← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1405

أخذ المال على أعمال القرب

عادل شاهين

Полный текст (816 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

الفرع الثّاني الاستئجار على الحجِّ والعمرة الإجارة على الحجِّ مبنية على صحة النيابة فيه، وعليه فإن كلّ من لا تجوز النيابة عنهم، لا تجوز الإجارة في حقهم. ومن ذلك: الحي القادر المستطيع للحج بنفسه وماله، لا تجوز النيابة في حقه، بل عليه المبادرة بالحج بنفسه، وهذا محل إجماع بين العلماء - كما تقدّم - (١)، فهذا لا خلاف في عدم جواز الاستئجار على الحجِّ والعمرة في حقه. وبالجملة، فحيث لا تجوز النيابة - على ما سبق بيانه - فلا تجوز الإجارة. وعلى هذا يصبح المراد بقولنا: الاستئجار على الحجِّ والعمرة هو الاستئجار على الحجِّ والعمرة في الحالات الّتي تقبل النيابة (٢). وقد اختلف الفقهاء في حكم الاستئجار على الحجِّ والعمرة على ثلاثة أقوال:

стр. 387

القول الأوّل: يجوز مطلقًا الاستئجار على الحجِّ والعمرة. وإلى هذا ذهب الشّافعيّة (١)، والحنابلة في رواية (٢)، وهو قول الظاهرية (٣)، وقد نقل هذا القول عن بعض الحنفية، وفيه نظر (٤). القول الثّاني: يجوز الاستئجار على الحجِّ، لكن مع الكراهة؛ وذلك إذا أوصى الميِّت أن يحج عنه، فتنفذ وصيته. وهذا هو قول المالكَية (٥)، وهو منصوص الإمام مالك، كما في المدوّنة (٦). القول الثّالث: لا يجوز مطلقًا الاستئجار على الحجِّ والعمرة. وإلى هذا ذهب الحنفية (٧)، وهو المذهب عند الحنابلة (٨).

стр. 388

سبب الخلاف: الحجِّ كغيره من العبادات قربة يتقرب بها العبد إلى الله تعالى، ونفع هذه القربات راجع إلى العبد حين قيامه بها، فإذا وقعت الإجارة عليها، فهل نفعها يكون للمستأجر، أم يكون للأجير الّذي باشر فعل القربة بنفسه؟ فمن قال إنَّ النفع يحصل للمستأجر، قال بجواز الأجرة، ومن قال إنَّ النفع لايحصل إِلَّا للأجير، قال بعدم جواز الاستئجار على الحجِّ (١). الأدلة والمناقشة: أوَّلًا: أدلة أصحاب القول الثّالث: استدل أصحاب هذا القول، وهم القائلون بعدم جواز الاستئجار على الحجِّ والعمرة بأدلة من القرآن، والسُّنَّة، والمعقول. أ - أدلتهم من القرآن: الدّليل الأوّل: قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]. وقد تقدّم وجه الاستدلال من هذه الآية مرارًا، وما ورد عليها من مناقشات، وقد منعوا بها النيابة، داذا امتنعت النيابة امتنعت الإجارة؛ لأنّ الإجارة لا تكون إِلَّا بنيابة، وقد أمكن مناقشة ذلك بما يغني عن الإعادة (٢). الدّليل الثّاني: قوله تعالى: ﴿عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧].

стр. 389

وجه الاستدلال: قالوا في وجه الاستدلال بهذه الآية الكريمة: إنَّ الله ﵎ إنّما فرض الحجِّ على المستطيع إجماعًا، والمريض والمعضوب والميِّت لا استطاعة لهم، ولا يتناولهم الخطّاب بالآية الكريمة. ثمّ إنَّ الاستطاعة المذكورة في الآية الكريمة هي الاستطاعة البدنية؛ إذ لو كانت الاستطاعة مالية لقال: إحجاج البيت؛ فدل ذلك كله على عدم صحة النيابة. وعليه، فلا تصح الإجارة. مناقشة الاستدلال: تقدّم مناقشة وجه الاستدلال بهذه الآية الكريمة، وحاصله أن وجه الاستدلال مبني على أن الاستطاعة كلها بدنية، لا مالية، ويناقش ذلك بأن الآية جاءت عامة شاملة لنوعي الاستطاعة البدنية والمالية، فمن كان عاجزًا ببدنه فهو مستطيع بماله، وبغيره، فيدخل تحت عموم الآية، فيستأجر من يؤدِّي عنه هذه العبادة. (١). ب- الأدلة من السُّنَّة: الدّليل الأوّل: عن ابن عبّاس ﵄ قال: مرّ رسول الله ﷺ بمرداس المعلم، فقال: "إياك وحطب الصبيان، وخبز الرقاق، وإياك والشرط على كتاب الله (٢).

стр. 390

وجه الاستدلال: حيث دل الحديث على تحريم أخذ الأجرة على تعليم القرآن الكريم، وهو قربة من القربات؛ فيلحق به سائر القرب، ومنها الحجِّ، فيحرم أخذ الأجرة عليه (١). مناقشة الاستدلال: هذا حديث موضوع - كما تقدّم في تخريجه -؛ فيرد جملة وتفصيلًا، وبناءً على ذلك، فلا عبرة بالاحتجاج به؛ لسقوطه. الدّليل الثّاني: عن أبي بن كعب ﵁ قال: علمت رجلًا القرآن، فأهدى إليّ قوسًا، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: (إنَّ أخذتها، أخذت قوسًا من نار). قال أبي: فرددتها (٢). وجه الاستدلال: وجه الاستدلال من هذا الحديث كسابقه؛ حيث دلّ على تحريم الأجرة على القرآن، هو قربة؛ فيلحق به سائر القرب، ومنها الحجِّ.

стр. 391

مناقشة الاستدلال: أوَّلًا: أن هذا الحديث، وما في معناه من الأحاديث الّتي جاءت بالوعيد على أخذ الأجرة على تعليم القران ليس فيها تصريح بالمنع على الإطلاق، بل هي وقائع أحوال محتملة التّأويل. لتوافق الأحاديث الصحيحة الواردة في جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، وهي في الصحيح (١). ثانيًا: أن هذا الحديث، وما في معناه من الأحاديث، ليس فيها ما تقوم به الحجة؛ فلا تنهض لمعارضة الأحاديث الصحيحة الصريحة الدالة على جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، وهي في الصحيح، وقد تقدّم ذكر ذلك (٢). الدّليل الثّالث: حديث عثمان بن أبي العاص، قال: قلت: يا رسول الله، اجعلني إمام قومي؛ قال ﷺ : (أنت إمامهم، واقتد بأضعفهم، واتخذ موذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا) (٣). وفي رواية أخرى: قال عثمان ﵁: (إنَّ من آخر ما عهد إليّ رسول الله ﷺ أن أتخذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا) (٤). وجه الاستدلال: وجه الاستدلال من هذه الروايات كسابقتها، حيث نهى رسول الله ﷺ عن أخذ الأجرة على الأذان، فدل على التّحريم، والأذان قربة، فكذلك الحجِّ، بجامع القربة في كلّ. وعليه، فلا يجوز أخذ الأجرة عليه.

стр. 392

مناقشة الاستدلال: أوَّلًا: يناقش هذا الحديث بما سبق أن نوقش به، وحاصله أنّه لا دلالة فيه على تحريم أخذ الأجرة على الأذان. وعليه فلا حجة فيه؛ لما ذهب إليه الحنفية (١). ثانيًا: أنّه ليس نصًا صريحًا فيما نحن بصدده، فضلًا عن أنّه معارض بالأدلة القوية الصريحة على جواز الاستئجار على الحجِّ (٢)، وستأتي إن شاء الله تعالى. جـ- أدلتهم من المعقول: الدّليل الأوّل: قالوا: إنَّ المباشر لعمل الطّاعة عمله لله تعالى؛ فلا يصير مسلمًا إلى المستأجر، فلا يجب الأجر عليه، بخلاف بناء الرِّباط، والمسجد، فالعمل هناك ليس بعبادة محضة، بدليل أنّه يصح من الكافر (٣). مناقشة الاستدلال: يمكن مناقشة هذا الدّليل: باننا قد أثبتنا صحة النيابة في الحجِّ، كما مرّ معنا في مباحث النيابة، وأنتم أيها الحنفية توافقوننا على ذلك، فإذا صحت النيابة، ووقع الحجِّ عن المحجوج عنه، فقد حصل له النفع، فإذا كان الأمر كذلك صحت الإجارة، ويجب الأجر على المستأجر. الدّليل الثّاني: قالوا: إنَّ الحجِّ عبادة، يختص فاعلها أن يكون من أهل القربة، فلم يجز أخذ الأجرة عليها، كالصلاة، والصوم (٤). مناقشة الأستدلال: أوَّلًا: إنَّ قياس الحجِّ على الصّلاة، والصوم، قياس مع الفارق، فلا يصح؛

стр. 393

لأنّ الحجِ عبادة يدخلها المال، بخلاف الصوم، والصلاة (١). ثانيًا: إنّه قد ثبت أن الحجِّ يقبل النيابة، وإذا صحت النيابة صحت الإجارة. ثانيًا: أدلة أصحاب القول الثّاني: وهؤلاء هم الذين قالوا بالجواز مع الكراهة. فأمّا دليلهم على الجواز: فقالوا: إنَّ الحجِّ عمل تدخله النيابة، فجازت الأجرة عليه (٢). وهناك أدلة أخرى على الجواز، ستأتي عند ذكر أدلة أصحاب القول الأوّل. أمّا وجه الكراهة عندهم فلما يأتي: ١ - أن أخذ الأجرة على الحجِّ إنّما هو من باب أكل الدنيا بعمل الآخرة (٣). ٢ - أن أخذ العوض عن العبادة ليس من شيم أهل الخير (٤). قلت: وهذا الّذي ذهب إليه المالكية، ليس على إطلاقه، وإنّما يحمل على ما إذا كان قصده من الحجِّ عن الغير إنّما هو الاكتساب بذلك، وهو أن يستفضل مالًا، وليس غرضه الإحسان إلى المحجوج عنه، أو رؤية المشاعر، ومحبته للحج، وسيأتي تفصيل ذلك في الترجيح، إن شاء الله تعالى. ثالثًا: أدلة أصحاب القول الأوّل: استدل من قال بالجواز مطلقًا - وهم أصحاب القول الأوّل- بأدلة كثيرة من السُّنَّة، والمعقول، ومعظم أدلتهم من السُّنَّة قد تقدمت في مباحث النيابة في الحجِّ، فكل ما استدلوا به على جواز النيابة قد استدلوا به على جواز الإجارة (٥)؛ وذلك

стр. 394

لأن الحجِّ دين لله في ذمة المحجوج عنه، فإذا لم يوجد متبرع به، تعين الاستئجار حينئذ طريقًا لسداد هذا الدِّين. ولأصحاب هذا القول أدلة أخرى من السُّنَّة، والمعقول، نذكرها: أ - أدلتهم من السُّنَّة: الدّليل الأوّل: عن ابن عبّاس ﵄، أن النّبيّ ﷺ قال: (إنَّ أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله" (١) وجه الاستدلال: حيث دلّ الحديث على جواز أخذ الأجرة على القرآن الكريم، وهو من القرب، فكذلك الحجِّ؛ لأنّه من القرب، فيجوز أخذ الأجرة عليه. مناقشة الاستدلال: نوقش الاستدلال بهذا الحديث بما يأتي: أوَّلًا: أن المراد بالأجر في الحديث هو الأجر الأخروي، وهو الثّواب (٢). الجواب عن هذه المناقشة: أجيب عن هذه المناقشة: بأن هذا تأويل للحديث يأباه سياق القصة، فإن السياق يدلُّ دلالة قاطعة على أن المراد بالأجر في الحديث هو المال، والعوض المأخوذ على كتاب الله (٣).

стр. 395

ثانيًا: قالوا: إنَّ هذا الحديث منسوخ بالأحاديث الواردة في الوعيد على أخذ الأجرة على تعليم القرآن (١). الجواب عن هذه المناقشة: أجيب عن هذه المناقشة بجوابين: الجواب الأوّل: أن هذا إثبات للنسخ بالاحتمال، وهو مردود؛ لأنّ من شرط الناسخ أن يكون متأخرًا، ولا سبيل إلى هذا هنا (٢). الجواب الآخر: هو ما سبق أن أجيب به عن النصوص الواردة في الوعيد على أخذ الأجر على القرآن عند ذكر أدلة أصحاب القول الثّالث؛ كما تقدّم. الدّليل الثّاني: قصة أبي سعيد الخدري وأصحابه في أخذ الجعل على الرقية بكتاب الله. حيث رقى أبو سعيد الخدري ﵁ الرَّجل بفاتحة الكتاب على جعل، فلما قدموا على رسول الله ذكروا له ذلك، فقال ﷺ : (وما يدريك أنّها رقية)؟، ثمّ قال ﷺ : (لقد أصبتم، اقسموا، واضربوا في معكم بسهم) (٣). وجه الاستدلال: حيث دلّ الحديث على جواز أخذ الأجرة على القرآن الكريم، فكذلك الحجِّ؛ لأنّ كلًا منهما ممّا يتعدى فعه، ويختص فاعله أن يكون من أهل القربة (٤).

стр. 396

مناقشة الاستدلال: قالوا: إنَّ الصحابي لم يقرأ القرآن هنا بغرض القربة، بل للتداوي؛ فهو كصنعة الطب، وغيرها من الصنائع. وعليه، فلا حجة فيه على جواز الاستئجار على القرآن، وغيره من القرب، ومنها الحجِّ (١). ب- أدلتهم من المعقول: الدّليل الأوّل: قالوا: إنَّ الحجِّ يجوز أخذ النفقة عليه، فجاز الاستئجار عليه؛ كبناء الساجد، والقناطر (٢). مناقشة الاستدلال: أوَّلًا: لا يلزم من جواز أخذ النفقة جواز أخذ الأجرة، بدليل القضاء، والشهادة، والإمامة، يؤخذ عليها الرزق من بيت المال، وهو نفقة في المعنى، ولا يجوز أخذ الأجرة عليها (٣). ثانيًا: أن القياس على بناء المساجد والقناطر قياس مع الفارق؛ فإن بناء المساجد والقناطر لا يختص فاعله أن يكون من أهل القربة، ويجوز أن يقع قربة، وغير قربة، بخلاف الحجِّ، فإنّه يختص فاعله أن يكون من أهل القربة، ولايصح هاهنا أن يكون غير عبادة (٤). الدّليل الثّاني: قالوا: إنَّ الحجِّ عبادة لها تعلّق بالمال، فصحت النيابة فيها بالأجرة، كالزكاة (٥).

стр. 397

الدّليل الثّالث: قالوا: إنّه يصح الاستئجار على كتابة المصحف، وبناء المساجد، وحفر القبور، وهي قربات، فكذلك الحجِّ عن الغير يجوز الاستئجار عليه. لأنّه قربة إلى الله تعالى (١). الدّليل الرّابع: قالوا: إنَّ الحاجة تدعو إلى الاستئجار على الحجِّ، فإنّه يُحتاج إلى الاستنابة فيه عمن وجب عليه، وعجز عن فعله، ولايكاد يوجد متبرع بذلك؛ فيحتاج إلى بذل الأجر فيه (٢). الدّليل الخامس: قالوا: إنَّ الحجِّ عبادة تدخلها النيابة، فجاز أخذ العوض عليه؛ كتفرقة الزَّكاة، وغيرها من الأعمال (٣). مناقشة الاستدلال: قالوا: إنا لا نسلم أن الحجِّ تدخله النيابة، فإنّه يقع عن الفاعل (٤). الجواب عن المناقشة: إنَّ القول بعدم دخول النيابة في الحجِّ، وأنّه يقع عن الفاعل، قولٌ غير صحيح؛ وذلك لمنابذته للأحاديث الصحيحة الكثيرة الدالة على جواز النيابة في الحجِّ، وقد تقدمت في مباحث النيابة بالحج مفصلة (٥). الدّليل السّادس: قالوا: إنَّ الاستئجار لم يأت عنه نهي؛ فهو داخل في عموم أمر النّبيّ ﷺ بالمؤاجرة. (٦).

стр. 398

الترجيح: بعد ذكر أدلة الأقوال، وما ورد عليها من مناقشات، وما أمكن الجواب به عن هذه المناقشات، فإنّه يترجح القول الأوّل القائل يحواز الاستئجار على الحجِّ والعمرة؛ وذلك لما يأتي: أوَّلًا: قوة ما استدل به أصحاب هذا القول، وبخاصة ما يتعلّق بأدلة جواز النيابة في الحجِّ، فإنها نصوص صحيحة صريحة، وبعضها صريح في وقوع الحجِّ عن المحجوج عنه، فإذا جازت النيابة، وحصل النفع للمستنيب جاز أخذ الأجرة. ثانيًا: أن ما استدل به المانعون أمكن مناقشته، والجواب عنه ممّا أضعف دلالته على المنع. ثالثًا: أنّه من المتقرر أن الحجِّ يتكون من المال، والبدن، فإن تعذر البدن لمرض، أو موت، أو زمانه، بقيت الاستطاعة المالية، وقد تقدّم أن الستطيع بماله يدخل تحت عموم قوله تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، وليس معنى ذلك إِلَّا إعطاء الغير ما يحج به عن المستنيب، ولا يمكن إلزامه أن يحج بالنفقة فقط، أو متبرعًا، فإنّه لا قائل بذلك، فإن تعذر وجود المتبرع، أو من يكتفي بالنفقة، فإنّه يتعين حينئذٍ الاستئجار طريقًا لقضاء ما وجب في ذمة المحجوج عنه من الحجِّ الواجب، وإلا بقيت ذمته مشغولة. ثمّ إنَّ النائب قد يكون فقيرًا، وهو كاسب أهله، ويحتاج إلى المال؛ لينفق منه على نفسه وأهله، أو يقضي دينه؛ فيكون من العدل حينئذ القول بجواز الاستئجار (١). رابعًا: أن القول بجواز الاستئجار قول يتفق مع أصول الشّريعة، ومقاصدها العظيمة، حيث جاءت بالتيسير، ورفع الحرج، والمشقة عن المكلفين، وتيسير سبل

стр. 399

الخير لهم، فإن الأخذ بهذا القول يمكن المكلَّف من إبراء ذمته، وتدارك ما فاته، ممّا أوجبه الله عليه، في الوقت الّذي لا يمكن فيه إلزام الغير بالتطوع عنه بذلك. ومما يجب التنبيه عليه هنا أن القول بجواز الاستئجار على الحجِّ، لا يعني أن يكون كلّ هم النائب هو جمع المال، أو يكون قصده من الحجِّ هو استفضال المال، والاكتساب بذلك فقط، فإن هذا - وإن قيل بجوازه - لا يستحب، ولا يحسن بالمسلم أن يفعل ذلك؛ لأنّ عمله حينئذ خرج من باب الطاعات، والقربات، إلى باب المباحات، فيحل له المال الّذي ياخذه، لكن لا ثواب له في الآخرة. ويقرر هذا شيخ الإسلام ابن تيمية تقريرًا حسنًا بديعًا، فيقول: "وأمّا إذا كان قصده الاكتساب بذلك، وأن يستفضل مالًا، فهذا سورة الإجارة والجعالة، والصواب أنّه لايستحب - وإن قيل بجوازه -؛ لأنّ العمل المعمول للدنيا ليس بعمل صاع في نفسه، إذا لم يقصد به إِلَّا المال، فيكون من نوع المباحات، ومن أراد الدنيا بعمل الآخرة فليس له في الآخرة من خلاق". ثمّ يقول رحمه الله تعالى: "ونحن إذا جوزنا الإجارة والجعالة على أعمال البرّ الّتي يختص أن يكون فاعلها من أهل القرب، لم نجعلها في هذه الحالة إِلَّا بمنزلة المباحات، لانجعلها من "باب القرب"، فإن الأقسام ثلاثة: إمّا أن يعاقب على العمل بهذه النية، أو يثاب، أو لايثاب، ولايعاقب، وكذلك المال المأخوذ: إمّا منهي عنه، وإما مستحب، وإما مباح، فهذا هذا، والله أعلم. ولكن قد رجحت الإجارة على (١)، ... إذا كان محتاجًا إلى ذلك المال للنفقة مدة الحجِّ، وللنفقة بعد رجوعه، أو قضاء دينه، فيقصد إقامة النفقة، وقضاء الدِّين الواجب. وعليه فهنا تفسير الأقسام ثلاثة: * إمّا أن يقصد الحجِّ،

стр. 400

والإحسان (١) فقط. * وإما أن يقصد النفقة المشروعة له فقط. * وإما أن يقصد كلاهما. فمتى قصد الأوّل فهو حسن، كان قصدهما معًا فهو حسن إن شاء الله؛ لأنّهما مقصودان صالحان، وإما إنَّ لم يقصد إِلَّا الكسب لنفقته، فهذا فيه نظر" (٢).

стр. 401

المبحث الرّابع أخذ المال على ذبح الهدي والاضاحي ونحوهما المطلب الأوّل النيابة في ذبح الهدي والأضاحي اتفق أهل العلم على أن الأفضل لمن أراد أن يضحي، أو يهدي أن يفعل ذلك بنفسه (١)، فيقوم بذبح هديه (٢)، أو أضحيته (٣) بيده، إذا كان يحسن الذَّبح. وقد دلت السُّنَّة الصحيحة الصريحة على هذه الأفضلية، ومن ذلك: ١ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: (ضحَّى النّبيّ ﷺ بكبشين أملحين، أقرنين، ذبحهما بيده، وسمى، وكبر، ووضع رجله على صفاحهما) (٤).

стр. 402

٢ - ما رواه جابر بن عبد الله في حديث الحجِّ الطويل، حيث ذكر صفة حجة النّبيّ ﷺ ، فذكر فيه: (... ثمّ انصرف إلى المنحر، فنحر ثلاثًا وستين بيده، ثمّ أعطى عليًا، فنحر ما غبر، وأشركه في هديه ....) (١). وجه الاستدلال من الحديثين: حيث قام النّبيّ ﷺ بذبح أضحيته، ونحر هديه بنفسه، وبيده الشريفة ﷺ ؛ فدل ذلك على استحباب أن يباشر الإنسان ذلك بنفسه، وأن ذلك أفضل من توكيل غيره. ٣ - ولأن ذبح الهدي، والأضاحي، فعله قربة، وفعل القربة أولى من استنابته فيها (٢). وأمّا النيابة في ذبح الهدي، والأضاحي، فقد أجمع العلماء على جواز استنابة المسلم في ذبح الهدي، والأضاحي (٣). قال الإمام النووي: "وأجمعوا على أنّه يجوز أن يستنيب في ذبح أضحيته مسلمًا" (٤). وقال ابن قدامة: "وإن ذبحها بيده كان أفضل ... فإن استناب فيها جاز ... وهذا لا خلاف فيه" (٥). ومستند هذا الإجماع هو السُّنَّة الصحيحة الثابتة من فعله ﷺ ، حيث استناب عليًا ﵁ في نحر ما بقي من بُدْنِه بعد ثلاث وستين، كما في حديث جابر السابق (٦).

стр. 403

المطلب الثّاني أخذ الاجرة على ذبح الهدي والاضاحي ما يأخذه الجزار من أجرة على ذبحه للهدي، أو الأضاحي، لا يخلو، إمّا أن يكون ما ياخذه من غيرها، أو منها: الحالة الأولى: إذا كان ما يأخذه من غيرها: إذا أخذ الجزار أجرته على ذبح الهدي، والأضاحي من غيرها، بأن لايأخذ شيئًا من لحمها، أو جلدها، أو جلالها أجرة على عمله، ففي هذه الحالة لاخلاف بين العلماء في جواز ذلك (١). وقد دلّ على ذلك، النص، والمعقول: أوَّلًا: النص: عن علي ين أبي طالب ﵁ قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أقوم على بُدْنِهِ، وأن أتصدق بلحمها، وجلودها، وأحلتها، وأن لا أعطي الجزّار منها. قال: "نحن نعطيه من عندنا" (٢). وجه الاستدلال: حيث نهى النّبيّ ﷺ عن إعطاء أجرة الجزار من الهدي، وأن

стр. 404

يُعطى أجرته من غيرها، وهو نصّ صريح يدلُّ على وجوب إعطاء أجرة الجزار من غيرها، لا مجرد الجواز. ثانيًا: المعقول: إنَّ ذبح الهدي، والأضاحي، ونحوها يقع تارة قربة، وتارة غير قربة، فجاز أخذ الأجرة علي، كغرس الأشجار، وبناء البيوت (١). الحالة الثّانية: إذا كانت أجرة الجزار منها: إذا كانت أجرة الجزار من الهدي، والأضاحي سواء أخذ من لحمها، أو جلدها، أو جلالها، فقد اتفق العلماء على عدم جواز ذلك (٢). وخالف الحسن البصري، وعبد الله بن عبيد بن عمير (٣)، فقالا: يجوز إعطاء الجزار أجرته منها (٤). قال ابن حجر، نقلًا عن أبي العباس القرطبي (٥): "ولم يرخص في إعطاء الجزار

стр. 405

منها في أجرته، إِلَّا الحسن البصري، وعبد الله بن عبيد بن عمير" (١). قال النووي: "وقال الحسن البصري: يجوز أن يُعطى الجزار جلدها، وهذا منابذ للسنة" (٢). وحجة الجمهور فيما ذهبوا إليه: أوَّلًا: النص: وهو ما تقدّم في حديث علي بن أبي طالب، وفيه: " ... وأن لا أعطي الجزار منها ... " وأكد ذلك النّبيّ ﷺ بقوله: "نحن نعطيه من عندنا". قال أبو العباس القرطبي معلقًا على ذلك: "وقوله: (نحن نعطيه من عندنا)، مبالغة في سدّ الذريعة، وتحقيق للجهة الّتي تجب عليها أجرة الجازر" (٣). ثانيًا: المعقول: ١ - إنَّ الذَّبح على صاحب الهدي، أو الأضحية، فعِوضُهُ عليه دون المساكين (٤). ٢ - إنَّ دفع جزءٍ منها عوضًا عن الجزارة، كبيعه، ولا يجوز بيع شيء منها (٥). * بهذا يتبين رجحان ما ذهب إليه الجمهور، ويمكن الاعتذار عما ذهب إليه الحسن البصري، ومن معه، بأنّه: لم يبلغهما الحديث، أو أنّهما أرادا بذلك: إعطاء الجزار على سبيل الصَّدقة، أو الهدية، وهذا جائز.

стр. 406

قال البغوي (١): "فأمّا أن يتصدق عليه بشيء منه، فلا باس به، هذا قول أكثر أهل العلم" (٢). قال ابن قدامة: "فأمّا إنَّ دفع إليه لفقره، أو على سبيل الهدية، فلا بأس؛ لأنّه مستحق للأخذ، فهو كغيره، بل هو أولى؛ لأنّه باشرها، وتاقت نفسه إليها" (٣).

стр. 407

الصندوق الخيري لنشر البحوث والرسائل العلمية (٣) الدراسات الفقهية (٣) أخذ المال على أعمال القُرَب تَأليف عَادِل شَاهِيْن محمَّد شَاهِيْن الجُزْءُ الثَّاني كُنُوزْ إشْبِيْليَا للنشر والتوزيع

стр. 408

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أصل هذا الكتاب رسالة ماجستير قدمت إلى قسم الفقه بكلية الشّريعة، جامعة الإمام محمّد بن سعود الإسلامية بالرياض، وتكونت لجنة المناقشة من: فضيلة الدكتور/ أحمد بن يوسف الدريويش ... رئيسًا فضيلة الدكتور/ إبراهيم بن عبد العزيز الغصن ... عضوًا فضيلة الدكتور/ صبري السعداوي مبارك ... عضوًا ونال بها الباحث درجة الماجستير بتقدير ممتاز.

стр. 409

الفصل الرّابع أخذ المال عله الجهاد وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأوَّل: نفقة المجاهدين. المبحث الثّاني: أخذ المال على القتال. المبحث الثّالث: أخذ المال على متعلّقات الجهاد.

стр. 410

المبحث الأوَّل نفقة المجاهدين المطلب الأوّل أخذ المجاهدين من الزَّكاة لا خلاف بين الفقهاء في أنّه يجوز للمجاهدين الأخذ من الزَّكاة قدر حاجتهم في جهادهم (١)، على اختلاف بينهم في بعض القيود الّتي يأتي بيأنّها (٢). وقد دل على ذلك الكتاب، والسُّنَّة، والإجماع. أوَّلًا: الدّليل من القرآن الكريم: قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠].

стр. 411

وجه الاستدلال: حيث حدد الله - سبحانة وتعالى - في الآية الكريمة مصارف الزَّكاة الثمانية، ومنها مصرف (في سبيل الله). قال ابن قدامة: "هذا الصنف السابع من أهل الزَّكاة، ولا خلاف في اسقحقاقهم، وبقاء حكمهم، ولا خلاف في أنّهم الغزاة في سبيل الله؛ لأنّ سبيل الله عند الإطلاق هو الغزو ... " (١). ثانيًا: الدّليل من السُّنَّة: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تحل الصَّدقة لغني إِلَّا لخمسة: لغاز في سبيل الله، أو لعامل عليها، أو لغارم، أو لرجل اشتراها بماله، أو لرجل كان له جار مسكين، فتصدق على المسكين، فأهداها المسكين للغني) (٢). وجه الاستدلال: في هذا الحديث بيان أن للغازي - كان كان غنيًا - أن يأخذ من الصَّدقة، ويستعين بها في غزوة، وهو من سهم (سبيل الله) (٣).

стр. 412

مناقشة الاستدلال: ناقش الحنفية هذا الاستدلال: بأن المراد بالغني في الحديث هو: الغني بقوة البدن، والقدرة على الكسب، لا الغني بالنصاب الشرعي (١). ثالثًا: الإجماع: قال ابن عبد البر: "أجمع العلماء على أن الصَّدقة تحل لمن عمل عليها، وإن كان غنيًا، وكذلك المشتري لها بماله، والذي تهدى إليه، وإن كانوا أغنياء، وكذلك سائر من ذكر في الحديث ..... (٢). وقد نقل غير واحد من العلماء الاتفاق على ذلك (٣). هذا، وقد اختلف العلماء في بعض القيود الّتي بموجبها يجوز للمجاهدين الأخذ من الزَّكاة، ومن هذه القيود: أ - أن يكون المجاهد فقيرًا: وهذا القيد ذكره الحنفية (٤)، حيث اشترطوا في المجاهد كي ياخذ من الزَّكاة من سهم (في سبيل الله) أن يكون فقيرًا. قال السرخسي: "وأمّا قوله تعالى: ﴿وفي سبيل الله﴾ فهم فقراء الغزاة ... ولا يصرف إلى الأغنياء عندنا .... " (٥). واستدل الحنفية على ذلك بما يأتي:

стр. 413

حديث معاذ بن جبل ﵁ حين بعثه النّبيّ ﷺ إلى اليمن، حيث جاء فيه قوله ﷺ : (... فإذا فعلوا فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم زكاة تؤخذ من أغنيائهم، وترد على فقرائهم ....) (١). وجه الاستدلال: حيث دلّ الحديث بظاهره على أن الزَّكاة لا تكون إِلَّا في الفقراء، ومنهم الغازي في سبيل الله، فلا يأخذ منها إِلَّا بوصف الفقر (٢). مناقشة الاستدلال: نوقش الاستدلال بهذا الحديث بعدة مناقشات: أوَّلًا: أن هذا الحديث الّذي استدلوا به عام، مخصوص بحديث أبي سعيد الخدري السابق، وهو قوله ﷺ : (لا تحل الصَّدقة لغني إِلَّا لخمسة: لغاز في سبيل الله ....) (٣) الحديث. حيث استثنى النّبيّ ﷺ الغازي في سبيل الله، وبقية الخمسة المذكورين في الحديث في جواز الأخذ من الزَّكاة مع الغنى (٤). ثانيًا: أن الله تعالى جعل الفقراء والمساكين صنفين، وعدّ بعدهما ستة أصناف؛ فلا يلزم وجود صفة المصنفين في بقية الأصناف، كما لا يلزم وجود صفة الأصناف فيهما (٥). ثالثًا: أن هذا الغازي، إنّما يأخذ مع الغنى من الزَّكاة لحاجتنا إليه، فأشبه العامل والمؤلِّف، فأمّا أهل سائر السهمان، فإنّما يعتبر فقر من ياخذ لحاجته إليها، دون من

стр. 414

يأخذ لحاجتنا إليه (١). رابعًا: -أن ما ذهب إليه الحنفية، إنّما هو زيادة على النص، والزيادة على النص نسخ عندهم، والنسخ لايكون إِلَّا بقرآن، أو خبر متواتر (٢)، وذلك معدوم هنا (٣). وبهذا يتبين أن ما ذهب إليه الحنفية عن اشتراط كون المجاهد فقيرًا حتّى يجوز له الأخذ من الزَّكاة، غير صحيح. وعليه، فإن ما ذهب الجمهور من عدم اشتراط الفقر في المجاهد هو الحقال في لاريب فيه؛ وذلك لما يأتي: ١ - قوة ما ذهب إليه الجمهور، حيث جاء حديث أبي سعيد الخدري نصًا في محل النزاع. ٢ - أن هذا القيد يجعل مصرف (في سبيل الله) لا وجود له؛ لأنّه بهذا القيد يرجع إلى المصرف الأوّل، وهم: (الفقراء)، وهذا لا يصح؛ لأنّ الله تعالى ذكر ثمانية مصارف، وغاير بينهما، فدل على أن مصرف (في سبيل الله) يختلف عن مصرف (الفقراء). ٣ - أن ما أجابوا به عن حديث أبي سعيد، من حمل الغنى في الحديث على قوة البدن، تأويل بعيد يرده ظاهر النص، ودلالة السياق.

стр. 415

ب - أن لا يكون الغزاة ممّن لهم سهم في ديوان المرتزقة: ذهب الشّافعيّة (١)، والحنابلة (٢)، إلى اشتراط كون الغزاة متطوعين لا حق لهم في ديوان المرتزقة من بيت المال. وقد عللوا ذلك بما يأتي: أن من له رزق راتب يكفيه، فهو مستغنٍ به، فلا يعطى من الصدقات (٣).

стр. 416

المطلب الثّاني أخذ المجاهدين من بيت المال لقد سبق الحديث عن بيت المال من حيث التعريف به، وبيان ما يردّ إليه من أموال، وبيان أقسامه، ومنها بيت مال الفيء، وهو المعني هنا. أمّا بقية أموال بيت المال، فلها مصارف محددة، ومعروفة سبق الكلام عنها (١). وأمّا حكم أخذ المجاهدين من بيت المال، فقد اتفق العلماء على أن كفاية المجاهدين، وكفاية من يعولون، تكون في بيت المال (٢). وذكر بعضهم الإجماع على ذلك (٣). وقد بالغ بعض أهل العلم، فذهب إلى اختصاص أهل الجهاد بمال الفيء؛ قال ابن قدامة: "وذكر القاضي، أن أهل الفيء هم أهل الجهاد من المرابطين في الثغور، وجند المسلمين، ومن يقوم بمصالحهم" (٤). وعلل ذلك: بأن مال الفيء كان للنبي ﷺ في حياته؛ لحصول النصرة، والمصلحة به، فلما مات صارت للجند، ومن يحتاج إليه المسلمون، فصار ذلك لهم دون غيرهم (٥).

стр. 417

* ضابط ما يأخده المجاهدون من بيت المال: إعطاء المجاهد من بيت المال مقدر بالكفاية، له، ولمن يعول، سواء أكان يأخذ عطاءه في كلّ شهر، أم في كلّ سنة، فيعطى ما يكفيه في شهره، أو في سنته، ثمّ تعرض حاله في كلّ مرّة، فإذا زادت حاجته زيد له في عطائه، وإذا نقصت نقص عطاؤه. قال السرخسي عند كلامه عن مصارف بيت المال: " ... ومنها إعطاء المقاتلة كفايتهم، وكفاية عيالهم .... (١). وقال الماوردي: "والمعتبر هو نفقته، ونفقة من يعول لمدة سنة، ثمّ تعرض حاله في كلّ عام، فإذا زادت رواتبه الماسة زيد، كان نقصت نقص" (٢). * السبب الّذي به يأخذ المجاهدون من بيت المال: علل العلماء ذلك بعدة تعليلات منها: أوَّلًا: أن المجاهدين قد فرغوا أنفسهم للجهاد، ودفع شر أعداء الإسلام عن المسلمين، فيعطون الكفاية من أموالهم (٣). ثانيًا: أن المجاهدين بأخذهم هذا العطاء، يستغنون به عن التماس مادة تقطعهم عن حماية البيضة (٤).

стр. 418

ثالثًا: أن ذلك هو فعل عمر ﵁، حيث دوّن الدواوين، وجعل ديوانًا للمقاتلة (١)، وقد أقره الصّحابة على ذلك، فكان إجماعًا سار عليه عمر، ومن بعده من الخلفاء، وإلى يومنا هذا.

стр. 419

المبحث الثّاني أخذ المال على القتال المطلب الأوّل استئجار المسلم للقتال الجهاد في سبيل الله، حكمه في الأصل أنّه فرض كفاية (١)، وقد يتعين في حالات ذكرها العلماء (٢). فإذا كان الجهاد فرض عين، فإنّه لايجوز الاستئجار عليه باتِّفاق أهل العلم، حكمه في ذلك حكم فروض الأعيان الّتي لايجوز الاستئجار عليها؛ كصلاة الإنسان لنفسه، وصيامه لنفسه، وحجه لنفسه (٣).

стр. 420

أمّا إذا كان الجهاد فرض كفاية، فقد اختلف العلماء في حكم الاستئجار عليه على قولين: القول الأوّل: المنع مطلقًا من الاستئجار على الجهاد؛ سواء أكان المستأجر هو الإمام، أم غيره من أفراد الرعية، وسواء أكان الأجير ممّن يلزمه الجهاد في الأصل، وهو المسلم الحر، أم كان ممّن لايلزمه الجهاد في الأصل؛ كالعبد، والمرأة. وإلى هذا القول ذهب الحنفية (١)؛ قال السرخسي: " ... واستئجار المسلم على الجهاد باطل" (٢)، وهو الذهب عند المالكية، كما في الدونة (٣). قال ابن القاسم: "والذي يؤاجر نفسه في الغزو، أن ذلك لا يجوز في قول مالك، وهو رأي، أنّه لا يجوز ..... (٤). وهو مذهب الشّافعيّة (٥)، قال النووي: "لا يجوز أن يستأجر الإمام، ولا أحد الرعية مسلمًا للجهاد ... " (٦). وهذا القول هو المشهور من الذهب عند الحنابلة (٧)، قال ابن النجار الفتوحي: "ولاتصح الإجارة على الجهاد على الأصح" (٨).

стр. 421

القول الثّاني: يجوز الاستئجار على الجهاد، إذا كان فرض كفاية؛ سواء كان المستأجر الإمام، أم غيره، وسواء أكان الأجير ممّن يلزمه الجهاد؛ كالمسلم الحر، أم ممّن لا يلزمه؛ كالعبد، والمرأة. وإلى هذا القول ذهب بعض المالكية (١)، وخصه ابن عبد البر بالإمام خاصّة؛ قال: "ولاباس أن يستأجر (٢) الغازي يغزو معه، ولاحرج على من آجر نفسه منه" (٣). وما ذهب إليه ابن عبد البر هو قول الصَّيدلُّاني (٤) من الشّافعيّة؛ قال النووي: "وعن الصَّيدلُّاني: أنّه يجوز للإمام أن يستأجره، ويعطيه أجره من سهم المصالح" (٥). وهذا القول هو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد وحمه الله تعالى، وهو قول الخرقي، وإليه مال ابن قدامة في المغني (٦).

стр. 422

الأدلة والمناقشة: أوَّلًا: أدلة أصحاب القول الثّاني: استدل أصحاب هذا القول، وهم القائلون بالجواز، بأدلة من السُّنَّة، والمعقول: أ - أدلتهم من السُّنَّة: الدّليل الأوّل: عن عبد الله بن عمرو ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: (للغازي أجره، وللجاعل أجرهُ، وأجر الغازي) (١). وجه الاستدلال: حيث أجاز النّبيّ ﷺ الجعل على الجهاد؛ وذلك بإثبات الأجر للغازي، فإذا جاز الجعل على الجهاد جاز أخذ الأجرة عليه؛ لأنّها في معناه. مناقشة الاستدلال: نوقش الاستدلال بهذا الحديث من عدة وجوه: الأوّل: أن هذا الحديث محصول على من يجوز الغازي التطوع؛ أي: أن النّبيّ ﷺ قد أخبر بحصول الأجر الأخروي لمن أراد أن يجوز غازيًا، من غير أن يشترط عليه أن يغزو بما أعطاه، فيكون الغزو تطوعًا، لا استئجارًا (٢). الثّاني: يمكن مناقشة هذا الحديث كذلك: بأنّه خاص بالجعل على القتال،

стр. 423

وقياس الاستئجار على الجعالة قياس مع الفارق، فإن باب الجعالة أوسع من باب الإجارة، حيث إنها تصح مع جهالة العمل، والمدة، والعامل، بخلاف الإجارة، وقد سبق بيان ذلك مرارًا (١). الثّالث: لو سلمنا جواز القياس على الجعالة، فإنّه لا يصح هنا؛ لأنّ الجعالة على الجهاد مختلف فيها، كما سيأتي، والقياس على أمر مختلف فيه لا يصح؛ فإن من شرط القياس أن يكون حكم الأصل متفقًا عليه، وقد سبق بيان ذلك (٢). الدّليل الثّاني: عن جبير بن نفير (٣)؛ قال: قال رسول الله ﷺ : (مثل الذين يغزون من أمتي، ويأخذون الجعل يتقوون به على عدوهم مثل أم موسى ترضع ولدها، وتأخذ أجرها) (٤). وجه الاستدلال: وجه الاستدلال من هذا الحديث كسابقه، وحاصله قياس الإجارة في الجهاد على الجعالة في الجواز بجامع أن كلا منهما من عقود العاوضة. مناقشة الاستدلال: أوَّلًا: يناقش هذا الحديث بما نوقش به الحديث السابق.

стр. 424

قال السرخسي مبينًا المراد بالحديث: "يعني أن الغزاة يعملون لأنفسهم؛ قال تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾ [الإسراءِ: ٧]، ثمّ يأخذون الجعل من إخوانهم من المؤمنين ليتقووا به على عدوهم، وذلك لهم حلال، كما أن أم موسى كانت تعمل لنفسها في إرضاع ولدها، وتأخذ الأجرة من فرعون تتقوى بها على الإرضاع، وكان ذلك حلالًا لها" (١). ثانيًا: أن الحديث مرسل؛ فهو أحد أنواع الحديث؛ الضعيف، فلا يحتج به (٢). ثالثًا: الحديث ضعيف؛ في إسناده إسماعيل بن عياش (٣)، وقد ضعفه جماعة من أهل العلم، وترهوا حديثه. ب - أدلتهم من المعقول: الدّليل الأوّل: قالوا: إنَّ الجهاد أمر لا يختص فاعله أن يكون من أهل القربة؛ فصح الاستئجار عليه، كبناء المساجد (٤).

стр. 425

مناقشة الاستدلال: إنَّ قياس الجهاد على بناء المساجد قياس مع الفارق؛ فلا يصح. وبيان ذلك: ١ - أن الجهاد فرض على المسلمين في الجملة؛ فهو إمّا فرض كفاية، وإما فرض عين، فإذا كان الجهاد بهذه المثابة فهو من هذا الجانب قربة يختص بفعلها المسلم دون الكافر، وأمّا جواز فعله من الكافر فمحل خلاف بين العلماء في جواز الاستعانة بالكفار في الحرب مع المسلمين، وإن جاز فللضرورة، وحكم الضّرورة حكم خاص يختلف عن الحكم في الحالات العادية (١). ثمّ إنَّ فعل الكفار حين الاستعانة بهم ليس بجهاد، فإن الجهاد ينال به الثّواب، والكافر ليس من أهل الثّواب، والجهاد ممّا يتقرب به العبد إلى ربه، وهم لايتقربون بذلك، بخلاف المسلم (٢). ٢ - أن القياس على بناء المساجد لا يصح؛ لأنّ البناء ممّا لا يختص بفعله المسلم، وفعل البناء في نفسه ليس بقربة، ولهذا جاز فعله من الكافر (٣). الدّليل الثّاني: قالوا: إنَّ الجهاد إذا كان فرض كفاية فإنّه لا يتعين عليه، فيجوز أن يؤجر نفسه عليه، كالعبد (٤).
следующие страницы →