القول الثّاني: يجوز الاستئجار على الجهاد، إذا كان فرض كفاية؛ سواء كان المستأجر الإمام، أم غيره، وسواء أكان الأجير ممّن يلزمه الجهاد؛ كالمسلم الحر، أم ممّن لا يلزمه؛ كالعبد، والمرأة.
وإلى هذا القول ذهب بعض المالكية (١)، وخصه ابن عبد البر بالإمام خاصّة؛ قال: "ولاباس أن يستأجر (٢) الغازي يغزو معه، ولاحرج على من آجر نفسه منه" (٣).
وما ذهب إليه ابن عبد البر هو قول الصَّيدلُّاني (٤) من الشّافعيّة؛ قال النووي: "وعن الصَّيدلُّاني: أنّه يجوز للإمام أن يستأجره، ويعطيه أجره من سهم المصالح" (٥).
وهذا القول هو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد وحمه الله تعالى، وهو قول الخرقي، وإليه مال ابن قدامة في المغني (٦).
стр. 422
الأدلة والمناقشة:
أوَّلًا: أدلة أصحاب القول الثّاني:
استدل أصحاب هذا القول، وهم القائلون بالجواز، بأدلة من السُّنَّة، والمعقول:
أ - أدلتهم من السُّنَّة:
الدّليل الأوّل: عن عبد الله بن عمرو ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: (للغازي أجره، وللجاعل أجرهُ، وأجر الغازي) (١).
وجه الاستدلال:
حيث أجاز النّبيّ ﷺ الجعل على الجهاد؛ وذلك بإثبات الأجر للغازي، فإذا جاز الجعل على الجهاد جاز أخذ الأجرة عليه؛ لأنّها في معناه.
مناقشة الاستدلال:
نوقش الاستدلال بهذا الحديث من عدة وجوه:
الأوّل: أن هذا الحديث محصول على من يجوز الغازي التطوع؛ أي: أن النّبيّ ﷺ قد أخبر بحصول الأجر الأخروي لمن أراد أن يجوز غازيًا، من غير أن يشترط عليه أن يغزو بما أعطاه، فيكون الغزو تطوعًا، لا استئجارًا (٢).
الثّاني: يمكن مناقشة هذا الحديث كذلك: بأنّه خاص بالجعل على القتال،
стр. 423
وقياس الاستئجار على الجعالة قياس مع الفارق، فإن باب الجعالة أوسع من باب الإجارة، حيث إنها تصح مع جهالة العمل، والمدة، والعامل، بخلاف الإجارة، وقد سبق بيان ذلك مرارًا (١).
الثّالث: لو سلمنا جواز القياس على الجعالة، فإنّه لا يصح هنا؛ لأنّ الجعالة على الجهاد مختلف فيها، كما سيأتي، والقياس على أمر مختلف فيه لا يصح؛ فإن من شرط القياس أن يكون حكم الأصل متفقًا عليه، وقد سبق بيان ذلك (٢).
الدّليل الثّاني: عن جبير بن نفير (٣)؛ قال: قال رسول الله ﷺ : (مثل الذين يغزون من أمتي، ويأخذون الجعل يتقوون به على عدوهم مثل أم موسى ترضع ولدها، وتأخذ أجرها) (٤).
وجه الاستدلال:
وجه الاستدلال من هذا الحديث كسابقه، وحاصله قياس الإجارة في الجهاد على الجعالة في الجواز بجامع أن كلا منهما من عقود العاوضة.
مناقشة الاستدلال:
أوَّلًا: يناقش هذا الحديث بما نوقش به الحديث السابق.
стр. 424
قال السرخسي مبينًا المراد بالحديث: "يعني أن الغزاة يعملون لأنفسهم؛ قال تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾ [الإسراءِ: ٧]، ثمّ يأخذون الجعل من إخوانهم من المؤمنين ليتقووا به على عدوهم، وذلك لهم حلال، كما أن أم موسى كانت تعمل لنفسها في إرضاع ولدها، وتأخذ الأجرة من فرعون تتقوى بها على الإرضاع، وكان ذلك حلالًا لها" (١).
ثانيًا: أن الحديث مرسل؛ فهو أحد أنواع الحديث؛ الضعيف، فلا يحتج به (٢).
ثالثًا: الحديث ضعيف؛ في إسناده إسماعيل بن عياش (٣)، وقد ضعفه جماعة من أهل العلم، وترهوا حديثه.
ب - أدلتهم من المعقول:
الدّليل الأوّل: قالوا: إنَّ الجهاد أمر لا يختص فاعله أن يكون من أهل القربة؛ فصح الاستئجار عليه، كبناء المساجد (٤).
стр. 425
مناقشة الاستدلال:
إنَّ قياس الجهاد على بناء المساجد قياس مع الفارق؛ فلا يصح. وبيان ذلك:
١ - أن الجهاد فرض على المسلمين في الجملة؛ فهو إمّا فرض كفاية، وإما فرض عين، فإذا كان الجهاد بهذه المثابة فهو من هذا الجانب قربة يختص بفعلها المسلم دون الكافر، وأمّا جواز فعله من الكافر فمحل خلاف بين العلماء في جواز الاستعانة بالكفار في الحرب مع المسلمين، وإن جاز فللضرورة، وحكم الضّرورة حكم خاص يختلف عن الحكم في الحالات العادية (١).
ثمّ إنَّ فعل الكفار حين الاستعانة بهم ليس بجهاد، فإن الجهاد ينال به الثّواب، والكافر ليس من أهل الثّواب، والجهاد ممّا يتقرب به العبد إلى ربه، وهم لايتقربون بذلك، بخلاف المسلم (٢).
٢ - أن القياس على بناء المساجد لا يصح؛ لأنّ البناء ممّا لا يختص بفعله المسلم، وفعل البناء في نفسه ليس بقربة، ولهذا جاز فعله من الكافر (٣).
الدّليل الثّاني: قالوا: إنَّ الجهاد إذا كان فرض كفاية فإنّه لا يتعين عليه، فيجوز أن يؤجر نفسه عليه، كالعبد (٤).
стр. 426
مناقشة الاستدلال:
أوَّلًا: أن الجهاد، كان كان فرض كفاية في الأصل، إِلَّا أنّه متى حضر الصف تعين عليه، ولا يجوز أخذ الأجرة على فرض العين (١).
ثانيًا: أن القياس على العبد قياس مع الفارق؛ فلا يصح؛ لأنّ العبد لا يلزمه الجهاد في الأصل، سواء أكان فرض عين، أم فرض كفاية؛ لأنّه محبوس لخدمة سيده، فلا يملك التصرف في نفسه بالجهاد، ولا بغيره، إِلَّا أن يأذن له، فلا يصح قياس الحر عليه.
ثالثًا: أنّه لا حاجة بالمسلم الحر، أو غيره؛ لأخذه الأجرة على جهاده، لأنّ الجهاد قربة إلى الله حضّ الله تعالى عليها، ورغب فيها، ثمّ بإمكان المجاهد الأخذ من بيت المال، أو من الزَّكاة، أو النفقة من إخوانه القادرين، فيأخذ من هذه المصارف حاجته، وحاجة عياله، وما يلزمه من نفقة، ونحو ذلك (٢).
ثانيًا: أدلة أصحاب القول الأوّل:
استدل أصحاب هذا القول - وهم جمهور أهل العلم - الذين منعوا الاستئجار على الجهاد بأدلة كثيرة من المعقول، ومن هذه الأدلة:
الدّليل الأوّل: قالوا: إنَّ الغزو يتعين بعضوره، على من كان من أهله، فإذا تعين عليه الفرض، لم يجز أن يفعله عن غيره، كمن عليه حجة الإسلام، لا يجوز أن يحج عن غيره، وعليه فالاستئجار عليه لا يجوز (٣).
стр. 427
الدّليل الثّاني: قالوا: إنَّ الجهاد، دان كان فرضًا على الكفاية، فكل من باشره يكون مؤديًا فرضًا، والاستئجار على أداء الفرض باطل، كالاستئجار للصلاة (١).
الدّليل الثّالث: قالوا: إنَّ الجهاد عمل يختص فاعله أن يكون من أهل القربة، فلا تصح الإجارة عليه، كالصلاة (٢).
الدّليل الرّابع: قالوا: إنَّ الجهاد حق لله تعالى، فلا يجوز أخذ الأجرة عليه (٣).
الترجيح:
بعد عرض أقوال الفقهاء في هذه المسألة، وذكر أدلتهم، وبيان ما ورد عليها من مناقشات، يتبين أن القول القاضي بالمنع من الاستئجار على الجهاد هو الراجح، ويعود هذا الترجيح إلى الأسباب التالية:
أوَّلًا: قوة القول القاضي بالمنع لقوة أدلته، حيث جاءت الأدلة الّتي عللوا بها متفقة مع أصول الشّرع، وقواعده العامة، ومن ذلك أن فروض الأعيان الّتي تطلب من كلّ فرد بعينه، لا يجوز لغيره فعلها عنه كما في صلاة الإنسان لنفسه، وحجه لنفسه، وصيامه لنفسه، ومن ذلك: الجهاد، فإن الأئمة متفقون على أنّه إذا حضر الصف تعين عليه، فكيف يسوغ له بعد ذلك أخذ العوض عليه.
ثانيًا: ضعف ما استدل به المجيزون، فإنّه أمكن مناقشة جمجع ما استدلوا به من أحاديث، وأدلة عقلية ممّا أضعف من دلالتها، وأخرجها عن حجيتها.
ثالثًا: أنّه لا حاجة بالمرء لأنّ ياخذ أجرًا على غزوه، وذلك لما يأتي:
стр. 428
١ - كثرة الموارد المالية للجند من زكاة، وعطاء، ونحو ذلك.
٢ - أن الله تعالى حث أهل الخير، وأصحاب الأموال على الإنفاق في سبيله، ووعد على ذلك الثّواب العظيم (١)، ممّا يوفر للغازي كلّ ما يحتاج إليه في خاصّة نفسه، ومن يعول، وما يحتاج إليه من عتاد، وسلاح بما لا يكون معه حاجة، أو ضرورة تدفعه إلى إجارة نفسه على عمل من أجل وأعظم القرب إلى الله تعالى.
стр. 429
المطلب الثّاني أخذ الجعل على الجهاد
أوَّلًا: المرإد بالجعل (١):
من خلال النظر في كلام العلماء حول الجعائل في باب الجهاد، يتبين أن الجعل يردّ عندهم على معنبين:
أحدهما: على معنى النفقة في سبيل الله، وعليه فتكون الجعالة هنا ليست على بابها من كونها عقد معاوضة.
والعنى الآخر: أن يكون بمعنى المعاوضة، فتكون على بابها، وسنفصل القول في المعنبين على النحو التالي:
* المعنى الأوّل: أن يكون على معنى النفقة في سبيل الله:
وهذا المعنى هو الّذي يُعرف عند الفقهاء بـ (الجهاد بالمال) (٢)، وحكم هذا النوع من الجهاد كحكم الجهاد بالنفس، ولافرق، فقد يكون فرض عين، وقد يكون فرض كفاية. وهذا النوع قد جاء الشّرع بالترغيب فيه، والحض عليه، والوعد عليه بالثواب الجزيل في الآخرة، ومن ذلك:
١ - قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ
стр. 430
عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٦٠]
٢ - قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦١].
٣ - قوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٤١].
٤ - عن زيد بن خالد الجهني ﵁، عن النّبيّ ﵁ أنّه قال: (من جهز غازيًا في سبيل الله فقد غزا، ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا) (١).
وغير ذلك من النصوص الكثيرة الدالة على فضل الجهاد بالمال، وإعانة الغازي في سبيل الله.
قال الإمام ابن قيم الجوزية مبينًا هذا النوع عند حديثه عن فقه وفوائد غزوة تبوك: "ومنها: وجوب الجهاد بالمال، كما يجب بالنفس، وهذا إحدى الروايتين عن أحمد، وهي الصواب الّذي لا ريب فيه، فإن الأمر بالجهاد بالمال شقيق الأمر بالجهاد بالنفس في القرآن، وقرينه، بل جاء مقدمًا على الجهاد بالنفس في كلّ موضع، إِلَّا موضعًا واحدًا، وهذا يدلُّ على أن الجهاد به أهم وآكد من الجهاد بالنفس، ولا ريب أنّه أحد الجهادين، كما قال النّبيّ ﷺ : (من جهز غازيًا فقد غزا)، فيجب على القادر عليه، كما يجب على القادر بالبدن، ولا يتم الجهاد بالبدن إِلَّا ببذله، ولا ينتصر إِلَّا بالعدد والعُدد، فإن لم يقدر أن يكثر العدد وجب عليه، أن يمد بالمال والعدة .... (٢).
стр. 431
وقال ابن تيمية ﵀: "ومن عجز عن الجهاد ببدنه، وقدر على الجهاد بماله، وجب عليه الجهاد بماله، هو نصّ أحمد في رواية أبي الحكم، وهو الّذي قطع به القاضي في أحكام القرآن في سورة براءة عند قوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ فيجب على الموسرين النفقة في سبيل الله .... " (١).
فإذا قصر الأغنياء، والقادرون في النفقة في سبيل الله، أو كان ما ينفقونه لا يسد حاجة الجند من النفقة والعتاد، فهل للإمام أن يفرض على القادرين من الرعية من المال ما يسد به حاجة المجاهدين من نفقة، وسلاح، وغير ذلك؟
لا خلاف بين المذاهب في جواز ذلك للإمام، ولكن بشرط خلو بيت المال من الأموال الّتي تكفي حاجة الجند (٢).
قال محمّد بن الحسن: "لو أراد الإمام أن يجوز جيشًا، فإن كان في بيت المال سعة، فينبغي له أن يجهزهم بمال بيت المال، ولايأخذ من النَّاس شيئًا، وإن لم يكن في بيت المال سعة كان له أن يتحكم على النَّاس بما يتقوى به الذين يخرجون للجهاد" (٣).
وقال الشاطبي: "إنا إذا قررنا إمامًا مطاعًا مفتقرًا إلى تكثير الجنود لسدّ الثغور، وحماية الملك المتسع الأقطار، وخلا بيت المال، وارتفعت حاجات الجند إلى ما
стр. 432
لا يكفيهم فللإمام - إذا كان عدلًا - أن يوظف على الأغنياء ما يراه كافيًا لهم في الحال إلى أن يظهر بيت المال" (١).
هذه بعض نقول أهل العلم في هذه المسألة، وهناك نقول أخرى عن بقية المذاهب، ممّا يؤكد سلطة الإمام في التصرف على الرعية بما يحقق المصلحة عملًا بالقاعدة الشرعية: "تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة" (٢).
وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية أنّه يجب على القادرين في هذه الحالة تجميع المال اللازم؛ لدفع العدو، قال: إنَّ المسلمين إذا احتاجوا إلى مال يجمعونه لدفع عدو وجب على القادرين الاشتراك في ذلك" (٣).
بناء على ما سبق، فقد عرّف الحنفية الجعل؛ فقالوا في تعريفه:
"هو أن يكلف الإمام النَّاس بأن يقوي بعضهم بعضًا بالسلاح، والكراع، وغير ذلك من النفقة، والزاد" (٤).
وفي تعريف آخر:
"هو ما يضربه الإمام للغزاة على النَّاس بما يحصل به التقوي للخروج إلى الحرب" (٥).
وهذا النوع من الجعل لاحرج على المجاهدين في أخذه، بل قد يجب عليه الأخذ إذا كان هذا هو سبيله للتقوي على الجهاد في سبيل الله، ودفع العدو، والذَّبّ عن
стр. 433
حياض الإسلام، ونصرة دين الله ، وهذا لا نزاع فيه بين العلماء (١).
قال ابن بطّال: "إنَّ أخرج الرَّجل من ماله شيئًا، فتطوع به، أو أعان الغازي على غزوه بفرس، ونحوها، فلا نزاع فيه" (٢).
ويدلُّ على هذا:
أوَّلًا: النصوص الكثيرة الّتي سبق ذكرها في وجوب الجهاد بالمال، والترغيب في ذلك، فهي دالة على جواز أخذ المجاهد من هذا المال ما يتقوى به على الجهاد، فيكون هو مجاهدًا بنفسه، وصاحب المال مجاهدًا بماله (٣).
ثانيًا: النصوص النبوية الّتي استدل بها من أجاز الاستئجار على الغزو.
ومن تلك النصوص:
١ - حديث عبد الله بن عمرو ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : (للغازي أجره، وللجاعل أجره، وأجر الغازي) (٤).
وجه الاستدلال:
حيث أخبر النّبيّ ﷺ بأن للجاعل، وهو من يقوم بتجهيز الغزاة، وبذل النفقة في ذلك، أن له أجرين: أجر ما أنفق، وأجر مثل أجر من غزا، قال البغوي: "فيه ترغيب للجاعل، ورخصه للمجعول له" (٥).
стр. 434
٢ - حديث جبير بن نفير عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : "مثل الذين يغزون من أمتي، ويأخذون الجعل يتقوون به على عدوهم، مثل أم موسى ترضع ولدها، وتأخذ أجرها" (١).
وجه الاستدلال:
حيث بين النّبيّ ﷺ أن الذين يغزون، ويأخذون الجعل بغرض الاستعانة به على الجهاد، أن ذلك جائز؛ قال السرخسي: "يعني أن الغزاة يعملون لأنفسهم؛ قال تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾ [الإسراءِ: ٧]، ثمّ يأخذون الجعل من إخوانهم من المؤمنين، ليتقووا به على عدوهم، وذلك لهم حلال، كما أن أم موسى كانت تعمل لنفسها في إرضاع ولدها، وتأخذ الأجرة من فرعون تتقوى به على الإرضاع، وكان ذلك حلالًا لها" (٢).
ثالثًا: ما ورد من ذلك عن الصّحابة ﵁:
١ - عن جرير بن عبد الله البجلي ﵁، أن معاوية كتب إليه في بعث ضربه: "أمّا بعد: فقد رفعنا عنك، وعن ولدك الجُعل". فكتب إليه جرير: إنِّي بايعت رسول الله ﷺ على الإسلام، فأمسك رسول الله ﷺ بيدي، فاشترط عليّ: (النصح لكل مسلم)، فإن أنشط في هذا البعث نخرج فيه، وإلا، أعطينا من أموالنا ما ينطلق المنطلق" (٣).
قال المسعودي (٤): هذا أحسن ما سمعناه في الجعائل (٥).
стр. 435
وجه الاستدلال:
حيث دلّ هذا الأثر على مشروعية الجُعل للغازي على سبيل النفقة، والإعانة على الغزو في سبيل الله تعالى، حيث ذكر جرير ما ذكره، ولم ينكره معاوية (١).
٢ - عن مجاهد قال: قلت لابن عمر: العزوَ؛ قال: إني أُحب أن أعينك بطائفة من مالي، قلت: أوسع الله على. قال: إنَّ غِناك لك، وإني أحب أن يكون من مالٍ في هذا الوجه (٢).
وجه الاستدلال:
حيث دلّ قول ابن عمر عن مشروعية الجعل للغازي إذا كان على سبيل النفقة، والإعانة على الجهاد في سبيل الله.
المعنى الثّاني: أن تكون على معنى المعاوضة:
وعلى هذا المعنى تكون الجعالة على بابها، ومعناها العروف عند أهل العلم (٣).
وقد عرّف العلماء الجعالة على الجهاد، بعدة تعريفات منها:
التعريف الأوّل: "هي أن يعطي شخص متخلف عن الجهاد مقدارًا من المال، لمن
يخرج إلى الجهاد نائبًا عنه" (٤).
التعريف الثّاني: "هي ما يجعله القاعد من الأجرة لمن يغزو عنه" (٥).
يتضح من خلال التعريفين السابقين للجعل على الجهاد، أن الجعل هنا عبارة
стр. 436
عن أجرة لمن ينوب عن صاحبه في الغزو، وليس على سبيل النفقة، والإعانة على الغزو، كما تقدّم بيان ذلك (١).
وأخذ الجعد على الجهاد على معنى الإجارة، والعوض على الجهاد، حكمه عند الفقهاء، حكم الإجارة على الجهاد، سواء بسواء، وبيان ذلك:
أن الجهاد إذا كان فرض عين، فلا يجوز أخذ الجعل عليه، وقد سبق بيان ذلك في مبحث الإجارة على الجهاد.
قال ابن قدامة: "والجعالة تساوي الإجارة ... في أن ما جاز أخذ العوض عليه في الإجارة من الأعمال جاز أخذه في الجعالة، وما لا يجوز أخذ الأجرة عليه في الإجارة مثل الغناء، والزمر، وسائر المحرمات، لا يجوز أخذ الجعل عليه، وما يختص فاعله أن يكون من أهل القربة، ممّا لا يتعدى نفعه فاعله كالصلاة، والصيام، لا يجوز أخذ الجعل عليه، فإن كان ممّا يتعدى نفعه كالأذان، والإقامة، والحج، ففيه وجهان كالروايتين في الإجارة .... " (٢).
فإن كان الجهاد فرض كفاية فقد اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأوّل: لا يجوز مطلقًا أخذ الجعل على الجهاد.
стр. 437
وإليه ذهب الحنفية (١)، وبعض المالكية (٢)، والشّافعيّة (٣)، وهو قياس المذهب عند الحنابلة (٤).
القول الثّاني: يجوز الجعل على الجهاد.
وبه قال جمهور المالكية، وهو المذهب (٥)، ويتخرج قولًا لبعض الحنابلة (٦).
стр. 438
الأدلة والمناقشة:
أوَّلًا: أدلة أصحاب القول الثّاني:
استدل من أجاز الجعل على الجهاد بعدة أدلة من السُّنَّة، والمعقول، وقد تقدمت أدلتهم في مبحث الأجرة على الجهاد؛ ذلك أنّه لما كان الجعل هنا بمعنى الأجرة، بل هو في الحقيقة أجرة كما نصّ عليه كثير من أهل العلم (١)، وكان حكمه حكم الأجرة، بل إنَّ ما استدلوا به على جواز الأجرة على الجهاد إنّما هي أدلة صريحة على الجعالة، كما في حديث عبد الله بن عمرو، وحديث جبير بن نفير، عن أبيه، وقد تقدّم بيان وجه الاستدلال من هذه الأحاديث، وذكر ما ورد عليها من مناقشات، بما يغني عن الإعادة (٢).
وإن ممّا استدلوا به كذلك على جواز الجعل على الجهاد:
قالوا: إنَّ الحاجة داعية إلى أخذ الجعل على الجهاد، وفي المنع منه تعطيل للجهاد، ومنع له ممّن فيه للمسلمين نفع، وبهم إليه حاجة؛ فينبغي أن يجوز (٣).
مناقشة الاستدلال:
يمكن مناقشة هذا الدّليل بما يأتي:
أنّه لا حاجة للمسلم في أخذ الجعل على جهاده في سبيل الله فإن الله تعالى قد وسع في مصادر النفقة للمجاهدين، كما سبق بيان ذلك، فإن تعطلت كلّ هذه المصادر، فتكون هذه حالة ضرورة، فلا حرج على المسلم حينئذ الأخذ، ولكن بنية النفقة، وتجهيز نفسه، وإعدادها للجهاد، لا بنية العوض، واستفضال المال، حتّى يكون جهاده خالصًا لوجه الله تعالى، وينال به الثّواب؛ لأنّ العمل إذا عمل للأجرة
стр. 439
والدنيا، لم يعد قربة، بل يكون على أحسن أحواله من المباحات (١)، ولا ينبغي للمسلم فعل ذلك؛ لأنّه يعرض نفسه للهلاك في ميدان المعرفة؛، ولا يمكن أن يكون ذلك لمجرد الحصول على بعض المال.
ثانيًا: أدلة أصحاب القول الأوّل:
استدل أصحاب هذا القول بأدلة كثيرة منها:
أوَّلًا: أدلتهم على المنع من الإجارة في الجهاد، فإنّه تقدّم بيان أن الجعالة هنا بمعنى الإجارة، فالأدلة على المنع منهما واحدة (٢).
ثانيًا: لهم بعض الأدلة الأخرى منها:
الدّليل الأوّل: عن ابن سيرين، عن ابن عمر ﵄؛ قال: "كان القاعد يمتع الغازي، فأمّا أن يبيع الرَّجل غزوه، فلا أدري ما هو" (٣).
وجه الاستدلال:
حيث شبه ابن عمر ﵄ من يأخذ الجعل على غزوه بمن يبيع غزوه، وأن ذلك أمر لايعرف، وقد ذكر ذلك على وجه الإنكار، والتحقير لفاعله؛ فدل على أن الجعل على الجهاد لا يجوز.
الدّليل الثّاني: قالوا: إنَّ الخارج يملك لحضور الوقعة سهمه من الغنيمة، ولو صحت الجعالة لملكها صاحبها دونه (٤).
الترجيح:
يترجح ممّا سبق بعد عرض الأدلة، وما ورد عليها من مناقشات، وبعد معرفة
стр. 440
الراجح في مسألة الإجارة على الحجِّ أن الراجح هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأوّل من أن الجعل على الغزو لا يجوز؛ وذلك لما يأتي:
قوة ما عللوا به، وضعف ما استدل به أصحاب القول الآخر؛ حيث أمكن مناقشة أدلتهم بما يضعف من دلالتهم على ما ذهبوا إليه، ويقال في ترجيح هذا القول ما قيل في ترجيح المنع من الإجارة؛ إذ هما من باب واحد، وقد سبق بيان ذلك.
стр. 441
المطلب الثّالث إعطاء الأجير من الغنيمة
للأجير في الغزو حالان:
الأوّل: أن يكون استؤجر للخدمة.
الآخر: أن يكون استؤجر ليقاتل.
والذي نعنيه في هذه المسألةُ هو الآخر، وهو الأجير للقتال، وقد سبق تفصيل القول في حكم الاستئجار على القتال، وحكم الجعل عليه كذلك.
وعلى هذا فإن هذه المسألةُ تعد فرعًا عن المسألتين السابقتين؛ بمعنى: أن من أخذ الأجرة، أو الجعل على القتال، هل يستحق سهمه من الغنيمة أم لا؟
الخلاف هنا كالخلاف السابق في مسألة الجعل، والإجارة:
فمن ذهب إلى منع الإجارة، والجعل على الجهاد، قالوا: تبطل الإجارة، أو الجعالة، وترد الأجرة، أو الجعل، ويكون للمقاتل سهمه من الغنيمة.
وإلى هذا ذهب الحنفية (١)، وبعض المالكية (٢)، وهو أحد الوجهين عند الشّافعيّة (٣)، وهو المذهب عند الحنابلة (٤)، وهو اختيار الخلال (٥) من أصحاب
стр. 442
الإمام أحمد.
ومن ذهب إلى صحة الإجارة، والجعل على القتال قالوا: لا سهم له، بل له الأجرة، أو الجعل، أمّا الغنيمة فلا.
وإلي هذا ذهب جمهور المالكية، وهو المذهب (١)، وهو الوجه الآخر عند الشّافعيّة، وبه جزم البغوي (٢)، وهو قول عند الحنابلة (٣).
الأدلة والمناقشة:
أوَّلًا: أدلة أصحاب القول الثّاني:
استدل من قال بأنّه لا سهم للأجير للقتال بما يأتي:
الدّليل الأوّل:
قالوا: لأنّه أعرض عن الجهاد بالإجارة، ولم يحضر مجاهدًا، إنّما حضر أجيرًا؛ فلا سهم له في الغنيمة (٤).
الدّليل الثّاني: قالوا: إنّه لما كان غزوه بعوض كان واقعًا عن غيره؛ فلا يستحق شيئًا من الغنيمة (٥).
مناقشة الاستدلال:
يمكن مناقشة هذه التعليلات بما يأتي:
أوَّلًا: أنّه بعضوره القتال تعين عليه، وأصبح من أهله؛ فيستحق الغنيمة، كغير
стр. 443
الأجير.
ثانيًا: أن القول بأن جهاده واقع عن غيره لا يصح؛ لأنّه بعضور القتال يصبح جهاده له، وواقع عن نفسه، لا عن غيره؛ للاتفاق على أنّه إذا حضر الصف تعين عليه القتال، كما سبق بيانه.
ثانيًا: أدلة أصحاب القول الأوّل:
استدل أصحاب هذا القول، وهم القائلون إنّه يسهم للأجير للقتال بما يأتي:
الدّليل الأوّل: قالوا: إنَّ غزو الأجير وقع بغير عوض؛ فيكون جهاده واقعًا عن نفسه، لا عن غيره، فيستحق سهمه من الغنيمة (١).
الدّليل الثّاني: قالوا: إنَّ الاستئجار لما بطل، صار كأن لم يكن، فيكون السهم للغازي (٢).
الترجيح:
الّذي يظهر هو رجحان القول الأوّل، وأنّه يسهم للأجير، وتبطل أجرته، فيرد الأجرة، ويستحق سهمه من الغنيمة، ويؤيد ذلك:
١ - أنّه إذا أبطلنا الأجرة، أو الجعل، فيكون غزوه بغير عوض، فيستحق سهمه، كغيره من المجاهدين الذين يغزون بغير عوض.
٢ - أنّه بعضور المعركة يصبح القتال فرضًا عليه، وواقعًا عنه، لا عن غيره، فإذا كان جهاده واقعًا عنه فإنّه يستحق السهم من الغنيمة، كغيره من المجاهدين، ولايستحق الأجرة (٣).
стр. 444
المبحث الثّالث أخد المال على متعلّقات الجهاد
المطلب الأوّل أخد المال على المرابطة
المرابطة (١) في سبيل الله، من أجل الأعمال، وأعظم الطاعات، جاء في فضل الرِّباط في سبيل الله نصوص كثيرة (٢)، قال أحمد: "ليس يعدل الجهاد عندي، والرباط شيءٌ ... " (٣).
والمرابطة كالجهاد فيما يخصه من أحكام، وإن كان الجهاد أفضل من المرابطة؛ لما فيه من العناء، والتعب، والمشقة.
قال الإمام أحمد: " ... فالرِّبَا ط عندي أصل الجهاد، وفرعه، والجهاد أفضل منه، للعناء، والتعب، والمشقة" (٤).
стр. 445
وكان حق هذه المسألة أن تكون ضمن كلّ ما سبق من مباحث، فإن الحديث عن أحكام الجهافى، والمجاهدين، يدخل فيه المرابطة، والمرابطون، وقد نصّ على ذلك الفقهاء، كما سيأتي، ووإنّما قدمت ما يتعلّق بالقتال، وأخرت المرابطة؛ لكون الجهاد أشد خطرًا، وأعظم أثرًا، وأكثر أحكامًا، وله أحكام تخصه دونها، ولكون المرابطة من توابع الجهاد (١)، فقدمت المتبوع، وأخرت التابع، وإن كانت تدخل لزامًا في معظم ما سبق من مباحث.
أخذ المرابطين من الزَّكاة:
المرابطون في الثغور هم جند المسلمين، وهم المجاهدون. وعلى هذا، فإنهم يأخذون من سهم (وفي سبيل الله) (٢).
قال الدردير عند حديثه عن مصارف الزَّكاة: "ويعطى منها المجاهد، ويدخل فيه الجاسوس، والمرابط، ولو كان غنيًا ... وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٣).
وقال أبو يعلى: "وأمّا سهم (سبيل الله) فهم الغزاة يدفع إليهم قدر نفقة ذهابهم وعودهم" (٤).
أخذ المرابطين من بيت المال:
يأخذ المرابطون كذلك من بيت المال، من مصرف الفيء؛ قال ابن قدامة: "وذكر القاضي أن أهل الفيء هم أهل الجهاد من الرابطين في الثغور، وجند المسلمين، ومن يقوم بمصالحهم" (٥).
стр. 446
وكل ما سبق هو محل اتفاق بين الفقهاء، وقد تقدّم ذلك مفصلًا؛ فلا حاجة لإعادته (١).
أخذ العوض على المرابطة:
الأموال الّتي تكون على سبيل النفقة في سبيل الله، والتي هي من الجهاد بالمال، لا حرج على المرابط في الأخذ منها؛ لأنّ الله تعالى قد رغب في النفقة، ووعد عليها الأجر العظيم، وكذلك فعل نبيّنا ﷺ ممّا يدلُّ على أن الأخذ من هذه النفقة لاحرج فيه، وقد تقدّم أن أخذ المجاهدين من هذا المال جائز بلا خلاف (٢).
ويبقى ما كان على سبيل العوض عن المرابطة؛ كالاستئجار عليها، وأخذ الجعل إذا كان على سبيل المعاوضة.
فالذي عليه العلماء أن حكم المرابطة في ذلك حكم الجهاد. هذا الّذي يظهر من أقوالهم؛ قال البلقيني (٣): سئلت عن الاستئجار للمرابطة عوض الجندي، فأفتيت بفساد الإجارة، كالاستئجار للجهاد" (٤).
стр. 447
المطلب الثّاني أخذ المال على حفظ الغنيمة
حفظ الغنيمة، والقيام على شؤونها حتّى تقسم بين الغانمين، من واجبات الإمام؛ فإذا احتاجت إلى من يحفظها، ويقوم على رعايتها، أو احتاجت إلى من يقسمها بين الغانمين، فإنّه يجب على الإمام القيام بذلك.
فإن وجد من يتطوع بذلك، فلا يستأجر غيره؛ لأنّ تصرفه عليها تصرف مصلحة؛ كولي اليتيم، ولا مصلحة للغانمين في الاستئجار مع وجود المتطوع.
وإن لم يجد متطوعًا بذلك، فله أن يستأجر من يقوم بذلك، يعطيه أجرة المثل، من الغنيمة، ويبدأ بها قبل النفل (١)، وقبل القسمة.
وقد جوز الفقهاء ذلك بلا خلاف بينهم (٢).
قال ابن قدامة: "إنَّ الغنيمة إذا احتاجت إلى من يحفظها، أو يسوق الدواب الّتي هي منها، أو يرعاها، أو يحملها، فإن للإمام أن يستأجر من يفعل ذلك، ويؤدِّي أجرتها منها" (٣).
стр. 448
وقال محمّد بن الحسن: " ... وكذلك لو استأجر من يقسم بين الغانمين بأجر معلوم، فذلك جائزا " (١).
واستدل الفقهاء على ذلك بما يأتي:
الدّليل الأوّل: قالوا: إنَّ حفظ الغنيمة ليس من عمل الجهاد، وهو معلوم في نفسه؛ فيجوز الاستئجار عليه ببدل معلوم (٢).
الدّليل الثاني: قالوا: إنَّ الاستئجار لحفظ الغنيمة، والقيام عليها، من مؤنتها؛ فهو كعلف الدواب، وطعام السبي، يجوز للإمام بذله، ويجوز للأجير أخذه (٣).
الدّليل الثّالث: قالوا: إنَّ الأجير إنّما أجر نفسه لفعل بالمسلمين إليه حاجة، فعلت له أجرته، كما لو أجر نفسه على الدلالة على الطريق (٤).
стр. 449
المطلب الثّالث ما يستحقه المعاون في الجهاد
المعاون في الجهاد صنفان:
الصنف الأوّل: الأجير للخدمة في الغزو .
الصنف الثّاني: التجار، والصُّناع الذين يحتاج إليهم الجيش.
الصنف الأوّل: الأجير للخدمة في الغزو:
لا خلاف بين العلماء في أن الأجير للخدمة في الغزو، يستحق أجرته بمقتضى عقد الإجارة (١)؛ لأنّ المعقود عليه معلوم ببيان المدة، والبدل معلوم، وليس في هذا العقد من معنى الطّاعة، وإقامة الفرض، فيصح الاستئجار (٢).
ويؤيد ذلك: ما جاء في حديث يعلى بن منية (٣)، قال: أذن رسول الله ﷺ بالغزو، وأنا شيخ كبير، ليس لي خادم، فالتمست أجيرًا يكفيني، وأُجري له سهمه، فوجدت رجلًا، فلما دنا الرحيل أتاني، فقال: ما أدري ما السهمان، وما يبلغ سهمي؟ فسم لي شيئًا كان السهم أم لم يكن، فسميت له ثلاثة دنانير، فلما
стр. 450
حضرت غنيمته أردت أن أجري له سهمه، فذكرت الدنانير، فجئت النّبيّ ﷺ ، فذكرت له أمره، فقال: (ما أجد له في غزوته هذه في الدنيا والآخرة إِلَّا دنانيره الّتي سمي) (١).
وجه الاستدلال:
حيث دلّ الحديث بظاهره على أن للأجير للخدمة أجره الّذي سمى (٢).
فإذا ثبت أن للأجير أجرة عمله، فهل إذا حضر الوقعة يسهم له كبقية المقاتلين؟ أم أنّه لا حق له في الغنيمة؟
لا يخلو الأجير للخدمة في الغزو من حالتين:
الحالة الأولى: إذا قاتل مع المقاتلين:
اختلف العلماء في حكم الإسهام في هذه الحالة على قولين:
القول الأوّل: إنّه يسهم له من الغنيمة.
وإلى هذا ذهب جمهور العلماء من الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، وهو الأظهر عند الشّافعيّة (٥)، وهو المذهب عند الحنابلة (٦)، وهو قول اللَّيث، والثوري (٧).
стр. 451
القول الآخر: إنّه لا يسهم له.
وبه قال بعض الشّافعيّة (١).
الأدلة والمناقشة:
أوَّلًا: أدلة أصحاب القول الثّاني:
قالوا: لا يسهم له؛ لأنّه لم يقصد الجهاد، إنّما قصد الإجارة (٢).
مناقشة الاستدلال:
يمكن مناقشة هذا التعليل بأن ذلك، وإن كان حالة خروجه أجيرًا، إِلَّا أن حضوره الصف، وقتاله، وتعريض نفسه للهلاك، دليل على أنّه قصد الجهاد والغزو، وأخلص نيته؛ وعلى ذلك، فإنّه يستحق الغنيمة، كغيره من المقاتلين.
ثانيًا: أدلة الجمهور: استدلوا بما يأتي:
الدّليل الأوّل: أن الأجير ممّن خوطب بالجهاد؛ فإذا قاتل أسهم لي كغير الأجير (٣).
الدّليل الثّاني: أنّه ليس في كونه أجيرًا أكثر من أنّه عوض على منافعه، وذلك لا يمنع السهم له، إذا قاتل كالذي يحج ومعه تجارة، أو يؤاجر نفسه للخدمة؛ لأنّ ذلك لا يمنع صحة الحجِّ (٤).
الدّليل الثّالث: أنّهم قاتلوا، ومن قاتل يستحق الغنيمة، كغير الأجير (٥).
الدّليل الرّابع: أنّهم شهدوا الوقعة، والغنيمة لمن شهد الوقعة، كما جاء عن
стр. 452
أبي بكر الصديق ﵁ أنّه قال: "إنَّ الغنيمة لمن شهد الوقعة" (١). وروي مثله عن عمر ﵁، وعن علي ﵁ (٢).
الترجيح:
الراجح هو ما ذهب إليه الجمهورة لقوة ما استدلوا به، وضعف ما استدل به أصحاب القول الثانى، حيث أمكن الجواب عنه، ومناقشته.
الحالة الأخرى: إذا حضر الأجير الوقعه ولم يقاتل:
إذا حضر الأجير الوقعة، ولم يقاتل، فهل يستحق السهم من الغنيمة؟ أم ليس له حق فيها؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأوّل: لا يسهم للأجير من الغنيمة إذا لم يقاتل.
وبه قال الحنفية (٣)، وهو قول للشافعي، واختاره الغزالي (٤)، والبغوي (٥)، وهو رواية عن الإمام أحمد (٦)، وبه قال الأوزاعي، وإسحاق، والثوري، والليث بن سعد (٧).
стр. 453
القول الآخر: يسهم للأجير للخدمة في الغزو، بشرط أن يكون قد خرج بنية الجهاد، وتكثير سواد المسلمين.
وبه قال المالكية (١)، وهو رواية عن الإمام أحمد هي المذهب (٢).
وبه قال ابن حزم (٣).
الأدلة والمناقشة:
أوَّلًا: أدلة أصحاب القول الثّاني:
الدّليل الأوّل: الأثر المروي عن أبي بكر، وعمر، وعلي - وقد تقدّم - وهو: "إنّما الغنيمة لمن شهد الوقعة" (٤).
وجه الاستدلال:
أن هؤلاء الصّحابة الأجلاء، وكلهم من الخلفاء الراشدين، قد أفتوا، وأخبروا أن الغنيمة لمن شهد الوقعة؛ فدلّ على أن كلّ من حضر الوقعة له سهمه من الغنيمة، قاتل أو لم يقاتل.
الدّليل الثّاني:
أنّهم بحضورهم الوقعة، قد كثروا سواد المسلمين، وحصلت منهم المعاونة، وهذا المعنى يُستحق به السهم من الغنيمة (٥).
стр. 454
ثانيًا: أدلة القول الأوّل:
استدل أصحاب هذا القول بما يأتي:
الدّليل الأوّل: قوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠].
وجه الاستدلال:
حيث فرّق سبحانه وتعالي بين حكم من يخرجون لأجل الفضل، وبين من يخرجون لأجل القتال في سبيل الله؛ فدلّ على أن الأجير الّذي خرج لأجل الأجرة لا سهم له (١).
الدّليل الثّاني: حديث يعلى بن منية السابق، حيث قال قال له النّبيّ ﷺ : (ما أجد له في غزوته هذه في الدنيا والآخرة إِلَّا دنانيره الّتي سمى) (٢).
وجه الاستدلال:
حيث دلّ الحديث بظاهره على أن الأجير لا يستحق السهم من الغنيمة، إنّما له أجره الّذي سمى (٣).
الترجيح:
من خلال ذكر أدلة القولين، وبالنظر فيها، يتبين أن الراجح هو القول الأوّل، وأنّه لا يسهم للأجير؛ وذلك لما يأتي:
أوَّلًا: قوة ما استدلوا به، سواء من كتاب الله، أم سنة رسوله ﷺ ، وحديث يعلى بن منية حديث صحيح، وهو نصّ صريح في المسألة.
على أنّه يمكن التوفيق بينه وبين أدلة أصحاب القول الآخر، بأن تحمل أدلتهم على من خرج بنية الغزو، وتكثير السواد، معينًا للمقاتلة بقدر ما يستطيع، فهو ردء للمقاتلين.
стр. 455
وأمّا ما جاء في حديث يعلى فيمكن حمله على الأجير الّذي خرج للأجرة، وليس في قصده، ولا نيته الجهاد، ولا تكثير السواد، وإنّما قصده الأجرة فقط.
وعليه، فمن خرج، وكانت نيته الجهاد، وتكثير السواد فإنّه يسهم له، وأمّا من خرج لا بنية الجهاد، ولا تكثير السواد، فلا يسهم له.
الصنف الآخر: التجار والصنَّاع .
التجار والصناع، كالخياط، والخباز، والبيطار، والحداد، والإسكاف، ونحوهم من كلّ من خرج بغرض التجارة، إذا شهدوا الوقعة، هل يستحقون السهم من الغنيمة، قاتلوا أم لم يقاتلوا؟ أم إنّه لا حق لهم في السهم مطلقًا؟
أم إنّه لا حق لهم فيه إِلَّا بالقتال؟
اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأوّل: لا حق لهم في السهم، إِلَّا إذا قاتلوا.
وبهذا قال الحنفية (١)، والمالكية (٢)، وهو المذهب عند الشّافعيّة (٣).
القول الثّاني: يسهم لهم مطلقًا قاتلوا أم لا إذا شهدوا الوقعة، وكان قصدهم الجهاد.
وهذا قول عند الشّافعيّة (٤)، وهو قول الإمام أحمد، وعليه الأصحاب (٥).
القول الثّالث: لا يسهم لهم بحال، قاتلوا أم لم يقاتلوا.
стр. 456
وبهذا قال بعض الشّافعيّة (١).
الأدلة والمناقشة:
أوَّلًا: أدلة القول الثّالث:
استدل من قال لا يسهم له بحال بما يأتي:
قالوا: إنَّ هؤلاء بعضور الوقعة، إنّما حضروا بغرض التجارة، فلم يقصدوا الجهاد، وإنّما قصدوا فضل التجارة؛ فلا حق لهم في الغنيمة (٢).
ثانيًا: أدلة أصحاب القول الثّاني:
استدل هؤلاء بما يأتي:
الدّليل الأوّل: قالوا: إذا حضر هؤلاء الوقعة استحقوا الغنيمة قياسًا على غيرهم من المجاهدين الذين لم يتجروا؛ لأنّ هؤلاء كان قصدهم من الخروج هو الجهاد والتجارة له تبع، فهم مشتغلون بالجهاد، وإنّما يشتغلون بالتجارة عند فراغهم منه (٣).
الدّليل الثّاني: القياس على الحاج، إذا قصد الحجِّ، ثمّ اتجر، كان له حجه، ولا تؤثر فيه تجارته؛ فكذلك التجار والصناع، إذا قصدوا الجهاد كان لهم سهمهم من الغنيمة، ولا تؤثر فيه التجارة (٤).
الدّليل الثّالث: أثر عمر السابق: "الغنيمة لمن شهد الوقعة" (٥).
стр. 457
ووجه الاستدلال:
أن التجار والصناع إذا شهدوا الوقعة استحقوا سهمهم من الغنيمة، قاتلوا أم لا.
ثالثًا: أدلة أصحاب القول الأوّل:
استدل هؤلاء بما يأتي:
الدّليل الأوّل: حديث يعلى بن منية السابق، وقد تقدّم ذكر وجه الاستدلال به، وهو أن من خرج بغرض الفضل، سواء أكان من الإجارة، أم من التجارة أنّه لاسهم له من الغنيمة، إنّما له ما خرج لأجله فقط (١).
الدّليل الثّاني: قالوا: إنَّ سبب الاستحقاق من الغنيمة، إنّما هو المجاورة على قصد القتال، ولم يوجد منهم؛ لأنّهم قصدوا التجارة، لا إعزاز الدِّين، وإرهاب العدو.
فإن قاتلوا: استحقوا السهم؛ لأنّهم بالمباشرة ظهر أن قصدهم القتال، والتجارة تبع له، فلا يضره، كالحج، إذا اتجر في طريق الحجِّ، لاينقص أجره (٢).
الترجيح:
من خلال ما تقدّم من أدلة يظهر رجحان القول الأوّل؛ لقوة ما استدلوا به، فإن حديث يعلى بن منية صريح في المنع من الإسهام لمن خرج بقصد الاتجار، أو تحصيل الفضل بالتجارة؛ لأنّ السهم إنّما يكون للمقاتلة الذين خرجوا مجاهدين بأنفسهم وأموالهم، قاصدين إعلاء كلمة الله، وإعزاز الدِّين، وإرهاب العدو (٣).
стр. 458
الفصل الخامس أخذ المال عله القرآن الكريم والعلّوم الشرعية
وفيه مبحثان:
المبحث الأوَّل: أخذ المال على القرآن الكريم.
المبحث الثّاني: أخد المال على العلوم الشرعية.
стр. 459
المبحث الأوّل أخد المال على القرآن الكريم
المطلب الأوّل أخذ المال على تعلم (١) القرآن الكريم وتعليمه
اتفق العلماء على أن تعليم القرآن بغير أجرة هو من أفضل الأعمال وأحبها إلى الله (٢)، كما اتفق الفقهاء - رحمهم الله تعالى - على جواز أخذ الرزق من بيت المال (٣) على تعليم القرآن الكريم، وذلك؛ لأنّ ما يؤخذ من بيت المال ليس بعوض بل رزق للإعانة على الطّاعة، ولا يخرجه ذلك عن كونه قربة إلى الله تعالى، ولا يقدح في الإخلاص؛ لأنّه لو قدح في الإخلاص ما استحقت الغنائم، ولا سلب القاتل (٤).
стр. 460
ويلحق بالرزق في الجواز المال الموقوف على أعمال البرّ والموصى به والمنذور.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " ... أمّا ما يؤخذ من بيت المال فليس عوضًا" وأجرة، بل رزق للإعانة على الطّاعة، وكذلك المال الموقوف على أعمال البرّ والموصى به، والمنذور كذلك ليس كالأجرة" (١).
أمّا أخذ الأجرة على تعليم القرآن الكريم فقد اختلف الفقهاء في حكمه من حيث الجواز وعدمه على أقوال، أهمها ثلاثة:
القول الأوّل:
يجوز أخذ الأجرة على تعليم القرآن للحاجة والضرورة، وبهذا قال متأخرو الحنفية، وهو الّذي عليه الفتوى (٢)، وهو قول عند الحنابلة (٣)، اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٤).
القول الثّاني:
يجوز مطلقا أخذ الأجرة على تعليم القرآن الكريم، وهذا قول المالكية (٥)،