← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1405

أخذ المال على أعمال القرب

عادل شاهين

Полный текст (816 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

د - الأدلة من المعقول: الدّليل الأوّل: قالوا: إنَّ القراءة مثل الصّلاة والصوم في كونها عبادة بدنية محضة، فكما لا تجوز الإجارة عليهما، لا تجوز على القراءة (١). الدّليل الثّاني: قالوا: الإجارة على التلاوة هنا عبارة عن بيع الثّواب، وهو معدوم وبيع المعدوم باطل، ولو سلّم وجود الثّواب، فإنّه ليس بمال، ولو سلم أنّه مال فليس بمقدور التسليم (٢). الترجيح: بعد ذكر الأقوال وعرض أدلة كلّ قول مفصلة، يتبين بوضوح رجحان القول الأوّل القاضي بمنع الاستئجار على تلاوة القرآن الكريم للأموات، وذلك بما يأتي: أوَّلًا: قوة ما استدل به أصحاب هذا القول، حيث جاءت أدلتهم في معظمها صريحة وواضحة في الدلالة على المطلوب، وكانت في معظمها سالمة من المناقشة. ثانيًا: ضعف ما استدل به أصحاب القول الثّاني، حيث أمكن مناقشتها جميعًا بما يضعف من دلالتها، أو يخرجها عن دلالتها بالكلية، فالأدلة من السُّنَّة، إنّما هي صريحة في الرقية والمداواة لا في تلاوة القرآن للأموات، والأدلة من العقول ضعيفة أمكن الجواب عنها فضلًا عن أنّها جاءت مخالفة ومعارضة للأدلة من الكتاب والسُّنَّة الّتي استدل بها أصحاب القول الأوّل.

стр. 527

ثالثًا: أن ممّا يضعف هذا القول تنصيص العلماء على كون الاستئجار على التلاوة بدعة وأمر محدث لم يقل به أحد من الأئمة المعتبرين (١). قال ابن عابدين: "والإجارة في ذلك باطلة وهي بدعة لم يفعلها أحد من الخلفاء" (٢). قال ابن القيم ﵀: "ولم يكن من هديه ﷺ أن يجتمع للعزاء ويقرأ له - للميت - القرآن لا عند قبره، ولا غيره، وكل هذا بدعة حادثة مكروهة" (٣).

стр. 528

المطلب الثّالث أخذ المال على كتابة المصحف وطباعته أجمع العلماء على استحباب كتابة المصحف وتحسين كتابته وتببينها وإيضاحها، وإيضاح الخط، دون مشقة، ويستحب نقط المصحف وشكله، فإنّه صيانة له من اللحن فيه والتصحيف والتحريف (١). قال الإمام النووي - حمه الله -: "وأجمعوا على استحباب كتابة المصحف وتحسين كتابته ... " (٢). وأمّا أخذ الأجرة على كتابة المصحف وطباعته، فالظاهر من كلام الأئمة أرباب المذاهب الأربعة والظاهرية أن ذلك محل اتفاق عندهم، ولا خلاف بينهم في جواز ذلك (٣). وقد نقل ابن رشد الإجماع على ذلك، فقال: "إجماعهم على جواز الإجارة في كتب المصاحف" (٤). أمّا الحنفية: فلا خلاف بينهم في جواز الاستئجار على كتابة القرآن الكريم (٥).

стр. 529

قال الإمام السرخسي: "ولو استاجر رجلًا يكتب له مصحفًا ... كان ذلك جائزًا" (١). وأمّا المالكية: فقد جاء في المدوّنة: (قلت: أرأيت إنَّ استأجرت كاتبًا يكتب لي شعرًا أو نوحًا أو مصحفًا؟ قال مالك: أمّا كتابة المصحف فلا بأس بذلك) (٢). ولا خلاف بين المالكية في جواز الاستئجار على كتابة المصاحف (٣). وأمّا الشّافعيّة: فقد اتفقوا على جواز الاستئجار على نسخ المصحف، ولا خلاف بينهم في ذلك (٤). قال النووي ﵀: " اتفق أصحابنا على صحة بيع المصحف وشرائه وإجارته ونسخه بالأجرة" (٥). وأمّا الحنابلة: فلا خلاف بينهم في ذلك (٦)، قال ابن قدامة: "يجوز أن يستأجر من يكتب له مصحفًا" (٧). وقال المرداوي: "يصح بأجرة نصّ عليه" (٨).

стр. 530

وأمّا الظاهرية: فقد ذهبوا إلى جواز ذلك، قال ابن حزم: "والإجارة جائزة على تعليم القرآن ... وعلى نسخ المصاحف" (١). الأدلة على جواز الاستئجار على كتابة المصحف: استدل الفقهاء على جواز الاستئجار على نسخ المصحف بأدلة كثيرة من السُّنَّة والأثر والمعقول: أ - أدلتهم من السُّنَّة: ما ورد عن ابن عبّاس ﷺ في قصة اللديغ أن النّبيّ ﷺ قال: (إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله) (٢). وجه الاستدلال: يمكن توجيه الاستدلال بهذا الحديث، بأن الحديث خرج مخرج العموم فيشمل عموم أخذ الأجرة على كتاب الله، ومن ذلك أخذ الأجرة على كتابته. ب - أدلتهم من الأثر: عن مالك بن دينار (٣) قال: دخل عليّ جابر بن زيد (٤)، وأنا أكتب مصحفًا،

стр. 531

فقال: نِعم العمل عملك هذا الكسب الطيب، تنقل كتاب الله من ورقة إلى ورقة. قال مالك بن دينار: وسألت عنه الحسن والشعبي (١) فلم يريا به بأسًا (٢). جـ - أدلتهم من المعقول: الدّليل الأوّل: أن كتابة المصحف عمل مباح يجوز أن ينوب فيه الغير عن الغير، فجاز أخذ الأجرة عليه، ككتابة الحديث (٣). الدّليل الثّاني: أن في نسخ المصاحف والتكسب به استذكارًزا للقراءة فيباح (٤). وبهذا يتضح أن الاستئجار على نسخ كتاب الله لا حرج فيه؛ لما ذكر من الأدلة، ولما في ذلك من المصلحة العظيمة في نشر كتاب الله وتيسيره للناس كافة (٥).

стр. 532

تنبيه: ذكر ابن قدامة عن علقمة (١) ﵀ أن كره كتابة المصاحف بالأجر (٢). ونسب الماوردي المنع من الاستئجار على نسخ المصحف إلى بعض العراقيين وأهل المدينة (٣). قال ابن قدامة: "وكره علقمة كتابة المصحف بالأجر، ولعلّه يرى أن ذلك ممّا يختص فاعله بكونه من أهل القربة فكره الأجر عليه كالصلاة" (٤).

стр. 533

المطلب الرّابع أخذ المال على إجارة المصحف وبيعه المسألة الأولى: بيع المصحف وشراؤه الفرع الأوّل بيع المصحف للمسلم اختلف العلماء في حكم بيع المصحف للمسلم وشرائه منه على أقوال ثلاثة: القول الأوّل: يصح بيع المصحف للمسلم وشراؤه منه بلا كراهة. وبهذا قال الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشّافعيّة (٣) على اتفاق بينهم في صحة شرائه بلا كراهة، وأمّا البيع فوجهان، أحدهما أنّه لا يكره كذلك (٤). وهذا القول هو إحدى الروايات عن الإمام أحمد (٥)، وهو مذهب الظاهرية (٦). القول الثّاني: يصح بيع المصحف للمسلم وشراؤه منه مع الكراهة.

стр. 534

وهذا القول هو الصحيح من المذهب عند الشّافعيّة، نصّ عليه الشّافعيّ إِلَّا أن الكراهة عندهم مختصة بالبيع دون الشراء (١). وهو رواية عن الإمام أحمد، اختارها جمع من الحنابلة (٢)، قال المرداوي في تصحيح الفروع: (وعليه العمل ولا يسع النَّاس غيره) (٣). القول الثّالث: يحرم بيع المصحف ولا يصح، أمّا شراؤه فيجوز: وهذا القول هو الرِّواية المشهورة عن الإمام أحمد وهو المذهب عند الحنابلة (٤). قال ابن قدامة: "قال أحمد: لا أعلم في بيع المصاحف رخصة، ورخص في شرائها، وقال: الشراء أهون" (٥). الأدلة والمناقشة: أوَّلًا: أدلة القول الثّالث: استدل أصحاب القول الثّالث بالقائلون بالمنع من بيع المصحف وعدم صحة ذلك بأدلة من الأثر والمعقول: أ - الدّليل من الأثر: عن سالم بن عبد الله بن عمر (٦) عن عبد الله بن عمر ﵄ قال:

стр. 535

لوددت أن الأيدي قطعت في بيع الصاحف (١). وجه الاستدلال: دلّ كلام ابن عمر السابق على أن بيع المصاحف لا يجوز، حيث ودّ ابن عمر أن تقطع الأيدي في بيعها، واليد لا تقطع إِلَّا في السّرقة، والسّرقة محرّمة لا تجوز، فكذلك بيع المصحف. مناقشة الاستدلال: أوَّلًا: أن هذا قول صحابي، وقول الصحابي مختلف في حجيته (٢). ثانيًا: أن هذا محمول على ما إذا كان الصحف يبتذل بالبيع والشراء، فإن هذا لا يجوز؛ لأنّه ينافي التعظيم والتكريم لكتاب الله تعالى (٣). ب - الدّليل من المعقول: قالوا: إنَّ المصحف يشتمل على كلام الله تعالى، وكلام الله تعالى تجب صيانته، وفي بيعه إهانة له وابتذال فيحرم بيعه (٤). مناقشة الاستدلال: يمكن مناقشة هذا الدّليل، بأنّه لا يسلم أن بيع المصحف فيه إهانة له وابتذال، بل إنَّ المنفعة في بيعه ظاهرة، وهي تيسير الحصول على كتاب الله لكل أحد، وفي هذا من تبليغ الدِّين والدعوة إلى الله ما لا يخفى، والنفوس المسلمة قد جبلت على حب

стр. 536

كتاب الله وتعظيمة، فلا يتصور من مسلم أن يقدم على إهانة كتاب الله، ثمّ لو وقع هذا لكان كفرًا بالله العظيم. أمّا جواز شراء المصحف، فقد استدلوا له بما يأتي: قال ابن قدامة: "وأمّا الشراء فهو أسهل؛ لأنّه استنقاذ للمصحف وبذل لماله فيه فجاز، كما أجاز شراء رباع مكّة، واستئجار دورها من لا يرى بيعها ولا أخذ أجرتها" (١). ثانيًا: أدلة القول الثّاني: استدل أصحاب هذا القول، القائلون بصحة بيع المصحف وشرائه مع الكراهة بأدلة من الآثار: الدّليل الأوّل: عن سالم بن عبد الله بن عمر ﵄ قال: كان ابن عمر يمر بأصحاب المصاحف، فيقول: بئس التجارة (٢). الدّليل الثّاني: ما رواه عبد الله بن شقيق قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يكرهون بيع المصاحف (٣). الدّليل الثّالث: عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود أنّه كره شراء المصاحف وبيعها (٤).

стр. 537

وجه الاستدلال: حيث جاءت هذه النصوص صريحة عن أصحاب النّبيّ ﷺ أنّهم كانوا يكرهون بيع المصاحف، فدل ذلك على أن بيع المصاحف وشراءها مكروه. قال البيهقي: "وهذه الكراهة على وجه التنزيه تعظيمًا للمصحف على أن يبتذل بالبيع أو يجعل متجرًا" (١). مناقشة الاستدلال: أوَّلًا: يمكن مناقشة هذه اللآثار بأنّها عبارة عن أقوال صحابة، وقول الصحابي مختلف في حجيته. ثانيًا: أن هذه الآثار معارضة بالأدلة الدالة على الإباحة. وستأتي مفصلة إن شاء الله تعالى. ثالثًا: أدلة أصحاب القول الأوّل: استدل أصحاب هذا القول القائلون بأنّه يجوز بيع المصحف وشراؤه بلا كراهة بأدلة من القرآن الكريم والأثر والمعقول: أ - الأدلة من القرآن الكريم: الدّليل الأوّل: قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]. وجه الاستدلال: حيث أباح الله تعالى في هذه الآية الكريمة البيع، فيدخل في ذلك بيع المصحف حيث لم يردّ نهي عن بيعه يخرجه من عموم هذه الآية.

стр. 538

الدّليل الثّاني: قال تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩]. وجه الاستدلال: قال ابن حزم في وجه الاستدلال بهذه الآية: "فبيع المصاحف كلها حلال؛ إذ لم يفصل لنا تحريمه، وما كان ربك نسيًا، ولو فصل تحريمه لحفظه الله تعالى حتّى تقوم به الحجة على عباده" (١). ب - الأدلة من الأثر: الدّليل الأوّل: عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود قال: رُخص في بيع المصاحف (٢). الدّليل الثّاني: عن مالك بن دينار: أن عكرمة (٣) باع مصحفًا له وأن الحسن كان لا يرى به بأسًا (٤). الدّليل الثّالث: عن مطر الورَّاق (٥) قال: أتنهوني عن بيع المصاحف وقد كان حبرا هذه الأُمَّة أو

стр. 539

قال: فقيها هذه الأُمَّة لا يريان به بأسًا: الحسن والشعبي (١). الدّليل الرّابع: عن الحسن: أنّه كان لا يرى بأسا ببيع المصاحف واشترائها (٢). الدّليل الخامس: عن الشّعبيّ أنّه سئل عن ذلك، فقال: إنّما يبتغى ثمن ورقة وأجر كتابة (٣). وفي رواية: إنهم ليسوا يبيعون كتاب الله، وإنّما يبيعون الورق وعمل أيديهم (٤). وجه الاستدلال بهذه الآثار: هذه الآثار تدل صراحة على جواز بيع المصاحف وشرائها بلا كراهة. جـ - الأدلة من المعقول: الدّليل الأوّل: قالوا: إنَّ المصحف طاهر منتفع به، فجاز بيعه وشراؤه كسائر الأموال (٥). الدّليل الثّاني: إنَّ الّذي يباع إنّما هو الورق أو الكاغد أو القرطاس والمداد الأديم إن كانت مجلدة ومحلاة، وأمّا العلم فلا يباع؛ لأنّه ليس بجسم (٦).

стр. 540

الترجيح: بعد ذكر الأدلة وما ورد عليها من مناقشات فالذي يظهر هو رجحان القول الأوّل وهو جواز بيع المصحف وشرائه بلا كراهة، وذلك لما يأتي: أوَّلًا: قوة أدلة هذا القول، حيث استدلوا بآيات من كتاب الله ومن الأثر والمعقول، وأدلتهم من القرآن قوية، ولا ترد عليها مناقشة؛ إذ الأصل حل البيع إِلَّا ما حرّمه الله تعالى، ولا يوجد نصّ يحرم بيع المصاحف، وأمّا الكراهة فمعللة بالابتذال والامتهان، وهذا إذا حدث لا يخالف أحد في حرمته وعدم حل بيعه حينئذ. ثانيًا: ضعف أدلة الأقوال الأخرى حيث لا تخرج عن كونها بعض الآثار والتعليلات، وقد أمكن مناقشتها بما يضعف من دلالتها. ثالثًا: إنَّ الحاجة داعية إلى بيع وشراء المصاحف، لما في ذلك من تيسير الاطلاع على كتاب الله قراءة وتدبرًا وحفظًا، وتيسيره لكل مسلم ولا يسع النَّاس غير هذا؛ لأنّ تيسير المصحف لكل أحد مجانًا أمر متعذر خاصّة في هذا الزّمان الّذي كثر فيه المسلمون، وتفرقوا في البلاد. رابعًا: أن البيع إنّما هو واقع على الورق والتجليد والطباعة، وليس على كلام الله تعالى. خامسًا: أن القول يحواز البيع والشراء للمصحف بلا كراهة هو الّذي عليه عمل المسلمين في الماضي وإلى يومنا هذا.

стр. 541

الفرع الثّاني بيع المصحف لغير المسلم تناول الفقهاء حكم هذه المسألة من جهتين: الجهة الأولى: حكمها التكليفي: والذي يظهر من كلام الفقهاء أنّه لا خلاف بينهم في حرمة بيع المصحف لغير المسلم، حتّى عند من صحح البيع، كما سيأتي: وقد عللوا ذلك: بأن بيع المصحف للكافر فيه امتهان للمصحف وابتذال، وهذا لا يجوز (١). الجهة الثّانية: الحكم الوضعي: والمراد حكم عقد البيع من حيث الصِّحَّة والفساد، وقد اختلف الفقهاء في حكم صحة بيع المصحف لغير المسلم على قولين: القول الأوّل: لا يصح بيع المصحف لغير المسلم، وإذا وقع فالعقد باطل. وإلى هذا ذهب أكثر أصحاب الإمام مالك ﵀ (٢)، قال الحطاب: "قال سحنون وأكثر أصحاب مالك: ينقض البيع ... " (٣).

стр. 542

وهو القول المشهور عند الشّافعيّة (١)، قال الإمام النوويّ: "أمّا إذا اشترى الكافر مصحفًا، ففيه طريقان مشهوران: أحدهما: وبه قطع المصنِّف وجماعة أنّه على القولين، كالعبد، أصحهما: أنّه لا يصح البيع ... والطريق الثّاني: القطع بأنّه لا يصح البيع، وقطع به جماعة وصححه آخرون" (٢). وبهذا القول قال الحنابلة (٣)، قال المرداوي: " ... فأمّا إنَّ كان كافرًا، فلا يجوز بيعه له قولًا واحدًا" (٤). القول الثّاني: أن بيع المصحف للكافر إذا وقع صح، وأجبر الكافر على إزالة ملكه عنه. وبهذا قال الحنفية (٥)، قال صاحب ملتقى الأبحر (٦): "ولو شرى كافر عبدًا مسلمًا أو مصحفًا صح، ويجبر على إخراجهما من ملكه" (٧).

стр. 543

وهو القول المشهور عند المالكية (١)، قال الحطاب: "فمذهب المدوّنة أن البيع يمضي ويجبر الكافر على إخراج ذلك عن ملكه ... ، وصرح المازري (٢) بأنّه المشهور" (٣). وهو قول عند الشّافعيّة (٤)، قال النوويّ: "إذا اشترى الكافر مصحفًا ففيه طريقان مشهوران، أحدهما: ... أنّه على القولين كالعبد أصحهما أنّه لا يصح البيع والثّاني: يصح ... " (٥). الأدلة والمناقشة: أوَّلًا: أدلة أصحاب القول الثّاني: استدل أصحاب هذا القول بما يأتي: قالوا: أمّا كون البيع يصح فلأن الكافر أهل للشراء، والمصحف محل له فيصح البيع (٦).

стр. 544

وأمّا كونه يجبر على إخراجه من ملكه ويمنع استدامة ملكه عليه؛ فلأن في تملك الكافر للمصحف إهانة لكتاب الله وابتذال له، وهذا لا يجوز، فيجبر على إزالة ملكه عنه (١). مناقشة الاستدلال: نوقش هذا الاستدلال بأنّه إذا كان تملك المصحف إهانة له وابتذال فلا فائدة من تصحيح بيعه، ولذلك منع العلماء من بيع المصحف للكافر، ولو كان يعظمه وعللوا ذلك: بأن مجرد تملكه له يعد إهانة (٢). ثانيًا: أدلة أصحاب القول الأوّل: استدل أصحاب هذا القول وهم القائلون ببطلان بيع المصحف للكافر بأدلة من السُّنَّة والمعقول. أ - أدلتهم من السُّنَّة: عن عبد الله بن عمر ﵄: (أن رسول الله ﷺ نهى أن يُسافر بالقرآن إلى أرض العدو) (٣). وفي رواية: (وأنّه ﷺ كان ينهى أن يُسافر بالقرآن إلى أرض العدو، مخافة أن يناله العدو) (٤).

стр. 545

وفي رواية: "عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تسافروا بالقرآن، فإني لا آمن أن يناله العدو) (١). وجه الاستدلال: دلت هذه الروايات على أنّه لا يجوز السَّفر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن تناله أيديهم، فدلّ ذلك على أنّه لا يصح بيعه للكافر من باب أولى (٢). ب - الأدلة من المعقول: الدّليل الأوّل: قالوا: إنَّ الكافر يمنع من استدامة ملكه على المصحف، فيمنع من ابتداء ملكه له كسائر ما يحرم بيعه (٣). الدّليل الثّاني: قالوا: إنَّ الكافر يمنع من استدامة ملكة على المصحف، فيمنع من ابتداء ملكه له قياسًا على نكاحه للمسلمة (٤). الترجيح: بعد ذكر أقوال الفقهاء في هذه المسألة وما استدلوا به وما ورد على هذه الأدلة من مناقشات يتضح رجحان القول الأوّل القاضي ببطلان بيع المصحف للكافر، وذلك لما يأتي:

стр. 546

أوَّلًا: قوة ما استدل به أصحاب هذا القول، حيث جاءت الروايات من الستة صحيحة وصريحة في النّهي عن تمكين الكفار من المصحف بأي نوع من أنواع التمكين سواء أكان ذلك بالسفر به إلى بلادهم أم بالبيع من باب أولى. ثانيًا: أن ما استدل به أصحاب القول الآخر أمكن الجواب عنه وبيان عدم حجيته. ثالثا: أن أصحاب القول الآخر متفقون على وجوب إخراج المصحف من ملكية الكافر له وعدم صحة استدامة ملكه له. فالنتيجة واحدة، وعليه فلا فائدة من القول بصحة البيع في هذه الحالة. المسألة الثّانية: إجارة المصحف إذا دفع المسلم مصحفه إلى غيره ليقرأ فيه مقابل أجرة يأخذها على ذلك فهل يجوز؟ اختلف الفقهاء في حكم ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأوّل: يباح تأجير المصحف للقراءة فيه. وبهذا قال المالكية (١)، جاء في المدوّنة الكبرى لسحنون (٢): "قلت: أرأيت المصحف هل يصح أن يستأجره الرَّجل يقرأ فيه؛ قلت: لا بأس بذلك قلت: لم

стр. 547

جوزته؟ قال: لأنَّ مالكًا قال: لا بأس ببيع المصحف، فلما جوز مالك بيعه جازت فيها الإجارة" (١). وهو قول الشّافعيّة (٢)، قال النوويّ: "تجوز إجارة المصحف والكتب لمطالعتها والقراءة فيها" (٣). وهو إحدى الروايات عن الإمام أحمد، هي وجه في المذهب (٤). قال ابن قدامة: "وفي إجارة المصحف وجهان ... الثّاني: تجوز إجارته" (٥). وقال المرداوي: "في جواز إجارة المصحف ليقرأ فيه ثلاث روايات الكراهة، والتحريم والإباحة، أطلقهن في الفروع، والخلاف هنا مبني على الخلاف في بيعه، أحدها: لا يجوز وهو المذهب، الثّاني: يجوز. وقيل يباح" (٦). القول الثّاني: يكره تأجير المصحف للقراءة فيه. وهذا القول هو إحدى الروايات عن الإمام أحمد كما تقدّم من قول المرداوي (٧) القول الثّالث: لا يجوز تأجير المصحف للقراءة فيه.

стр. 548

وبهذا قال الحنفية (١)، قال الموصلّي (٢) في الاختيار: "ولو استأجر مصحفًا أو كتابًا ليقرأ منه لم يجز ولا أجرة له" (٣). وهذا القول هو إحدى الروايات عن أحمد، هي المذهب كما تقدّم ذلك في كلام المرداوي. الأدلة والمناقشة: أوَّلًا: أدلة أصحاب القول الثّالث: استدل أصحاب هذا القول القائلون بتحريم استئجار المصحف للقراءة فيه بما يأتي: ١ - استدل هؤلاء بالأدلة الدالة على المنع من بيع المصحف وشرائه، وقد تقدّمت هذه الأدلة مفصلة (٤). وجه الاستدلال من هذه الأدلة: قالوا: إذا كان بيع المصحف محرمًا فإجارته محرّمة كذلك؛ لأنَّ ما لا يجوز بيعه لا تجوز إجارته، قال المرداوي: "ما حرم بيعه حرم إجارته" (٥).

стр. 549

مناقشة الاستدلال: يمكن مناقشة هذه الأدلة بأنّه لا يسلم أن بيع المصاحف لا يجوز حيث تقدّم أن الراجح هو جواز بيعها وشرائها بلا كراهة (١)، وعليه فلا يصح الاستدلال بتلك الأدلة على المنع من إجارة المصحف. ٢ - استدلوا كذلك ببعض الأدلة الأخرى ومنها: الدّليل الأوّل: قالوا: إنَّ في عدم إجارة المصحف إجلالًا لكلام الله تعالى وكتابه عن المعارضة به وابتذاله بالأجرة في الإجارة (٢). مناقشة الاستدلال: يمكن مناقشة هذا الدّليل: بأنّه لا يسلم أن في إجارة المصحف ابتذال لكتاب الله تعالى، أو عدم إجلال له؛ لأنَّ الإجارة ليست واقعة على كلام الله تعالى إنّما الإجارة واقعة على الورق، وما بذل من جهد وعمل، ثمّ إنَّ الإجارة ليس فيها في -حدّ ذاتها- ابتذال، بل هي أمر شرعه الله تعالى لمصالح عظيمة. الدّليل الثّاني: قالوا: إنّه ليس في إجارة المصحف أكثر من النظر إلى المصحف، ولا تجوز الإجارة لمثل ذلك، بدليل أنّه لا يجوز أن يستأجر سقفًا لينظر إلى عمله وتصاويره، أو شمعًا ليتجمل به (٣).

стр. 550

مناقشة الاستدلال: نوقش هذا الدّليل بأن النظر في المصحف ليس كالنظر في غيره، فإن النظر في المصحف يحتاج إليه للقراءة والحفظ، والنسخ منها ونحو ذلك من الفوائد العظيمة المطلوبة شرعًا، وهو انتفاع مقصود محتاج إليه بخلاف النظر إلى السقف، ونحوه فلا حاجة إليه، وعليه فلا يصح القياس على هذه الأشياء فإنّه قياس مع الفارق (١). ثانيًا: أدلة أصحاب القول الثّاني: استدل هؤلاء بالأدلة الدالة على كراهة بيع المصحف وقد سبق ذكرها وما ورد عليها من مناقشات (٢). ثالثًا: أدلة أصحاب القول الأوّل: استدل أصحاب هذا القول بأدلة من السُّنَّة والمعقول: أ - الدّليل من السُّنَّة: عن عبد الله بن عبّاس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (إنَّ أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله) (٣). وجه الاستدلال: أن هذا الحديث خرج مخرج العموم فيدخل فيه إجارة الصحف، فتباح. ب- الأدلة من المعقول: الدّليل الأوّل: إنَّ إجارة المصحف انتفاع مباح يحتاج إليه وتجوز الإعارة له، فجازت إجارته كسائر المنافع (٤).

стр. 551

الدّليل الثّاني: قالوا: إنَّ المصحف يجوز بيعه فتجوز إجارته قياسًا عليه (١). الترجيح: بعد ذكر الأدلة وما ورد عليها من مناقشات يظهر أن القول الأوّل القائل بإباحة إجارة المصحف هو الراجح لما يأتي: أوَّلًا: قوة ما استدلوا به حيث استدلوا بأدلة من السُّنَّة المعقول، والدّليل من السُّنَّة دلالته ظاهرة على إباحة الأجرة. ثانيا: أنّه أمكن مناقشة أدلة الأقوال الأخرى، حيث جاءت في معظمها أدلة ضعيفة في الدلالة على المطلوب.

стр. 552

المبحث الثّاني أخذ المال على العلوم الشرعية المطلب الأوّل أخذ المال على طلب العلم (١) لا بد للناس من العلم، بل لا تستقيم حياتهم بدونه، ومن هنا كان لطالب العلم مكانة لا تعدلها مكانة، فطالب العلم اليوم، هو عالم الغد، فهو القاضي، وهو المفتي، وهو معلم النَّاس الخير. وطلب العلم الشرعي من أجل القرب، وأفضل الطاعات، ولذا فإن طالب العلم له منزلة عظيمة عند الله تعالى، كيف لا؟ وأفضل العلم وأشرفه هو العلم بالله تعالى، وشرف العلم، يكون بشرف المعلوم (٢).

стр. 553

من أجل ذلك فقد اعتنت الشّريعة الغراء بطالب العلم عناية فائقة وأحاطه فقهاء الإسلام بأحكام كثيرة وآداب جمة، ومن تلك الأحكام ما يتعلّق بخاصة نفسه من حيث ما يحتاج إليه في حياته المعيشية من مأكل وملبس ومسكن وكتب وغير ذلك من آلة الطلب والبحث، وقد تكلم الفقهاء فيما يخص طالب العلم من نفقة ومال يُعينه على الطلب حتّى يؤدِّي رسالته على أكمل وجه ومن ثمّ يعود نفعه ويظهر أثره في المجتمع. وما يؤخذ من مال على طلب العلم الشرعي يعود في مجمله إلى ثلاثة أنواع: النوع الأوّل: الأرزاق لا خلاف بين الفقهاء في جواز أخذ طالب العلم الرزق من بيت المال، وذلك؛ لأنَّ بيت المال معد لمصالح المسلمين العامة وطلب العلم منها، فإذا فرغ طالب العلم نفسه لإفادة العلم واستفادته، فإنّه يأخذ كفايته من بيت مال المسلمين (١). قال الغزالي: "كلّ من يتولى أمرًا يقوم به، تتعدى مصحلته إلى المسلمين ولو اشتغل بالكسب لتعطل عليه ما هو فيه فله في بيت المال حق الكفاية، ويدخل فيه العلماء كلهم أعني العلوم الّتي تتعلّق بمصالح الدِّين من علم الفقه والحديث والتفسير والقراءة حتّى يدخل فيه المعلمون والمؤذنون، وطلبة هذه العلوم أيضًا يدخلون فيه فإنهم إنَّ لم يكفوا لم يتمكنوا من الطلب" (٢). ويلحق بالرزق من بيت المال، المال الموقوف على طلبة العلم (٣) والموصى به

стр. 554

لهم، والمال المنذور، فكل ذلك في معنى الرزق، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأمّا ما يؤخذ من بيت المال فليس عوضًا وأجرة بل رزق للإعانة على الطّاعة، فمن عمل منهم لله أثيب، وما يأخذ من رزق للمعونة على الطّاعة، وكذلك المال الموقوف على أعمال البرّ، والموصى به كذلك، والمنذور كذلك ليس كالأجرة" (١). النوع الثّاني: الزَّكاة اتفق الفقهاء رحمهم الله تعالى على جواز إعطاء طالب العلم من الزَّكاة، وقد صرّح بهذا فقهاء الحنفية (٢) والمالكية (٣) والشّافعيّة (٤) والحنابلة (٥)، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٦). قال علاء الدِّين الحصفكي (٧): "وطالب العلم يجوز له أخذ الزَّكاة ولو غنيًا إذا

стр. 555

فرغ نفسه لإفادة العلم واستفادته، لعجزه عن الكسب والحاجة داعية إلى ما لا بد منه" (١). قال الدسوقي: "لا تعطى الزَّكاة للعالم والمفتي والقاضي إِلَّا أن يُمنعوا حقهم من بيت المال، وإلَّا جاز لهم الأخذ بوصف الفقر، أمّا الغني فلا يجوز له الأخذ، وقال اللخمي وابن رشد: إذا منعوا من بيت المال جاز لهم أخذ الزَّكاة مطلقًا سواء أكانوا فقراء أم كانوا أغنياء بالأولى من الأصناف المذكورة في الآية" (٢). وقال النوويّ: "ولو قدر على كسب يليق بحاله إِلَّا أنّه مشتغل بتحصيل بعض العلوم الشرعية، بحيث لو أقبل على الكسب لانقطع عن التحصيل، حلت له الزَّكاة؛ لأنَّ تحصيل العلم فرض كفاية" (٣). وقال البهوتي: "وإن تفرغ قادر على الكسب تفرغًا كليًا للعلّم الشرعي .. وتعذر الجمع بين التكسب والاشتغال بالعلّم أعطي من الزَّكاة لحاجته .. ويجوز أخذه ما يحتاج إليه من كتب العلم الّتي لا بد لمصلحة دينه ودنياه منها" (٤). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "ومن ليس معه ما يشتري به كتبًا يشتغل فيها بعلم الدِّين، يجوز له الأخذ من الزَّكاة ما يشتري له به ما يحتاج إليه من كتب

стр. 556

العلم الّتي لا بد لتعلم دينه ودنياه منها" (١). فالذي يظهر من كلام العلماء السابق أن طالب العلم يأخذ من الزَّكاة وإن كان قادرًا على الكسب ببدنه؛ لأنّه لو أقبل على التكسب لنفسه انقطع عن تحصيل العلم وإفادته فيضعف الدِّين لعدم من يتحمله (٢). ولكن بقيت هنا مسألة وهي: هل يجوز لطالب العلم الأخذ من الزَّكاة مع الغنى؟ اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين: القول الأوّل: لا يجوز لطالب العلم الأخذ من الزَّكاة مع الغنى. وإلى هذا ذهب جمهور العلماء، فقد قال به بعض الحنفية وهو الأوجه عندهم (٣). وبه قال بعض المالكية، وهو الراجح عندهم (٤). وهو قول الشّافعيّة (٥) والحنابلة (٦). القول الثّاني: يجوز لطالب العلم الأخذ من الزَّكاة مع الغنى.

стр. 557

وبهذا قال بعض الحنفية (١)، وبعض المالكية (٢). سبب الخلاف: يرجع سبب الخلاف في هذه المسألة إلى إلحاق طالب العلم بالعامل على الزَّكاة، فمن ألحقه بالعامل قال يجوز الأخذ من الزَّكاة مع الغنى، كالعامل فإنّه يأخذ من الزَّكاة مع الغنى بالاتفاق (٣). ومن لم يلحقه بالعامل، بل أعطاه بوصف الفقر قال: لا يأخذ مع الغنى وفي هذا نظر كما لا يخفى، فإن وصف الفقر يجيز الأخذ من الزَّكاة وإن لم يكن طالب علم فرغ نفسه لذلك. ثمّ إنَّ ما يأخذه العامل على الزَّكاة إنّما هو أجرة على الراجح كما تقدّم (٤)، وليس زكاة وإن كان ما يأخذه من الزَّكاة بخلاف طالب العلم فإن ما يأخذه من الزَّكاة إنّما هو على سبيل الرزق وإن أخذه من الزَّكاة، والجامع بينه وبين العامل أن كلًا منهما قد فرغ نفسه لمصلحة المسلمين فتكون كفايته في أموالهم ويفترقان بأن العامل إنّما يأخذ في مقابلة عمله وجهده وسعيه في تحصيل الزَّكاة وتفريقها، وأمّا طالب العلم فإنّه يأخذ من الزَّكاة في مقابلة تفريغ نفسه وتركه التكسب لإفادة العلم واستفادته، ومصلحة ذلك راجعة إلى المسلمين فتكون كفايته في مالهم. وهذا ما جعل كثير من العلماء يقيدون ذلك -أعني أخذ طالب العلم من الزَّكاة- بما إذا كان طالب العلم لا يأخذ كفايته من بيت المال، فإذا تعذر الأخذ من بيت المال تعين الأخذ حينئذ من مال الزَّكاة.

стр. 558

الأدلة والمناقشة: أوَّلًا: أدلة أصحاب القول الثّاني: استدل من قال بجواز أخذ طالب العلم من الزَّكاة مع الغنى بما يأتي: الدّليل الأوّل: ما روي أن النّبيّ ﷺ قال: (يجوز دفع الزَّكاة لطالب العلم وإن كان له نفقة أربعين سنة) (١). وجه الاستدلال: حيث دلّ الحديث بظاهره على دفع الزَّكاة لطالب العلم مع غناه؛ لأنَّ من يملك نفقة أربعين سنة فهو من الأغنياء. مناقشة الاستدلال: يمكن مناقشة الاستدلال بهذا الحديث بما يأتي: أن هذا يسلم لو كان هذا الحديث يصح رفعه إلى النّبيّ ﷺ ، ولكن هذا الحديث لا أصل له، ولا يوجد في دواوين السُّنَّة المعروفة فلا عبرة في الاحتجاج به. الدّليل الثّاني: قالوا: إنَّ طالب العلم لما فرغ نفسه لإفادة العلم واستفادته، مع حاجته إلى أشياء ضرورية لا غنى له عنها، فإذا لم يجز له قبول الزَّكاة مع عدم اكتسابه أنفق ما عنده

стр. 559

من مال ومكث محتاجًا فينقطع عن الإفادة والاستفادة، فيضعف الدِّين لعدم من يتحمله، من أجل ذلك فإنّه يعطى من الزَّكاة ولو كان غنيًا (١). مناقشة الاستدلال: تمكن مناقشة هذا الدّليل بما يأتي: أن هذا افتراض لا أساس له من الواقع؛ لأنَّ طالب العلم إذا كان غنيًا فأنفق ما عنده حتّى بلغ درجة الحاجة، فإنّه حينئذ تحل له الزَّكاة بالاتفاق، وذلك لفقره وحاجته، فإذا أخذ من الزَّكاة كفايته لم يمكث حينئذ محتاجًا، ومن ثمّ لا ينقطع عن إفادة العلم واستفادته، فبطل بذلك ما افترضوه في هذا الدّليل. ثانيًا: أدلة أصحاب القول الأوّل: استدل جمهور الفقهاء القائلون بعدم الأخذ من الزَّكاة مع الغنى بما يأتي: قالوا: إنَّ طالب العلم إذا كان غنيًا، فإنّه حينئذ لا يكون داخلًا في الأصناف الزكوية، فلا يحل له الأخذ من الزَّكاة (٢). الترجيح: الراجح من القولين هو قول الجمهور؛ لقوة ما عللوا به إذ إنَّ الله تعالى قد نصّ على مصارف الزَّكاة، ومنها الفقير والمسكين، ومفهومه أنّها لا تحل لغني وإلَّا لما كان للتنصيص على الفقير والمسكين معنى. ثمّ إنّه أمكن مناقشة ما استدل به أصحاب القول الآخر بما يخرجها عن دلالتها.

стр. 560

النوع الثّالث: النفقة (١) أجمع أهل العلم على وجوب نفقة الوالدين والمولودين، إذا توفرت شروط الوجوب (٢). أمّا ما عدا الوالدين والمولودين من الأقارب، فقد ذهب الجمهور إلى أنّه إذا كان القريب من عمودي النسب، وجبت نفقته مطلقًا (٣)، وذهب المالكية إلى وجوب النفقة على الشخص لأبيه الأدنى فقط ولأمه الّتي ولدته خاصّة، فأمّا نفقة الأولاد، فتجب للابن الأدنى فقط حتّى يبلغ ولبنته الدنيا فقط حتّى تزوّج (٤). وأمّا إذا كان القريب من غير عمودي النسب، فقد ذهب إلى وجوب النفقة له كذلك الحنفية (٥) والحنابلة (٦)، وخالف في ذلك المالكية (٧) والشّافعيّة (٨) على تفاوت بين الفقهاء في شرائط ذلك وضوابطه.

стр. 561

ومن الشروط الّتي اشترطها الفقهاء لوجوب النفقة: أن يكون طالب النفقة فقيرًا لا مال له، عاجزًا عن كسب يستغني به عن إنفاق غيره (١). فإذا كان طالب النفقة موسرًا فلا نفقة له، وإذا كان قادرًا على الكسب فإنّه لا يستحق النفقة؛ لأنّه بقدرته على الكسب يكون مستغنيًا وتكون نفقته على نفسه كما لو كان غنيًا بماله. وقد استثنى الفقهاء من شرط القدرة على الكسب بعض الأشخاص وهؤلاء الأشخاص تجب لهم النفقة وإن كانوا قادرين على الكسب ما داموا فقراء، فهؤلاء يعتبرون في حكم العاجز عن الكسب فتجب له النفقة. ومن هؤلاء: طالب العلم الشرعي: قال الفقهاء: إنَّ طالب العلم الشرعي الّذي لا يتفرغ للكسب، بل هو مشتغل بالعلّم منصرف إليه، فهذا يعتبر عاجزًا عن الكسب، فتجب له النفقة وإن كان قادرًا على الكسب (٢). وقد استدل الفقهاء على ذلك بما يأتي: الدّليل الأوّل: قالوا: إنَّ اشتغال طالب العلم بالكسب عن التحصيل وطلب العلم يؤدِّي إلى ضياع العلم، والتعطيل، فيضعف الدِّين لعدم من يتحمله وفي هذا من الفساد ما لا يخفى، من أجل ذلك وجبت له النفقة (٣).

стр. 562

الدّليل الثّاني: قالوا: إنَّ اشتغال طالب العلم بالطلب والتحصيل، يجعله عاجزًا عن الكسب ولا يهتدي إليه، فلا تسقط نفقته عن الأب كالزمن والأنثى (١). الدّليل الثّالث: قالوا: لما كان طالب العلم مشتغلًا بالعلّم والطلب والإفادة والاستفادة والكسب يمنعه من ذلك وجبت له النفقة قياسًا على الزَّكاة (٢). ومن خلال كلام أهل العلم نجد أنّهم اشترطوا لوجوب النفقة لطالب العلم: أن يكون مشتغلًا حقيقة بالطلب والتحصيل والإفادة والاستفادة، مجدًا في ذلك، رشيدًا مستقيمًا، غير منشغل عن التحصيل والطلب والاستفادة. قال ابن عابدين: "الحقال في تقبله الطباع المستقيمة، ولا تنفر منه الأذواق السليمة القول بوجوبها -أي النفقة- لذي الرشد لا غيره ولا حرج في التمييز بين المصلح والمفسد لظهور مسالك الاستقامة وتمييزه من غيره" (٣). وخلاصة ما عليه الراجح من أقوال الفقهاء أن طالب العلم إذا كان رشيدًا بمعنى أن يكون ناجحًا في طلب العلم، مجدًا فيه مفيدًا ومستفيدًا، وكان فقيرًا، فإن النفقة تجب له على أبيه أو على قريبه ذي الرّحم المحرم -على خلاف في الأخير-؛ لأنّه يعتبر عاجزًا عن الكسب بطلب العلم إذ طلب العلم وتحصيله يشغله عن كسب قوته وحاجاته الضرورية. أمّا إذا كان طالب العلم غير رشيد ولا مجد في الطلب، ولا هو حريص عليه، فإنّه في هذه الحالة لا يستحق نفقة في مال غيره، ما دام صحيحًا قادرًا على كسب قوته.

стр. 563

وليس معنى كون طالب العلم يعتبر عاجزًا عن التكسب بطلبه للعلّم أن ذلك يكون شأنّه دائمًا، فقد يكون متكسبًا حقيقة ومشتغلًا في ذات الوقت بطلب العلم إذا كان التكسب لا يمنعه ولا يشغله عن طلب العلم، كأن تكون له تجارة، أو عقارات أو نحو ذلك ممّا يدر عليه دخلًا، ولا يحتاج منه إلى تفرغ واشتغال بالكسب أو يحتاج منه إلى تفرغ لكنه لا يشغله عن طلب العلم، فمثل هذا لا تجب له النفقة؛ إذ النفقة وجبت للحاجة والعجز عن التكسب، وهو في هذه الحالة ليس كذلك فلا نفقة له (١).

стр. 564

المطلب الثّاني أخذ المال على تعليم العلوم الشرعية (١) لا خلاف بين العلماء في أن تعليم العلوم الشرعية احتسابًا بدون أجرة جائز، بل هو من أفضل الأعمال وأحبها إلى الله تعالى. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "أمّا تعليم القرآن والعلّم بغير أجرة فهو أفضل الأعمال وأحبها إلى الله تعالى، وهذا ممّا يعلم بالاضطرار من دين الإسلام، ليس هذا ممّا يخفى على أحد ممّن نشأ بديار الإسلام. والصحابة والتابعون وتابعو التابعين وغيرهم من العلماء المشهورين عند الأُمَّة بالقرآن والحديث والفقه، إنّما كانوا يعلمون بغير أجرة، ولم يكن فيهم من يعلم بأجرة أصلًا ... وتعليم القرآن والحديث والفقه وغير ذلك بغير أجرة لم يتنازع العلماء في أنّه عمل صالح فضلًا عن أن يكون جائزًا، بل هو من فروض الكفاية ... " (٢). ولا خلاف بين الفقهاء في جواز أخذ الرزق من بيت المال على تعليم العلوم الشرعية؛ لأنَّ ما يؤخذ من بيت المال ليس بعوض إنّما هو إحسان ومعروف وإعانة على الطّاعة (٣)، ولدعاء الحاجة إلى القيام بذلك

стр. 565

والانقطاع له (١). وأمّا أخذ الأجرة على تعليم العلوم الشرعية فقد اختلف الفقهاء في حكمه على أربعة أقوال: القول الأوّل: يجوز أخذ الأجرة على تعليم العلوم الشرعية، وذلك للحاجة والضرورة. وبهذا قال متأخرو الحنفية وعليه الفتوى (٢)، وهو وجه في المذهب عند الشّافعيّة (٣)، وقول عند الحنابلة (٤)، اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى (٥). القول الثّاني: يكره أخذ الأجرة على تعليم العلوم الشرعية. وبهذا قال المالكية في المعتمد عندهم (٦). القول الثّالث: يجوز مطلقًا أخذ الأجرة على تعليم العلوم الشرعية. وبهذا قال بعض المالكية (٧)، وبه قال الشّافعيّة بشرط تعيين المتعلم وما يتعلمه من
следующие страницы →