← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1405

أخذ المال على أعمال القرب

عادل شاهين

Полный текст (816 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

* ثالثًا: أن هذا القول جاء وسطًا بين الأقوال الأخرى، فهو أولى الأقوال بالقبول؛ لأن من منع مطلقًا ليس معه نص يمنع الإجارة، بل تمسك بعمومات الأدلة، وببعض الأدلة العقلية، وكل هذه أمكن مناقشتها بما يضعف الاستدلال بها. وأما من أجاز مطلقًا فقد أمكن حمل أدلته على النذر جمعًا بين الأدلة، وكذلك أمكن دفع هذا الإطلاق بالتفريق بين صوم النذر والصوم الواجب بأصل الشرع شرعًا وعقلاً. * رابعًا: أن هذا القول جاء متمشيًا مع مقاصد الشريعة وحكمها؛ وبيان ذلك: ١ - إن الأخذ بهذا القول فيه تبرئة لذمة الميت، وفكّ لرهانه، حيث ألزم نفسه بما لم يلزمه به الله تعالى (١). ٢ - فيه محافظة على حكم الصوم وفوائده، والإبقاء على مقاصده الشرعية الكثيرة؛ لأننا لو قلنا بالجواز مطلقًا لأدى ذلك إلى التهاون، والتكاسل عن أداء هذه الفريضة العظيمة، وما على المكلف إلا أن يوصي بقضاء ما عليه من صوم، وفي هذا تضييع لهذه الفريضة، كما لا يخفى. ولو قلنا بالمنع مطلقًا لبقيت ذمة الميت مشغولة بما ألزم به نفسه، والأصل المسارعة بتبرئة ذمته، وفكّ رهانه حتى ينعم في قبره وأخرته؛ لقوله ﷺ : (والذي نفسي بيده لو أن رجلاً قُتِلَ في سبيل الله، ثم أُحْييَ، ثم قتل، ثم أُحيي، ثم قتل، وعليه دين ما دخل الجنة حتى يُقضى عنه دينه) (٢).

стр. 317

المبحث الثالث أخذ المال على الاعتكاف المطلب الأول أخذ المال على الاعتكاف عن الحي المسألة الأولى: النيابة في الاعتكاف عن الحي الاعتكاف (١) من أجل القرب إلى الله تعالى؛ لأن فيه انقطاعًا عن الخلق وحظوظ النفس، وإقبالاً على الله تعالى، والاشتغال به وبذكره، بحيث يصير ذكره وعبادته وحبه والإقبال عليه محل هموم القلب وخطراته، حتى يصبح أنسه بالله وحده بدلاً من أنسه بالخلق، فيستقيم بذلك قلبه، ويصلح عمله مما يعود عليه بالخير في دينه ودنياه. والاعتكاف عبادة بدنية محضة، لا مدخل للمال فيها، ولهذا فقد اتفق العلماء على أنه لا تجوز النيابة فيه عن الحي مطلقًا، سواء كان ذلك في حال القدرة أم في

стр. 318

حال العجز (١). والأدلة على هذا الاتفاق ما يأتي: الدليل الأول: قالوا: إن الاعتكاف عبادة تتعلق ببدن من هي عليه، فلا تصح النيابة فيها في حال الحياة مطلقًا (٢). الدليل الثاني: قالوا: إن الاعتكاف من العبادات البدنية المحضة، والمقصود من الاعتكاف هو إتعاب النفس والجوارح بالأفعال المخصوصة من حبس النفس على طاعة الله، والذكر، والدعاء، والصلاة، ونحو ذلك، وبفعل النائب لا يتحقق شيء من ذلك فلم تجز النيابة فيه مطلقًا (٣). المسألة الثانية: الإجارة في الاعتكاف عن الحي تقدم معنا أن الاعتكاف لا تصح فيه النيابة في حال الحياة، ولذا اتفق الفقهاء على عدم صحة الإجارة على الاعتكاف عن الغير في الحياة مطلقًا (٤)، ويدل على هذا الاتفاق ما يأتي: الدليل الأول: أن الاعتكاف من العبادات البدنية المحضة التي لا تصح فيها النيابة في حال الحياة مطلقًا، فلا تصح فيه الإجارة (٥)؛ لأن صحة الإجارة فرع عن

стр. 319

صحة النيابة (١). الدليل الثاني: أن الأجر عوض الانتفاع، ولم يحصل لغيره ههنا انتفاع، فأشبه إجارة الأعيان التي لا نفع فيها (٢). الدليل الثالث: قالوا: إن الاعتكاف قربة من القربات، والعبد فيما يفعله من القربات عامل لنفسه؛ قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ (٤٦)﴾ [فصلت: ٤٦]، ومن عمل لنفسه لا يستحق الأجر على غيره (٣). الدليل الرابع: قالوا: إن القربة تقع عن العامل، قال تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] فلا يجوز له أخذ الأجرة من غيره كالصوم والصلاة (٤).

стр. 320

المطلب الثاني أخذ المال على الاعتكاف عن الميت المسألة الأولى: النيابة عن الميت في الاعتكاف تقدم معنا أن الاعتكاف سنة، ولا يجب إلا بالنذر إجماعًا (١)، وعلى هذا فإن المراد بمسألتنا هنا هو: إذا نذر المسلم اعتكافًا، ثم مات قبل أدائه، فهل يصح أن ينوب غيره عنه في أدائه أم لا؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: يستحب للولي أن يقضي عنه، وبهذا قال إبن عباس، وعائشة، وابن عمر ﵃ (٢)، وهو قول عند الشافعية (٣)، وبه قال الحنابلة في الصحيح من المذهب عندهم (٤). وهو قول أهل الظاهر (٥). القول الثاني: لا تصح النيابة عن الميت في قضاء ما عليه من اعتكاف. وإليه ذهب الحنفية (٦)، والمالكية (٧)، والشافعية في المشهور من المذهب (٨)، وهو

стр. 321

إحدى الروايتين عند الحنابلة (١). الأدلة والمناقشة: أولاً: أدلة القائلين بالمنع: وهؤلاء هم أصحاب القول الثاني، وقد استدلوا بما يأتي: أولاً: استدلوا بالأدلة الدالة على المنع من النيابة في الصلاة عن الميت ، وكذلك الأدلة الدالة على المنع من الصوم عن الميت، حيث أفادت هذه الأدلة بعمومها عدم صحة النيابة عن الميت في الاعتكاف. ومن هذه الأدلة: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النجم: ٣٩]، ونحوها من الآيات مثل قوله تعالى: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨)﴾ [النجم: ٣٨]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا (١٦٤)﴾ [الأنعام: ١٦٤]، وقوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ (٤٦)﴾ [فصلت: ٤٦]. وغيرها من الآيات. ووجه الاستدلال من هذه الآيات: أن هذه الآيات أفادت أن الإنسان لا ينفعه إلا سعيه وعمله هو، وعليه فإن عمل غيره، وسعيه لا ينفعه، ومن ذلك إذا اعتكف عنه بعد موته (٢). الدليل الثاني: حديث أبي هريرة: (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث ...) (٣). وليس من الثلاث اعتكاف غيره عنه ... (٤). ثانيًا: لهم أدلة أخرى منها:

стр. 322

الدليل الأول: قالوا: إن الاعتكاف من العبادات البدنية المحضة، والمقصود من هذه العبادات هو إتعاب النفس والجوارح بالأفعال المخصوصة، وهذا لا يحصل بفعل النائب (١). مناقشة الاستدلال: يمكن مناقشة هذا التعليل بما يأتي: أن هذا الاستدلال منقوض بالصلاة والصوم، حيث تقدم ذكر الأدلة على صحة النيابة في الصلاة إذا كانت نذرًا، ومطلقًا في الصوم، وهي من العبادات البدنية المحضة، فبطل هذا التعليل. الدليل الثاني: قالوا: تمنع النيابة في الاعتكاف قياسًا على الصوم، بجامع أن كلاً، منهما عبادة بدنية مختصة ببدن من هى عليه (٢). مناقشة الاستدلال: أولاً: يناقش هذا التعليل بما نوقش به التعليل السابق. ثانيًا: إن كون الاعتكاف عبادة بدنية لا يمنع النيابة؛ فإن كل عمل إذا أمر به الشارع أن يعمله المرء عن غيره وجب ذلك، سواء أكان من عبادة الأبدان المحضة أم لا (٣). وقد دلت النصوص على جواز ذلك كما سيأتي. ثانيًا: أدلة المجيزين: وهؤلاء هم أصحاب القول الأول، وقد استدلوا بما يأتي: أولاً: الأدلة الدالة على جواز النيابة في صلاة النذر ، والصيام، ومن هذه الأدلة:

стр. 323

الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ (١١)﴾ [النساء: ١١]. الدليل الثاني: قوله ﷺ : (فدين الله أحق أن يقضى) (١). وقد تقدم ذكر وجه الاستدلال من هذه النصوص، وما ورد عليها من مناقشات، وما أجيب به عن هذه المناقشات (٢). ثانيًا: لهم أدلة أخرى منها: الدليل الأول: عن عبدالله بن عباس ﵄ أن سعد بن عبادة الأنصاري ﵁ استفتى رسول الله ﷺ في نذر كان على أمه، فتوفيت قبل أن تقضيه، فأفتاه أن يقضيه عنها، فكانت سنة بعد (٣). وجه الاستدلال: أن كلمة (نذر) في الحديث جاءت مطلقة؛ فتشمل نذر الاعتكاف، وعليه فإنه يقضى عن الميت، قال ابن حزم: "وهذا عموم لكل نذر طاعة فلا يحل لأحد خلافه" (٤). الدليل الثاني: عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن أمه نذرت أن تعتكف عشرة أيام فماتت ولم تعتكف، فقال ابن عباس ﵄: اعتكف عن أمك (٥). وفي رواية: "اعتكف عنها، وصم" (٦). وفي رواية: "صم عنها واعتكف عنها" (٧).

стр. 324

وجه الاستدلال: أن هذا الأثر يدل صراحة على أن الولي يعتكف عن ميته. الدليل الثالث: عن عامر بن مصعب (١)، أن عائشة ﵂، اعتكفت عن أخيها بعدما مات (٢). وجه الاستدلال: يدل فعل عائشة ﵂ على أن الاعتكاف تصح فيه النيابة، حيث قامت هي بفعل ذلك عن أخيها. قال ابن مفلح (٣): "وروي عن عائشة، وابن عمر، وابن عباس، ولم يُعرف لهم مخالف من الصحابة" (٤). الدليل الرابع: ما جاء عن طاووس أنه سئل عن امرأة ماتت وعليها أن تعتكف سنة في المسجد الحرام، ولها أربعة بنين كلهم يحب أن يقضي عنها؛ قال طاووس: اعتكفوا أربعتكم في المسجد الحرام ثلاثة أشهر، وصوموا" (٥).

стр. 325

الدليل الخامس: القياس على الصوم (١)، فكما أنه تصح النيابة عن الميت في الصوم فكذلك الاعتكاف بجامع أن كلاً منهما كف، ومنع (٢). الترجيح: من خلال عرض أدلة الفريقين، وما ورد عليها من مناقشات يتبين رجحان القول الأول القاضي بصحة النيابة عن الميت في قضاء ما لزمه من اعتكاف؛ وذلك لما يأتي: أولاً: قوة أدلة أصحاب هذا القول، حيث استند هذا القول إلى أدلة نقلية من الكتاب، والسنة، والأثر، ظاهرة الدلالة على صحة النيابة في الاعتكاف. ثانيًا: أن أدلة القول الآخر أمكن مناقشتها مما يضعف الاستدلال بها. ثالثًا: أن هذا القول هو المنقول عن الصحابة، والتابعين، حيث أفتوا به، وطبقته أم المؤمنين عن أخيها، وذلك كله دون أن يُعرف لهم مخالف. المسألة الثانية: الإجارة على الاعتكاف عن الميت إذا تعذر وجود الولي بموت، أو أي مانع آخر، أو أنه أبى أن يعتكف عن ميته، ولم يتبرع أجنبي بذلك، فهل يجوز استئجار من يقضي عن الميت ما وجب عليه من اعتكاف، وذلك إذا كان قد خلف تركة. اختلف العلماء في حكم الاستئجار على الاعتكاف عن الميت على قولين: القول الأول: تصح الإجارة على الاعتكاف عن الميت. وإلى هذا ذهب الشافعية في قول (٣)، وهو الصحيح من المذهب عند

стр. 326

الحنابلة (١)، وهو قول الظاهرية (٢). قال ابن النجار: "من خلف الميت الناذر مالاً، وجب فعل ما نذره؛ لثبوته في ذمته، كوجوب قضاء الدين مع ترك الميت لما يوفيه، فيفعله وليه إن شاء، أو يدفع مالاً، لمن يفعل عنه" (٣). وقال ابن حزم: "ومن مات وعليه نذر اعتكاف، قضاه عنه وليه، أو استؤجر من رأس ماله من يقضيه عنه، لا بد من ذلك" (٤). القول الثاني: لا تصح الإجارة على الاعتكاف عن الميت. وإليه ذهب من منع النيابة في الاعتكاف، وهم: الحنفية (٥)، والمالكية (٦)، والشافعية في المشهور في المذهب (٧)، وهو قول عند الحنابلة (٨). الأدلة والمناقشة: أولاً: أدلة المانعين: أدلة هؤلاء على منع الإجارة على الاعتكاف جاءت على قسمين: القسم الأول من الأدلة: الأدلة الدالة على المنع من النيابة، وإذا امتنعت النيابة امتنعت الإجارة؛ لأن صحة الإجارة فرع عن صحة النيابة، فما لا تصح فيه النيابة

стр. 327

لا تصح فيه الإجارة كلما تقدم (١). القسم الثاني من الأدلة: ما سبق ذكره من تعليلات عند ذكر أدلة المانعين من الإجارة على الصوم مطلقًا، وكذا أدلة المانعين من الإجارة على الصلاة مطلقًا، وقد تقدم كل ذلك مفصلاً. ثانيًا: أدلة المجيزين: وهؤلاء هم أصحاب القول الأول. وقد استدلوا بما يأتي: أ - الأدلة الدالة على صحة النيابة في الاعتكاف عن الميت، فإن قضاه عنه الولي، وإلا استؤجر مِن رأس ماله مَن يقضيه عنه (٢). ب - ما تقدم من أدلة وتعليلات عند ذكر أدلة جواز الإجارة على صلاة النذر، وصيام النذر، فكل هذه ترد من باب واحد، ويجمعها ضابط واحد، وهو كونها منذورة، فما استدل به على صحة الإجارة هناك يستدل به على صحة الإجارة هنا سواء بسواء (٣). الترجيح: من خلال ما تقدم من أدلة، وما ذكر من تفصيل في مسألة النيابة في الاعتكاف يتبين رجحان القول بجواز الاستئجار على الاعتكاف؛ لما يأتي: أولاً: أن الاعتكاف تدخله النيابة على القول الراجح كما تقدم، وإذا صحت النيابة - صحت الإجارة. ثانيًا: قوة ما استدلوا به، وبخاصة تشبيه النذر بالدين، والدين يثبت في الذمة فيفعله الولي إن شاء، أو يدفع مالاً لمن يفعله عن الميت (٤). ثالثًا: أمكن مناقشة أدلة المخالفين بما يضعف الاستدلال بها - والله أعلم-.

стр. 328

الفصل الثالث أخذ المال على الحج والعمرة وفيه أربعة مباحث: المبحث الأول: النيابة في الحج والعمرة عن الحي. المبحث الثاني: النيابة في الحج والعمرة عن الميت. المبحث الثالث: أنواع المال المأخوذ على الحج والعمرة. المبحث الرابع: أخذ المال على ذبح الهدي والأضاحي ونحوهما.

стр. 329

المبحث الأول النيابة في الحج والعمرة عن الحي المطلب الأول النيابة في الحج الواجب الفرع الأول النيابة عن القادر في الحج (١) الواجب أجمع العلماء على أن الحي القادر المستطيع للحج بنفسه، وماله، لا يجوز له أن يستنيب غيره في الحج الواجب، بل يجب عليه عينًا أن يحج بنفسه (٢). قال ابن المنذر: "وأجمعوا على أن من عليه حجة الإسلام، وهو قادر، لا يجزئه إلا أن يحج بنفسه، لا يجزئ أن يحج عنه غيره" (٣). وقال ابن قدامة: "ولا يجوز أن يستنيب من يقدر على الحج بنفسه في الحج الواجب إجماعًا" (٤).

стр. 330

ومستند هذا الإجماع ظاهر، وهو قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)﴾ [آل عمران: ٩٧]. فقد دلت هذه الآية الكريمة دلالة قاطعة على وجوب الحج، وفرضيته على كل مستطيع مكلف، يؤديه بنفسه، فإن الحج أحد أركان الإسلام، وأحد قواعد التكليف، وأحد الواجبات العينية، فمن تركه مع الاستطاعة فهو متعرض لمقت الله وعقابه وسخطه في الدنيا والآخرة (١).

стр. 331

الفرع الثاني النيابة عن العاجز في الحج الواجب (١) المسألة الأولى: النيابة عن العاجز عجزًا دائمًا لا خلاف بين العلماء أن العاجز عن الحج الواجب ببدنه عجزًا دائمًا (٢)، وبماله كذلك، ولم يجد من ينيبه أنه لا يلزمه أن يستنيب غيره، ولا يجب عليه الحج في هذه الحالة (٣). والدليل على ذلك: القياس على الصحيح العاجز بماله؛ فكما أن الصحيح لو لم يجد ما يحج به لم يجب عليه الحج، فالمريض أولى (٤). أما إذا كان العاجز ببدنه عجزًا دائمًا واجدًا للمال لكنه لم يجد من ينوب عنه فقد قال ابن قدامة: "وإن وجد مالًا - أي العاجز- ولم يجد من ينوب عنه فقياس المذهب أنه ينبني على الروايتين في إمكان المسير، هل هو من شرائط الوجوب، أو من شرائط لزوم السعي؟ فإن قلنا: من شرائط لزوم السعي ثبت الحج في ذمته، هذا يحج عنه

стр. 332

بعد موته، وإن قلنا: من شرائط الوجوب لم يجب عليه شيء" (١). وأما إذا كان العاجز ببدنه عجزًا دائمًا، واجدًا للمال، ولمن ينوب عنه في أداء ما عليه من الحج الواجب، فهل يلزمه أن يستنيب من يحج عنه أم لا؟ اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: يجب على العاجز ببدنه عجزًا دائمًا أن يستنيب من يحج عنه. وإلى هذا القول ذهب أبو حنيفة في رواية عنه (٢)، وهو المذهب عند الشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، والظاهرية (٥). وبه قال جمع من السلف منهم: علي بن أبي طالب ﵁، والحسن البصري، وسفيان الثوري (٦)، وعبد الله بن المبارك (٧)، واسحاق ابن

стр. 333

راهويه (١). القول الثاني: يجوز للعاجز عجزًا دائمًا أن يستنيب من يحج عنه، ولا يجب عليه ذلك. وإلى هذا ذهب الحنفية، وهو المذهب عندهم (٢)، وبه قال بعض المالكية، ولكنهم قالوا يجوز ذلك مع الكراهة (٣). قال محمد بن الحسن (٤): "لا بأس بالحج عن الميت، وعن الرجل، والمرأة، إذا بلغا من الكبر ما لا يستطيعان أن يحجا، وهو قول أبي حنيفة والعامة من أصحابنا" (٥). القول الثالث: لا تجوز النيابة في الحج الواجب عن العاجز ببدنه عجزًا دائمًا، وإن كان مستطيعًا بماله، وإن وجد من ينوب عنه في ذلك. وبهذا قال المالكية في المشهور عندهم، وهو المعتمد من مذهبهم على الصحيح (٦).

стр. 334

قال الدسوقي (١): "والمعتمد منع النيابة عن الحي مطلقًا أي: سواء كان صحيحًا أم مريضًا، كانت النيابة في الفرض أم في النفل ... ولا فرق بين أن تكون النيابة بأجرة أم تطوعًا" (٢). سبب الخلاف: يرجع سبب الخلاف بين العلماء في هذه المسألة إلى أمرين: الأول: معارضة القياس للأثر. قال ابن رشد (٣) مبينًا ذلك: "وذلك أن القياس يقتضي أن العبادات لا ينوب فيها أحد عن أحد؛ فإنه لا يصلي أحد عن أحد باتفاق، ولا يزكي أحد عن أحد، وأما الأثر المعارض لهذا فحديث ابن عباس المشهور ... " (٤). وقد ذكر حديث الحثعمية، وسيأتي الكلام حوله مفصلاً. الثاني: دخول العاجز عجزًا دائمًا المستطيع بغيره وماله تحت قوله تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا (٩٧)﴾ [آل عمران: ٩٧]، فبعض العلماء قال: يدخل؛ فاجاز النيابة، وهم أصحاب

стр. 335

القولين الأولين، والبعض قال: لا يدخل؛ لأنه عاجز غير مستطيع بالنظر إلى نفسه، فلا يدخل في عموم الآية، وهؤلاء هم أصحاب القول الثالث (١). الأدلة والمناقشة: • أولاً: أدلة المانعين من النيابة، وهم أصحاب القول الثالث: استدل هؤلاء بأدلة من القرآن، والسنة، والأثر، والمعقول. أ - أدلتهم من القرآن الكريم: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا (٩٧)﴾ [آل عمران: ٩٧]. وجه الاستدلال: الاستدلال بهذه الآية من عدة وجوه: الوجه الأول: أن الحج إنما فرضه الله تعالى على المستطيع إجماعًا، والمعضوب، والمريض لا استطاعة لهما (٢). الوجه الثاني: أن الله تعالى إنما أوجب الحج عمن يستطيع الوصول بنفسه إلى بيت الله الحرام، والعاجز ببدنه لا يستطيع الوصول، فلا يتناوله الخطاب (٣). الوجه الثالث: أن المراد بالاستطاعة في الآية هي الاستطاعة البدنية؛ إذ لو كانت المالية لقال: إحجاج البيت، والحج فرع بين أصلين: أحدهما: بدني صرف؛ كالصلاة، والصيام، فلا استنابة فيه. والآخر: مالي صرف؛ كالصدقة، والزكاة، يستناب فيه، والحج فيه عمل بدن، ونفقة مال، فمن غلب البدن رده إلى الصلاة، ومن غلب المال

стр. 336

رده إلى الصدقة (١). مناقشة الاستدلال: وجوه الاستدلال الثلاثة مردّها إلى أن المراد بالاستطاعة في الآية هي الاستطاعة البدنية فقط دون المالية، وما دام أنه عاجز ببدنه، فلا استطاعه له فلا يجوز له أن يستنيب غيره لسقوط فرض الحج عنه. ويناقش ذلك: بأن الاستطاعة في الآية جاءت عامة؛ فتشمل من كان مستطيعًا بنفسه وماله، وبغيره، والعاجز ببدنه مستطيع بماله وبغيره فيدخل في عموم الآية الكريمة (٢). الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النجم: ٣٩]. الدليل الثالث: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (١٨)﴾ [فاطر: ١٨]. وجه الاستدلال من الآيتين الكريمتين: فقد أخبر الله جل وعلا أن الإنسان ليس له إلا ما اكتسب بنفسه، وليس له إلا ما سعى فيه بنفسه، وليس له ما سعى فيه غيره، والنيابة إنما هي سعي الغير، فلا تصح؛ فمن قال: إن له سعي غيره، فقد خالف ظاهر الآية (٣). مناقشة الاستدلال: أولاً: أن الآية ليست على عمومها، بل هي مخصوصة بالنصوص الكثيرة الدالة على جواز النيابة عن المعضوب، ومن في حكمه، وستأتي.

стр. 337

قال ابن حزم: "هذه سورة مكية بلا خلاف، وهذه الأحاديث كانت في حجة الوداع، فصح أن الله تعالى بعد أن لم يجعل للإنسان إلا ما سعى تفضل على عباده، وجعل لهم ما سعى فيه غيرهم عنهم بهذه النصوص الثابتة" (١). ب - أدلتهم من السنة: الدليل الأول: عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من ملك زادًا وراحلة تبلغه إلى بيت الله ولم يحج، فلا عليه أن يموت يهوديًا، أو نصرانيًا؛ وذلك أن الله تعالى يقول في كتابه: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا (٩٧)﴾ [آل عمران: ٩٧] (٢). وجه الاستدلال: في هذا الحديث جعل رسول الله ﷺ شرط وجوب الحج على المكلف أن يكون له مال يوصله إلى بيت الله الحرام؛ وذلك بقوله: "زادًا وراحلة"، وزاد المعضوب

стр. 338

وراحلته لا يبلغانه بيت الله تعالى، فصار وجوده كعدمه (١). مناقشة الاستدلال: أولاً: إن هذا الحديث لا يصح؛ قال الترمذي: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وفي إسناده مقال، وهلال بن عبد الله (٢) مجهول، والحارث (٣) يُضعف في الحديث" (٤). ثانيًا: لو سلمنا صحة الحديث، فإنه لا دلالة فيه على منع النيابة عن المعضوب، ومن في حكمه؛ لأنه ليس له ذكر في الحديث، فظاهره في الصحيح المالك للمال الموصل إلى بيت الله الحرام، أما العاجز المالك للمال فلم يتعرض له الحديث بنفي، ولا إثبات فيؤخذ حكم الاستنابة في حقه من أدلة أخرى (٥). ج - أدلتهم من الأثر: الدليل الأول: ما ورد عن ابن عمر ﵄ أنه قال: لا يصومن أحد عن أحد، ولا يحجن أحد عن أحد (٦).

стр. 339

الدليل الثاني: عن القاسم بن محمد قال (١): لا يحج أحد عن أحد (٢). وجه الاستدلال من الأثرين: يدل الأثران على منع النيابة في الحج مطلقًا. مناقشة الاستدلال: يمكن مناقشة هذه الآثار بما يأتي: أن هذه الآثار معارضة بما جاء عن النبي ﷺ حيث صحت الأحاديث في النيابة عن المعضوب ومن في حكمه. ثم إن هذه الآثار معارضة بآثار صحيحة عن الصحابة؛ كابن عباس وغيره، وستأتي. د- أدلتهم من المعقول: الدليل الأول: قالوا: إن الحج عبادة لا تصح فيها النيابة مع القدرة، فكذا مع العجز كالصلاة (٣). مناقشة الاستدلال: أولاً: إن هذا قياس جاء في مقابلة نصوص كثيرة تدل على النيابة كما سيأتي، والقياس في مصادمة النص باطل (٤). ثانيًا: إن قياس الحج على الصلاة قياس مع الفارق؛ فإن الحج عبادة يدخلها المال بخلاف الصلاة (٥).

стр. 340

الدليل الثاني: قالوا: لو صحت النيابة في الحج - وهو من العبادات البدنية - لصحت في الأعمال القلبية كالإيمان، وغيره من الصبر، والشكر، والرضا، والتوكل ... وما أشبه ذلك، ولم تكن التكاليف واجبة على المكلف عينًا لجواز النيابة، فيكون مخيرًا ابتداءً بين الفعل والاستنابة (١). مناقشة الاستدلال: يمكن مناقشة هذا التعليل بما يأتي: أولاً: أن قياس الحج على الإيمان، وأعمال الإيمان القلبية قياس فاسد؛ لأن النصوص جاءت بجواز النيابة، بل بإيجابها في الأول دون الثاني، فيكون قياسًا في مقابلة النص. ثانيًا: وأما قولهم: "لم تكن التكاليف واجبة، بل يكون المكلف مخيرًا ابتداءً ... " فيجاب عن ذلك بأن: هذا كلام لا يستقيم؛ لأننا لا نقول بجواز الاستنابة مطلقًا، سواء أكان قادرًا أم عاجزًا دون قيد أو شرط، بل الاستنابة مقيدة، وقد ذكر ذلك في محل النزاع. ثانيًا: أدلة القائلين بالجواز دون الوجوب: وهؤلاء هم أصحاب القول الثاني وأدلة هؤلاء في مجملها هي أدلة أصحاب القول الأول القائلين بالوجوب، ولكنهم حملوها على الجواز دون الوجوب، فإن استناب غيره جاز له ذلك، وصحت الاستنابة، وسياتي ذكر هذه الأدلة، وبيان دلالتها على الوجوب لا الجواز. وقد استدلوا على الجواز بأدلة أخرى منها: الدليل الأول: من السنة: ما جاء عن ابن عباس ﵄: أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ : أأحج عن أبي؟ قال ﷺ : (نعم، إن لم تزده خيرًا لم تزده

стр. 341

شرًا) (١). وجه الاستدلال: قالوا: في قوله ﷺ : (إن لم تزده خيرًا لم تزده شرًا) دليل على أنه ندب لا فرض؛ لعدم جزمه ﷺ بأن الحج عنه يزده خيرًا (٢). مناقشة الاستدلال: أولاً: إن هذا حديث ضعيف تفرد به عبد الرزاق، عن الثوري؛ فلم يروه أحد من أصحاب الثوري (٣) الذين هم أعلم به من عبد الرزاق. وعليه فيكون هذا الحديث خطأ من عبد الرزاق. قال ابن عبد البر: "أما هذا الحديث فقد حملوا فيه على عبد الرزاق لانفراده به عن الثوري من بين سائر أصحابه، وقالوا: هذا حديث لا يوجد في الدنيا عند أحد بهذا الإسناد إلا في كتاب عبد الرزاق، أو في كتاب من أخرجه من كتاب عبد الرزاق، ولم يروه أحد عن الثوري غيره، وقد خطأوه فيه، وهو عندهم خطأ" (٤). ثانيًا: قالوا: إن لفظ هذا الحديث منكر، لا تشبه ألفاظ النبي ﷺ ، إذ كيف يأمر بما لا يدري، هل ينفع أم لا ينفع (٥).

стр. 342

الدليل الثاني: من المعقول: قالوا: إن المقصود بعبادة الحج هو تعظيم البقعة بالزيارة، والمال شرط يتوصل به إلى هذا المقصود، وهذالمقصد فائت في حق المعضوب، ولا يعتبر وجود الشرط - وهو وجود المال -؛ لأن الشرط تبع، والتبع لا يقوم مقام الأصل في إثبات الحكم به أبتداء، لأن المال ليس ببدل عن أصل الحج، لأن الحج لا يتأدى بالمال، وإنما يتأدى بمباشرة النائب بالحج عنه، فإذا لم يكن المال بدلاً عن أصل الحج فلا يثبت الوجوب باعتباره (١). مناقشة هذا التعليل: يمكن مناقشة هذا التعليل بما يأتي: أولاً: لا نسلم لكم أن المقصود من الحج هو تعظيم البقعة بالزيارة فقط، بل له مقاصد كثيرة منها إنفاق المال في سبيل الله، وهذا يتأتى من المعضوب ومن في حكمه، ولا يسقط الميسور بالمعسور (٢). ثانيًا: سلمنا لكم أن المقصود من الحج هو تعظيم البقعة بالزيارة، لكن هذا المقصود يحصل بمباشرة الشخص نفسه، وبنائبه، بدليل إقراره ﷺ كذلك، وأمره به كما دلت على ذلك الأحاديث الكثيرة كما سيأتي.

стр. 343

ثالثًا: إنَّ الأدلة الكثيرة قد قامت على وجوب النيابة - كما سيأتي -؛ فلا عبرة بهذا التعليل. ثالثًا: أدلة القائلين بوجوب النيابة: وهؤلاء هم أصحاب القول الأوّل، وقد استدلوا لما ذهبوا إليه بأدلة كثيرة من القرآن، والسُّنَّة، والأثر، والمعقول: أ - أدلتهم من القرآن: الدّليل الأوّل: قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]. وجه الاستدلال: أن الله تعالى قد أوجب الحجِّ على المستطيع، والاستطاعة على معنيين: أحدهما: أن يستطيع الحجِّ بنفسه وماله. والآخر: أن يعجز عنه بنفسه ... ، ولكنه يستطيع بماله، ويجد من ينوب عنه، والعاجز ببدنه يستطيع على المعنى الآخر، فيدخل تحت الآية، فيجب عليه ان يستنيب من يحج عنه (١). ومما يؤيد هذا أن الاستطاعة عند العلماء هي الزّاد، والراحلة، كما ورد في عدة روايات، وهي بمجموعها صالحة للاحتجاج، والعمل على ذلك عند أهل العلم، قال التّرمذيّ بعد ذكر حديث الزّاد والراحلة: "هذا حديث حسن، والعمل عليه عند أهل العلم أن الرَّجل إذا ملك زادًا وراحلة وجب عليه الحجِّ" (٢). ثانيًا: الأدلة من السُّنَّة: الدّليل الأوّل: عن ابن عبّاس ﵄ أنّه قال: كان الفضل بن عبّاس

стр. 344

رديف رسول الله ﷺ ، فجاءته امرأة من خثعم تستفتيه، فجعل الفضل ينظر إليها، وتنظر إليه، فجعل رسول الله ﷺ يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر قالت: يا رسول الله إنَّ فريضة الله على عباده في الحجِّ أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة، أفاحج عنه؟ قال ﷺ : "نعم" (١). وفي رواية: قالت: يا رسول الله، إنَّ أبي شيخ كبير عليه فريضة الله في الحجِّ، وهو لا يستطيع أن يستوي على ظهر بعيره، فقال النّبيّ ﷺ : (فحجي عنه) (٢). وفي رواية: قالت: فهل يقضى عنه أن أحج عنه؟ قال ﷺ : "نعم" (٣). وجه الاستدلال: حيث أمر النّبيّ ﷺ المرأة أن تحج عن أبيها الفريضة بقوله ﷺ : (فحجي عنه)، والأمر المطلق يقتضي الوجوب، كما هو الراجح عند الأصوليين (٤) ثمّ إنَّ المرأة قد ذكرت أن فريضة الحجِّ لازمة على أبيها في هذه الحالة، ولم ينكر عليها النّبيّ ﷺ ، بل أمرها بالحج عنه؛ فدل على أن الحجِّ يجب على المعضوب، ومن في حكمه (٥). الدّليل الثّاني: عن أبي رزين العقيلي، أنّه أتى النّبيّ ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إنَّ أبي شيخ كبير لا يستطيع الحجِّ، ولا العمرة، ولا الظعن؛ فقال ﷺ : (حج عن

стр. 345

أبيك، واعتمر) (١). وجه الاستدلال: حيث أمر النّبيّ ﷺ أبا رزين بالحج عن أبيه، وقد بين له أبو رزين حال أبيه، وأنّه عاجز ببدنه، ومع هذا فقد أمره بالحج؛ فدل على أن العاجز ببدنه عجزًا دائمًا يلزمه الحجِّ، وزاد فيه العمرة؛ فدل على أنّها كالحج في الحكم. الدّليل الثّالث: عن ابن عبّاس ﵄، أن رجلًا جاء إلى النّبيّ ﷺ ، فقال: إنَّ أبي شيخ كبير لا يستطيع أن يحج، أفاحج عنه؟ قال رسول الله: "نعم". قال الرَّجل: أيجزئ عنه؟ قال ﷺ : إنَّعم، أرأيت لووإن على أبيك دين، فقضيته عنه، ألَّا يجزئ عنه؛ فإنّما هو مثل ذلك) (٢). وجه الاستدلال: حيث بين رسول الله ﷺ أن الحجِّ واجب على العاجز؛ كالشيخ الكبير، ونحوه؛ لأنّه شبهه بالدين، والدين واجب الأداء، فيجب على العاجز ببدنه أن يستنيب من يحج عنه، وقد أكد النّبيّ ﷺ ذلك بقوله: (فإنّما هو مثل ذلك)، أي: مثل الدِّين في وجوب الأداء.

стр. 346

وقد وردت أحاديث كثيرة في معنى الأحاديث السابقة، وفيما ذكرته غنية. مناقشة الاستدلال بالاحاديث السابقة: أورد المانعون بعض المناقشات على الأحاديث السابقة، منها: أوَّلًا: أن النيابة في الأحاديث السابقة إنّما وقعت على سبيل التبرع، وليس فيها تصريح بالوجوب (١). قال القرطبي: "حديث الخثعمية ليس مقصوده الإيجاب، وإنّما مقصوده الحث على بر الوالدين، والنظر في مصالحهما دنيا ودينًا، وحبب المنفعة إليهما جبلة وشرعًا ... ". ثمّ ذكر حديث تشبيه الحجِّ بالدين، ثمّ قال: " ... ففي هذا ما يدلُّ على أنّه من باب التطوعات، وإيصال البرّ، والخيرات للأموات .... " (٢). ويجاب عن ذلك بما يلي: ١ - لا نسلم لكم أن هذه النصوص لا تصريح فيها بالإيجاب، أو أنّه ليس المقصود منها الإيجاب، بل قد جاء الإيجاب فيها بالفاظ صريحة نحو قوله ﷺ : (فحجي عنه)، وقوله ﷺ : "حج عن أبيك، واعتمر" (٣). ٢ - سلمنا أنّها لا تفيد الوجوب، وأنّها من باب التبرعات والبر، وعليه فإنها في هذه الحالة تفيد جواز النيابة، وأنتم لا تقولون به. ومن ثمّ تكونون قد نقضتم مذهبكم المانع من النيابة مطلقًا (٤). ثانيًا: قالوا: إنَّ ما رخص فيه النّبيّ ﷺ للخثعمية إنّما هو خاص بها، كما اختص سالم مولى أبي حذيفة بجواز الرضاعة بعد الحولين، أي: الرضاعة في الكبر

стр. 347

مع اشتراط الله تعالى تمام الرضاعة في الحولين (١). واحتجوا لدعوى الخصوصية هذه، بزيادة وردت في بعض طريق الحديث، وفيها قوله ﷺ : (لتحجي عنه، وليس لأحدٍ بعده) (٢). ويجاب عن دعوى الخصوصية بما يأتي: ١ - أن الأصل عدم الخصوصية (٣)؛ فالعام يعمل به حتّى يردّ ما يخصصه، ولادليل على التخصيص هنا. ٢ - أن القياس على قصة سالم مولى أبي حذيفة قياس مع الفارق، فلا يصح. وبيان ذلك: أن قصة سالم (٤)، جاءت معارضة لاشتراط الله تمام الرضاعة في الحولين (٥)، ولأجل هذا التعارض ذهب الجمهور إلى أنّه لا يحرم من الرضاع إِلَّا ما كان في الصغر، وأمّا قصة سالم فهي خاصّة بسالم، ورخصه له دون غيره (٦). وأمّا حديث الخثعمية فلا شيء يعارضه من كتاب الله، ولا من سنة رسوله ﷺ .

стр. 348

٣ - أن هذه الزيادة الّتي احتجوا بها لا تصح؛ فقد وردت بإسنادين ضعيفين (١). قال الحافظ ابن حجر: "ولا حجة فيه؛ لضعف الإسنادين مع إرسالهما، وقد عارضه قوله ﷺ في حديث الجهنية الاضي في الباب: (اقضوا الله، فالله أحق بالوفاء) (٢). ثالثًا: قالوا: إنَّ هذه الأحاديث خاصّة بالابنيحج عن أبيه، أمّا غيره فلا (٣). ويجاب عن ذلك: بأن هذا جمود (٤)، ويرد هذا القول ما جاء في رواية عن ابن عبّاس؛ قال: جاء رجل إلى النّبيّ ﷺ ، فقال: إنَّ أختي ماتت، ولم تحج؛ أفاحج عنها؟ فقال النّبيّ ﷺ : (أرأيت لو كان عليها دين فقضيته، فالله أحق بالوفاء) (٥). ووجه الاستدلال من هذا الحديث ظاهر؛ فالسائل هنا أخ عن أخته، لا ابن عن أبيه؛ فبطل ما زعموا. ج- أدلتهم من الأثر: الدّليل الأوّل: عن مسلم القُرّي (٦)، قال: قلت لابن عبّاس ﵄: إنَّ أمي حجت، ولم تعتمر، أفاعتمر عنها؟ قال: نعم (٧).

стр. 349

الدّليل الثّاني: عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب أنّه قال في الشّيخ الكبير: إنّه يجهز رجلًا بنفقته، فيحج عنه (١). وجه الاستدلال من الأثرين: حيث أفتى الصّحابة ﵃ بوجوب الحجِّ عن الشّيخ الكبير، ومن في حكمه (٢). وقد ورد نحو ذلك عن عطاء، وطاووس، ومجاهد (٣)، وسعيد بن المسيَّب (٤)، وغيرهم (٥). د - أدلتهم من المعقول: الدّليل الأوّل: القياس على الصوم، فكما أن الحجِّ عبادة تجب بإفسادها الكفارة، فجاز أن يقوم غير فعله فيها مقام فعله، كالصوم، فإنّه إذا عجز عنه افتدى (٦). مناقشة هذا الدّليل: هذا قياس مع الفارق، فلا يصح؛ لأنّ الفدية في حق الشّيخ الفانى بدل عن أصل الصوم بالنص، بخلاف الحجِّ فإن المال ليس بديلًا عن أصل الحجِّ، بدليل أنّه

стр. 350

لا يتأدى بالمال، وإنّما يتأدى بمباشرة النائب بالحج عنه (١). الدّليل الثّاني: قالوا: إنَّ المعضوب، ومن في حكمه يصدق عليه أنّه مستطيع، فيجب عليه الحجِّ؛ وذلك لأنّ الاستطاعة كما تكون بالنفس، تكون ببذل المال، وطاعة الرجال، ولهذا يقال لمن لا يحسن البناء: إنك مستطيع بناء دارك إذا كان معه ما يفي ببنائها (٢). الدّليل الثّالث: القياس على الميِّت: فكما أنّه تجوز النيابة عن الميِّت فكذلك العاجز ببدنه عجزًا دائمًا يحامع أن كلًا منهما قد أيس من الحجِّ بنفسه (٣). الترجيح: من خلال ما سبق من أدلة، وما دار حولها من مناقشات، وما أجيب به عنها يظهر- والله أعلم- رجحان القول الأوّل القاضي بوجوب النيابة في الحجِّ على العاجز عجزًا دائمًا، كالمعضوب ومن حكمه، إذا كان واجدًا للمال، ولمن ينوب عنه؛ وذلك لوجوب الحجِّ عليه. وإذا كان الحجِّ واجبًا عليه فإنّه يجب عليه في هذه الحالة أن يستنيب من يمَضي عنه الحجِّ الواجب عليه. ويعود سبب ترجيح هذا القول إلى ما يأتي: أوَّلًا: قوة أدلة أصحاب هذا القول، حيث جاءت أدلتهم ظاهرة في الوجوب من حيث الدلالة، وأمّا من حيث الثبوت فإن لهم أدلة من القرآن، وأدلة من السُّنَّة معظمها في البخاريّ ومسلم، أو في أحدهحا، وما كان منها خارجًا عن الصحيحين فهو صحيح، لا شك في صحته. ثانيًا: أن ما استدل به أصحاب الأقوال الأخرى من أدلة أمكن مناقشتها بما يضعف من دلالتها.

стр. 351

ثالثًا: إنَّ في ترجيح هذا القول إعمال لظاهر الآية، ولظاهر النصوص الّتي جاءت صريحة عن النّبيّ ﷺ في الدلالة على ما نحن فيه. رابعًا: في ترجيح هذا القول أخذ بالأحوط في الشّريعة الإسلامية؛ فإن الحجِّ أحد أركان الإسلام، ولا يجب في عمر الإنسان إِلَّا مرّة واحدة؛ فالاحتياط له مطلوب. المسألةُ الثّانية: النيابة عن العاجز عجزًا مؤقتًا العاجز عجزًا مؤقتًا كالمريض الّذي يُرجى برؤه، والمحبوس، ومن في حكمه، هل يجوز لهؤلاء الاستنابة في أداء ما وجب عليهم من حج أم لا؟ أم هل ينتظرون حتّى يزول العذر، ثمّ يؤدون الحجِّ بانفسهم؟ اتفق العلماء على أنّه لا يجوز لهؤلاء الاستنابة ابتداء، بل عليهم الانتظار حتّى يزول العذر، ثمّ يؤدون الحجِّ بانفسهم (١). ولكن، إذا خالف من كان عذره مؤقتًا، فاستناب من يؤدِّي عنه الحجِّ الواجب، فما الحكم؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأوّل: إنَّ الاستنابة لا تصح في هذه الحالة، ولا يجزئه الحجِّ عنه، ولاتبرأ ذمته بذلك، وإذا صح وجب عليه الحجِّ بنفسه. وإلى هذا ذهب جمهور العلماء من المالكية (٢)، وهو القول الصحيح عند

стр. 352

الشّافعيّة (١)، وهو قول الحنابلة (٢). القول الآخر: في ذلك تفصيل، وبيانه كالآتي: أ - أن يستمر العذر حتّى يموت . وفي هذه الحالة يكون الحجِّ عنه قد وقع مجزئًا، وتبرأ ذمته. ب- أن يزول عذره قبل الموت . وفي هذه الحالة يتبين أن الحجِّ لم يقع مجزئًا، ويجب عليه أن يباشر الحجِّ بنفسه. وإلى هذا ذهب الحنفية (٣)، وهو قول عند الشّافعيّة (٤). إِلَّا أن أبا يوسف، صاحب الإمام أبي حنيفة، لم يربط صحة الاستنابة هنا باستمرار العذر إلى الموت، وعدمه، وإنّما ربط ذلك بفعل النائب، فإذا برئ المريض، أو خبرج السجين قبل فراغ النائب من الحجِّ لزم المستنيب الإعادة بنفسه، وإن لم يبرأ إِلَّا بعد فراغ النائب فلا إعادة عليه، ويجزئه فعل النائب، وتبرأ ذمته (٥). سبب الخلاف: يعود سبب الخلاف إلى أن العاجز عجزأ مؤقتًا المريض ونحوه، فيه شبهان شبه بالصحيح، وشبه بالمأيوس منه، فأمّا كونه يشبه الصحيح فلأن عذره مرجو الزَّوال، فأشبه الصحيح، وأمّا كونه يشبه المأيوس منه فلأنّه لا يقدر على الحجِّ بنفسه، فأشبه المأيوس من برئه.

стр. 353

فمن غلب الجانب الأوّل منع النيابة عنه مطلقًا، ومن غلّب الجانب الآخر صحح النيابة عنه، وقال: يجزئه الحجِّ من النائب. الأدلة والمناقشة: أ - أدلة أصحاب القول الثّاني: استدلوا على مذهبهم ببعض الأدلة العقلية، منها: الدّليل الأوّل: قالوا: إنَّ العلّة في جواز النيابة عن العاجز هي حصول اليأس عن الأداء بالبدن، وحينئذ تجوز له الاستنابة، والعاجز عجزًا مؤقتًا إنَّ دام به العذر إلى أن مات، تحقق اليأس عن الأداء بالبدن فوقع الحجِّ عنه موقع الجواز، وتبرأ ذمته. وإن برأ من مرضه، أو خرج من حبسه تبين أنّه لم يقع فيه الياس عن الأداء بالبدن؛ فيلزمه حينئذ أن يحج بنفسه (١). مناقشة هذا الدّليل: أوَّلًا: حاصل هذا التعليل هو إلحاق من يرجى زوال عذره بمن لا يُرجى زوال عذره، وهو المأيوس منه، وفي هذا الإلحاق نظر؛ لأنّ المأيوس من برئه عاجز على الإطلاق، آيس من القدرة على الأصل، فأشبه الميِّت (٢). ثانيًا: أن النص قد ورد في الحجِّ عن الشّيخ الكبير، وهو ممّن لا يُرجى منه الحجِّ بنفسه، فلا يقاس عليه إِلَّا من كان مثله (٣). ب - أدلة أصحاب القول الأوّل: استدل هؤلاء بما يأتي:

стр. 354

الدّليل الأوّل: قالوا: إنَّ العاجز عجزًا مؤقتًا يرجو القدرة على الحجِّ بنفسه، فلم يكن له الاستنابة، ولا تجزئه إنَّ فعل كالفقير (١)، فإن الفقير يرجو الغنى، ولذا لا تجوز له اللاستنابة. الدّليل الثّاني: أن النص إنّما جاء في حق من كان عذره دائمًا، كالشيخ الكبير، ومن في حكمه، فيقتصر على ما ورد به النص، ويلحق به من كان مثله (٢). الترجيح: الّذي يظهر من خلال الأدلة، والمناقشات هو رجحان القول الأوّل القاضي بمنع الاستنابة في حق من يرجى زوال عذره كالريض مرضًا عارضًا، والمحبوس، ومن في حكمه. ووجه هذا الترجيح قوة ما علل به أصحاب القول الأوّل؛ حيث جاء متمشيًا مع ظاهر الأدلة، وأصول الشّرع. وما علل به أصحاب القول الثّاني إنّما هو قياس لا يصح، كما سبق بيانه. ثمّ إنّه جاء مخالفًا لظاهر الأحاديث النبوية الّتي جاءت فيها الرُّخصة لمن كان عجزه دائمًا دون من سواه.

стр. 355

المطلب الثّاني النيابة في حج التطوع الفرع الأوّل النيابة عن القادر في حج التطوع تقدّم الكلام عن النيابة عن الحي القادر في الحجِّ الواجب، وأنّها لا تصح بالإجماع. أمّا النيابة عن الحي القادر الصحيح في حج التطوع فقد اختلف العلماء في حكمها على قولين: القول الأوّل: يجوز للحي القادر على الحجِّ بنفسه أن يستنيب في حج التطوع. بهذا قال الحنفية (١)، والشّافعيّة في قول (٢)، وهو إحدى الروايتين عند الحنابلة، وهي المذهب (٣).
следующие страницы →