وقد مضى مطولًا في سورة طه.
وروى الطبراني في المعجم الكبير عن ابن عباس ﵄ قال
الهيثمي: ورجاله وثقوا، إلا أن على بن أبي طلحة قيل: إنه لم يسمع من ابن
عباس ﵄ قال: إن رسول الله ﷺ كان يحرص أن يؤمن جميع الناس، ويتابعوه على الهدى، فأخبره الله أنه لا يؤمن إلا من سبق له من الله الشقاء في الذكر الأول، ثم قال الله لنبيه ﷺ : (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣) إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (٤) .
وروى أبو يعلي من طريق عبد الجبار بن عمر الأيلي، عن عبد الله
بن عطاء ابن إبراهيم - قال الهيثمي: وكلاهما قد وثق، وضعفهما
الجمهور - عن الزبير بن العوام ﵁ قال: لما نزلت: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) صاح رسول الله ﷺ على أبي قبيس: يا آل عبد مناف (إني نذير لكم) ، فجاءته قريش، فحذرهم وأنذرهم، قالوا: تزعم أنك نبي يوحي إليك، وأن سليمان سخر له الريح والجبال، وأن موسى سخر له البحر، وأن عيسى كان يحيى الموتى؟.
فادع الله أن يسير عنا هذه الجبال،
стр. 702
ويفجر لنا أنهاراً، فنتخذها محارث، فنزرع ونأكل، وإلا فادع الله فيحيي لنا موتانا فنكلمهم ويكلمونا، وإلا فادع الله أن يصير هذه الصخرة التي تحتك
ذهباً فننحت منها وتغنينا عن رحلة الشتاء والصيف فإنك تزعم أنك كهيئتهم، فبينا نحن حوله إذ نزل عليه الوحي، فلما سرى عنه قال: والذي نفسي بيده لقد أعطاني ما سألتم، ولو شئت لكان، ولكنه خيرني بين أن تدخلوا باب الرحمة فيؤمن مؤمنكم، وبين أن يكلكم إلى ما اخترتم لأنفسكم فتضلوا عن باب الرحمة ولا يؤمن مؤمنكم، فاخترت باب الرحمة فيؤمن مؤمنكم.
وأخبرني أنه إن أعطاكم ذلك ثم كفرتم، إنه معذبكم عذاباً لا يعذبه أحداً
من العالمين، فنزلت: (وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ) ، حتى قرأ ثلاث آياف ونزلت: (وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى) .
стр. 703
وقال أبو عبيد: حدثنا عبد الله بن صالح، عن الليث بن سعد عن
عبيد الله بن أبي جعفر، عن عاصم بن أبي بكر بن عبد العزيز بن مروان
قال: وفدت إلى سليمان بن عبد الملك ومعنا عمر بن عبد العزيز، فنزلت
على ابنه عبد الملك بن عمر وهو عزب، فكنت معه في بيت، فصلينا العشاء
وأوى كل رجل منا إلى فراشه، ثم قام عبد الملك إلى المصباح فأطفاه وأنا
أنظر إليه، ثم قام يصلي حتى ذهب بي النوم، فاستيقظت فإذا هو في هذه
الآية: (أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (٢٠٧) ..
فيبكي ثم يرجع إليها، فإذا فرغ منها فعل مثل
стр. 704
ذلك حتى قلت: سيقتله البكاء، فلما رأيت ذلك قلت: لا إله إلا الله والحمد لله كالمستيقظ من النوم، لأقطع ذلك عنه، فلما سمعني سكت، فلما أسمع له حساًه
وفي كتاب الاستغناء بالقرآن لابن رجب: وروى أبو نعيم عن عبد الله
بن رباح قال: كان صفوان بن محرز إذا قرأ هذه الآية: (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ) بكى، حتى أقول: قد اندق
قضيض زوره (١) .
стр. 705
سورة النمل
مكية كلها إجماعاً.
عدد آياتها وما يشبه الفاصلة فيها
وأيها تسعون وثلاث في الكوفي، وأربع في البصري والشامي، وخمس
في المدنيين والمكي.
اختلافها آيتان:
(وأولوا بأس شديد) ، عدها المدنيان والمكي، ولم يعدها الباقون.
(من قوارير) لم يعدها الكوفي وحده.
стр. 706
وفيها مما يشبه الفواصل، وليس معدوداً بإجماع، ثلاثة مواضع:
(طس) ، (غير بعيد) ، (وما يشعرون أيَّان)
ورويها: من.
مقصودها
ومقصودها: وصف، هذا الكتاب بالكفاية لهداية الخلق أجمعين، بالفصل
بين الصراط المستقيم، وطريق الحائرين، والجمع لأصول الدين، لإحاطة
علم منزله بالخفي والمبين، وبشارة المؤمنين، ونذارة الكافرين بيوم اجتماع
الأولين والآخرين، وكل ذلك يرجع إلى العلم المستلزم للحكمة.
فالمقصود الأعظم منها: إظهار العلم والحكمة، كما كان مقصود التي
قبلها: إظهار البطش والنقمة.
وأدل ما فيها على هذا المقصود: ما للنمل من حسن التدبير وسداد
المذاهب في العيش، ولاسيما ما ذكر عنها سبحانه من صحة القصد في
السياسة، وحسن التعبير عن ذلك القصد، وبلاغة التأدية.
стр. 707
فضائلها
وأما فضائلها: فروى الطبراني في الأوسط -
قال الهيثمي: وفيه عبد الكريم أبو أمية وهو ضعيف، ومن لم أعرفهم - عن بريدة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : لا تخرج من المسجد حتى أعلمك آية من سورة لم تنزل على أحد قبلي، غير سليمان بن داود ﵉ فخرج النبي ﷺ حتى بلغ أسكفة الباب، قال: بأي شيء تستفتح صلاتك
وقراءتك؟.
قلت: ب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، قال: هي هي، ثم أخرج رجله الأخرى.
стр. 708
سورة القصص
مكية كلها.
قال الجعبري وغيره: إلا (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ) .
قال يحيى بن معاذ: جاء جبريل إلى النبي ﷺ لما هاجر، وهو بالجحفة فقال: يا محمد أتشتاق إلى بلادك التي ولدت فيها؟
فقال: نعم.
فقال: (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ) .
стр. 709
قال ابن الجوزي: هذا قول ابن عباس، وروى عن الحسن وعطاء
وعكرمة: أنها مكية كلها.
وقال البغوي، وابن الجوزي أيضاً، والأصفهاني: قال مقاتل: فيها من
المدني: (الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون - إلى قوله -:
لا نبتغي الجاهلين) .
عدد آياتها وما يشبه الفاصلة فيها
وآيها ثمان وثمانون في جميع العدد، متفقة الإجمال، مختلفة الفواصل.
اختلافها آيتان:
(طسم) ، عدها الكوفي وحده.
(من الناس يسقون) ، لم يعدها الكوفي، وعدها الباقون.
وفيها مما يشبه الفاصلة موضع:
(امرأتين تذودان) .
وعكسه موضع:
стр. 710
(مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ)
ورويها: نرمل.
مقصودها
ومقصودها: التواضع للهِ، المستلزم لرد الأمر كله إليه، الناشىء عن
الإيمان بالآخرة، الناشىء عن الإيمان بنبوة محمد ﷺ الثابتة بإعجاز القرآن، المظهر للخفايا، على لسان من لم يتعلم قط من أحد من الخلق، المنتج لعلو المتصف به.
وذلك هو المأخوذ من تسميتها بالقصص، الذي حكم لأجله شعيب
بعلو الكليم ﵉ على من ناوأه، وقمعه لمن عاداه، فكان المآل وفق ما قال.
стр. 711
فضائلها
وأما فضائلها: فروى البزار عن عتبة بن النّذر ﵁، أن
стр. 712
رسول الله ﷺ سئل: أي الأجلين قضى موسى ﵇؟. قال: أبرهما وأوفاها، ثم قال النبي ﷺ ، لما أراد موسى فراق شعيب ﵉ أمر امرأته أن تسأل أباها أن يعطيها من غنمه ما يعيشون به، فأعطاها ما ولدت غنمه في ذلك العام من قالب لون قال: فما مرت شاة إلا ضرب جنبيها
موسى ﵇ بعصاه، فولدت قوالب ألوانها كلها، وولدت ثنتين
وثلاثا، كل شاة ليس فيها فشوش ولا ضبوب، ولا كمشة تفوت
الكف، ولا ثغول.
وقال رسول الله ﷺ : إذا فتحتم الشام فإنكم ستجدون بقايا منها -، وهي السامرية.
ورواه الطبراني، إلا أنه قال: فلما وردت الغنم الحوض، وقف ﷺ بإزاء الحوض، فلم يصدر منها شيء إلا ضرب جنبيها فحملت فنتجت كلها قوالب لون واحد، ليس فيها فشوش، ولا ضبوب ولا ثعول، ولا كمشة تفوت الكف، فإن افتتحتم الشام وجدتم بقايا منها فاتخذوها، وهي السامرية.
стр. 713
قال يحيى بن بكير: الفشوش: التي ينفش لبنها عند الحلب.
والضبوب: التي يضب ضرعها عند الحلب. والكمشة: التي تعتاص
عند الحلب.
قال الهيثمي: وفي إسنادهما ابن لهيعة وهو ضعيف، وقد يحسن حديثه.
وبقية رجالهما رجال الصحيح.
ورواه ابن عبد الحكم في فتوح مصر، من طريق ابن لهيعة - أيضاً -
وقال: إلا ضرب جنبها، وقال: ولا كمشة.
وروى أبو يعلى بسند - قال الهيثمي: رجاله ثقات - عن أبي سعيد
стр. 714
رضي الله عنه: أنه سئل عن قول الله تعالى: (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ) قال: معاده: آخرته.
ورواه الطبراني عن ابن عباش ﵄ أنه قال: معادك:
الجنة.
وفي رواية: إلى معاد: قال: الموت.
قال الهيثمي: رواه بإسنادين، رجال أحدهما رجال الصحيح، غير
حصيف وهو ثقة وفيه ضعف.
وذكر ابن إسحاق أنه وقدم على النبي ﷺ وهو بمكة عشرون رجلاً، - أو قريباً من ذلك - من النصارى حين ظهر خبره في الحبشة، فدعاهم رسول الله ﷺ ، وتلا عليهم القرآن فلما سمعوا فاضت أعينهم من الدمع، حتى استجابوا له، وآمنوا به، وصدقوه وعرفوا منه ما كان يوصف لهم من أمره.
ويقال: فيهم نزلت هذه الآيات: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) .
стр. 715
سورة العنكبوت
مكية.
قال قتادة: إلا عشراً من أولها إلى: (وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ)
فإنهن نزلن بالمدينة.
نقله أبو عمرو الداني والجعبري.
قال أبو حيان: نزل أوائلها في مسلمين بمكة كرهوا الجهاد حين فرض
بالمدينة.
وقيل: في مِهْجَع مولى عمر ﵄، قتل ببدر فجزع أبوه
وامرأته عليه.
стр. 716
وقال النجم النسفي: مكية إلا قوله في قصة سعد: (ووصينا الِإنسان
بوالديه حُسْناً) وقوله: (ومن الناس من يقول آمنَّا بالله) فإنهما نزلتا
بالمدينة.
وقال الأصفهاني تبعاً لابن الجوزي: وبأنها مكية قال الحسن وقتادة
وعطاء وجابر بن زيد، ومقاتل، ورواه العوفي عن ابن عباس رضي الله
عنهما.
وفي رواية عن ابن عباس: أنها مدنية.
وقال هبة الله المفسر: نزل من أولها إلى رأس العشر بمكة، وباقيها بالمدينة.
وقال غيره عكس ذلك: نزلت العشر بالمدينة، وباقيها بمكة.
عدد آياتها وما يشبه الفاصلة فيها
وآيها تسع وستون في جميع العدد، متفقة الإجمال فقط.
стр. 717
واختلافها ثلاث آيات:
(الم) عدها الكوفي وحده.
(وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ) عدها المدنيان والمكي، ولم يعدها الباقون.
(مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) عدها البصري والشامي، ولم يعدها الباقون.
وفيها مما يشبه الفواصل، وليس معدوداً بإجماع، موضع واحد:
(أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ) .
ورويها: نمر.
مقصودها
ومقصودها: الحث على الاجتهاد في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
والدعاء إلى الله تعالى وحده، من غير تعريج على غيره سبحانه أصلاً لئلا
يكون مثل المعرِّج، مثل العنكبوت، فإن ذلك مثل كل من عرج عنه
سبحانه، وتعوض عوضا منه، فهي سورة ضعف الكافرين، وقوة المؤمنين
وقد ظهر سر تسميتها بالعنكبوت، والله تعالى أعلم.
стр. 718
فضائلها
أما فضائلها: فروى أحمد عن أبي هريرة ﵁
قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح، إلا أن الأعمش قال: أرى أبا صالح عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إن فلاناً يصلي بالليل، فإذا أصبح سرق، قال: سينهاه ما تقول.
يعني قول الله تعالى: (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) .
وروى عبد بن حميد في مسنده عن الزهري، عن رجل، عن ابن عمر
стр. 719
رضي الله عنهما، قال: خرجت مع النبي ﷺ ، حتى دخل بعض حوائط الأنصار ﵃، فجعل يلتقط من التمر ويأكل، فقال لي: يا ابن عمر مالك لا تأكل؟.
قلت: يا رسول الله ﷺ لا أشتهيه، قال: لكني أشتهيه وهذه صبح رابعة منه لم أذق طعاماً، ولم أجده، ولو شئت لدعوت ربي فأعطاني مثل ملك كسرى وقيصر، فكيف يا ابن عمر إذا بقيت في قوم يخبئون رزق سنتهم بضعف اليقين؟.
فوالله ما برحنا ولارمنا، حتى نزلت: (وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٠)
فقال رسول الله ﷺ : إن الله لم يأمرني بكثرة الدنيا ولا اتباع الشهوات، فمن كنز دنيا يريد بها حياة باقية، فإن الحياة بيد الله ألا وأني لم أكنز ديناراً ولا درهماً، ولا أخبأ رزقاً لغد.
وروى الحافظ زين الدين ابن رجب من طريق الحافظ أبي بكر الخطيب
عن إبراهيم بن إسماعيل بن خلف قال: كان أحمد بن نصر خليّ، فلما قتل
في المحنة وصلب رأسه، أخبرت أن الرأس يقرأ القرآن، فمضيت فبت بقرب
من الرأس مشرفاً عليه، وكان عنده رجالة وفرسان يحفظونه، فلما هدأت
العيون، سمعت الرأس يقرأ: (الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) .
فاقشعر جلده.
стр. 720
سورة الروم
مكية كلها إجماعاً.
وقيل: إلا قوله: (فسبحان الله حين تمسون)
عدد آياتها وما يشبه الفواصل فيها
وآيها خمسون وتسع آيات في المدني الأخير والمكي، وستون آية في غيره.
اختلافها أربع آيات:
(الم) ، عدها الكوفي وحده.
(غلبت الروم) لم يعدها المدني الأخير والمكي، وعدها الباقون.
стр. 721
(في بضع سنين) لم يعدها المدني الأول والكوفي، وعدها
الباقون.
(يقسم المجرِمون) عدها المدني الأول، ولم يعدها الباقون.
وفيها مما يشبه الفواصل، وليس معدوداً بإجماع، أربعة مواضع:
(بنصر الله) (حين تمسون) ، (والمساكين) ، (وابن السبيل) .
وعكسه موضع: (يفرح المؤمنون.
ورويه ا: نمر.
مقصودها
ومقصودها: إثبات الأمر كله لله، فتأتي الوحدانية مطلقاً في الإلهية
وغيرها، والقدرة على كل شيء فيأتي البعث ونصر أوليائه، وخذلان أعدائه، وهذا هو المقصود بالذات، واسم السورة واضح فيه بما كان من السبب في
نصر الروم من الوعد الصادق، والسر المكتوم.
стр. 722
فضائلها
وأما فضائلها: فروى أحمد فِى المسند، عن معاذ بن أنس الجهني رضي
الله عنه، عن رسول الله ﷺ أنه قال: ألا أخبركم لم سمي الله تعالى إبراهيم ﵇ خليله الذي وفى، لأنه كان يقول كلما أصبح وأمسى: سبحان اللة حين تمسون وحين تصبحون، حتى يختم الآية.
стр. 723
ولأبى داود - وسكت عليه، لكن تكلم فيه البخاري في تاريخه، قال
النووي: وفي كتاب الضعفاء - عن ابن عباس ﵄، أن
النبي ﷺ قال: من قال حين يصبح: (فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ، إلى قوله، (وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ) ، أدرك ما فاته في يومه ذلك، ومن قالها حين يمسي، أدرك ما فاته في ليلته.
ولعبد الرزاق في جامعه عن شبيب بن روح، عن رجل من أصحاب
محمد قال: صَلَّى رسولُ الله ﷺ صلاة الفجر، فقرأ سورة الروم، فالتبس فيها عليه، فلما انصرف قال: ما بال رجال يصلون معنا بغير طهور؟. من صلى معنا فليحسن طهوره، فإنما يلبس علينا القرآن أولئك.
ورواه أحمد عن أبي روح الكلاعي قال: صلى بنا النبي ﷺ صلاة، فقرأ فيها بسورة الروم، فلبس عليه بعضها، فقال: إنما لبس علينا الشيطان من أجل أقوام يأتون الصلاة بغير وضوء، فإذا أتيتم الصلاة، فأحسنوا الوضوء.
стр. 724
وفي رواية: فردد في آية، فلما انصرف قال: إنه لبس عليه القرآن أن
أقواماً منكم يصلون معنا لا يحسنون الوضوء، فمن شهد الصلاة معنا
فليحسن الوضوء.
قال المنذري: هكذا رواه، ورجال الروايتين محتج بهم في الصحيح
ورواه النسائي عن أبي روح، عن رجل.
يعني كرواية عبد الرزاق.
وروى عبد الرزاق عن معمر، عن عبد الملك بن عمير: أن
النبي ﷺ قرأ في الفجر يوم الجمعة بسورة الروم.
وروى الطبراني في الكبير عن شيخه عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي
مريم، وهو ضعيف، عن ابن عباس ﵄، أنه قيل له: نجد
الصلوات الخمس في كتاب الله تعالى؟.
قال: نعم، فقرأ عليه:
سورة لقمان ﵇
مكية.
قال ابن الجوزي: في قول الأكثرين.
وقال أبو عمرو الداني والجعبري: قال ابن عباس: إلا ثلاث آيات
منها نزلت بالمدينة. وقال عطاء: إلا آيتين.
وذلك أن النبي ﷺ لما هاجر إلى المدينة الشريفة أتته أحبار اليهود، فقالوا: يا محمد إنك تقول: (وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً) ، أتعنينا أم قومك؟.
قال: كلا قد عنيت. قالوا: إنك تتلو: أنا قد أوتينا التوراة وفيها
стр. 727
بيان كل شيء؟.
فقال ﷺ : هي في علم الله قليل.
فأنزل الله : (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ) .
قال الداني: إلى آخر الآيتين.
وقال الجعبري: إلى آخر الثلاث.
وعزا أبو حيان كونها ثلاثاً إلى ابن عباس ﵄.
وقال ابن الجوزي: وعن الحسن أنه قال: مكية إلا آية نزلت بالمدينة
وهي قوله تعالى: (الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة) ، لأن الصلاة
والزكاة مدنيتان، انتهى.
وهو غير مسلم في الصلاة، فإنها فرضت في مكة.
стр. 728
عدد آياتا وما يشبه الفواصل فيها
وآيها ثلاثون، في المدنيين والمكي، وأربع في الباقين.
اختلافها آيتان:
(الم) عدها الكوفي وحده.
(مخلصين له الدين) ، عدها البصري والشامي، ولم يعدها
الباقون.
وفيها مما يشبه الفاصلة، وليس معدوداً بإجماع، موضع (في الدنيا معروفاً)
وعكسه موضع: (لصوت الحمير) .
ورويها: ظن مرد.
مقصودها
ومقصودها: إثبات الحكمة للكتاب، اللازم منه حكمة منزله سبحانه في
أقواله وأفعاله.
وقصة لقمان ﵇، المسمى بها السورة، دليل واضح على
ذلك.
стр. 729
فضائلها
وأما فضائلها: فروى النسائي، وابن ماجه، بإسناد - قال النووي في
شرح المهذب: حسن - عن البراء ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ -
стр. 730
يصلي بنا الظهر، فنسمع منه الآية بعد الآيات من سورة لقمان
والذاريات.
وروى البخاري ومسلم عن ابن عمر ﵄، أن النبي ﷺ قال: مفاتيح الغيب خمس، لا يعلمهن إلا الله (إن الله عنده علم الساعة) .
وروى أحمد والبزار - ورجال أحمد رجال الصحيح - عن بريدة رضي
الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: خمس لا يعلمهن إلا الله: (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤) .
стр. 731
سورة السجدة
وتسمى أيضاً: الم تنزيل، والمضاجع، والمنقسمة، والمنجية.
مكية.
وقال الِإمام أبو عمرو الداني: قال ابن عباس ﵄ وعطاء:
إلا ثلاث آيات منها، نزلت بالمدينة في علي ﵁، والوليد بن
عتبة، وكان بينهما كلام، فقال الوليد لعلي ﵁: أنا أبسط منك
لساناً، وأحد منك سناناً، وأرد منك للكتيبة، فقال له علي ﵁:
أسكت فإنك فاسق، فأنزل الله فيهما: (أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا) ، إلى آخر الآيات الثلاث.
стр. 732
وقال الجعبري: إلى: (تكذبون) ، انتهى.
وهذا النقل فيه نظر، فإن علياً ﵁ لم ينقل من طريق
صحيح أنه اجتمع بالوليد بعد أن هاجر، إلا ساعة المبارزة ببدر، فإن كان
قال له ذلك حينئذ، وإلا فمتى؟.
وقال ابن الجوزي: هى مكية بإجماعهم.
وقال الكلبي: فيها من المدني ثلاث آيات، أولها: (أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا) .
وقال مقاتل: فيها آية مدنية، هي قوله تعالى: (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ) الآية.
وقال غيرهما: فيها خمس آيات مدنيات، أولها: (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ) انتهى.
عدد آياها
وآيها عشرون وتسع في البصري، وثلاثون في عدد الباقين.
اختلافها آيتان:
(الم) ، عدها الكوفي وحده.
(لفي خلق جديد) لم يعدها الكوفي والبصري، وعدها الباقون.
стр. 733
وليس فيها شيء مما يشبه الفواصل.
وفيها عكسه، وهوما يشبه الوسط
وهو آية ثلاثة مواضع:
(من طين) ، (يستوون) ، (إسرائيل) .
وريها: ملن.
مقصودها
ومقصودها: إنذار الكفار بهذا الكتاب، السَّارِّ للأبرار بدخول الجنة
والنجاة من النار، واسمها "السجدة" منطبق على ذلك بما دعت إليه آيتها من
الأخبار، وترك الاستكبار.
وكذا تسميتها بالمضاجع، وتسميتهاب (الم تنزيل) مشيراً إلى تأمل
جميع السورة، فهو في غاية الوضوح في مقصودها، وتسميتها بالمنقسمة أيضاً، دال عليه من جهة: أنها انقسمت للإعاذة من عذاب القبر، الذي هو مقدمة عذاب النار.
وكذا المنجية: فإن مَنْ قَبِلَ الإنذار، نجا من النار.
стр. 734
فضائلها
وأما فضائلها: فروى الترمذي في الجامع، والنَّسائي في اليوم والليلة.
والدارمي وعبد بن حميد في المسند، والطبراني فيما انتخبه عليه ابن مردويه.
والبيهقي في الدعوات، عن جابر ﵁، أن النبي ﷺ كان لا ينام حتى يقرأ: الم تنزيل السجدة، وتبارك الذي بيده الملك.
ورواه مُسدد، وقال بعده: وقال طاووس: فضلتا على كل سورة من
القرآن بستين حسنة.
وفي جامع الأصول عن الترمذى: بسبعين حسنة.
وروى أبو يعلى عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يقرأ كل ليلة، الم تنزيل السجدة.
وروى أبو عبيد عن أبى خيثمة، قال: قلت لأبي الزبير: أسمعت
جابر بن عبد الله ﵄ يذكر: أن رسول الله ﷺ كان لا ينام، حتى
стр. 735
يقرأ: الم تنزيل السجدة، وتبارك الذي بيده الملك؟.
فقال: ليس جابر حدثنيه، ولكن حدثنيه صفوان: أو ابن صفوان.
شك أبو خيثمة.
وروى أبو عبيد من طريق عاصم بن أبي النجود عن المسيب بن
رافع أن النبي ﷺ قال: تجيء الم السجدة يوم القيامة لها جناحان، تظل صاحبها، تقول: لا سبيل عليك، لا سبيل عليك.
ولمسلم وأبي عبيد في الفضائل، وأبي داود، والترمذي، والنَّسائي وعبد
الرزاق في جامعه، عن ابن عباس ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة: الم، تنزيل السجدة، وهَلْ أتى على الِإنسان.
стр. 736
وفي رواية: وفي صلاة الجمعة، سورة الجمعة، وإذا جاءك المنافقون.
وللشيخين، والدارمي، وعبد الرزاق، عن أبي هريرة رضي الله
عنه مثله في صلاة الصبح. ولفظه: كان النبي ﷺ يقرأ في الفجر يوم الجمعة بـ "الم تنزيل السجدة" في الركعة الأولى، وفي الثانية: (هل أتى على الإِنسان) .
وروى عبد الرزاق في جامعه عن ابن مسعود ﵁
قال: كان النبي ﷺ يقرأ في صلاة الجمعة بسورة الجمعة. و (سبح اسم ربك الأعلى) ، وفي صلاة الصبح يوم الجمعة: (الم تنزيل) ، و (تبارك الذي بيده الملك) .
وسر ذلك: أن في كل من السجدة والملك والإِنسان ذكر ابتداء الخلق
والبعث، والجنة، والنار، فهي مذكرة بخلق آدم ﵇ فيه وقيام
الساعة فيه، إلى غير ذلك من أحوال الآخرة.
стр. 737
وللدارمي عن خالد بن معدان مرسلاً: أن النبي ﷺ قال: اقرأوا المنجية، وهي: (الم تنزيل) فإنه بلغني أن رجلا كان يقرؤها وما يقرأ شيئاً غيرها، وكان كثير الخطايا، فنشرت جناحها عليه، وقالت: رب اغفر له، فإنه كان يكثر قراءتي، فشفعها الرب فيه، وقال: اكتبوا له بكل خطيئة حسنة، وارفعوا له درجة.
وله عن خالد أيضاً: أنها تجادل عن صاحبها في القبر، تقول: إن كنت
في كتابك فشفعني فيه، وإن لم أكن من كتابك فامحني، وأنها تكون كالطير.
تجعل جناحها عليه فتشفع له، فتمنعه من عذاب القبر.
وقال في تبارك مثله، فكان خالد لا يبيت حتى يقرأها.
وينبغي أن يعلم: أن نسبة مثل هذا الكلام إلى القرآن، أو بعضه غير
مشكلة، لأنه يمكن - والله أعلم - أن يجعل الله تعالى للألفاظ التي يقرؤها
القارىء صوراً تعرف بها، ويطلق عليها اسم القرآن على سبيل المجاز أو
الاشتراك، لدلالتها عليه، كما أنه سبحانه مكننا في هذه الدار من تصوير ذلك الكتاب، ويطلق على تلك الصور ذلك، كما قال النبي ﷺ : "لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو) ، ويجعل الله لتلك الصورة قوة النطق، ولله تعالى القدرة البالغة، فهو على كل شيء قدير.
وللدارمي - أيضاً - عن كعب ﵀، قال: من قرأ "تنزيل" السجدة
стр. 738
وتبارك، كتب له سبعون حسنة، وحط عنه بهما سبعون سيئة، ورفع له بهما
سبعون درجة.
ولعبد الرزاق في جامعه، عن أبي مجلز، أن النبي ﷺ سجد في صلاة الظهر، ثم قام، فيرون أنه قرأ (الم تنزيل) ، وهو يصلي بأصحابه ﵃.
ورواه أحمد، وأبو داود، والحاكم، عن ابن عمر ﵄
ولفظه: أن النبي ﷺ سجد في صلاة الظهر، ثم قام فركع فرأوا أنه قرأ: (الم تنزيل) السجدة.
ولعبد الرزاق عن ابن جريج: أخبرني عطاء، أن رجلين فيما مضى كان
يلزم أحدهما تبارك، فجادلت عنه حتى نجا، وأما صاحب السجدة الصغرى،
стр. 739
فتنقسم في قبره قسمين، قسم عند رأسه، وقسم عند رجليه، حتى نجا.
فسميت المنقسمة.
وله عن يحيى بن أبي كثير قال: أمر النبي ﷺ أصحابه ﵃، أن يقرأواة (الم السجدة) و (تبارك الذي بيده الملك) ، فإنهما تعدل كل آية منهما سبعين آية من غيرهما، ومن قرأهما بعد العشاء الآخرة كانتا له مثلهما في ليلة القدر.
ولأبي عبيد عن ابن عمر ﵄، أنه كان يقول في (تنزيل)
السجدة و (تبارك الذي بيده الملك) قال: فيهما فضل ستين درجة على غيرهما من سور القرآن.
وروى الطبراني عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ في قوله تعالى: (وجعلناه هدى لبني إسرائيل) قال: جعل موسى ﵇ هدى لبني إسرائيل.
وفي قوله تعالى: (فلا تكن في مرية من لقاءه) من لقاء موسى
ربه .
قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح.
стр. 740
سورة الأحزاب
مدنية إجماعاً.
وآيها سبعون وثلاث في جميع العدد، ليس فيها اختلاف في إجمال ولا
تفصيل.
وفيها مما يشبه الفواصل، وليس معدوداً بإجماع، موضع واحد، (إلى
أوليائكم معروفاً) .
ورويها أحد عشر حرفاً "فمد له رزق بظن".