حاوياً لكل حجة.
شاملًا للأنوار والبهجة وعلمت تميز مصنفه على أقرانه، وتنبهه على أهل
زمانه، أمده الله بالكفاية، وجعل خاتمته بالحسنى وزيادة.
وكتب قاضي القضاة، سعد الدين بن الديري، ﵀:
стр. 38
وقفت على تاليفه فألفته. . . وألفيته يفتر عن نور بستان
يضوع شذاه عابقاً ناطقاً بما. . . تضمن من نز ونظم لعقبان
دعا بالمعاني فازدلفن تطيعه. . . بأيسر إيضاح وأبلغ تبياني
فجازاه رب الخلق من خير ما جزى. . . لتحقيق إتقان وتصديق برهان
ولا غرو أن يحتوي هذا الجامع على معاني الحاوي، وأن تنبهج بنضارته
البهجة، وأن ينشرح بهذا الشرح البديع كل صدر، وتثلج به كل مهجة، وقد بلغ من أعلام المباني كل قلة، وحل من بحار المعاني بكل لجة، وحققه
البرهان الصادق، فهل تبقى لمعاند من حجة.
وكتبت في سنة سبعِ وأربعين وأنا في غزوة روس (كتاباً إلى قاضي
القضاة ابن حجر،) كتابا إلى قاضي القضاة شيخ الِإسلام، محقق العصر.
شمس الدين محمد ابن على القاياتي، رحمهما الله، فأثبت ابن حجر ذلك
الكتاب في تاريخه المسمى "إنباء الغمر بأنباء العمر" وافتتحه بقوله:
"وقد شرح لي صاحبنا العلامة إبراهيم الوقعة، فأثبتها في هذا
стр. 39
التعليق " ولم أنظر تاريخه، ولا علمت بشيء من ذلك، إلا بعد موته، على
أنه قل أن يكتب فيه "العلامة، لأحد.
أنظر ترجمته للشيخ شهاب الدين الحناوي، وقاضي القضاة شمس
الدين الونائي وغيرهما.
وكتب إليّ القاياتي، وهو أعز الناس كتابة، وأعظمهم تثبتاً في أقواله
وأفعاله:
"جواب كتابي الشيخ البرهاني، أدام الله بركة علومه على المسلمين.
ومن الكتاب - والله - لقد حصل للعبد غاية (السرور) بورود شرفكم
الكريم، وحمدت الله (تعالى) على عافيتكم، ومما يشمل الناس من حسن
نظركم، وجميل آرائكم وشفقتكم للعامة، ونصحكم للخاصة، وما فيه مما
يلائم هذا".
وكتابه هذا، وكتاب ابن حجر، الذي أجابني به عن كتابي، ما
стр. 40
هما إلا في جملة ما كتبت فيه مسودة كتابي "نظم الدرر" في سورة يونس عليه
السلام.
وكتب لي ابن حجر بسؤاله لأمر دعاه إلى ذلك على كتابي "عنوان
الزمان بتراجم الشيوخ والأقران ".
"الشيخ الِإمام، العلامة (الأوحد) ، المتقن المتفنن، الحافظ المحقق ".
وكتب على حاشيتي على شرح ألفية الشيخ زين الدين العراقي نحو
هذا.
وكتب لي هو وغيره - أيضاً - على أشياء غير هذا.
منه: ما كتبه العلامة، محقق عصره، الكمال محمد بن الهمام
الحنفي، وحاله في ضبط اللفظ والقلم، والمواجهة للملوك وغيرهم بمرِّ الحق
معروف، على كتاب "الانتصار من المعتدي بالأبصار".
وقفت على ساحل بحر زاخر، إذ وفقت للنظر في هذا المؤلف الباهر،
следующие страницы →