← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1405

أخذ المال على أعمال القرب

عادل شاهين

Полный текст (816 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

خامسًا: أنّه نقل الإجماع على ذلك؛ أعني: إجماع الصّحابة على جواز الاقتصار في صرف الزَّكاة على صنف واحد، وأنّه لا يجب استيعاب جميع الأصناف (١). وبناءً على ما تقدّم فلا يلزم إعطاء العامل على الزَّكاة منها، بل يجوز دفع الزَّكاة كلها للفقراء، وإعطاء العامل من بيت المال من سهم المصالح. ثالثًا: أدلة أصحاب القول الأوّل: استدل هؤلاء على ما ذهبوا إليه بما يأتي: الدّليل الأوّل: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا ...﴾ الآية [التوبة: ٦٠]. وجه الاستدلال: أن الله تعالى أخبر عن حق العامل على الزَّكاة أنّه من الزَّكاة، فيأخذه كاملًا منها، سواء أكانت أجرته أكثر من سهمه أم أقلّ؛ عملًا بظاهر النص (٢). الدّليل الثّاني: أن عمل العاملين على الصدقات يعود نفعه، ويرجع أثره على أهل الصدقات؛ لأنّه يعمل لهم، فكانت أجرته كاملة عليهم (٣). الترجيح: بالنظر فيما سبق من الأقوال، وما استدلوا به يظهر رجحان القول الأوّل، وهو أن العامل على الزَّكاة يأخذ حقه كاملًا من الزَّكاة: ثمنه، وما زاد على الثّمن - على ما سبق تفصيله - في محل النزاع. ويرجع سبب ترجيح هذا القول لما يأتي:

стр. 247

أولًا: قوة هذا القول دون ما عداه من الأقوال؛ وذلك لأنّه جاء على مقتضى النص القرآني الّذي جعل ما يستحقه العامل على الزَّكاة في الزَّكاة نفسها، لا في بيت المال. ثانيًا: أنّه أمكن مناقشة بقية الأقوال الأخرى بما أضعفها، وأوهن من حجيتها. ثالثًا: أن القول بجعل ذلك في بيت المال إنّما هو بالاجتهاد والرأي، وهو مبني على أن أجرة العامل قد تجحف بحق الأصناف الأخرى، وهذا لا يتأتى إِلَّا إذا كانت الأموال الزكوية قليلة جدًا بحيث يعجز سهم العاملين عن مبلغ أجرة العامل، وهذا نادر جدًا، والنادر لا حكم له، ولذا قال الشّافعيّ: "وقلما يكون أن يعجز سهم العاملين عن مبلغ أجرة العامل" (١). ولذا كان الأخذ بهذا القول هو الأرجح تمشيًا مع ظاهر النص. رابعًا: أن هذا القول فيه عدل، وإنصاف لكل الأصناف الزكوية، فإن العامل إذا كان سهمه أكثر من أجرته ردت الزيادة على بقية الأصناف، وهذا هو الغالب، فكان من العدل أنّه إذا عجز سهمه عن أجرته - وهذا نادر - أن يكمل له من سهام بقية الأصناف. ثمرة الخلاف: تظهر ثمرة الخلاف في هذه المسألة فيما يأتي: أوَّلًا: إذا استغرق ما يأخذه العامل كل الزكاة، أو معظمها فما الحكم؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأوّل: إنّه لا يزاد على نصف ما جمعه، فإذا كان أجر العامل يستغرق كلّ ما يجمعه، أو معظمه فإنّه لا يأخذ إلا النصف فقط؛ أي: نصف ما جمعه، وإلى هذا ذهب الحنفية (٢).

стр. 248

وعللوا ذلك: بأن التنصيف هو عين الإنصاف فلا يزاد على النصف (١). ويمكن مناقشة هذا التعليل: بأن هذا كلام لا دليل عليه؛ فإن للعامل أجرته على قدر جهده، وعمله، وإذا كانت أجرته تستغرق ما جمعه، أو أكثره فللإمام أن يعطيه من بيت المال، أو يعطيه أجرته كاملة ممّا جمعه، ويعطي الفقراء ونحوهم من بيت المال ما يكفيهم، أمّا أن ينقص أجر العامل بدون وجه فلا؛ لأنّ ما يأخذه أجرة، وعوض عن عمله، وجهده، لا على سبيل المواساة، فيأخذه كاملًا. القول الآخر: قالوا: إنَّ العامل يأخذ أجره كاملًا، وإن استغرق ذلك كل ما جمعه. وإلى هذا ذهب المالكية (٢). وعللوا ذلك: بأن ما يأخذه إنما هو أجرة عمله، فيأخذ أجرته كاملة، وإن استغرقت كل ما جمعه (٣). الترجيح: الذي يظهر أن الأمر في ذلك راجع للإمام، فإن للعامل أجره كاملًا؛ لأنه عوض عمله وجهده، فإن رأى الإمام إعطاءه الزكاة كلها، أو معظمها إن كانت قدر عمله، فله ذلك، ويعطي بقية الأصناف من بيت المال كفايتهم، وإن رأى إبقاء الزَّكاة لبقية الأصناف، وإعطاء العامل من بيت المال فعل؛ وذلك حسب ما تقتضيه المصلحة.

стр. 249

ولعلّ هذه الحالة هي الّتي ينزل عليها قول من قال: إنَّ ذلك راجع إلى اجتهاد الإمام، وكذا قول من قال: إنّه يكمل للعامل من بيت المال، أمّا إذا كانت هناك سعة، وكان سهم العامل يكفي أجرته، أو زيادة، فالترجيح هو ما قد سبق في أصل المسألة - والله أعلم -. ثانيًا: إذا تلف ما جمعه العامل من الصدقات في يده قبل توزيعه على مستحقيه، فهل يضمن ذلك؟ وهل يستحق أجرة أم لا؟ أمّا المسألة الأولى وهي مسألة الضمان فإننا نفرق فيها بين حالتين: الحالة الأولى: إذا كان التلف بسبب تفريط من العامل فإنّه في هذه الحالة يضمن ما تلف بيده، وليس له أجر على عمله. وعللوا ذلك: بأنّه متعدٍ بفعله، فيضمن ما تلف بيده، ويسقط أجره. وبهذا قال جمهور أهل العلم (١). الحالة الأخرى: إذا كان التلف وقع بغير تفريط من العامل فإن جمهور العلماء على أن العامل لا يضمن في هذه الحالة (٢). وقد عللوا ذلك بما يأتي: قالوا: إنَّ العامل في هذه الحالة أمين كالوكيل، وناظر مال اليتيم إذا تلف المال في يده بلا تفريط فلا يضمن (٣). وأمّا أجرته في هذه الحالة فقد اختلفوا في دفعها إليه على قولين:

стр. 250

القول الأول: إنه يستحق الأجرة، وتكون في بيت المال. وإليه ذهب جمهور العلماء من المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣). وقد عللوا ما ذهبوا إليه بما يأتي: ١ - قالوا: إنَّ العامل أجير، ولأن بيت المال معدّ لمصالح المسلمين، وهذا منها (٤). ٢ - أنّه استحق بعمله ما شرط له، فإذا تعذر دفعه من مال الزَّكاة وجب من بيت المال (٥). القول الآخر: إنَّ حقه يسقط، ولا يستحق شيئًا في هذه الحالة. وإلى هذا ذهب الحنفية (٦). وعللوا ذلك بما يأتي: أن نفقة العامل تسقط في هذه الحالة قياسًا على سقوط نفقة المضارب إذا هلك مال المضاربة بجامع أن كلًا من العامل، والمضارب تكون نفقته فيما تحت يده على سبيل الكفاية، فإن المضارب تكون نفقته في مال المضاربة، وكذلك العامل تكون نفقته في مال الزَّكاة الّذي يجمعه يأخذها على سبيل الكفاية، لا على سبيل الأجرة (٧). مناقشة الاستدلال: يمكن مناقشة هذا التعليل بما يأتي: أن هذا مبني على مذهب الحنفية في أن ما يأخذه العامل ليس أجرة عمله، وإنّما هو نفقته، أو رزقه، وهذا غير صحيح - كما سيأتي -؛ فالذي عليه جمهور أهل

стр. 251

هو نفقته، أو رزقه، وهذا غير صحيح -كما سيأتي -؛ فالذي عليه جمهور أهل العلم أن ما يأخذه العامل هو أجرة، وهو لم يفرط، وقد استحق بعمله الأجرة، سواء كانت قد شرطت له أم كان له أجر المثل، فإن تعذر دفعها من مال الزَّكاة لتلفه، أعطي أجرة عمله من بيت المال؛ لأنّ بيت المال معدّ لمصالح المسلمين، وهذا منها. الترجيح: من خلال عرض الأقوال والأدلة، ومناقشة ما استحق منها المناقشة يتبين رجحان ما ذهب إليه جمهور العلماء من أن أجرة العامل لا تسقط، وتكون في بيت المال؛ وذلك لقوة ما عللوا به، ولأنّه أمكن مناقشة ما ذهب إليه الحنفية.

стр. 252

المطلب الرّابع نوع ما يأخذه العاملون على الزَّكاة بعدما تقدّم من اتفاق العلماء على أن العامل يأخذ ما يستحقه على عمله على الصدقات، وأن ذلك ليس مقدرًا بالثّمن، بل له بقدر عمله، وإن جاوز ذلك ثمن الزَّكاة. بعد ذلك اختلف العلماء في ما يأخذه العامل من مال مقابل عمله؛ هل هو أجرة، أم رزق يأخذه على سبيل الكفاية؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأوّل: إنَّ ما يأخذه العامل هو أجرة. وإلى ذلك ذهب جمهور العلماء من المالكية (١)، والشّافعيّة (٢)، والحنابلة (٣).

стр. 253

القول الآخر: إنَّ ما يأخذه العامل إنّما هو رزق مقدَّر بالكفاية. وبه قال الحنفية (١). الأدلة والمناقشة: أوَّلًا: أدلة أصحاب القول الثّاني: الدّليل الأوّل: قياس العامل على القاضي والمقاتلة، فكما أن القاضي يأخذ رزقًا على عمله، فكذلك العامل، بجامع أن كلًا منهما قد فرغ نفسه للعمل لمصلحة المسلمين، فكل منهما قد انشغل بشيء من أعمال المسلمين ومصالحهم، فكانت كفاية كلّ منهما في مال من انشغل بعمله ومصلحته (٢). مناقشة الاستدلال: يمكن مناقشة هذا الدّليل بما يأتي: أن هذا قياس مع الفارق؛ فإن القاضي لما فرغ نفسه لمصلحة المسلمين، والقضاء بينهم كانت كفايته في بيت المال، وهذه الكفاية إنّما يأخذها على سبيل الإعانة على الطّاعة، لا على سبيل العوض والأجرة؛ فإن الأجرة على القضاء لا تجوز، وقد نُقل الإجماع على عدم الجواز (٣)، أمّا العامل فإنّه يأخذ ذلك على سبيل العوض في مقابل عمله، ولهذا جاز له أخذها مع الغنى؛ لأنّها أجرة عمله، بخلاف القاضي.

стр. 254

الدّليل الثّاني: القياس على الزوجة، فكما أن الزوجة لما عطلت نفسها لحق زوجها كانت نفقتها في مال زوجها، فكذلك العامل؛ لأنّه عطل نفسه لمصلحة الفقراء، فكانت كفايته في مالهم (١). ويمكن مناقشة هذا الاستدلال بما يأتي: أن هذا القياس لا يصح؛ لأنّه قياس مع الفارق، وهذا الفارق من جهتين: الأولى: أن الزوجة إنّما تستحق النفقة بسبب التمكين من نفسها، فلا تجب لها النفقة حتّى ينضم إلى عقد النِّكاح التمكين من الوطء؛ لأنّه المقصود بالعقد (٢). الأخرى: أن ما يأخذه العامل ليس لمجرد حبس نفسه لمصلحة الفقراء، وإنّما في مقابل جهده، وعمله فما يأخذه، إنّما يأخذه على وجه العوض، فهو أجرة عمله، وليس رزقًا (٣). ثانيًا: أدلة أصحاب القول الأوّل: استدل هؤلاء بما يأتي: الدّليل الأوّل: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ الآية [التوية: ٦٠]. وجه الاستدلال: قال ابن العربي مبينًا وجه الاستدلال من هذه الآية: "أن ما كان من فروض الكفايات فالقائم به يجوز له أخذ الأجرة عليه" (٤).

стр. 255

الدّليل الثّاني: عن عطاء بن يسار أن رسول الله ﷺ قال: "لا تحل الصَّدقة لغني إِلَّا لخمسة: لغازٍ في سبيل الله، أو لعامل عليها، أو لغارم، أو لرجل اشتراها بماله، أو لرجل كان له جار مسكين فتُصُدِّق على المسكين فأهداها المسكين للغني) (١). وجه الاستدلال: دل الحديث على حلّ الصَّدقة للعامل عليها، وإن كان من الأغنياء؛ وذلك لأنّ ما يأخذه من الصَّدقة إنّما هو أجرة على عمله لا لفقره إذا لو كان صدقة ما حلت له مع الغنى (٢). مناقشة الاستدلال: نوقش هذا الحديث بأنّه لا يصح؛ لأنّه مرسل، فقد رواه عطاء بن يسار (٣) عن النّبيّ ﷺ مباشرة، وعطاء تابعي. وعلى هذا فلا يصح الاحتجاج بهذا الحديث. الجواب عن هذه المناقشة: أجيب عن علة الإرسال بأن الحديث قد جاء موصولًا؛ فقد رواه أبو داود (٤)،

стр. 256

وابن ماجه (١)، عن عطاء، عن أبي سعيد الخدري، عن النّبيّ ﷺ فصح بذلك الحديث (٢). الدّليل الثّالث: عن بُسر بن سعيد، عن ابن الساعدي المالكي، أنّه قال: استعملني عمر بن الخطّاب ﵁ على الصَّدقة، فلما فرغت منها، وأديتها إليه أمر لي بعُمالة (٣)، فقلت: إنّما عملت لله، وأجري على الله؛ فقال: خذ ما أُعطيت، فإني عملت على عهد النّبيّ ﷺ فعملني، فقلت مثل قولك، فقال لي رسول الله ﷺ : "إذا أُعطيت شيئًا من غير أن تسأل فكُلْ وتصدَّق" (٤). وجه الاستدلال: أن النّبيّ ﷺ وخلفاءه من بعده قد جعلوا أجرة لمن يعمل على الزَّكاة بدليل قول عمر ﵁ في الحديث: "عملت ... فعملني ... " فلما عمل أعطاه النّبيّ ﷺ أجرة عمله (٥). الترجيح: بعد عرض أدلة كلّ فريق، وذكر ما ورد عليها من مناقشات، وما أجيب به عن هذه المناقشات يتبين رجحان القول الأوّل، وأن ما يأخذه العامل على الزَّكاة إنّما هو أجرة، وليس رزقًا؛ وذلك لما يأتي:

стр. 257

١ - قوة أدلة أصحاب القول الأوّل؛ حيث جاءت كلّ أدلتهم نقلية من الكتاب والسُّنَّة. ٢ - ضعف أدلة أصحاب القول الثّاني؛ حيث جاءت كلها أدلة عقلية أمكن مناقشتها بما يخرجها عن دلالتها. ٣ - أن ابن عبد البرّ قد نقل إجماع العلماء على أن ما يأخذه العامل إنّما هو أجرة عمله، وليس رزقًا (١). ثمرة الخلاف: يظهر للخلاف ثمرة في مسألتين: المسألة الأولى: هل يأخذ العامل على الزَّكاة منها إنَّ كان من ذوي القربى؟ والمراد بذوي القربى: إذا كان العامل من آل بيت النّبيّ ﷺ ، سواء أكان من بني هاشم أم من بني عبد المطلب. اتفق العلماء على أن ذوي القربى إذا استعملهم الإمام على الزَّكاة، وأعطاهم أجرتهم من غيرها فإن ذلك جائزلهم، ولا حرج في استعمالهم، ولا في إعطائهم (٢). أمّا إذا كان ما يأخذونه على عملهم من الزَّكاة فقد اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأوّل: لا يجوز إعطاء ذوي القربى على عملهم من الزَّكاة. وإلى هذا ذهب جمهور العلماء من الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشّافعيّة (٥)،

стр. 258

والحنابلة (١). القول الآخر: يجوز إعطاء ذوي القربى على عملهم في الزَّكاة منها. وإليه ذهب بعض الحنفية (٢)، والشّافعيّة (٣)، والحنابلة (٤). الأدلة والمناقشة: أوَّلًا: استدل من قال بالجواز بما يأتي: الدّليل الأوّل: أن النّبيّ ﷺ بعث عليًا إلى اليمن مصدقًا، وفرض له، ولو لم يحل للهاشمي لما فرض له (٥). مناقشة الاستدلال: يمكن مناقشة هذا الاستدلال بما يأتي: إنَّ عليًا بعثه النّبيّ ﷺ إلى اليمن قاضيًا، والقاضي إنّما يُعطى من بيت المال، لا من الصدقات، ومما يدلُّ على أنّه بعث عليًا قاضيًا ما رواه حنش (٦) عن علي ﵁ قال: (بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن قاضيًا ...) الحديث (٧).

стр. 259

الدّليل الثّاني: أن ما يأخذه العامل إنّما هو أجرة العمل، بدليل أنّها تحلّ للغني فيستوي فيها الهاشمي وغيره (١). مناقشة الاستدلال: نوقش هذا الاستدلال بما يأتي: أوَّلًا: أن ما يأخذه الهاشمي على عمله على الزَّكاة - وإن كان أجرة - فإنّه لا يحل؛ وذلك لأنّها وسخ الزكي، والهاشمي أشرف النَّاس، وأخذ الزَّكاة - ولو على سبيل الأجرة على العمل - لا يخرجها عن ذلك (٢). ثانيًا: أن القياس على الغنى لا يصح؛ لأنّه قد ورد النص بحلّها للعامل إذا كان غنيًا، بخلاف الهاشمي - كما سيأتي -. ثانيًا: أدلة من قال بعدم الجواز: استدلوا بما يأتي: الدّليل الأوّل: قوله ﷺ لعبد المطلب بن ربيعة، والفضل بن عبّاس ﵄ حين سألاه العمل على الصدقات حتّى يصيبوا منها كما يصيب النَّاس: (إنَّ هذه الصدقات إنّما هي أوساخ النَّاس، وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمدٍ) (٣). وجه الاستدلال: أن هذا نصّ صريح في تحريم الصدقات على ذوي القربى، وإن كانوا من العاملين عليها، فلا تجوز مخالفته (٤).

стр. 260

الدّليل الثّاني: عن أبي رافع (١): أن النّبيّ ﷺ بعث رجلًا على الصَّدقة من بني مخزوم، فقال لأبي رافع: اصحبني فإنك تصيب منها؛ قال: لا، حتّى آتي رسول الله ﷺ فأسأله. فانطلق إلى النّبيّ ﷺ ، فسأله، فقال: (إنَّ الصَّدقة لا تحل لنا، وإن موالي القوم من أنفسهم) (٢). وجه الاستدلال: حيث بيَّن النّبيّ ﷺ أن الزَّكاة لا تحل لآل محمّد، ولا لمواليهم؛ فدل على أنّه لا يجوز إعطاؤهم من الزَّكاة، ولو كان ذلك أجرة العمل عليها (٣). الترجيح: من خلال ذكر أدلة كلّ فريق، وما ورد عليها من مناقشات يتبين لنا بوضوح رجحان القول الأوّل. وعليه فلا يجوز استعمال أحد من آل البيت، ولا من مواليهم على الصدقات، ولو كان ما يأخذونه أجرة على عملهم. ومما يرجح هذا القول: أوَّلًا: قوته؛ حيث جاءت أدلته كلها نصية، صريحة الدلالة على ما نحن بصدده.

стр. 261

ثانيًا: ضعف ما استدل به أصحاب القول الثّاني من أدلة؛ لكونها تعليلات أمكن مناقشتها، وإخراجها عن دلالتها. المسألة الأخرى: هل يأخذ العامل على الزَّكاة منها، وإن كان غنيًا؟ لا خلاف بين العلماء في أنّه يجوز تولية العامل، وإن كان غنيًا، فلا يشترط فيه أن يكون فقيرًا (١). وعمدة هذا الاتفاق ما يأتي: أوَّلًا: حديث عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تحل الصَّدقة لغني إِلَّا لخمسة: لغاز في سبيل الله، أو لعامل عليها ...) (٢). فهذا نصّ صريح على أن العامل عليها يعطى من الزَّكاة، وإن كان غنيًا. ثانيًا: أن ما يأخذه العامل إنّما هو أجرة عمله، فهو يأخذه على سبيل العوض، لا على سبيل المواساة، فجاز له أخذه مع الغنى (٣). ثالثًا: أن الله تعالى جعل العامل عليها صنفًا غير الفقراء، والمساكين؛ فلا يشترط وجود معناهما فيه، كما لا يشترط معناه فيهما (٤). رابعًا: الإجماع: قال ابن عبد البرّ: "وقد أجمع العلماء على أن الصَّدقة تحل لمن عمل عليها، وإن كان غنيًا" (٥).

стр. 262

المطلب الخامس الهدية ونحوها للعاملين على الزَّكاة اتفق العلماء- رحمهم الله تعالى- على أنّه لا يجوز للعامل قبول هدية أرباب الأموال (١). والأدلة على تحريم الهدية على العاملين على الزَّكاة كثيرة، وصريحة، فمن تلك الأدلة: الدّليل الأوّل: ما رواه أبو حميد الساعدي؛ قال: "استعمل النّبيّ ﷺ رجلًا من بني أسدّ يقال له: ابن اللتبية (٢)، فلما قدم قال: هذا لكم، وهذا لي، أُهديَ لي؛ قال: فقام رسول الله ﷺ على المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، وقال: (ما بال العامل نبعثه، فيقول: هذا لكم، وهذا أهدي لي، أفلا قعد في بيت أبيه، أو في بيت أمه حتّى ينظر أيهدى إليه أم لا، والذي نفس محمّد بيده، لا ينال أحدٌ منكم منها شيئًا إِلَّا جاء به يوم القيامة يحمله على عنقه، بعير له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة

стр. 263

تيعر)، ثمّ رفع يديه حتّى رأينا عُفرتي إبطيه، ثمّ قال: (اللَّهُمَّ هل بلغت؟) مرتين (١). وجه الاستدلال: قال النووي: "وفي هذا الحديث بيان أن هدايا العمال حرام وغلول؛ لأنّه خان في ولايته، وأمانته، ولهذا ذكر في الحديث عقوبته، وحمله ما أهدي إليه يوم القيامة، كما ذكر مثله في الغالّ، وقد بيّن ﷺ في الحديث نفسه السبب في تحريم الهدية عليه، وأنّها بسبب الولاية، بخلاف الهدية لغير العامل، فإنها مستحبة" (٢). الدّليل الثّاني: عن أبي حميد الساعدي، أن رسول الله ﷺ قال: (هدايا العمال غلول) (٣).

стр. 264

وجه الاستدلال: حيث بيّن رسول الله ﷺ أن هدايا العمال الّتي يأخذونها من أرباب الأموال حرام وغلول؛ لأنّه بقبوله للهدية من أرباب الأموال قد خان في ولايته، وأمانته. الدّليل الثّالث: ما رواه بريدة (١)، عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: (من استعملناه على عمل، فرزقناه رزقًا، فما أخذ بعد ذلك فهو غلول) (٢). وجه الاستدلال: حيث بين رسول الله ﷺ أن ما أخذه العامل بعد رزقه، وأجرة عمله، حرام، وهذا يشمل الهدية، فكانت الهدية للعامل حرامًا لا يحل له أخذها. الدّليل الرّابع: أن حدوث الهدية عند حدوث الولاية يدلُّ على أنّها من أجلها ليتوسل بها إلى ميل العامل ومحاباته، ليخفف عن المهدي، ويسوغ له بعض الواجب عليه، وهذا خيانة، وبخس للحق الواجب عليه استيفاؤه لأهله (٣). تنبيه: استثنى بعض العلماء ثلاث حالات يجوز فيها للعامل أخذ الهدية: الحالة الأولى: إنَّ أذن له الإمام في أخذها.

стр. 265

وإلى هذا ذهب بعض أهل العلم (١). واستدلوا على ذلك بما يأتي: عن معاذ بن جبل ﵁ قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن، فلما سرت أرسل في أثري، فرددت، فقال: (أتدري لم بعثت إليك؟، لا تصيبن شيئًا بغير إذني، فإنّه غلول ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١]، لهذا دعوتك فامض لعملك) (٢). وجه الاستدلال: حيث دلّ الحديث على أن الإمام لو أذن للعامل في الهدية جاز له قبولها (٣). مناقشة الاستدلال: أوَّلًا: أن هذا الحديث ضعيف الإسناد؛ ففي سنده داود بن يزيد الأودي؛ قال الحافظ ابن حجر: ضعيف (٤). ثانيًا: يمكن مناقشة هذا الحديث بما يأتي: أن هذا الحديث محمول على ما شرطه له الإمام من أجر، فلا يأخذه حتّى يعطيه الإمام، أو يأذن له في الأخذ، فإن الإمام لا يأذن له إِلَّا فيما له فيه حق، فأمّا الهدية فقد جاءت النصوص الكثيرة لتحريمها كما تقدّم، فلا تدخل تحت الإذن؛ لأنّ النّبيّ ﷺ لا يأذن بالحرام.

стр. 266

الحالة الثّانية: إنَّ كان للمهدي عادة إهداء العامل قبل ولايته. وإلى هذا ذهب بعض المالكية (١)، وبعض الشّافعيّة (٢)، وبعض الحنابلة (٣). واستدلوا على ذلك بما يأتي: أنّه لما كان يهدي إليه قبل ولايته عُلم أن الهدية للعامل بعد الولاية لم تكن من أجل الولاية؛ لوجود سببها قبل الولاية، بدليل وجودها قبلها (٤). مناقشة الاستدلال: يمكن مناقشة هذا التعليل بما يأتي: أوَّلًا: أن هذا التعليل عليل؛ وذلك لمصادمته لنصوص التّحريم الكثيرة المتقدمة، حيث جاءت عامة فتحرم الهدية على العامل، سواء أكانت ممّن له عادة بإهدائه قبل الولاية أم لا. ثانيًا: أن الهدية قبل الولاية مستحبة، وبعد الولاية محرّمة، ولو صح التعليل لاستوى حكمها قبل الولاية وبعدها، وهذا لم يقل به أحد. بل قال أصحاب هذا القول: "يستحب للعامل في هذه الحالة التنزه عنها" (٥). الحالة الثّالثة والأخيرة: إنَّ كافأ العامل المهدي على هديته. فإن كافأه بقدر هديته، أو قريب من ذلك، أو أكثر، فله أن يأخذها، ويتمولها. وإليه ذهب بعض المالكية (٦)، ونص عليه الشّافعيّ رحمه الله تعالى (٧).

стр. 267

أدلة أصحاب هذا القول: لم أجد لهؤلاء دليلًا أو تعليلًا على ما ذهبوا إليه، إِلَّا أنّه يمكن الاستدلال لهم بما يأتي: أن مكافاة المهدي في هذه الحالة تؤدي إلى انتفاء المحذور من قبول الهدية، ألَّا وهو استمالة قلب العامل، وحمله على مجاملة أصحاب الأموال على حساب مصلحة أصحاب الزَّكاة؛ فإذا كافأه انتفى المحذور، وفي هذه الحالة يجوز له قبول الهدية. مناقشة الاستدلال: يناقش ذلك بأن القول بقبول الهدية بشرط الكافأة يفتح الباب لقبول الهدايا، والتلاعب في ذلك بما يعود ضرره على أصحاب الصدقات، فيجب إغلاق هذا الباب سدًا للذريعة، وقطعًا لدابر الفساد، والمفسدين، وقطع الطريق على النفوس المريضة.

стр. 268

المبحث الثّاني أخد المال على الصِّيام المطلب الأوّل أخد المال على الصِّيام عن العاجز المسألة الأولى: النِّيابة في الصوم عن العاجز: الفرع الأوّل: النِّيابة عن العاجز في الصوم الواجب: الصوم من أجل العبادات، وهو أحد أركان الإسلام العظام، وهو عبادة بدنية محضة، والأصل في كلّ عبادة بدنية أن يقوم العبد بأدائها بنفسه، امتثالًا لأمر الله تعالى، وأمر رسوله ﷺ ، وتحقيقًا لمقصود هذه العبادة، هو امتحان المكلَّف بكسرنفسه بفعلها، تحقيقًا لعبوديته الحقة لله رب العالمين، ولا يقوم النائب مقامه في ذلك. ومن أجل ذلك أجمع العلماء على أن الحي القادر على الصِّيام يجب عليه الصِّيام بنفسه، ولا يجزئ، ولا يجوز أن يقوم غيره مقامه في ذلك (١). وأمّا العاجز عن الصِّيام فلا يخلو عجزه من أحد أمرين: أوَّلًا: أن يكون عجزًا دائمًا . ومثاله: العجز الناشئ عن كبر سن، أو مرض دائم لا يُرجى برؤه، ونحوهما. فهؤلاء لا صيام عليهم بالإجماع، ولا تجب عليهم الإنابة في ذلك.

стр. 269

ثانيًا: أن يكون عجزًا مؤقتًا . كالعجز الناشئ بسبب السَّفر، أو المرض الطارئ، أو الحمل، أو الرضاع، ونحو ذلك. فهؤلاء يجب عليهم القضاء بعد زوال العذر المانع من الصوم، وليس لهم الإنابة، وكل ذلك لا خلاف فيه بين أهل العلم (١). الميِّت" (٢). هل خولف هذا الإجماع ؟ قال شيخ الإسلام ابن تيمية في اختياراته: "وإن تبرع إنسان بالصوم عمن لم يطقه لكبره، ونحوه، أو عن ميت، وهما معسران توجه جوازه؛ لأنّه أقرب إلى المماثلة من المال. وحكى القاضي في صوم النَّذْر في حياة الناذر نحو ذلك" (٣). قال النووي: "وأجمعوا على أنّه لا يصام عن أحد في حياته، وإنّما الخلاف في فيلحظ من خلال كلام شيخ الإسلام أنّه يجيز النِّيابة في الصوم عن الحي بشروط: الشرط الأوّل: أن يكون النائب متبرعًا، فإن كانت النِّيابة بعوض فلا تجوز.

стр. 270

الشرط الثّاني: أن يكون المنوب عنه عاجزًا عجزًا دائمًا، فإن كان عجزه مؤقتًا فلا تجوز النِّيابة عنه. الشرط الثّالث: أن يكون المنوب عنه معسرًا لا يقدر على الفدية، فإن كان قادرًا على الفدية فلا تجوز النِّيابة عنه. وقد علل شيخ الإسلام ذلك بقوله: "لأنّه أقرب إلى المماثلة من المال، ومعنى ذلك: أن صيام النائب في هذه الحالة أقرب إلى مماثلة الصِّيام الواجب على العاجز من مماثلة الفدية للصيام الواجب عليه، ولما كان صيام النائب في هذه الحالة أقرب إلى المماثلة من المال، أو الفدية توجه جوازه. وعلى هذا، فإن ما ذكره شيخ الإسلام، وما حكاه القاضي أبو يعلى يخالف حكاية الإجماع السابق في أنّه لا تجوز النِّيابة عن الحي، سواء أكان قادرًا أم عاجزًا. ولكن ما ذكره شيخ الإسلام يمكن مناقشته كما يلي: أوَّلًا: أن هذا يخالف ما اتفق عليه الأئمة الأربعة، بل ما أجمع عليه العلماء - على ما ذُكر سابقًا - من أن النِّيابة في الصوم عن الحي لا تجوز سواء أكان قادرًا أم عاجزًا على ما سبق تفصيله. ثانيًا: أن النصوص الدالة على جواز النِّيابة في الصوم إنّما جاءت في حق الميِّت - على خلاف في ذلك كما سيأتي -، ولم يردّ نصّ واحد يدلُّ على جواز النِّيابة عن الحي. ثالثًا: أن شيخ الإسلام ابن تيمية رغم وجود النصوص الكثيرة الدالة على جواز النِّيابة عن الميِّت في الصِّيام، ورغم صراحة بعضها- كما سيأتي- لم يأخذ بها إِلَّا في النَّذْر خاصّة (١) - كما سيأتي -، فإن كانت النِّيابة عن الميِّت في الصوم لا تجوز عنده، فعدم الجواز عن الحي أولى.

стр. 271

الفرع الثّاني: النِّيابة عن العاجز في صوم التطوع: اتفق العلماء على أنّه لا تجوز النِّيابة عن الحي في الصوم مطلقًا، سواء أكان صومًا واجبًا، أم صومَ تطوعٍ، وقد سبق نقل الإجماع على ذلك. أمّا الصوم الواجب فقد تقدّم الكلام فيه، وأنّه لم يخالف أحد في ذلك إِلَّا ما نقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية، وتقدم الكلام على ذلك أيضًا. وأمّا صوم التطوع فقد شمله إجماع العلماء على عدم جواز النِّيابة فيه، إِلَّا أن الإمام ابن حزم خالف في ذلك، وذهب إلى جواز النِّيابة عن الغير في صوم التطوع، وأخذ الأجرة على ذلك (١). وقد تقدّم نقل كلامه في مبحث النِّيابة في الصّلاة عن الغير، وذكر ما علل به، ومناقشته بما يغني عن الإعادة (٢). المسألة الثّانية: أخذ المال على الصوم الواجب عن العاجز هذه المسألة مبنية على مسألة النِّيابة عن العاجز في الصوم الواجب، وقد تقدّم نقل الإجماع على عدم جواز ذلك. وبناءً على ذلك فقد أجمع العلماء على عدم صحة الإجارة على صوم الفرض

стр. 272

عن الحي العاجز (١). وأمّا ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية من تجويز النِّيابة عن العاجز عجزًا دائمًا، فإنّه ﵀ قد نصّ على أن يكون النائب متبرعًا؛ وعليه فإنّه في مسألة الأجرة يوافق قول جماهير العلماء، وبهذا تتفق كلمة العلماء على عدم جواز الإجارة في الصِّيام الواجب عن الحي (٢). ومن الأدلة على ذلك: أوَّلًا: أن الصوم عبادة بدنية محضة، القصد منها امتحان المكلَّف، وإتعاب بدنه، وقهر نفسه الأمارة بالسوء، ولا يحصل ذلك بفعل النائب؛ فلا يجوز الاستئجار عليه (٣). ثانيًا: أن الأجر يكون عِوض الانتفاع، ولم يحصل لغيره ههنا انتفاع، فأشبه إجارة الأعيان الّتي لا نفع فيها، فالمنفعة في الصوم حاصلة للأجير لا للمستأجر، فلا يجوز الاستئجار على الصوم (٤). ثالثًا: الإجماع على عدم جواز النِّيابة عن العاجز في الصوم الواجب، وإذا كانت النِّيابة لا تجوز، فلا تجوز الإجارة في ذلك؛ لأنّ جواز الإجارة فرع عن صحة

стр. 273

النِّيابة (١). رابعًا: أن الصِّيام عن الغير قربة، والقربة، متى وقعت كانت للعامل، فلا يجوز له أخذ الأجر على عمل وقع له، كالصلاة (٢). المسألة الثّالثة: أخد المال على صوم التطوع عن العاجز: سبق نقل اتفاق العلماء على عدم جواز النِّيابة في صوم التطوع عن العاجز. ومآخذ العلماء في عدم جواز النِّيابة في صوم التطوع عن العاجز هي مآخذهم نفسها فيما يتعلّق بالنيابة في الصوم الواجب، وقد تقدّم ذكر إجماعهم، وما استدلوا به على هذا الإجماع. - خالف في ذلك الإمام ابن حزم؛ فقد أجاز أخذ الأجرة على صوم التطوع عن العاجز. قال ابن حزم: "وجائز للمرء أن يأخذ الأجرة على فعل ذلك عن غيره مثل أن يحج عنه التطوع، أو يصلّي عند التطوع، أو يؤذن عنه التطوع، أو يصوم عنه التطوع ... " (٣). وقد علل ابن حزم لرأيه بما يأتي: أن صيام التطوع ليس واجبًا، لا على الأجير، ولا على المستأجر، فالعامل يؤدِّي هذا العمل عن غيره، فليس في عمله هذا طاعة ولا معصية، وأمّا المستأجر فإنّه ينفق ماله في ذلك تطوعًا لله تعالى، فله أجر ما اكتسب بماله (٤). وقد سبقت مناقشة هذا التعليل في مبحث الصّلاة، وما قيل في الصّلاة يقال في الصِّيام؛ إذ كلّ منهما عبادة بدنية محضة لا تجرى النِّيابة فيهما حال الحياة بإجماع العلماء (٥).

стр. 274

المطلب الثّاني أخذ المال على الصِّيام عن الميِّت المسألة الأولى: النِّيابة في الصوم عن الميِّت: الفرع الأوّل: تحرير محل النزاع إذا مات المسلم، وقد وجب عليه صومٌ، سواء أكان صومًا من رمضان (١)، أم من نذر، أم من كفارة، فله حالتان: الحالة الأولى: أن يموت قبل تمكنه من قضاء ما وجب عليه من صوم، إمّا بسبب ضيق الوقت، وإما لقيام العذر من مرض، أو سفر، أو حيض، أو نفاس، ونحو ذلك. ففي هذه الحالة لا شيء عليه، وتبرأ ذمته ممّا وجب عليه، ومن ثمّ فإنّه لا يصام عنه، ولا يطعم. وهذا قول جمهور أهل العلم، في المذاهب الأربعة، وغيرهم (٢).

стр. 275

واستدل الجمهور على ما ذهبوا إليه بما يأتي: أوَّلًا: قالوا في تعليل ذلك: إنّه فرض لم يتمكن منه إلى الموت فسقط، حكمه كالحج (١). قال ابن قدامة: "ولنا: أنّه حق لله تعالى، وجب بالشرع، مات من يجب عليه قبل إمكان فعله، فسقط إلى غير بدل كالحج (٢). ثانيًا: قالوا: إنَّ وقت أداء الصوم في حقه عدة من أيّام أخر بالنص، ولم يدركه؛ فلا يجب عليه شيء (٣). ثالثًا: أن المرض لما كان عذرًا في إسقاط أداء الصوم في وقته لدفع الحرج، فلأن يكون عذرًا في إسقاط القضاء أولى (٤). خالف أبو الخطّاب من الحنابلة فيما يتعلّق بالصوم عنه في هذه الحالة، فقال: "يحتمل أن يجب الصوم عنه، أو التكفير" (٥). وخالف في الإطعام طاووس (٦)، وقتادة (٧)، وشيخ الإسلام ابن تيمية؛ فقالوا: يجب الإطعام عنه، وعللوا ما ذهبوا إليه بما يأتي:

стр. 276

إنَّ الصِّيام يجب على المكلَّف قضاؤه، فإذا سقط القضاء بالعجز عنه، وجب البدل، وهو الإطعام قياسًا على الشّيخ الهرم إذا عجز عن الصوم، فإنّه يلزمه الإطعام (١). وأجيب عن ذلك: بأنّه قياس مع الفارق؛ فإن الشّيخ الهرم حيٌّ من أهل التكليف، وقد توجه إليه الإطعام ابتداء عوضًا عن الصوم، فذمته مشغولة به، بخلاف الميِّت، فلا يجوز ابتداء الوجوب عليه (٢). الحالة الأخرى: إذا مات بعد تمكنه من قضاء ما وجب عليه من صيام، ولكنه فرط في القضاء حتّى مات (٣). في هذه الحالة، اختلفت أقوال العلماء، وتباينت تباينًا شديدًا؛ فمن قائل بوجوب الصوم عنه، ومن قائل بالاستحباب مطلقًا، ومن قائل بالمنع من الصِّيام عنه مطلقًا، ومن قائل باستحباب ذلك في النَّذْر دون غيره، وكل ذلك يأتي بيانه في الفرع الثّاني - إن شاء الله تعالى -. الفرع الثّاني: حكم النِّيابة في الصوم عن الميِّت: إذا مات السلم بعد تمكنه من قضاء ما وجب عليه من الصِّيام - سواء أكان هذا الصِّيام من رمضان، أم كان نذرًا، أم كفارة - فهل تجوز النِّيابة عنه في قضاء ما وجب عليه أم لا؟

стр. 277

وإذا قلنا بجواز النِّيابة، فهل يكون ذلك على سبيل الاستحباب أم على سبيل الوجوب؟ اختلف أهل العلم في ذلك على أقوال أهمها أربعة أقوال: * القول الأوّل: تجوز النِّيابة عن الميِّت في قضاء ما وجب عليه من صوم واجب سواء أكان صومًا من رمضان، أم من نذر، أم من كفارة؛ وذلك على سبيل الاستحباب. وإلى هذا ذهب طاووس، والحسن البصري (١)، والزهري (٢)، وقتادة، وأبو ثور (٣). في قول، والشّافعيّ في القديم من مذهبه، هو الصحيح المختار عند المحققين من الشّافعيّة (٤)؛ قال النووي بعد أن ذكر أن في المذهب قولين: " ... والثّاني: يستحب لوليه أن يصوم عنه، ويصح صومه عنه، ويبرأ به الميِّت، ولا يحتاج إلى إطعام عنه، وهذا القول هو الصحيح المختار الّذي نعتقده، وهو الّذي صححه

стр. 278

محققو أصحابنا الجامعون بين الفقه والحديث ... " (١). وهذا القول هو رواية عند الحنابلة (٢). * القول الثّاني: يجب قضاء ما على الميِّت من صيام، سواء أكان صوم فرض من قضاء رمضان، أم نذر، أم كفارة واجبة، وسواء أوصى به الميِّت أم لا. وإلى هذا ذهب الظاهرية (٣). قال ابن حزم: "ومن مات وعليه صوم فرض من قضاء رمضان، أو نذر، أو كفارة واجبة، ففرض على أوليائه أن يصوموه عنه هم أو بعضهم، ولا إطعام في ذلك أصلًا، أوصى به أو لم يوص به، فإن لم يكن له ولي استؤجر عنه من رأس ماله من يصومه عنه، ولا بدّ، أوصى بكل ذلك، أو لم يوص، وهو مقدم على ديون النَّاس" (٤). * القول الثّالث: تصح النِّيابة عن الميِّت في قضاء ما وجب عليه من صوم النَّذْر فقط دون غيره من أنواع الصِّيام الواجب، وذلك على سبيل الاستحباب. وإلى هذا ذهب أحمد في المنصوص عنه (٥)، وهو الصحيح من المذهب عند الحنابلة (٦).

стр. 279

وقال به من السلف: ابن عبّاس ﵄، والليث بن سعد (١)، وأبو عبيد (٢)، واسحاق، وأبو ثور في قول آخر عنه (٣)، وهو اختيار شيخ الإسلام (٤) ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم (٥). القول الرّابع: لا تصح النِّيابة عن الميِّت في الصوم مطلقًا، سواء أكان صومًا من رمضان، أم من نذر، أم من كفارة. وإلى هذا ذهب الحنفية (٦)، والمالكية (٧)، والشّافعيّة في الجديد (٨)،

стр. 280

وهو اختيار ابن عقيل (١) من الحنابلة (٢). سبب الخلاف بين الفقهاء: يرجع سبب خلاف الفقهاء في هذه المسألة إلى ثلاثة أمور: الأمر الأوّل: تعارض الروايات في الظّاهر، وأعني: الروايات الدالة على جواز النِّيابة مع الروايات الدالة على عدم الجواز على ما سيأتي بيانه. الأمر الثّاني: أن الصّحابة الذين رووا الأحاديث الّتي تدل على جواز النِّيابة قد روي عنهم الإفتاء بخلاف ذلك؛ كابن عبّاس ﵄، وأم المؤمنين عائشة ﵂، وسيأتي تفصيل ذلك. الأمر الثّالث: معارضة القياس للأثر؛ فالقياس يقتضي ألَّا يصوم أحد عن أحد كالصلاة، وجاءت أحاديث تدل على جواز النِّيابة في الصوم، وهي كثيرة، فمن أخذ بالقياس منع، ومن أخذ بالنصوص أجاز على تفصيل في ذلك يأتي بيانه (٣). الأدلة والمناقشات: أوَّلًا: أدلة أصحاب القول الرّابع: وهؤلاء هم القائلون بالمنع من النِّيابة في الصوم عن الميِّت مطلقًا، وقد استدلوا بأدلة من القرآن، والسُّنَّة، والأثر، والمعقول.

стр. 281

أ - الأدلة من القرآن: الدّليل الأوّل: قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]. وجه الاستدلال: قالوا: دلت هذه الآية بعمومها على أن الإنسان ليس له إِلَّا سعيه، وعمله، ولا ينفعه سعي وعمل غيره؛ وعليه فإن صام عنه وليه، أو غيره فإن ذلك لا ينفعه (١). مناقشة الاستدلال: نوقش هذا الاستدلال بأن الآية مخصوصة بنصوص كثيرة، وقد تقدّم ذكر هذه النصوص، وما ورد عليها من اعتراضات، وما أجيب به عن هذه الاعتراضات، فأغنى ذلك عن الإعادة (٢). ولهؤلاء عمومات أخرى في معنى هذه الآية مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [النجم: ٣٨]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٦٤]. ووجه الاستدلال من هذه الآيات واحد، ويقال في مناقشتها ما قيل في الآية الَّتي قبلها (٣). ب - الأدلة من السُّنَّة: الدّليل الأوّل: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله، إِلَّا من ثلاث: إِلَّا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) (٤).

стр. 282

وجه الدلادلة: دل الحديث بظاهره على أن عمل المسلم ينقطع بموته، إِلَّا هذه الأشياء المستثناة، وليس منها قضاء الصِّيام عنه، فدلّ على عدم جواز النِّيابة عن الميِّت في الصِّيام. مناقشة الاستدلال: نوقش هذا الاستدلال: بأن غاية ما يدلُّ عليه هو انقطاع عمل الإنسان نفسه، إِلَّا من هذه الأمور الثّلاثة، أمّا عمل غيره عنه فلا ذكر له في الحديث، ولا أنّه ينقطع كذلك بموت الإنسان (١). فإن قيل: إنّه إذا انقطع عمل المرء نفسه، وإنه لا ينتفع بشيء من عمله إِلَّا بما استثنى فلأن ينقطع عنه عمل غيره أولى. ويجاب عن ذلك: بأن هذا الاعتراض منقوض بالدعاء، والصدقة، والحج، ونحو ذلك ممّا يصل الإنسان بعد موته من غيره (٢). الدّليل الثّاني: عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (من مات وعليه صيام شهر، فليطعم مكان كلّ يوم مسكينًا) (٣).

стр. 283

وجه الاستدلال: دلّ الحديث بظاهره على أن من مات وعليه صيام أنّه يطعم عنه؛ فلو كانت النِّيابة جائزة لذكرها النّبيّ، فلما ذكر الإطعام، ولم يذكر الصِّيام عنه دل ذلك على عدم جوازه، وهو نصّ في المسألة. وهذا الحديث محمول على الصوم الواجب فقط عند أصحاب القول الثّالث، فإنّه يطعم عنه، أمّا صوم النَّذْر فإنّه ينوب عنه في صومه كما سيأتي. مناقشة الاستدلال: أوَّلًا: إنَّ هذا الحديث ضعيف سندًا؛ ففي سنده أشعث بن سوار (١)، ومحمد ابن عبد الرّحمن بن أبي ليلى (٢)، وهما ضعيفان (٣).

стр. 284

ثانيًا: إنّه لا يصح رفعه إلى النّبيّ ﷺ ، بل هو موقوف على ابن عمر ﵄ (١). الدّليل الثّالث: عن عبادة بن نُسي (٢)؛ قال: قال النّبيّ ﷺ : (من مرض في رمضان، فلم يزل مريضًا حتّى مات، لم يطعم عنه، وإن صحَّ فلم يقضِه حتّى مات أطعم عنه) (٣). وجه الاستدلال: حيث نصّ الحديث على الإطعام عن الميِّت دون الصِّيام عنه؛ فدل على عدم جوازه. قال ابن حزم (٤): "وأمّا حديث عبد الرزّاق فلا تحل روايته إِلَّا على سبيل بيان فسادها؛ لعلّل ثلاث فيه: إحداها: أنّه مرسل (٥).

стр. 285

والثّانية: أن فيه الحجاج بن أرطاة، وهو ساقط (١). والثالثة: أن فيه إبراهيم بن يحيى، وهو كذاب (٢). وعليه، فإن هذا الحديث لا يصح الاستدلال به لهذه العلل. جـ- الأدلة من الأثر: الدّليل الأوّل: ما ورد عن ابن عبّاس ﵄ أنّه قال: (لا يصلّي أحد عن أحد، ولا يصوم أحد عن أحد، ولكن يطعم عنه مكان كلّ يوم مدًا من حنطة) (٣). وقد سبق ذكر وجه الاستدلال، وما ورد عليه من مناقشات، وما أجيب به في مبحث النيابة في الصّلاة، فأغنى عن الإعادة (٤). الدّليل الثّاني: ما ورد عن ابن عمر ﵄ أنّه قال: (لا يصلّين أحد عن أحد، ولا يصوم أحد عن أحد، ولكن إنَّ كنت فاعلًا، تصدقت عنه أو أهديت) (٥).
следующие страницы →