ومن الشروط الّتي اشترطها الفقهاء لوجوب النفقة: أن يكون طالب النفقة فقيرًا لا مال له، عاجزًا عن كسب يستغني به عن إنفاق غيره (١).
فإذا كان طالب النفقة موسرًا فلا نفقة له، وإذا كان قادرًا على الكسب فإنّه لا يستحق النفقة؛ لأنّه بقدرته على الكسب يكون مستغنيًا وتكون نفقته على نفسه كما لو كان غنيًا بماله.
وقد استثنى الفقهاء من شرط القدرة على الكسب بعض الأشخاص وهؤلاء الأشخاص تجب لهم النفقة وإن كانوا قادرين على الكسب ما داموا فقراء، فهؤلاء يعتبرون في حكم العاجز عن الكسب فتجب له النفقة.
ومن هؤلاء:
طالب العلم الشرعي:
قال الفقهاء: إنَّ طالب العلم الشرعي الّذي لا يتفرغ للكسب، بل هو مشتغل بالعلّم منصرف إليه، فهذا يعتبر عاجزًا عن الكسب، فتجب له النفقة وإن كان قادرًا على الكسب (٢).
وقد استدل الفقهاء على ذلك بما يأتي:
الدّليل الأوّل:
قالوا: إنَّ اشتغال طالب العلم بالكسب عن التحصيل وطلب العلم يؤدِّي إلى ضياع العلم، والتعطيل، فيضعف الدِّين لعدم من يتحمله وفي هذا من الفساد ما لا يخفى، من أجل ذلك وجبت له النفقة (٣).
стр. 562
الدّليل الثّاني:
قالوا: إنَّ اشتغال طالب العلم بالطلب والتحصيل، يجعله عاجزًا عن الكسب ولا يهتدي إليه، فلا تسقط نفقته عن الأب كالزمن والأنثى (١).
الدّليل الثّالث:
قالوا: لما كان طالب العلم مشتغلًا بالعلّم والطلب والإفادة والاستفادة والكسب يمنعه من ذلك وجبت له النفقة قياسًا على الزَّكاة (٢).
ومن خلال كلام أهل العلم نجد أنّهم اشترطوا لوجوب النفقة لطالب العلم: أن يكون مشتغلًا حقيقة بالطلب والتحصيل والإفادة والاستفادة، مجدًا في ذلك، رشيدًا مستقيمًا، غير منشغل عن التحصيل والطلب والاستفادة.
قال ابن عابدين: "الحقال في تقبله الطباع المستقيمة، ولا تنفر منه الأذواق السليمة القول بوجوبها -أي النفقة- لذي الرشد لا غيره ولا حرج في التمييز بين المصلح والمفسد لظهور مسالك الاستقامة وتمييزه من غيره" (٣).
وخلاصة ما عليه الراجح من أقوال الفقهاء أن طالب العلم إذا كان رشيدًا بمعنى أن يكون ناجحًا في طلب العلم، مجدًا فيه مفيدًا ومستفيدًا، وكان فقيرًا، فإن النفقة تجب له على أبيه أو على قريبه ذي الرّحم المحرم -على خلاف في الأخير-؛ لأنّه يعتبر عاجزًا عن الكسب بطلب العلم إذ طلب العلم وتحصيله يشغله عن كسب قوته وحاجاته الضرورية.
أمّا إذا كان طالب العلم غير رشيد ولا مجد في الطلب، ولا هو حريص عليه، فإنّه في هذه الحالة لا يستحق نفقة في مال غيره، ما دام صحيحًا قادرًا على كسب قوته.
стр. 563
وليس معنى كون طالب العلم يعتبر عاجزًا عن التكسب بطلبه للعلّم أن ذلك يكون شأنّه دائمًا، فقد يكون متكسبًا حقيقة ومشتغلًا في ذات الوقت بطلب العلم إذا كان التكسب لا يمنعه ولا يشغله عن طلب العلم، كأن تكون له تجارة، أو عقارات أو نحو ذلك ممّا يدر عليه دخلًا، ولا يحتاج منه إلى تفرغ واشتغال بالكسب أو يحتاج منه إلى تفرغ لكنه لا يشغله عن طلب العلم، فمثل هذا لا تجب له النفقة؛ إذ النفقة وجبت للحاجة والعجز عن التكسب، وهو في هذه الحالة ليس كذلك فلا نفقة له (١).
стр. 564
المطلب الثّاني أخذ المال على تعليم العلوم الشرعية (١)
لا خلاف بين العلماء في أن تعليم العلوم الشرعية احتسابًا بدون أجرة جائز، بل هو من أفضل الأعمال وأحبها إلى الله تعالى.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "أمّا تعليم القرآن والعلّم بغير أجرة فهو أفضل الأعمال وأحبها إلى الله تعالى، وهذا ممّا يعلم بالاضطرار من دين الإسلام، ليس هذا ممّا يخفى على أحد ممّن نشأ بديار الإسلام.
والصحابة والتابعون وتابعو التابعين وغيرهم من العلماء المشهورين عند الأُمَّة بالقرآن والحديث والفقه، إنّما كانوا يعلمون بغير أجرة، ولم يكن فيهم من يعلم بأجرة أصلًا ... وتعليم القرآن والحديث والفقه وغير ذلك بغير أجرة لم يتنازع العلماء في أنّه عمل صالح فضلًا عن أن يكون جائزًا، بل هو من فروض الكفاية ... " (٢).
ولا خلاف بين الفقهاء في جواز أخذ الرزق من بيت المال على تعليم العلوم الشرعية؛ لأنَّ ما يؤخذ من بيت المال ليس بعوض إنّما هو إحسان ومعروف وإعانة على الطّاعة (٣)، ولدعاء الحاجة إلى القيام بذلك
стр. 565
والانقطاع له (١).
وأمّا أخذ الأجرة على تعليم العلوم الشرعية فقد اختلف الفقهاء في حكمه على أربعة أقوال:
القول الأوّل:
يجوز أخذ الأجرة على تعليم العلوم الشرعية، وذلك للحاجة والضرورة.
وبهذا قال متأخرو الحنفية وعليه الفتوى (٢)، وهو وجه في المذهب عند الشّافعيّة (٣)، وقول عند الحنابلة (٤)، اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى (٥).
القول الثّاني:
يكره أخذ الأجرة على تعليم العلوم الشرعية.
وبهذا قال المالكية في المعتمد عندهم (٦).
القول الثّالث:
يجوز مطلقًا أخذ الأجرة على تعليم العلوم الشرعية.
وبهذا قال بعض المالكية (٧)، وبه قال الشّافعيّة بشرط تعيين المتعلم وما يتعلمه من
стр. 566
مسائل مضبوطة يعلمها له (١)، وهو قول عند الحنابلة (٢)، قال المرداوي: "وهو الصحيح" (٣)، وبه قال الظاهرية (٤).
القول الرّابع:
لا يجوز مطلقًا أخذ الأجرة على تعليم العلوم الشرعية.
وبهذا قال متقدمو الحنفية (٥)، وهو المشهور من المذهب عند الحنابلة (٦).
قال الحجاوي (٧): "ويحرم ولا تصح إجارة على عمل يختص فاعله أن يكون من أهل القربة وهو المسلم، ولا يقع إِلَّا قربة لفاعله كالحج ... وتعليم قرآن وفقه وحديث، وكذا القضاء، قاله ابن حمدان (٨) " (٩).
стр. 567
سبب الخلاف:
سبب خلاف الفقهاء في حكم أخذ الأجرة على تعليم العلوم الشرعية هو نفسه سبب الخلاف الّذي تقدّم ذكره في حكم أخذ الأجرة على تعليم القرآن الكريم، وقد تقدّم مفصلًا فأغنى عن الإعادة (١).
الأدلة والمناقشة:
من الملاحظ أن الأقوال في هذه المسألة هي نفس الأقوال في مسألة أخذ الأجرة على تعليم القرآن مع اختلاف يسير يأتي بيانه.
من أجل ذلك كانت أدلتهم في المسألتين واحدة، فأدلة من منع مطلقًا من أخذ الأجرة على تعليم القرآن هي نفس أدلتهم في المنع من أخذه الأجرة على تعليم العلوم الشرعية، وهكذا أدلة من أجاز مطلقًا، وأدلة من أجاز للحاجة والضرورة، وقد تقدّمت كلّ هذه الأدلة مع مناقشاتها فأغنى عن إعادتها (٢).
وقد استدل المالكية على كراهة الاستئجار على تعليم العلوم الشرعية بما يأتي:
الدّليل الأوّل:
قالوا: إنّه يخشى أن يؤدِّي الاستئجار على التعليم تقليل الطلب للعلّم الشرعي، والمطلوب هو كثرة طلبه، فلهذا تكره الإجار عليه (٣).
مناقشة الاستدلال:
تمكن مناقشة هذا الدّليل: بأن أخذ الأجرة على تعليم القرآن إنّما تجوز للضرورة والحاجة، وهذا فيه محافظة على العلم وتكثير طلبه؛ لأنّه إذا لم تراع حاجة المعلم انصرف إلى الكسب وترك التعليم، وهذا فيه من الفساد وذهاب العلم ما لا يخفى، فإذا جاز للضرورة والحاجة فلا كراهة حينئذ.
стр. 568
الدّليل الثّاني:
قالوا: إنَّ الإجارة على تعليم العلم الشرعي خلاف ما عليه السلف الصالح (١).
تمكن مناقشة هذا الدّليل: بأن السلف وإن يكثر فيهم الاحتساب، وكان للعلّماء أعطيات من بيت المال، وتكثر في المتعلمين المروءة فلم يكن السلف بحاجة إلى الاستئجار على التعليم (٢).
الترجيح:
الترجيح في هذه المسألة كالترجيح في مسألة تعليم القرآن الكريم، حيث يترجح القول الأوّل الّذي يقضي بجواز الاستئجار على تعليم العلوم الشرعية للحاجة والضرورة؛ لما في هذا القول من الجمع بين الأدلة والعمل بها جميعًا والعمل بالدّليلين أولى من إهمال أحدهما، ولغير ذلك من المرجحات الّتي سبق ذكرها في مسألة أخذ المال على القرآن الكريم (٣).
стр. 569
المطلب الثّالث أخذ المال على كتابة العلم الشرعي
وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: أخذ المال على نسخ كتب العلم وطباعتها
القول في هذه المسألة كالقول في مسألة أخذ الأجرة على كتابة المصحف وطباعته، فإن كثيرًا من العلماء لم يفرقوا بين المسألتين.
فقد ذهب جمهور الفقهاء إلى جواز أخذ الأجرة على نسخ كتب العلم وطباعتها، وممن قال بذلك: الحنفية (١)، وهو المعتمد عند المتأخرين من المالكية (٢)، وهو قول الشّافعيّة (٣) والحنابلة (٤) والظاهرية (٥).
قال الإمام السرخسي: "ولو استأجر رجلًا يكتب له مصحفًا أو فقهًا معلومًا وإن جائزًا" (٦).
وقال عليش (٧): " ... وعلى هذا فتجوز الإجارة على تعليمه وكتابته وهو أحسن، ولا أرى أن يختلف فيه اليوم لنقص فهم النَّاس وحفظهم عمن تقدّم" (٨).
стр. 570
وقال قليوبي (١): "يصح الاستئجار للنساخة يبين كيفية الخط ورقته وغلظه، وعدد الأوراق وسطور كلّ صفحة كذا" (٢).
وقال ابن قدامة: "ويجوز استئجار ناسخ لينسخ له كتب فقه أو حديث أو شعر مباح أو سجلات، نصّ عليه ... ، ولا بد من التقدير بالمدة أو العمل" (٣).
وقال ابن حزم: "والإجارة جائزة على تعليم القرآن ... ونسخ كتب العلم" (٤).
وأمّا المالكية فقد ذهبوا في المعتمد في المذهب إلى كراهة أخذ الأجرة على نسخ كتب العلم (٥)، وقد بنوا هذا القول على القول بكراهة بيع كتب الفقه، فإذا كره بيع كتب الفقه كرهت كتابتها، كما يكره كذلك أخذ الأجرة على تعليم الفقه ونحوه، وقد تقدّم قولهم في ذلك وما ذكروه من أدلة وما ورد عليها من مناقشات.
والحق الذي لا ريب فيه أن ما ذهب إليه الجمهور هو الصواب وهو الأولى بالأخذ لما يأتي:
أوَّلًا: لما تقدّم من أدلة على جواز كتابة المصحف وطبعه (٦).
ثانيًا: أن الكتابة عمل معلوم، وهو يتحقق من المسلم والكافر فلا يختص أن يكون فاعله من أهل القربة، فجاز أخذ الأجرة عليه (٧).
стр. 571
ثالثًا: إنَّ الاستئجار على كتابة العلم الشرعي أمر متعارف عليه من غير نكير، فدلّ على جوازه (١).
وأمّا ما ذهب إليه المالكية من القول بالكراهة، فقد ردّ ذلك المحققون من أهل المذهب (٢)، وبينوا أنّه لا ينبغي أن يختلف في جواز ذلك خاصّة في هذا الزّمان وعللوا ذلك بما يأتي:
أوَّلًا: إنَّ حفظ النَّاس للعلّم قد نقص، وكذلك أفهامهم قد نقصت بخلاف ما كان عليه الصدر الأوّل من العلماء، وعليه فلا وجه للكراهة، بل القول بجواز ذلك هو الأولى والأحسن (٣).
ثانيًا: أن القول بكراهة كتابة العلم وطباعته يؤدِّي إلى ضياع العلم وذهاب رسمه فلا يصح القول بالكراهة (٤).
المسألة الثّانية: أخذ المال على التأليف (٥) والتحقيق (٦)
المراد بهذه المسألة هو أخذ المال على التأليف والتحقيق في مجال العلوم الشرعية
стр. 572
من تفسير وفقه وحديث ودعوة وغيرها من علوم الشّريعة المطهرة.
والتأليف في مجال العلوم الشرعية هو من أهم الوسائل لتقييد العلم وتداوله ونشره بين النَّاس في كلّ عصر وفي كلّ مصر وما زال النَّاس ينتفعون بذلك، وإلى ما شاء الله تعالى، ولولا ذلك ما وصل إلينا ما وصل من علوم الشّريعة.
والتأليف بهذه المثابة من أجل القرب وأفضل الطاعات، وهو من العلم الّذي ينتفع به صاحبه في حياته وبعد مماته ففي الدنيا برفع ذكره وثناء النَّاس عليه ودعائهم له، وفي الآخرة بالجزاء الأوفى من الله تعالى، وهو من عمل المرء الصالح الّذي ينتفع به في حياته ولا ينقطع بوفاته.
ويدلُّ لذلك ما رواه أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا مات الإنسان انقطع عمله إِلَّا من ثلاث: صدقة جارية وعلم ينتفع به، وولد صالح يدعو له) (١).
والعلّم الّذي ينفع صاحبه في حياته وبعد موته يحصل بأمرين أو بأحدهما:
الأمر الأوّل: جلوسه للتعليم مشافهة
وهذا شأن العلماء في كلّ عصر وفي كلّ مصر من لدن النّبيّ ﷺ وإلى عصرنا هذا، يجلسون لتعليم العلم في كلّ فن ويحمله عنهم طلابهم، ثمّ يقومون بدورهم بنشر هذا العلم ونقله إلى بعدهم، وهكذا. فيلحق العالم ثواب ذلك كله إلى ما شاء الله أن يكون.
الأمر الثّاني: التأليف والتصنيف
وهذه الطريقة من أجل الطرق لحفظ العلم وبقائه، فينتفع النَّاس بذلك في حياة المؤلِّف وبعد وفاته، وإلى أجيال كثيرة، وما نراه اليوم من كثرة المؤلِّفات ووفرة الأمهات في كلّ فن من فنون الشّريعة ما هو إِلَّا ثمرة من ثمرات التأليف وكتابة العلم وتحريره.
стр. 573
أمّا ما يتعلّق بالأمر الأوّل وهو الجلوس للتعليم فقد سبق الكلام عليه من حيث جواز أخذ الرزق على التعليم وكذلك جواز أخذ الأجرة عليه على الراجح من أقوال العلماء.
وأمّا ما يتعلّق بالأمر الثّاني وهو التأليف والتصنيف في مجال العلوم الشرعية فلا خلاف في أن من ألف كتابًا أو حقق كتابًا في علوم الشّريعة الّتي يحتاج إليها المسلمون واحتسب ذلك فلم يأخذ عليه عوضًا أن ذلك من أفضل القرب وأحبها إلى الله تعالى، وذلك أن الأصل هو نشر العلم احتسابًا، وهذا كان شأن علماء الأُمَّة منذ البعثة المحمدية وإلى يومنا هذا، فقد كان الصّحابة ﵃، والتابعون وتابعوهم بإحسان، وغيرهم من الأئمة الأعلام، في الفقه والحديث والقرآن وغيرها من العلوم، يقومون بالتعليم ونشر العلم بين عامة النَّاس وفي كافة الأمصار احتسابًا لوجه الله تعالى، سواء أكان ذلك بالمشافهة أم بالكتابة (١). ولم تعرف هذه النازلة وهي أخذ الحقوق المالية على التأليف ونشر العلم إِلَّا في هذا العصر، وهذه النازلة تسمى (حق التأليف)، وهي أحد مفردات ما يسمى بالحقوق المعنوية.
وقد برزت هذه النازلة في هذا العصر، في أعقاب التطور الهائل والسريع في وسائل الطباعة ونشر الكتب والأبحاث، وكان ذلك على إثر التوجه الكبير والعناية الفائقة، بالعلّم الشرعي والتأليف فيه (٢).
والذي يعنينا هنا من هذه الحقوق، هو العوض المالي على حق التأليف والتحقيق، وقد انبرى العلماء من أهل العصر لدراسة هذه النازلة وبيان حكمها الشرعي، والذي يهمنا هنا هو: حق التأليف في مجال العلوم الشرعية باعتباره قربة إلى الله تعالى.
стр. 574
وسيكون البحث في هذه المسألة على النحو التالي:
أوَّلًا: صورة المسألة:
إذا قام عالم أو باحث بتأليف كتاب في العلم الشرعي، أو قام بتحقيق كتاب لأحد العلماء السابقين، فهل يجوز له أخذ العوض المالي من أجرة أو جعالة على هذا العلم أم لا؟
ثانيًا: تحرير محلّ النزاع:
١ - لا خلاف بأن التأليف أو التحقيق في غير العلوم الشرعية يجوز أخذه الأجرة عليه والاحتفاظ بحقوق التأليف فيها وبخاصة الحق المالي؛ لأنَّ التأليف أو التحقيق في هذه الحالة ليس بقربة بل هو أمر مباح، فيجوز أخذ العوض عليه، ومن نظائره: تعليم الخط والحساب والشعر ونحوها، فإنّه يجوز أخذ الأجرة على ذلك بغير خلاف (١).
٢ - ولا خلاف بأن المؤلِّف أو المحقق إذا قام بطبع عمله أن له أن يأخذ عوض ما أنفقه من تكاليف النسخ والطبع والتوزيع، فإذا قام المؤلِّف ببيع كتابه بسعر ما تكلفه فلا حرج عليه في أخذ ذلك؛ لأنّه حقه أنفقه، فله استرجاعه (٢).
٣ - إذا قام المؤلِّف أو المحقق بنشر عمله هذا متبرعًا محتسبًا، فهذا من أحب الأعمال إلى الله تعالى، والله تعالى يجزيه على ذلك (٣).
стр. 575
٤ - إذا قام المؤلِّف أو المحقق ببيع كتابة أو تأليفه إلى أحد دور النشر وأخذ العوض على ذلك، وكان غرضه هو الربح المادي، والاحتفاظ بحق التأليف المالي فهل يجوز له ذلك أم لا؟
اختلف فقهاء العصر والباحثون في حكم ذلك على قولين:
القول الأوّل:
يجوز للمؤلف أو المحقق أخذ العوض المالي على تأليفه أو تحقيقه في مجال العلوم الشرعية، وأن يحتفظ بهذا الحق، ويعد هذا حق مصون يحرم الاعتداء عليه (١).
القول الثّاني:
لا يجوز للمؤلف أو المحقق أخذ العوض المالي على تأليفه أو تحقيقه في العلوم الشرعية (٢).
سبب الخلاف:
يرجع سبب الخلاف في هذه المسألة إلى ما يلي:
أن التأليف والتحقيق في العلوم الشرعية قربة إلى الله تعالى كتعليم القرآن وأمور الاعتقاد والحلال والحرام، وهذه الأمور مختلف فيها، فجاء الخلاف هنا أثر الخلاف هناك، فمن قال: بجواز الاستئجار على القرب قال: بجواز أخذ العوض على التأليف لكونه قربة، ومن منع من الاستئجار على القرب، منع من أخذ العوض هنا، بجامع القربة في كلٍ (٣).
стр. 576
الأدلة والمناقشة:
أوَّلًا: أدلة أصحاب القول الثّاني:
استدل أصحاب هذا القول على ما ذهبوا إليه من المنع من أخذ العوض المالي على التأليف أو التحقيق في العلوم الشرعية بما يأتي:
الدّليل الأوّل:
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من كتم علمًا يعلمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار) (١).
وجه الاستدلال:
أن حبس المؤلِّف لكتابه عن الطبع والتداول إِلَّا بثمن باب من أبواب كتم العلم، فيناله الوعيد، فيمتنع ذلك والله أعلم (٢).
مناقشة الاستدلال:
نوقش هذا الاستدلال بما يأتي:
أن الوعيد في هذا الحديث متوجه لمن كتم العلم الّذي يلزمه تعليمه إياه، ويتعين عليه فرضه، كمن رأى كافرًا يريد الإسلام فيقول: علموني ما الإسلام وما الدِّين؟ وكمن يرى رجلًا حديث عهد بالإِسلام، ولا يحسن الصّلاة وقد حضر وقتها يقول: علموني كيف أصلّي؟ وكمن جاء مستفتيًا في حلال أو حرام يقول: أفتوني
стр. 577
أرشدوني، فإنّه يلزم في مثل ذلك أن يُعرّف الجواب، فمن منعه استحق الوعيد،
وليس الأمركذلك في نوافل العلم الّتي لا يلزم تعليمها (١).
الدّليل الثّاني:
قالوا: إنّه لا يجوز التعبد بعوض، والعلّم عبادة ليس صناعة أو تجارة، فالتأليف في العلوم الشرعية عبادة، وعليه فلا تجوز المعاوضة عليه (٢).
مناقشة الاستدلال:
يمكن مناقشة هذا الاستدلال بما يأتي:
أن التأليف في العلوم الشرعية وإن كان عبادة إِلَّا أنّه يجوز المعاوضة عليه، قياسًا على تعليم القرآن والعلّوم الشرعية، فإن الراجح -كما تقدّم- جواز المعاوضة عليها، وهي من القربات، فكذلك التأليف والتحقيق، بجامع أن كلًا منها نشر للعلّم الشرعي وبيان لدين الله .
الدّليل الثّالث:
قالوا: إنَّ حق المؤلِّف لا يعدو أن يكون حقًا مجردًا، والحق المجرد لا يقوّم بمال ولا يستعاض عنه بالمال كحق الشُّفعَةِ، وعليه فلا يجوز أخذ العوض المالي على التأليف أو التحقيق (٣).
الدّليل الرّابع:
قالوا: إنَّ عدم الاحتفاظ بحق التأليف أو الاعتياض عنه بمال، بمعنى أن يكون حق الطبع لكل مسلم، يحقق مقصدًا من مقاصد الشّريعة، ألَّا وهو نشر العلم الشرعي، وراوجة بين النَّاس وإغناء المكتبة الإِسلامية به (٤).
стр. 578
ثانيًا: أدلة أصحاب القول الأوّل:
استدل هؤلاء بعدد من الأدلة، ومن جملتها الأدلة الدالة على جواز الاستئجار على تعليم القرآن الكريم والعلّوم الشرعية، وكذلك الأدلة الدالة على نسخ المصحف، ونسخ كتب العلم ومن هذه الأدلة:
الدّليل الأوّل:
حديث ابن عبّاس ﵄ في الرقية، وفيه قول النّبيّ ﷺ : (إنَّ أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله) (١).
وجه الاستدلال:
أن هذا الحديث دلّ على جواز أخذ العوض على القرآن الكريم، وعليه فيجوز أخذ العوض على السُّنَّة من باب أولى، وإذا جاز أخذ العوض على الوحبين، ففيما تفرع عنهما من الاستنباط والفهوم، وتقعيد القواعد، وتأصيل الأصول من باب أولى، فصارت دلالة هذا الحديث على جواز أخذ العوض على التأليف أولى من مورد النص (٢).
الدّليل الثّاني:
حديث سهل بن سعد الساعدي ﵁ في قصة جعل القرآن صداقًا حيث جاء فيه قول النّبيّ ﷺ : (انطلق فقد زوجتكها فعلمها من القرآن) (٣).
وجه الاستدلال:
أنّه إذا جاز جعل تعليم القرآن عوضًا تستحل به الأبضاع فمن باب أولى أخذ العوض عليه لتعليمه ونشره، وأولى منهما أخذ العوض على التأليف؛ لأنّه يحمل
стр. 579
أحكام ومفاهيم الكتاب والسُّنَّة، وعليه فإن دلالة هذا الحديث على جواز العوض على التأليف أولى من مورد النص والله أعلم (١).
الدّليل الثّالث:
أنّه إذا كان المصنَّف ملك لمصنفه وثبتت ملكيته، فله أن يتصرف في ملكه بأنواع التصرفات الجائزة أو المشروعة كبيعه أو هبته أو وقفه أو نحو ذلك من التصرفات (٢).
الدّليل الرّابع:
أن تجويز أخذ العوض المالي على التأليف والتحقيق، فيه دفع عظيم للبحث والتحقيق ونشر العلم، وشحذ لهمم العلماء لنشر علمهم وإبداعهم واجتهادهم، وهذا من أهم مقاصد الشّرع (٣).
الدّليل الخامس:
دلّ صنيع أهل العلم المتقدمين على أن مصنفاتهم ملك لهم أصلًا، ولولا أنّها ملك لهم لما استجازوا بيعها بالمال، وقد ثبت أن كثيرًا من أهل العلم بيعت كتبهم بأثمان كثيرة (٤).
فدلّ ذلك على جواز أخذ العوض المالي على التأليف.
الترجيح:
الراجح من القولين السابقين هو القول الأوّل القاضي بجواز أخذ العوض المالي على التأليف في العلوم الشرعية، وترجع أسباب رجحانه لما يأتي:
стр. 580
أوَّلًا: قوة أدلة هذا القول حيث جاءت الأدلة من السُّنَّة واضحة الدلالة على جواز ذلك.
ثانيًا: أنّه أمكن مناقشة ما أورده المانعون.
ثالثًا: أن هذا القول هو الّذي اختاره أهل العلم قاطبة في هذا العصر إِلَّا القليل منهم، وقد بحث مجمع الفقه الإِسلامي بجدة هذه النازلة وخرج بالقرار التالي:
"حقوق التأليف والاختراع أو الابتكار مصونة شرعًا ولأصحابها حق التصرف فيها، ولا يجوز الاعتداء عليها" (١).
стр. 581
الباب الثّاني أخد المال على المعاملات والولايات الشرعية
وفيه فصلان:
الفصل الأوّل: أخذ المال على المعاملات.
الفصل الثّاني: أخذ المال على الولايات الشرعية.
стр. 582
الفصل الأوّل أخذ المال على المعاملات
وفيه ستة مباحث:
المبحث الأوّل: أخذ المال على القرض
المبحث الثّاني: أخذ المال على الضمان والكفالة
المبحث الثّالث: أخذ المال على الصلح
المبحث الرّابع: أخذ المال على الوديعة
المبحث الخامس: أخذ المال على نظارة الوقف
المبحث السّادس: أخذ المال على الوصايا
стр. 583
المبحث الأوّل أخذ المال على القرض (١)
لا خلاف بين الفقهاء في أن القرض أحد أهم عقود الإرفاق والإحسان والبر والتبرع، وهو قربة بل ومن أجلّ القرب إذا كان بضوابطه وشروطه الشرعية، وذلك لما فيه من إيصال النفع للمقترض، وقضاء حاجته، وتفريج كربته (٢).
والناظر في حياة النَّاس يجد الحاجة إليه عامة، فما من أحد إِلَّا وهو محتاج إليه في معاملاته، سواء أكان مقرضًا أم مستقرضًا، ومن هنا فقد اعتنى الفقهاء به عناية
стр. 584
خاصّة، فبينوا أحكامه وضبطوا مسائله، ومن أهم المسائل الّتي عني بها الفقهاء هي مسألة أخذ العوض على القرض سواء أكان ذلك في سورة زيادة صريحة أم كان في سورة زيادة غير صريحة يمكن أن يتمثل في هدية أو عقد آخر أو اشتراط أي منفعة يحتال بها على الوصول إلى الزيادة أو المنفعة على القرض.
وكان سبب هذه العناية بأحكام القرض وبخاصة مسألة العوض عليه هو أن الزيادة أو الفائدةُ المحرمة تخرج القرض من دائرة البرّ والإحسان والإرفاق، إلى براثن الرِّبَا المحرم، وحرمة الرِّبَا وخطره على المسلم في الدنيا والآخرة من الأمور المعلومة بالضرورة.
وسأتناول الكلام على أخذ المال على القرض في المطالب التالية:
стр. 585
المطلب الأولى اشتراط الزيادة على القرض
أجمع العلماء على أنّه إذا شرط المقرض على المقترض زيادة أو هدية أو منفعة أن ذلك لا يجوز والزيادة على القرض تكون ربا، ويترتب على ذلك فساد عقد القرض، سواء أكانت هذه الزيادة في القدر، بأن يردّ المقترض أكثر ممّا أخذ من جنسه، أم بأن يزيد هدية من مال آخر، أم كانت هذه الزيادة في الصِّفَة بأن يردّ المقترض أجود ممّا أخذ (١).
قال ابن عبد البرّ: "وكل زيادة في سلف أو منفعة ينتفع بها المسلف فهي ربا،
ولو كانت قبضة من علف، وذلك حرام إنَّ كان عن شرط" (٢).
وقال ابن المنذر: "أجمعوا على أن المسلِف إذا شرط على المستسلف زيادة أو هدية فأسلف على ذلك، أن أخذ الزيادة على ذلك ربا" (٣).
بالإضافة إلى الإجماع السابق على تحريم الزيادة على القرض فقد استدل الفقهاء على ذلك بما يأتي:
стр. 586
الدّليل الأوّل:
عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا أقرض أحدكم قرضًا فأهدى إليه طبقًا، فلا يقبله أو حمله على دابة فلا يركبها، إِلَّا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك) (١).
وجه الاستدلال:
حيث منع النّبيّ ﷺ المقرض من قبول هدية المقترض أو منفعته، ما لم يكن بينهما عادة جارية بذلك قبل القرض، فدلّ ذلك على أن أي منفعة أو هدية تكون بسبب القرض أنّها محرّمة (٢).
الدّليل الثّاني:
عن فضالة بن عبيد ﵁ أنّه قال: "كلّ قرض جر منفعة فهو وجه من وجوه الرِّبَا" (٣).
стр. 587
قال الإمام البيهقي (١): "وروينا في معناه عن عبد الله بن مسعود وأبي ابن كعب، وعبد الله بن سلام وابن عبّاس" (٢).
الدّليل الثّالث:
قالوا: إنَّ موضوع عقد القرض الإرفاق والقربة، فإذا اشترط المقرض فيه زيادة أو حقًا لنفسه، خرج عن موضوعه فمنع صحتَه؛ لأنّه يكون بذلك قرضًا للزيادة، لا للإرفاق والقربة (٣).
الدّليل الرّابع:
قالوا: إنَّ الزيادة المشروطة تشبه الرِّبَا؛ لأنّها فضل، لا يقابله عوض، والتحرز عن حقيقة الرِّبَا، وعن شبهة الرِّبَا واجب (٤).
стр. 588
المطلب الثّاني الزيادة على القرض مع عدم الاشتراط
إذا أقرض الرَّجلُ الرجلَ فقضاه المقترض بأجود أو أكثر ممّا أخذ أو ببلد آخر ونحو ذلك، ولم يكن ذلك عن شرط أو جرى به عرف، فقد اختلف الفقهاء في حكم ذلك على قولين:
القول الأوّل:
يجوز رد القرض بأفضل أو أكثر منه إذا لم يكن ذلك عن شرط أو جرى به عرف.
وإلى هذا ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشّافعيّة (٣) والحنابلة (٤).
القول الثّاني:
لا يجوز ذلك، بل يجب رد المثل دون زيادة.
وإلى هذا ذهب بعض الصّحابة منهم ابن عبّاس وابن عمر (٥)، وهو وجه عند الشّافعيّة في الربويات (٦) خاصّة، وذكر أبو الخطّاب: أنّه رواية في المذهب (٧).
стр. 589
الأدلة والمناقشة:
أوَّلًا: أدلة أصحاب القول الثّاني:
استدل هؤلاء على المنع من الزيادة على القرض إنَّ لم تكن عن شرط بما يأتي:
قالوا: إنّه إنَّ أخذ فضلًا كان قرضًا جر منفعة وهذا لا يجوز؛ لأنَّه ربا (١).
وستأتي مناقشة هذا التعليل ضمن أدلة الجمهور.
ثانيًا: أدلة أصحاب القول الأوّل:
استدل الجمهور على الجواز بأدلة كثيرة من السُّنَّة والمعقول.
أ - أدلتهم من السُّنَّة:
الدّليل الأوّل:
عن أبي هريرة ﵁ قال: كان لرجل على رسول الله ﷺ سنّ من الإبل، فأغلظ له، فهمّ به أصحاب النّبيّ ﷺ فقال ﷺ : (دعوه فإن لصاحب الحق مقالًا، واشتروا له بعيرًا فأعطوه إياه)، وقالوا: لا نجد إِلَّا أفضل من سنه، قال: (اشتروه فأعطوه إياه، فإن خيركم أحسنكم قضاء) (٢).
وجه الاستدلال:
حيث دلّ فعل النّبيّ ﷺ على جواز وفاء ما هو أفضل من المثل المقترض إذا لم تقع شرطية ذلك في العقد (٣).
стр. 590
الدّليل الثّاني:
عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: أتيت النّبيّ ﷺ وهو في المسجد، فقال: (صل ركعتين) وكان لي عليه دين فقضاني وزادني (١).
وجه الاستدلال:
حيث دلّ فعل النّبيّ ﷺ على جواز الزيادة على القرض إذا لم يكن ذلك عن شرط.
الدّليل الثّالث:
قالوا: إنَّ المقرض لم يجعل تلك الزيادة عوضًا في القرض ولا وسيلة إليه ولا إلى استيفاء دينه فحلت، كما لو لم يكن قرض (٢).
الدّليل الرّابع:
قالوا: إنَّ الرِّبَا اسم لزيادة مشروطة في العقد، ولم توجد، فدلّ ذلك على جوازها (٣).
الترجيح:
الراجح من القولين هو قول الجمهور لقوة ما استدلوا به، حيث جاءت أدلتهم نصية، فحديث أبي هريرة وحديث جابر صريحة في جواز الزيادة بدون اشتراط، فهي نصّ في محلّ النزاع.
стр. 591
المطلب الثّالث الهدية ونحوها للمقرض
تتبع الفقهاء رحمهم الله تعالى جميع الطرق والمنافذ الّتي قد يدخل منها أرباب القلوب المريضة للوصول إلى أخذ الزيادة المحرمة على القرض، ومن هذه الطرق الّتي قد تفضي إلى قلب القرض من وسيلة إحسان وإرفاق وبر وقربة إلى وسيلة لأكل الرِّبَا المحرم: طريق الهدية.
والهدية مستحبة في الأصل وهي من طرق المحبة والألفة والبر بين المسلمين، ولكنها إذا اتخذت وسيلة للمحرم، فإنها تكون حينئذ محرّمة وذلك؛ لأنَّ الوسائل لها حكم المقاصد.
أمّا حكم الهدية على القرض فيمكن حصر القول في ذلك على النحو التالي:
- اتفق الفقهاء ﵏ على أن الهدية من المقترض للمقرض إذا لم تكن من أجل القرض ولم تكن عن شرط، وقد جرت بها العادة قبل القرض أنّها في هذه الحالة تكون جائزة ولا حرج على المقرض في قبولها (١).
جاء في الفتاوى الهندية: (ولا بأس بهدية من عليه القرض، والأفضل أن يتورع من قبول الهدية، إذا علم أنّه يعطيه لأجل القرض، وإن علم أنّه يعطيه لا لأجل القرض، بل لقرابة أو صداقة بينهما لا يتورع) (٢).
стр. 592
وقال ابن عبد البرّ: "وكره مالك أكل هدية الغريم إِلَّا أن يكون ذلك بينهما معروفًا قبل السلف أو يعلم أن هديته ليست لمكان الدِّين" (١).
قال الشربيني: "ولا يكره للمقرض أخذه -أي الزائد بلا شرط- ولا أخذ هدية المستقرض بغير شرط" (٢).
وقال ابن قدامة: "وإن فعل ذلك من غير شرط، قبل الوفاء لم يقبله ولم يجز قبوله إِلَّا أن يكافئه أو يحسبه من دينه، إِلَّا أن يكون شيئًا جرت العادة به بينهما، قبل القرض" (٣).
وقال ابن حزم: "وهدية الّذي عليه الدِّين إلى الّذي له عليه الدِّين حلال وكذلك ضيافته إياه، ما لم يكن شيء من ذلك عن شرط، فإن كان شيء عن شرط فهو حرام" (٤).
وقد استدل الفقهاء على ذلك بما يأتي:
الدّليل الأوّل:
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لو دعيت إلى كراع لأجبت، ولو أهدي إليّ كراع لقبلت) (٥).
وجه الاستدلال:
دلّ الحديث بعمومه على قبول الهدية سواء أكانت من الغريم أم من غيره، قال ابن حزم: "فهذا عموم لم يخص ﵇ من ذلك غريمًا من غيره" (٦).
стр. 593
الدّليل الثّاني:
عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا أقرض أحدكم قرضًا فأهدى إليه طبقًا فلا يقبله، أو حمله على الدابة، فلا يركبها ولا يقبله، إِلَّا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك) (١).
وجه الاستدلال:
حيث دلّ الحديث على أن الهدية من المقترض للمقرض إذا كانت لأجل عادة جارية بينهما قبل التداين فلا بأس بقبولها (٢).
الدّليل الثّالث:
عن ابن سيرين أن عمر أسلف أبي بن كعب عشرة آلاف درهم، فأهدى إليه أبي بن كعب من ثمرة أرضه، فردها عليه ولم يقبلها، فأتاه أبي، فقال: لقد علم أهل المدينة أني من أطيبهم ثمرة؛ وإنه لا حاجة لنا، فبم منعت هديتنا؟ ثمّ أهدى إليه بعد ذلك فقبل (٣).
الدّليل الرّابع:
قالوا: إنَّ المقترض لم يجعل تلك الزيادة عوضًا في القرض ولا وسيلة إليه ولا إلى استيفاء دينه، أشبه ما لم يكن قرض، فدلّ ذلك على جواز قبول الهدية من المقترض إذا لم تكن عن شرط، ولا مواطأة (٤).
قال ابن القيم: ﵀ "فكان رد عمر لما توهم أن تكون هديته بسبب القرض، فلما تيقن أنّها ليست بسبب القرض، قبلها، وهذا فصل النزاع في مسألة
стр. 594
هدية المقرض" (١).
أمّا إذا كانت الهدية عن شرط، فقد أجمع العلماء على المنع منها وأنّها عين الرِّبَا، قال ابن المنذر: "أجمعوا على أن المسلف إذا شرط على المستسلف زيادة أو هدية فأسلف على ذلك، أن أخذ الزيادة على ذلك ربا" (٢).
وقد تقدّم مستند هذا الإجماع، وما استدل به الفقهاء على المنع من الهدية أو الزيادة في المسألة الأولى فأغنى عن الإعادة (٣).
стр. 595
المطلب الرّابع اشتراط عقد آخر في القرض
من الذرائع المفضية إلى الرِّبَا المحرم: اشتراط عقدًا آخر في عقد القرض كبيع أو إجارة أو مزارعة أو مساقاة أو قرض آخر وقد اتفق الفقهاء رحمهم الله تعالى على المنع من ذلك، وعدوا ذلك من الشروط الفاسدة، وذلك لمنافة هذه العقود لمقتضى عقد القرض. وقد استدلوا على المنع من ذلك بما يأتي:
الدّليل الأوّل:
عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدة، قال، قال رسول الله ﷺ : (لا يحل سلف وبيع) (١).
وجه الاستدلال:
قال ابن القيم رحمه الله تعالى مبينا وجه الاستدلال من هذا الحديث: "وحرم الجمع بين السلف والبيع لما فيه من الذريعة إلى الربح في السلف بأكثر ممّا أعطى، والتوسل إلى ذلك بالبيع أو الإجارة كما هو الواقع ... وكل ذلك سدًا لذريعة أخذ الزيادة في القرض الّذي موجبه ردّ المثل" (٢).
وقال ﵀: "وأمّا السلف والبيع، فإنّه إذا أقرضه مائة إلى سنة ثمّ باعه ما يساوي خمسين بمائة، فقد جعل هذا البيع ذريعة إلى الزيادة في القرض الّذي موجبه
стр. 596
رد المثل، ولولا هذا البيع لما أقرضه، ولولا عقد القرض لما اشترى ذلك" (١).
الدّليل الثّاني:
قالوا: ولأنّهما جعلا رفق القرض ثمنًا، والشرط لغو، فيسقط بسقوطه بعض الثّمن، ويصير الباقي مجهولًا، قال الخطابي: "وذلك فاسد؛ لأنّه إنّما يقرضه على أن يحابيه في الثّمن، فيدخل الثّمن في حدّ الجهالة" (٢).
الدّليل الثّالث:
قالوا: إنَّ القرض ليس من عقود المعاوضة، وإنّما هو من عقود البرّ والمكارمة، فلا يصح أن يكون له عوض، فإن قارن القرض عقد معاوضة كان له حصة من العوض، فخرج عن مقتضاه، فبطل وبطل ما قارنه من عقود المعاوضة (٣).
الدّليل الرّابع:
قالوا: إذا كان القرض غير مؤقت فهو غير لازم للمقرض والبيع وما أشبهه من العقود اللازمة، كالإجارة والنِّكاح لا يجوز أن يقارنها عقد غير لازم لتنافي حكميهما (٤).
الدّليل الخامس:
قالوا: ولأنّه شرط عقد في عقد فلم يجز، كما لو باعه داره بشرط أن يبيعه الآخر داره (٥).
стр. 597
المطلب الخامس القروض البنكية
القروض البنكية لها صور وأشكال وهي في مجملها لا تخلو من حالتين:
الحالة الأولى: أن تكون ضمن خدمات مصرفية:
وأمثلة ذلك خطاب الضمان والاعتمادات المستندية، وخطابات الاعتماد الشخصية ونحو ذلك، وقد تقدّم معنا أن هذه الخدمات الّتي تقدمها البنوك تنتهي -غالبًا- إلى قروض ربوية، وقد سبق الحديث عنها مفصلًا.
الحالة الثّانية: أن تكون هذه القروض بصورة مباشرة:
وهذه الحالة هي موضوع حديثنا، وهي من أخطر ما تقوم به البنوك وهي في نفس الوقت من أبسط صور الاعتمادات المصرفية، ولا يبعد القول بأن معاملات البنوك تكاد تنحصر في الاتجار بالديون إقراضًا واقتراضًا وإن تعددت الصور والأشكال في ذلك.
فالبنك يقوم باقتراض الودائع من عملائه -وهذا هو الراجح كما تقدّم- ثمّ يقوم بدوره بإقراض حصيلة هذه الودائع أو الديون للمتمولين أو للمستثمرين، وكل ذلك يتم وفق فائدة محددة متفق عليها سلفًا (١).
وسيكون البحث في القروض البنكية على النحو التالي:
стр. 598
أوَّلًا: تعريف الإقراض البنكي:
الإقراض البنكي هو: "اتفاق يسمح بموجبه المصرف لشخص فتح له اعتمادًا، بسحب المبالغ المعينة في هذا الاعتماد، خلال مدة معينة، أو يتفق مع المصرف على أن يدفع هذا الأخير قيمة الاعتماد لشخص آخر يعينه العميل" (١).
والتعريف السابق تركز على فتح الاعتماد سواء كان القرض لنفس العميل أم كان لشخص آخر يحدده العميل.
والتعريف السابق يشمل سورة واحدة من صور الأقراض البنكي وهي فتح الاعتماد.
وهناك سورة أخرى وهي عملية القرض العادي المباشر من البنك للعميل فيتقدم العميل بطلبه للبنك، ويتسلم بموجبه مقدارًا محددًا من المال (٢). وقد عرف الباحثون هذا النوع من الإقراض بأنّه: "هو تسليم النقود مباشرة للعميل، وتحديد أجل للرد، واتفاق على سعر الفائدةُ، وبيان الضمانات إذا اشترطت لذلك" (٣).
والفرق بين القرض النقدي المباشر وبين فتح الاعتماد يتلخص في النقاط التالية:
١ - المقترض يتسلم قيمة القرض بأكملها بعد توقيع العقد مباشرة بينما فاتح الاعتماد يسحب ما يشاء عن طريق شبكات أو غيرها في خلال المدة المسموح بها للاعتماد.
٢ - المقترض يتسلم القرض كله، بينما فاتح الاعتمادات قد يتسلم القرض كله وقد لا يتسلمه وقد يتسلم البعض فقط دون البعض الآخر.
стр. 599
٣ - المقترض يدفع كامل الفائدةُ على كامل المبلغ، بينما فاتح الاعتماد لا يحاسب إِلَّا على الأرصدة المدينة الّتي تم سحبها بالفعل.
٤ - المقترض يردّ كامل المبلغ والفوائد، بينما فاتح الاعتماد لا يردّ إِلَّا ما قد سحبه بالفعل، ونسبة الفائدةُ المستحقة على المبلغ المسحوب فقط (١).
ثانيًا: تكييف الإقراض المصرفي في الفقه الإِسلامي:
القرض في المعاملات البنكية وغيرها من الأنظمة الحديثة يعد أول عقد ربوي، فهو يعد أصل كلّ العقود الربوية المعاصرة.
وبالنظر في أحكام الشّريعة نجد الأمر على العكس فإن القرض لا يعد أصلًا من أصول العقود الربوية، إذ البيع هو الأصل في جميع أنواع الرِّبَا.
ويأتي الكلام عن القرض الربوي الّذي يجر منفعة للمقرض، تابعًا للكلام عن البيع الربوي، فالبيع الربوي يشمل القرض الربوي، ويدخل في عموم النصوص المحرمة للبيع الربوي.
من هذا المنطلق فقد خرج الفقهاء المعاصرون الإقراض البنكي على أنّه أحد عقدين:
العقد الأوّل: عقد قرض .
وهذا التخريج بعيد وإن سمته المصارف قرضًا، فلا يجوز أن يكون قرضًا عند الفقهاء؛ لأنَّ القرض في الشّرع إنّما هو دفع مبلغ من المال لآخر على وجه الإرفاق والمعونة على أن يردّ المقترض بدله دون شرط زيادة على القرض أو جريان عرف بهذه الزيادة أو أي طريقة أخرى للحصول على الزيادة، على ما سبق بيانه في الكلام حول القرض الشرعي.
стр. 600
أمّا القرض المصرفي فهو دفع مبلغ لشخص على أن يرده مع فائدة يتفقان عليها فهذا مغاير تمامًا للقرض الشرعي (١).
العقد الثّاني: عقد بيع:
وهذه التّسمية هي الّتي جاءت بها النصوص؛ لأنَّ القرض البنكي يتضمن معاوضة مالية بين نقدين -غالبًا- أحدهما عاجل، والآخر آجل على وجه المغالبة، وقصد التنمية والاستثمار، وقد سمى النّبيّ ﷺ مثل هذا بيعًا ومن ذلك:
١ - عن عثمان بن عفان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا تبيعوا الدّينار بالدينارين، ولا الدرهم بالدرهمين) (٢).
٢ - عن أبي بكرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تبيعوا الذهب بالذهب إِلَّا سواء بسواء، والفضة بالفضة إِلَّا سواء بسواء، وبيعوا الذهب بالفضة، والفضة بالذهب كيف شئتم) (٣).
وجه الاستدلال من الحديثين:
أن النّبيّ ﷺ سمى مبادلة المال بالمال على وجه الزيادة بيعًا (٤).
ثالثًا: حكم الإقراض المصرفي في الفقه الإِسلامي:
إذا خُرّج الإقراض المصرفي على أنّه قرض فهو حرام بالإجماع؛ لأنّه قرض جر نفعًا مشروطًا، وهذا هو عين الرِّبَا، وتقدم بيان حكم ذلك والأدلة على تحريمه، وأن هذا محلّ إجماع بين الفقهاء لا خلاف بينهم في ذلك.