← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1405

أخذ المال على أعمال القرب

عادل شاهين

Полный текст (816 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

أوَّلًا: قياس الإمام في الصّلاة على الرسول ﷺ قياس مع الفارق؛ لأنّ الرسول ﷺ هو المبلغ عن ربه، وهو الّذي جاءنا بالحقال في هو دين الإسلام، وعدم أخذه الأجرة على ذلك إنّما هو خاص به ﷺ بنص الآية. ثانيًا: أن العلماء متفقون غلى جواز الرزق على الإمامة، والرسول ﷺ ما كان يأخذ رزقًا عليها، فدلّ ذلك على أن هناك فرقًا بين الرسول ﷺ وبين خلفائه على إمامة الصّلاة ونحوها من الأعمال الدينية. ثالثًا: ثمّ إنَّ الآية خطاب لغير المسلمين؛ فهي لشركي قريش ونحوهم، والضمير في قوله تعالى (عليه) يراد به تبليغ دعوة التّوحيد الّتي هي دين الإسلام لهؤلاء المشركين (١). رابعًا: إننا منعنا أخذ الأجرة على الإمامة، ولم نجوزها إِلَّا عند الضّرورة والحاجة. الدّليل الثّاني: قالوا: إنَّ الإمام عمله لله تعالى، والله تعالى يثيبه على هذه الطّاعة، فنفع عمله لنفسه، فلا يصير مسلمًا إلى المستأجر، وعليه فلا يستحق الأجر عليه (٢)، قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾ [فصلت: ٤٦]. مناقشة الاستدلال: نوقش هذا الاستدلال بما يأتي: ١ - نسلم لكم بأن نفع عمل الإمام له، ولكن المراد بهذا النفع هو الثّواب، لا الأجرة، بدليل قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾، والثواب غير أخذ الأجرة

стр. 212

فافترقا ثمّ إنَّ نفع عمل الإمام يرجع إلى المأموم لأنّه بالإمامة يحصل ثواب الجماعة، وهذا نفع يرجع إليه بسبب عمل الإمام وهو الإمامه، وعليه فإن الإمام يستحق الأجرة على عمله. ٢ - إنَّ الأجرة المأخوذة على الإمامة ليست على ذات الإمامة، ولكنها في مقابل الالتزام في المكان المعين (١). الدّليل الثّالث: إنَّ القربة متى حصلت، وقعت عن العامل، ولهذا تعتبر أهليته، فلا يجوز له أخذ الأجرة من غيره، كما في الصوم، والصلاة (٢). مناقشة الاستدلال: يمكن مناقشة هذا الدّليل بما يأتي: ١ - إنَّ المراد بالقربة هنا حصول الثّواب، وكلامنا هنا عن الأجرة؛ فافترقا. ٢ - إنَّ القياس على الصوم والصلاة قياس مع الفارق؛ فالإمامة لا تتعين عليه، وينتفع بها المأمومون، بخلاف الصوم والصلاة فإنهما يتعينان عليه ولا يتعدى نفعهما غيره. الدّليل الرّابع: إنَّ من شرط الإمامة في الصّلاة كونها قربة إلى الله تعالى، فلم يجز أخذ الأجر عليها، كما لو استأجر قومًا يصلون خلفه الجمعة، أو التراويح (٣). الدّليل الخامس: إنَّ هذه الأعمال يختص فاعلها أن يكون من أهل القربة؛ إذ إنها تصح من المسلم دون الكافر، فلا يجوز إيقاعها إِلَّا على وجه التقرب إلى الله تعالى، وإذا فعلت بعروض لم يكن فيها أجر بالاتفاق؛ لأنّ الله تعالى إنّما ياقبل من العمل ما أريد به وجهه لا ما فعل لأجل عروض الدنيا (٤).

стр. 213

رابعًا: أدلة أصحاب القول الأوَّل: وهم القائلون يحواز الأجرة على الإمامة في الصّلاة للضرورة والحاجة، فإن كانت هناك ضرورة أو حاجة وإلا فلا يجوز ذلك. وأدلة هؤلاء تنقسم قسمين كما سبق بيانه في مبحث الأذان: القسم الأوّل: ما يتعلّق بعدم الجواز في الأصل. وأدلتهم على ذلك هي أدلة أصحاب القول الثّاني نفسها، وقد تقدمت مفصلة (١). القسم الآخر: ما عللوا به على جواز الاستئجار على الإمامة للضرورة والحاجة. وهذه التعليلات هي التعليلات نفسها الَّتي عللوا بها على جواز الاستئجار على الأذان للضرورة، والحاجة، وحاصلها: هو ظهور التواني في الأمور الدينية، وكسل النَّاس في الاحتساب، فلو امتنع الجواز تعطلت المساجد، وضاعت صلاة الجماعة، وهذا خلاف ما أمر به الشارع. وحينئذ يجوز للإمام أخذ الأجرة على إمامته، فإذا فعلها لله تعالى، وأخذ الأجرة لحاجته إليها، ويستعين بها على العبادة، لأنّ الكسب على العيال واجب، فالله تعالى يأجره على نيته، ويكون قد أكل طيبًا، وعمل صالحًا؛ لأنّه جمع بين عبادتين، وهما الإمامة، والسعي على العيال، وإنّما الأعمال بالنيات (٢).

стр. 214

الترجيح: بالنظر فيما سبق من أدلة وما ورد عليها من مناقشات، والجواب عنها، يظهر رجحان القول الأوّل، وهو أنّه لا يجوز أخذ الأجرة على الإمامة في الصّلاة إِلَّا للضرورة والحاجة، وهو ما رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية، واختاره له مذهبًا، وذكر أنّه أقوى الأقوال، وأقربها إلى الصواب (١)؛ ويعود سبب رجحان هذا القول لما يأتي: ١ - قوة ما استدلوا به من النقول، والمعقول؛ فحديث عثمان بن أبي العاص دلالته قوية في ذلك، وبيان ذلك أن النّبيّ ﷺ لما نهى عن اتخاذ المؤذن الّذي يأخذ أجرة على أذانه دلّ ذلك على أن الإمامة لا يؤخذ عليها الأجر من باب أولى؛ وذلك لكونها أدخل في باب القربة من الأذان، وأشدّ تعلّقًا بذمة المكلَّف من الأذان (٢). ٢ - إنَّ ما استدل به أصحاب الأقوال الأخرى عبارة عن تعليلات عقلية أمكن مناقشتها، والردّ عليها. ٣ - إنَّ هذا القول أقرب إلى مقاصد الشّريعة ومصالحها؛ لأنّ فيه المحافظة على الدِّين من جهة إقامة صلاة الجماعة، وإحياء المساجد، فإن القول بالمنع مطلقًا يترتب عليه إضاعة صلاة الجماعة، وتعطّل المساجد، وهذا لا يخفى فساده. ٤ - إنَّ هذا القول أعدل الأقوال؛ لتوسطه بين المانعين مطلقًا، والمجوزين مطلقًا، فإن القول بمنع الاستئجار على الإمامة مطلقًا يوقع في الحرج، والضيق، والمشقة على المسلمين. والقول بالجواز مطلقًا ينافي قصد القربة إلى الله، وإخلاص العمل له، وبخاصة إذا لم يقصد العمل إِلَّا للأجرة، وأمّا إذا قصد العمل لله، وللأجرة فإن ذلك فيه ما

стр. 215

فيه؛ قال ابن القيم ﵀ (١): "كمن يصلّي بالأجرة فهو لو لم يأخذ الأجرة صلّى، ولكنه يصلّي لله وللأجرة فهذا لا يقبل منه العمل، كان وإنت النية شرطًا في سقوط الفرض وجب عليه الإعادة، فإن حقيقة الإخلاص الّتي هي شرط في صحة العمل والثواب عليه لم توجد، والحكم المعلق بالشرط عَدَم عند عَدَمه؛ فإن الإخلاص هو تجريد القصد طاعة للمعبود، ولم يؤمر إِلَّا بهذا، فإذا كان هذا هو المأمور به فلم يأت به بقي في عهدة الأمر. وقد دلت السُّنَّة الصريحة على ذلك كما في قوله ﷺ : (يقوك الله يوم القيامة: أنا أغنى الشركاء عن الشرك؛ فمن عمل عملًا أشْرَك فيه غيري فهو كله للذي أشرك به) (٢). وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]. ثانيًا: أخذ المال على الخطابة (٣): ونلحظ أن بعض العلماء ألحقها بالإمامة في الحكم (٤)، وبعضهم

стр. 216

ألحقها بالأذان (١). وعلى كلّ حال، فالحكم فيهما واحد؛ إِلَّا أنّها بالإمامة ألصق، وأبيق، حيث إنها من عمل الإمام، وتابعة للصلاة، سواء كلان ذلك في خُطبة الجمعة أم غيرها؛ إذ هي في صلاة الجمعة شرط لصحة الجمعة (٢)، وفي غيرها سنة تبعًا للصلاة؛ كما في العيدين، والكسوف، والاستسقاء (٣). قال ابن قدامة: "والسُّنَّة أن يتولى الصّلاة من يتولى الخطبة؛ لأنّ النّبيّ ﷺ كان يتولاهما بنفسه، وكذلك خلفاؤه من بعده" (٤). فدلّ ذلك على أنّها من عمل الإمام في الصّلاة؛ وعليه فحكمها حكم الإمامة - والله أعلم-.

стр. 217

المبحث الرّابع أخذ المال على عمارة المساجد وصيانتها بناء المساجد، وصيانتها، والقيام على شؤونها من أعظم القرب إلى الله تعالى، وقد دلّ كتاب، والسُّنَّة، وإجماع الأُمَّة على ذلك. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة: ١٨]. وقال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ...﴾ [النور: ٣٦]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ١١٤]. وعمارة المساجد إنّما تكون ببنائها، والقيام عليها، وتكون بالعبادة، وإقامة الصّلاة، والإيمان، وذكر الله تعالى فيها (١). وباني المسجد يتقرب إلى الله تعالى ببنائه؛ فهو يعمره طاعة لله تعالى، ففي هذه الآيات الكريمات أمر الحق ﵎ بعمارة المساجد، وأن تطهر من الدنس، واللغو، والأقوال، والأفعال الّتي لا تليق بها (٢). وقد جاءت نصوص كثيرة من السُّنَّة النبوية المطهرة، تحض على بناء المساجد، والعناية بها، والقيام على شؤونها، بالتنظيف، والتطييب، ونحو ذلك من مظاهر العناية بالمسجد، ومن أدلة ذلك:

стр. 218

الدّليل الأوّل: ما روته عائشة ﵂؛ قالت: (أمر رسول الله ﷺ ببناء المساجد في الدور (١)، وأن تنظف، وتطيب) (٢). وهذا الحديث في ظاهره يدلُّ على وجوب بناء المساجد. الدّليل الثّاني: ما رواه عثمان بن عفان ﵁؛ قال: إنِّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من بنى لله مسجدًا يبتغي به وجه الله بنى الله له بيتًا في الجنَّة) (٣). وفي رواية: (بنى الله له مثله في الجنَّة) (٤). وقد اتفق العلماء على أنّه يسن كنس المسجد، وتنظيفه، وإزالة ما يرى فيه من قذر، أو وسخ، وأن يُطيَّب (٥)، وأوجب بعض العلماء ذلك (٦).

стр. 219

كما اتفق العلماء على مشروعة بناء المساجد، وعمارتها، وتعهدها، وإصلاح ماتشعَّثَ منها (١). هذا ما يتعلّق بفضل بناء المساجد، وتنظيفها، والقيام عليها بما يصلح من شأنّها، ويرفع من قدرها. أمّا ما يتعلّق بأخذ الأجرة على بنائها، وصيانتها فلا خلاف بين الفقهاء في جواز أخذ الأجرة على ذلك. فقد اتفق الفقهاء ﵏ على جواز الاستئجار على بناء المساجد، وعلى القيام عليها بالتنظيف، والتطييب، ونحو ذلك ممّا يلزم لها (٢). وقد استدل الفقهاء على ذلك بما يأتي: الدّليل الأوّل: قالوا: إنَّ بناء المساجد، وصيانتها ليس كلّ منهما بفرض، ولا واجب على الأجير قبل الإجارة، فجاز الاستئجار عليها (٣). ومعنى ذلك أن بناء المساجد، وصيانتها عمل لا يلزم الأجير فعله في الأصل، والإجارة على ما لا يلزم الأجير فعله جائزة (٤). الدّليل الثّاني: قالوا: إنَّ بناء المساجد، وصيانتها لا يختصان أن يكون فاعلهما من أهل القربة، وما لا يختص أن يكون فاعله من أهل القربة جاز الاستئجار عليه (٥).

стр. 220

وبيان ذلك: أن هذا العمل يقع تارة قربة، وتارة غير قربة، فلم يمنع من الاستئجار عليه، قياسًا على غرس الأشجار، وبناء البيوت (١). ولذا قال ابن قدامة: "ويجوز أن يتولى الكافر ما كان قرية للمسلم، كبناء المساجد، والقناطر" (٢). الدّليل الثّالث: قالوا: إنَّ بناء المسجد عمل ليس بعبادة محضة، بدليل صحته من الكافر، وما ليس بعبادة محضة يجوز الاستئجار عليه (٣).

стр. 221

المبحث الخامس أخذ المال على الجنازة (تجهيز الميِّت ودفنه) الجنازة (١): المراد بها الميِّت، ونعني بأخذ المال عليها: على تجهيزها حتّى توارى التراب، والتجهيز يشمل أشياء كثيرة هي: غسل الميِّت، وتكفينه، والصلاة عليه، وحمله، ودفنه. وقد اتفق الفقهاء رحمهم الله تعالى على أن تجهيز الميِّت، ودفنه فرض كفاية؛ إذا قام به البعض سقط عن بقية المكلفين، وإذا تركه الجميع أثموا جميعًا (٢). قال النووي: "غسل الميِّت فرض كفاية، وكذا التكفين، والصلاة عليه، والدفن بالإجماع" (٣). وأمّا نفقات التجهيز فإنها تكون من تركة الميِّت، إنَّ ترك مالًا، وهي تقدّم على كلّ الحقوق المتعلّقة بالتركة؛، فإن لم يخلف مالًا، فحينئذٍ يجب تجهيزه على من وجبت

стр. 222

عليه نفقته في حال حياته، فإن لم يوجد، فيجب تجهيزه في بيت مال المسلمين، فإن لم يوجد، أو وجد ولكن تعذر الأخذ منه، إمّا لخلوه من الأموال، أو لأي سبب آخر، فتكون نفقة تجهيزه على عامة المسلمين فرض كفاية على الغني منهم (١). وأمّا أخذ الأجرة على تجهيز الميِّت، ودفنه، فقد اتفق الفقهاء - رحمهم الله تعالى - على أنّه لا يجوز أخذ الأجرة على الصّلاة على الجنازة (٢). وعللوا ذلك بما يأتي: أن صلاة الجنازة عبادة، وهي من جنس الصّلاة المتميزة بصورتها للعبادة، والصلاة لا تفعل لغير العبادة، ولهذا منع الاستئجار عليها (٣). فأمّا غير الصّلاة نحو: غسل الميِّت، وتكفينه، وحمله، ودفنه، فقد اختلف الفقهاء في حكم أخذ الأجرة عليها على ستة أقوال: القول الأوّل: يجوز الاستئجار على تجهيز الميِّت، ودفنه ما لم يتعين عليه ذلك، فإذا تعين عليه بأن لا يوجد معه غيره فلا يجوز الاستئجار على قيامه بهذا العمل. وإلى هذا ذهب الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، في المشهور عندهم، وهو قول عند

стр. 223

الشّافعيّة (١). القول الثّاني: يجوز الاستئجار على التكفين، والحمل، والدفن. أمّا الغسل فلا يجوز الاستئجار عليه. وإلى هذا ذهب بعض الحنفية (٢)، وهو قول قوي عند الحنابلة (٣). القول الثّالث: يكره أخذ الأجرة على تجهيز الميِّت، مطلقًا، وهو الصحيح من المذهب عند الحنابلة (٤). قال المرداوي: "يكره أخذ الأجرة للحمل، والحفر، والغسل، ونحوه على الصحيح من المذهب" (٥). القول الرّابع: يكره أخذ الأجرة على تجهيز الميِّت من غير حاجة، فإن كانت هناك حاجة فيجوز بلا كراهة. وهو رواية عند الحنابلة (٦). القول الخامس: يَجوز أخذ الأجرة على تجهيز الميِّت، ودفنه مطلقًا، سواء كان فرض كفاية، أو فرض عين.

стр. 224

وإلى هذا ذهب الشّافعيّة، وهو المذهب عندهم، فإذا كان فرض كفاية فلا خلاف، وأمّا إذا تعين فيجوز كذلك على الأصح عندهم (١)، وهذا القول رواية عند الحنابلة (٢). القول السّادس والأخير: لا يجوز أخذ الأجرة على تجهيز الميِّت مطلقًا. وإلى هذا مال بعض الحنفية (٣)، وهو رواية عند الحنابلة (٤). هذا حاصل أقوال الفقهاء في هذه المسألة، ويلحظ هنا التفاوت الكبير في الحكم، فبينما يرى البعض المنع مطلقًا يرى البعض الآخر الجواز مطلقًا، وبين هذين القولين أربعة أقوال متفاوتة، ويرجع ذلك إلى عدم وجود نصّ في المسألة، واختلاف مدارك الحكم في نظر الفقهاء، كما سيظهر من خلال الأدلة، والمناقشة ، وكلها أدلة عقلية - كما سيأتي -. الأدلة والمناقشة: أوَّلًا: أدلة القائلين بعدم الجواز مطلقًا، وهم أصحاب القول السّادس: استدل هؤلاء بما يأتي:

стр. 225

الدّليل الأوّل: أن تجهيز الميت، ودفنه طاعة لله تعالى، والطاعة لا يجوز الاستئجار عليها، سواء تعينت عليه أم لا (١). مناقشة الاستدلال: نوقش هذا الاستدلال بما يلي: ١ - لا نسلم لكم أن تجهيز الميِّت يكون طاعة دائمًا؛ فقد يكون طاعة، وقد لايكون؛ لأنّه لا يختص أن يكون فاعله من أهل القربة، وحينئذ يجوز الاستئجار عليه؛ لأنّ ما لا يختص أن يكون فاعله من أهل القربة يجوز الاستئجار عليه (٢). ٢ - سلمنا لكم أن تجهيز الميِّت طاعة؛ وذلك حين يقوم به المسلم طاعة لله ، فحيث يكون فرض كفاية فإنّه يجوز الاستئجار عليه؛ لأنّه غير مقصود بفعله في الأصل، فلا تعود منفعته عليه (٣). الدّليل الثّاني: أن تجهيز الميِّت، وان كان فرض كفاية ابتداءً، إِلَّا أنّه عند المباشرة له يصبح فرض عين، كالجهاد، وفرض العين لا يجوز الاستئجار عليه (٤). مناقشة الاستدلال: نوقش هذا الاستدلال بما يأتي: ١ - لا نسلم لكم بأن من يباشر تجهيز الميِّت يتعين عليه، بدليل أنّه لو أراد أحد أن يقوم مقامه في تجهيز الميِّت، لم يمتنع على من يباشر تجهيزه الترك في هذه الحالة (٥). ٢ - سلمنا لكم أن من يباشر التجهيز يصبح فرض عين عليه، إِلَّا أنّه لا يكون كالجهاد؛ لوجود الفرق بين التجهيز، والجهاد؛ وذلك من عدة وجوه:-

стр. 226

الوجه الأوّل: أن الجهاد يشترط فيه النية، بخلاف تجهيز الميِّت (١). الوجه الثّاني: أن مؤن التجهيز إنّما تجب في مال الميط بالأصالة، ثمّ في مال من تلزمه نفقته في حال الحياة، ثمّ في مال المياسير من المسلمين، فلم يقصد الأجير بنفسه، حتّى يقع عنه، أمّا عروض تعينه عليه فلا يضر كالمضطر، فإنّه يتعين إطعامه مع تغريمه البدل (٢). الوجه الثّالث: أنّه في الجهاد: من حضر الصف تعين عليه، فلا يجوز انصرافه بحال، كان لم مجتج إليه بوجه، ولو قام غيره مقامه، بخلاف من تعين عليه التجهيز، فله الانصراف إذا وجد من يقوم مقامه (٣). ثانيًا: أدلة القائلين بالجواز مطلقًا، وهم أصحاب القول الخامس: وقد استدلوا على ما ذهبوا إليه بما يأتي: الدّليل الأوّل: أن تجهيز الميِّت عبادة، لا يشترط فيه النية؛ فجاز الاستئجار عليه (٤). مناقشة الاستدلال: نوقش هذا الاستدلال بما يأتي: أن الأصل في العبادة أن تكون لله، ابتغاء الثّواب، والأجر من عنده، والمسلم إذا قام بهذا العمل فإنّه ينويه لله حتّى يحصل على الأجر، ولهذا اشترط كثير من العلماء في العبادة: النية -كما سبق بيانه- (٥).

стр. 227

أمّا إذا قام المسلم بهذا العمل، ولم ينوه، فإنّه حينئذ لا يكون عبادة، بل يكون في حكم العادة؛ لأنّ من أسباب مشروعية النية: التفريق بين العبادة والعادة (١). الدّليل الثّاني: قالوا: إنَّ فعل الأجير واقع عن المستأجر، فجاز الاستئجار عليه؛ وذلك لأنّ من شروط الإجارة أن تكون المنفعة حاصلة للمستأجر (٢). الدّليل الثّالث: قالوا: إنَّ تجهيز الميِّت فرض كفاية لم يتعين عليه، ويقبل النياية، فجاز أخذ الأجرة عليه (٣). الدّليل الرّابع: أن مؤن التجهيز إنّما تجب في مال الميِّت أصالة، ثمّ في مال من تجب عليه نفقته في بيت مال المسلمين، ثمّ في مال أغنياء المسلمين على من علم منهم فرض كفاية، وفرض الكفاية لا يتعلّق في الأصل بعين كلّ مكلَّف، فلم يُقصد الأجير بنفسه؛ وعليه فلا يقع الفعل عنه (٤). الدّليل الخامس: قالوا: إنَّ تجهيز الميِّت فرض كفاية، فيجوز أخذ الأجرة عليه قياسًا على العامل على الزَّكاة، فإن ما يأخذه عامل الزَّكاة هو أجرة على الأصح (٥). الدّليل السّادس: أن تجهيز الميِّت إذا تعين فإنّه يجوز أخذ الأجرة عليه قياسًا على إطعام المضطر، فإنّه يجب إطعامه مع تغريمه البدل (٦).

стр. 228

مناقشة الاستدلال: نوقش هذا الاستدلال بما يأتي: أوَّلًا: لا نسلم لكم جواز أخذ الأجرة على تجهيز الميِّت إذا أصبح فرض عين، لهل نقول لا يجوز أخذ الأجرة في هذه الحالة قياسًا على فرض العين ابتداءً (١). ثانيًا: إنَّ هذا قياس مع الفارق؛ فإن المضطر إذا لم يأكل هلك، فيترتب على عدم إطعامه فوات نفس، بخلاف المتعين لتجهيز الميِّت، فإنّه لا يترتب على عدم إعطائه أجرة فوات نفسه. ثالثًا: لا نسلم لكم أن المضطر يجب تغريمه في كلّ حال، بل يُغرم إذا أمكن ذلك، كذلك الميِّت لا يمكن تغريمه، إذا تعذر تحصيل نفقات تجهيزه بالترتيب الّذي معنا، وحينئذ يصبح تجهيزه فرض عين، فلا تصح الإجارة عليه. ثالثًا: أدلة القائلين بكراهة أحد الأجرة على تجهيز الميِّت من غير حاجة: وهم أصحاب القول الرّابع: وقد استدل هؤلاء بما يأتي: أ- أدلتهم على أنّه يكره مطلقًا لغير حاجة: الدّليل الأوّل: أن أخذ الأجرة على تجهيز الميِّت يذهب بالأجر من الله تعالى على هذا العمل (٢). مناقشة الاستدلال: يمكن مناقشة هذا الدّليل: بأن أخذ الأجرة على تجهيز الميِّت لا يلزم منه ذهاب الأجر من الله تعالى، بل يمكن الجمع بينهما، بأن ينوي بعمله هذا وجه الله،

стр. 229

والإحسان للميت، والأجرة تكون في مقابل جهده، وعمله، وحبس نفسه على هذا العمل. الدّليل الثّاني: قالوا: إنَّ تجهيز الميِّت قربة، والأصل في القرب أن تفعل لوجه الله بدون أجر. ولذا فإنّه يكره أخذ الأجرة على تجهيز الميِّت (١). مناقشة الاستدلال: مناقشة هذا الدّليل قريبة من مناقشة الدّليل الأوّل. الدّليل الثّالث: قالوا: إنَّ تجهيز الميِّت من أعمال البرّ، وأخذ الأجرة عليه يورث تمني موت المسلمين، فيشبه الاحتكار (٢). مناقشة الاستدلال: يمكن مناقشة هذا التعليل بما يأتي: إنَّ ذلك بعيد، ولا يكون إِلَّا ممّن لا يخاف الله، بل كلّ همه جمع المال، أمّا السلم الحق فإنّه لا يفعل ذلك، بل يخلص عمله لله، وأمّا الأجر فمقابل جهده، وعمله، وحبس نفسه لهذا العمل. ب - أمّا كونه يجوز بلا كراهة مع الحاجة: فإن التعليل بالحاجة هنا ظاهر. ووجه ذلك: أن من قام بتجهيز الميِّت، وهو فقير، فإنّه إنَّ فعل ذلك لله تعالى، وابتغاء مرضاته، وإنّما أخذ الأجرة لحاجته، لينفق منها على نفسه، وعياله؛ لأنّ الكسب على العيال واجب، فإن الله تعالى يأجره على نيته، ويكون قد أكل طيبًا وعمل صالحًا (٣). وقد سبق تفصيل ذلك في بابي: الأذان والإقامة (٤).

стр. 230

وأمّا كونه ياخذ من بيت المال فلأن بيت المال معدّ للمصالح، وتجهيز الميِّت من المصالح (١). رابعًا: أدلة من قال بالكراهة مطلقًا: وهؤلاء هم أصحاب القول الثّالث، وهو الصحيح من المذهب عند الحنابلة. أمّا أدلتهم فقد سبق ذكرها؛ إذ هي أدلة القول السابق نفسها، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا. خامسًا: أدلة من قال بجواز الاستئجار على تجهيز الميِّت إِلَّا الغسل فلا يجوز: وهؤلاء هم أصحاب القول الثّاني، وقد استدلوا بما يأتي: الدّليل الأوّل: أن غسل الميِّت واجب، بخلاف الحمل، والدفن، والاستئجار على الواجب لا يجوز (٢). مناقشة الاستدلال: نوقش هذا الاستدلال بما يأتي: لا نسلم لكم بأن الحمل، والدفن غير واجبين، بل نقول: إنَّ تجهيز الميِّت من غسل، وحمل، ودفن، ونحو ذلك فرض كفاية، وذلك بالإجماع، كما سبق بيانه (٣)، فإذا جاز الاستئجار على الحمل، والدفن جاز على الغسل كذلك. وذلك ما لم يصبح فرض عين كما سيأتي. الدّليل الثّاني: قالوا: إنَّ الحمل، والدفن لا يشترط فيمن يقوم بهما أن يكون من أهل القربة، فجاز الاستئجار عليهما، بخلاف الغسل، فإنّه يشترط فيه ذلك، ولذا فلا يجوز الاستئجار عليه (٤).

стр. 231

مناقشة الاستدلال: نوقش هذا الدّليل بما يأتي: لا نسلم بأن الغسل يشترط فيمن يقوم به أن يكون من أهل القربة، بل نقول إنّه لا يختص أن يكون فاعله من أهل القربة؛ وذلك لصحته من الكافر (١). الدّليل الثّالث: قالوا: إنَّ الغسل يشترط له النية، فلا يجوز الاستئجار عليه، بخلاف الحمل، والدفن، والتكفين، فإنّه لا يشترط لها نيّة (٢). مناقشة الاستدلال: لا نسلم لكم بأن الغسل يشترط له النية؛ وذلك لصحته من الكافر - وقد سبق ذلك - (٣)، وإذا فعله المسلم فإنّه ينويه؛ وذلك لحصول الثّواب، وكذلك الحمل، والدفن، وخلافه. سادسًا: أدلة من قال بجواز الاستئجار ما لم يصبح فرض عين: وهؤلاء هم أصحاب القول الأوّل، وأدلة هؤلاء ذات شقين: الشق الأوّل: ما يتعلّق بالاستئجار على تجهيز الميِّت ما لم يتعين، أي: عندما يكون فرض كفاية، والأدلة على هذا الشق قد تقدمت، ولا حاجة بنا إلى إعادتها هنا (٤). والشق الآخر: ما يتعلّق بالمنع من الاستئجار على تجهيز الميِّت إذا أصبح فرض عين. وقد استدلوا على ذلك بما يأتي: الدّليل الأوّل: أن تجهيز الميِّت إذا تعين على شخص، فإنّه يصبح في حقه فرض

стр. 232

عين، وفرض العين لا يجوز الاستئجار عليه، قياسًا على فرض العين ابتداءً (١). الدّليل الثّاني: قالوا: إنّه قام بواجب، وليس لمن قام بواجب أخذ الأجرة عليه (٢). الترجيح: بعد ذكر الأدلة وكما ورد عليها من مناقشات، يظهر رجحان القول الأوّل، وهو قول من قال بجواز الاستئجار على تجهيز اليت إذاوإن فرض كفاية، أمّا إذا أصبح فرض عين فلا يجوز ذلك. ومن أسباب ترجيح هذا القول ما يأتي: أوَّلًا: قوة ما علل به أصحاب هذا القول، فإن القول بجواز الاستئجار إذا كان التجهيز فرض كفاية قول قوي، وعليه جمهور العلماء من جميع المذاهب، وتعليلات العلماء لذلك قوية جدًا، وأمّا ما عللوا به لنع ذلك إذاوإن التجهيز فرض عين، فإنّه تعليل قوي جدًا؛ لأنّ فروض الأعيان لا يجوز الاستئجار عليها بالاتفاق (٣). ثانيًا: أن هذا القول يجمع بين أقوال العلماء المختلفة في هذه المسألة، وبيان ذلك: أن من قالوا بالمنع يمكن حمل قولهم على ما إذا كان تجهيز الميت فرض عين، وأمّا من قالوا بالكراهة - سواء كانت مطلقة، أو مقيدة - فإن الكراهة لا تنافي الجواز، بل تفيد الأفضلية، والاستحباب للتجهيز مجانًا ابتغاء الأجر، والمثوبة من الله تعالى،

стр. 233

وهذا لا يخالف فيه أحد من العلماء، وأمّا من قالوا بالجواز مطلقًا، فإنهم لا يخالفون إِلَّا في حالة التعين، وقد أمكن الجواب عما استدلوا بما يزيل التعارض. ثالثًا: أنّه أمكن الجواب عما استدل به المخالفون من أدلة ممّا أضعف من دلالتها.

стр. 234

الفصل الثّاني أخذ المال على الزكاة والصيام وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأوّل: أخذ المال على الزَّكاة المبحث الثّاني: أخذ المال على الصِّيام المبحث الثّالث: أخذ المال على الاعتكاف

стр. 235

المبحث الأوّل أخذ المال على الزَّكاة المطلب الأوّل النِّيابة في الزَّكاة لا خلاف بين العلماء في جواز النِّيابة في الزَّكاة؛ لأنّ الغرض منها هو سدّ خلة المحتاج، وذلك يحصل نيابة، وعليه فيجوز الإنابة فيها في حالة الاختيار والضرورة (١). قال القرافي: "الأفعال قسمان: منها ما يشتمل فعله على مصلحة مع قطع النظر عن فاعله، كردّ الودائع، وقضاء الديون، وردّ الغصوبات (٢)، وتفريق الزكوات ... ونحوها، فيصح في جميع ذلك النِّيابة إجماعًا" (٣). وقال ابن قدامة: "وأمّا العبادات فما كان منها له تعلّق بالمال، كالزكاة، والصدقات، والمنذورات، والكفارات، جاز التوكيل في قبضها وتفريقها، ويجوز للمخرج التوكيل في إخراجها، ودفعها إلى مستحقها .... " (٤).

стр. 236

المطلب الثّاني العاملون على الزَّكاة جاء ذكر العاملين على الزَّكاة مصرحًا به في القرآن الكريم عند ذكر الأصناف الذين تكون فيهم الزَّكاة، والصدقات، وهو ما يسمى عند العلماء: (مصارف الزَّكاة). قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠]. والعاملون على الزَّكاة معروفون منذ عهد النّبيّ ﷺ وإلى يومنا هذا، فما زال النّبيّ ﷺ يبعث العاملين على الزَّكاة لجمعها، ومن ثمّ وضعها في مستحقيها، وعلى ذلك سار خلفاؤه من بعده؛ وبناءً عليه فقد عرف العلماء العاملين عليها، ووضعوا لهم ضابطًا، وهذا ما سأبينه فيما يأتي: * تعريف العاملين على الزَّكاة: عرفهم العلماء بتعريفات عدة نذكر بعضًا منها: التعريف الأوّل: عرفهم الماوردي، فقال: "هو من ولاه الإمام قبضها، وتفريقها، نيابة عن أهل الصدقات" (١). التعريف الثّاني: عرفهم ابن قدامة بانهم: "هم الذين يبعثهم الإمام لأخذ الزَّكاة من أربابها، وجمعها، ونقلها، ومن يعينهم ممّن يسوقها، ويرعاها، ويحملها،

стр. 237

وكذلك الحاسب، والكاتب، والكيال، والوزان، والعداد، وكل من يحتاج إليه فيها" (١). التعريف الثّالث: عرفهم ابن حزم بأنّهم: "هم العمال الخارجون من عند الإمام الواجبة طاعته" (٢). وبالنظر في تعريف العلماء للعاملين على الزَّكاة نجد أن عبارتهم كلها تدور حول معنى واحد، وهو أنّهم: "هم الذين يوليهم الإمام جمع الزَّكاة، والقيام عليها، حتّى تصل إلى مستحقيها"؛ فكل من يحتاج إليه الإمام فيها فهو من العاملين عليها. قال ابن بطّال: "اتفق العلماء على أن العاملين عليها: السعاة المتولون لقبض الصَّدقة" (٣). ويلحظ من خلال تعريف العلماء للعاملين عليها أنّهم يشترطون أن يكون العامل مرسلًا من قبل الإمام، أو من يقوم مقامه، فإذا أطلق لفظ العامل انصرف الذهن إلى من يوليه الإمامُ، أو نائبه قبض الصَّدقة، والقيام على أمرها، وشؤونها حتّى تصل إلى مستحقيها. وبناءً عليه، فإنّه لا يصح إطلاق لفظ "العامل" على غير من يرسله الإمام، أو نائبه. قال ابن حزم: "وقد اتفقت الأُمَّة على أنّه ليس كلّ من قال: أنا عامل عاملًا،

стр. 238

وقد قال ﵊: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردّ) (١). فكل من عمل من غير أن يوليه الإمام الواجبة طاعته، فليس من العاملين عليها، ولا يجزئ رفع الصَّدقة إليه" (٢). ومما سبق يتضح لنا جليًا أن العامل مخصوص بمن يرسله الإمام، أو نائبه. بناءً على ما سبق، فإنّه لو قام شيخ قبيلة - مثلًا -، أو كبير عائلة، أو أحد الأغنياء الكبار بتكليف شخص، أو أشخاص بجمع الزَّكاة، وتفريقها على مستحقيها، فإن هذا الشخص، أو الأشخاص لا يدخلون تحت مسمى (العاملين عليها)، بل يدخلون تحت باب الوكالة، ويكون هذا الشخص وكيلًا عن أصحاب الأموال في إيصال الزَّكاة إلى مستحقيها. وقد تقدّم أن النِّيابة في الزَّكاة جائزة بالإجماع، وعليه فإن الوكيل يجوز له حينئذ أخذ الأجرة على عصله من أرباب الأموال، لا من الزَّكاة؛ وذللث بصفته وكيلًا، لا عاملًا. قال المرداوي: "لو وكل غيره في تفرقة زكاته لم يدفع إليه من سهم العامل" (٣).

стр. 239

أمّا إذا قام الشخص نفسه بتأدية زكلاة ماله، فإنّه حينئذ لا يدخل تحت مسمى العامل، ولا يحل له أخذ شيء منها في مقابل عمله؛ لأنّ تأدية زكاة ماله واجب عليه متعين، ولا يجوز أخذ الأجرة على الواجب العيني (١).

стр. 240

المطلب الثّالث مقدار ما يأخذه العاملون على الزَّكاة اتفق الفقهاء - رحمهم الله تعالى - على أن العامل على الزَّكاة يستحق العِوض على عمله، كما أنّهم اتفقوا على أن هذا العِوض يكون على قدر جهده، وعمله، وعنائه، وسعيه. كما اتفقوا على أنّه إذاوإن هذا العِوض مساويًا لثُمن الزَّكاة فإنّه يأخذه كاملًا. واتفقوا كذلك على أنّه إذا كان ما يستحقه على عمله أقل من الثّمن فإنّه يأخذ قدر عمله، ثمّ يُردّ الباقي على أصحاب السهمان. واتفقوا كذلك على أنّه إذا كان سهم العاملين أقل ممّا يسحقونه فإنّه يُزاد لهم، ويكمل لهم قدر استحقاقهم دون التقيد بالثّمن (١). ولكنهم اختلفوا في الزيادة على الثّمن؛ هل تؤخذ هذه الزيادة من أموال الزَّكاة؟ أم تكون في بيت المال؟.

стр. 241

اختلفوا في ذلك على أقوال أهمها ثلاثة أقوال: القول الأوّل: إنّه يتمم له من أموال الزَّكاة؛ فياخذ ثمنه كاملًا وما زاد على الثّمن فمن أموال الزَّكاة. وإلى هذا ذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، وهو المذهب عند الشّافعيّة (٣)، والصّحيح من المذهب عند الحنابلة (٤). القول الثّاني: إنّه يتمم له من بيت المال من سهم المصالح. وإلى هذا ذهب الإمام مالك في قول (٥)، وهو قول عند الشّافعيّة (٦) نصّ عليه الإمام، وهو قول عند الحنابلة (٧). القول الثّالث: إنَّ الأمر في ذلك راجع إلى اجتهاد الإمام، فإن شاء تمم لهم من أموال الزَّكاة، وإن شاء تمم لهم من سهم المصالح من بيت المال. فيتخير الإمام من ذلك بحسب المصلحة، بل إنَّ للإمام أن يجعل أجرة العامل كلها في بيت المال، ويقسَم جميع أموال الزَّكاة على بقية الأصناف، إنَّ رأى في ذلك مصلحة.

стр. 242

وإلى هذا ذهب بعض الشّافعيّة (١)؛ قال الشيرازي: "ومن أصحابنا من قال: الإمام بالخيار، إن شاء تممه من سهم المصالح، وإن شاء من سهامهم ... (٢). وبه قال بعض الحنابلة (٣)؛ قال ابن قدامة: "وإن رأى الإمام أعطاه أجرة من بيت المال، أو يجعل له رزقًا في بيت المال، ولا يعطيه منها شيئًا فعل" (٤). الأدلة والمناقشة: أوَّلًا: أدلة أصحاب القول الثّالث: علل هؤلاء لما ذهبوا إليه بما يأتي: التعليل الأوّل: قالوا: إنَّ بيت المال مُعدّ لمصالح المسلمين، وهذا من المصالح فجاز للإمام إعطاؤهم منه (٥). وإن أعطاهم من الزَّكاة فلا حرج عليه؛ لأنّ الله تعالى أخبر بسهمهم فيها كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ ...﴾ الآية [التوبة: ٦٠].

стр. 243

ولأن العامل يعود نفعه، ويرجع أثره على أهل الصدقات، فكانت أجرته عليهم (١). التعليل الثّاني: قالوا: إنَّ العامل على الزَّكاة فيه شبه بالحاكم؛ لأنّ الإمام يستوفي به حق الغير على وجه الأمانة، وفيه شبه بالوكيل، فخير الإمام بين حقيهما (٢). مناقشة التعليلات السابقة: نوقشت التعليلات السابقة بما يأتي: أوَّلًا: أن الله تعالى قد أخبر بسهمهم فيها نصًا، فكيف يخلفون عنه استقراءً وسبرًا. (٣) ثانيًا: يمكن مناقشة هذه التعليلات كذلك: أن القول بتخيير الإمام في ذلك قول بالرأي والاجتهاد، وهذا الاجتهاد جاء في مقابلة النص، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا ....﴾ الآية [التوبة: ٦٠]، والاجتهاد في مقابلة النص باطل (٤). ثانيًا: أدلة أصحاب القول الثّاني: علل هؤلاء لما ذهبوا إليه بما يأتي: قالوا: إنَّ الله تعالى جعل لكل صنف من الأصناف الثمانية سهمًا، فلو قسمنا الزيادة على الأصناف، فإننا بذلك نكون قد نقصنا حقهم، وفضلنا العامل عليهم،

стр. 244

وهذا خلاف ما نصت عليه الآية الكريمة؛ بناءً على ذلك فإن الإمام يعطي العامل من بيت المال (١). مناقشة الاستدلال: يمكن مناقشة هذا التعليل بما يأتي: أن هذا التعليل مبني على أن المراد بآية الصدقات هو وجوب التسوية بين الأصناف الثمانية، وهذا غير مسلَّم؛ لأنّ الآية محمولة على بيان مواضع الصدقات، ومصارفها، والمختصين بها، لا على وجوب التسوية بين الأصناف الثمانية، ويدلُّ على ذلك ما يأتي: أوَّلًا: حديث معاذ حين بعثه النّبيّ ﷺ حيث قال له: (إنك تقدّم على قوم أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله ، فإذا عرفوا الله، فأخبرهم أن اللهَ فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا فعلوا، فاخبرهم أن الله فرض عليهم زكاةً تؤخذ من أغنيائهم، وترد على فقرائهم ...) (٢). وجه الاستدلال: حيث لم يذكر النّبيّ ﷺ إِلَّا صنفًا واحدًا من أصناف الزَّكاة، ولم يذكر بقية الأصناف؛ فدلّ على أنّها ليست مقسومة بالسوية على الأصناف. وعليه فإنّه يجوز دفعها لصنف، أو صنفين، ويكون حق العامل في بيت المال.

стр. 245

ثانيًا: عن قبيصة بن المخارق الهلالي (١) قال: تحملت حمالة، فأتيت رسول الله ﷺ أساله فيها، فقال ﷺ : (أقم حتّى تأتينا الصَّدقة، فنأمر لك بها) (٢). وجه الاستدلال: حيث دلّ الحديث على جواز صرف الزَّكاة إلى صنف واحد، ولو وجب صرفها إلى جميع الأصناف لم يجز صرفها إلى صنف واحد. وهناك أدلة كثيرة وشواهد من القرآن الكريم يمكن الاستدلال بها على عدم وجوب التسوية بين الأصناف الثمانية، وجواز الاقتصار على صنف واحد، أو بعض الأصناف، ومن ذلك: ثالثًا: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٥]. رابعًا: قوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١]. حيث دلت هاتان الآيتان الكريمتان على جواز صرف الزَّكاة إلى بعض الأصناف، فدل ذلك على عدم وجوب التسوية بين الأصناف الثمانية، أو استيعابهم (٣).

стр. 246

خامسًا: أنّه نقل الإجماع على ذلك؛ أعني: إجماع الصّحابة على جواز الاقتصار في صرف الزَّكاة على صنف واحد، وأنّه لا يجب استيعاب جميع الأصناف (١). وبناءً على ما تقدّم فلا يلزم إعطاء العامل على الزَّكاة منها، بل يجوز دفع الزَّكاة كلها للفقراء، وإعطاء العامل من بيت المال من سهم المصالح. ثالثًا: أدلة أصحاب القول الأوّل: استدل هؤلاء على ما ذهبوا إليه بما يأتي: الدّليل الأوّل: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا ...﴾ الآية [التوبة: ٦٠]. وجه الاستدلال: أن الله تعالى أخبر عن حق العامل على الزَّكاة أنّه من الزَّكاة، فيأخذه كاملًا منها، سواء أكانت أجرته أكثر من سهمه أم أقلّ؛ عملًا بظاهر النص (٢). الدّليل الثّاني: أن عمل العاملين على الصدقات يعود نفعه، ويرجع أثره على أهل الصدقات؛ لأنّه يعمل لهم، فكانت أجرته كاملة عليهم (٣). الترجيح: بالنظر فيما سبق من الأقوال، وما استدلوا به يظهر رجحان القول الأوّل، وهو أن العامل على الزَّكاة يأخذ حقه كاملًا من الزَّكاة: ثمنه، وما زاد على الثّمن - على ما سبق تفصيله - في محل النزاع. ويرجع سبب ترجيح هذا القول لما يأتي:

стр. 247

أولًا: قوة هذا القول دون ما عداه من الأقوال؛ وذلك لأنّه جاء على مقتضى النص القرآني الّذي جعل ما يستحقه العامل على الزَّكاة في الزَّكاة نفسها، لا في بيت المال. ثانيًا: أنّه أمكن مناقشة بقية الأقوال الأخرى بما أضعفها، وأوهن من حجيتها. ثالثًا: أن القول بجعل ذلك في بيت المال إنّما هو بالاجتهاد والرأي، وهو مبني على أن أجرة العامل قد تجحف بحق الأصناف الأخرى، وهذا لا يتأتى إِلَّا إذا كانت الأموال الزكوية قليلة جدًا بحيث يعجز سهم العاملين عن مبلغ أجرة العامل، وهذا نادر جدًا، والنادر لا حكم له، ولذا قال الشّافعيّ: "وقلما يكون أن يعجز سهم العاملين عن مبلغ أجرة العامل" (١). ولذا كان الأخذ بهذا القول هو الأرجح تمشيًا مع ظاهر النص. رابعًا: أن هذا القول فيه عدل، وإنصاف لكل الأصناف الزكوية، فإن العامل إذا كان سهمه أكثر من أجرته ردت الزيادة على بقية الأصناف، وهذا هو الغالب، فكان من العدل أنّه إذا عجز سهمه عن أجرته - وهذا نادر - أن يكمل له من سهام بقية الأصناف. ثمرة الخلاف: تظهر ثمرة الخلاف في هذه المسألة فيما يأتي: أوَّلًا: إذا استغرق ما يأخذه العامل كل الزكاة، أو معظمها فما الحكم؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأوّل: إنّه لا يزاد على نصف ما جمعه، فإذا كان أجر العامل يستغرق كلّ ما يجمعه، أو معظمه فإنّه لا يأخذ إلا النصف فقط؛ أي: نصف ما جمعه، وإلى هذا ذهب الحنفية (٢).

стр. 248

وعللوا ذلك: بأن التنصيف هو عين الإنصاف فلا يزاد على النصف (١). ويمكن مناقشة هذا التعليل: بأن هذا كلام لا دليل عليه؛ فإن للعامل أجرته على قدر جهده، وعمله، وإذا كانت أجرته تستغرق ما جمعه، أو أكثره فللإمام أن يعطيه من بيت المال، أو يعطيه أجرته كاملة ممّا جمعه، ويعطي الفقراء ونحوهم من بيت المال ما يكفيهم، أمّا أن ينقص أجر العامل بدون وجه فلا؛ لأنّ ما يأخذه أجرة، وعوض عن عمله، وجهده، لا على سبيل المواساة، فيأخذه كاملًا. القول الآخر: قالوا: إنَّ العامل يأخذ أجره كاملًا، وإن استغرق ذلك كل ما جمعه. وإلى هذا ذهب المالكية (٢). وعللوا ذلك: بأن ما يأخذه إنما هو أجرة عمله، فيأخذ أجرته كاملة، وإن استغرقت كل ما جمعه (٣). الترجيح: الذي يظهر أن الأمر في ذلك راجع للإمام، فإن للعامل أجره كاملًا؛ لأنه عوض عمله وجهده، فإن رأى الإمام إعطاءه الزكاة كلها، أو معظمها إن كانت قدر عمله، فله ذلك، ويعطي بقية الأصناف من بيت المال كفايتهم، وإن رأى إبقاء الزَّكاة لبقية الأصناف، وإعطاء العامل من بيت المال فعل؛ وذلك حسب ما تقتضيه المصلحة.

стр. 249

ولعلّ هذه الحالة هي الّتي ينزل عليها قول من قال: إنَّ ذلك راجع إلى اجتهاد الإمام، وكذا قول من قال: إنّه يكمل للعامل من بيت المال، أمّا إذا كانت هناك سعة، وكان سهم العامل يكفي أجرته، أو زيادة، فالترجيح هو ما قد سبق في أصل المسألة - والله أعلم -. ثانيًا: إذا تلف ما جمعه العامل من الصدقات في يده قبل توزيعه على مستحقيه، فهل يضمن ذلك؟ وهل يستحق أجرة أم لا؟ أمّا المسألة الأولى وهي مسألة الضمان فإننا نفرق فيها بين حالتين: الحالة الأولى: إذا كان التلف بسبب تفريط من العامل فإنّه في هذه الحالة يضمن ما تلف بيده، وليس له أجر على عمله. وعللوا ذلك: بأنّه متعدٍ بفعله، فيضمن ما تلف بيده، ويسقط أجره. وبهذا قال جمهور أهل العلم (١). الحالة الأخرى: إذا كان التلف وقع بغير تفريط من العامل فإن جمهور العلماء على أن العامل لا يضمن في هذه الحالة (٢). وقد عللوا ذلك بما يأتي: قالوا: إنَّ العامل في هذه الحالة أمين كالوكيل، وناظر مال اليتيم إذا تلف المال في يده بلا تفريط فلا يضمن (٣). وأمّا أجرته في هذه الحالة فقد اختلفوا في دفعها إليه على قولين:

стр. 250

القول الأول: إنه يستحق الأجرة، وتكون في بيت المال. وإليه ذهب جمهور العلماء من المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣). وقد عللوا ما ذهبوا إليه بما يأتي: ١ - قالوا: إنَّ العامل أجير، ولأن بيت المال معدّ لمصالح المسلمين، وهذا منها (٤). ٢ - أنّه استحق بعمله ما شرط له، فإذا تعذر دفعه من مال الزَّكاة وجب من بيت المال (٥). القول الآخر: إنَّ حقه يسقط، ولا يستحق شيئًا في هذه الحالة. وإلى هذا ذهب الحنفية (٦). وعللوا ذلك بما يأتي: أن نفقة العامل تسقط في هذه الحالة قياسًا على سقوط نفقة المضارب إذا هلك مال المضاربة بجامع أن كلًا من العامل، والمضارب تكون نفقته فيما تحت يده على سبيل الكفاية، فإن المضارب تكون نفقته في مال المضاربة، وكذلك العامل تكون نفقته في مال الزَّكاة الّذي يجمعه يأخذها على سبيل الكفاية، لا على سبيل الأجرة (٧). مناقشة الاستدلال: يمكن مناقشة هذا التعليل بما يأتي: أن هذا مبني على مذهب الحنفية في أن ما يأخذه العامل ليس أجرة عمله، وإنّما هو نفقته، أو رزقه، وهذا غير صحيح - كما سيأتي -؛ فالذي عليه جمهور أهل
следующие страницы →