(وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى - إلى قوله -: عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ) .
وعزاه الأصفهاني إلى ابن عباس ﵄.
قال الجعبري: ويجمع بينهما بالأصالة والتبع.
قلت: ويقدح في هذا الجمع الاستثناء في كل قول، ومن أغرب
الأشياء: أن البغوي قال: مكية، إلا عشر آيات من قوله: (هذان
خصمان - إلى قوله -: (وهُدُوا إلى صراط الحميد) .
وقال الأصفهاني: وقال أبو سليمان الدمشقي: أولها مدني، إلى قوله:
(وبشر المحسنين) ، وسائرها مكي.
وقال هبة الله بن سلامة: هي من أعاجيب سور القرآن، لأن فيها
مكيا ومدنيا، وحضرياً وسفرياً، وحربياً وسِلْمِيَّاً، وليلياً ونهارياً، وناسخاً
ومنسوخاً.
فأما المكي: فمن رأس الثلاثين إلى آخرها، وأما المدني: فمن رأس
стр. 667
خمس وعشرين، إلى رأس ثلاثين منها، وأما الليلي: فمن أولها، إلى رأس
خمس آيات، وأما النهاري: فمن رأس خمس، إلى رأس تسع، وأما السفري: فمن رأس تسع، إلى اثنتي عشرة، وأما الحضري: فإلى رأس العشرين.
عدد آياتها وما يشبه الفاصلة منها
وآيها أربع وسبعون في الشامي، وخمس في البصري، وست في المدنيين
وسبع في المكي، وثمان في الكوفي.
اختلافها خمس آيات:
(من فوق رؤوسهم الحميم) ، (والجلود) ، عدها الكوفي وحده.
(وعاد وثمود) ، لم يعدها الشامي.
(وقوم لوط) ، لم يعدها البصري والشامي، وعدها الباقون.
(هو سماكم المسلمين) ، عدها المكي، ولم يعدها الباقون.
وفيها مما يشبه الفواصل، وليس معدوداً بإجماع، أربعة مواضع:
(ثياب من نار) ، (والباد) ، (فأمليت للكافرين)
(معاجزين)
стр. 668
وعكسه ثلاثة:
(ما يشاء) ، (من حديد) ، (تقوى القلوب) .
ورويها: أنظم، زبرجد، قط..
الهمزة: (يشاء) .
مقصودها
ومقصودها: الحث على التقوى، المعلية عن دركة الاستحقاق الحكيم
بالعدل، إلى درجة استئهال الإنعام بالفضل، في يوم الجمع، لطيف التذكير به.
стр. 669
فضائلها
وأما فضائلها: فروى عبد بن حميد في مسنده، والبزار -
قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح، غير هلال بن خبَّاب وهو ثقة - عن
أنس بن مالك ﵁ قال: نزلت: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ) على النبي ﷺ وهو في مسير له، فرفع بها صوته، حتى دأب إليه أصحابه، فقال: أتدرون أي يوم هذا؟. (قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذلك) يوم يقول الله لآدم ﵇: يا آدم، قم فابعث بعث النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار، وواحد في الجنة، فكبُرَ ذلك على المسلمين، فقال رسول الله ﷺ : إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة، ثم قال رسول الله ﷺ : سددوا وقاربوا، وأبشروا، فوالذي نفسي بيده، ما أنتم في الناس إلا كالشامة في جنب البعير، أو كالرقمة في ذراع الدابة، وإن معكم لخليقتين ما كانا
стр. 670
مع شيء قط إلا كثرتاه: يأجوج ومأجوج، ومن هلك من كفرة الإنس
والجن.
وقال ابن رجب: وروى الجورجاني في كتاب "النواحين" عن النضر
ابن عربي، عمن حدثه، قال: كان النبي ﷺ في بعض أسفاره، إذ قال:
стр. 671
يا بلال أنصت الناس، فأوحى إِليه، فتلا عليهم رسول الله ﷺ : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا) إلى آخر الآية.
قال: فخر أصحاب رسول الله ﷺ حتى وقعت أعِنَّة الخيل على أعناقها من أيديهم.
وروى أبو عبيد عن خالد بن معدان قال: قال رسول الله ﷺ : فضلت سورة الحج على غيرها بسجدتين.
وروى أبو عبيد، وأبو داود، والترمذي، وقال: ليس إسناده بالقوي
عن عقبة بن عامر ﵁ أنه قال: قلت: يا رسول الله، أفي الحج
سجدتان؟. قال: نعم، ومن لم يسجدهما فلا يقرأهما.
стр. 672
وقال أبو عبيد: فلا يقرأها.
وهذا الحديث إنما ضعفوه بابْنِ لهيعة، ومشرح بن هاعان، وليس
ضعفهما فاحشاً، بل هما ممن يحسن لهما، فقد أثنى على كل منهما غير واحد.
وقال شيخنا في تقريبه - وهو لا يذكر إلا زبدة الأقوال - قال في ابن
لهيعة: صدوق، وفي مشرح مقبول، وبين في خطبة كتابه: أن من يقول
فيه ذلك لا يطلق عليه ضعيف، فحديثهما حسن، وأقل ما فيه أنه مقوٍّ
لحديث عمرو بحيث يصير صحيحاً لغيره، أو قريباً من ذلك جداً.
ولأبي داود، وابن ماجة، والحاكم - قال النووي في شرح المهذب:
بإسناد حسن - عن عمرو بن العاص ﵁ قال: أقرأني رسول
الله ﷺ خمس عشر سجدِة في القرآن، منها ثلاثة في المفصل وفي سورة الحج سجدتان.
стр. 673
وروى عبد الرزاق في جامعه، عن معمر، عن أيوب، عن نافع، أن
عمراً وابن عمر، ﵄، كانا يسجدان في الحج سجدتين.
قال: وقال عمر ﵁: فضلت بسجدتين.
وروى عبد الرزاق - أيضاً - عن الثوري، وأبو عبيد بن مروان بن
معاوية كلاهما عن عاصم بن سليمان، عن أبي العالية، عن ابن
عباس ﵄ قال: فضلت سورة الحج بسجدتين.
стр. 674
وروى أبو عبيد في الفضائل، فقال: حدثنا هشيم، أنا منصور.
عن ابن سيرين، عن ابن عمر ﵄، أنه سجد في الحج سجدتين
وقال: إن هذه السورة فضلت على السور بسجدتين.
ولأبي عبيد عن الزهري قال: أول آية نزلت في القتال: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا) ، ثم ذكر القتال في آي كثيرة. انتهى.
ومثله لا يقال من قبل الرأي.
стр. 675
سورة المؤمنون
مكية إجماعاً.
عدد آياتها وما يشبه الفاصلة منها
وآيها مائة وثماني عشرة في الكوفي، وتسع عشرة عند الباقين.
اختلافها آية.
(وأخاه هارون) ، لم يعدها الكوفي، وعدها الباقون.
وفيها مما يشبه الفواصل ولم يعد بإجماع، ثلاثة مواضع:
(مما تكلون، (وفار التنور) (عذاب شديد) .
رويها: نم.
стр. 676
مقصودها
مقصودها: اختصاص المؤمنين بالفلاح.
واسمها واضح الدلالة على ذلك.
стр. 677
فضائلها
وأما فضائلها: (فروى) عبد الرزاق في جامعه، والِإمام أحمد من
طريقه وعبد بن حميد في مسنده، والترمذي عن عبد، عن عبد الرزاق.
والنسائي في الصلاة والتفسير، والبيهقي في كتاب الدعوات، عن عمر بن
الخطاب ﵁ قال: قال: كان إذا نزل على رسول الله ﷺ الوحي يسمع عنده وجهه كدوي النحل، فنزل عليه يوماً، فمكثنا - وفي رواية: فسكتنا - ساعة، فسرى عنه، فاستقبل القبلة ورفع يديه فقال: اللهم زدنا ولا تنقصنا وأكرمنا ولا تهنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرض عنا وأرضنا، ثم قال: لقد أنزل عليَّ عشر آيات، من أقامهن دخل الجنة ثم قرأ: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) حتى ختم عشر آيات) .
стр. 678
ولابن السني عن محمد بن إبراهيم، عن أبيه هو إبراهيم بن الحارث
ابن خالد التيمي، ﵁ قال: وجهنا رسول الله ﷺ سرية، فأمرنا أن نقرأ إذا أمسينا وأصبحنا: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا) ، فغنمنا وسلمنا.
ولابن السني - أيضاً -، وأبي عبيد في الفضاثل، وابن أي حاتم في
تفسيره، وأبي يعلى الموصلي في الجزء الرابع والعشرين من مسنده والبغوي في
تفسيره، والبيهقي في الدعوات، عن عبد الله بن مسعود ﵁، أنه
قرأ في أذن مبتلى فأفاق، فقال له رسول الله ﷺ : ما قرأت في أذنه؟.
قال: قرأت: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا) حتى فرغ من آخر السورة.
فقال رسول الله ﷺ : لو أن رجلاً موقناً قرأ بها على جبل لزال.
стр. 679
وروى أبو نعيم في الحلية، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، هو ابن
خالد التيمي القرشي، عن أبيه ﵁ قال: بعثنا رسول الله ﷺ في سرية، وأمرنا أن نقول إذا أمشينا وأصبحنا: "أفحسبتم" الآية، وقَرأْنَاهَا فغنمنا وسلمنا.
وروى مسلم، وأبو داود، والنَّسائي، من حديث عبد الله ابن السائب
﵁، أن النبي ﷺ قرأ بعض سورة المؤمنين، فلما انتهى إلى ذكر موسى وهارون، قطع وركع.
وعلقه البخاري.
وفي رواية: صلى لنا رسول الله ﷺ الصبح بمكة فاستفتح سورة
стр. 680
المؤمنين، حتى جاء ذكر موسى وهارون - أو ذكر عيسى - شك الراوي -
أخذته سعلة فركع.
ورواه عبد الرزاق في جامعه، عن عبد الله بن السائب ﵁
قال: صلى بنا النبي ﷺ الصبح بمكة، فاستفتح بسورة المؤمنين، حتى إذا جاء موسى وهارون - أو ذكر عيسى، ابن عباد يشك أو اختلفوا عليه - أخذت النبي ﷺ سعلة، فحذف فركع.
وروى مسلم والترمذي، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول
الله ﷺ : إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١) .
وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ)
стр. 681
ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر، يمد يديه إلى
السماء: يا رب، يا رب. ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام.
وغذي بالحرام، فَأنى يستجاب لذلك.
стр. 682
سورة النور
مدنية كلها إجماعاً.
عدد آياتها وما يشبه الفاصلة فيها
وآيها ستون وآيتان في المدنيين والمكي، وأربع في عدد الباقين.
اختلافها آيتان:
(بالغدو والآصال) ، (يذهب بالأبصار) ، لم يعدهما المدنيان والمكي.
وعدها الباقون.
وفيها مما يشبه الفواصل، وليس معدوداً بإجماع: موضعان:
(لهم عذاب أليم) ، بعده في الدنيا والآخرة.
стр. 683
(تمسسه نار) .
وعكسه: (إن كتم مؤمنين) .
ورويها: لم نرب.
فالباء: "حساب"، الحساب "
مقصودها
ومقصودها: مدلول اسمها المودع قلبها، المراد منه: أنه تعالى شامل
العلم، اللازم منه تمام القدرة، اللازم منه إثبات الأمور على غاية الحكمة
اللازم منه تأكيد الشرف للنبي ﷺ ، اللازم منه شرف من اختاره سبحانه لصحبته، على منازل قربهم منه، واختصاصهم به، اللازم منه غاية النزاهة والشرف والطهارة لأم المؤمنين عائشة ﵂، التي مات ﷺ وهو عنها راض، ثم ماتت هي ﵂ صالحة محسنة، وهذا هو المقصود بالذات، ولكن إثباته محتاج إلى تلك المقدمات.
стр. 684
فضائلها
وأما فضائلها: فروى أبو داود عن عائشة ﵂ وذكرت الإفك - قالت: جلس رسول الله ﷺ ، وكشف عن وجهه، وقال: أعوذ بالله السميع العليم، من الشيطان الرجيم، (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ) الآية.
стр. 685
وروى الِإمام أبو جعفر بن جرير عن شقيق، وأبو عبيد عن أبي
وائل قال كل منهما: استعمل علي بن أبي طالب ابن عباس - رضي الله
عنهم - على الحج، قال: فخطب الناس خطبة لو سمعها الترك والروم
لأسلموا، ثم قرأ سورة النور، فجعل يفسرها.
وفي رواية: شهدت ابن عباس ﵄، وولى الموسم، فقرأ
سورة النور على المنبر ثم فسرها، لو سمعته الروم لأسلمت.
ولابن جرير عن أبي وائل قال: ولى ابن عباس ﵄ الموسم
فخطبهم فقرأ على المنبر سورة النور، والله لو سمعتها الترك لأسلموا.
وله عن شقيق بن سلمة - أيضاً - قال: قرأ ابن عباس ﵄
سورة البقرة، فجعل يفسرها، فقال رجل: لو سمعت هذا الديلم لأسلمت
وقال بعض العلماء في آيات الإفك: إنها أرجى ما في القرآن، لأن الله
عظم شأن الإفك، وتوعد عليه غاية الوعيد، وجعله منافيا للإيمان، ثم أمر
стр. 686
بالعطف على بعض من وقع فيه، ووصفهم بالقرابة والسكنة والهجرة، وندب إلى الإنفاق والعفو عنهم والصفح.
وروى عبد بن حميد عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إذا أتى أحدكم باب حجرته فليسلم، فإنه يرجع قرينه الذي معه من الشيطان، فإذا دخلتم حجركم فسلموا يخرج ساكنها من الشياطين، فإذا رحلتم فسلموا على أول حلس تضعونه على دوابكم، لا يشرككم في مركبها الشيطان، فإن أنتم لم تفعلوا شرككم، وإذا أكلتم فسموا حتى لا يشرككم في طعامكم، ولا تبيتوا القمامة معكم في حجركم فإنها مقعدة.
وروى أبو عبيد عن أبي عطية قال: كتب إلينا عمر ﵁:
أن علموا نساءكم سورة النور.
وعن الحاكم في صحيحه من حديث عائشة ﵂، عن رسول
الله ﷺ أنه قال: لا تنزلوهن الغرف، ولا تعلموهن الكتابة وعلموهن الغزل، وسورة النور، يعني النساء.
стр. 687
وروى البزار - قال الهيثمي: ورجاله ثقات - عن حذيفة رضي الله
عنه قال: قال رسول الله ﷺ لأبي بكر ﵁، لو رأيت مع أم رومان رجلاً ما كنت فاعلاً به؟.
قال: كنت والله فاعلاً به شراً.
قال: فأنت يا عمر؟.
قال: كنت والله قاتله، كنت أقول: لعن الله الأعجز، فإنه
خبيث.
قال: نزلت: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ) .
وللطبراني في الأوسط - قال الهيثمي: ورجاله ثقات - عن أبي بن
كعب ﵁ قال: لما قدم النبي ﷺ وأصحابه ﵃، وآوتهم الأنصار ﵃، رمتهم العرب عن قوس واحدة فنزلت
سورة الفرقان
مكية إجماعاً.
وقال أبو حيان:
وقال ابن عباس وقتادة: إلا ثلاث آيات نزلن في المدينه، وهي:
(وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ - إلى قوله: وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) .
وتقدمه إلى نقل ذلك ابن الجوزي، وهو مروى عن ابن عباس في
الطبراني الأوسط، في ترجمة محمد بن عبد الله الحضري قال: قرأناها على
стр. 690
عهد رسول الله ﷺ سنين: ((وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ - الآية:
ثم نزلت: (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ، فما رأيت رسول الله ﷺ فرح فرحاً قط أشد منه بها، وبـ (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا) .
ومعلوم: أن ابن عباس ما هاجر إلا مع أبيه قبل الفتح بقليل.
مقصودها
ومقصودها: إظهار شرف الداعي ﷺ بإنذار المكلفين عامة بما له سبحانه من القدرة الشاملة، المستلزم للعلم التام، المدلول عليه بهذا القرآن المبين، المستلزم لأنه لا موجود على الحقيقة سوى من أنزله فهو الحق، وما سواه باطل.
وتسميتها بالفرقان، واضح الدلالة على ذلك، فإن الكتاب ما نزل إلا
للتفرقة بين الملتبسات، وتمييز الحق من الباطل، ليهلك من هلك عن بينة.
ويحيى من حي عن بينة، فلا يكون لأحد على الله حجة، ولله الحجة
البالغة.
لكن في صحيح مسلم عن ابن عباس ﵄ ما يرده، فإنه لما
стр. 691
قال: إن القاتل لا توبة له، احتج عليه بهذه الآية، فقال: هذه مكية في
المشركين، والنساء مدنية.
стр. 692
عدد آياتها وفواصلها
وآيها سبع وسبعون آية من غير اختلاف.
وفيها مما يشبه الفواصل، ولم يعدّ بإجماع، تسعة مواضع:
(وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا) ، (وَهُمْ يُخْلَقُونَ) ، (قَوْمٌ آخَرُونَ) ، (أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ) .
(وُعِدَ الْمُتَّقُونَ) ، (مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ) ، (صَرْفًا وَلَا نَصْرًا) (فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا) ، (عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا) .
وعكسه موضعان:
(ضَلُّوا السَّبِيلَ) ، (ظُلْمًا وَزُورًا) .
ورويها: برّنمل.
стр. 693
فضائلها
وأما فضائلها: فروى الجماعة: مالك، والشيخان، والأربعة، وابن
جرير في مقدمة التفسير، وأبو عبيد في كتاب الفضائل، عن عمر بن الخطاب
﵁ قال: سمعت هشام بن حكيم بن حزام ﵄ يقرأ
سورة الفرقان في حياة رسول الله ﷺ ، فاختلفت لقراءته فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله ﷺ .
وفي رواية أبي عبيد: سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة
الفرقان على غير ما أقرؤها، وقد كان رسول الله ﷺ أقرأنيها فكدت أساوره في الصلاة، فتربصت حتى سلم، فلببته بردائه، فقلت: من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرؤها؟.
قال: أقرأنيها رسول الله ﷺ ، فقلت: كذبت، فإن رسول الله ﷺ قد أقْرَأنِيهَا على غير ما قرأت، فانطلقت به أقوده إلى رسول الله ﷺ .
فقلت: يا رسول الله إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها، فقال رسول الله ﷺ : أرسله، أقرأ يا
هشام فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرأ، فقال رسول الله ﷺ : هكذا أنزلت، ثم قال النبي ﷺ : اقرأ يا عمر، فقرأت القراءة التي أقرأني، فقال رسول الله ﷺ : هكذا أنزلت، آه هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرأوا
ما تيسر منه.
стр. 694
قال أبو عبيد في رواية: قال ابن شهاب في الأحرف السبعة: هي في
الأمر الواحد الذي لا اختلاف فيه.
فيا له من حديث ما أشرفه وأجله، وأرفع قدره ومحله، فرق به الفاروق
في سورة الفرقان بين الحق والباطل.
وقد تقدم في سورة النحل ما مضى في الفضائل العامة كثير مما ينضم
إلى هذا الحديث.
وروى ابن جرير عن ابن عمر ﵄ قال: سمع عمر
ابن الخطاب ﵁ رجلًا يقرأ القرآن، فسمع آية على غير ما سمع
من النبي ﷺ ، فأتى به عمر إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إن هذا قرأ آية كذا وكذا، فقال رسول الله ﷺ : أنزل القرآن على سبعة أحرف، كلها
كاف شاف.
وروى الإمام أحمد، وابن جرير، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي
стр. 695
طلحة عن أبيه، عن جده أبي طلحة قال: قرأ رجل عند عمر ﵁
فغير عليه فقال: لقد قرأت على رسول الله ﷺ فلم يغير عليَّ، قال: فاجتمعا عند النبي ﷺ ، فقرأ الرجل على النبي ﷺ فقال له: أحسنت. قال: فكان
عمر ﵁ وجد في نفسه من ذلك، فقال النبي ﷺ : يا عمر إن هذا القرآن كله صواب ما لم تجعل مغفرة عذاباً، أو عذاباً مغفرة.
قال الهيثمي: ورجاله ثقات.
ولفظ ابن جرير: فاختصما عند النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ألم تقرئني آية كذا وكذا؟.
قال: بلى، فوقع في صدر عمر شيء عرف النبي ﷺ ذلك في وجهه.
قال: فضرب صدره وقال: أبعد شيطان، قالها ثلاثاً، ثم قال: يا
عمر إن القرآن كله صواب، ما لم تجعل آية رحمة عذاباً، أو عذاباً
رحمة.
قال أبو عبيد: فقد تواترت هذه الأحاديث كلها على الأحرف السبعة
إلا حديثاً واحداً يروي عن سمرة بن جندب، عن النبي ﷺ قال: أنزل القرآن على ثلاثة أحرف.
قال: ولا نرى المحفوظ إلا السبعة، لأنها المشهورة، انتهى.
стр. 696
وقد تقدم في الفضائل العامة تأويل الحديث المذكور بما لا يخالف
أحاديث السبعة.
قال ابن رجب: وروى ابن أبي الدنيا عن ابن أبي ذؤيب قال: حدثني
من شهد عمر بن عبد العزيز وهو أمير المدينة، وقرأ عنده: (وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا) فبكى عمر حتى غلبه البكاء.
وعلا نشيجه، فقام من مجلسه، ودخل بيته، وتفرق الناس.
стр. 697
سورة الشعراء
وتسمى: الظلة.
مكية:
قال الجعبري، قال عبد الكريم: كلها.
فقوله تعالى: (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ) إلى آخرها. في كافرين تهاجياً، واتبع كلا فريق.
وقال ابن عباس ﵄: إلا أربع آيات نزلت بالمدينة:
(وَالشُّعَرَاءُ) إلى آخرها، في شعراء النبي ﷺ : زيد وكعب، وابن رواحة.
والظاهر: أن الثلاث في الكافرين. والأخيرة في المسلمين.
стр. 698
وقال أبو عمرو الداني: نزلن - أي الأربع الآيات - بالمدينة، في حسان
ابن ثابت، وكعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة، شعراء رسول
الله ﷺ ، ورضي الله عنهم.
وهذا الذي قاله أبو عمرو هو الظاهر، وأما زيد فلا أدري من هو.
عدد آياتا وما يشبه الفاصلة فيها
وآيها مائتان وست وعشرون في المدني الأخير. والمكي، والبصري وسبع
وعشرون في المدني الأول والكوفي والشامي.
اختلافها أربع آيات.
(طسم) عدها الكوفي وحده.
(فلسوف تعلمون) ، لم يعدها الكوفي، وعدها الباقون.
(أينما كنتم تعبدون) ، بعده: "من دون "، لم يعدها البصري
وعدها الباقون.
(ما تنزلت به الشياطين) لم يعدها المدني الأخير والمكي، وعدها
الباقون.
وفيها مما يشبه الفواصل، وليس معدوداً بإجماع، موضع واحد:
стр. 699
(فينا وليداً) .
وعكسه موضعان:
(معنا بني إسرائيل) ، (من عمرك سنين)
ورويها: ملن.
اللام: أر بع (إسرائيل) .
مقصودها
ومقصودها: أن هذا الكتاب بين في نفسه بإعجازه أنه من عند الله.
مبين لكل ملتبس.
ومن ذلك: بيان آخر التي قبلها، بتفصيله وتنزيله على أحوال الأمم
وتمثيله، وتسكين أسفه ﷺ خوفاً من أن يعم أمته الهوان بعدم الإيمان، وأن يشتد قصدهم لأتباعه بالأذى والعدوان، بما تفهمه "سوف" من طول الزمان، بالإشارة إلى إهلاك من علم منه دوام العصيان ورحمة من أراده للهداية والإحسان.
وتسميتها بالشعراء أدل دليل على ذلك، بما يفارق به القرآن الشعر من
علو مقامه، واستقامة مناهجه وعز مرامه، وصدق وعده ووعيده، وعدل
تبشيره وتهديده.
وكذا تسميتها بالظلة، إشارة إلى أنه أعدل في بيانه، وأدل في جميع
стр. 700
شأنه، من المقادير التي دلت عليه قصة شعيب ﵇، بالمكيال
والميزان، وأحرق من الظلة لمن يبارزه بالعصيان.
فضائلها
وأما فضائلها: فروى أحمد، وأبو يعلي الموصلي، في مسنديهما، عن
معقل ابن يسار ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ألا إني أعطيت سورة البقرة من الذكر الأول، وأعطيت طه والطواسين والحواميم من ألواح موسى، وأعطيت فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة من تحت العرش، وأعطيت المفصل نافلة.
стр. 701
وقد مضى مطولًا في سورة طه.
وروى الطبراني في المعجم الكبير عن ابن عباس ﵄ قال
الهيثمي: ورجاله وثقوا، إلا أن على بن أبي طلحة قيل: إنه لم يسمع من ابن
عباس ﵄ قال: إن رسول الله ﷺ كان يحرص أن يؤمن جميع الناس، ويتابعوه على الهدى، فأخبره الله أنه لا يؤمن إلا من سبق له من الله الشقاء في الذكر الأول، ثم قال الله لنبيه ﷺ : (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣) إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (٤) .
وروى أبو يعلي من طريق عبد الجبار بن عمر الأيلي، عن عبد الله
بن عطاء ابن إبراهيم - قال الهيثمي: وكلاهما قد وثق، وضعفهما
الجمهور - عن الزبير بن العوام ﵁ قال: لما نزلت: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) صاح رسول الله ﷺ على أبي قبيس: يا آل عبد مناف (إني نذير لكم) ، فجاءته قريش، فحذرهم وأنذرهم، قالوا: تزعم أنك نبي يوحي إليك، وأن سليمان سخر له الريح والجبال، وأن موسى سخر له البحر، وأن عيسى كان يحيى الموتى؟.
فادع الله أن يسير عنا هذه الجبال،
стр. 702
ويفجر لنا أنهاراً، فنتخذها محارث، فنزرع ونأكل، وإلا فادع الله فيحيي لنا موتانا فنكلمهم ويكلمونا، وإلا فادع الله أن يصير هذه الصخرة التي تحتك
ذهباً فننحت منها وتغنينا عن رحلة الشتاء والصيف فإنك تزعم أنك كهيئتهم، فبينا نحن حوله إذ نزل عليه الوحي، فلما سرى عنه قال: والذي نفسي بيده لقد أعطاني ما سألتم، ولو شئت لكان، ولكنه خيرني بين أن تدخلوا باب الرحمة فيؤمن مؤمنكم، وبين أن يكلكم إلى ما اخترتم لأنفسكم فتضلوا عن باب الرحمة ولا يؤمن مؤمنكم، فاخترت باب الرحمة فيؤمن مؤمنكم.
وأخبرني أنه إن أعطاكم ذلك ثم كفرتم، إنه معذبكم عذاباً لا يعذبه أحداً
من العالمين، فنزلت: (وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ) ، حتى قرأ ثلاث آياف ونزلت: (وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى) .
стр. 703
وقال أبو عبيد: حدثنا عبد الله بن صالح، عن الليث بن سعد عن
عبيد الله بن أبي جعفر، عن عاصم بن أبي بكر بن عبد العزيز بن مروان
قال: وفدت إلى سليمان بن عبد الملك ومعنا عمر بن عبد العزيز، فنزلت
على ابنه عبد الملك بن عمر وهو عزب، فكنت معه في بيت، فصلينا العشاء
وأوى كل رجل منا إلى فراشه، ثم قام عبد الملك إلى المصباح فأطفاه وأنا
أنظر إليه، ثم قام يصلي حتى ذهب بي النوم، فاستيقظت فإذا هو في هذه
الآية: (أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (٢٠٧) ..
فيبكي ثم يرجع إليها، فإذا فرغ منها فعل مثل
стр. 704
ذلك حتى قلت: سيقتله البكاء، فلما رأيت ذلك قلت: لا إله إلا الله والحمد لله كالمستيقظ من النوم، لأقطع ذلك عنه، فلما سمعني سكت، فلما أسمع له حساًه
وفي كتاب الاستغناء بالقرآن لابن رجب: وروى أبو نعيم عن عبد الله
بن رباح قال: كان صفوان بن محرز إذا قرأ هذه الآية: (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ) بكى، حتى أقول: قد اندق
قضيض زوره (١) .
стр. 705
سورة النمل
مكية كلها إجماعاً.
عدد آياتها وما يشبه الفاصلة فيها
وأيها تسعون وثلاث في الكوفي، وأربع في البصري والشامي، وخمس
في المدنيين والمكي.
اختلافها آيتان:
(وأولوا بأس شديد) ، عدها المدنيان والمكي، ولم يعدها الباقون.
(من قوارير) لم يعدها الكوفي وحده.