← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1405

أخذ المال على أعمال القرب

عادل شاهين

Полный текст (816 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

ثالثًا: إنَّ في ترجيح هذا القول إعمال لظاهر الآية، ولظاهر النصوص الّتي جاءت صريحة عن النّبيّ ﷺ في الدلالة على ما نحن فيه. رابعًا: في ترجيح هذا القول أخذ بالأحوط في الشّريعة الإسلامية؛ فإن الحجِّ أحد أركان الإسلام، ولا يجب في عمر الإنسان إِلَّا مرّة واحدة؛ فالاحتياط له مطلوب. المسألةُ الثّانية: النيابة عن العاجز عجزًا مؤقتًا العاجز عجزًا مؤقتًا كالمريض الّذي يُرجى برؤه، والمحبوس، ومن في حكمه، هل يجوز لهؤلاء الاستنابة في أداء ما وجب عليهم من حج أم لا؟ أم هل ينتظرون حتّى يزول العذر، ثمّ يؤدون الحجِّ بانفسهم؟ اتفق العلماء على أنّه لا يجوز لهؤلاء الاستنابة ابتداء، بل عليهم الانتظار حتّى يزول العذر، ثمّ يؤدون الحجِّ بانفسهم (١). ولكن، إذا خالف من كان عذره مؤقتًا، فاستناب من يؤدِّي عنه الحجِّ الواجب، فما الحكم؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأوّل: إنَّ الاستنابة لا تصح في هذه الحالة، ولا يجزئه الحجِّ عنه، ولاتبرأ ذمته بذلك، وإذا صح وجب عليه الحجِّ بنفسه. وإلى هذا ذهب جمهور العلماء من المالكية (٢)، وهو القول الصحيح عند

стр. 352

الشّافعيّة (١)، وهو قول الحنابلة (٢). القول الآخر: في ذلك تفصيل، وبيانه كالآتي: أ - أن يستمر العذر حتّى يموت . وفي هذه الحالة يكون الحجِّ عنه قد وقع مجزئًا، وتبرأ ذمته. ب- أن يزول عذره قبل الموت . وفي هذه الحالة يتبين أن الحجِّ لم يقع مجزئًا، ويجب عليه أن يباشر الحجِّ بنفسه. وإلى هذا ذهب الحنفية (٣)، وهو قول عند الشّافعيّة (٤). إِلَّا أن أبا يوسف، صاحب الإمام أبي حنيفة، لم يربط صحة الاستنابة هنا باستمرار العذر إلى الموت، وعدمه، وإنّما ربط ذلك بفعل النائب، فإذا برئ المريض، أو خبرج السجين قبل فراغ النائب من الحجِّ لزم المستنيب الإعادة بنفسه، وإن لم يبرأ إِلَّا بعد فراغ النائب فلا إعادة عليه، ويجزئه فعل النائب، وتبرأ ذمته (٥). سبب الخلاف: يعود سبب الخلاف إلى أن العاجز عجزأ مؤقتًا المريض ونحوه، فيه شبهان شبه بالصحيح، وشبه بالمأيوس منه، فأمّا كونه يشبه الصحيح فلأن عذره مرجو الزَّوال، فأشبه الصحيح، وأمّا كونه يشبه المأيوس منه فلأنّه لا يقدر على الحجِّ بنفسه، فأشبه المأيوس من برئه.

стр. 353

فمن غلب الجانب الأوّل منع النيابة عنه مطلقًا، ومن غلّب الجانب الآخر صحح النيابة عنه، وقال: يجزئه الحجِّ من النائب. الأدلة والمناقشة: أ - أدلة أصحاب القول الثّاني: استدلوا على مذهبهم ببعض الأدلة العقلية، منها: الدّليل الأوّل: قالوا: إنَّ العلّة في جواز النيابة عن العاجز هي حصول اليأس عن الأداء بالبدن، وحينئذ تجوز له الاستنابة، والعاجز عجزًا مؤقتًا إنَّ دام به العذر إلى أن مات، تحقق اليأس عن الأداء بالبدن فوقع الحجِّ عنه موقع الجواز، وتبرأ ذمته. وإن برأ من مرضه، أو خرج من حبسه تبين أنّه لم يقع فيه الياس عن الأداء بالبدن؛ فيلزمه حينئذ أن يحج بنفسه (١). مناقشة هذا الدّليل: أوَّلًا: حاصل هذا التعليل هو إلحاق من يرجى زوال عذره بمن لا يُرجى زوال عذره، وهو المأيوس منه، وفي هذا الإلحاق نظر؛ لأنّ المأيوس من برئه عاجز على الإطلاق، آيس من القدرة على الأصل، فأشبه الميِّت (٢). ثانيًا: أن النص قد ورد في الحجِّ عن الشّيخ الكبير، وهو ممّن لا يُرجى منه الحجِّ بنفسه، فلا يقاس عليه إِلَّا من كان مثله (٣). ب - أدلة أصحاب القول الأوّل: استدل هؤلاء بما يأتي:

стр. 354

الدّليل الأوّل: قالوا: إنَّ العاجز عجزًا مؤقتًا يرجو القدرة على الحجِّ بنفسه، فلم يكن له الاستنابة، ولا تجزئه إنَّ فعل كالفقير (١)، فإن الفقير يرجو الغنى، ولذا لا تجوز له اللاستنابة. الدّليل الثّاني: أن النص إنّما جاء في حق من كان عذره دائمًا، كالشيخ الكبير، ومن في حكمه، فيقتصر على ما ورد به النص، ويلحق به من كان مثله (٢). الترجيح: الّذي يظهر من خلال الأدلة، والمناقشات هو رجحان القول الأوّل القاضي بمنع الاستنابة في حق من يرجى زوال عذره كالريض مرضًا عارضًا، والمحبوس، ومن في حكمه. ووجه هذا الترجيح قوة ما علل به أصحاب القول الأوّل؛ حيث جاء متمشيًا مع ظاهر الأدلة، وأصول الشّرع. وما علل به أصحاب القول الثّاني إنّما هو قياس لا يصح، كما سبق بيانه. ثمّ إنّه جاء مخالفًا لظاهر الأحاديث النبوية الّتي جاءت فيها الرُّخصة لمن كان عجزه دائمًا دون من سواه.

стр. 355

المطلب الثّاني النيابة في حج التطوع الفرع الأوّل النيابة عن القادر في حج التطوع تقدّم الكلام عن النيابة عن الحي القادر في الحجِّ الواجب، وأنّها لا تصح بالإجماع. أمّا النيابة عن الحي القادر الصحيح في حج التطوع فقد اختلف العلماء في حكمها على قولين: القول الأوّل: يجوز للحي القادر على الحجِّ بنفسه أن يستنيب في حج التطوع. بهذا قال الحنفية (١)، والشّافعيّة في قول (٢)، وهو إحدى الروايتين عند الحنابلة، وهي المذهب (٣).

стр. 356

القول الآخر: لا يجوز للحي القادر أن يستنيب في حج التطوع، ولا تصح الاستنابة. وقد ذهب إلى هذا القول المالكية في المعتمد في المذهب (١)، وهو قول عند الشّافعيّة، وهو المذهب (٢)، وهو الرِّواية الثّانية عند الحنابلة (٣). الأدلة والمناقشة: أوَّلًا: أدلة القول الثّاني: استدل من منع الاستنابة في حق الصحيح القادر في حج التطوع بما يأتي: القياس على حج الفرض، فكما أن الصحيح القادر لا يجوز له الاستنابة في حج الفرض فكذلك لا تجوز الاستنابة في حج التطوع؛ لأنّه قادر على الحجِّ بنفسه (٤). مناقشة الاستدلال: نوقش هذا الدّليل بما يأتي: أنّه لا يلزم من المنع من الاستنابة في الفرض للقادر المنع منها في التطوع، لأنّ الأمر في التطوع موسع عليه، ويجوز فيه ما لا يجوز في الفرض، كما في الصّلاة، فإنّه يجوز في صلاة التطوع القعود فيها مع القدرة على القيام، ولا يجوز ذلك في الفرض، فكذا هنا (٥). الدّليل الثّاني: قالوا: إنَّ الأصل في أعمال الأبدان أن النيابة فيها لا تجوز، وإنّما

стр. 357

جاز في حجة الإسلام؛ لأجل الضّرورة، وتعذر أداء الفرض، وهذا غير موجود في حج التطوع، فلا تجوز الاستنابة فيه (١). مناقشة الاستدلال: يمكن مناقشة هذا الدّليل بما يأتي: أن النصوص، وإن دلت على جواز النيابة في الفرض للضرورة، إِلَّا أنّها لم تمنع النيابة في التطوع، ثمّ إنَّ فرض الحجِّ لازم لكل مكلف قادر مستطيع بنفسه، بخلاف التطوع، فإنّه لا يلزمه؛ فيجوز أن يفعله بنفسه، أو بغيره. ثانيًا: أدلة القول الأوّل: استدل من قال بالجواز بما يأتي: الدّليل الأوّل: قالوا: يجوز للقادر أن يستنيب في حج التطوع؛ لأنّه حجة لا تلزمه بنفسه، فجاز أن يستنيب فيها كالعضوب (٢). الدّليل الثّاني: قالوا: إنَّ كلّ عبادة جازت النيابة في فرضها، جازت النيابة في نفلها، كالصدقة. وعليه، فإذا جازت النيابة في فرض الحجِّ جازت النيابة في نفله (٣). الدّليل الثّالث: قالوا: إنَّ الاستنابة في حج التطوع هي عبارة عن إنفاق المال في طريق الحجِّ، ولو فعله الإنسان بنفسه كان طاعة عظيمة، فكذلك إذا صرفه إلى غيره ليفعله عنه يكون جائزًا، وأمّا كونه صحيحًا فلا يمنعه ذلك عن أداء التطوع بهذا الطريق، وإن كلان يمنعه من أداء الفرض؛ لأنّ الأمر في التطوع موسع عليه، فإنّه يجوز في التطوع ما لا يجوز في الفرض، كما في الصّلاة، فجوز في تطوعها أن يصلّي قاعدًا مع القدرة على القيام، فكذلك هنا في حجة الإسلام (٤). الترجيح: الراجح من القولاين هو القول الأوّل؛ لقوة ما عللوا به، ولأن ما علل به أصحاب القول الثّاني أمكن مناقشته.

стр. 358

الفرع الثّاني النيابة عن العاجز في حج التطوع العاجز عن الحجِّ سواء أكان عجزه دائمًا أم مؤقتًا، هل يجوز له الاستنابة في حج التطوع أم لا؟ اختلف العلماء في حكم ذلك على قولين: القول الأوّل: يجوز للعاجز أن يستنيب في حج التطوع. وإلى هذا ذهب الحنفية (١)، والشّافعيّة على القول الصحيح عندهم (٢)، والحنابلة (٣)، والظاهرية (٤). القول الآخر: لا يجوز للعاجز أن يستنيب في حج التطوع. وبه قال المالكية (٥)، وهو قول عند الشّافعيّة (٦). الأدلة والمناقشة: أوَّلًا: أدلة أصحاب القول الثّاني: استدل من منع الاستنابة في حج التطوع عن العاجز بما يأتي: الدّليل الأوّل: قالوا: لا تجوز الاستنابة في حج النفل عن العاجز؛ لأنّه غير مضطر إلى الاستنابة فيه، فلم تجز الاستنابة فيه قياسًا على الصحيح (٧).

стр. 359

مناقشة الاستدلال: يمكن مناقشة هذا الدّليل بما يأتي: أن القياس على الصحيح لا يصح؛ لأنّ ذلك قياس على مسالة خلافية، ثمّ إنّه قد تقدّم أن الراجح جواز الاستنابة في حق الصحيح. الدّليل الثاني: قالوا: إنَّ العبادات البدنية بعيدة عن قبول الاستنابة، وإنّما جوزنا ذلك في الفرض للضرورة (١). مناقشة الاستدلال: يمكن مناقشة هذا الدّليل بما يأتي: أوَّلًا: لا نسلم لكم أن العبادات البدنية بعيدة عن قبول الاستنابة، بل تقبل النيابة، وقد تقدّم ذلك في أكثر من مبحث. ثانيًا: أن الحجِّ ليس عبادة بدنية محضة، بل هو عبادة مركبة من المال، والبدن؛ ففارق العبادات البدنية بذلك (٢). ثالثًا: أن حج التطوع موسع فيه، بخلاف حج الفرض، فيجوز في التطوع ما لايجوز في الفرض، فلا يلزم من صحة الاستنابة في الفرض للضرورة منع ذلك في التطوع (٣). ثانيًا: أدلة أصحاب القول الأوّل: استدل من أجاز الاستنابة في حج التطوع عن العاجز بما يأتي: الدّليل الأوّل: قالوا: إنَّ الحجِّ عبادة تدخل النيابة في فرضها، فتدخل في نفلها؛ لأنّ كلّ عبادة جازت النيابة في فرضها جازت النيابة في نفلها كالصدقة (٤).

стр. 360

مناقشة الاستدلال: يمكن مناقشة هذا الدّليل بما يأتي: أوَّلًا: أن القياس على الزَّكاة لا يصح. لأنّه قياس مع الفارق، وبيان ذلك: أن الزَّكاة عبادة مالية محضة تدخل النيابة فيها إجماعًا، بخلاف الحجِّ فإنّه عبادة مركبة من المال، والبدن. ثانيًا: أن قياس جواز الاستنابة في النفل على جواز ذلك في الفرض غير مسلم؛ لأنّ النيابة في الفرض مختلف فيها، فمنعها البعض، وأجازها البعض، ثمّ إنَّ من أجازها في الفرض إنّما علل ذلك بالضرورة، ولا ضرورة في النفل. الدّليل الثّاني: قالوا: إنَّ حج النفل حج لا يلزمه، عجز عن فعله بنفسه، فجاز له أن يستنيب فيه كالشيخ الكبير (١). مناقشة الاستدلال: يمكن مناقشة هذا الدّليل بما يأتي: أن القياس على الشّيخ الكبير قياس مع الفارق، فإن الشّيخ الكبير ثبتت النيابة عنه بالنص للضرورة؛ لأنّ الحجِّ واجب عليه، بخلاف المستنيب في حج التطوع فإن الحجِّ ليس واجبًا عليه، فلا ضرورة تدعو للاستنابة. الترجيح: بالنظر في أدلة الفريقين، وما علل به كلّ فريق، وما ورد على هذه الأدلة من مناقشة يظهر رجحان القول الأوّل القاضي بجواز الاستنابة للعاجز في حج التطوع؛ وذلك لما يأتي: أوَّلًا: أن القول بالجواز أقرب إلى نصوص الشّرع، حيث جاءت النصوص تجيز الاستنابة في الفريضة، للعاجز، ونحوه، فإذا جازت النيابة في الفرض جازت في النفل من باب أولى.

стр. 361

ثانيًا: أن عُرف الشّرع التوسع، والتيسير في باب التطوعات، فيجوز في التطوع ما لا يجوز في الفرض، ومن أمثلة ذلك الصّلاة، كما مرّ سابقًا في الفرع الأوّل. ثالثًا: أن الاستطاعة كما تكون بالبدن تكون بالمال؛ لأنّ الحجِّ عبادة مركبة منهما، فإذا عجز ببدنه فهو مستطيع بما له، وبمن ينوب عنه، فيدخل تحت الآية ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، فإذا كان ذلك في الفرض، فكذلك في النفل؛ لأنّه يشترط في النفل ما يشترط للفوض، ولا فرق.

стр. 362

المبحث الثّاني النيابة في الحجِّ والعمرة عن الميِّت المطلب الأوّل النيابة عن الميِّت في الحجِّ الواجب اتفق العلماء على أن الميِّت إذا أوصى بالحج عنه، فإن النيابة عنه في هذه الحالة جائزة، ولا خلاف بينهم في ذلك (١). أمّا إذا مات، ولم يوص؛ فهل تصح النيابة عنه في هذه الحالة أم لا؟ اختلف العلماء في حكم ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأوّل: تجب النيابة عن الميِّت في الحجِّ الواجب إذا مات، ولم يوص به، ويلزم ورثته أن يقيموا من يحج عنه من رأس ماله، ولا بد، إذا لم يوجد من يحج عنه تطوعًا. وإلى هذا ذهب الشّافعيّة (٢)، والحنابلة (٣)، والظاهرية (٤)، وروي ذلك عن أبي

стр. 363

هريرة، وابن عبّاس، وهو قول الحسن البصري، وسعيد ابن المسيَّب، وعطاء، والأوزاعي (١)، والثوري، وأبي ثور، وإسحاق، وغيرهم (٢). القول الثّاني: قالوا: إنَّ النيابة عن الميِّت جائزة، وليست واجبة؛ لأنّ فرض الحجِّ يسقط عنه، فلا يجب على ورثته الإحجاج عنه، فإن تبرعوا عنه بالحج هم أو غيرهم ممّن هم أهل للتبرع جاز ذلك. وبهذا قال الحنفية (٣).

стр. 364

القول الثّالث: لا تجوز النيابة عن الميِّت في الحجِّ الواجب إذا لم يوص به، وهذا مذهب المالكية (١)، وبه قال بعض أهل العلم (٢). الأدلة والمناقشة: أوَّلًا: أدلة القول الثّالث: استدل من منع النيابة في الحجِّ الواجب عن الميِّت - إذا لم يوص - ببعض الأدلة منهاة الدّليل الأوّل: قوله تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]. وجه الاستدلال: أن الميِّت لا يستطيع سبيلًا إلى الحجِّ، لصدق قول من يقول: إنّه غير مستطيع بنفسه، فلا فرض عليه أصلًا حتّى تقع النيابة عنه (٣). مناقشة الاستدلال: أوَّلًا: إنَّ النيابة عن الميِّت قد ثبتت بالنص كما سيأتي (٤). ثانيًا: إنَّ الميِّت، كان كان غير مستطيع بنفسه، إِلَّا أنّه مستطيع بماله، وبغيره فهو بهذا المعنى داخل في عموم الآية. الدّليل الثّاني: قالوا: إنَّ الحجِّ شُرع لمصالح، ومقاصد عظيمة، ومن هذه المصالح: تأديب النفس بمقارفة الأوطان، وتهذيبها بالخروج عن المعتاد من المخيط، وغيره؛ ليذكر المعاد، والاندراج في الأكفان، وتعظيم شعائر الله تعالى في تلك

стр. 365

البقاع، وإظهار الانقياد من العبد لما لم يعلم حقيقته؛ كرمي الجمار، وهذه مصالح لا تحصل إِلَّا للمباشر، كالصلاة (١). مناقشة هذا الدّليل: أوَّلًا: إنَّ النيابة عن الميِّت قد ثبتت بالنص كما سيأتي، فلا عبرة بهذا التعليل. ثانيًا: إنَّ القياس على الصّلاة قياس لا يصح، وقد تقدّم الخلاف فيها، والقياس على أصل مختلف فيه لا يصح، وقد تقدّم بيان ذلك (٢). ثالثًا: إنَّ هذا قياس مع الفارق، فإن الحجِّ عبادة تشتمل على المال، والبدن، بخلاف الصّلاة، فإنها عبادة بدنية محضة لا يدخلها المال (٣). الدّليل الثّالث: قالوا: إنَّ الحجِّ عبادة بدنية، فتسقط بالموت، كالصلاة (٤). مناقشة الدّليل: يناقش هذا الدّليل بما نوقش به الدّليل الثّاني. ثانيًا: أدلة أصحاب القول الثّاني: استدل من قال بالجواز بما يأتي: يلحظ في أدلة هؤلاء أنّها ذات شقين: الشق الأوّل: أدلتهم على سقوط الواجب عن الميِّت. وأدلة هذا الشق هي نفسها أدلة المانعين، إِلَّا أن المالكية استدلوا بها على المنع من النيابة بالكلية، وأمّا الحنفية فاستدلوا بها على سقوط الواجب فقط، وأمّا فعل غيره عنه فيجوز (٥).

стр. 366

الشق الآخر: أدلتهم على جواز النيابة. وهذه الأدلة هي أدلة القائلين بالوجوب، إِلَّا أن الحنفية حملوها على الجواز دون الوجوب جمعًا بين الأدلة (١). ثالثًا: أدلة أصحاب القول الأوّل: استدل أصحاب هذا القول بادلة من القرآن، والسُّنَّة، والأثر، والمعقول: أ - أدلتهم من القرآن: قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النِّساء: ١٢]. وهذه الآية تقدمت مرارًا مع ذكر وجه الاستدلال منها، وما نوقش به وجه الاستدلال، وما أجيب به عن ذلك (٢). ب - أدلتهم من السُّنَّة: الدّليل الأوّل: عن بريدة ﵁ قال: جاءت امرأة إلى النّبيّ ﷺ ، فقالت: إنَّ أمي ماتت، ولم تحج، أفاحج عنها؟ قال: (نعم حجي عنها) (٣). وجه الاستدلال: حيث دل الحديث بظاهره على وجوب الحجِّ عن الميِّت، أوصى بذلك، أو لم يوص؛ فقد أمر رسول الله ﷺ المرأة بالحج عن أمها، ولم يستفصل منها، هل أوصت أم لا؛ فدل على وجوب النيابة على الأولياء في مال الميِّت مطلقًا، أوصى بذلك أم لم يوصِ.

стр. 367

الدّليل الثّاني: عن ابن عبّاس ﵄، أن امرأة من جهينة، جاءت إلى النّبيّ ﷺ ، فقالت: إنَّ أمي نذرت أن تحج، فلم تحج حتّى ماتت؛ أفاحج عنها؟ قال ﷺ : "نعم، حجي عنها؛ أرأيت لو كان على أمك دين، أكنت قاضيته؟ اقضوا الله، فالله أحق بالوفاء" (١). وفي رواية عن ابن عبّاس ﵄ قال: أتى رجل النّبيّ ﷺ ، فقال: إنَّ أختي نذرت أن تحج، وإنها ماتت؛ فقال النّبيّ ﷺ : "لو كان عليها دين أكنت قاضيه"؟ قال: نعم؛ فقال: "فاقض الله، فهو أحق بالقضاء" (٢). وجه الاستدلال: حيث دلّ الحديث بظاهره على أن من مات، وعليه حج، وجب على وليه أن يجوز من يحج عنه من رأس ماله، كما أدت عليه قضاء ديونه، وقد أجمعوا على أن دين الآدمي من رأس المال، فكذلك ما شبه به في القضاء" (٣). الدّليل الثّالث: عن ابن عبّاس ﵄، قال: أمرت امرأة سنان بن سلمة الجهني أن يسأل رسول الله ﷺ أن أمها ماتت، ولم تحج؛ أفيجزئ عن أمها أن تحج عنها؟ قال ﷺ : إنَّعم، لو كان على أمها دين فقضته عنها، ألم يكن يجزئ عنها؟ فلتحج عن أمها) (٤). وجه الاستدلال: دل الحديث على وجوب الحجِّ عن اليت الّذي مات ولم يحج أوصى بذلك، أو لم يوص لورود الأمر الصريح بذلك في قوله ﷺ : (فلتحج عن أمها)، ولم يستفصل

стр. 368

السائلة، هل أوصت أمها بالحج أم" (١). جـ- أدلتهم من الأثر: الدّليل الأوّل: عن أبي هريرة ﷺ قال: من مات وعليه نذر، أو حج، فليقض عنه وليه (٢). الدّليل الثّاني: عن ابن عبّاس ﵄: أن امرأة أتته فقالت: إنَّ أمي ماتت وعليها حجة، أفاحج عنها؟ فقال ابن عبّاس: هل كان على أمك دين؟ قالت: نعم. قال: فما صنعت؟، قالت: قضيته ععها. قال ابن عبّاس: فالله خير غرمائك، حجي عن أمك (٣). وقد ورد نحو ذلك عن جمع من السلف، منهم: سعيد بن السيب، وسعيد ابن (٤) جبير، وإبراهيم النخعي (٥)، وعطاء، وسفيان الثّوريّ، وطاووس، وغيرهم (٦) فقد أفتى هذا الجمع من الصّحابة، والتابعين، بوجوب الحجِّ عن الميِّت الّذي مات ولم يحج، أوصى بذلك، أو لم يوص (٧).

стр. 369

د - أدلتهم من المعقول: قالوا: إنَّ الحجِّ حق تدخله النيابة في حال الحياة، وقد لزمه هذا الحق، واستقر عليه في حياته، فوجب أن لا يسقط عنه بالموت؛ كدين الآدمي (١). الترجيح: من خلال ما سبق ذكره من أدلة، وما ورد عليها من مناقشات، وما أجيب به عن ذلك يتضح رجحان القول الأوّل القاضي بوجوب النيابة عن الميِّت الّذي عليه حجة الإسلام، أو أي حج واجب، سواء أوصى بذلك، أم لم يوص ويعود سبب هذا الترجيح إلى ما يأتي: أوَّلًا: قوة أدلتهم؛ حيث استدلوا بأدلة نقلية صريحة في وجوب النيابة عن الميِّت، أوصى بذلك، أم لم يوص. ثانيًا: أن ما استدل به المخالف أمكن الجواب عنه، ممّا يضعف من دلالته. ثالثًا: أن في القول بوجوب النيابة تبرئة لذمة اليت، وإلزامًا لأوليائه بالتعجيل في ذلك، فإن القول بالجواز قد يدفعهم إلى التكاسل، والتهاون في قضاء الحجِّ عن الميِّت، ثمّ إنَّ القول بالمنع لا مصلحة فيه، بل القول بالوجوب هو الأحوط، وهو الّذي يتمشى مع النصوص الكثيرة الصريحة في وجوب النيابة عن الميت في أداء ما وجب عليه من الحجِّ، سواء أكانت حجة الإسلام، أم حجة من نذر، أو قضاء. ثمرة الخلاف: يترتب على القول بوجوب النيابة عن اليت في أداء ما وجب في ذمته من الحجِّ ما يأتي: أوَّلًا: يجب على الأولياء المسارعة بإقامة من يحج عن ميتهم من رأس ماله ما لم

стр. 370

يتطوع عنه أحد بذلك (١). ثانيًا: يلزم الإنسان ان يوصي قبل موته بالحج عنه، إذا مات، ولم يتمكن من أداء ما وجب عليه من الحجِّ، وذلك أبرأ لذمته، وفيه إقامة لعذره عند الله تعالى.

стр. 371

المطلب الثّاني النيابة عن الميِّت في حج التطوع اختلف العلماء في حكم النيابة في حج التطوع عن الميِّت على ثلاثة أقوال: القول الأوّل: يجوز مطلقًا النيابة عن الميِّت في حج التطوع، سواء أوصى بذلك أم لم يوص. وإلى هذا القول ذهب الحنفية (١)، والحنابلة (٢)، والظاهرية (٣). القول الثّاني: تجوز النيابة عن الميِّت في حج التطوع، إذا أوصى به، أمّا إذا لم يوص، فلا تجوز. وإلى هذا القول ذهب المالكية (٤)، والشّافعيّة في القول الصحيح عندهم (٥). القول الثّالث: لا يجوز مطلقًا النيابة عن الميِّت في حج التطوع أوصى بذلك أم لا. وبه قال بعض الشّافعيّة (٦). الأدلة والمناقشة: أوَّلًا: أدلة المانعين مطلقًا: استدل هؤلاء بما يأتي: قالوا: إنَّ الأصل في أعمال الأبدان أن النيابة فيها لا تجوز، وإنّما جازت في حجة

стр. 372

الإسلام؛ لأجل الضّرورة، وتعذر أداء الفرض، وهذا غير موجود في التطوع (١). مناقشة الاستدلال: لقد سبقت مناقشة هذا الدّليل، عند مناقشة أدلة من منع النيابة عن العاجز في حج التطوع، فأغنى عن الإعادة. ثانيًا: أدلة أصحاب القول الثّاني: أمّا الأدلة الّتي استدل بها هؤلاء على جواز النيابة عن الميِّت إذا أوصى، فهي نفسها أدلة أصحاب القول الأوّل، وستأتي إن شاء الله تعالى. وأمّا ما استدلوا به على المنع إذا لم يوص، فهو التعليل المتقدم لأصحاب القول الثّالث. ثالثًا: أدلة القائلين بالجواز مطلقًا: استدل هؤلاء بما يأتي: تقدّم ذكر ما استدل به هؤلاء عند ذكر أدلة من قال يحواز النيابة في حج التطوع عن العاجز. الترجيح: من خلال ما ذكره أصحاب هذه الأقوال من أدلة، وما ورد عليها من مناقشات، يتبين رجحان القول الأوّل القاضي بجواز النيابة عن الميِّت في حج التطوع؛ وذلك لما يأتي: أوَّلًا: قوة ما عللوا به؛ حيث جاءت هذه التعليلات متمشية مع النصوص الشرعية الّتي تجيز النيابة في الفرض؛ فيكون في النفل من باب أولى.

стр. 373

ثانيًا: أن ما علل به أصحاب الأقوال الأخرى أمكن مناقشته. ثالثًا: أن القول يحواز النيابة فيه إحسان للميت، ورفع لدرجته، وتكفير لسيئاته، في وقت هو أحوج ما يكون لكل ما ينفعه في قبره. رابعًا: أنّه قد عُرف عن الشارع التوسع والتيسير، في باب التطوعات فنجد أنّه يجوز في التطوع ما لا يجوز في الفرض.

стр. 374

المبحث الثّالث أنواع المال المأخوذ على الحجِّ والعمرة المطلب الأوّل النفقة وما في معناها المال المأخوذ على الحجِّ في مجمله ثلاثة أنواع، هي: نفقة، أو جعالة، أو إجارة (١)، ولكل واحد من هذه الأنواع حكمه من حيث الجواز، وعدمه، على ما سيأتي تفصيله إن شاء الله تعالى. أوَّلًا: المراد بالنفقة في الحجِّ: النفقة (٢) في الحجِّ: هي أن يُعطى النائب في الحجِّ نفقة حجه مدة ذهابه وإيابه، من موضعه الّذي حج منه، إلى أن يعود إليه؛ وذلك قدر كفايته بالمعروف، من غير تبذير، ولا تقتير، في طعامه، وشرابه، وثيابه، وركوبه، وما لابد منه (٣). وعليه، فإن فضل معه شيء من النفقة ردّه، وان نقص عليه شيء من النفقة أخذه (٤).

стр. 375

ثانيًا: حكم النفقة في الحجِّ: اتفق العلماء على جواز النفقة في الحجِّ (١)؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " ... الحجِّ عن الميِّت، أو المعضوب، بمال يأخذه، إمّا بنفقة، فإنّه جائز بالاتفاق، أو بالإجارة، أو بالجعالة، على نزاع بين الفقهاء" (٢). والحاج في هذه الحالة لا يكون إِلَّا نائبًا محضًا، وما يأخذه من مال إنّما هو نفقة طريقه، وما لابد له منه، وهذه النفقة لا يملكها الحاج، إنّما هو ينفق منها على حكم ملك الميِّت، أو المعضوب (٣). ويترتب على ذلك ما يأتي: أ - أن النائب لو مات، أو أحصر، أو ضل الطريق لم يلزمه الضمان لما أنفق؛ وذلك لأنّه أنفاق للمال بإذن صاحبه، فأشبه ما لو أذن له في سدّ بثق، فانبثق ولم يسدّ. ب - أنّه إذا ناب عنه آخر، فإنّه يحج، من حيث بلغ النائب الأوّل من الطريق؛ لأنّه حصل قطع هذه المسافة بمال المنوب عنه، فلم يكن عليه الإنفاق دفعة أخرى، كما لو خرج بنفسه، فمات في بعض الطريق، فإنّه يُحج عنه من حيث انتهى. ج - أنّه يردّ ما فضل معه من المال، إِلَّا أن يؤذن له في أخذه. د - أنّه ينفق على نفسه بقدر الحاجة من غير إسراف، ولا تقتير.

стр. 376

هـ - أنّه ليس له التبرع بشيء من هذا المال، إِلَّا أن يؤذن له في ذلك (١). وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن الحاج يستحب له أخذ النفقة في حالتين: الحالة الأولى: إذا كان مقصوده من الحجِّ هو الإحسان إلى المحجوج عنه؛ بإبراء ذمته، بما وجب عليه من حج، سواء أكان حج فرض، أم نذر، أم قضاء، فالحج عنه إحسان إليه بإبراء ذمته، فهو بمنزلة قضاء دينه. وكذلك لو أوصى الميِّت بحجة مستحبة، وأراد الحاج إيصال ثوابها إليه؛ فيكون في هذه الحالة محسنًا إليه، والله يحب المحسنين. الحالة الأخرى: إذا كان مقصوده أن يحج محبة للحج، وشوقًا إلى المشاعر، هو عاجز، فيستعين بالمال المحجوج به على الحجِّ، سواء أُعطي المال ليحج به عن نفسه، كما يعطى المجاهد المال ليغزو به، فهذا لاشبهة فيه، ويكون للحاج أجر الحجِّ ببدنه، وللمعطي أجر الحجِّ بماله، أو أعطى المال ليحج به عن غيره، فيكون مقصود المعطي الحجِّ عن المعطى عنه، ومقصود الحاج ما يحصل له من الأجر بنفس الحجِّ لا بنفس الإحسان إلى الغير وفي كلتا الحالتين لا يطلب الحاج إِلَّا مقدار كفاية حجه فقط، كما لا يأخذ الغازي إِلَّا مقدار ما ينفقه في الغزو (٢). ثالثًا: الأرزاق على الحجِّ: اتفق العلماء على جواز أخذ الرزق على الحجِّ (٣)، ونقل بعضهم الإجماع على

стр. 377

ذلك (١). والمعنى: أن يأخذ الحاج من بيت المال قدر كفايته لحجه، وعياله مدة الحجِّ. وعمدة هذا الإتفاق: أن الأرزاق ليست أعواضًا، بل القصد منها الإعانة على الطّاعة، وتأدية العبادة (٢)، ولأن الرزق هو نفقة في المعنى (٣)، والنفقة لا خلاف في جوازها كما تقدّم. رابعًا: الأخذ بلا شرط: إذا عزم الحاج على تأدية الحجِّ، سواء أكان ذلك عن غيره، أم عن نفسه دون غيره، ثمّ جاءه مال ليستعين به على حجه وحاجته، ولم يكن مشرفًا، ولا سائلًا، فإنّه يأخذه، ويتموله؛ لأنّ المال في هذه الحالة يكون رزقًا ساقه الله إليه (٤). والدّليل على ذلك: ١ - عن سالم عن عبد الله بن عمر، عن أبيه ﵃ قال: سمعت عمر بن الخطّاب ﵁ يقول: قد كان رسول الله ﷺ يعطيني العطاء، فأقول: أعطه أفقر إليه مني، حتّى أعطاني مرّة مالًا، فقلت: أعطه أفقر إليه مني؛ فقال رسول الله ﷺ : (خذه، وما جاءك من هذا المال، وأنت غير مشرفٍ، ولا سائلٍ فخذه، وما لا، فلا تتبعه نفسك) (٥).

стр. 378

وجه الاستدلال: حيث أمر النّبيّ ﷺ عمر بن الخطّاب ﵁ بأخذ المال؛ لأنّه جاءه من غير إشراف نفس، ولا سؤال، فكذلك المال إذا جاء على الحجِّ من غير تطلع إليه، ولا سؤال، فإن الحاج يأخذه؛ لأنّه رزق طيب حلال. ٢ - أن المال إذا كان بغير شرط كان هبة مجردة؛ فجاز أخذه (١).

стр. 379

المطلب الثّاني الجعالة تقدّم في مباحث التمهيد معنى الجعالة، ومفهومها عند الفقهاء (١)، وصورة ذلك هنا في باب الحجِّ أن يقول: من حج عني فله كذا وكذا. ويحدد الجعل، أو يقول لمعين: حج عني، أو اعتمر عني، ولك ألف ريال مثلًا؛ فإن حج عنه استحق الجعل، وإلا فلا، أو نحوها من العبارات الدالة على المراد (٢). وقد اختلف العلماء في حكم أخذ الجعالة على الحجِّ عن الغير على قولين: القول الأوّل: تجوز الجعالة على الحجِّ. وإلى هذا ذهب المالكية (٣)، والشّافعيّة (٤)، والحنابلة على الصحيح من المذهب (٥). القول الآخر: لا تجوز الجعالة على الحجِّ. وإلى هذا القول ذهب الحنفية (٦)، وبه قال بعض الحنابلة (٧).

стр. 380

سبب الخلاف: يرجع سبب الخلاف بين الفقهاء في هذه المسألة إلى ما يأتي: أوَّلًا: أن الحنفية لا يرون صحة الجعالة أصلًا؛ ولهذا فلا وجود لها - كباب مستقل - في كتبهم، فهم يعدونها من الإجارة الباطلة، أو الفاسدة، على خلاف بينهم في ذلك، وقد تقدّم تفصيل ذلك (١). بينما يرى الجمهور مشروعية الجعالة في الأصل. ثانيًا: أن الحنفية يمنعون مطلقًا أخذ المال على شيء من الطاعات، سواء أكانت حجًا، أم غيره، إِلَّا ما استثنوه للضرورة، بينما الجمهور لا يحكمون هذا الحكم العام، بل يفصلون في ذلك، ويرون صحة الإجارة، والجعالة على كثير من الطاعات الّتي تقبل النيابة وغيرها (٢). الأدلة والمناقشة: أوَّلًا: أدلة أصحاب القول الثّاني: استدل أصحاب القول الثّاني القائلون بعدم صحة الجعالة على الحجِّ بما يأتي: - الدّليل الأوّل: ما ذكروه من عدم مشروعية الجعالة في الأصل، سواء أكانت من الإجارة الفاسدة، أم الباطلة، وقد تقدّم ذلك (٣). الدّليل الثّاني: قالوا: إنَّ القربة متى حصلت، وقعت عن الفاعل، لا لغيره، ولهذا تعتبر أهليته، ونيته، لا نيّة الآمر، ولو انتقل فعله إلى الآمر لشرط فيه نيّة الآمر وأهليته، كما في الزَّكاة (٤).

стр. 381

مناقشة الاستدلال: نوقش ما استدل به الحنفية بما يأتي: أوَّلًا: ما ذكروه من كون الجعالة من الإجارة الباطلة، أو الفاسدة، فإنّه يردّ عليه بأن مشروعية الجعالة ثابتة بالكتاب، والسُّنَّة، والمعقول (١). والأحناف يقولون بالجعالة في بعض المسائل - كما مرّ -، فهم يقرون بمشروعيتها في الجملة. ثانيًا: ما ذكروه في الدّليل الثّاني سوف يأتي الجواب عليه عند ذكر أدلة من منع الإجارة في الحجِّ. ثانيًا: أدلة أصحاب القول الأوّل: أصحاب القول الأوّل يرون صحة الإجارة في الحجِّ، وستأتي أدلتهم مفصلة في مبحث الإجارة على الحجِّ، فإذا صحت الإجارة على الحجِّ صحت الجعالة عليه من باب أولى؛ وذلك لأنّ الجعالة أوسع حكمًا من الإجارة لجوازها من غير تعيين العامل فيها، ومع الجهل بالعمل المقصود بها، والمدة (٢). الترجيح: يظهر لي ممّا سبق أن الراجح في هذه السألة هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأوّل، وهم الجمهور؛ وذلك لما يأتي: أوَّلًا: قوة ما عللوا به، وضعف ما علل به أصحاب القول الثّاني؛ وذلك لأنّ الجعالة ثابتة بالنص، والعقل، فلا عبرة لما علل به الحنفية.

стр. 382

ثأنيًا: أن الإجارة على الحجِّ جائزة، وهو الراجح، كما سيأتي (١)، وإذا صحت الإجارة فالجعالة أولى بالصحة؛ لما سبق التعليل به، والله أعلم.

стр. 383

المطلب الثّالث الإجارة الفرع الأوّل أنواع الإجارة على الحجِّ والعمرة تقدّم معنا في أول هذا المبحث أن المال المأخوذ على الحجِّ والعمرة ثلاثة أنواع هي: النفقة، والجعالة، والإجارة. وقد تقدّم الكلام عن النفقة، والجعالة، باعتبارهما نوعين مستقلين غير الإجارة، ولكن، بالنظر في تقسيمات العلماء الإجارة على الحجِّ نجد أن بعضهم - وهم المالكية -، قد جعلوا كلّ هذه الأنواع من أقسام الإجارة، فيقولون: أجرة معلومة، وأجرة على وجه البلاغ (النفقة)، وأجرة على وجه الجعالة، ثمّ يقسمون الإجارة إلى قسمين: إجارة ذمة، وإجارة عين. قال الحطاب (١) مبينًا ذلك: "فالذي. يتحصل من كلام الشيوخ في تقسيم المعاملة على الحجِّ، أن المعاملة على الحجِّ على أربعة أوجه: الأوّل: استئجار باجرة معلومة، تدفع للأجير، ويكون ضمأنّها منه، وعليه جميع ما يحتاج إليه، والفضل له، والنقصان عليه، ويكون الحجِّ متعلّقًا بعين الأجيرُ (٢).

стр. 384

الثانى: الاستئجار على الحجِّ بأجرة معلومة، كما تقدّم، ويكون الحجِّ في ذمة الأجير (١). الثّالث: الاستئجار بالنفقة، وهو المسمى بالبلاغ ... الرّابع: الاستئجار على وجه الجعالة (٢). والنوعان الأولان يسميان عندهم بإجارة الضمان، وهما نوعا الإجارة عند العلماء، فإنهم يقسمون الإجارة إلى نوعين: إجارة عين، وإجارة ذمة (٣). ولكن من الملحوظ عند المتقدمين، وهو المنقول عن الإمام مالك رحمه الله تعالى، أن الإجارة عندهم نوعان: إجارة عين، وإجارة ذمة. أمّا ما يسمى بإجارة البلاغ، فقد نصّ ابن القاسم (٤) في المدوّنة على أنّها ليست إجارة (٥). فيتحصل لنا ممّا سبق أن الإجارة عند العلماء نوعان هما:

стр. 385

النوع الأوّل: إجارة العين. النوع الآخر: إجارة الذِّمَّة. وقد سبق الكلام عنهما، وبيان معناهما في كلام الحطاب (١)

стр. 386

الفرع الثّاني الاستئجار على الحجِّ والعمرة الإجارة على الحجِّ مبنية على صحة النيابة فيه، وعليه فإن كلّ من لا تجوز النيابة عنهم، لا تجوز الإجارة في حقهم. ومن ذلك: الحي القادر المستطيع للحج بنفسه وماله، لا تجوز النيابة في حقه، بل عليه المبادرة بالحج بنفسه، وهذا محل إجماع بين العلماء - كما تقدّم - (١)، فهذا لا خلاف في عدم جواز الاستئجار على الحجِّ والعمرة في حقه. وبالجملة، فحيث لا تجوز النيابة - على ما سبق بيانه - فلا تجوز الإجارة. وعلى هذا يصبح المراد بقولنا: الاستئجار على الحجِّ والعمرة هو الاستئجار على الحجِّ والعمرة في الحالات الّتي تقبل النيابة (٢). وقد اختلف الفقهاء في حكم الاستئجار على الحجِّ والعمرة على ثلاثة أقوال:

стр. 387

القول الأوّل: يجوز مطلقًا الاستئجار على الحجِّ والعمرة. وإلى هذا ذهب الشّافعيّة (١)، والحنابلة في رواية (٢)، وهو قول الظاهرية (٣)، وقد نقل هذا القول عن بعض الحنفية، وفيه نظر (٤). القول الثّاني: يجوز الاستئجار على الحجِّ، لكن مع الكراهة؛ وذلك إذا أوصى الميِّت أن يحج عنه، فتنفذ وصيته. وهذا هو قول المالكَية (٥)، وهو منصوص الإمام مالك، كما في المدوّنة (٦). القول الثّالث: لا يجوز مطلقًا الاستئجار على الحجِّ والعمرة. وإلى هذا ذهب الحنفية (٧)، وهو المذهب عند الحنابلة (٨).

стр. 388

سبب الخلاف: الحجِّ كغيره من العبادات قربة يتقرب بها العبد إلى الله تعالى، ونفع هذه القربات راجع إلى العبد حين قيامه بها، فإذا وقعت الإجارة عليها، فهل نفعها يكون للمستأجر، أم يكون للأجير الّذي باشر فعل القربة بنفسه؟ فمن قال إنَّ النفع يحصل للمستأجر، قال بجواز الأجرة، ومن قال إنَّ النفع لايحصل إِلَّا للأجير، قال بعدم جواز الاستئجار على الحجِّ (١). الأدلة والمناقشة: أوَّلًا: أدلة أصحاب القول الثّالث: استدل أصحاب هذا القول، وهم القائلون بعدم جواز الاستئجار على الحجِّ والعمرة بأدلة من القرآن، والسُّنَّة، والمعقول. أ - أدلتهم من القرآن: الدّليل الأوّل: قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]. وقد تقدّم وجه الاستدلال من هذه الآية مرارًا، وما ورد عليها من مناقشات، وقد منعوا بها النيابة، داذا امتنعت النيابة امتنعت الإجارة؛ لأنّ الإجارة لا تكون إِلَّا بنيابة، وقد أمكن مناقشة ذلك بما يغني عن الإعادة (٢). الدّليل الثّاني: قوله تعالى: ﴿عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧].

стр. 389

وجه الاستدلال: قالوا في وجه الاستدلال بهذه الآية الكريمة: إنَّ الله ﵎ إنّما فرض الحجِّ على المستطيع إجماعًا، والمريض والمعضوب والميِّت لا استطاعة لهم، ولا يتناولهم الخطّاب بالآية الكريمة. ثمّ إنَّ الاستطاعة المذكورة في الآية الكريمة هي الاستطاعة البدنية؛ إذ لو كانت الاستطاعة مالية لقال: إحجاج البيت؛ فدل ذلك كله على عدم صحة النيابة. وعليه، فلا تصح الإجارة. مناقشة الاستدلال: تقدّم مناقشة وجه الاستدلال بهذه الآية الكريمة، وحاصله أن وجه الاستدلال مبني على أن الاستطاعة كلها بدنية، لا مالية، ويناقش ذلك بأن الآية جاءت عامة شاملة لنوعي الاستطاعة البدنية والمالية، فمن كان عاجزًا ببدنه فهو مستطيع بماله، وبغيره، فيدخل تحت عموم الآية، فيستأجر من يؤدِّي عنه هذه العبادة. (١). ب- الأدلة من السُّنَّة: الدّليل الأوّل: عن ابن عبّاس ﵄ قال: مرّ رسول الله ﷺ بمرداس المعلم، فقال: "إياك وحطب الصبيان، وخبز الرقاق، وإياك والشرط على كتاب الله (٢).

стр. 390

وجه الاستدلال: حيث دل الحديث على تحريم أخذ الأجرة على تعليم القرآن الكريم، وهو قربة من القربات؛ فيلحق به سائر القرب، ومنها الحجِّ، فيحرم أخذ الأجرة عليه (١). مناقشة الاستدلال: هذا حديث موضوع - كما تقدّم في تخريجه -؛ فيرد جملة وتفصيلًا، وبناءً على ذلك، فلا عبرة بالاحتجاج به؛ لسقوطه. الدّليل الثّاني: عن أبي بن كعب ﵁ قال: علمت رجلًا القرآن، فأهدى إليّ قوسًا، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: (إنَّ أخذتها، أخذت قوسًا من نار). قال أبي: فرددتها (٢). وجه الاستدلال: وجه الاستدلال من هذا الحديث كسابقه؛ حيث دلّ على تحريم الأجرة على القرآن، هو قربة؛ فيلحق به سائر القرب، ومنها الحجِّ.
следующие страницы →